Полный текст (826 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ومعنى الأول: أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر
ومعني الثاني: أنه انتهى بذاته، ثم حصل بعده حكم، لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة.
فالناسخ بيان لها، واختار المصنف الأول، وارتضى في تعريفه أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج بالحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية، كتحريم، أو إيجاب ما هو على البراءة الأصلية، لم يرد فيه قبل ذلك حكم، فإنه لا يسمى نسخا.
وتناول قوله: (بخطاب) اللفظ والمفهوم، وأورد عليه النسخ بالفعل كنسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ وأجيب عنه بأن الفعل نفسه لا ينسخ وإنما يدل على نسخ سابق وخرج به الرفع بالنوم أو الغفلة أو الجنون أو الموت، وعلم من ذلك أنه لا نسخ بالعقل فمن سقطت عنه العبادة لعجزه عنها لا يقال: إنها نسخت في حقه، ومن ذلك رد على الإمام فخر الدين في قوله في (المحصول): إن من سقطت رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، لأن زوال الحكم لزوال محله أو سببه ليس نسخا، وكذلك الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد في زمنه ﵊، ولا نسخ بعده، فإن أجمعوا على مخالفة نص فهو دال على ناسخ سواه، فالنسخ بدليله لا به، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: إن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع، وقد كان المصنف رحمه الله تعالى ذكر هذا في التخصيص/ (١٠٤/أ/م) ثم ضرب عليه هناك وألحقه هنا فإنه محله.
ص: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.
стр. 352
ش: خرج بالبعض الجميع، فلا يجوز نسخ جميع القرآن بالاتفاق ومثال نسخ التلاوة والحكم ما في (صحيح مسلم) عن عائشة ﵂: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس) ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: (الشيخ/ (٨٦/أ/د) والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) كان في القرآن كما رواه النسائي.
والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ومثال عكسه نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ بقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ والمعروف أن الخلاف في نسخ أحدهما فقط، وعبارة المصنف تبعا لابن الحاجب تقتضي جريانه في نسخهما معا لكنه قال في شرحه: الخلاف في نسخهما معا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن.
قلت: والمانع من وقوع النسخ في بعض القرآن مطلقا هو أبو مسلم الأصفهاني، وذكر ابن التلمساني في شرح (المعالم) أنه الجاحظ، وفيه
стр. 353
نظر، فليست كنية الجاحظ أبا مسلم بل أبو عثمان، وأبو مسلم شخص آخر من المعتزلة معروف.
ص: ونسخ الفعل قبل التمكن.
ش: الجمهور على أنه يجوز نسخ الشيء بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من فعله، سواء أكان قبل مجيء وقته أو بعده، ولكن لم يمض منه ما يمكن فعله فيه، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الحنفية والحنابلة فأما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي، لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الخلاف جريان الخلاف فيه، وحكى الصفي الهندي المنع في هذه الصورة عن الكرخي.
ص: والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة وبالسنة للقرآن وقيل يمتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة قال الشافعي وحيث وقع بالسنة فمعها/قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق/ (١٠٥/أ/م) الكتاب والسنة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ القرآن بالقرآن إجماعا، كما تقدم في عدتي الوفاة.
стр. 354
الثانية: يجوز نسخ السنة بالقرآن كالتوجه لبيت المقدس إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة، فإنه نسخ بالقرآن، وكذا مباشرة الصائم ليلا حرمت بالسنة ثم نسخ تحريمها بالقرآن، والمشهور عن الشافعي منعه، ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابنا.
الثالثة: نسخ القرآن بالسنة له صورتان.
إحداهما: أن تكون متواترة، والمشهور جواز وقوعه ومنعه الشافعي.
والمشهور عنه الجزم بمنعه، كذا نقله إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والنووي وغيرهم.
وذكر البيضاوي أن له في ذلك قولين،/ (٨٦/ب/د) والظاهر أنه إنما نفى الوقوع فقط.
الثانية: أن تكون آحادا والمشهور جوازه عقلا، وحكى الآمدي وغيره الاتفاق عليه، لكن الخلاف ثابت، نقله القاضي أبو بكر وغيره، والمشهور عدم وقوعه، وحكى إمام الحرمين عليه إجماع الأمة لكن مخالفة بعض الظاهرية في هذا مشهورة وكأنه ما اعتد بخلافهم لكن ذهب القاضي أبو بكر والغزالي إلى وقوعه في زمنه ﵊ دون ما بعده، ثم قال الشافعي: (حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون مع السنة قرآن يعضدها على النسخ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فلا بد أن يكون مع القرآن سنة موافقة له على النسخ) وعبارته في (الرسالة): (فإن قيل: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟. قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله) انتهى.
وفائدته في الصورة الأولى الاطلاع على عظمة النبي ﷺ في نسخ القرآن بسنته، وفي عكسه، انتقال الناس من سنة إلى سنة لما يترتب عليه من الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
стр. 355
ص: وبالقياس وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه والسلام والعلة منصوصة.
ش: هل يجوز النسخ بالقياس، كأن يرد نص بإباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا لم يرد جريان الربا في السنة المنصوصة فتنسخ الإباحة/ (١٠٥/ب/م) المتقدمة بالقياس على السنة المنصوصة؟ فيه مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه.
الثاني: المنع مطلقا، وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي أبو بكر واختاره، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين: إنه المذهب.
الثالث: أنه يجوز بالقياس الجلي دون غيره.
الرابع: يجوز إن كان في زمنه ﵊، وكانت علته منصوصة وإلا فلا، واختاره الآمدي وجعل الصفي الهندي المنع بعد وفاته ﵊ محل وفاق.
تنبيه:
أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا مع قوله تبعا لغيره في القياس على المستنبطة أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض. فإذا كانت المعارضة تقطعها عن العمل فقياس المستنبطة ملغى عند المعارضة فلا يكون ناسخا.
وأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: إن القياس ينسخ، وإن كانت علته مستنبطة بل أطلقنا أنه ناسخ وإنما يكون ناسخا/ (٨٧/أ/د) إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
стр. 356
قلت: إطلاقه أولا النسخ بالقياس ثم تفصيله في القول الرابع بين أن يكون علته منصوصة أم لا، يدل على اختياره النسخ بالقياس ولو كانت علته مستنبطة والله أعلم.
ص: ونسخ القياس في زمنه ﵊ وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى، وفاقا للإمام، وخلافا للآمدي.
ش: الجمهور على جواز نسخ القياس لكن بشرط أن يكون ذلك في زمنه ﵊ لاستحالته بعده، ثم قد يكون ناسخه نصا كأن يقول: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فيقاس عليه الأرز فنقول بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، وقد يكون قياسا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس.
واشترط/الإمام فخر الدين فيما إذا كان قياسا أن يكون الثاني أجلى بأن يترجح أمارته على أمارة الأول، ووافقه المصنف – ولم يتشرط الآمدي ذلك – ومنع القاضي عبد الجبار وغيره نسخ القياس لأنه مستنبط من أصل، فحكم الفرع باق ببقاء حكم الأصل، واختار الآمدي مذهبا ثالثا، وهو الجواز فيما علته منصوصة والمنع في المستنبطة.
