Полный текст (826 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الغيث الهامع
للحافظ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي
المتوفى ٨٢٦هـ
شرح
جمع الجوامع
للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي
المتوفى ٧٧١هـ
تحقيق
محمد تامر حجازي
دار الكتب العلمية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، ولي الدين أبو زرعة أحمد العراقي الشافعي، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته.
أما بعد حمد الله، والصلاة على رسوله، فهذا تعليق وجيز على (جمع الجوامع) لشيخنا قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي ﵀ أقتصر فيه على حل اللفظ وإيضاح العبارة غالباً تنحلت أكثره من شرح صحابنا العلامة بدر الدين الزركشي ـ رحمه الله تعالى ـ سميته (الغيث الهامع في شرح جمع الجوامع) وأسأل الله النفع به، وأن يرزقنا فهم المشتبه.
ص: نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها.
ش: افتتح بالجملة الفعلية لدلالة الفعل على التجدد والحدوث، وبهذا انفصل المصنف عن سؤال ترك التأسي بالتنزيل بالجملة الاسمية، فإنه قديم، وهذا التصنيف نعمة جديدة.
وافتتح الفعل المضارع بالنون للمشاركة لا لتعظيم نفسه، فإن الحمد على هذه النعمة يعم كل منتفع به.
وقوله: (اللهم) مثل قولك: يألله، زيدت الميم في آخره عوضاً من حرف النداء، هذا هو الصحيح، وقول البصريين.
والتنكير في قوله: (على نعم) للتعظيم بدليل الوصف.
وقوله: (يؤذن) أي: يعلم، والازدياد أبلغ من الزيادة كالاكتساب
стр. 3
والكسب، والدال بدل عن التاء، وأصله ازتياد، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾.
قلت: وقد تبين أن المراد بالحمد هنا أحد قسميه، وهو ما كان منه على نعمة، ولو أطلقه كما في التنزيل لتناول القسم الآخر، وهو ما كان على غير نعمة، والله أعلم.
ص: ونصلي على نبيك محمد هادي الأمة لرشادها.
ش: قوله: (ونصلي) لفظه خبر، ومعناه الطلب، ليكون امتثالاً لقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾ فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وعطف الخبر على الإنشاء ممتنع عند علماء البيان، والصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة، أو المغفرة، أو الإحسان، أو القدر المشترك بينها، وهو الاعتناء بالمصلى عليه، ومن الخلق الدعاء.
والنبي، قيل: مشتق من النبوة، وهي المرتفع من الأرض، وقيل: من النبأ، وهو الخبر، والرسول أخص منه، لأنه إنما يؤمر بالتبليغ، وفضل ابن عبد السلام/ (١ب/ م) النبوة على الرسالة، والراجح خلافه،
وكان ينبغي قرن الصلاة بالتسليم.
وقوله: (هادي الأمة) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ وهو بمعنى بيان الطريق كما في قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ وإما بمعنى الخلق، لقوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾ فهو خاص بالله تعالى، والرشاد ضد الغي.
стр. 4
ص: وآله/ (١/ب/د) وأصحابه، ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها.
ش: آل النبي ﷺ بنو هاشم وبنو المطلب، وأصحابه كل من لقيه مسلماً، ولو أضاف الآل إلى الظاهر لكان أولى، للخروج من خلاف من منع إضافته إلى ضمير، وقدم الآل على الأصحاب للأمر بالصلاة على الآل، ولهذا وجبت في التشهد على قول، وهم أشرف نسباً، وإن كان في الصحابة من هو أفضل من الآل كأبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما،
و (ما) هنا مصدرية ظرفية، أي مدة قيام الطروس، وهي جمع طرس، بكسر الطاء، وأراد بها هنا الصحيفة، وبها فسر الجوهري، ثم قال: ويقال: هي التي محيت ثم كتبت، وعليه اقتصر في (المحكم).
وفي قوله: (عيون الألفاظ) استعارة مرشحة بالبياض والسواد، فإنهما من لوازم العيون، وفيه لف ونشر مرتب، فالبياض للطروس، والسواد للسطور،
стр. 5
وبين الطروس والسطور جناس القلب، لاختلافهما في/ ترتيب الحروف، والمراد بهذا تأبيد الصلاة لدوام العلم، وهو مأخوذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله)).
ص: ونضرع إليك في منع الموانع عن إكمال جمع الجوامع، الآتي من فن الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنف، منهلا يروي ويمير، المحيط بزبدة ما في شرحي على المختصر والمنهاج مع مزيد كثير.
ش: قوله: (نضرع) أي: نخضع ونذل، وهو أبلغ من السؤال، وأصله نتضرع، فحذفت التاء تسهيلاً.
وقوله: (في منع) متعلق به، (وعن) متعلق بـ (منع) و (جمع الجوامع) علم على هذا الكتاب، وسأل انتفاء الموانع، لأن المقتضيات موجودة.
ثم وصفه بأنه أتى، أي: جاء، من فن الأصول، أي: أصول الفقه والدين، (بالقواعد) أي: الأدلة القواطع، وفي هاتين اللفظتين الجناس اللاحق، لاتفاقهما في عدد الحروف والهيئات، واختلافهما في الآخر، وبأنه بلغ من الإحاطة بهما مبلغ ذوي الجد، وهو بالكسر الاجتهاد، (وزهاء) بالمد،
стр. 6
كما اقتضاه كلام الأخفش/ (٢أ/ م)، وعليه اقتصر في (المشارق)، أو بالقصر كما دل عليه ذكر الجوهري له في المعتل، أي: قدر.
وقوله: (يروي) بالضم من الري، وقوله: (يمير) بفتح أوله ويجوز ضمها، يقال: مار، وأمار، أي: حمل الميرة، وهو الطعام، والمراد مختصر ابن الحاجب.
ومنهاج البيضاوي، وإنما شرح المصنف من (المنهاج) من قوله: (وجوب الشيء مطلقاً) وما قبل ذلك من كلام والده
стр. 7
رحمه الله ـ
ص: وينحصر في مقدمات وسبعة كتب.
ش: إن أراد انحصار هذا التصنيف ورد عليه أن فيه زيادة/ (٢أ/د) على ذلك علم أصول الدين، وخاتمة التصوف، وإن أراد انحصار أصول الفقه المدلول عليه بذكر شرحي (المختصر) و (المنهاج) فإنه ليس فيهما غير أصول الفقه، ورد عليه أن من المقدمات حد أصول الفقه، وغيره من قواعد المنطق، وليس من أصول الفقه، وقد يعد منها لتوقفه عليها.
وفي المقدمة لغتان: الكسر وهو أشهر، والفتح، وهي عند المناطقة: القضية المجعولة جزء دليل، وعند الأصوليين: ما يتوقف عليه حصول أمر آخر وهو المراد هنا، فالمقدمات لبيان السوابق، والكتب لبيان المقاصد.
