← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 806–826 · переход к 811.

стр. 806

وَالعَمَلِ مَحَبَّةَ اللَّهِ تعَالَى لَهُ (وهو يَدُلُّ علَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ سَابقةً علَى مَحَبَّتِهِ له، وفِيه خلاَفٌ) وَالأَصَحُّ الأَوَّلُ. قَالَ بعضُهُمْ: علاَمةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ بُغْضُ المرءِ لنفسِهِ؛ لأَنَّهَا مَانِعٌ لَهُ مِنَ المَحْبُوبِ فإِذَا وَافَقَتْهُ نَفْسُه فِي المَحَبَّةِ أَحبَّهَا، لاَ لأَنَّهَا نَفْسُهُ، بَلْ لأَنَّهَا تُحِبُّ مَحْبُوبَهُ، وَتَرَتَّبَ علَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تعَالَى لَهُ صيَانَةُ جوَارحِهِ وحوَاسِّهِ فَلاَ يَسْمَعُ إِلا لِلَّهِ ولاَ يُبْصِرُ إِلا له، ولاَ يَبْطِشُ إِلا لِأََجْلِهِ، كمَا قَالَ ﵊: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّه وَأَبْغَضَ لِلَّه وأَعطَى لِلَّه وَمَنَع لِلَّه فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)) / (٢٥٨/أَ/م) وكمَا كَانَتْ حَالةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكُ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ. وأَصلُّ هذَا الحديثِ فِي صحيحِ البخَاريِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ اللَّهِ تعَالَى: ((مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُه بِالْحَرْبِ، ومَا تَقَرَّبَ إِلي عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُه عَلَيْهِ، ومَا يزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنوَافلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعُهُ الذي يَسْمَعُ مِنْهُ وَبَصَرُهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدُهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، فإِنْ سأَلَنِي فَلَأُعْطِيَنَّهُ، وإِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ)) قَالَ بَعْضُهُم فِي معنَى هذَا الحديثِ: إِنَّ اللَّهَ تعَالَى يَتَوَلََّى مَنْ أَحَبَّهُ فِي جَمِيعِ أَحوَالِه، كَمَا يَتَوَلَّى الوَالِدَانِ جَمِيعَ أَحوَالِ الطَّفْلِ، فَلاَ يَمْشِي إِلا بِرِجْلِ أَحَدِهِمَا ولاَ يأَكلُ إِلا بِيَدِهِ، فَفَنِيَتْ صِفَاتُهُ وقَامَتْ صفَاتُ الوَالِدَيْنِ مقَامَهَا لشدَّةِ اعتنَائِهمَا بِحِفْظِهِ، فكذلك حَالُ الولِيِّ مَعَ الرَّبِّ ، وَاتِّخَاذُ اللَّهِ لَهُ وليًّا يحتمِلُ أَنْ يَكُونَ فعيلاً بمعنَى فَاعلٍ، أَي وَلِيُّ أَمْرِ اللَّهِ. (وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ أَي: وَلِيَ اللَّهُ أَمْرَهُ) وَتَرَتَّبَ علَى وِلَاَيَتِهِ إِجَابةُ دَعْوَتِهِ وإِعَاذَتُهُ ممَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخَرَّازُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تعَالَى أَنْ يُوَالِي عبدَهُ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ

стр. 807

ذِكْرِهِ، فإِذَا اسْتَلَذَّ الذِّكْرَ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابُ القُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مجَالسِ الأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ علَى كُرْسِيِّ التّوحيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ الحُجُبَ، وأَدْخَلَهُ دَارَ القُرْبِ، وكَشَفَ لَهُ الجلاَلَ وَالعَظَمَةَ، فإِذَا وقَعَ بَصَرُهُ علَى الجلاَلِ وَالعظمةِ خرَجَ مِنْ حِسِّهِ ودَعَاوَى نَفْسِه، ويَحْصُلُ حِينَئِذٍ فِي مقَامِ العِلْمِ بَاللَّهِ فَلاَ يَتَعَلَّمُ بِالخَلْقِ بَلْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ وَتَجَلِّيهِ لِقَلْبِهِ حِينَئِذٍ، فَيَسْمَعُ مَا لَمْ يُسْمَعْ، ويَفْهَمُ مَا لَمْ يَفْهَمْ. ص: وَدَنِيءُ الهِمَّةِ لاَ يُبَالِي فَيَجْهَلُ فوقَ جهلِ الجَاهلينَ ويدخُلُ تحتَ رِبْقَةَ المَارِقِينَ. ش: دَنِيءُ الهِمَّةِ ـ وهو مِنْ جُنْحِ إِلَى سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَعَدَلَ عَنْ معَالِيهَا ـ لاَ يُبَالِي هَلْ قَرَّبَهُ اللَّهُ أَو أَبْعَدَهُ، فَلاَ يَتَعَلَّمُ أَمْرَهُ ولاَ نَهْيَهُ، ولاَ يَعْمَلُ بمقتضًى وَاحدٍ مِنْهُمَا لو عَلِمَهُ، ولاَ يُبَالِي مَا اكْتَسَبَ مِنَ المَالِ هَلْ هو مِنْ حِلٍّ أَو حَرَامٍ، ولاَ مَا عَمَلَ مِنَ الأَعمَالِ هَلْ يُوَافِقُ الشَّرْعَ أَمْ لاَ/ (٢٥٨/ب/م)، ولاَ يُبَالِي فِي أَفعَالِهِ هَلْ تُسْخِطُ الرَّبَّ أَو تُرْضِيه قَد أَعْرَضَ عَن أُخْرَاهُ وَانْهَمَكَ فِي دُنْيَاهُ. وَقَدْ قَالَ العلمَاءُ: إِنَّ الخَسِيسَ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ، وأَخَسُّ الأَخِسَّاءِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ. ص: فَدُونَكَ صَلَاَحًا أَو فسَادًا وَرِضًا أَو سَخَطًا وقربَا أَو بُعْدًا وسَعَادَةً أَو شَقَاوَةً وَنَعِيمًا أَو جَحِيمًا. ش: هذَا خِطَابٌ لِمَنْ عَلِمَ الفَرْقَ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ وَتَضَمَّنَ قَوْلَهُ (دُونَكَ) تَحْذِيرًا وإِغرَاءً فَالإِغرَاءُ للصلاَحِ وَالرِّضَى وللقُرْبِ وَالسعَادةِ وَالنعيمِ. وَالتحذيرُ لمقَابلِهَا أَي: بعدَ أَنْ عَرَفْتَ الطَّرِيقَيْنِ فَاسْلُكْ طَرِيقَ الهُدَى وَاحْذَرْ طَرِيقَ/ (٢٠٦/أَ/د) الضلالِ.