ص: ويجوز نسخ الفحوى دون أصله/ (١٠٦/أ/م) كعكسه على الصحيح والنسخ به والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، كنسخ الضرب دون التأفيف، وعكسه كنسخ التأفيف دون الضرب كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر.
وحكى ابن السمعاني في الأولى الجواز عن أكثر المتكلمين، والمنع عن أكثر
стр. 357
الفقهاء ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال، ثالثها: منع الأولى، وجواز الثانية وعليه ابن الحاجب.
الثانية: يجوز النسخ بالفحوى، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق فيه، لكن نقل فيه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) خلافا بناء على أنه قياس، وأن القياس لا ينسخ به، وحكى ابن السمعاني المنع عن الشافعي.
الثالثة: هل يلزم من نسخ الأصل نسخ الفحوى وعكسه؟ فيه مذاهب: أحدها وبه قال الأكثرون: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.
والثاني: المنع.
والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، لأنها تابعة فلا تبقى بدون متبوعها بخلاف عكسه.
وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والأولى؟
قلت: لعل تلك فيما إذا نص مع نسخ أحدهما على بقاء الآخر وهذه عند/ (٨٧/ب/: د) الإطلاق. والله أعلم.
ص: ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر ولا النسخ بها.
ش: فيه مسائل.
стр. 358
الأولى: يجوز نسخ مفهوم المخالفة سواء نسخ الأصل أم لا، ومثال نسخها بدون المنطوق نسخ مفهوم قوله ﵊: ((إنما الماء من الماء)) بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) مع بقاء منطوقه، وهو وجوب الغسل من الإنزال.
الثانية: في نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة احتمالان للصفي الهندي وقال: إن أظهرهما أنه لا يجوز، قال: وليس المعنى فيه أنه يرتفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أنه يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.
الثالثة: لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة، قاله ابن السمعاني، لكن قال الشيخ أبو إسحاق في اللمع بعد حكايته وجها: المذهب الصحيح جوازه.
ص: ونسخ الإنشاء ولو بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد، وغيره مثل صوموا أبدا صوموا حتما، وكذا الصوم واجب مستمر أبدا إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.
ش: هذا معطوف على الإثبات/ (١٠٦ب/م) والمتقدم وليس معطوفا على المنفي قبله، وحاصله أن الإجماع منعقد على نسخ الإنشاء في الجملة ولكن اختلف في
стр. 359
صور منها:
إحداها: أن يكون بلفظ (قضى بكذا وكذا) فقال بعضهم: لا يجوز نسخه، لأن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه.
قال الشارح: وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول، إنما أخذه المصنف من كتب التفسير.
الثانية: أن يكون بصيغة الخبر نحو: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾. فقال الجمهور: يجوز نسخه باعتبار معناه.
وقال أبو بكر الدقاق: يمتنع باعتبار لفظه.
الثالثة: أن يقيد بالتأبيد جملة فعلية كقوله: صوموا أبدا وغيره، مما هو في معناه كقوله: صوموا حتما، فقال بعض المتكلمين: يمتنع نسخه لئلا يؤدي إلى البداء، وجوزه الجمهور كما يقال: لازم غريمك أبدا، والمراد: إلى أن يقضيك، والمراد هنا إلى وقت النسخ، وحكاه ابن برهان عن المعظم، وقال: القصد به المبالغة لا الدوام.
الرابعة: أن يقيد بالتأبيد جملة اسمية كقوله: الصوم واجب مستمر أبدا،/ إذا قاله على سبيل الإنشاء، فالجمهور على جواز نسخه، ومنعه ابن الحاجب وعلله بأنه خبر، فيلزم من تطرق النسخ إليه الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى.
واختار المصنف التسوية بين الصورتين نظرا للمعنى.
ص: ونسخ الإخبار بإيجاب الإخبار بنقيضه لا الخبر وقيل:/ (٨٨/أ/د) يجوز إن كان عن مستقبل.
стр. 360
ش: اختلف في جواز نسخ الخبر على مذاهب:
أحدها: المنع مطلقا، وهو مختار المصنف تبعا لابن الحاجب، وحكاه في (المحصول) عن أكثر المتقدمين.
الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول الإمام فخر الدين والآمدي.
الثالث: الجواز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي واستدل عليه بأنه يصح أن يقول السيد لعبده: لا أرضى عنك أبدا، ثم يقول: عاما واحدا.
وقال الخطابي: أنه الصحيح.
هكذا أطلق الجمهور الخلاف، وقال القاضي أبو بكر: يجوز نسخ إيجاب الإخبار بشيء، بإيجاب الإخبار بنقيضه، وهذا هو الذي بدأ المصنف بذكره، واقتضى كلامه نفي الخلاف فيه، وهو مسلم فيما يقبل التغيير كالتكليف بالإخبار بقيام زيد/ (١٠٧/أ/م) ثم التكليف بالإخبار بعدمه، لاحتمال كونه قائما عند الأول، وغير قائم عند الثاني، فإن لم يقبل التغيير كحدوث العالم فمنعه المعتزلة بناء على التقبيح العقلي وجوزه أهل السنة.
ص: ويجوز النسخ ببدل أثقل وبلا بدل لكن لم يقع وفاقا للشافعي.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: يجوز النسخ ببدل أثقل كصوم عاشوراء إن قلنا بوجوبه
стр. 361
برمضان، والحبس في البيوت بالزنا بالحد، وترك قتال المشركين لقوله: ﴿ودع آذاهم﴾ بإيجابه، ومنعه ابن داود الظاهري، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله عن الشافعي وليس بصحيح.
الثانية: يجوز النسخ بلا بدل ومنعه أكثر المعتزلة ثم قال أكثر أصحابنا بوقوعه كصدقة النجوى، فإنها وجبت ثم نسخت لا إلى بدل، وتوهم بعضهم أنه أبدل منها الزكاة وهو مردود لأنه تعالى قرن بها الصلاة والطاعة بقوله تعالى: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله﴾ وهما فرضان قبل ذلك ولتوقفه على معرفة التاريخ.
وإنما المعنى: رفعناه عنكم، فتمسكوا بما لا بد منه من الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
وذهب الشافعي إلى أنه لم يقع، فقال في (الرسالة): (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) ووافقه المصنف، لكن أوله أبو بكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم، أي إذا نسخ لا بد أن يعقبه حكم آخر، وليس منافيا لكلام أهل الأصول لأنه يرجع إلى ما كان عليه وهو حكم فإن صدقة النجوى
стр. 362
لما/ (٨٨/ب/د) نسخ إيجابها عاد الأمر إلى ما كان عليه من التخيير.
ص: مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.
ش: أشار بالمسلمين إلى مخالفة غيرهم فيه, وهو فرقة من اليهود أحالته عقلا, وهو السمعونية, وأخرى منهم وهم العنانية منعت وقوعه فقط, وثالثة منهم وهم العيسوية قالت بوقوعه.
كذا ذكر ابن برهان والآمدي, وغيرهما, وذهب أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة إلى إنكاره، فقيل: إنما أراد في القرآن كما تقدم عنه، وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل المعنى في علم الله تعالى كالمعنى في اللفظ، ويسمي الكل تخصيصا ويسوي بين قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وبين صوموا مطلقا/ (١٠٧/ب/م) مع علمه تعالى بأنه سينزل: لا تصوموا ليلا، والجمهور يسمون الأول تخصيصا، والثاني نسخا فالخلاف لفظي.