стр. 8
تعريف أصول الفقه
ص: الكلام في المقدمات، أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل: معرفتها.
ش: هذا تعريف لأصول الفقه باعتبار مدلوله اللقبي، وهل هو دلائل الفقه الإجمالية أو معرفة دلائل الفقه الإجمالية؟ فيه خلاف، ذهب إلى الأول القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والرازي،
стр. 9
والآمدي، واختاره ابن دقيق العيد، لأن الأدلة إذا لم تعلم لم تخرج عن كونها أصلاً، ومشى على الثاني البيضاوي وابن الحاجب، إلا أنه عبر بالعلم، ولكل وجه، لأن الفقه كما هو متفرع عن أدلته هو متفرع عن العلم بأدلته، وقيدت الدلائل بالإجمالية لإخراج التفصيلية، فإن النظر فيها وظيفة الفقيه، لأنه يتكلم على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ للوجوب, والنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ للتحريم، بخلاف الأصولي فإنه يتكلم على مقتضى الأمر والنهي، من غير نظر إلى مثال خاص.
والدلائل تتناول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأشبه ـ كما قال السبكي ـ: أن الإجمال قيد للمعرفة، فإن أدلة الفقه/ (٢/ب/م) لها جهتان/، فالأصولي
стр. 10
يعرفها من إحداهما، وهو الإجمال، والفقيه يعرفها من الجهة الأخرى وهو التفصيل، وليست الأدلة منقسمة إلى ما هو إجمالي غير تفصيلي، وتفصيلي غير إجمالي، ووجه جعلها قيداً للأدلة أن لها نسبتين، فهي باعتبار إحداهما غيرها باعتبار الأخرى.
وقد أورد على المصنف أنه هلا قال: أصول الفقه: دلائله الإجمالية؟ وأجاب بأجوبة أحسنها: أن الفقه في قولنا: (دلائل الفقه) غير الفقه في (أصول الفقه) لأنه في أصول الفقه أحد جزئي لقب مركب من متضايفين، وفي قولنا: (دلائل الفقه) العلم المعروف.
ص: والأصولي: العارف بها، وبطرق استفادتها ومستفيدها.
ش: لا يكفي في صدق اسم الأصولي معرفة الأصول حتى يعرف مع ذلك أمرين.
أحدهما: طرق استفادتها وذلك يرجع إلى التراجيح، أي ترتيب الأدلة، كتقديم الخاص على العام والظاهر على المؤول.
стр. 11
ثانيهما: أن يعرف مستفيدها، وهو المجتهد، فإنه الذي يستفيد من الأدلة بخلاف المقلد، فإنه إنما يستفيد من المجتهد، ويدخل في ذلك المقلد أيضاً إن سمينا علمه فقهاً، واعتبار هذين الأمرين في الأصولي/ (٢/ب/د) دون الأصول ـ انفرد به المصنف، واعتبر غيره في مدلول الأصول الأمور الثلاثة.
واعترف المصنف بذلك فقال: جعل المعرفة بطرق استفادتها جزءاً من مدلول الأصولي دون الأصول، لم يسبقني إليه أحد، ووجهه: أن الأصول لما كانت عندنا نفس الأدلة لا معرفتها، لزم من ذلك أن يكون الأصولي هو المتصف به، لأن الأصولي نسبة إلى الأصول، وهو من قام به الأصول، وقيام الأصول به، معناه معرفته إياه، ومعرفته إياه متوقفة على معرفة طرق الاستفادة، فإن من لا يعرف الطريق إلى الشيء محال أن يعرف الشيء، انتهى.
وقد يقال: يكتفى في صدق اسم الأصولي بمعرفة الأدلة، لأن المراد معرفتها على وجه به يحصل استفادة الأحكام منها، فيستغنى بذلك عن التصريح باشتراط معرفته طرق استفادتها، لأن المراد معرفة خاصة كما قدمته.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: لو اقتصر في تعريف أصول الفقه على الدلائل وكيفية الاستفادة منها لكفى، ويكون حال المستفيد كالتابع/ (٣/أ/م) والتتمة، لكن جرت العادة بإدخاله في أصول الفقه، وضعاً فأدخل فيه جزءاً.
تعريف الفقه
ص: والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية.
ش: هذا حد الفقه من جهة الاصطلاح، فـ (العلم) جنس، وقال الشيخ تقي الدين: لو عبر بالمعرفة لكان أحسن، فإن العلم يطلق بمعنى حصول المعنى في الذهن، ويطلق على أخص من ذلك، وهو الاعتقاد الجازم المطابق
стр. 12
لموجب، ولهذا جاء سؤال الفقه من باب الظنون.
وأجاب المصنف عن هذا بأن المراد بالعلم هنا الصناعة، كقولك: علم النحو أي صناعته، فيندرج فيه الظن أيضاً، ولا يرد السؤال، لكن جوابهم عن ذلك السؤال يدل على أن مرادهم بالعلم اليقين.
وخرج بقوله: (بالأحكام) العلم بالذوات والصفات والأفعال، والمراد (بالحكم) نسبة أمر إلى آخر، بالإيجاب/ أو السلب.
وخرج بقوله: (الشرعية) العقلية واللغوية، والمراد بالشرعية المتوقفة على الشرع.
وخرج بقوله: (العملية) العلمية، كأصول الدين.
قاله القرافي ...............
стр. 13
وساعده الباجي، وخالفه السبكي فقال: أصول الدين منه ما ثبت بالعقل وحده، كوجود الباري، ومنه ما ثبت بالعقل والسمع كالوحدانية، وما ثبت بالسمع وحده ككثير من أحوال يوم القيامة، فخرج ما ثبت بالعقل بقولنا: (الشرعية) وأما المتوقف على السمع، فقد يقال بدخوله في حد الشرعية، وفي (المحصول): أن الاحتراز بالعملية عن كون الإجماع حجة، والقياس حجة، فإنه ليس علماً بكيفية عمل، واستشكله ابن دقيق العيد، لأن جميع هذه القواعد التي ذكر أنه يحترز عنها، فإنما الغاية المطلوبة منها العمل.
وقوله: (المكتسب) مرفوع صفة للعلم، وخرج به علم الله تعالى، وما يلقيه في قلوب الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام: (٣أ/د) من الأحكام.
