← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ص: والأداء فعل بعض ـ وقيل: كل ما دخل وقته قبل خروجه. ش: عرف المصنف الأداء بأنه فعل بعض ما دخل وقته قبل خروجه، فقوله: (فعل) جنس، وقوله: (بعض) لم يقصد به إخراج الكل، بل التنبيه على دخوله بطريق الأولى، فإنه إذا كان فعل البعض أداء ففعل الكل أولى، لكن فيه إجمال، لأنه ليس كل بعض تصير العبادة بفعله أداء، وإنما خاص بركعة بناء على الأصح أن من صلى ركعة في الوقت وباقيها خارجه كان الجميع أداء، وهذا ماش على أحد احتمالين للسبكي قال: إنه المتبادر من كلامهم: أن الوقت خرج في حق هذا كغيره، وله احتمال آخر أن الوقت لم يخرج في حقه، بل اتسع له إلى فراغ صلاته، وحينئذ فلم يفعل البعض في الوقت، والبعض خارجه، بل الجميع في الوقت، واستشهد لهذا/ (٨/أ/م) الاحتمال بمفهوم قول الشافعي في (المختصر): فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة فقد خرج وقتها. وخرج بقوله: (ما دخل وقته) فعله قبل دخول وقته، وهو باطل إلا فيما جوزه الشرع، كزكاة الفطر، فهو تعجيل، والوقت يتناول الأصل والتابع، وهو وقت العصر والعشاء في جمع التأخير، فالصحيح أن المؤخرة أداء. وقوله: (قبل خروجه) خرج به فعله بعد خروجه، وهو القضاء، ثم حكى في تعريفه قولاً آخر: أنه فعل كل ما دخل وقته قبل خروجه، وهذا على الوجه الذاهب إلى أن الجميع قضاء، وهذا الذي اعتبره في الأداء من فعل البعض لم يعتبره الأصوليون، والظاهر أنهم لا يسمون فعل البعض ولو كان ركعة أداء، وتبع المصنف في ذلك الفقهاء، وما كان ينبغي ذلك في بيان مصطلح أهل الأصول، ولا يلزم من قوله ﵊: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) أن تكون أداء، وغايته أن الشارع

стр. 37

جعل حكمه كحكم المدرك على طريق الفضل والامتنان، والتوسيع، وإعطائه حكمه لا أنه مؤد حقيقة، كيف وتأخير الصلاة بحيث يخرج بعضها عن الوقت حرام؟ فكيف يساوي فعل هذا المرتكب للحرام فعل المصيب الموقع لجميع الصلاة في وقتها؟ ولعله ﵊ إنما ذكر هذا الإدراك بالنسبة إلى إلزام الزائل عذره فعل تلك العبادة لا بالنسبة لجعله مؤدياً، ويدل لذلك أن هذا لم يطرده الفقهاء في الجمعة، بل قالوا/ (٧/أ/ د) بامتناع الجمعة بخروج جزء منها عن الوقت، وإنما يكمل ظهراً، والله أعلم. وقوله: (بعض وكل) غير منونين للإضافة، فإن أحدهما مضاف إلى قوله: (ما) والآخر إلى نظيره تقديراً، وفعل ذلك المصنف اختصاراً، وهو كقوله: (قطع الله يد ورجل من قالها) وجواز مثله خاص بالمصطحبين، كاليد والرجل، والبعض والكل، ولو اجتنب المصنف مثل هذا في التعريفات لكان أولى، فإنها موضوعة للإيضاح والبيان، وهذا ينافيه. ص: والمؤدى ما فعل. ش: أي ما فعل بعضه، وقيل: كله، بعد دخول وقته، وقبل خروجه، وإنما عرف المؤدى مع أنه مفهوم من تعريف الأداء لينبه على التنكيت على ابن الحاجب في تعريفه الأداء، بأنه ما فعل ... إلى آخره، فأشار إلى أنه إنما ينبغي أن يصدر بهذا تعريف المؤدى لا الأداء، ولا يجوز جعل (ما) في عبارة ابن الحاجب مصدرية، لإعادته الضمير عليها في قوله: (في وقته) ولأن الضمير إنما يعود على الأسماء، والمصدرية حرف./ (٨ب/م). ص: والوقت: الزمان المقدر له شرعاً مطلقاً. ش: هذا تعريف للوقت المذكور في تعريف الأداء، فقوله: (الزمان) جنس، وقوله: (المقدر له شرعاً) أي للفعل، خرج به زمان الفعل المأمور

стр. 38

به من غير تعرض للزمان، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الشرع لم يقدر له زماناً، وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان، ولكن ليس مقصوداً للشارع، وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان مضيقاً كصوم رمضان، أو موسعاً كالصلوات الخمس. قال الشارح: وقد توقت العبادة بوقت لا نهاية له، كطواف الإفاضة. قلت: هذا مردود، فإن طواف الإفاضة لم يحد له الشرع وقتاً معيناً حتى يقال: إنه موقت، والله أعلم. ولم يتعرض المصنفون لتعريف الوقت، وإن كانت عبارة ابن الحاجب في حد الأداء تستلزم ذلك. وأخذ المصنف ذلك من كلام والده حيث قال: الأحسن عندي في تفسيره أنه الزمان المنصوص عليه للفعل من جهة الشرع. وسبقه إلى ذلك الشيخ عز الدين، فقال في أماليه: الوقت على قسمين: مستفاد من الصيغة الدالة على المأمور، ووقت يحده الشارع للعبادة، والمراد بالوقت في حد الأداء هو الثاني، دون الأول، ويترتب على ذلك أنا إذا قلنا بالفور في الأمر، فأخر المأمور به، لا يكون قضاء، لأنها إنما خرجت عن الوقت الذي دل عليه اللفظ لا الوقت الذي قدره الشرع. ص: والقضاء فعل كل ـ وقيل بعض ـ ما خرج وقت أدائه استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل مطلقا. ش: عرف المصنف القضاء بأنه فعل كل ما خرج وقت أدائه إلى آخره. فالفعل جنس، وقولنا: (كل) خرج به البعض، فإنه/ (٧ب/د) متى فعل البعض في الوقت كان الجميع أداء، وهذا معترض كما تقدم في تعريف الأداء، فإن

стр. 39

ذلك مخصوص في بعض، وهو ركعة. وخرج بقوله: (ما خرج وقت أدائه) الأداء، وقوله: (استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل) احتراز عما فعل بعد وقت الأداء، لا بقصد الاستدراك، فإنه لا يسمى قضاء، ودخل في قوله: (مقتض للفعل) أي طالب له ـ الواجب والمندوب، فكلاهما مطلوب شرعاً، وكلاهما يوصف بالقضاء، وهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي بالوجوب، والحق أنه لا يحتاج إلى هذه الزيادة، فإنه متى لم يسبق مقتض للفعل لا يكون المفعول/ (٩/أ/م) بعد خروج وقت الأداء تلك العبادة بل غيرها. وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان أداؤه واجباً كالصلاة المتروكة عمداً، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر، أو امتنع عقلاً كصلاة النائم أو شرعاً كصلاة الحائض. ثم حكى المصنف في تعريف القضاء قولاً آخر: إنه فعل بعض ما خرج وقت أدائه إلى آخره، لأجل القول الآخر. وقوله: (كل وبعض) غير منونين للإضافة الملفوظة والمنوية كما تقدم في نظيره. ص: والمقضي المفعول. ش: عبر هنا بالمفعول، لأنه أحسن وعبر هناك بما فعل إشارة للاستدراك على ابن الحاجب كما تقدم، فلا حاجة إلى تكريره. ص: والإعادة فعله في وقت الأداء قيل: لخلل وقيل: لعذر، فالصلاة المكررة معادة. ش: الإعادة نوع من الأداء، وهي فعله، أي فعل الأداء المعاد في وقت الأداء، ويفهم من هذا التعبير أن المراد فعله ثانياً. وخرج بقوله: (في وقت الأداء) القضاء، ثم حكى خلافاً في أنه هل يعتبر