стр. 808

ص: وإِذَا خَطَرَ لَك أَمْرٌ فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ فإِنْ كَانَ مأُمُورًا فبَادِرْ فإِنَّه مِنَ الرَّحْمَنِ، فإِنْ خَشِيتَ وقوعَه لاَ إِيقَاعَه علَى صفةٍ مَنْهِيَّةٍ فَلاَ عليك، وَاحْتِيَاجُ اسْتِغْفَارِنَا إِلَى اسْتِغْفَارٍ لاَ يُوجِبُ تَرْكَ الاستغفَارِ، ومِنْ ثَمَّ قَالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ: اعْمَلْ وإِنْ خِفْتَ العُجْبَ مُسْتَغْفِرًا مِنْهُ وإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا فإِيَّاكَ فإِنَّه مِنَ الشّيطَانِ فإِنْ مِلْتَ فَاسْتَغْفِرْ. ش: إِذَا عُرِضَ لِسَالِكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ أَمْرٌ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَزِنَهُ بميزَانِ الشَّرْعِ، فإِنَّ الأَحكَامَ لاَ تُعْرَفُ إِلا مِنْهُ، وَلَهُ ثلاَثةُ أَحوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مأُمُورٌ بِهِ شرعًا، إِمَّا علَى طريقِ الوُجُوبِ أَو الاستحبَابِ، فَلْيُبَادِرْ إِلَى فِعْلِهِ، فإِنَّه مِنَ الرّحمنِ ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلهَامًا مِنَ اللَّهِ له، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِلقَاءِ المَلَكِ فِي الرَّوْعِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَن إِلقَاءِ المَلَكِ قَد يُعَارِضُه النَّفْسُ وَالشَّيْطَانُ بِالوسَاوسِ، بخلاَفِ الخوَاطرِ الإِلْهَامِيَّةِ فإِنَّه لاَ يَرُدُّهَا شَيْءٌ بَلْ تنقَادُ لهَا النّفسُ وَالشّيطَانُ طَوْعًا وَكَرْهًا. قَالَ الشَّارِحُ: وعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (فَبَادِرْ) بفَاء التَّعْقِيبِ ـ السرعةُ: قَالَ الأَستَاذُ أَبُو القَاسمِ القُشَيْرِيُّ: فإِنَّكَ إِنْ تَوَقَّفْتَ بِرَدِّ الأَمرِ، وَهَبَّتْ ريحُ التََّكَاسلِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ البُوشِنْجِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي شُغُلٍ فَدَعَا مَنْ نزَعَ قميصَه عَنْهُ، وقَالَ: ادْفَعْه إِلَى فلاَنٍ، فقِيلَ: لو صَبِرْتَ حتَّى تَخْرُجَ؟ فقَالَ: خَشِيتُ أَنْ يزولَ هذَا الخَاطرُ عَنِ القلبِ. قُلْتُ: هذه الفَاءُ لاَ دلاَلةَ لهَا علَى التَّعْقِيبِ، وإِنَّمَا هي لربطِ الجزَاءِ بِالشَّرْطِ، وَالدَالةُ علَى التّعقيبِ/ (٢٥٩/أَ/م) هي العَاطفةُ، ولكنْ هذَا المَعْنَى مَفْهُومٌ مِنْ لَفْظِ المبَادرةِ،

стр. 809

ولاَ يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ لدلاَلةِ الفَاء، ِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فإِنْ خَشِيتَ مَعَ كَوْنِهِ مأُمُورًا بِهِ أَنْ يَقَعَ علَى صِفَةٍ مَنْهِيَّةٍ لِعُجْبٍ أَو رِيَاءٍ فَلاَ يَكُنْ ذَلِكَ مَانعًا لَك مِنَ المبَادَرَةِ إِلَيْهِ، أَقِمِ الأَمْرَ وَاحْتَرِزْ عَنِ النَّهْيِ، فإِنْ أَوْقَعْتَهُ علَى الصِّفَةِ المَنْهِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ مُحِيطًا له. قُلْتُ: وإِنَّمَا عبَّرَ المُصَنِّفُ بِالوقوعِ، وَاحْتَرَزَ عَنِ الإِيقَاعِ، لأَنَّهُ لو كَانَ قصْدُه إِيقَاعَهُ علَى الصِّفَةِ المذمومةِ بأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يقُومُ للريَاءِ فإِن ذَلِكَ الخَاطرَ شَيْطَانِيٌّ، وإِنَّمَا الكلاَمُ فِي خشيةِ وُقُوعِ هذه المفسدةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ هي الحَاملُ لَهُ علَى الفعلِ، وَقَدْ قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العَمَلُ لأَجلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَتَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ ريَاءٌ، وَالإِخلاَصُ أَنْ يُعَافِيكَ اللَّهُ مِنْهُمَا. ثم أَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى الجوَابِ عَن سؤَالٍ تقديرُهُ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ رَابِعَةِ العَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ: (اسْتِغْفَارُنَا يَحْتََاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ) ومُقْتَضَاه أَنْ لاَ نَسْتَغْفِرَ، لأَنَّهُ أَمْرٌ يَحُوجُ إِلَى التَّنَصُّلِ مِنْهُ، فأَجَابَ عَنْهُ بأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي تَرْكَ الاستغفَارِ. قَالَ الغَزَالِيُّ فِي (الإِحيَاءِ) فِي بَابِ التّوبةِ: لاَ تَظُنَّنَّ أَنَّ رَابِعَةَ تَذُمُّ حركةَ اللِّسَانِ بِالاستغفَارِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تعَالَى، بَلْ تَذُمُّ غفلةَ القلبِ، فهو محتَاجٌ إِلَى الاستغفَارِ مِنْ غفلةِ قَلْبِهِ، لاَ مِنْ حركةِ لِسَانِهِ، فإِنْ سَكَتَ عَنِ الاستغفَارِ بِاللسَانِ أَيضًا احتَاجَ إِلَى استغفَارينِ. قَالَ: وهذَا معنَى قَوْلِ القَائلِ الصَّادقِ: حسنَاتُ الأَبرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ. ثُمَّ اسْتَشْهَدَ المُصَنِّفُ لمَا قَرَّرَهُ من ذَلِكَ بقولِ الشَّيْخِ شهَابِ الدّينِ السَّهْرَوَرْدِيِّ وَقَدْ سأَلَهُ بَعْضُ أَئمَّةِ خُرَسَانَ فقَالَ: القَلْبُ مَعَ الأَعمَالِ يدَاخلُه العُجْبُ، وَمَعَ

стр. 810

تَرْكِ الأَعمَالِ يَخْلُدُ إِلَى البطَالةِ. فأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: لاَ تَتْرُكِ الأَعمَالَ، ودَاوِ العُجْبَ بأَنْ تَعْلَمَ أَن ظُهُورَهُ مِنَ النَّفْسِ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فإِنَّ ذَلِكَ كفَّارَتَهُ، ولاَ تَدَعِ العَمَلَ رأَسًا. وكذَا قَالَ الإِمَامُ فِي (المطَالبِ) من مكَائدِ الشّيطَانِ تَرْكُ العَمَلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ/إِنه مرَاءٌ وهذَا بَاطلٌ، فإِنَّ تَطْهِيرَ العَمَلِ مِنْ نَزَغَاتِ الشّيطَانِ بِالكليَّةِ مُتَعَذِّرٌ/ (٢٠٦/ب/د) فَلَوْ وَقَفَتْ العبَادةُ علَى الكمَالِ لِتَعَذُّرِ الاشتغَالِ بِشَيْءٍ مِنَ العبَادَاتِ، وذلكَ يُوجِبُ البطَالةُ، وهي أَقصَى غرضِ الشّيطَانِ/ (٢٥٩/ب/م). وقَالَ النّوويُّ: ولو فَتَحَ الإِنسَانُ عَلَيْهِ بَابَ ملاَحظةِ النَّاسِ، وَالاحترَازُ مِنْ تَطَرُّقِ ظُنُونِهِمْ البَاطلةِ لأَفسدَ عَلَيْهِ أَكثرَ أَبوَابِ الخيرِ، وَضَيَّعَ علَى نَفْسِهِ شيئًا عظيمًا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ، وَلَيْسَ هذَا طريقةُ العَارِفِينَ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ من قَالَ: سِيرُوا إِلَى اللَّهِ عَرَجًا وَمَكَاسِيرَ، ولاَ تَنْتَظِرُوا الصِّحَّةَ فإِنَّ انتظَارَ الصِّحَّةِ بطَالةٌ. وحُكِيَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا خِفْتَ علَى عَمَلِكَ العُجْبَ فَاذْكُرْ رضَى مَنْ تَطْلُبُ، وفِي أَيِّ النَّعِيمِ تَرْغَبْ ومِنْ أَيِّ عِقَابٍ تَرْهَبُ، وأَيَّ عَاقِبَةٍ تَشْكُرُ، وأَيَّ بَلاَءٍ تَذْكُرْ، فإِنَّكَ إِذَا فَكَّرْتَ فِي وَاحدةٍ مِنْ هذه الخِصَالِ صَغُرَ فِي عَيْنِكَ عَمَلُكَ. الحَالةُ الثَّانِيةُ: أَنْ تَجِدَ ذَلِكَ الأَمْرَ مَنْهِيًّا عَنْهُ شرعًا، فَلاَ تَقْرَبْهُ، فإِنَّ ذَلِكَ الخَاطرَ مِنَ الشّيطَانِ كذَا قَالَ المُصَنِّفُ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ، قَالُوا: وَالفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خَاطِرَ النَّفْسِ لاَ تَرْجِعُ عَنْهُ، وخَاطرَ الشّيطَانِ قَد يَنْقِلُهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنْ صَمَّمَ الإِنسَانُ علَى عَدَمِ فِعْلِهِ؛ لأَنَّ قَصْدَهُ الإِغرَاءُ لاَ خصوصُ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإِْن فَعَلْتَ ذَلِكَ المَنْهِيَّ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْهُ، ولاَ تيأَسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.