وخرج بقوله: (من أدلتها التفصيلية) اعتقاد المقلد، كما قال الإمام وغيره، فإنه مكتسب من دليل إجمالي، وهو أنه أفتاه به المجتهد، وكل ما أفتاه به فهو حكم الله في حقه، لكن الحق أن اعتقاد المقلد لم يدخل في الحد حتى يحتاج إلى إخراجه فإنه ليس علماً كما صرح به في (المحصول) وجعله قسيماً للعلم، فلذلك قال المصنف: الأولى/ (٣ب/م) أن يخرج به علم الخلاف، لأن الجدلي، لا يقصد صورة بعينها، وإنما يضرب الصورة مثالاً لقاعدة
стр. 14
كلية، فيقع علمه مستفاداً من الدليل الإجمالي، لا من التفصيلي.
وقال الشارح: الظاهر أن ذكرها ليس للاحتراز عن شيء فإن اكتساب الأحكام لا يكون من غير أدلتها التفصيلية، وإنما ذكر للدلالة على المكتسب منه بالمطابقة، فالصواب عدم وصفها بالتفصيلية، لئلا يوهم أنه قيد زائد.
قلت: لا يقال في الموهم: إنه غير الصواب، وقد علم أنه لبيان الواقع، والله أعلم.
تعريف الحكم
ص: والحكم: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف،
ش: لما ذكر الحكم في تعريف الفقه، أخذ في تعريفه، فالخطاب جنس والمراد المخاطب به، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهو: ما يقصد به إفهام من هو متهيئ للفهم، وبإضافته إلى الله تعالى خرج خطاب الملائكة والإنس والجن.
وقوله: (المتعلق) أي: الذي من شأنه أن يتعلق، فهو مجاز من تسمية الشيء، بما يؤول إليه.
والمراد بفعل المكلف، الصادر منه، ليشمل القول والنية، و (المكلف) هو البالغ العاقل، ومن هنا يعلم أن الصبي لا يتعلق بفعله حكم.
وأما قول الفقهاء: إنه يثاب، ويندب له، فهو عند الأصوليين تجوز، قاله المصنف، وسبقه إليه الهندي، قال: والمعني بتعلق الضمان بإتلاف
стр. 15
الصبي أمر الولي بإخراجه من ماله.
والمراد بالمكلف الجنس، وعبر المصنف بالإفراد ليتناول الأحكام المتعلقة بفعل مكلف واحد، كالخصائص، وإجزاء العتاق عن أبي بردة بن نيار.
وخرج بالمتعلق بفعل المكلف أربعة أمور: ما تعلق بذاته تعالى، نحو: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ وبفعله نحو: ﴿خالق كل شيء﴾، وبالجمادات نحو: ﴿ويوم نسير الجبال﴾ وبذوات المكلفين نحو: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾.
وقوله (من حيث إنه مكلف) يخرج ما تعلق بفعل المكلف، لا من حيث تكليفه، كخبر الله تعالى عن أفعال المكلفين، نحو: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ وقوله ﵊: ((صلة الرحم تزيد في العمر)) واكتفى المصنف بذلك عن قول غيره بالاقتضاء أو التخيير، واختار والده أن يقال: (على وجه الإنشاء ليدخل فيه خطاب الوضع، ولا يرد عليه ما
стр. 16
أوردته المعتزلة من الترديد، وهو عندي/ (٤أ/ م) أحسن من تعبير المصنف، لأن اعتبار التكليف يخرج ما لا تكليف فيه، كالإباحة وهي أحد أقسام الحكم، وهي مندرجة في الإنشاء.
وقد أورد على المصنف: أنه كان ينبغي/ (٣ب/ د) أن يزيد: (به) فيقول: (من حيث إنه مكلف به).
وأجاب عنه: بأنه لو قال: به، لاقتضى أن المكلف لا يخاطب إلا بما هو مكلف به، وليس كذلك، فإن النبي ﷺ مخاطب بما كلف به الأمة بمعنى تبليغهم وكذا جميع المكلفين بفرض الكفاية، وإن كان المكلف به بعضهم، لا الكل على المختار، انتهى.
وهو عجيب، فإنه ﵊ مخاطب بما كلف به الأمة على سبيل التبليغ لا على سبيل الفعل، فالذي كلف به غير الذي كلفوا به، ولا يمكن القول بأن الإنسان يكلف بفعل غيره.
وكلامه في فرض الكفاية متناقض، كيف يقول أولاً: إن الخطاب للجميع، ثم يقول (إن المكلف البعض) هذا لم يقل به أحد، والخلاف في أن فرض الكفاية يتعلق بالجميع أو بالبعض مشهور.
ص: ومن ثم لا حكم إلا لله.
ش: هذا فرع لما سبق، أي: لأجل أن الحكم خطاب الله، فحيث لا
стр. 17
خطاب لا حكم، لم يكن الحكم إلا لله تعالى، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أن العقل يدرك الحكم بالحسن والقبح، فهو عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي، فهم لم يجعلوا لغير الله حكماً، بل قالوا: إنه يمكن إدراك حكمه بالعقل من غير ورود سمع، وعبارة المصنف توهم خلاف ذلك، و (ثم) هنا للمكان المجازي.
تعريف الحسن والقبح
ص: والحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، وصفة الكمال والنقص عقلي، وبمعنى ترتب الذم عاجلاً، والعقاب آجلاً شرعي، خلافاً للمعتزلة.
ش: الحسن والقبح يطلق بثلاث اعتبارات:
أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، كقولنا: إنقاذ الغريق حسن، واتهام البريء قبيح.
والثاني: صفة الكمال والنقص، كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، وهو بهذين الاعتبارين عقلي بلا خلاف، أي: إن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.
والثالث: ما يوجب المدح أو الذم الشرعي عاجلاً، والثواب أو العقاب آجلاً، وهو موضع الخلاف.
فالمعتزلة قالوا: هو عقلي أيضاً، أي: يستقل العقل بإدراكه،
وقال أهل السنة: هو شرعي.
أي: لا يعرف إلا بالشرع.
стр. 18
تنبيه:
كان ينبغي أن يقول في الأول: عقليان، ولكنه حذف خبر أحد المبتدأين لدلالة الآخر أو التقدير: / (٤ب/م) كلاهما عقلي، فحذف أحد جزأي الخبر.
وقوله: (خلافاً للمعتزلة) منصوب على المصدر أو الحال، أي: أقول ذلك خلافاً لهم، أي: مخالفاً لهم.
واقتصر المصنف على الذم والعقاب، مهملاً للمدح والثواب لتلازمهما نفياً وإثباتاً.
والمراد بترتب العقاب نص الشارع عليه، وذلك لا ينافي جواز العفو، فلو قال/: كونه متعلق العقاب، لكان أحسن.
ص: وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل.
ش: لا يستقل العقل بإيجاب شكر المنعم خلافاً: للمعتزلة. وأورد عليهم الشيخ أبو إسحاق في كتاب الحدود مناقضة، فإنهم قالوا: يجب على الله أن يثبت المطيعين، وأن ينعم على الخلق، وإذا وجب الثواب فلا معنى للشكر، لأن من قضى دينه لم يستحق الشكر، ففي الجمع بين هاتين المقالتين مناقضة، والمراد بشكر المنعم الإتيان بالمستحسنات العقلية، والانتهاء عن المستخبثات العقلية.