стр. 40

في الإعادة أن يكون فعل الثانية لخلل واقع في الأولى، وهو أن يختل فيها ركن أو شرط أو لعذر، وإن لم تكن مختلة، والمراد به أن تكون الثانية أكمل من الأولى، وإن كانت الأولى صحيحة، وبنى عليهما الصلاة المكررة فهي على الثاني معادة، وعلى الأول ليست معادة، إذ لا خلل في الأولى، وجزم البيضاوي بالأول، ورجحه ابن الحاجب. وقال السبكي: إن كلام الأصوليين يقتضي الأول، والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء الثاني، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هو المعتمد، انتهى. ولم يرجح المصنف واحداً من القولين: لأنه زيفهما في (شرح المختصر) بما إذا تساوت الجماعتان من كل وجه، ثم اختار أنها ما فعل في وقت الأداء ثانياً مطلقًا، أي أعم من أن يكون لخلل أو عذر أو غيرهما. قال الشارح: وهو ممنوع، لأنه لا يدرى القبول في أيتهما، فالاحتياط الإعادة، كما لو ترجحت الثانية، وقد أشار إليه احتمالاً. قلت: فيكون العذر لازماً للإعادة، لو لم يكن إلا احتمال عدم القبول، والله أعلم. وما ذكرناه من أن الإعادة قسم/ (٨/أ/د) من الأداء، وهو ما صرح به الآمدي/ (٩/ب/م) وغيره. وقال السبكي: إنه مقتضى إطلاق الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين، القاضي أبي بكر في (التقريب)، و (الإرشاد) والغزالي في (المستصفى) والإمام في (المحصول)، ولكن الإمام لما أطلق ذلك ثم قال: إنه إن فعل ثانياً بعد خلل سمي إعادة، ظن صاحبا (الحاصل) و (التحصيل) أن

стр. 41

هذا مخصص للإطلاق المتقدم فقيداه، وتبعهما البيضاوي، فجعلوا الإعادة قسيمة للأداء، واعتبروا في حق الأداء ألا يسبق بأداء مختل. قال: وليس لهم مساعدة من إطلاق الفقهاء، ولا من كلام الأصوليين، فالصواب: أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقاً مسبوقاً كان أو سابقاً، أو منفرداً، انتهى.

стр. 42

تقسيم الحكم إلى رخصة وعزيمة ص: والحكم الشرعي إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، كأكل الميتة، والقصر، والسلم، وفطر مسافر لا يجهده الصوم، واجباً ومندوباً ومباحاً وخلاف الأولى وإلا فعزيمة. ش: هذا تقسيم للحكم إلى رخصة وعزيمة، ولا يحتاج لتقييده بالشرعي، فإن كلامه فيه وقد قال قبل ذلك: (ومن ثم لا حكم إلا لله) وتقديره أن الحكم إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، وإلا فعزيمة. فخرج بقولنا: (تغير) ما كان باقياً على حكمه الأصلي وبقولنا: (إلى سهولة) الحدود والتعازير، مع تكريم الآدمي المقتضي للمنع منها، وبقولنا: (لعذر) التخصيص، فإنه تغير، لكن لا لعذر، وبقولنا: (مع قيام السبب للحكم الأصلي) ما نسخ في شريعتنا من الآصار التي كانت على من قبلنا تيسيراً وتسهيلاً، كإباحة الغنائم والإبل والشحوم، فلا يسمى نسخها لنا رخصة، وفهم من هذا أن شرط الرخصة أن يكون المقتضي للحكم الأصلي قائماً، وإنما يرجح معارضه، كأكل الميتة للمضطر، فإن دليل تحريم أكل الميتة

стр. 43

قائم مستمر، ثم قسم حكم الرخصة إلى أربعة أقسام. أحدها: أن تكون واجبة، كأكل الميتة للمضطر على الصحيح، وقيل: بالجواز فقط. الثاني: أن تكون مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا بلغ سفره ثلاث مراحل، خروجاً من خلاف أبي حنيفة، فإنه يوجب القصر في هذه الحالة، فإن كان دون ذلك فالإتمام أفضل، للخروج من خلافه أيضاً، فإنه يمنعه فيما دون ذلك.

стр. 44

الثالث: أن تكون مباحة كالسلم، ولو مثل بالعرايا لكان أحسن، للتصريح في الحديث بالرخصة فيها، وهو قوله/ (١٠أ/م): (وأرخص في العرايا) وقد تردد الغزالي في (المستصفي) في السلم فقال: قد يقال: إنه رخصة، لأن عموم نهيه عن بيع ما ليس عنده، يوجب تحريمه، ويمكن أن يقال: هو عقد آخر، فهو بيع دين، وذاك بيع عين، فافتراقهما في الشرط لا يلحق / (٨ب/د) أحدهما بالرخص، فيشبه أن يكون هذا مجازاً وأن قول الراوي (نهى عن بيع ما ليس عندك) (وأرخص في السلم) تجوز في العبارة، انتهى. الرابع: أن تكون خلاف الأولى، كالفطر في حق المسافر إذا لم يجهده الصوم، أي لم يحصل له به جهد، وهو المشقة، فإن أجهده فالأولى له الفطر. تنبيه: فهم من اقتصاره على هذه الأقسام أنها لا تكون محرمة، ولا مكروهة، وهو ظاهر قوله ﵊: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه))

стр. 45

لكن في كلام الأصحاب ما يوهم مجيئهما مع الرخصة، أما التحريم فإنهم قالوا: لو استنجى بذهب أو فضة أجزأه مع أن استعمالهما حرام، والاستنجاء بغير الماء رخصة، كذا قال الشارح. لكن المنقول جوازه على الصحيح، وأنه يجوز بالديباج قطعاً، وأما الكراهة فالقصر في أقل من ثلاثة مراحل فإنه مكروه، قاله الماوردي. وقوله: (وإلا فعزيمة) أي: وإن لم يتغير الحكم بل استمر على أصله، أو تغير ولكن لا إلى سهولة، أو لا لعذر، أو لا مع قيام السبب للحكم الأصلي، فهو العزيمة، فاندرج في العزيمة هذه الأقسام كلها، وظاهر كلام المصنف انقسامها إلى الأحكام الخمسة، وهو مقتضى كلام البيضاوي، وجعلها الإمام منقسمة إليها ما عدا الحرمة، وخصها الغزالي والآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير بالوجوب، وخصها القرافي بالواجب والمندوب فقط، لأنها طلب مؤكد فلا يجيء المباح. وقول والدي ﵀ في نظم المنهاج (إن لطلب جزم حوى) يحتمل موافقة الغزالي، ويحتمل اختصاصها بالوجوب والتحريم وله وجه حسن، وإن لم أر أحداً صرح به، لأن كلاً منهما فيه عزم مؤكد، الأول في فعله، والثاني في تركه، بخلاف غيرهما من الأحكام. ص: والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.