стр. 811

ص: وَحَدِيثُ النَّفْسِ ـ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَو يَعْمَلْ ـ وَالهَمُّ مَغْفُورَانِ. ش: مَا يقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ المعصيةِ لَهُ مرَاتبُ. الأَوْلَى: الهَاجِسُ وهو مَا يُلْقَى فِيهَا, ولاَ يُؤََاخَذُ بِهِ إِجمَاعًا؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ العبدِ، وإِنَّمَا هو وَارِدٌ لاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ. الثَانِيَةُ: الخَاطِرُ وهو جريَانُه فِيهَا وهو مَرْفُوعٌ أَيضًا. الثَالثةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وهو تَرَدُّدُه هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لاَ، وهو مَرْفُوعٌ أَيضًا، لقولِه ﵊: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ)). الرَابعةُ: الهَمُّ، وهو قصدُ الفِعْلِ، وهو مَرْفُوعٌ أَيضًا؛ لقولِه تعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ الآيةَ، ولو كَانَتْ مؤَاخذةٌ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَلِيَّهُمَا، ولقولِهِ ﵊: ((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ)) فِي هذه المرتبةِ تَفْتَرِقُ الحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، فإِنَّ الحَسَنَةَ تُكْتَبُ له، وَالسَّيِّئَةُ لاَ تُكْتَبُ عَلَيْهِ، بخلاَفِ الثّلاَثِ الأُوَلِ، فإِنَّه لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثوَابٌ ولاَ عِقَابٌ، وَاقْتَصَرَ المُصَنِّفُ علَى هَاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ لوضوحِ الأَمرِ/ (٢٦٠/أَ/د) فِي الأُولَيَيْنِ، وَقَيَّدَ المُصَنِّفُ معرفةَ حديثِ النَّفْسِ بمَا إِذَا لَمْ يَتَكَّلَّمَ بذلك، ولم يَعْمَلْ بِهِ، فإِنْ تَكَلَّمَ أَو عمَلَ حَصُلَتِ المؤَاخذةُ بأَمرينِ، وهمَا حديثُ النََّفْسِ وَالعملُ، ولاَ يُغْفَرُ حديثُ النَّفْسِ إِلا إِذَا لَمْ يَعْقُبْهُ عَمَلٌ، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّقْييدِ فِي الهمِّ أَيضًا مِنْ طريقِ الأَولَى لأَنَّهُ آكدُ مِنْ حديثِ النَّفْسِ.

стр. 812

الخَامسةُ: العَزْمُ، وهو قُوَّةُ القَصْدِ وَالجَزْمُ بِهِ، فقَالَ بعضُهُمْ: هو كَالأَقسَامِ المُتَقَدِّمَةِ، وَالمَحْكِيُّ عَنِ المُحَقِّقِينَ المؤَاخذةُ بِهِ، لقولِه ﵊ ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) قِيلَ: يَا رسولَ اللَّهِ! هذَا القَاتلُ فمَا بِالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ أَخِيهِ)). ص: وإِنْ لَمْ تُطِعْكَ الأَمَارةُ فجَاهِدْهَا فإِنْ فَعَلْتَ فَتُبْ. ش: إِذَا هَمَّ الإِنسَانُ بِمَعْصِيَةٍ فَلْيُعَالِجْ نَفْسَهُ حتَّى لاَ يقَعَ فِيهَا، فإِنْ لَمْ تُطِعْهُ نَفْسُهُ الأَمَّارَةُ له بِالسوءِ علَى ذَلِكَ فَلْيُجَاهِدْهَا بِقَدْرِ الإِمكَانِ، فإِنَّهَا حِينَئِذٍ أَكبرُ أَعدَائِهِ، لِقَصْدِهَا بِهِ الهلاَكَ الأَبديَّ، وفِي الحديثِ: ((أَعْدَى عَدُوٌّ لَكَ نَفْسُكَ التي بَيْنَ جَنْبَيْكَ)). وقَالَ بعضُهُمْ: معَالجةُ المعصيةِ إِذَا خَطَرَتْ حتَّى لاَ تقَعَ أَهونُ من معَالجةِ التوبةِ حتَّى تُقْبَلَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ يَكُفُّ النَّفْسَ. وَالتوبةُ بِالندمِ وَالأَسفِ وَالبكَاءِ، ثُمَّ لاَ يَدْرِي أَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَمْ لاَ، وَالمُوَاقِعُ للمعصيةِ إِنْ كَانَ لاَهيًا/ (٢٠٧/أَ/د) عَنِ النَّهْيِ وَالوعيدِ فهو مِنَ الذِّينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، وإِنِ اسْتَحْضَرَ النَّهْيَ وَالوَعِيدَ وأَقْدَمَ عَلَيْهَا تَجَرُّؤًا فهو هَالِكٌ، أَو تَسْوِيفًا فَمَغْرُورٌ؛ لِتَرْكِهِ مَا وجَبَ عَلَيْهِ، وتعلُّقِهِ بمَا قَد لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو التّوبةُ. وإِنَّمَا خصَّ المُصَنِّفُ هذَا بِالأَمَّارَةِ؛ لأَنَّ النَّفُوسَ ثَلَاثَةٌ هذه شرُّهَا، وَالثَانِيَةُ: اللَّوَّامَةُ التي يقَعُ مِنْهَا الشرُّ، لكنَّها تُسَاءُ بِهِ وتَلُومُ عَلَيْهِ وَتُسَرُّ بِالحَسَنَةِ كمَا قَالَ ﵊: ((مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)). الثَالثةُ: المُطْمَئِنَّةُ، وهي التي اطْمَأَنَّتْ إِلَى الطَّاعةِ، ولم تُوَاقِعْ مَعْصِيَةً، فإِنْ

стр. 813

غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ وَفَعَلَ المَعْصِيَةَ فَلْيُبَادِرِ للتَّوْبَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَالفورُ مَفْهُومٌ مِنْ إِتيَانِهِ بِالفَاءِ. قُلْتُ: عَرَفْتَ أَنَّ هذه الفَاءَ لاَ دلاَلةَ لهَا علَى الفَوْرِ كَمَا تقدَّمَ، وقبولُ التّوبةِ/ (٢٦٠/ب/م) مِنَ الكُفْرِ قَطْعِيٌّ، وفِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ المعصيةِ قولاَنِ، هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَيضًا أَو ظَنِيٌّ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: الأَصحُّ أَنَّهُ ظَنِيٌّ، وقَالَ الإِبيَاريُّ فِي شرحِ (البَرْهَانِ) الصّحيحُ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ. ص: فإِنْ لَمْ تُقْلِعْ لاسْتِلْذَاذِ أَو كَسَلَ فَتَذَكَّرَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ، وفَجْأَةَ الفَوَاتِ، أَو لِقُنُوطِ فَخَفْ مَقْتَ رَبِّكَ، وَاذْكُرْ سِعَةَ رَحْمَتِهِ، وأَعَرْضِ التَّوْبَةَ ومحَاسِنَهَا، وهي النَّدَمُ، وتَتَحَقَّقُ بِالإِقلاَعِ وَعَزْمِ أَنْ لاَ يَعُودَ، وَتَدَارَكْ مُمْكِنُ التَّدَارُكِ. ش: إِذَا لَمْ تُقْلِعِ النَّفْسَ عَنِ المَعْصِيَةِ، فإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِاسْتِلْذَاذِهَا أَو تَكَاسُلِهَا فَتُعَالَجَ بِتَذَكُّرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقِ الجَمَاعَاتِ، وَهُوَ المَوْتُ، وَقَدْ يُفْجَأُ فَيُتَحَقَّقُ فَوْتُ المَصْلَحَةِ، وَتَذَكُّرُه مُكَدِّرٌ لِلْعَيْشِ، وَمُقَصِّرٌ لِلْأَمَلِ، وبَاعِثٌ علَى العَمَلِ، قَالَ ﵊: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ)). وإِن كَانَ سَبَبُ تَرْكِ التَّوْبَةِ القَنُوطَ وَاليأَسَ مِنْ رحمةِ اللَّهِ لشدَّةِ الذَّنْبِ، أَو استحضَارِ نِقْمَةِ الرَّبِّ فهذَا ذَنْبٌ آخَرُ قَد ضَمَّهُ إِلَى الأَوَّلِ، فَيَلْحَقُ مَقْتُ اللَّهِ علَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تعَالَى: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وطريقُ علاَجِهِ استحضَارُ سِعَةِ رحمةِ اللَّهِ تعَالَى لقولِه تعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيِ الَّذِّينَ