ص: ولا حكم قبل الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده وحكمت المعتزلة العقل فإن لم يقض فثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة.
стр. 19
ش: مذهب أئمتنا أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وظاهر كلام المصنف انتفاء الحكم نفسه، وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر في (مختصر التقريب) عن أهل الحق، وقاله الإمام في (البرهان) والغزالي، وقال النووي: إنه الصحيح عن أصحابنا.
وقيل: المراد عدم العلم بالحكم أي: إن لها حكماً قبل ورود الشرع، لكنا لا نعلمه، وقال البيضاوي، إنه مراد الأشعري بالوقف في هذه المسألة، لأن الحكم عنده قديم، فتفسير الوقف بعدم الحكم يلزم منه حدوث الحكم، وهو خلاف مذهبه، وقول المصنف: (بل الأمر موقوف إلى وروده) دفع به توهم ما قاله البيضاوي، وبين أن مرادهم بالوقف أن الأمر موقوف إلى ورود الشرع، وأن الحكم منتف قبل وروده، وذهبت المعتزلة إلى أن ما قضى فيه العقل بحسن أو قبح، اتبع فيه حكمه، وانقسم إلى الأحكام الخمسة، فما قضى
стр. 20
بحسنه إن لم يرجح فعله على تركه، فهو المباح، وإن ترجح فإن ألحق الذم على تركه فهو الواجب، وإلا فهو المندوب، وما قضى بقبحه إن قضي بالذم على فعله فالحرام، وإلا فالمكروه، وإن لم يقض فيه بشيء ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: الحظر، والثاني: الإباحة، والثالث: الوقف (٥أ/م).
قال ابن التلمساني: والقائلون بالحظر لا يريدون أنه باعتبار صفة في المحل، بل حظر احتياطي، كما يجب اجتناب المنكوحة إذا اختلطت بأجنبية، والقائلون بالوقف أرادوا وقف حيرة، هكذا حرر الآمدي وابن الحاجب موضع الخلاف، وأطلقه في (المحصول) وقال القرافي: إطلاقه الخلاف ينافي قواعدهم، إذ الحظر يقتضي تحريم إنقاذ الغريق، والإباحة تقتضي إباحة القتل، أما ما لم يطلع العقل على مفسدته أو مصلحته فيمكن أن يجيء فيه الخلاف، ثم رأيت كلام أبي الحسين، في (المعتمد) حكى عنهم الخلاف من غير تقييد، وهو أعلم بمذهبهم فرجعت إلى طريقة الإمام.
ص: والصواب امتناع تكليف الغافل والملجأ وكذا المكره على الصحيح، ولو على القتل، وأثم القاتل لإيثاره نفسه.
стр. 21
ش: فيه مسائل:
الأولى: يمتنع تكليف الغافل كالنائم والساهي والمجنون والسكران، وللأشعري قول بجوازه بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وهو مقابل الصواب في عبارة المصنف، والمشهور منعه، وإن جوزنا ذاك، لأن في ذاك فائدة الابتلاء، ولا فائدة له هنا.
ونقل ابن برهان في (الأوسط) عن الفقهاء جوازه على معنى ترتب الفعل في الذمة، وقد يتوهم أن الشافعي يرى تكليف الغافل/ لنصه على تكليف السكران، وليس كذلك، فإنه إنما قال بتكليف السكران عقوبة له، لتسببه إلى ذلك بمحرم باختياره، واستثنى البيضاوي تبعاً لصاحب (الحاصل) بمعرفة الله تعالى فإنه مكلف بها مع الغفلة عن ذلك، إذ لو عرف تكليفه بها لعرف الله تعالى، فيكون الأمر بمعرفته تحصيلاً للحاصل، وهو محال، والحق أنها لا تستثنى، فإن الحاصل المعرفة الإجمالية، والمكلف به المعرفة التفصيلية.
الثانية: يمتنع تكليف الملجأ، وهو الذي صار كالمرتعش بالنسبة للرعشة، كالملقى من شاهق، وتعبير المصنف يفهم حكاية خلاف فيه، وكلام الآمدي يشير إليه بناء على جواز تكليف ما لا يطاق عقلاً.
الثالثة: في تكليف المكره قولان:
أحدهما وهو قول المعتزلة: المنع، أمر بالمكره عليه دون ما عداه من الأفعال، وهو مختار المصنف هنا.
الثاني: الجواز، وإن كان غير واقع، وهو قول الأشاعرة، وقد رجع إليه
стр. 22
المصنف آخراً، وطرد المصنف مع تكليفه في القتل، فالإكراه عليه يخرج المكره عن التكليف، ثم استشعر سؤالا، وهو أنه آثم بلا خلاف، ويجب عليه القصاص في الأصح، فكيف لا يكون مكلفاً؟ وأشار إلى الجواب عنه بأنه لم يأثم من جهة الإكراه بل من جهة أنه آثر نفسه على غيره، فإن معنى قول المكره: اقتل زيداً، وإلا قتلتك ـ التخيير بين نفسه ونفس زيد، فإذا قتل زيداً فقد آثر نفسه فأثم لاختياره، فهذا الفعل ذو جهتين: جهة الإكراه، ولا إثم فيها، وجهة الإيثار، ولا إكراه فيها.
وقال الشارح: ما اختاره في القاتل هو بظاهره مضاد للإجماع، ففي (التلخيص) لإمام الحرمين: (أجمع العلماء قاطبة على توجه النهي على المكره على القتل، وهذا عين التكليف في مثال الإكراه، وهو مما لا منجاة منه.
وقال الشيخ في (شرح اللمع): (انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باختيار القتل، ودفع المكره عن نفسه، وأنه آثم بقتل من أكره على قتله، وذلك يدل على أنه مكلف حال الإكراه، وبه صرح الغزالي، وغيره انتهى.
ص: ويتعلق الأمر بالمعدوم تعلقاً معنوياً، خلافاً للمعتزلة.
ش: مذهب الأشاعرة: أن الأمر وكذا النهي يتعلق بالمعدوم تعلقاً معنوياً لا تنجيزياً فأمر الله ونهيه يتعلقان في الأزل بالمكلف لا على معنى تنجيز التعلق في حال عدمه، بل على معنى أنه إذا وجد بصفة التكليف صار مكلفاً بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر، وهذا مبني على إثبات الكلام النفسي، فلذلك خالف فيه المعتزلة لإنكارهم الكلام النفسي، وقال الشيخ/ (٤/أ/د) المقترح جد ابن دقيق العيد، لأمه: الأمر لم يتعلق بالمعدوم، بل
стр. 23
بالموجود المتوقع فكما أن العلم الأزلي يتعلق بالموجود الذي سيكون، فكذلك الطلب الأزلي يتعلق بالمكلف الذي سيكون.