стр. 46

ش: عبر بقوله: (ما يمكن) ولم يقل: ما يتوصل، لأن المراد التوصل بالقوة، فقد لا ينظر في الدليل، / (١٠ ب/ م) ولا يخرجه ذلك عن كونه دليلاً، وخرج (بصحيح النظر) فاسده، وتناول قوله: (إلى مطلوب) القطعي والظني، وهو الأمارة، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وخطأ من خصه بالقطعي، وخرج بقوله: (خبري) التصوري كالحد والرسم، فإنهما لبيان التصور، لا التصديق. ص: واختلف أئمتنا هل العلم عقيبه مكتسب. ش: ذهب جمهور أئمتنا إلى أن حصول العلم عقب الدليل مكتسب بقدرة حادثة، وقال الأستاذ أبو إسحاق والإمام في البرهان: هو واقع بقدرة الله تعالى اضطراراً، وليس مكتسباً حاصلاً بقدرة حادثة، إذا لو لم يكن ذلك لأمكنه / (٩أ /د) تركه، وليس كذلك، فدل على أنه مضطر إليه، وعبر بقوله: (أئمتنا) ليبين أن الخلاف في ذلك بين أهل السنة. ص: والحد الجامع المانع، ويقال: المضطرد المنعكس. ش: عقب ذكر الدليل بذكر الحد، لأن المطلوب بالأول التصديق،

стр. 47

وبالثاني التصور، وهم قسما العلم، ولهم في الحد عبارتان. إحداهما: أن يكون جامعاً مانعاً، أي جامعاً لأفراد المحدود، مانعاً من دخول غيره فيه، كقولنا: الإنسان حيوان ناطق، فلو جمع ولم يمنع كالإنسان حيوان، أو منع ولم يجمع، كالإنسان رجل، لم يكن حداً صحيحاً. والثانية: أن يكون مطرداً منعكساً، أي كلما وجد الحد وجد المحدود، وكلما انتفى الحد انتفى المحدود، وقد يفهم من تقديم الاطراد على الانعكاس، أن المطرد هو الجامع والمنعكس هو المانع، وبه قال القرافي وسبقه إليه أبو علي التميمي في التذكرة في أصول الدين, لكن المشهور عكسه أن المطرد هو المانع, والمنعكس هو الجامه, وبه قال الغزالي وابن الحاجب وغيرهما. واعلم أن استعمال المطرد مردود في العربية، وقد نص على ذلك سيبويه، فقال: يقولون: طردته فذهب، ولا يقولون: فانطرد، ولا:

стр. 48

فاطرد، وفي (الصحاح) أنه يقال في لغة رديئة، وفي (المحكم) على هذه اللغة. أتعرف رسما كاطراد المذاهب ..... ص: والكلام في الأزل، قيل: لا يسمى خطاباً، وقيل: لا يتنوع. ش: فيه مسألتان. إحداهما: اختلف في أن كلام الله تعالى هل يسمى في الأزل خطاباً، أو لا يسمى بذلك إلا عند وجود المخاطب؟ والأول محكي عن الأشعري، والثاني عن القاضي أبي بكر، ولذلك قال الأشعري: إن المعدوم مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود، ويعترض على المصنف في جزمه بذلك/ (١١/أ/ م) فيما تقدم عن أصحابنا فقال: ويتعلق الأمر بالمعدوم خلافاً للمعتزلة، وحكي هذا الخلاف من غير ترجيح مع أن هذه المسألة أصل لذلك. الثانية: اختلف أيضاً في أن كلام الله تعالى هل يتنوع؟ فقال الجمهور: لا، وكونه أمراً ونهياً وخبراً، أوصاف للكلام لا أقسام له، وقال بعضهم: يتنوع إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء، وزاد بعضهم أمرين آخرين وهما: الوعد الوعيد. ص: والنظر: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن.

стр. 49

ش: هذا الحد للقاضي أبي بكر. فقوله: (الفكر) جنس، والمراد به الفكر الذي يعد في خواص الإنسان، وهو حركة الذهن في المعقولات، أي حركة كانت، سواء في محسوس وهو المتخيل، أو في خلافه، وليس المراد به الفكر المرادف للنظر، لأنه ليس أظهر منه حتى يفسر به، ولأنه لو أراده لم يقيده بما قيده به. وقوله: (المؤدي إلى علم أو ظن) فصل خرج به ما لا يؤدي لذلك، وهو الحدس، ودخل في إطلاق العلم التصور والتصديق، وأما الظن فلا يتناول إلا التصديق، ويسمى الأول دليلاً/ (٩ب/ د) والثاني أمارة. ص: والإدراك بلا حكم تصور، وبحكم تصديق، وجازمه الذي لا يقبل التغير علم كالتصديق، والقابل اعتقاد صحيح إن طابق فاسد إن لم يطابق، وغير الجازم ظن ووهم وشك، لأنه إما راجح أو مرجوح أو مساو. ش: إدراك الماهية من غير حكم عليها يسمى تصوراً، ومع الحكم يسمى تصديقاً، لكن هل التصديق مجموع الأمرين، أو الحكم وحده؟ ذهب الإمام فخر الدين إلى الأول، وقال الشيخ تقي الدين: إنه أقرب. ثم قسم المصنف الإدراك مع الحكم إلى جازم وغيره، فالجازم إن لم يقبل التغير ـ أي لا في نفس الأمر، ولا بالتشكيك ـ فهو العلم، وإن قبل التغير فهو اعتقاد، ثم إن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح، وإن لم يطابق فهو اعتقاد فاسد، وأما غير الجازم فهو منقسم إلى ظن ووهم وشك، لأنه إما أن يترجح أحد طرفيه أو لا، بل يتساويان، فإن ترجح أحدهما فالراجح ظن، والمرجوح وهم، وإن تساويا يسمى كل منهما شكا، هذه طريقة الأصوليين.

стр. 50

وأما الفقهاء، فالأغلب عندهم إطلاق/ (١١ ب/ م) الشك على غير الجازم، ولو راجحاً أو مرجوحاً. واعترض على المصنف فإنه جعل الشك والوهم من أقسام التصديق، مع أنه لا حكم فيهما، وأجيب عنه بأن الوهم حاكم بالطرف المرجوح حكماً مرجوحاً، والشاك حاكم بجواز وقوع كل من النقيضين بدلاً عن الآخر، والله أعلم. ص: والعلم قال الإمام: ضروري، ثم قال: هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب، وقيل: ضروري فلا يحد، وقال إمام الحرمين: عسر فالرأي الإمساك عن تعريفه. ش: اختلف في العلم، فقال الإمام في المحصول: هو ضروري، أي: تصوره بديهي، لأن ما عدا العلم لا يعرف إلا به فيستحيل أن يكون غيره كاشفاً له، ثم إن الإمام بعد ذلك ذكر تقسيماً حصر فيه العلم وأضداده، عرفه فيه بأنه الحكم الجازم المطابق لموجب، فاقتضى كلامه أنه ضروري، وأنه يحد وهذا متناقض، فإنه إذا كان تصوره ضرورياً، فكيف يحد ليتصور؟! فقوله: (الجازم) خرج به الظن والشك والوهم. وقوله: (المطابق) خرج به الجهل. وقوله: (لموجب) خرج به التقليد. ثم حكى المصنف قولاً أنه ضروري فلا يحد، واقتضى كلامه أن هذا غير مقالة الإمام. وقال إمام الحرمين: (حده عسر) وإنما يعرف بالتقسيم والمثال، وهذا