стр. 814

أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعًا﴾ وفِي الحديثِ الصّحيحِ: ((لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ فَلَاَةٍ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ...)) الحديثُ المشهورُ. وفِي الحديثِ الصّحيحِ: ((لو لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) ويعَالِجُ نَفْسَهُ أَيضًا بأَنْ يَعْرِضَ علَى نَفْسِهِ التَّوْبَةَ ومَحَاسِنَهَا، ومَا وَرَدَ فِيهَا، ثُمَّ فسَّرَ المُصَنِّفُ التّوبةَ بأَنَّهَا النَّدمُ، وتَبِعَ فِي ذَلِكَ الأُصُولِيِّينَ كَالقَاضِي وَالأَستَاذِ. وقَالَ الفقهَاءُ: للتوبةِ ثلاَثةُ أَركَانٍ، وهي الإِقلاَعُ فِي الحَالِ، وَالنَّدَمُ علَى المَاضِي، وَالعَزْمُ علَى أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ تَعَلَّقَتِ المَعْصِيَةُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ اعْتَبَرَ رُكْنَ رَابِعٍ، وهو الخُرُوجُ عَنْ تِلْكَ المَظْلَمَةِ، وإِليه أَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَتَدَارَكَ مُمْكِنَ التّدَارُكِ) وقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (الشَّامِلِ): إِنْ لَمْ يَرُدَّ المَظْلَمَةَ وَنَدِمَ فقد صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، فإِنَّهَا/ (٢٦١/أَ/م) النَّدَمُ علَى مَا سَلَفَ، ومَا تَعَلَّقَ بِرَدِّ المَظْلَمَةِ حقٌّ آخرُ، وجَبَ عَلَيْهِ، فإِذَا لَمْ يفعلْه لَمْ يَبْطُلْ مَا أَتَى بِهِ مِنْ حقيقةِ التّوبةِ، وأَهْمَلُوا للتوبةِ شرطًا آخَرَ، وهو أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلَّهِ تعَالَى، فَقَدْ يَنْدَمُ الإِنسَانُ علَى شُرْبِ الخَمْرِ لِضَرَرِهَا فِي بدنِه، ويُقْلِعُ ويَعْزِمُ لِذَلِكَ فَلاَ يَكُونُ تَوْبَةً، وإِذَا اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الأَعمَالِ فَالتَّوْبَةُ أَوْلَى بذلك، فإِنَّ النِّيَّةَ رُوحُ العملِ، ونَقَلَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ عَنْ وَالِدِه اعْتِبَارَ أَمْرٍ آخَرَ، وهو تَذَكُّرُهُ للذَّنْبِ، فَلَوْ نَسِيَهُ لَمْ تَصِحَّ توبتُه مِنْهُ كَمَا لو نَسِيَ صَاحبُ الدَّيْنِ. وقَالَ القَاضِي: إِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ تَفْصِيلَ الذنوبِ فَلْيَقُلْ: إِنْ كَانَ لي ذَنْبٌ لَمْ أَعْلَمْهُ فإِنِّي تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ تعَالَى مِنْهُ، وكأَنَّهُ فِيمَا إِذَا عَلِمَ لِنَفْسِهِ ذنوبًا لَمْ يَتَذَّكَرْهَا، فأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ لِنَفْسِهِ ذنبًا فَالنَّدَمْ علَى مَا لَمْ يَكُنْ مُحَالٌ. وقَالَ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ: يَتَذَكَّرَ مِنَ الذّنوبِ السَّالفةِ مَا أَمْكَنَ تَذَكُّرُهُ، ومَا

стр. 815

تَعَذَّرَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عليه. وجمَعَ المُصَنِّفُ بَيْنَ طَرِيقَتَيِ الأُصُولِيِّينَ وَالفقهَاءِ فَتَبِعَ الأُصُولِيِّينَ فِي تفسيرِهَا بِالندمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النّدمَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلا بِبَقِيَّةِ الأُمُورِ التي اعْتَبَرَهَا الفُقَهَاءُ. قَالَ الوَاسِطِيُّ: وكَانَتِ التّوبةُ فِي بَنِي إِسرَائيلَ بقتلِ النّفسِ، كمَا قَالَ تعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَ: فكَانَتْ توبتُهم إِفنَاءَ أَنْفُسِهِمْ، وَتَوْبَةَ هذه الأُمَّةِ أَشدُّ وهي إِفنَاءُ نفوسِهِمْ عَن مُرَادِهَا مَعَ بقَاءِ رُسومِ الهيَاكلِ، وَمَثَّلَهُ بعضُهم بِمَنْ أَرَادَ كَسْرَ لَوْزَةً فِي قَارُورَةٍ، وذلك مَعَ عُسْرِهِ يَسِيرٌ علَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تعَالَى عليه. ص: وَتَصِحُّ وَلَوْ بَعْدَ نَقْضِهَا عَنْ ذَنْبٍ ولو صَغِيرًا مَعَ الإِصرَارِ علَى آخَرَ وَلَوْ كبيرًا عِنْدَ الجُمْهُورِ. ش: فِيهِ مسَائلُ: الأُولَى: مَنْ تَابَ ثُمَّ نقضَ التّوبةَ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ التّوبةِ المَاضِيةِ، وعليه المبَادرةُ إِلَى تجديدِ التَّوْبةِ مِنَ المعَاودةِ، قَالَ تعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التّوَّابِينَ﴾ وهذه صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ لاَ تُطْلَقُ إِلا علَى مَنْ أَكْثَرَ التَّوْبَةِ. وفِي الحديثِ: ((مَا أَضَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي اليومِ سَبْعِينَ مَرَّةً)). وخَالَفَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ فقَالَ بَانْتِقَاضِ تَوْبَتِهِ الأَولَى، فَيُؤََاخَذُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ/ (٢٦١/ب/م) الذي تَابَ منه. الثَانِيَةُ: تَجِبُ التّوبةُ مِنَ الصّغَائرِ كَالكبَائرِ خِلاَفًا لأَبي هَاشمٍ، ولم يَسْتَحْضِرْ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (الإِرشَادِ) مخَالفتَه فِي ذَلِكَ، فحَكَى الإِجمَاعُ علَى الأَوَّلِ،