ص: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.
ش: إذا نسخ حكم الأصل استمر حكم الفرع عند الحنفية، وقال الجمهور: بل يرتفع، لأنه تابع فيزول بزوال متبوعه ثم سماه بعضهم نسخا.
стр. 363
وعبر المصنف تبعا لابن الحاجب بقوله: (لا يبقى) وهو أحسن، لأنه قد زال حكمه لزوال علته فلا يقال فيه: إنه منسوخ.
ص: وأن كل حكم شرعي/يقبل النسخ ومنع الغزالي نسخ جميع التكاليف والمعتزلة نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.
ش: ذهب أصحابنا إلى أن كل حكم شرعي يقبل النسخ وخالفهم المعتزلة في مسألتين:
إحداهما: أنهم منعوا نسخ جميع التكاليف ووافقهم الغزالي على ذلك.
ثانيهما: منعوا أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى، كذا قال المصنف وهو مثال.
ولا يختص الحكم بذلك عندهم، بل منعوا النسخ في كل ما كان بذاته أو بلازم ذاته حسنا أو قبيحا لا يختلف باختلاف الأزمنة، وهو مبني على أصلهم في الحسن والقبح العقليين.
والخلاف في المسألتين في الجواز العقلي مع الإجماع على عدم وقوع ذلك.
ص: والمختار أن الناسخ قبل تبليغه ﷺ الأمة لا يثبت في حقهم وقيل يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا الامتثال.
ش: لا يثبت الحكم الشرعي قبل بلوغه إلى النبي ﷺ فإذا بلغه ثبت حكمه في حقه، وحق كل من بلغه، أو لم يبلغه لكن تمكن من العلم به، فإن لم يبلغه ولا تمكن من العلم به فهو محل الخلاف.
قال الجمهور: لا يثبت لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت/ (٨٩أ/د) في الذمة.
стр. 364
وقال بعضهم: يثبت بالمعنى.
الثاني: كالنائم، وذكر القاضي أبو بكر أن الخلاف لفظي، وما رجحه المصنف تبع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) إنما حكاه عن الحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا ونصره، وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت/ (١٠٨/أ/م) في حكم النائم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
قلت: وهو معنى كلام المصنف، فالذي عبر عنه المصنف بالاستقرار في الذمة هو الذي عبر عنه بالقضاء، والذي عبر عنه المصنف بالامتثال هو الذي عبر عنه بالتأثيم والله أعلم.
ص: أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.
ش: للزيادة على النص صور:
الأولى: أن يكون المزيد من غير جنس الأول، كزيادة الزكاة على الصلاة، فليست نسخا بالإجماع.
الثانية: أن يكون من جنسه مع استقلاله كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، وليس نسخا أيضا عند الجمهور.
وقال بعض أهل العراق: هو نسخ، لأنه بغير الوسط فتتغير الصلاة المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلاوات والصلاة
стр. 365
الوسطى﴾ وأجيب عنه بأجوبة أحسنها: أن الوسطى في الآية ليست من عدد بل هي علم على صلاة معينة، وهو مأخوذ من الوسط وهو الخيار، والفاصل لا يتغير بزيادة صلاة.
الثالثة: أن لا يستقل كزيادة ركعة أو ركوع فقال أصحابنا: ليس نسخا أيضا.
وقال الحنفية: هو نسخ، واختاره بعض أصحابنا ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة، كقول عبد الجبار، هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه، كأن صار لا يعتد به كجعل الصلاة الثنائية رباعية، وإن لم يتغير كضم التغريب إلى الجلد، فليست بنسخ واختاره القاضي، وكقول بعضهم: إن نفاها مفهوم الأول كقوله في (المعلوفة زكاة) بعد قوله: ((في السائمة زكاة)) فنسخ وإلا فلا، واختاره الإمام في (المعالم) وكذلك يرجع إلى هذا المأخذ الفروع المبنية عليها، لأنه إذا رجع المبني عليه إلى ذلك فرجوع المبني إليه أولى.
ص: كذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.
ش:/ (١٠٨ب/م) الخلاف المتقدم في أن الزيادة على النص نسخ يجري في النقصان منه سواء الجزء كنقص ركعة من أربع والشرط/ (٨٩/ب/د) كالطهارة، وفرق بعضهم بينهما فقال: إسقاط الجزء نسخ، وإسقاط الشرط ليس بنسخ، وبه قال عبد الجبار، ووافقه الغزالي في الجزء وتردد/في الشرط.
стр. 366
ص: خاتمة
يتعين الناسخ بتأخره وطريق العلم بتأخره الإجماع أو قوله ﷺ : هذا ناسخ أو بعد ذلك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه أو النص على خلاف الأول أو قول الراوي: هذا سابق.
ش: ذكر هنا ما يعرف به الناسخ من المنسوخ، وسماه خاتمة، لتعلقه بسائر أنواع النسخ، وضابطه التأخر، فمتى عرف المتأخر من الدليلين فهو الناسخ، ولذلك طرق:
أحدها: الإجماع، وقد نص عليه الشافعي، ولم يتعرض له كثير من المصنفين، وذلك كنسخ الزكاة بسائر الحقوق المالية، ذكره ابن السمعاني، وكقول حذيفة في وقت سحوره مع النبي ﷺ : (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع)، مع الإجماع على تحريم تناول المفطر بطلوع الفجر، كما دل عليه القرآن فالإجماع مبين للنسخ لا ناسخ.
ثانيها: نصه ﵊ على ذلك كقوله: هذا ناسخ، أو بعد ذلك، كحديث المتعة أو: كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه، كقوله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ثالثها: أن ينص على خلاف الأول مع تعذر الجمع.
стр. 367
رابعها: قول الراوي: هذا سابق كقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار).
ص: ولا أثر لموافقة أحد النصين الأصل وثبوت إحدى الآيتين في المصحف وتأخر إسلام الراوي وقوله هذا ناسخ لا الناسخ خلافا لزاعميها.
ش: ذكر في هذه الجملة أشياء قيل: إنه يثبت النسخ بها:
أحدها: كون أحد النصين موافقا للأصل أي البراءة الأصلية، فيكون الناقل عنها ناسخا لأن الأصل عدم العود إلى البراءة بعد الانتقال عنها، وهو ضعيف لجواز أن يكون الموافق للبراءة متقدما مؤكدا لها ثم نسخ.
ثانيها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى قيل: إن الثانية ناسخة وهو ضعيف، لأن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، وقد قال/ (١٠٩/أ/م) هبة الله في الناسخ والمنسوخ: إن قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من
стр. 368
بعد﴾ منسوخ بقوله قبل ذلك: ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾.
ثالثها: تأخر إسلام راوي أحد الدليلين قيل بدلالته على النسخ، وهو ضعيف لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده.
رابعها: قول الراوي: هذا ناسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد وقال/ (٩٠/أ/د) الكرخي: إن عينه فقال: هذا نسخ هذا، لم يرجع إليه، وإن لم يعينه بل قال: هذا منسوخ – قبل، وقيل: يثبت مطلقا وهو ظاهر نص الشافعي حيث قال: (ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله ﷺ أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، أو بقول من سمع الحديث أو العامة) فتناول قوله: (أو بقول من سمع الحديث) قوله: هذا سابق، وقوله: هذا منسوخ، ولم يرد الأولى لدخولها في قوله: أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، والله أعلم.