стр. 51

أولى من نقل ابن الحاجب عنه منع حده، فإنه صرح في البرهان وغيره بإمكان التعبير عنه، وأن العسر الحد بجميع أنواع التعريف. وفي المستصفى اختصاص ذلك بالحقيقي، وهو توسط بينهما، ومال المصنف إلى مقالة إمام الحرمين فقال: فالرأي الإمساك عن تعريفه. ص: ثم قال المحققون: لا يتفاوت، وإنما التفاوت بكثرة المتعلقات. ش: كذا حكاه إمام الحرمين في (الشامل) عن المحققين، واختاره هو/ (١٠/أ/د) والإبياري في (شرح البرهان)، ولكن الأكثرون على التفاوت، أي يكون علم أجل من علم، ونقله في (البرهان) عن أئمتنا ومن فوائد الخلاف أن الإيمان هل يزيد وينقص بناء على أنه من قبيل العلوم لا الأعمال خلافاً للمعتزلة. ص: والجهل انتفاء العلم بالمقصود وقيل تصور المعلوم على خلاف هيئته. ش: هذا الخلاف أخذه المصنف من قصيدة ابن مكي المعروفة بـ

стр. 52

(الصلاحية) لترغيب السلطان صلاح الدين/ (١٢أ/م) فيها، فصدر كلامه بأنه انتفاء العلم بالمقصود، ثم حكى قولاً: أنه تصور المعلوم على خلاف هيئته. والمعروف تقسيم الجهل إلى بسيط ومركب، فالبسيط هو المذكور في الحد الأول، والمركب هو المذكور في الحد الثاني، هكذا ذكره الإمام والآمدي وغيرهما، وقال الرافعي في الكلام على قاعدة مد عجوة: معنى الجهل المشهور الجزم بكون الشيء على خلاف ما هو عليه، ويطلق ويراد به عدم العلم انتهى. ويسمى الأول بسيطاً، لأنه جزء واحد، كانتفاء علمنا بما تحت الأرض، وفي قعر البحر، وسمي الثاني مركباً، لأنه مركب من جزأين: أحدهما عدم العلم، والثاني اعتقاد غير مطابق، ولو قال المصنف: (تصور الشيء) لكان أولى من المعلوم، لأن هذا جهل لا علم فيه، وقوله: (على خلاف هيئاته) أي على خلاف الواقع، وخرج به تصوره بهيئاته فإنه علم. قال المصنف: وهذا أحسن من قول إمام الحرمين: (على خلاف ما هو

стр. 53

به) فإن ظاهره التدافع، لأن تصور المعلوم يعطي وقوع تصوره، وقوله: (على خلاف ما هو به) يعطي أنه لم يقع تصوره. قال الشارح: وقد يجاب عن إمام الحرمين بأن المراد بقوله: (تصور الشيء) على ما في زعمه، وقوله: (على خلاف ما هو به في نفس الأمر. قلت: لم يظهر لي التفاوت بين تعبير إمام الحرمين، والمصنف. ص: والسهو الذهول عن المعلوم. ش: خرج بقوله: (عن المعلوم) الذهول عما لا يعلم، لا يقال له سهو، وقال السكاكي: السهو ما ينبه صاحبه بأدنى تنبيه، وقال بعضهم: زمن السهو قصير، بخلاف النسيان، فإن زمنه طويل لاستحكامه. ص: مسألة: الحسن: المأذون واجباً ومندوباً ومباحاً، قيل: وفعل غير المكلف، والقبيح: المنهي ولو بالعموم، فدخل خلاف الأولى، وقال إمام الحرمين: ليس المكروه قبيحاً ولا حسناً. ش: ينقسم الفعل الذي هو متعلق الحكم إلى حسن وقبيح، وعرف المصنف ﵀ الحسن بالمأذون فيه، ثم ذكر أنه يندرج فيه الواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف، وفي اندراج فعل غير المكلف في ذلك إشكالان:

стр. 54

أحدهما أن كلامه في الفعل/ (١٢/ب/ م) الذي هو متعلق الحكم وهو فعل المكلف، فلا يصح أن يدخل تحت أحد قسميه ـ وهو الحسن ـ فعل غير المكلف، وهذا كما لو قال: فعل المكلف ينقسم إلى فعل مكلف، وإلى فعل غير مكلف. وأجيب عنه بأن الحسن مع قطع النظر عن كونه أحد قسمي فعل المكلف يتناول فعل المكلف وغيره، ومن حيث كونه أحد قسمي فعل المكلف لا يتناول فعل/ (١٠ ب/ د) غيره، فكلامه في الحسن مع قطع النظر عن كون فعل المكلف. ثانيهما: أن فعل غير المكلف لم يؤذن فيه شرعاً، فكيف يندرج تحت المأذون. وفي بعض النسخ ذكر فعل غير المكلف بصيغة التمريض، فقال: (قيل، وفعل غير المكلف) وكأنه أشار بذلك للبيضاوي، ولو عبر كما عبر البيضاوي بأنه: (ما لم ينه عنه) لكان اندراج فعل غير المكلف فيه واضحاً، فإنه لا نهى عنه، ولا أذن فيه. ثم ذكر المصنف أن القبيح هو المنهي عنه، فاندرج فيه المنهي عنه بالجزم، وهو الحرام، وبغير الجزم، وهو المكروه، ثم ذكر أنه لا فرق في النهي

стр. 55

غير الجازم بين أن يكون بخصوص وهو المكروه، أو بعموم وهو خلاف الأولى. قال الشارح: وفي إطلاق القبيح على خلاف الأولى نظر، ولم أره لغير المصنف، وغايته أنه أخذه من إطلاقهم المنهي عنه والأقرب أنهم أرادوا النهي المخصوص، ولا يساعده قول ابن الحاجب تبعاً للغزالي وغيره: إن المكروه يطلق على خلاف الأولى، لأنه لبيان إطلاق حملة الشرع والكلام في حقيقة القبيح، والظاهر أن المصنف أخذ هذا من كلام الهندي، فإنه قال: القبيح عندنا ما نهي عنه، ونعني به ما يكون تركه أولى، وهو القدر المشترك بين المحرم والمكروه، فإن جعل النهي حقيقة فيه فلا كلام وإلا فاستعماله فيه بطريق التجوز، فيدخل تحته المحرم والمكروه، انتهى. ثم حكي عن إمام الحرمين أن (المكروه ليس قبيحاً ولا حسناً) وقد علل ذلك بأن القبح ما يذم عليه، والحسن ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يذم عليه، ولا يسوغ الثناء عليه. قال السبكي: ولم نر أحداً نعتمده خالف إمام الحرمين فيما قال، إلا أناساً أدركناهم قالوا: إنه قبيح، لأنه منهي عنه، والنهي أعم من نهي تحريم وتنزيه. وعبارة البيضاوي بإطلاقها تقتضي ذلك/ (١٣أ/م) وليس أخذ المذكور من هذا الإطلاق بأولى من رد هذا الإطلاق، لقول إمام الحرمين، انتهى. قلت: وإذا قال إمام الحرمين هذا في المكروه، فكيف يقول في خلاف الأولى، والله أعلم. ص: مسألة: جائز الترك ليس بواجب وقال أكثر الفقهاء، يجيب الصوم على الحائض والمريض والمسافر، وقيل: المسافر دونهما، وقال الإمام: عليه أحد الشهرين، والخلف لفظي. ش: صدر المسألة بأن جائز الترك ليس بواجب، لأنه يدخل في ذلك