стр. 816

وتَوَقَّفَ السُّبْكِيُّ فِي وُجُوبِ التّوبةِ مِنْهَا عينًا، وقَالَ: لعلَّ وقوعَهَا مُكَفَّرَةٌ بِالصلاَةِ، وَاجْتِنَابُ الكبَائرِ يَقْتَضِي أَنَّ الوَاجبَ إِمَّا التّوبةُ أَو فِعْلُ مَا يُكَفِّرُهَا، وبتقديرِ الوُجُوبِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ علَى الفَوْرِ حتَّى يَمْضِي مَا يُكَفِّرُهَا، وخَالَفَهُ وَلَدُه المُصَنِّفُ فقَالَ: الذي أَرَاه وُجُوبُ التّوبةِ عَيْنًا علَى الفورِ، عَنْ كلِّ ذَنْبٍ، نَعَمْ إِنَّ فَرْضَ عدمِ التّوبةِ عَنِ الصغيرةِ ثُمَّ جَاءَتِ المُكَفِّرَاتُ كَفَّرَتِ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَهُمَا تِلْكَ الصغيرةُ وعدمُ التَوْبَةِ. الثَالثةُ: تَصِحُّ التّوبةُ عَنْ ذَنْبٍ مَعَ الإِصرَارِ علَى ذَنْبٍ آخَرَ، خِلاَفًا للمُعْتَزِلَةِ، بنَاءً علَى أَصلِهم فِي التّقبيحِ العَقْليِّ؛ لأَنَّ الكلَّ فِي القُبْحِ علَى حدٍّ سوَاءٍ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِم قَوْلُه تعَالَى: ﴿وَآخَرَونَ اعْتََرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. وفَصَّلَ بَعْضُ أَصحَابِنَا فِي ذَلِكَ فقَالَ الحُلَيْمِيُّ: تصِحُّ التوبةُ مِنْ كبيرةٍ دُونَ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا. وَمُقْتَضَاهُ عدمُ الصِّحَّةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا، وَبِهِ صرَّحَ الأَستَاذُ أَبُو بَكْرٍ، لكن قَالَ الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، تصِحُّ حتَّى لو تَابَ عَنِ الزِّنَا بِمَرْأَةٍ مَعَ الإِقَامةِ علَى الزِّنَا بِمِثْلِهَا صَحَّ. قَالَ ابْنُ القُشَيْرِيُّ: وأَبَاهُ الأَصحَاب. قَالَ: وقَالَ الإِمَامُ: إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ العُقُوبَةَ علَى أَحَدِهِمَا صحَّتِ التّوبةُ مِنْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخْرَى. وقَالَتِ الصُّوفِيةُ: لاَ تَكُونُ تَوْبَةُ السَّالكِ مفتَاحًا للمقَامَاتِ حتَّى يتوبَ عَن جَمِيعِ الذّنوبِ، لأَنَّ كَدْوَرَةَ بَعْضِ القلبِ وَاسْوِدَادَهُ بِالذنبِ تَمْنَعُ مِنَ السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ تعَالَى.

стр. 817

ص: وإِنْ شَكَكْتَ أَمأَمُورٌ أَم مَنْهِيٌّ فأَمْسِكْ، ومِنْ ثَمَّ قَالَ الجُوَيْنِيُّ فِي المُتَوَضِّئِ يَشُكُّ أَيَغْسِلُ ثَالثِةً أَم رَابِعَةً: لاَ يَغْسِلُ. ش: الحَالةُ الثَّالثةُ أَنْ يَشُكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مأُمُورٌ بِهِ أَو مَنْهِيٌّ عَنْهُ. قَالَ الشَّارِحُ: فَالوَاجبُ الإِمسَاكُ عَنْهُ؛ لقولِه ﷺ : ((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ)). قُلْتُ: فِي وُجُوبِ الإِمسَاكِ هُنَا نَظَرٌ، ويَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ الإِمسَاكُ، ولاَ يَجِبُ إِنْ كَانَ مُقَابِلُ النّهيِ/ (٢٦٢/أَ/م) الإِبَاحةَ، فإِنَّه مِنْ بَابِ الشُّبْهَةِ، وَتَرْكُهَا وَرَعٌ لاَ وُجُوبٌ/ (٢٠٩/أَ/د) وَاستدلاَلُه علَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: ((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ)) يَدُلُّ علَى ذَلِكَ وإِنْ كَانَ مقَابلُ النَّهيِ الإِيجَابَ، فقِيَاسُ الشَّكُّ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ الصّلاَةِ وُجُوبُ الفِعْلِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ يُقَالُ: التَّرْكُ أَرْجَحُ لأَنَّ جَانِبَ دَرْءِ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ علَى جَلْبِ المَصَالِحِ، وإِنْ كَانَ ذَلِكَ الأَمرُ للاَستحبَابِ وذلك النَّهْيُ للكرَاهيَةِ، وهو الموَافِقُ لمسأَلةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيِّ، فإِنَّه إِذَا شَكَّ فِي الوضوءِ فِي الغَسْلَةِ التي يرِيدُ الإِتيَانَ بِهَا، هَلْ هي ثَالثةٌ فتكونُ مَسْنُونَةً أَو رَابِعَةٌ فتكونُ مَكْرُوهَةً، فهو دَائرٌ بَيْنَ تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ وَفِعْلِ مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَجْيءُ الإِيجَابُ هنَا؟ وَالمُصَنِّفُ إِنَّمَا قَالَ: (فأَمْسِكْ) فأَمَرَ بِذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لاَ وُجُوبًا، وَالتصريحُ بِالوُجُوب مِنْ تَصَرُّفِ الشَّارِحِ الفَاسدِ مَعَ أَنَّ (جمهورَ الأَصحَابِ) لَمْ يَرْتَضَوْا مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو محمَّدٍ مِنْ تَعْلِيلِ ذَلِكَ بأَنَّ ارْتِكَابَ سَيِّئَةٍ أَهْوَنُ مِنْ ارْتكَابِ بدعةٍ، وقَالُوا: إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ التّحقيقِ، وَلِهَذَا لَوْ شَكَّ أَصلَى ثلاَثًا أَم أَربعًا أَتَى بِرَابِعَةٍ وجوبًا مَعَ احْتِمَالِ وُقُوعِ المَنْهِيِّ بِالزيَادةِ، فإِطلاَقُ الشَّارِحِ إِيجَابُ الإِمسَاكِ خطأٌ.%%%%%%%%%%%%%%%%

стр. 818

وَقَوْلُ المُصَنِّفِ (أَمْسِكْ) مِنْ غَيْرِ تفصيلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الأَمرُ لِلوُجُوبِ أَوْ للاَستحبَابِ وَالنَّهْيِ لِلتحريمِ أَوِ الكرَاهيةِ ـ غَيْرُ مستقيمٌ، وَاستشهَادُهُ بِمَا هو ضعيفٌ، فِي نَظَرِ أَكثرِ الأَصحَابِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. وذَكَرَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي تَاريخِه: أَنَّ رَجُلاً رأَى الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ يَتَوَضَّأُ علَى دِجْلَةَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَكثرَ مِنْ ثَلاَثٍ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: لَو صَحَّتْ لِيَ الثّلاَثُ لَمْ أَزِدْ. وحَكَى الشَّارِحُ عِبَارَةَ المُصَنِّفِ: أَغْسِلُ ثَالثةً أَم رَابعةً، وهو تعبيرٌ غيرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لأَنَّهُ فِي هذَا المثَالِ لاَ يأَتِي بغسلةٍ أُخْرَى قَطْعًا، وَالذي فِي نُسْخَتِي أَيَغْسِلُ ثَالثةً أَمْ رَابعةً، وهي عبَارةٌ صحيحةٌ، أَيْ: يَشُكُّ هَلْ غسلتينِ مَرَّتَينِ فَيَكُونُ التي يَغْسِلُهَا (ثَالثةً أَمْ لاَ فَيَكُونُ يغسلُهَا) رَابعةً. وقَالَ الشَّارِحُ: وإِنَّمَا اقتصرَ المُصَنِّفُ علَى هذه الأَحوَالِ الثّلاَثةِ؛ لأَنَّهَا قُطْبُ العِلْمِ، وعَلَيْهَا يَدُورُ رحَى العَمَلِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الأَئمةِ أَنَّهُ رأَى فِي ابتدَاءِ أَمْرِهِ فِي المنَامِ أَنَّهُ حَضَرَ الجَامِعَ فوجَدَ مُتَصَدِّرًا فَجَلَسَ لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ، فقَالَ: أَنتَ تَقْرَأُ عَلَيَّ، وَقَدْ عَلَّمَكَ اللَّهُ المَسَائِلَ الثّلاَثَ؟ (فَانْتَبَهَ، وأَتَى مُعَبِّرًا، فقَالَ: اذْهَبْ فَسَتَصِيرُ أَعْلَمَ أَهْلِ زمَانِكِ؛ فَإِنَّ المَسَائِلَ الثَّلاَثَ) التي أَشَارَ إِلَيْهَا أَمَّهَاتُ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ((الحَلاَلُ/ (٢٦٢/ب/م) بَيِّنٌ، وَالحرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ)). انْتَهَى. ص: وَكُلٌّ وَاقِعٍ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تعَالَى وإِرَادَتِهِ وهو خَالِقُ كَسْبِ الْعَبْدِ قَدَّرَ لَهُ قُدْرَةً هي استطَاعَتُهٌ تَصْلُحُ لِلْكَسْبِ لاَ للإِبدَاعِ؛ فَاللَّهُ خَالقٌ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ وَالعبدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خَالِقٍ. ش: كُلٌّ مِنَ الخيرِ وَالشّرِّ وَاقِعٌ بِقدرةِ اللَّهِ وإِرَادتِهِ، وفِي صحيحِ مُسْلِمٍ عَنْ