أما لو ثبت كون الحكم منسوخا ولم يعرف ناسخه فقال الراوي: هذا الناسخ – فإنه يقبل وهو معنى قول المصنف: (لا الناسخ) وهي مسألة غريبة قل من ذكرها.
стр. 369
ص: الكتاب الثاني في السنة
وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله.
ش: لم يذكر في تعريفها تقريره ﵊ لأنه كف عن الفعل والكف فعل عن المختار فهو مندرج في الأفعال.
والمراد من أقواله وأفعاله ما لم يكن على وجه الإعجاز.
وقال الشارح: كان ينبغي أن يزيد (وهمه) فقد احتج الشافعي في (الجديد) على استحباب تنكيس الرداء في الاستسقاء بجعل أعلاه أسفله فإنه ﵊ هم بذلك فتركه لثقل الخميصة عليه.
قلت: وكذلك همه بمعاقبة المتخلفين عن الجماعة، استدل به على وجوبها، وقد يقال الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل فيكون
стр. 370
الاستدلال بأحدهما فلا يحتاج حينئذ إلى زيادة، والله أعلم.
ص: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو سهوا، وفاقا للأستاذ والشهرستاني/وعياض والشيخ الإمام.
ش: الاستدلال بالسنة متوقف على العصمة فلذلك بدأ بالكلام فيها، والمراد بالأستاذ هنا أبو إسحاق الإسفرايني/ (١٠٩ب/م) وهذا المذهب أنزه المذاهب، أنه لا يصدر عن الأنبياء ذنب لا كبيرة ولا صغيرة، ولا عمدا ولا سهوا بل طهر الله ذواتهم عن جميع النقائص، وقد حكى ابن برهان هذا عن اتفاق المحققين.
ص: فإذن لا يقر محمد ﷺ أحدا على باطل، وسكوته ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار، وقيل: إلا الكافر ولو منافقا، وقيل: إلا الكافر غير المنافق دليل الجواز للفاعل، وكذا لغيره خلافا للقاضي.
ش: يتفرع على وجوب العصمة أن محمدا ﷺ لا يقر/ (٩٠/أ/د) أحدا على باطل، ولا خلاف في ذلك.
قال الشارح: وإنما قال (أحدا) لئلا يتوهم أنه (لا يقر) بفتح
стр. 371
القاف فيكون خطأ.
واختلفوا فيما إذا فعل فعل بحضرته أو في عصره واطلع عليه ولم ينكره على مذاهب:
أصحها وبه قال الجمهور: أنه دليل على جواز ذلك الفعل لذلك الفاعل وهل تتعين الإباحة أو يحتمل الوجوب والندب أيضا؟ لم يستحضر فيه السبكي نقلا ومال إلى الإباحة لأنه لا يجوز الإقدام على فعل إلا بعد معرفة حكمه فلذلك دل تقريره على الإباحة، وذكر الشارح أن أبا نصر ابن القشيري ذكرها في كتابه في الأصول وحكى التوقف في ذلك عن القاضي ثم رجح حمله على الإباحة لأنها الأصل انتهى.
ولا فرق في دلالة تقريره على الإباحة بين أن يستبشر ﵊ بذلك الفعل أو لا يوجد منه إلا مجرد السكوت عليه.
الثاني: أن التقرير لا يدل على الجواز إلا في حق من لا يغريه الإنكار على الفعل، فمن أغراه الإنكار على الفعل لا يجب الإنكار عليه كما قال الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف
حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة وقال: الأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة.
الثالث: أنه يستثنى من التقرير ما لو كان الفاعل كافرا أو منافقا فلا يدل تقريره على الإباحة، وبه قال إمام الحرمين.
الرابع: أنه لا يستثنى من ذلك إلا الكافر قاله المازري وكما يدل على جوازه للفاعل يدل على جوازه لغيره. قاله الجمهور، لأن الأصل استواء
стр. 372
المكلفين في الأحكام وقال القاضي أبو بكر: لا يتعداه إلى غيره فإن التقرير لا صيغة له.
أما ما فعل في عصره ولم يعلم هل اطلع عليه أم لا فقال الأستاذ/ (١١٠/أ/م) أبو إسحاق: اختلف فيه قول الشافعي، ولهذا جرى له قولان في إجزاء الأقط في الفطرة.
ص: وفعله غير محرم للعصمة وغير مكروه للندرة.
ش: قد عرف انقسام السنة إلى قول وفعل، فمباحث القول سبقت في الكلام على الكتاب، وأما الفعل فلا يمكن أن يصدر منه ﵊ فعل محرم لما تقرر من عصمته، ولا مكروه لأنه نادر من غيره فكيف منه؟ قال الشارح: وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا فليس بمكروه منه، لأنه قصد به بيان الجواز.
قلت: قد يتصور فيما إذا تكرر منه، فإن البيان حصل منه بالفعل الأول، فاستفدنا من قولهم: (أنه لا يقع منه مكروه) أنه إذا فعل المكروه في حقنا لبيان الجواز لا يكره، وكذلك القول/ (٩١/أ/د) في خلاف الأولى عند من يفرق بينه وبين المكروه، وقد حكى النووي عن العلماء في وضوئه ﵊ مرة مرة ومرتين مرتين أنه أفضل في حقه من التثليث للبيان.
ص: وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله في الأصح.
ش: فعل النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: أن يكون جبليا كالقيام والقعود والأكل ونحوها وذكر المصنف
стр. 373
أن حكمه واضح وكأنه أراد بذلك أنه دال على الإباحة فقط لأنه القدر المحقق، والحرام والمكروه منتفيان كما تقدم، وقد قال شيخنا الإمام الإسنوي: إنه لا نزاع في ذلك.
لكن حكى القرافي في (التنقيح) قولا أنه للندب، وجزم به الشارح فقال: أما في الجبلي فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما هذا وعزاه إلى أكثر المحدثين.
قال: والأصل فيه أنه يستدل به على إباحة ذلك.
والثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى.
الثاني: أن يكون بيانا لمجمل كالصلاة/المبينة لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ والقطع من الكوع المبين لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فهو واجب عليه ﷺ لوجوب التبليغ/ (١١٠ب/م) عليه، فإن قلت: لا يتعين التبليغ بالفعل، قلت: لا يخرجه ذلك عن كونه واجبا، فإن الواجب المخير يوصف كل من خصاله بالوجوب.
الثالث: أن يكون من خصائصه كتخيير نسائه، وغير ذلك، فلا يلحق به في ذلك أمته.
وقول الشارح: (إن حكم المخصص به الوجوب) ممنوع، فقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا، فالخصائص تنقسم إلى هذه الأقسام، وإلى قسم رابع وهو المحرم عليه، ولكن ذلك لا يمكن صدوره منه كما تقدم والله أعلم.