стр. 56

مسائل، ووجهه أن الواجب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، فلو كان جائز الترك واجباً لاستحال كونه جائزاً، وكان ينبغي أن يزيد: (مطلقاً) ليخرج الواجب الموسع والمخير، فإنه يجوز تركهما في حالة لا مطلقاً، ومع ذلك فهما واجبان. فمن المسائل الداخلة في الأصل أن الحائض والمريض والمسافر لا يجب عليهم صوم شهر رمضان، لأنهم يجوز لهم تركه، وقد نص الشافعي على ذلك/ (١١/ أ/د) في الحائض، وقال النووي: أجمع المسلمون على أنه لا يجب عليهم الصوم في الحال، ثم قال الجمهور: ليست مخاطبة به في زمن الحيض، وإنما يجب القضاء بأمر جديد، وذكر بعض أصحابنا وجهاً: أنها مخاطبة به في حال الحيض، وتؤمر بتأخيره، انتهى. وخالف في ذلك بعض الفقهاء، فأوجب الصوم عليهم، وتبع المصنف في نقله ذلك عن أكثر الفقهاء صاحب (المحصول) قاله الشارح. قلت: الذي في (المحصول) نقله عن كثير من الفقهاء، وحكاه الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول عن مذهبنا، والقول بوجوبه على المسافر دونهما حكاه ابن السمعاني عن الحنفية. وقوله: (وقال الإمام عليه) أي على المسافر (أحد الشهرين) أي:

стр. 57

إما الحاضر أو آخر غيره، وأيهما أتى به كان هو الواجب، كخصال الكفارة، وهذا قول القاضي أبي بكر. وقوله: (والخلف لفظي) تبع فيه الشيخ أبا إسحاق فقال: لا فائدة له، لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف، وحكى ابن الرفعة عن بعضهم أن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء والقضاء في النية. انتهى. وقال الشارح: فائدته في أنه هل وجب بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ قلت: وقد تظهر فائدته فيما إذا حاضت المرأة بعد الطواف وقبل أن تصلي ركعتيه، هل تقضيهما؟ / (١٣/ب/م) وقد نقل النووي في شرح المهذب عن ابن القاص،

стр. 58

والجرجاني أنها تقضيهما، وأن الشيخ أبا علي أنكره، قال: هو الصواب، ولكنه جزم في شرح مسلم بمقالة ابن القاص والجرجاني ونقلها عن الأصحاب. ص: وفي كون المندوب مأموراً به خلاف، والأصح ليس مكلفاً به. ش: فيه مسألتان: إحداهما: في كون المندوب مأموراً به خلاف أكثر أصحابنا، كما حكاه ابن الصباغ في (العدة) على أنه مأمور به حقيقة، وحكاه القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي، واختار الشيخ أبو حامد وغيره أنه ليس مأموراً به حقيقة بل مجازاً.

стр. 59

قال الشارح: وظاهر كلام المصنف أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا، وإنما الخلاف في أنه حقيقة أو مجاز. قلت: إذا قلنا: إن الأمر به مجاز صح نفي أنه مأمور به، فإن علامة المجاز صحة النفي، فصح ما قاله المصنف. الثانية: في كونه مكلفاً به خلاف أيضاً، الأصح ليس مكلفاً به، فإن التكليف يشعر بتطويق المخاطب الكلفة من غير خيرة، والندب فيه تخيير، وهذا اختيار إمام الحرمين ومقابله مذهب القاضي. ص: وكذا المباح، ومن ثم كان التكليف إلزام ما فيه كلفة لا طلبه، خلافاً للقاضي. ش: أي اختلف في المباح أيضاً هل هو مكلف به؟ والأصح عند الجمهور أنه غير مكلف به، ومقابله للأستاذ، ووجهه أنا كلفنا، باعتقاد إباحته، ورد بأن العلم بحكم الشيء خارج عنه. فأشار بقوله: (ومن ثم) / (١١ب/ د) إلى أن الخلاف في المسألتين مبني على الخلاف في حقيقة التكليف، فالجمهور على أنه إلزام ما فيه كلفة، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً بهما. وقال القاضي أبو بكر: هو طلب ما فيه كلفة، فيكونان مكلفاً بهما، وما أدري أي طلب في المباح!!

стр. 60

وهذا النقل عن القاضي هو في (البرهان) لإمام الحرمين، لكنه في التلخيص من (التقريب) للقاضي صرح بأنه إلزام ما فيه كلفة، وإذا كان المندوب والمباح غير مكلف بهما فالمكروه أولى بذلك، ففهم الخلاف فيه منهما، وقد صرح بهما ابن الحاجب في (مختصره). ص: والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب. ش: هذا مبني على تفسيره بأنه التخيير بين الفعل والترك، فإنه لو كان جنساً له لكان نوعه وهو الواجب كذلك، وهذا محال، ومقابله مبني على تفسيره بعدم الحرج، وثبوت هذا للواجب صحيح، ولهذا كان الخلاف في ذلك لفظياً، كما ذكره المصنف بعد، وهو راجع/ (١٤أ/م) للمسألتين معاً. ص: أنه غير مأمور به من حيث هو، والخلف لفظي. ش: الجمهور على أن المباح غير مأمور به. وقال الكعبي: هو مأمور به لكنه دون الأمر بالندب، كما أن الأمر بالندب دون الأمر بالإيجاب، كذا حكاه عنه القاضي أبو بكر والغزالي، وحكى عنه الإمام الرازي أنه واجب، لأن فعل المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، ففعل المباح واجب، ثم رده بأن فعل المباح ليس هو ترك الحرام، بل هو شيء يحصل به، وفي هذا تسليم لكلامه لأنه إذا حصل به وبغيره كان من الواجب المخير، ولهذا قال الآمدي: إنه صادر ممن لم يعرف غور كلامه، وأنه لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة، ولهذا لما نفى

стр. 61

المصنف أنه مأمور به قيد ذلك بقوله: (من حيث هو) أي بالنظر إلى ذاته، أي إما بالنظر إلى غيره، وهو أنه يحصل به ترك الحرام كما يحصل بغيره، فهو مأمور به أو بغيره، فهو من الواجب المخير، ولذلك قال: إن الخلاف في ذلك لفظي، ومن العجب، ما حكاه عنه إمام الحرمين وابن برهان والآمدي من إنكار المباح في الشريعة، وأنه لا وجود له أصلاً وهو خلاف الإجماع. ص: وأن الإباحة حكم شرعي. ش: أي ورد بها الشرع، وهذا مبني على تفسيرها بالتخيير بين الفعل والترك، والمخالف فيه بعض المعتزلة، وهو مبني على تفسيرها بنفي الحرج، وهذا ثابت من قبل الشرع، فهذا الخلاف أيضاً لفظي، فلو أخر المصنف قوله (والخلف لفظي) عن هذه المسألة لعاد للمسائل الثلاث. ص: وأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز أي عدم الحرج، وقيل: الإباحة وقيل: الاستحباب. ش: إذا أوجب الشارع شيئاً ثم نسخ وجوبه/ (١٢أ/ د) فهل يبقى جوازه؟ قال الأكثرون: نعم. وقال الغزالي: لا، بل يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل الإيجاب، من إباحة، أو تحريم، أو براءة أصلية. وحكاه القاضي أبو بكر عن بعض الفقهاء، وقال: تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي التحقيق، وادعى الشارح أنه الذي وجده في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين، ثم حكى المصنف ثلاثة أقوال في المراد بالجواز هنا: أشهرها: أنه رفع الحرج، عن الفعل. والثاني: رفع الحرج عن الفعل والترك مع استواء الطرفين، وهو المراد بالإباحة. والثالث: رفع الحرج عنهما، مع ترجيح الفعل وهو الاستحباب، وهذا غريب.

стр. 62

وكلام الغزالي وغيره/ (١٤ب/م) يقتضي أنه لم يقل به أحد، لكن كلام المجد ابن تيمية في (المسودة) يقتضيه، فإنه قال: إذا صرف الأمر عن الوجوب جاز أن يحتج به على الندب والإباحة، وبه قال بعض الشافعية والحنفية، كذا قال الشارح، وفيه نظر، فإن الذي في كلام ابن تيمية هو القول الأول، وهو بقاء القدر المشترك بين الندب والإباحة، وهو رفع الحرج عن الفعل، وليس فيه تعيين أن الباقي الندب كما في القول الثالث، والله أعلم. وقال بعضهم: الخلاف لفظي، فإنا إن فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل فلا شك أنه في ضمن الوجوب، وإن فسرناه برفع الحرج عن الفعل والترك، فليس هو في ضمن الواجب بل ينافيه. ص: مسألة: الأمر بواحد من أشياء يوجب واحداً لا بعينه، وقيل: الكل ويسقط بواحد، وقيل: الواجب معين، فإن فعل غيره سقط، وقيل: هو ما يختاره المكلف. ش: الأمر بواحد من أشياء وهو الواجب المخير كخصال الكفارة فيه مذاهب. أصحها: أن الواجب منها واحد لا بعينه، وحكى القاضي أبو بكر إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، وحرر ابن الحاجب معنى الإبهام فيه فقال: إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال، ولا تخيير فيه، لأنه لا يجوز تركه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال، ولا وجوب فيها.

стр. 63

قلت: أراد بالقدر المشترك أحد قسميه وهو المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين، فأما القسم الآخر وهو المتواطئ، كالرجل فلا إبهام فيه، لأن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها، ولا يقال: إن الوجوب يتعلق بخصوصياته لا على التعيين، ولا على التخيير، وليس من الواجب المخير في شيء، والله أعلم. الثاني ـ وهو قول المعتزلة ـ أن الكل واجب، لا على معنى أنه يجب الإتيان بجميعها، بل يسقط الواجب بفعل واحد منها، فلا خلاف بيننا وبينهم في المعنى، لكن فروا من انتفاء وجوب بعضها، لما فيه من التخيير بين واجب وغيره، بناء على قاعدتهم في أن الأحكام تابعة للمصالح، فإن كان بعض الخصال ليس فيه مقتضى الوجوب لم يصح التخيير بينه وبين/ (١٢ب/د) ما فيه مقتضى الوجوب وإلا لزم القول بوجوب الكل. الثالث: أن الواجب معين، أي عند الله تعالى، ويسمى هذا قول التراجم، لأن كلا من الأشاعرة والمعتزلة ترويه عن الأخرى/ (١٥أ/م) وهي تنكره، فاتفق الفريقان على بطلانه. قال والد المصنف: وعندي أنه لم يقل به قائل، وعلى هذا القول قولان: أحدهما: أن الآتي ببعض الخصال إن صادف الواجب فذاك، وإلا فقد أتى ببدله، فيسقط الوجوب بفعل ذلك البدل. ثانيهما: أن الواجب يتعين باختيار المكلف، فأي خصلة أتى بها تعينت للوجوب. ص: فإن فعل الكل فقيل الواجب أعلاها وإن تركها فقيل: يعاقب على أدناها.

стр. 64

ش: المراد ما إذا فعلها دفعة واحدة، فإنه إذا أتى بها على التعاقب كان الأول هو الواجب، والقول بأن الواجب أعلاها، وأنه في الترك يعاقب على أدناها حكاه في (المحصول). وقال ابن التلمساني: إنه الحق، وحكاه ابن السمعاني في (القواطع) عن الأصحاب، وضعفه صاحب (الحاصل) لأنه يوجب تعيين الواجب، وفيه نظر، فإنه لا يلزم من تعيينه بعد الإيقاع تعينه في أصل التكليف والمحذور هو الثاني. ص: ويجوز تحريم واحد لا بعينه، خلافاً للمعتزلة، وهي كالمخير، وقيل: لم ترد به اللغة. ش: اختلف في الحرام المخير فأثبته الأشاعرة، ونفاه المعتزلة، ومثاله نكاح الأختين، ونقل السبكي عن شيخه علاء الدين الباجي أنه قال: الحق نفيه، لأن المحرم، الجمع بينهما لا إحداهما، ولا كل واحدة منهما، ثم قال السبكي: وأنا أقول كذلك: إن المحرم في الأختين الجمع بينهما، وأثبت الحرام المخير، وأمثله، بما إذا أعتق إحدى أمتيه، فإنه يجوز له وطء إحداهما، ويكون الوطء تعييناً للعتق في الأخرى، وكذا طلاق إحدى امرأتيه، إذا قلنا بأحد القولين: إن الوطء تعيين، قال: ففي هذين المثالين الحرام واحدة، لا بعينها. وهذه المسألة كالتخيير، وهو الأمر بخصلة مبهمة من خصال معينة، وبنى المعتزلة نفي الحرام المخير على أصلهم في تبعية الحكم للمصالح، وقالوا: النهي عن إحداهما يدل على قبحهما، فيجب اجتنابهما فلا يثبت الحرام المخير، فامتناعه من جهة العقل، وحكى المصنف قولاً أن امتناعه من جهة اللغة، فإنها لم ترد به، وأجاب قائل هذا عن قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفوراً﴾

стр. 65

بأن (أو) بمعنى (الواو) وقال إمام الحرمين: إنه ساقط لا طائل وراءه. ص: مسألة: فرض الكفاية، مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله. ش: عرف الغزالي فرض الكفاية بأنه كل مهم ديني، يقصد به الشرع حصوله، من غير نظر إلى فاعله، وحذف المصنف قوله: (ديني) لأن فرض/ (١٥ب/ م) الكفاية يكون في الحرف والصناعات/ (١٣أ/د) وليست دينية، وزاد قوله: (الذات) لأنه لا يقال في فرض الكفاية: (إن فاعله غير مقصود مطلقاً، فإن انتفاء ذلك إنما هو بالذات، لكن هو مقصود بالعرض، إذ لا بد للفعل من فاعل، ولهذا تعلق به الثواب، فقوله: (مهم يقصد حصوله) جنس متناول لفرض الكفاية والعين، وقوله: (من غير نظر إلى فاعله) فصل أخرج فرض العين. ص: وزعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين. ش: قال النووي في (زيادة الروضة): قال إمام الحرمين: الذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأن فاعله ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمات الدين، انتهى. وقوله: (الذي أراه) يوهم أنه تفقه له، وليس كذلك، فقد نقله ابن الصلاح

стр. 66

في فوائد الرحلة عن الشيخ أبي محمد، والأستاذ أبي إسحاق، بل نقله الشيخ أبو علي السنجي في أول (شرح التلخيص) عن المحققين. وزعم الشارح أن بين تعبير المصنف بأنه أفضل وبين تعبير غيره بأن القيام به أفضل تفاوتاً، وفيه نظر، فإنه لا يراد تفضيل ذات العبادة، بل تفضيل القيام بها بمعنى كثرة ثوابه، ولذلك علل بسعيه في إسقاط الإثم عن الأمة، فلا تفاوت، لأن هذا التقدير مراد بلا شك، والله أعلم. ص: وهو على البعض وفاقاً للإمام، لا الكل خلافاً للشيخ الإمام والجمهور. ش: اختلف في أن فرض الكفاية يتعلق بجميع المكلفين أو ببعضهم، فقال بالأول الجمهور، وعليه مشى الشيخ الإمام والد المصنف، وقال بالثاني الإمام الرازي، كذا في موضع من (المحصول) وفي موضع آخر موافقة الجمهور،