стр. 819

أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مشركُو قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي هذَا الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ إِلَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءَ ٍخَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. ولَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ (فِي صَحِيحِهِ): يُخَالِفُونَهُ فِي الْقَدَرِ، وقَالَ تعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وذهبَ مَنْ لَمْ يَتَشَرَّعْ مِنَ الفلاَسفةِ إِلَى نَفْيِ القَدَرِ جملةً، وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إِلَى نَفْيِهِ فِي الكُفْرِ وَالمعَاصِي دُونَ الطَّاعَاتِ، وَاختلفوا فِي المُبَاحَاتِ، وأَحْسَنُ مَا يُردُّ عَلَيْهِم بِهِ إِثبَاتُ العِلْمِ لِلَّهِ تعَالَى؛ ولِهذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ: الْقَدَرِيَّةُ إِذَا سَلَّمُوا العِلْمَ خَصَمُوا، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِِقَوْلِهِ ﵊: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). وقَالتْ الْجَبْرِيَّةُ: لاَ قُدْرَةَ/ (٢٠٨/ب/د) لَلْعَبْدِ أَصْلاً، وتَوَسَّطَ أَهْلُ السُّنَّةِ بَيْنَ القَدَرِيّةِ وَالجَبْرِيَّةِ، فقَالُوا: اللَّهُ تعَالَى خَالقٌ لأَفعَالِ العبَادِ كَمَا أَنَّهُ خَالقٌ لِذَوَاتِهِمْ قَالَ تعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَالَ: ﴿هَلْ مِنْ خَالقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ومَا تَعْمَلُونَ﴾. فَإِنْ قِيلَ: فإِذَا كَانَ اللَّهُ تعَالَى خَالقُ الفِعْلَ فَكَيْفَ يعَاقبُ علَى شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ قُلنَا: كَمَا يُعَاقِبُ خَلْقًا خَلَقَهُ فَلَيْسَتْ عُقُوبَتُهُ علَى مَا خَلَقَ بِأَبْعَدَ مِنْ عقوبتِه مِنْ خَلَقَ، يَفْعَلُ مَا يشَاءُ، ويُحْكِمُ مَا يُرِيدُ، لاَ يَسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وهُمْ يُسأَلُونَ، لَكِنَّ

стр. 820

مِنَ العبدِ كَسْبٌ عَلَيْهِ يُثَابُ وعَلَيْهِ يُعَاقَبُ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى ﴿ومَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَأَثْبَتَ لَهُ الرَّمْيَ، ونَفَاهُ عَنْهُ بِاعْتِبَارَيْنِ، فإِذَا نَسَبَ الْفِعْلَ إِلَى القدرةِ القديمةِ سُمِّيَ خَلْقًا، وَالقَادِرُ خَالِقًا، وإِذَا نَسَبَ إِلَى القدرةِ الحَادثةِ سُمِّيَ كَسْبًا، ولاَ بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالكَسْبِ تصحيحًا لِلتَّكْلِيفِ وَالثوَابُ وَالعِقَابُ؛ لامتنَاعِ الجَمْعِ بَيْنَ اعتقَادِ الْجَبْرِ المَحْضِ وَالتكليفِ، وحَاصِلُهُ أَنَّ الأَفعَالَ تُنْسَبُ لِلْخَلْقِ شَرْعًا؛ لإِقَامةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ولاَ فَاعلَ فِي الحقيقةِ/ (٢٦٣/أَ/م) إِلَّا اللَّهُ، فَمُرَاعَاةُ الظَّاهِرِ شريعةٌ، ومرَاعَاةُ البَاطِنِ حقيقيةٌ، وفِي هذَا المذهبِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا؛ ولِهذَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، لاَ جَبْرٌ ولاَ تفويضٌ، وتَعَجَّبَ كثيرٌ مِنْ هذَا التَّوَسُّطِ، وقَالُوا: لاَ نَعْقِلُ فَرْقًا بَيْنَ الفعلِ الذي نَفَاهُ الأَشْعَرِيُّ عَنِ العبدِ وَالكسبِ الذي أَثْبَتَهُ لَهُ، بَلْ هو كَقَوْلِ الْجَبْرِيَّةِ: إِنَّ العبدَ لاَ قدرةَ لَهُ ولاَ فِعْلَ ولاَ كَسْبَ، ولم يَنْفَرِدِ الأَشْعَرِيُّ بِذَلِكَ بَلْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُم عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا بْنُ جَعْفَرٍ الصَّادِقُ، وَقَدْ سُئِلَ: أَيُكَلِّفُ اللَّهُ العِبَادَ مَا لاَ يَطِيقُونَ؟ فقَالَ: هو أَعْدَلُ مِنْ ذلكَ. قِيلَ: أَفَيَسْتَطِيعُونَ أَنْ يفعلوا مَا يريدون؟ قَالَ: هم أَعجزُ مِنْ ذلك. وحكَى القَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إِن لِلعبدِ كَسْبًا، وَقَدْ دَلَّ القرآنُ علَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّه تعَالَى نَسَبَ الفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ

стр. 821

ومَا تَعْمَلُونَ﴾ ونَسَبَ الْكَسْبَ لِلْعَبْدِ؛ فَقَالَ تعَالَى: ﴿جَزَاءٌ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وقَالَ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ وَالكَسْبُ لَيْسَ إِبرَازًا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الوُجُودِ بَلْ نِسْبَةٌ يَعْلَمُهَا الْعَبْدُ بَيْنَ قُدْرَتِهِ ومقدورِهِ فِي مَحَلِّهِ ضرورةً؛ فَكُلُّ أَحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ حركةِ المُرْتَعِشِ وحركةِ المُخْتَارِ، فَتِلْكَ مُجْرَدُ فِعْلٍ مِنَ اللَّهِ تعَالَى لاَ كَسْبَ لِلعبدِ فِيهَا، وهذه منسوبةٌ إِلَيْهِ، وخُصَّتْ بِاسْمِ الْكَسْبِ فَاللَّهُ تعَالَى خَالِقُ أَفعَالِ العِبَادِ، وهي مُكْتَسَبَةٌ لَهُمْ، وحُجَّةُ اللَّهِ تعَالَى قَائمةٌ عليهم، فَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، ولاَ مَطْمَعَ فِي الوصولِ إِلَى كَشْفِ ذَلِكَ خَاليًا عَنِ الإِشكَالِ، وَالأُمُورُ إِذَا تعَارَضَتْ صِرْنَا إِلَى أَقْرَبِ احتمَالٍ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ، وإِليه المَرْجِعُ. ص: ومِنْ ثَمَّ الصّحيحُ أَنَّ القدرةَ لاَ تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ وأَنَّ الْعَجْزَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُقَابِلُ القدرةَ تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ لاَ الْعَدمِ وَالْمَلَكَةِ. ش: فِيهِ مسأَلتَانِ: الأُولَى: ذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ وأَكثرُ أَصحَابِهِ إِلَى أَنَّ القدرةَ علَى الفِعْلِ لاَ تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ؛ لاستحَالةِ اجتمَاعِهِمَا، فَاستطَاعةُ الإِيمَانِ توفِيقٌ وَاستطَاعةُ الكُفرِ خِذْلاَنٌ، ولاَ تَصْلُحُ إِحْدَاهُمَا لِمَا تصلحُ لَهُ الأُخْرَى. وقَالَ القَلاَنِسِيُّ مِنْ أَصحَابِنَا: إِنَّهَا تَصْلُحُ لَهُمَا علَى الْبَدَلِ، وَحَكَاهُ الأَستَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ سُرَيْجٍ، ومعنَاهُ أَنهَا/ (٢٦٣/ب/م) إِنِ اقْتَرَنَتْ بِالإِيمَانِ صَلُحَتْ له دُونَ الكُفْرِ، وإِنِ اقْتَرَنَتْ بِالكُفْرِ صَلُحَتْ له دُونَ الإِيمَانِ. وقَالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تصلحُ لهمَا، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ الاستغنَاءُ عَنْ تجديدِ الإِمدَادِ، وهو