الرابع: ما تردد بين الجبلي والشرعي، ولم يذكره الأصوليون ومثله المصنف بالحج راكبا، ومن أمثلته أيضا جلسة الاستراحة، فهل تحمل على
стр. 374
الجبلي لأن الأصل عدم التشريع أو الشرعي لأنه ﵊ بعث لبيان الشرعيات، ينبغي أن يتخرج فيه قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر، ومقتضى ذلك ترجيح الأصل فيكون كالجبلي، لكن كلام أصحابنا في الحج راكبا وجلسة الاستراحة وغيرهما يدل على ترجيح التأسي فيه، وقد حكى الرافعي وجهين في ذهابه إلى العيد في طريق ورجوعه في أخرى، وقال: إن/ (٩١/ب/د) الأكثرين على التأسي فيه.
الخامس: أن تعلم صفة ذلك الفعل من الوجوب أو الندب أو الإباحة فالأصح أن حكم أمته فيه كحكمه، ومقابله أنهم مثله في العبادات فقط.
ص: وتعلم بنص وتسوية بمعلوم الجهة ووقوعه بيانا أو امتثالا لدال على وجوب أو ندب أو إباحة.
ش: يعلم جهة الفعل من كونه واجبا أو مندوبا أو مباحا بأمور:
أحدها: التنصيص على أحد هذه الأمور.
الثاني: تسويته بفعل قد علمت جهته وأنه من أي هذه الأقسام فيكون حكم الآخر كحكمه.
الثالث: وقوعه بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل في الوجوب والندب والإباحة.
فإن قلت: قد تكرر منه ذكر ما كان بيانا لمجمل.
قلت: لا تكرار فيه فالأول أراد به حكم فعل النبي ﷺ إذا كان بيانا لمجمل وهو الوجوب عليه/ (١١١/أ/م) كما تقدم، والثاني أراد به حكمه في حقنا، وهو تابع لحكم المجمل.
الرابع: وقوعه امتثالا لنص يدل على أحد هذه الأمور فيلحق به في ذلك.
стр. 375
ص: ويخص الوجوب أماراته كالصلاة بالأذان وكونه ممنوعا لو لم يجب كالختان والحد.
ش: لما ذكر ما يعرف به جهة الفعل من الوجوب والندب والإباحة، ذكر ما يخص الوجوب وهو شيئان.
أحدهما: أن يقترن به أمارة الوجوب أي علامته كاقتران الأذان والإقامة بصلاة، فيدلان على وجوبها لأنهما شعار مختص بالفرائض.
ثانيهما: أن يكون ذلك الفعل ممنوعا منه لو لم يجب، كالختان والحد كقطع السرقة، فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما، فجوازهما يدل على وجوبهما ومثل ذلك البيضاوي بالركوعين في صلاة الخسوف، واعترض بأن النووي ذكر في (شرح المهذب) أنه لو صلى صلاة الكسوف كسائر الصلوات صح، ومثله بعضهم بإحداد زوجة المتوفى عنها، وقد نقضت هذه القاعدة بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإن الأصل المنع منهما، ومع هذا فلم يدل فعله لهما على وجوبهما وذكر البيضاوي.
ثالثا: وهو أن يوافق نذرا كأن يقول النبي ﷺ : إن هزم العدو عني فلله علي صوم يوم، ثم يهزم العدو فيصوم يوما ولم يذكره المصنف لأن النذر لا يتصور منه ﵊ بناء على أنه مكروه.
ص: والندب مجرد قصد القربة وهو كثير.
ش: قوله: (الندب) معطوف على الوجوب فهو منصوب، أي يخص الندب قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على الوجوب، ولا فائدة مقصودة في
стр. 376
قول المصنف: (وهو كثير) وزاد البيضاوي/ (٩٢/أ/د): أن يعلم كونه قضاء لفعل مندوب لأن القضاء يحكى الأداء.
ص: وإن جهلت فللوجوب وقيل للندب وقيل للإباحة وقيل بالوقف في الكل وفي الأولين مطلقا وفيهما إن ظهر قصد القربة.
ش: إذا جهلت جهة الفعل بالنسبة إليه وإلى الأمة ففيه مذاهب:
أحدها: الحمل على الوجوب، وبه قال من الشافعية ابن سريج وأبو علي بن خيران والإصطخري ومال إليه المصنف، وصححه ابن السمعاني/ (١١١/ب/م) وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة.
الثاني: الندب، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: الإباحة، وهو المحكي عن مالك واختاره إمام الحرمين في (البرهان) واختار ابن الحاجب أنه إن ظهر فيه قصد القربة فالندب وإلا
стр. 377
فالإباحة.
الرابع: الوقف بين الثلاثة حتى يقوم دليل على حكمه، وصححه القاضي أبو الطيب، وحكي عن جمهور المحققين، كالصيرفي والغزالي وأتباعهما، واختاره الآمدي والبيضاوي تبعا للمحصول هنا، لكن جزم فيه في الكلام على جهة الفعل بالإباحة، واختار في (المعالم) الوجوب.
الخامس: الوقف بين الأولين فقط، وهما الوجوب والندب.
السادس: الوقف بينهما فقط، إن ظهر فيه قصد القربة، فإن لم يظهر فيه قصد القربة احتمل الإباحة أيضا وقول المصنف: (وفيهما إن لم يظهر قصد القربة) معكوس وصوابه: (إن ظهر قصد القربة كما قررته).
ص: وإذا تعارض القول والفعل ودل دليل على تكرر مقتضى القول فإن كان خاصا به فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فثالثها الأصح الوقف، وإن كان خاصا بنا فلا معارضة فيه، وفي الأمة المتأخر ناسخ إن دل دليل على التأسي فإن جهل التاريخ فثالثها الأصح أنه يعمل بالقول وإن كان عاما لنا وله، فتقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر إلا أن يكون العام ظاهرا فيه فالفعل تخصيص.
ش: التعارض بين شيئين هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه، فإذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله ودل دليل على تكرر مقتضى القول فله أحوال:
الأولى: أن يكون القول خاصا به، فإن عرف المتأخر منهما فهو ناسخ للمتقدم، سواء أكان قولا أو فعلا، وإن جهل فأقوال أصحها الوقف إلى
стр. 378
قيام الدليل، لأن العمل بأحدهما ترجيح من غير مرجح.
والثاني: العمل بالقول لقوته.
والثالث: العمل بالفعل لوضوحه.
الثانية: أن يكون القول خاصا بنا فلا معارضة بينه وبين الفعل فيه-/ (٩٢/ب/د) أي في حقه ﷺ – لعدم تناوله له، وأما في حقنا فإن لم يقم دليل على التأسي به في الفعل المتقدم فلا تعارض بالنسبة إلينا، لأن حكم الفعل لم يتعلق بنا،/ (١١٢/أ/م) وإن دل دليل على وجوب التأسي به فيه فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن جهل ففيه الأقوال المتقدمة، وهي الوقف، وتقديم القول وتقديم الفعل لكن الأصح هنا العمل بالقول.
قلت: وكأنه إنما رجح هنا لاحتياجنا إلى العمل بأحدهما فقدمنا القول لقوته وأما في حقه ﵊ فقد انقطع العمل فكان الأحوط الوقف والله أعلم.