стр. 67

واحتج المصنف لتعلقه بالبعض بقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ وبقوله تعالى ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ واستدل القرافي بهاتين الآيتين على أن الوجوب متعلق بالمشترك، لأن المطلوب فعل أحد الطوائف، ومفهوم أحد الطوائف قدر مشترك بينهما لصدقه على كل طائفة، كصدق الحيوان على سائر أنواعه. ص: والمختار البعض مبهم، وقيل: معين عند الله تعالى، وقيل: من قام به. ش: هذا الخلاف مفرع على تعلقه بالبعض، فحكي عن المعتزلة أنه يتعلق ببعض مبهم، وهو مقتضى كلام (المحصول) وإذا قلنا ببعض معين، فهل هو بعض معين عند الله دون الناس، أو هو من قام به؟ قولان، وهو نظير الخلاف في الواجب المخير. ص: / (١٦أ/م) ويتعين بالشروع على الأصح. ش: هذه مسألة فقهية، لم يتعرض لها أهل الأصول، وهذا الترجيح لابن الرفعة في (المطلب) في باب الوديعة. وقال البارزي في (التمييز): لا يلزم فرض الكفاية بالشروع في الأصح، إلا في الجهاد، وصلاة الجنازة، انتهى. ولم يرجح الرافعي والنووي / (١٣ب/ د) في هذه القاعدة شيئاً مخصوصاً، وهي عندهما من

стр. 68

القواعد التي لا يطلق فيها ترجيح لاختلاف الترجيح في فروعها. ص: وسنة الكفاية كفرضها. ش: هذا يقتضي انقسام السنة إلى كفاية، وعين، فالقصد في سنة الكفاية الفعل من غير نظر إلى الفاعل، كتشميت العاطس، وابتداء السلام، ويقتضي شيئين آخرين أحدهما: طرد الخلاف في أنها مطلوبة من الجميع أو البعض. قال الشارح: ولم أر من تعرض لذلك. ثانيهما: أنها أفضل من سنة العين. قلت: قد ينازع في ذلك لانتفاء العلة، وهي السعي في إسقاط الإثم عن الأمة، وهذا لا يحصل بفعله الثواب لغيره، ولا إثم في الترك، والله أعلم. ص: مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر جوازاً، ونحوه وقت لأدائه، ولا يجب على المؤخر العزم على الامتثال خلافاً لقوم، وقيل: الأول، فإن أخر فقضاء، وقيل: الآخر فإن قدم فتعجيل والحنفية: ما اتصل به الأداء من الوقت وإلا فالآخر، والكرخي، إن قدم وقع واجباً بشرط بقائه مكلفاً. ش: اختلف في إثبات الواجب الموسع، وهو ما كان وقته زائداً على فعله، كصلاة الظهر، فأثبته الجمهور، بمعنى أن جميعه وقت لأدائه، فأي جزء أوقعه فيه وقع عن الواجب. وتقييد المصنف وقت الظهر بالجواز ليخرج وقت الضرورة كوقت العصر في حق المسافر، وهو من زيادة المصنف على غيره. وقوله: (ونحوه) أي ونحو وقت الظهر من الواجبات الموسع وقتها،

стр. 69

ثم اختلف هؤلاء في أنه إذا أخرها عن أول الوقت هل يجب عليه العزم على إيقاعها في بقية الوقت أم لا يجب ذلك؟ فنقل الإمام الرازي وجوب العزم عن أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، ونصره القاضي أبو بكر والآمدي وصححه النووي في (شرح المهذب) وادعى المصنف أن ذلك لا يعرف إلا عن القاضي ومن تابعه كالآمدي، وأنه معدود من هفواته، ومن العظائم في الدين، فإنه إيجاب بلا دليل. وعلى القول بإنكار الواجب الموسع أربعة أقوال، حكاها المصنف. أحدها: أن الواجب يختص بأول الوقت، فإن أخره كان قضاء، حكاه الإمام والرازي في (المعالم) عن بعض الشافعية، وهو غلط، فلم يقل به أحد منهم، ولعل سبب الاشتباه أن الشافعي حكاه في (الأم) عن بعض أهل الكلام وغيرهم ممن/ (١٦ب/م) يفتي. الثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعله في أوله كان تعجيلاً وهو محكي عن الحنفية. الثالث: أنه يختص بالجزء الذي يتصل به الأداء، وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه، وحكاه المصنف عن الحنفية تبعاً لقول والده والصفي الهندي أنه المشهور عندهم. الرابع: وهو محكي عن الكرخي، أنه إن أوقع العبادة في أول الوقت وقع فعله واجباً بشرط بقائه/ (١٤أ/ د) مكلفاً، فإن مات في أثناء الوقت أو خرج عن التكليف بجنون أو نحوه فما فعله أولاً نفل، كذا حكاه عنه الإمام والآمدي وابن الحاجب، وحكى عنه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان، وحكى عنه الآمدي القولين معاً، ولم يحك المصنف هذه المقالة الأخيرة، وبها تكمل في المسألة سبعة مذاهب.

стр. 70

ص: ومن أخر مع ظن الموت عصى، فإن عاش وفعله فالجمهور أداء، وقال القاضيان أبو بكر والحسين: قضاء. ش: إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، تضيق عليه الوقت اعتباراً بظنه، فإن أخر العبادة عصى فإن تخلف ظنه فعاش وفعلها في الوقت فقال الجمهور، هي أداء، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، حكاه عنهم ابن الحاجب، وقال السبكي: إنه الحق. وقال القاضي أبو بكر والقاضي الحسين: هي قضاء. وقال الشارح: إنه لا يعرف عن القاضي حسين التصريح بذلك، والظاهر أن المصنف أخذه بالاستلزام من قوله، فيما إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها إنها قضاء لتضيق الوقت بالشروع، فإنه لا يجوز له الخروج عنها، فلم يبق لها وقت شروع، فكانت قضاء، وفيه نظر، فإن القاضي أبا بكر قال: إنها قضاء لاعتقاده أن الوقت خرج، وقال القاضي الحسين: إن الوقت باق مع كونها قضاء. قلت: الظاهر أن مراد القاضي حسين بقاء الوقت في حق غيره، لا في حقه هو، فهي كمقالة القاضي أبي بكر، والله أعلم. واعلم أن تصوير المسألة بالموت مثال، فلو ظن الفوات بسبب آخر كإغماء وجنون وحيض فالحكم كذلك، ولهذا قال في (النهاية): لو اعتادت طرو الحيض عليها في أثناء الوقت من يوم معين تضيق الوقت عليها. ص: ومن أخر مع ظن السلامة فالصحيح لا يعصي بخلاف ما وقته العمر كالحج. ش: هذا مقابل لقوله فيما تقدم: (ومن أخر مع ظن الموت) والقسمان في