الأحكام الشرعية
ص: فإن اقتضى الخطاب الفعل اقتضاء جازماً فإيجاب، أو غير جازم فندب، أو الترك جازماً فتحريم، أو غير جازم بنهي مخصوص فكراهة، أو بغير مخصوص فخلاف الأولى، أو التخيير فإباحة.
ش: هذا تقسيم للحكم، وجعل مورد القسمة الخطاب، لأنه بمعناه، وتقديره: أنه إما أن يقتضي الفعل أو الترك، وعلى كل من التقديرين/، فإما أن يكون جازماً أم لا، فإن اقتضى الفعل جزماً فالإيجاب، أو بدون جزم فالندب، أو الترك جزماً فالتحريم، أو بدون جزم، فإن كان بنهي مخصوص فالكراهة، أو غير مخصوص فخلاف الأولى، وإن خير بين الفعل والترك فهو الإباحة، والمشهور أن الأحكام خمسة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة.
وتبع المصنف في زيادة السادس ـ وهو خلاف الأولى ـ إمام الحرمين، لكن عدل عن تعبيره بالنهي المقصود إلى المخصوص، وفيه نظر، لأن المقصود يحترز به عن الأمر بالشيء، فإنه نهي عن ضده، فهو منهي عنه إلا أنه غير مقصود، والمخصوص يحترز به عما استفيد من عموم، من غير تنصيص على المنهي عنه بخصوصه.
قال السبكي: والإمام أول من علمناه ذكره.
стр. 24
قلت: مع أنه لم ينشئه من عند نفسه، بل نقله عن غيره، فقال: إنه مما أحدثه المتأخرون.
ص: وإن ورد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً فوضع.
ش: إذا لم يكن في الخطاب اقتضاء بل ورد سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً، أو فاسداً فليس خطاب تكليف، وإنما هو خطاب وضع، أي وضعه الله تعالى في شرائعه، لإضافة الحكم إليه، تعرف به الأحكام تيسيراً لنا، فإن الأحكام مغيبة عنا، والفرق بينه وبين خطاب التكليف من حيث الحقيقة: أن الحكم في الوضع هو قضاء الشرع على الوصف بكونه سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وخطاب التكليف لطلب أداء ما تقرر بالأسباب والشروط والموانع، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: فإن ورد سببياً أو شرطياً أو مانعياً، لأن السبب ليس نفس الحكم، بل جعل الشارح إياه.
وأجيب عنه بأن انتصابها بمصدر محذوف، أي: بجعل الوصف سببا ... إلى آخره، ولا تردد في أن الثلاثة الأول من خطاب الوضع، وأما الصحة والفساد فهو الصحيح فيهما، لأنه حكم من الشارع بذلك، وقال ابن الحاجب: هما عقليان.
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر عبارة المصنف أنه أفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف، وجعله قسيماً له، وكذلك فعل ابن الحاجب في قوله في تعريف الحكم بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، واختار الإمام: (٤/ب/ د) فخر الدين إدخاله في خطاب التكليف، لأن معنى كون الشيء شرطاً حرمة المشروط بدون شرطه، وادعى بعضهم اقتضاء عبارة المصنف ذلك، وهو بعيد.
ثانيهما: مقتضى عبارة المصنف أن في الإباحة اقتضاء، لأن تقدير كلامه: إن اقتضى الخطاب التخيير، والمعروف أنه/ (٥/ب/م) لا اقتضاء فيه، فإن الاقتضاء
стр. 25
الطلب، ولا طلب فيه وإنما فيه التخيير بين الفعل والترك.
ص: وقد عرفت حدودها.
ش: أي أنواع القسم الأول، وهو خطاب التكليف، وذلك بأن يؤخذ مورد التقسيم بينها فيجعل جنساً، وما تميز به كل نوع فيجعل فصلاً، فيقال: الإيجاب اقتضاء الفعل اقتضاء جازماً، وهكذا في بقيتها، وكأنه أراد بالحد مطلق التعريف، حتى يدخل فيه الرسم الذي هو بالعرضيات، فقد لا يكون مورد التقسيم جنساً، كقولنا: الماشي إما أن يكون ناطقاً أم لا، فإن قولنا: الإنسان ماش ناطق ليس حداً له، والله أعلم.
ص: والفرض والواجب مترادفان خلافاً لأبي حنيفة وهو لفظي.
ش: الفرض والواجب لفظان مترادفان بمعنى واحد، وفرق أبو حنيفة بينهما فجعل الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل
стр. 26
ظني.
قال أصحابنا: ونقض الحنفية أصلهم في أشياء منها: جعلهم مسح ربع الرأس، والقعدة في آخر الصلاة فرضاً، مع أنهما لم يثبتا بدليل قطعي، والنزاع في ذلك لفظي، أي: مرجعه إلى الاصطلاح.
ص: والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنة مترادفة، خلافاً لبعض أصحابنا وهو لفظي.
ش: المخالف في ذلك من أصحابنا: القاضي حسين، والبغوي،
стр. 27
والخوارزمي، قالوا: السنة ما واظب عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين، والتطوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد.
ص: ولا يجب بالشروع خلافاً لأبي حنيفة، ووجوب إتمام الحج لأن نفله كفرضه، نية وكفارة، وغيرهما.
ش: لا يجب التطوع من صلاة وصيام وغيرهما بالشروع فيه، بل له قطعه، ولو بغير عذر.
وقال أبو حنيفة: يلزم بالشروع، وحكي عن مالك أيضاً.
وقد أورد علينا الحج فإنه يلزم من تطوعه بالشروع ويجب إتمامه، وفرق بينه وبين غيره باختصاص الحج بأن نفله كفرضه في النية والكفارة وغيرهما، أي: كالمضي في فاسده، وهذا المطوي في كلام المصنف هو الذي أجاب به الشافعي، ومعناه: أنه يجب المضي في فاسده، فكيف في صحيحه؟ ولا يختص الحج بخروجه عن هذه القاعدة، فالأضحية سنة وإذا ذبحت لزمت
стр. 28
بالشروع، كما ذكره الساجي في نصوص الشافعي.
وقال بعضهم: لا يحتاج إلى استثناء الحج، لأنه لا يكون من المستطيع تطوعاً قط، بل هو في حق من لم يحج فرض عين، وفي حق من حج فرض كفاية/.
ص: (٥أ/د) والسبب/ (٦أ/م) ما يضاف الحكم إليه للتعلق به من حيث إنه معرف للحكم أو غيره.
ش: أخذ في بيان أقسام خطاب الوضع، فمنها: الحكم على الوصف بكونه سبباً، وهو خاص بالحكم الذي عرفت علته، وعرفه بما ذكره، وبين بقوله: (للتعلق به) أن معنى كون السبب حكماً تعلق الحكم به، وبهذا يندفع إيراد من أورد أن الزنا حادث، فلا يؤثر في القديم.
وأشار بقوله: (من حيث إنه معرف) إلى أنه ليس المراد منه كونه موجباً لذلك لذاته، أو لصفة ذاتية، كما تقول المعتزلة، بل المراد عند الأكثرين أنه معرف للحكم، وعند الغزالي: أنه موجب لا لذاته ولا لصفة ذاتية، ولكن بجعل الشارع له موجباً، وهو مراد المصنف (بغيره).
وأراد صحة التعريف على المذهبين، ومراد الغزالي أن الموجب للحكم هو الشارع، وإنما نصب السبب للاستدلال به على الحكم لعسر معرفته، لا سيما بعد انقطاع الوحي كالعلامة، فشابه ما يحصل الحكم عنده لا به، فسمى به، فهو من حيث المعنى لا يخالف مذهب الأكثرين، والعلة أخص من السبب،
стр. 29
لأنه لا بد فيها من المناسبة، ولا يشترط ذلك في السبب.
ص: والشرط يأتي.
ش: أي في التخصيصات.
ص: والمانع: الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض الحكم كالأبوة في القصاص.
ش: المذكور هنا مانع الحكم، فلا بد أن يزيد في تعريفه مع بقاء حكمة السبب، فإن الأبوة مانعة للحكم، أي الذي هو القصاص لحكمة، وهو كون الأب سبباً في إيجاده، فلا يكون الابن سبباً في إعدامه، وهذه الحكمة تقتضي
стр. 30
عدم القصاص الذي هو نقيض الحكم مع بقاء حكمة السبب وهي الحياة، والمراد بهذه الزيادة إخراج مانع السبب وهو ما يستلزم حكمة تحل بحكمة السبب، كالدين في الزكاة، إذا قلنا: إنه مانع من الوجوب، فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله، وليس مع الدين فضل يواسى به.
قال المصنف: وإنما لم أذكر هنا مانع السبب، لأن كلامنا هنا في الحكم ومتعلقاته، وليست الأسباب عندنا من الأحكام، خلافاً لابن الحاجب.
وقد تضمن كتاب القياس تعريف مانع السبب حيث قلنا فيه عند ذكر العلة: ومن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة تبعث على الامتثال، وتصلح شاهداً لإناطة الحكم، ومن ثم كان مانعها وصفا وجودياً يخل بحكمتها.
فإن قيل: هو إن لم يكن من/ (٦/ب/م) الأحكام فهو من متعلقات الأحكام، فكان ينبغي ذكره.
قلنا: المعنى بمتعلقات الأحكام حاكم ومحكوم به وعليه، وشروط كل واحد منها، وليست الأسباب من ذلك، انتهى.
ويرد عليه أنه كان ينبغي لذلك أن لا يذكر السبب، وقد ذكره، والله أعلم.
ص: والصحة موافقة ذي (٥ ب/ د) الوجهين الشرع وقيل في العبادة: إسقاط القضاء.
стр. 31
ش: المشهور تعريف الصحة سواء أكانت في عبادة أو معاملة بموافقة الشرع ـ أي أمر الشرع ـ وهو مذهب المتكلمين، لكن لا يوصف بالصحة وعدمها إلا الفعل ذو الوجهين، وهو الذي يمكن وقوعه تارة على موافقة الشرع، وتارة على غيرها، فما لا يقع إلا على وجه واحد كمعرفة الله تعالى لا يوصف بذلك.
وقال بعضهم: الصحة في العبادة إسقاط القضاء، وهو محكي عن الفقهاء، وتظهر فائدة الخلاف فيمن صلى محدثاً على ظن أنه متطهر ثم ظهر له حدثه فصلاته على رأي المتكلمين صحيحة، لأنها موافقة للأمر، وعلى رأي الفقهاء باطلة.
وقال السبكي: إن تسمية الفقهاء هذه الصلاة باطلة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون، بل لأن شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر، والصلاة بدون شرطها فاسدة، وغير مأمور بها.
ثم استدل على هذا بأن الفقهاء يقولون: كل من صحت صلاته صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به، فإنه يقتضي انقسام الصحة إلى ما يغني عن القضاء وإلى ما لا يغني، ثم استدل بغير هذا أيضاً، ثم قال: فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر، غير أن الفقهاء يقولون: ظان الطهارة مأمور مرفوع عنه الإثم بتركها.
والمتكلمون يقولون: ليس مأموراً، فلذلك تكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء. انتهى.
وقال القرافي وغيره: هذا الخلاف لفظي، لأنه إن لم يتبين له حدثه فلا قضاء، وإلا وجب اتفاقاً في الصورتين.
وقال الشارح: ليس كذلك، بل الخلاف معنوي، فالمتكلمون لا
стр. 32
يوجبون القضاء، ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك، فإن الصحة هي الغاية من العبادة، ولا يستنكر هذا، فللشافعي في القديم مثله، فيما إذا صلى بنجس لم يعلمه، أنه لا يجب القضاء، نظراً لموافقة الأمر حال التلبس، وكذا من صلى إلى جهة ثم تبين الخطأ، ففي القضاء قولان للشافعي، بل الخلاف/ (٧أ/م) بينهم مفرع على أصل، وهو أن القضاء هل يجب بالأمر الأول أو بمتجدد؟ فعلى الأول بنى الفقهاء قولهم: أنها سقوط القضاء، وعلى الثاني رأى المتكلمون أنها موافقة الأمر، فلا يوجبون القضاء، ما لم يرد نص جديد به، انتهى.
ص: وبصحة العقد ترتب آثاره.