الثالثة: أن يكون القول عاما متناولا له ﷺ وللأمة، ولا بد مع ذلك من أن يدل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن لم يعرف عادت الأقوال، ويكون الأصح في حقه ﵊ الوقف، وفي حقنا العمل بالقول كما تقدم، وعبر المصنف ﵀ عن هذا بقوله: (فيقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر) أي من التفصيل بين معرفة التاريخ أم لا، وعود الأقوال واختلاف الترجيح بالنسبة إليه وإلينا، وشرحه شارحه بقوله: يعني أن المتأخر ناسخ قولا كان أو فعلا. وفي هذا الشرح قصور لعدم تناوله لحالة جهل التاريخ ولا شك أن قرمطة عبارة المصنف هي التي أوجبت للشارح هذا التقصير.
стр. 379
ثم قيد المصنف ما دل عليه الكلام المتقدم من كون القول المتأخر ناسخا للفعل المتقدم في حقه ﷺ بما إذا كان تناول القول له نصا، فإن كان بطريق الظهور كأن يقول: هذا الفعل واجب على المكلفين، ونقول: إن المخاطب يدخل في عموم خطابه فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم، لأن التخصيص عندنا لا يشترط تأخره عن العام.
قال الشارح: وهذا الاستثناء زاده المصنف على المختصرات.
تنبيه:
أما تعارض القولين فسيأتي في التعادل والتراجيح وأما الفعلان ففي المختصر والمنهاج/الجزم بأنهما لا يتعارضان ووجهه أنه يجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا وفي غيره بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها.
قال الشارح: لكن حكى جماعة قولا بحصول التعارض وطلب الترجيح من خارج كما اتفق في صلاة الخوف، ولهذا رجح الشافعي منهما ما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخيرة منهما إذا علم/ (١١٢ب/م).
قلت: ليس/ (٩٣/أ/د) الترجيح هنا بمعنى إلغاء الآخر، فإن جميع الهيئات الواردة في ذلك يجوز العمل بها، والترجيح إنما هو في الأفضلية خاصة، وليس مما نحن فيه، واستثنى ابن الحاجب وغيره من الفعلين ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل له أو لأمته فإن الفعل الثاني حينئذ ناسخ لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل. والله أعلم.
стр. 380
ص: الكلام في الأخبار
المركب إما مهمل وهو موجود خلافا للإمام وليس موضوعا وإما مستعمل والمختار أنه موضوع.
ش: صدر الكلام في الأخبار بمقدمة، وهي أن المركب سواء أكان مهملا أو مستعملا هل هو موضوع للعرب أم لا؟
أما المركب المهمل فقال الإمام فخر الدين: الأشبه أنه غير موجود، لأن الغرض من التركيب الإفادة وتبعه صاحبا (التحصيل) و (الحاصل) وخالفهما البيضاوي ومثل له بالهذيان فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل، ورجحه المصنف.
وما ذكره الأولون إنما يدل على أن المهمل غير موضوع، لا على أنه لم يوضع له اسم وهذا معنى قول المصنف: (إنه ليس موضوعا) بعد قوله: (إنه موجود) فأراد بوجوده وجود اسم دال عليه، وبكونه ليس موضوعا أن نفس ذلك اللفظ المهمل لم تضعه العرب ولا يجوز نسبته إليها لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خلاف فيه، وأما المركب المستعمل فرجح ابن الحاجب وابن مالك وغيرهما أنه ليس موضوعا، وإلا لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات ورجح المصنف تبعا للقرافي وغيره أنه موضوع لأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات. وقد ظهر لك بهذا التقرير أن الكلام في المهمل والمستعمل ليس على حد سواء، فالكلام في المهمل في وضع اسم دال عليه، وفي المستعمل في وضعه وهل هو وضعته العرب كما وضعت المفردات أم لا؟ وكان ينبغي ذكر الأول في تقسيم
стр. 381
الألفاظ كما فعل البيضاوي والثاني في الوضع.
ص: والكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته.
ش: هذا التعريف لابن مالك في (التسهيل).
فقوله: (ما) جنس بمعنى شيء.
وخرج بقوله: (تضمن من الكلم) الخط والرمز والإشارة وإطلاق الكلام عليها مجاز وخرج بـ (الكلم) الكلمة الواحدة/ (١١٣/أ/م) وهو أحسن من قول (المفصل): (ما تركب من كلمتين) لأنه يخرج عنه ما تركب من أكثر منهما، ومن قول ابن الحاجب: (ما تضمن كلمتين) لأنه لا يتناول المركب من كلمتين لأن لفظ التضمن يقتضي أن (٩٣/أ/د) يكون له أجزاء تزيد على الكلمتين.
والمراد بالإسناد تعليق خبر بمخبر عنه، كزيد قائم، أو طلب بمطلوب كاضرب.
وخرج بالمفيد نحو: قولهم: السماء فوقنا فإنه لا يسمى في اصطلاح النحاة كلاما وبالمقصود كلام النائم والناسي والطيور.
وخرج بقولنا: (لذاته) المقصود لغيره، كالجملة التي هي صلة الموصول، فإنه إنما قصد بها إيضاح معنى الوصول.
ص: وقالت المعتزلة: إنه حقيقة في اللساني، وقال الأشعري مرة: في النفساني، وهو المختار، ومرة: مشترك، وإنما يتكلم الأصولي في اللساني.
ش: لا شك في إطلاق الكلام على اللساني والنفساني وهو الفكر التي يدبرها الإنسان في نفسه قبل أن يعبر عنها، وفي التنزيل ﴿ويقولون في أنفسهم﴾ ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور﴾.
стр. 382
وقال الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
واختلف في أنه حقيقة في ماذا على أقوال:
أحدها: إنه حقيقة في النفساني وحكاه المصنف عن المعتزلة، لأنه لم يصر إليه أحد من أئمتنا.
الثاني: إنه حقيقة في النفسي وهو أحد قولي الأشعري/واختاره المصنف تبعا لإمام الحرمين في باب الأوامر من (البرهان).
قال الشارح: ومرادهم في الكلام القديم لا مطلق الكلام فإنهم يوافقون على أنه في الحادث حقيقة في اللفظ، وإنما صار الأشعري في أحد قوليه إلى هذا فرارا من قول المعتزلة المؤدي لخلق القرآن، ومن قول الحشوية بالحرف والصوت المؤدي إلى أن يكون الذات المقدسة محلا للحوادث ولم يرد الأشعري أنه حقيقة لغوية.
الثالث: إنه حقيقة فيهما بالاشتراك وهو أحد قولي الأشعري، وقال إمام الحرمين: إنه الطريقة المرضية عندنا وهو معنى كلام الأشعري، وحكاه في (المحصول) عن المحققين والصفي الهندي عن الأكثرين.
ثم ذكر المصنف أن الأصوليين إنما يتكلمون في اللساني، وقال الإبياري في (شرح البرهان): أهل العربية مطبقون على إطلاق الكلام على الألفاظ.
стр. 383
ص: فإن أفاد بالوضع طلبا فطلب ذكر الماهية استفهام وتحصيلها أو تحصيل الكف عنها أمر ونهي ولو من ملتمس وسائل وإلا فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملهما الخبر.
ش: قسم المصنف المركب أو الكلام إلى أقسام:
أحدها: أن يفيد بالوضع طلب ذكر الماهية وهو الاستفهام.
ثانيها: أن يفيد بالوضع طلب تحصيلها وهو الأمر.
ثالثها: أن يفيد بالوضع طلب الكف عنها وهو النهي.
فقول المصنف: (وتحصيلها أو تحصيل/٩٤/أ/د) الكف عنها أمر ونهي). من اللف والنشر المرتب.
وقوله: (ولو من ملتمس) أي ولو صدر ذلك من ملتمس وهو المساوي في الرتبة (وسائل) وهو الأسفل في الرتبة, فالقسمان داخلان في الأمر بناء على ما سبق أنه لا يشترط فيه علو ولا استعلاء.
وخرج بالوضع الطلب اللازم، كقولك: أطلب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان، أو أن تسقيني ماء، أو أن لا تؤذيني فلا يسمى الأول استفهاما ولا الثاني أمرا ولا الثالث نهيا.
رابعها: أن لا يكون فيه طلب أصلا، أو يكون فيه طلب بلازمه لا بذاته كما تقدم تمثيله ولا يحتمل الصدق والكذب وهو التنبيه والإنشاء فهما لفظان مترادفان فإن سمى بالأول لأنك نبهت به على مقصودك، وبالثاني لأنك ابتكرته من غير أن يكون موجودا قبل ذلك في الخارج من قوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ويندرج فيه التمني والترجي والنداء والقسم.
والفرق بين الترجي والتمني أن الترجي لا يستعمل إلا في الممكن بخلاف التمني فإنه يستعمل في الممكن والمستحيل تقول: ليت الشباب يعود، ولا
стр. 384
تقول: لعل الشباب يعود.
خامسها: أن لا يكون فيه طلب بذاته، ويحتمل الصدق والكذب وهو الخبر. وذكر الغزالي وغيره أن التعبير بالتصديق والتكذيب أحسن من الصدق والكذب، لأن من الخبر ما لا يحتمل الكذب، كقولنا: محمد رسول الله ﷺ ومنه ما لا يحتمل الصدق كقول القائل: مسيلمة صادق، مع أن كلا من المثالين يحتمل التصديق والتكذيب، ولذلك كذب بعض الكفار الأول، وصدق الثاني وفيه نظر فإن الخبر من حيث هو محتمل الصدق والكذب وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الصور لعارض لا يخرجه عن احتمال ماهيته لذلك وأيضا فالتعبير بالتصديق والتكذيب قال في (المحصول) رديء/ (١١٤/أ/م) لأن التصديق والتكذيب كون الخبر صدقا أو كذبا فتعريفه به دور، قال: والحق أن الخبر تصوره ضروري لا يحتاج إلى حد ولا رسم.
ص: وأبى قوم تعريفه كالعلم والوجود والعدم وقد يقال الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه أي ما له خارج صدق أو كذب.
ش: بعد أن يعرف الخبر بما تقدم حكي عن قوم منهم فخر الدين الرازي أنه لا يعرف أي لا بحد ولا برسم لأنه ضروري وقيل بعسره، ونظير ذلك العلة والوجود والعدم فإن كلا منهم قيل فيه ذلك، لأنه ضروري والصحيح فيها خلافه، ثم أشار إلى مقالة أخرى في تعريف الإنشاء والخبر وهي أن الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام كبعت وتزوجت/ (٩٤/ب/د) وطلقت فإن الشرع/رتب عليها مقتضاها إما مع اللفظ أو آخر جزء منه على الخلاف المشهور في ذلك، والخبر خلافه، أي ما كان مدلوله حاصلا في الخارج قبل الكلام إما على سبيل الصدق أو الكذب، وهذا معنى قول بعضهم الإنشاء يتبعه مدلوله والخبر يتبع مدلوله.
стр. 385
وهذا التعريف للإنشاء أعم من التعريف المذكور أولا لتناوله الطلب فإنه إنما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام ولا خارج له قبل ذلك، فعلى الأول الكلام ثلاثة أقسام: الطلب والإنشاء والخبر. وعلى الثاني قسمان فقط: الإنشاء والخبر والطلب داخل في قسم الإنشاء. وتفسير الإنشاء على الأول: إيقاع لفظ لمعنى يقاربه في الوجود. وعلى الثاني ما لا نسبة له في الخارج، وقد أورد على الثاني الإخبار عن المستقبل نحو: سيقوم زيد فإنه خبر قال الله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ مع أنه عند النطق به ليس له خارج صدق ولا كذب فلا يمكن وصفه بذلك.
ص: ولا مخرج له عنهما لأنه إما مطابق للخارج أو لا وقيل بالواسطة فالجاحظ إما مطابق مع الاعتقاد ونفيه أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه فالثاني فيهما واسطة وغيره: الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر طابق الخارج أو لا/ (١١٤ب/م) وكذبه عدمها فالساذج واسطة والراغب: الصدق في المطابقة الخارجية مع الاعتقاد فإن فقد فمنه كذب وموصوف بهما بجهتين.
ش: قد تقرر انقسام الخبر إلى صدق وكذب، ثم اختلفوا هل بينهما واسطة أم لا، فقال الجمهور: لا واسطة بينهما ولا يخرج الخبر عن كونه صدقا أو كذبا، لأنه إما أن يطابق الخارج المخبر عنه أو لا، فإن طابقه فهو صدق وإن لم يطابقه فهو كذب، ولا عبرة باعتقاد المخبر وذهب آخرون إلى أن بينهما واسطة، ثم اختلف هؤلاء على مذاهب:
أحدها: وبه قال الجاحظ: أنه يعتبر في الصدق المطابقة مع اعتقاد المخبر ذلك، وفي الكذب عدم المطابقة مع اعتقاد المخبر ذلك، فإن طابق مع
стр. 386
انتفاء اعتقاد المخبر المطابقة – إما لاعتقاده عدمها وإما لخلوه عن اعتقاد أو لم يطابق مع انتفاء اعتقاد المخبر عدم المطابقة إما لاعتقاده للمطابقة وإما لخلوه عن اعتقاد لم يكن صدقا ولا كذبا، بل هو واسطة بينهما وهي أربعة أقسام وقد تناولها قول المصنف: (والثاني فيهما واسطة) ومراده بالثاني نفي الاعتقاد وقوله: (فيهما) أي في المطابق وغير المطابق، ولا يتوقف ذلك عند/ (٩٥أ/د) الجاحظ على الاعتقاد الجازم بل الظن في معناه، كذا حكاه عنه أبو الحسين في المعتمد، قال: وقد أفسده عبد الجبار بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا إلى المخبر، فلم يكن شرطا في كونه كذبا.
الثاني: أنه يعتبر في الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر خاصة، سواء طابق الخارج أم لا، وفي الكذب عدم المطابقة لاعتقاد المخبر سواء طابق في الخارج أم لا، فيخرج عنهما ما إذا لم يكن للمخبر في ذلك اعتقاد وهو مراد المصنف بالساذج وهو بذال معجمة، قال في (المحكم): أرى أصله ساذه فعرب، فهذا واسطة بينهما لا يسمى صدقا ولا كذبا حكاه المصنف عن غير الجاحظ وذكر الخطيئي ذلك احتمالا في كلام صاحب (التلخيص) لكن صرح صاحب (الإيضاح) في علم المعاني والبيان بأن صاحب هذا القول لا يثبت واسطة بينهما، فعلى هذا يدخل في قوله: (عدمها) ما لا اعتقاد معه، وهذا القول في أصله غريب، وقيل: إنه لم يحكه إلا صاحب (الإيضاح).
الثالث: وهو قول أبي القاسم الراغب، إنه يعتبر في الصدق المطابقة في الخارج مع اعتقاد المخبر ذلك،/ (١١٥/أ/م) كذا أطلق المصنف عنه وإنما اعتبر الراغب هذا في الصدق التام، قال: فإن كان اختل أحدهما لم يكن صدقا تاما، بل فيه تفصيل إن انتفى الاعتقاد ككلام المبرسم لم يوصف بصدق ولا كذب وإن كان مطابقا للخارج دون الاعتقاد كقول المنافقين ﴿نشهد
стр. 387
إنك لرسول الله﴾ فيصح وصفه بالصدق لمطابقته للخارج وبالكذب لمخالفته لاعتقادهم، ولذلك كذبهم الله تعالى.
وقد ظهر لك بهذا التقرير أن قول المصنف: (فقدا) غير مطابق لكلام الراغب فإنه إنما ذكر ذلك في فقد أحدهما، فنقل المصنف عنه محتمل من وجهين. أما إذا فقد أي المطابقة في الخارج والاعتقاد فهو عنده كذب تام.
ص: ومدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها وفاقا للإمام وخلافا للقرافي وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا.
ش: مدلول الخبر الحكم بثبوت النسبة لا نفس الثبوت، فإذا قلت: زيد قائم، فمدلوله الحكم بثبوت قيامه لا نفس ثبوت قيامه إذ لو كان الثاني لزم منه أن لا يكون شيء من الخبر كذبا، بل يكون كله صدقا، وقد ذكر الإمام هذا في (المحصول) لكنه قال في التعليل: وجب أن لا يكون الكذب خبرا فقال بعضهم: هذا معكوس لأن مقتضاه أن يكون الكذب متحققا لا بصيغة الخبرية، والواقع على هذا التقرير انتفاء الكذب فلهذا قال في (التحصيل): وإلا لم/ (٩٥ب/د) يكن الخبر كذبا وهو تعبير فاسد لإيهامه أن كل خبر كذب، فلذلك عدل عنه المصنف إلى قوله: (شيء من الخبر) وهو تعبير حسن، لكن تعليل الإمام أيضا صحيح، وتقريره أن مدلول النسبة لو كان ثبوتيا لكان الكذب غير خبر لكن اللازم منتف ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج فغير الواقع في الخارج ليس خبرا على هذا، وتعليل المصنف أوضح، ولما لم يكن نفس تعليل الإمام لم يصله به، لئلا يتوهم أنه من كلامه، وخالف القرافي في ذلك فقال: إن العرب لم تضع الخبر إلا
стр. 388
للصدق لاتفاق اللغويين والنحويين على أن معنى: (قام زيد) حصول/ (١١٥/ب/م) القيام منه في الزمن الماضي، واحتماله للكذب ليس من الوضع بل من جهة المتكلم كذا قال وهو شاذ.
ص: ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم في: (زيد بن عمرو قائم) لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا: الشهادة بتوكيل فلان بن فلان فلانا شهادة بالوكالة فقط، والمذهب بالنسب ضمنا والوكالة أصلا.
ش: هذه قاعدة مهمة أهملها أهل الأصول وأخذها المصنف من البيانيين كالسكاكي وغيره وتقريرها أن مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها وهما المسند والمسند إليه فإذا قيل: (زيد بن عمرو قائم) فقيل: صدقت أو كذبت، فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى النبوة الواقعة في المسند إليه ولهذا قال مالك وبعض الشافعية: إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، فهي شهادة بالوكالة فقط ولا ينسب إليهما الشهادة بالنسب، فليس له عند التنازع في النسب أن يكون قد ثبت نسبي بتلك الشهادة لكن الصحيح عندنا أنها تتضمن الشهادة بالنسب وإن كان أصل الشهادة إنما هو بالوكالة، ذكره الهروي في (الإشراف) والماوردي والروياني، قال الشارح: وينبغي أنه يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه وصفته، كقوله ﵊: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإن المراد الذي جمع كرامة نفسه وآبائه وكذلك الصفات
стр. 389
الواقعة في الحدود، نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة/ (٩٦أ/د) والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لعسر الحد. انتهى.
واعلم أنه يرد على هذه القاعدة الحديث المرفوع في صحيح البخاري: ((يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي وغيره على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وقالت امرأت فرعون﴾ قلت: وقد يدعى أن الآية والحديث مما استثناه الشارح من موضع الخلاف، فإن قصد عابدي/ (١١٦/أ/م) المسيح بنسبته إلى الله إقامة حجتهم في عبادته، وأريد في الآية التعجب من صدور هذه المقالة البديعة في الحسن منها مع انتسابها إلى ذلك المتمرد العاتي، ويمكن أن الذي خص ذلك بالنسبة أراد دلالة المطابقة وهذه دلالة تضمن كما تقدم وأن من قال: لا يثبت النسب بذلك لا ينكر هذه الدلالة ولكنه لا يثبت النسب بدلالة التضمن، وإنما يثبتها بدلالة المطابقة، والله أعلم.
تنبيه:
عبر المصنف بقوله (ليس غير) لإنكار بعضهم أن يقال: لا غير، وقال: إنما يقطع (غير) عن الإضافة مع (ليس) فقط، لكن أنكر ذلك ابن بري وسوى بينهما، ويجوز فيه ضم الراء وفتحها، مع التنوين فيهما وتركه، فهذه أربعة أوجه.
ص: مسألة: الخبر إما مقطوع بكذبه كالمعلوم خلافه ضرورة أو استدلالا، وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب، أو
стр. 390
نقص منه ما يزيل الوهم، وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها، ومن المقطوع بكذبه على الصحيح: خبر مدعي الرسالة بلا معجزة أو تصديق الصادق، وما نقب عنه ولم يوجد عند أهله، وبعض المنسوب إلى النبي ﷺ والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله خلافا للرافضة.
ش: الخبر من حيث ذاته محتمل للصدق والكذب كما تقدم لكن قد يعرض له ما يقتضي القطع بكذبه أو صدقه، فالمقطوع بكذبه أنواع:
الأول: ما علم خلافه بالضرورة، كقول القائل: النار باردة. أو بالاستدلال كقول الفيلسوف: العالم قديم.
الثاني: أن يوهم أمراً باطلا من غير أن يقبل التأويل، لمعارضته للدليل العقلي كما اختلق بعض الزنادقة حديثا: أن الله تعالى أجرى فرسا ثم خلق نفسه من عرقها تعالى الله عن ذلك وتردد المصنف في هذا النوع بين أن يكون مكذوبا وبين أن يكون سقط منه على/ (٩٦/ب/د) بعض روايته ما يزيل الوهم.
قال الشارح: وقد مثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه ﵊ ذكر سنة مائة: ((أنه لا يبقى على ظهر الأرض يومئذ نفس منفوسة)) وهو خلاف المشاهدة وقد تبين أن لفظه ((لا يبقى على ظهر/ (١١٦/ب/م) الأرض منكم)) فأسقط الراوي لفظة ((منكم)).
الثالث: أن يدعي شخص الرسالة عن الله تعالى بغير معجزة، وهذا ذكره إمام الحرمين، وفصل فيه بين أن يزعم أن الخلق كلفوا تصديقه فيقطع بكذبه
следующие страницы →