стр. 71

الواجب المؤقت المحدود الطرفين، فإذا أخر الصلاة مع ظن السلامة بالاستصحاب فمات في أثناء / (١٧أ/ م) الوقت فالصحيح أنه لا يعصي، لأنه مأذون له في التأخير، وقيل: يعصي، وإلا لم يتحقق الوجوب، أما لو أخر فنام إلى خروج الوقت عن غير غلبة فإنه يعصي إن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ إلا بعد خروجه، أو استوى عنه الاحتمالان كما صرح ابن الصلاح بالثانية. أما الموسع بمدة العمر كالحج وقضاء الفائتة بعذر فإنه يعصي فيه بالموت، على الصحيح، وإن لم يغلب على ظنه قبل ذلك الموت، وقيل: لا، وقيل: يعصي الشيخ دون الشاب، واختاره الغزالي، وحكى الجوزي عن الأصحاب تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحوا من خمسين سنة أو ستين سنة، وهو غريب، والفرق على الصحيح بين هذا وبين المحدود الطرفين خروج الوقت في الحج بالموت بخلاف الصلاة، فإن وقتها باق، ونظير/ (١٤ ب/د) الحج أن يموت آخر وقت الصلاة فإنه يعصي لخروج الوقت والله أعلم. ص: مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، وفاقاً للأكثرين، وثالثها إن كان سبباً كالنار للإحراق، وقال إمام الحرمين: إن كان شرطا شرعياً لا عقلياً أو عادياً. ش: الشيء الذي لا يتم الواجب إلا به، وهو المسمى بالمقدمة هل هو واجب أم لا؟ حكى فيه المصنف أربعة مذاهب. الأول ـ وبه قال الأكثرون ـ: أنه واجب، سواء كان سبباً وهو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، أو شرطاً وهو الذي يلزم من عدم العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسواء كانا شرعيين أو عقليين أو عاديين. واعلم أنه دخل فيما لا يتم الواجب إلا به جزء الواجب، وليس مراداً هنا، لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا بلا خلاف. الثاني: أنه غير واجب.

стр. 72

الثالث: أنه واجب، إن كان سبباً كالنار للإحراق فيما إذا وجب إحراق زيد فإنه يتوقف على النار التي هي سبب الإحراق، بخلاف الشرط، فإنه لا يجب. الرابع: أنه يجب الشرط إن كان شرعياً كالوضوء للصلاة، دون العقلي والعادي، وبه قال إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب، وإذا قلنا بالأول، فله شرطان. أحدهما: أن يكون مقدوراً للمكلف، واحترزنا بذلك عن القدرة والداعية فإن الإتيان الفعلي متوقف على القدرة، وهي إرادة الله تعالى له، والداعية وهي العزم المصمم على الفعل، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحاً من غير مرجح، وهما غير مقدورين للمكلف، فلا يجبان عليه. قال الشارح: وهذا الشرط يعتبره من لم يجوز تكليف ما لا يطاق، دون من يجوزه، كذا قاله الصفي الهندي، وحينئذ فالمصنف ممن يجوزه كما سيأتي، فكيف يحسن منه هذا التقييد!! قلت: وبما ذكرنا ينتفي هذا الإيراد لتعييننا/ (١٧ب/م) أن الاحتراز عن القدرة والداعية خاصة، وإيضاح ذلك أن ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى أو من فعل العبد، وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أم لا، فهذه أربعة أقسام. الأول: ما هو من فعل الله، ويتوقف عليه الوجوب، كالعقل وسلامة الأعضاء وغيرهما. والثاني: ما يكون من فعل الله، ولا يتوقف عليه الوجوب، وهو القدرة والداعية. والثالث: ما يكون من فعل العبد، ويتوقف عليه الوجوب، كتحصيل النصاب بالنسبة للزكاة، والإقامة في بلد بالنسبة للجمعة.

стр. 73

والرابع: ما يكون من فعل العبد ولا يتوقف عليه الوجوب، كالوضوء للصلاة، والسير للحج. ولا يصح الاحتراز عن الأول والثالث، لانتفاء الوجوب فيهما، فبقي الثاني والرابع، ولما لم يذكر الرابع علمنا ثبوت وجوبه مع المقدرة عليه، ومع العجز عنه، فالأول بالاتفاق، والثاني عند من جوز التكليف بالمحال، فتعين/ (١٥أ/د) الاحتراز عن الثاني فإنه غير واجب، لعدم القدرة عليه، والله أعلم. الشرط الثاني: أن يكون الإيجاب مطلقاً أي غير مقيد بحالة وجود السبب والشرط، فلو قيد التكليف بوجودهما فهما غير مكلف بهما اتفاقاً. ص: فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره وجب، أو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا، أو طلق معينة ثم نسيها. ش: المقدمة على قسمين. أحدهما: يتوقف عليها نفس وجود الواجب. والثاني: يتوقف عليها العلم بوجوده، فهذه فروع من القسم الثاني. الأول: إذا لم يمكن الكف عن المحرم إلا بالكف عما ليس بمحرم كما إذا اختلطت نجاسة بماء طاهر قليل: فيجب الكف عن استعماله، وحكي عن ابن السمعاني في (القواطع) خلافاً في أنه يصير كله نجساً، وإنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به، قال: والأول هو اللائق بمذهبنا، والثاني هو اللائق بمذهب الحنفية. قلت: ولا ينبغي أن يكون هذا من المقدمة إلا على المذهب الثاني، وأما على الأول فالكل نجس مقصود بالتحريم. الثاني: لو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا: الأجنبية بالأصالة،

стр. 74

والمنكوحة، لأنه لا يتيقن الكف عن الأجنبية إلا بالكف عنها، ولو عبر بالحلال لكان أولى ليشمل الأمة. وقوله: (الأجنبية) مثال، فالأجنبيتان كذلك. الثالث: إذا طلق إحدى زوجتيه بعينها، ثم نسيها، لزم الكف عنهما حتى يتذكر، فإنه لا يمكن الكف عن المطلقة إلا بذلك. ص: مطلق الأمر لا يتناول المكروه خلافاً للحنفية، فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، وإن كانت كراهة تنزيه. ش: مطلق الأمر أي لا بقيد، لا يتناول المكروه، فإنه مطلوب الترك، والأمر/ (١٨أ/م) مطلوب الفعل، فيتناقضان، حكى الخلاف في هذا بيننا وبين الحنفية ابن السمعاني في (القواطع) وقال: تظهر فائدة الخلاف في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، ونحن لا نقول إنه طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة. وجعل المصنف من فروع ذلك الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات المكروهة، فإن الراجح أنها لا تنعقد، سواء قلنا: إن تلك الكراهة للتحريم أو للتنزيه، كما اقتضاه كلام (الروضة) وقال في (المطلب): إنه الحق، لأن المقصود منها طلب الأجر وتحريمها أو كراهتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل كما تقرر من قواعد الشريعة. واستشكل ذلك شيخنا الإسنوي،

стр. 75

فإن الإقدام على المكروه جائز، فكيف لا ينعقد؟ وجوابه ما تقدم من تنافي رجحان/ (١٥ب/د) الترك، ورجحان الفعل، والله أعلم. ص: أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندها، وأحمد: لا صحة ولا سقوط. ش: للواحد بالشخص حالتان: إحداهما: أن لا يكون له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به، منهياً عنه، إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق، لأن مقتضى الأمر المنع من تركه، ومقتضى النهي المنع من فعله، وهما متنافيان. الثانية: أن يكون له جهتان كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهل يجوز الأمر به من وجه والنهي عنه من وجه؟ فيه مذاهب: أحدها ـ وبه قال الجمهور ـ: أنه يصح لتعدد الجهات، فهو كاختلاف المحال، فلا تناقض، وأما كونه لا ثواب فيها، فلم يصرح به الأصوليون، وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن أبي منصور ابن أخي ابن الصباغ في فتاويه التي جمعها عن عمه، أنه قال إنه المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق، ثم قال: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتابه (الكامل): أنه ينبغي حصول الثواب عند من صححها، قال أبو منصور: وهو القياس.
следующие страницы →