ش: قوله: (بصحة العقد) خبر مقدم، وقوله (ترتب آثاره) مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر لأمر صناعي، وهو عود الضمير من المبتدأ وهو (الهاء) في آثاره، على بعض الخبر، وهو العقد، فهو كقوله تعالى: ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ وآخر بياني، وهو الحصر، فإن تقديم المعمول يفيده عند جماعة، والمعنى أن ترتيب الآثار، وهي ما شرع ذلك العقد له كالتصرف في البيع والاستمتاع في النكاح واقع بصحة العقد لا بغيره/ (٦/أ/د) وهذا أولى من تعريف صحة العقد بترتب الأثر، فإن ترتب الأثر ليس نفس الصحة، وإنما هو ناشئ عنه، مع أنه لو عبر بهذه العبارة: (وقيل: صحة العقد ينشأ عنها ترتب الأثر) لأورد عليه أنه قد يتخلف ترتب الأثر كالمبيع قبل القبض، أو في زمن الخيار، فكان تعبير المصنف بأن (بصحة العقد ترتب الأثر) أولى، أي أن ترتب الأثر إذا وجد فهو ناشئ عن الصحة، ولا يلزم منه أن الصحة يلازمها
стр. 33
ترتب الأثر، ومع ذلك فيرد عليه الخلع والكتابة الفاسدان، فإنه يترتب عليهما أثرهما من البينونة والعتق، مع أنهما غير صحيحين، ويجاب عنه بأن ترتب الأثر فيهما ليس من جهة العقد بل للتعليق، وهو صحيح لا خلل فيه، ونظير ذلك القراض والوكالة الفاسدان، يصح فيهما التصرف لوجود الإذن فيه وإن لم يصح العقد.
ص: والعبادة إجزاؤها ـ أي كفايتها ـ في سقوط التعبد وقيل إسقاط القضاء.
ش: قوله: (العبادة) مجرور عطفاً على صحة العقد، أي وبصحة
стр. 34
العبادة إجزاؤها كما قال: (وبصحة العقد ترتب آثاره) أي إن إجزاء العبادة ينشأ عن صحتها فيقال: صحت العبادة فأجزأت، ثم عرف الإجزاء بأنه الكفاية في سقوط التعبد، أي كون الفعل كافياً في سقوط التعبد، ولم يقيد الفعل بكونه من المتعبد، ليتناول حج النائب عن المعضوب، ولو عبر بإسقاط/ (٧/ب/م) التعبد لكان أولى، ثم حكى قولاً آخر أن الإجزاء إسقاط القضاء، وحكاه في (المنتخب) عن الفقهاء.
ص: ويختص الإجزاء بالمطلوب وقيل بالواجب.
ش: الصحة أعم من الإجزاء، فإنه يوصف بها العبادات والمعاملات، وأما الإجزاء فالمشهور اختصاصه بالمطلوب، سواء أكان واجباً أو مندوباً، وقيل: يختص بالواجب، فلا يوصف به المندوب، ونصره القرافي والأصبهاني شارحاً (المحصول) واستبعده السبكي، وقال: كلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد ورد في الحديث: (أربع لا تجزئ في الأضاحي) واستدل به من قال بوجوب الأضحية، وأنكر عليه، انتهى.
стр. 35
ص: ويقابلها البطلان وهو الفساد خلافاً لأبي حنيفة.
ش: أي إن البطلان والفساد لفظان مترادفان، وهما يقابلان الصحة، وذلك شامل للعبادات، والمعاملات، وفرق أبو حنيفة بينهما، وتحرير مذهبه في ذلك أن العوضين إن كانا غير قابلين للبيع، كبيع الملاقيح، وهي ما في بطون الأمهات بالدم فهو باطل قطعاً، وإن كانا بأصلهما قابلين للبيع ولكن اشتمالا على وصف يقتضي عدم الصحة كالربا، فإن الدراهم بأصلها قابلة للبيع، وإنما جاء البطلان/ (٦/ب/ د) من الزيادة في أحدهما ففاسد قطعاً، وإن كان المبيع غير قابل للبيع دون الثمن كبيع الملاقيح بالدراهم، أو بالعكس، كبيع ثوب مثلاً بدم، ففي كل منهما خلاف، والصحيح عندهم إلحاق الأول بالأول، والثاني بالثاني، وفائدة التفصيل عندهم أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض دون الباطل.
стр. 36
ص: والأداء فعل بعض ـ وقيل: كل ما دخل وقته قبل خروجه.
ش: عرف المصنف الأداء بأنه فعل بعض ما دخل وقته قبل خروجه، فقوله: (فعل) جنس، وقوله: (بعض) لم يقصد به إخراج الكل، بل التنبيه على دخوله بطريق الأولى، فإنه إذا كان فعل البعض أداء ففعل الكل أولى، لكن فيه إجمال، لأنه ليس كل بعض تصير العبادة بفعله أداء، وإنما خاص بركعة بناء على الأصح أن من صلى ركعة في الوقت وباقيها خارجه كان الجميع أداء، وهذا ماش على أحد احتمالين للسبكي قال: إنه المتبادر من كلامهم: أن الوقت خرج في حق هذا كغيره، وله احتمال آخر أن الوقت لم يخرج في حقه، بل اتسع له إلى فراغ صلاته، وحينئذ فلم يفعل البعض في الوقت، والبعض خارجه، بل الجميع في الوقت، واستشهد لهذا/ (٨/أ/م) الاحتمال بمفهوم قول الشافعي في (المختصر): فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة فقد خرج وقتها.
وخرج بقوله: (ما دخل وقته) فعله قبل دخول وقته، وهو باطل إلا فيما جوزه الشرع، كزكاة الفطر، فهو تعجيل، والوقت يتناول الأصل والتابع، وهو وقت العصر والعشاء في جمع التأخير، فالصحيح أن المؤخرة أداء.
وقوله: (قبل خروجه) خرج به فعله بعد خروجه، وهو القضاء، ثم حكى في تعريفه قولاً آخر: أنه فعل كل ما دخل وقته قبل خروجه، وهذا على الوجه الذاهب إلى أن الجميع قضاء، وهذا الذي اعتبره في الأداء من فعل البعض لم يعتبره الأصوليون، والظاهر أنهم لا يسمون فعل البعض ولو كان ركعة أداء، وتبع المصنف في ذلك الفقهاء، وما كان ينبغي ذلك في بيان مصطلح أهل الأصول، ولا يلزم من قوله ﵊: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) أن تكون أداء، وغايته أن الشارع
стр. 37
جعل حكمه كحكم المدرك على طريق الفضل والامتنان، والتوسيع، وإعطائه حكمه لا أنه مؤد حقيقة، كيف وتأخير الصلاة بحيث يخرج بعضها عن الوقت حرام؟ فكيف يساوي فعل هذا المرتكب للحرام فعل المصيب الموقع لجميع الصلاة في وقتها؟ ولعله ﵊ إنما ذكر هذا الإدراك بالنسبة إلى إلزام الزائل عذره فعل تلك العبادة لا بالنسبة لجعله مؤدياً، ويدل لذلك أن هذا لم يطرده الفقهاء في الجمعة، بل قالوا/ (٧/أ/ د) بامتناع الجمعة بخروج جزء منها عن الوقت، وإنما يكمل ظهراً، والله أعلم.
وقوله: (بعض وكل) غير منونين للإضافة، فإن أحدهما مضاف إلى قوله: (ما) والآخر إلى نظيره تقديراً، وفعل ذلك المصنف اختصاراً، وهو كقوله: (قطع الله يد ورجل من قالها) وجواز مثله خاص بالمصطحبين، كاليد والرجل، والبعض والكل، ولو اجتنب المصنف مثل هذا في التعريفات لكان أولى، فإنها موضوعة للإيضاح والبيان، وهذا ينافيه.
ص: والمؤدى ما فعل.
ش: أي ما فعل بعضه، وقيل: كله، بعد دخول وقته، وقبل خروجه، وإنما عرف المؤدى مع أنه مفهوم من تعريف الأداء لينبه على التنكيت على ابن الحاجب في تعريفه الأداء، بأنه ما فعل ... إلى آخره، فأشار إلى أنه إنما ينبغي أن يصدر بهذا تعريف المؤدى لا الأداء، ولا يجوز جعل (ما) في عبارة ابن الحاجب مصدرية، لإعادته الضمير عليها في قوله: (في وقته) ولأن الضمير إنما يعود على الأسماء، والمصدرية حرف./ (٨ب/م).
ص: والوقت: الزمان المقدر له شرعاً مطلقاً.
ش: هذا تعريف للوقت المذكور في تعريف الأداء، فقوله: (الزمان) جنس، وقوله: (المقدر له شرعاً) أي للفعل، خرج به زمان الفعل المأمور
стр. 38
به من غير تعرض للزمان، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الشرع لم يقدر له زماناً، وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان، ولكن ليس مقصوداً للشارع، وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان مضيقاً كصوم رمضان، أو موسعاً كالصلوات الخمس.
قال الشارح: وقد توقت العبادة بوقت لا نهاية له، كطواف الإفاضة.
قلت: هذا مردود، فإن طواف الإفاضة لم يحد له الشرع وقتاً معيناً حتى يقال: إنه موقت، والله أعلم.
ولم يتعرض المصنفون لتعريف الوقت، وإن كانت عبارة ابن الحاجب في حد الأداء تستلزم ذلك.
وأخذ المصنف ذلك من كلام والده حيث قال: الأحسن عندي في تفسيره أنه الزمان المنصوص عليه للفعل من جهة الشرع.
وسبقه إلى ذلك الشيخ عز الدين، فقال في أماليه: الوقت على قسمين: مستفاد من الصيغة الدالة على المأمور، ووقت يحده الشارع للعبادة، والمراد بالوقت في حد الأداء هو الثاني، دون الأول، ويترتب على ذلك أنا إذا قلنا بالفور في الأمر، فأخر المأمور به، لا يكون قضاء، لأنها إنما خرجت عن الوقت الذي دل عليه اللفظ لا الوقت الذي قدره الشرع.
ص: والقضاء فعل كل ـ وقيل بعض ـ ما خرج وقت أدائه استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل مطلقا.
ش: عرف المصنف القضاء بأنه فعل كل ما خرج وقت أدائه إلى آخره.
فالفعل جنس، وقولنا: (كل) خرج به البعض، فإنه/ (٧ب/د) متى فعل البعض في الوقت كان الجميع أداء، وهذا معترض كما تقدم في تعريف الأداء، فإن
стр. 39
ذلك مخصوص في بعض، وهو ركعة.
وخرج بقوله: (ما خرج وقت أدائه) الأداء، وقوله: (استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل) احتراز عما فعل بعد وقت الأداء، لا بقصد الاستدراك، فإنه لا يسمى قضاء، ودخل في قوله: (مقتض للفعل) أي طالب له ـ الواجب والمندوب، فكلاهما مطلوب شرعاً، وكلاهما يوصف بالقضاء، وهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي بالوجوب، والحق أنه لا يحتاج إلى هذه الزيادة، فإنه متى لم يسبق مقتض للفعل لا يكون المفعول/ (٩/أ/م) بعد خروج وقت الأداء تلك العبادة بل غيرها.
وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان أداؤه واجباً كالصلاة المتروكة عمداً، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر، أو امتنع عقلاً كصلاة النائم أو شرعاً كصلاة الحائض.
ثم حكى المصنف في تعريف القضاء قولاً آخر: إنه فعل بعض ما خرج وقت أدائه إلى آخره، لأجل القول الآخر.
وقوله: (كل وبعض) غير منونين للإضافة الملفوظة والمنوية كما تقدم في نظيره.
ص: والمقضي المفعول.
ش: عبر هنا بالمفعول، لأنه أحسن وعبر هناك بما فعل إشارة للاستدراك على ابن الحاجب كما تقدم، فلا حاجة إلى تكريره.
ص: والإعادة فعله في وقت الأداء قيل: لخلل وقيل: لعذر، فالصلاة المكررة معادة.
ش: الإعادة نوع من الأداء، وهي فعله، أي فعل الأداء المعاد في وقت الأداء، ويفهم من هذا التعبير أن المراد فعله ثانياً.
وخرج بقوله: (في وقت الأداء) القضاء، ثم حكى خلافاً في أنه هل يعتبر
стр. 40
في الإعادة أن يكون فعل الثانية لخلل واقع في الأولى، وهو أن يختل فيها ركن أو شرط أو لعذر، وإن لم تكن مختلة، والمراد به أن تكون الثانية أكمل من الأولى، وإن كانت الأولى صحيحة، وبنى عليهما الصلاة المكررة فهي على الثاني معادة، وعلى الأول ليست معادة، إذ لا خلل في الأولى، وجزم البيضاوي بالأول، ورجحه ابن الحاجب.
وقال السبكي: إن كلام الأصوليين يقتضي الأول، والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء الثاني، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هو المعتمد، انتهى.
ولم يرجح المصنف واحداً من القولين: لأنه زيفهما في (شرح المختصر) بما إذا تساوت الجماعتان من كل وجه، ثم اختار أنها ما فعل في وقت الأداء ثانياً مطلقًا، أي أعم من أن يكون لخلل أو عذر أو غيرهما.
قال الشارح: وهو ممنوع، لأنه لا يدرى القبول في أيتهما، فالاحتياط الإعادة، كما لو ترجحت الثانية، وقد أشار إليه احتمالاً.
قلت: فيكون العذر لازماً للإعادة، لو لم يكن إلا احتمال عدم القبول، والله أعلم.
وما ذكرناه من أن الإعادة قسم/ (٨/أ/د) من الأداء، وهو ما صرح به الآمدي/ (٩/ب/م) وغيره.
وقال السبكي: إنه مقتضى إطلاق الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين، القاضي أبي بكر في (التقريب)، و (الإرشاد) والغزالي في (المستصفى) والإمام في (المحصول)، ولكن الإمام لما أطلق ذلك ثم قال: إنه إن فعل ثانياً بعد خلل سمي إعادة، ظن صاحبا (الحاصل) و (التحصيل) أن
следующие страницы →