стр. 822

مُحَالٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وأَنَا علَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ)) فأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ رَبِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ لافْتِقَارِهِ إِلَى استطَاعةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ، وفِي التَّنْزِيلِ ﴿فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ فَدَلَّ علَى أَنَّ استطَاعةَ الهُدَى لاَ تصلحُ لِلضلاَلِ، وأَصلُ الخِلاَفِ فِي هذه المَسْأَلَةِ أَنَّ الاستطَاعةَ مَعَ الفعلِ أَو قبلَهُ؛ فَمَنْ قَالَ: هي مَعَهُ ـ وهو الصّحيحُ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ ـ مَنَعَ صلاَحِيَّةَ الْقُدْرَةِ لِلضِّدَّيْنِ، ومَنْ قَالَ قَبْلَهُ، جَوَّزَ ذلكَ. الثَانِيَةُ: اخْتُلِفَ فِي حقيقةِ العَجْزِ؛ فقَالَ المتكلمون: هو صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائمةٌ بِالعَاجزِ ـ تُضَادُّ القدرةَ، وَالتقَابُلُ بَيْنَهُمَا تقَابُلُ الضِّدَّيْنِ، وقَالَ الفلاَسفةُ: هو عَدَمُ القدرةِ مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ قَادرًا وَالتقَابُل بَيْنَهُمَا تقَابُلُ العَدَمُ وَالْمَلَكَةُ وتَوَقَّفَ الإِمَامُ فِي (الْمُحَصِّلِ) فِي ذَلِكَ، وَاختَارَ فِي (الْمَعَالِمِ) الثَّانِي؛ لأَنَّا مَتَى تَصَوَّرْنَا هذَا الْعَدَمَ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ عَاجِزًا، وإِنْ لَمْ نَعْقِلْ مِنْهُ أَمرًا آخَرَ؛ فَدَلَّ علَى أَنَّهُ لاَ يُعْقَلُ مِنَ الْعَجْزِ إِلاَّ هذَا الْعَدَمُ. تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَجْهُ بِنَاءِ هَاتَيْنِ المسأَلَتَيْنِ علَى مَسأَلةِ خَلْقِ الأَفْعَالِ ـ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ المُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: ومِنْ ثَمَّةَ ـ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ تَأْثِيرٌ بِقُدْرَتِهِ وأَنَّ القدرةَ فِي الحَقِيقَةِ لِلَّه تعَالَى لَزِمَ مِنْهُ امتنَاعُ وُقُوعِ الفِعْلِ مِنْ قَادِرَيْنِ، وأَنَّ الْعَجْزَ ضِدُّ القدرةِ، ولَمَّا انْتَفَى عَنِ العَبْدِ تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ ثَبَتَ لَهُ الْعَجْزُ. ثَانِيهُمَا: وَجْهُ إِدخَالِ المُصَنِّفِ هذه المَسْأَلَةِ فِي مَسَائِلِ التَّصَوُّفِ ـ وهي مِنْ مَسَائِلِ الكلاَمِ ـ شِدَّةُ تَعَلُّقِهَا بِالحَقِيقَةِ البَاعثةِ علَى العملِ؛ فُإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ وأَفعَالَهَ وأَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشّرَائعِ، وأَخْفَى عَنِ العبَادِ مَا عَلِمَهُ مِنْ أَحوَالِهم؛ فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِهِ السّعَادةُ يَسَّرَهُ لِلطَّاعَةِ، ومَنَعَ مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِهِ

стр. 823

الشَّقَاوةُ مِنَ الطَّاعةِ، وَالأَعمَالُ بِالخوَاتِيمِ ومبنَاهَا علَى السَّابقةِ؛ فَالشّريعةُ خطَابُهُ عبَادَهُ بِتكَاليفِهِ، وَاْلحقيقةُ/ (٢٦٤/أَ/م) تَصَرُّفُهُ فِي خَلْقِهِ كَيْفَ يشَاءُ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الأَمرَانِ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ومَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ فَالحَقِيقَةُ بَاطِنُ الشّريعةِ، ولاَ يُغْنِي بَاطِنٌ عَنْ ظَاهرٍ، ولاَ ظَاهِرٌ عَن بَاطِنٌ. ص: ورَجَّحَ قَوْمٌ التَّوَكُّلَ وآخَرُونَ الاكتسَابَ وثَالِثٌ الاختلاَفَ، ومِنْ ثَمَّ قِيلَ: إِرَادةُ التّجريدِ مَعَ دَاعِيَةِ الأَسبَابِ شَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وسُلُوكُ الأَسبَابِ مَعَ دَاعِيَةِ التّجريدِ انْحِطَاطٌ عَنِ الذِّرْوَةِ الْعَلِيَّةِ، وَقَدْ يَأْتِي الشَّيْطَانُ بِاطِّرَاحِ جَانِبِ اللَّهِ تعَالَى فِي صُورَةِ الأَسبَابِ أَو بِالْكَسَلِ وَالتَّمَاهُنِ فِي صُورَةِ التَّوَكُّلِ، وَالْمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنْ هَذَيْنِ، ويَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ ولاَ يَنْفَعُنَا عِلْمُنَا بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ . ش: اخْتُلِفَ فِي التَّوَكُّلِ وَالاكتسَابِ أَيِّهِمَا أَرْجَحُ علَى أَقوَالٍ: أَحَدِهَا: التَّوَكُّلُ؛ لأَنَّهُ حَالُهُ ﵊، وحَالُ أَهْلِ الصِّفَةِ، وفِي الحديثِ الصّحيحِ فِي صِفَةِ الَّذِينَ يَدْخَلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابِ: ((وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) ولأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ مُجَاهدَاتٍ، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ. ثَانِيهَا: الاكْتِسَابُ؛ لِقولِهِ ﵊: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ أَطْيَبُ مِمَّا كَسَبَتْ يَدَاهُ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وفِيهِ أَيضًا مَرْفُوعًا: ((إِنَّ دَاودَ ـ

стр. 824

عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ كَانَ لاَ يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) ولأَنَّهُ فِعْلُ الأَكَابِرِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ. ثَالِثُهَا ـ وهو المُخْتَارُ ـ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ أَحوَالِ النَّاسِ؛ فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْفَاقَةِ ولَمْ يَسْخَطْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرِّزْقِ ولاَ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فَالتَّوَكُّلُ فِي حِقِّهِ أَفْضَلُ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ علَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وفِي الحديثِ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ علَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)). ومَنْ تَسَخَّطَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرِّزْقِ أَوِ اضْطَرَبَ قَلْبُهُ، أَوْ تَشَوَّفَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَالْكَسْبُ لَهُ أَرْجَحُ، وفِي هذَا جَمْعٌ بَيْنَ اخْتِلاَفِ الأَدِلَّةِ، وهو نَظِيرُ جَوَازِ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ المَالِ لِمَنْ يَصْبِرُ علَى الإِضَاقَةِ، وكرَاهَتُهُ لِمَنْ لَيْسَ كذلكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ: وَعَلَيْهِ أَكثرُ أَهْلِ/ (٢٦٤/ب/م) الْمَعْرِفَةِ. وقَالَ بعضُهم: التَّوَكُّلُ حَالُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَالكَسْبُ سُنَّتُهُ؛ فَمَنْ ضَعُفَ عَنْ حَالِهِ فَلْيَسْلُكْ سُنَّتَهُ، وذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ أَنَّ فقيرًا كَتَبَ فَتْوَى: مَا تَقُولُ الفقهَاءُ فِي الفقيرِ الْمُتَوِجِّهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَسْبُ؟ فأَجَابَ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيْرَتَهُ: إِنْ كَانَ تَوَجُّهُهُ دَائمًا لاَ فترةَ فِيهِ فَالكَسْبُ عَلَيْهِ حرَامٌ، وإِنْ كَانَتْ لَهُ فِي بَعْضِ الأَوقَاتِ فترةٌ مَا فَالتَّكَسُّبُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ. قُلْتُ: وفِي جَعْلِ المُصَنِّفِ الاكتسَابَ فِي مُقَابَلَةِ التَّوَكُّلِ نَظَرٌ، فإِنَّ الاكتسَابَ لاَ يُنَافِي التَّوَكُلَّ، فإِنَّ التَّوَكُلَّ رُكُونُ القلبِ إِلَى اللَّهِ، وَالاعتمَادُ عَلَيْهِ، لاَ علَى السَّبَبِ فقد يَحْرُمُ ثَمْرَةُ السَّبَبِ مَعَ تعَاطِيهِ، وفِي الحديثِ أَنَّ رجلاً قَالَ: يَا

стр. 825

رسولَ اللَّهِ! أَرْسِلُ نَاقَتِي وأَتَوَكَّلُ، أَو أَعْقِلُهَا وأَتوكلُ؟ فقَالَ: ((اعْقِلْهَا وتوكَّلْ)) روَاه البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُه. (ورَوَى معَاويةُ بْنُ قُرَّةَ) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى علَى قَوْمٍ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ المتوكلون. فقَالَ: بَلْ أَنتم الْمُتَّكِلُونَ، أَلاَ أَخْبِرُكُمْ بِالمتوكِّلِينَ: رَجُلٌ أَلْقَى حَبّْهَ فِي بَطْنِ الأَرضِ، ثُمَّ تَوَكَّلَ علَى ربِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَعْنِي الْمُتِّكِلِينَ علَى أَموَالِ النَّاسِ. وقَالَ الْجُنَيْدُ: لَيْسَ التّوكُّلُ الكسبَ، ولاَ تَرْكَ الكسبِ؛ التَّوَكُّلُ سُكُونُ الْقَلْبِ إِلَى موعودِ اللَّهِ تعَالَى. قَالَ البَيْهَقِيُّ: فَعَلَى هذَا يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَكُونَ تجريدُ هذَا السُّكونِ عَنِ الكَسْبِ شرطًا فِي صِحَّةِ التّوكلِ، بَلْ هو مكتسبٌ بِظَاهرِ العِلْمِ مُعْتَمَدٌ بِقَلْبِهِ علَى اللَّهِ تعَالَى، كَمَا قَالَ بعضُهم: اكتسبْ ظَاهرًا وتَوَكَّلْ بَاطنًا؛ فهو مَعَ كَسْبِهِ لاَ يَكُونُ معتمدًا علَى كَسْبِهِ بَلْ معتمدًا فِي كفَايةِ أَمْرِهِ علَى اللَّهِ تعَالَى. قُلْتُ: فكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التّعبِيرُ بِقَوْلِهِ: ورَجَّحَ قَوْمٌ تَرْكَ الأَسبَابِ وقَوْمٌ: الاكتسَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ): يُشِيرُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بْنُ عطَاءِ اللَّهِ فِي كتَابِ (التَّنْوِيرُ فِي إِسقَاطِ التَّدْبِيرِ) قَالَ: طَلَبُكَ التَّجْرِيدَ مَعَ إِقَامةِ اللَّهِ إِيَّاكَ فِي الأَسبَابِ مِنَ الشّهْوَةِ الخَفِيَّةِ، وطَلَبُكَ الأَسبَابَ مَعَ إِقَامَةِ اللَّهِ إِيَّاكَ فِي التَّجْرِيدِ

стр. 826

انْحِطَاطٌ عَنِ الْهِمَّةِ الْعَلِيَّةِ. وَافْهَمْ ـ رحمك اللَّهُ ـ أَنَّ مِنْ شأَنِ العدوِّ أَنْ يأَتِيَكَ فِيمَا أَنتَ فِيهِ، فَيُحَقِّرُهُ عندَكَ؛ لِتَطْلُبَ غَيْرَ مَا أَقَامَكَ اللَّهُ فِيهِ، فَيُشَوِّشُ قَلْبَكَ ويَتَكَدَّرُ وقتُكَ/ (٢٦٥/أَ/م) وذلك أَنَّهُ يأَتِي لِلْمُتَسَبِّبِينَ فَيقولُ: لو تَرَكْتُمُ الأَسبَابَ وتَجَرَّدْتُمْ لأَشرقَتْ لَكُمُ الأَنوَارُ، ولَصَفَتْ مِنْكُمُ القلوبُ وَالأَسرَارُ، وكذلك َصَنَعَ فلاَنٌ وفلاَنٌ، ويَكُونُ هذَا الْعَبْدُ لَيْسَ مقصودًا بِالتجريدِ، ولاَ طَاقةَ لَهُ بِهِ، إِنَّمَا صلاَحُهُ فِي الأَسبَابِ فَيَتْرُكُهَا فَيَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُ، ويَذْهَبُ إِيقَانُهُ ويَتَوَجَّهُ إِلَى الطَّلَبِ مِنَ الخلقِ، وإِلَى الاهتمَامِ بِالرزقِ، وكذلكَ يأَتَي لِلْمُتَجِرِّدِينَ ويقولُ: إِلَى مَتَى تَتْرُكُونَ الأَسبَابَ؟ أَلمْ تعلموا أَنَّ ذَلِكَ يُطْمِعُ القلوبَ لِمَا فِي أَيدي النَّاسِ، ولاَ يُمْكِنُكَ الإِيثَارُ ولاَ القيَامُ بِالحقوقِ، وعِوَضُ مَا يَكُونُ مُنْتَظَرًا مَا يَفْتَحُ بِهِ عليك؛ فَلَوْ دَخَلْتَ فِي الأَسبَابِ بَقِيَ غيرُكَ منتظِرًا مَا يَفْتَحُ عَلَيْهِ مِنْكَ، ويكونُ هذَا الْعَبْدُ قَدْ طَابَ وَقْتُهُ، وَانْبَسَطَ نورُهُ، ووَجَدَ الرَّاحةَ بِالانقطَاعِ عَنِ الخَلْقِ، ولاَ يزَالُ بِهِ حتَّى يعودَ إِلَى الأَسبَابِ فَيُصِيبُهُ كُدْرَتُهَا ويَغْشَاهُ ظُلْمَتُهَا، ويعودُ الدَّائمُ فِي سَبَبِهِ أَحسنَ حَالاً مِنْهُ، وإِنَّمَا يَقْصِدُ الشّيطَانُ بِذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَ العِبَادَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وأَنْ يُخْرِجَهُمْ عَمَّا اختَارَ لَهُمْ إِلَى مُخْتَارِهِمْ لأَنفسِهم، ومَا أَدْخَلَكَ اللَّهُ فِيهِ تَوَلَّى إِعَانَتَكَ عَلَيْهِ، ومَا دَخَلْتَ فِيهِ بِنَفْسِكَ وَكَلَكَ إِلَيْهِ، وَقُلْ: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا. انْتَهَى. وفِيه تَنْبِيهٌ: علَى مَكِيدةٍ شَيْطَانِيَّةٍ، وهو أَنَّهُ قَدْ يَحُثَّ علَى السَّبَبِ، ويُوهِمُ لَهُ السُّنَّةَ دَاسًّا فِيهِ الرُّكُونَ إِلَيْهِ، وَاطِّرَاحِ جَانِبِ الرَّبِّ تعَالَى/ (٢١٠/أَ/د) وَقَدْ يَحُثُّ علَى التَّرْكِ مُوهِمًا أَنَّهُ فِي مَقَامِ التّوَكُّلِ، وإِنَّمَا هو عَجْزٌ ومَهَانَةٌ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ لِلْفَرْقِ، وحَذِرَ مِنْ تَمْوِيهِهِ وَاغتيَالِهِ. هذَا آخِرُ مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ، وكَانَ الفَرَاغُ مِنْ جَمْعِهِ وتَأْلِيفِهِ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ َالأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعَ ٍوعِشْرِينَ وثَمَانِي مِائَةٍ علَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ خَطُّ مُؤَلِّفِهِ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلاً وآخِرًا وظَاهِرًا وبَاطِنًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٌ، وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمْ تسليمًا كثيرًا إِلَى يومِ الدِّينِ، ورَضِي اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وعَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحسَانٍ إِلَى يومِ الدِّينِ، وحَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ.