← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لِلكَافِرِينَ﴾. وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى ربِّهَا، وقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ)) وأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِدُخُولِهِ الْجَنَّةَ، ورُؤْيَتِهِ فِيهَا قَصْرًا لِعُمَرَ، وَرَأَى النَّارَ وفِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ وَالْحِمْيَرِيَّةُ التي دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَالأَحَاديثُ فِي هذَا المَعْنَى كثيرةٌ، وأَنْكَرَتْ طَائفةٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وُجُودَهُمَا الآنَ، ثُمَّ مِنْهُم مَنْ أَحَالَ ذَلِكَ عَقْلاً، كَعَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيِّ، وَمِنْهُم مَنْ جَوَّزَهُ عَقْلاً، وقَالَ: إِنَّمَا عُرِفَ عَدَمُ خِلْقَتِهِمَا سَمْعًا كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وأَبِي هَاشِمٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ الآنَ، وأَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ إِلَى النَّارِ الآنَ غُدْوَةً وَعَشِيًّا. وَالقرآنُ يَدُلُّ علَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ السَّابعةِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. ورَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ فِي تَاريخِ أَصْبَهَانَ مِنْ طريقِ عَبِيدِ الْمَكْتَبِ عَنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا وَإِنَّ الْجَنَّةَ مِنْ وَرَائِهَا؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)).

стр. 772

ص: وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ نَصْبَ إِمَامٍ وَلَوْ مَفْضُولاً. ش: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ علَى المُبَادرةِ لِنَصْبِ إِمَامٍ بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ دَفْنِهِ وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ، وَالمُعْتَزِلَةَ: بِالعَقْلِ. وقَالَتِ الخوَارجُ: لاَ يَجِبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجِبُ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، دُونَ وقتِ الأَمْنِ، وعَكَسَهُ بعضُهم. وَخَرَجَ بقولِ المُصَنِّفِ: (علَى النَّاسِ) قَوْلُ الإِمَامِيَّةِ: إِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ علَى اللَّهِ تعَالَى. وأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ مَفْضُولاً) / (٢٤٥/ب/م) إِلَى انعقَادِ إِمَامةِ الْمَفْضُولِ، وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جمهورِ أَصحَابِنَا. وذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ وطَائفةٌ مِنْ قُدَمَاءِ أَصحَابِهِ إِلَى مَنْعِهِ؛ فُإِنْ عُقِدَتْ لَهُ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ لَمْ تَنْعَقِدْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا لاَ إِمَامًا فَتَمْضِِي أَحكَامُهُ، وهذَا يَقْتَضِي أَنَّ المَسْأَلَةَ اجتهَاديةٌ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً لَقَضَى العَاقِدُونَ لِلْمَفْضُولِ، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (الإِرْشَادِ). ص: ولاَ يَجِبُ علَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ. ش: وَمَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ ولاَ حُكْمَ إِلا َّلَهُ! فإِن قِيلَ: هو أَوْجَبَهُ علَى نَفْسِهِ، كمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ علَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قُلْنَا: ذَلِكَ إِحسَانٌ، وتَفَضُّلٌ لاَ إِيجَابٌ وَالتزَامٌ، وأَوْجَبَ المُعْتَزِلَةُ علَى اللَّهِ اللُّطْفَ، وهو فَعْلُ مَا يُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى الطَّاعةِ وَالثوَابُ علَى الطَّاعةِ وَالعقوبةُ علَى الكبَائرِ قَبْلَ التّوبةِ، وفِعْلُ الأَصْلحِ لِعِبَادِهِ فِي الدّنيَا.

стр. 773

ص: وَالمَعَادُ الجِسْمَانِيُّ بَعْدَ الإِعدَامِ حَقٌّ. ش: القرآنُ مَشْحُونٌ بِالدِّلاَلَةِ علَى ذَلِكَ، قَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ فِي الأَربعين: الْجَمْعُ بَيْنَ إِنكَارِ الْمَعَادِ الجِسْمَانِيِّ وَبِأَنَّ القرآنَ حَقٌّ مُتَعَذَّرٌ؛ فُإِنَّ نصوصَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ توَاترَتْ بِهِ توَاترًا لاَ يَقْبَلُ التّشكيكَ. انْتَهَى. وإِنَّمَا قَيَّدَ/ (١٩٨/أَ/د) المُصَنِّفُ بِالجِسْمَانِيِّ؛ لأَنَّ الأَروَاحَ بَاقيةٌ لَمْ تَقْدُمْ+. وأَنْكَرَ الفلاَسفةُ وطَائفةٌ مِنَ النّصَارَى المَعَادَ الْجِسْمَانِيِّ وأَثْبَتُوا ذَلِكَ لِلرُّوحِ فَقَطْ، وأَنْكَرَ الدَّهْرِيَّةُ (وَالمَلاَحِدَةُ) الجِسْمَانِيَّ وَالرُّوحَانِيَّ، وتَوَقَّفَ جَالِينُيوسُ فِي هذه المَذَاهِبِ، وحَكَى الإِمَامُ فِي الأَربعينَ إِثبَاتَ المَعَادِ الجِسْمَانِيِّ دُونَ الرُّوحَانِيِّ. قَالَ الشَّارِحُ: وهذَا لاَ يُعْقَلُ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الأَروَاحَ لَمْ تَقْدُمْ فِيمَا أُعِيدَ إِلاَّ الأَجسَامَ. فَإِنْ قُلْتَ: هذَا هو القَوْلُ الأَوَّلُ. قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الأَروَاحَ تَفْنَى عِنْدَ القيَامة ِأَمْ لاَ؟ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجِيءُ مِنْ ذَلِكَ قولاَنِ، وَالعَجَبُ مِنْ تَلَقِّي بَعْضِ الجُهَّالِ أَصُولَ دِينِهِ مِنَ الفلاَسفةِ، وَقَدْ زَادُوا علَى عَبَدَةِ الأَوثَانِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ/ (٢٤٦/أَ/م) فِي إِنكَارِ المَعَادِ، بِالقولِ بِقِدَمِ العَالَمِ، وعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وكَذَّبُوا جَمِيعَ الأَنبيَاءِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ مُوَالاةِ أَعدَائِهِ. ص: ونَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ فَعُمَرُ فَعُثْمَانُ فَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ المؤمنينَ ﵃ أَجْمَعِينَ. ش: أَمَّا كَوْنُ خَيْرِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبَا بَكْرٍ َفهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، ولاَ يُقَيَّدُ بِخِلاَفِ الرَّوَافِضِ فِي تقديمِهم عَلِيًّا، ولاَ بِمُخَالَفَةَ مَنْ فَضَّلَ العَبُّاسَ، وفِي صحيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: قُلْتُ

стр. 774

لأَبي: أَيِّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. وأَمَّا كَوْنُهُ خَلِيفَةً فَقَدْ كَانَ الصّحَابةُ ﵃ يُخَاطِبُونَهُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإِشَارةِ وَالاسْتِنْبَاطِ لاَ بِطريقِ النَّصِّ وَالتصريحِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعرَابِ﴾ الآيَةُ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ هو الذي دَعَا الأَعْرَابَ إِلَى جِهَادِ بَنِي حَنِيفَةَ، وكَانوا أُولِي بَأَسٍ شَدِيدٍ، وقُوتِلُوا لِيُسْلِمُوا لاَ لِيَبْذُلُوا الجزيةُ، وكَانَ قتَالُهم بِأَمرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الطَّاعةَ لأَبِي بَكْرٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وهي كَالنَّصِّ علَى خلاَفَتِهِ. ومِنْهَا أَنَّهُ ﵊ اسْتَخْلَفَهُ فِي الصّلاَةِ أَيَامَ مَرَضِهِ، فَيُلْحَقُ بِهَا غيرُهَا؛ ولِذَلِكَ قَالُوا لَهُ: قَدْ رَضِيَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلاَ نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟! ومِنْهَا: مَا فِي الصّحيحَيْنِ عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ: أَتَتْ امْرَأَة ُالنَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فقَالَتْ: إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ تَعْنِي الْمَوْتَ ـ فقَالَ: ((إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي هذَا دَلِيلٌ علَى أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ . ومِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيضًا عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ـ

стр. 775

فِي اليومِ الذي بُدِئَ فِيهِ ... الحَدِيثُ، وفِيهِ: ((ادْعُ لِي أَبَاكِ وأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا/ (٢٤٦/ب/م) فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، ويَقُولُ قَائِلٌ، ويَأَبَى اللَّهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ)). ومِنهَا: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، َ رَأَيْتُنِي علَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٍ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاء اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبَى قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ استحَالَتْ غَرَبًا فأَخذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ فَلَمْ أََرَ عَبْقِرَيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِع ُنَزْعَ عُمْرَ حتَّى ضَرَبَ النَّاسَ بِعَطَنٍ)). وَقَوْلُهُ: ((وفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ)) أَشَارَ بِهِ إِلَى قِصَرِ مُدَّتِهِ، وشُغْلِهِ بِالحربِ لأَهلِ الرِّدَّةِ عَنِ الافتتَاحِ. وَقَوْلُهُ: (ذنَوُبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) إِشَارةٌ إِلَى مُدَّتِهِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ سَنَتَيْنِ وأَشْهُرًا، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (ذَنُوبَيْنِ) من غَيْرِ شَكٍّ. فإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الاستخلاَفَ: إِنْ أَسْتَخْلِفُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خيرٌ مِنِّي ـ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ ـ وإِنْ أَتْرُكُكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هو خَيْرٌ مِنِّي ـ يَعْنِي: رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَسْتَخْلِفْ نَصًّا أَوْ تَصْرِيحًا كَمَا قَدَّمْتُهُ. وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ دَلِيلٌ علَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ، وهو إِجمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى.

стр. 776

وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كتَابِ (السِّيَاسَةِ وَالإِمَامَةِ) أَنَّ الْحَسَنَ البَصْرِيِّ سُئِلَ هَلْ اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ؟ فقَالَ: إِيْ، وَالذي لاَ إِلهَ إِلاَّ هو اسْتَخْلَفَهُ، وهو كَانَ أَعْلَمُ بَاللَّهِ، وأَتْقَى لَهُ مِنْ أَنْ يَتَوَثَّبَ عَلَيْهَا لَوْ لَمْ يأَمُرْهُ. وَاختَارَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ حَزْمٍ. وأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ ﵁ يَلِيَهُ فِي الفضِيلةِ؛ فأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وفِي صحيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي سؤَالِهِ لأَبِيهِ عَنْ خيرِ النَّاسِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: عُمُرُ. وفِي صحيحِ الْبُخَارِيِّ أَيضًا عَن ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ/ (٢٤٧/أَ/م). وهو فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الأَكثرِينَ. وفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ: فَيَسْمَعُ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَلاَ يُنْكِرَهُ علينَا. وهو صَرِيحٌ فِي الرَّفْعِ، وَالخِلاَفُ بَيْنَ عُثْمَانَ وعَلِيٍّ مشهورٌ، وَالأَكثرونَ علَى تفضِيلِ عُثْمَانَ، وحُكِيَ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةَ تفضِيلُ عَلِيٍّ. وفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالثٌ بِالْوَقْفِ فِي ذَلِكَ، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مَالكٍ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ علَى أَنَّ أَفضلَ النَّاسِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَبُو/ (١٩٩/أَ/د) بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ووَقَفَ أَوَائِلُهم فِي عُثْمَانَ وعَلِيٍّ, قَالَ: فَأَمَّا اليومَ فَلاَ تَخْتَلِفُونَ أَنَّ التَّرْتِيبَ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، قَالَ: وعليه عَامَّةُ أَهْلِ الحديثِ مِنْ زَمَنِ أَحَمْدَ بْنِ حَنْبَلَ، وهَلُمَّ جَرَّا. انْتَهَى. وَاخْتَلَفَ فِي أَنَّ التَّرتيبَ المذكورَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِيٌّ، وبِالأَوَّلِ قَالَ الأَشْعَرِيُّ، وبِالثَّانِي قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، ومِنَ الغريبِ مَا فِي تَعْلِيقِ القَاضِي حُسَيْنٍ فِي

стр. 777

بَابِ إِمَامَةِ المرأَةِ: مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ الْخِتْنَيْنِ يَعْنِي الصِّهْرَيْنِ عُثْمَانَ وعَلِيٍّ هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ يُفَسَّقُ؟ وجهَانِ. ص: وبرَاءةُ عَائشةَ مِنْ كُلِّ مَا قُذِفَتْ بِِهِِ. ش: لأَنَّ القرآنَ العظيمَ نَزَلَ بِبَرَاءَتِهَا، وشَهِدَ بِأَنَّهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَمَنْ قَذَفَهَا فَقَدْ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ القرآنَ. ص: وَنُمْسِكُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ ونَرَى الْكُلَّ مأَجورِينَ. ش: لأَنَّ عدَالَتَهُمْ ثَابِتةٌ بِالنَّصِّ فَلاَ يَزُولُ بِالاحتمَالِ وَالاجتهَادِ، ومَا صَدَرَ مِنْهُم مِمَّا قَدْ يُنْكِرُ مِنْ غيرِهِمْ فَهُمْ فِيهِ مأَجورُونَ؛ لأَنَّهُمْ إِنَّمَا قَصَدُوا بِهِ إِقَامَةَ الدِّينِ فَهُمْ مأَجورُونَ عَلَى اجتهَادِهِمْ، مَنْ وَافَقَ مِنْهُمُ الصَّوَابَ وَمَنْ أَخْطَأَه. ُ وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولاَ نَصِيفَهُ)) وفِي هذَا الحديثِ اليَأْسُ مِنْ بلوغِ مَنْ بَعْدَهُمْ مرتبةَ أَحَدِهِمْ فِي الْفَضْلِ؛ فَإِنَّ هذَا المفروضَ مِنْ مِلْكِ الإِنسَانِ ذَهَبًا بِقَدْرِ أُحُدٍ مُحَالٌ فِي العَادةِ لَمْ يَتَّفِقْ لأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ وإِنفَاقِهِ فِِي وُجُوهِ الْخَيْرِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ ثوَابُ الوَاحِدِ مِنَ الصّحَابةِ/ (٢٤٧/ب/م) ﵃ إِذَا تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مُدٍّ وَلَوْ مِنْ شَعِيرٍ، وذلكَ بِالتقريبِ رِبْحُ قَدَحٍ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ، وذلكَ إِذَا طَحَنَ وعَجَنَ لاَ يَبْلُغُ رَغِيفًا علَى الْمُعتَادِ، ومَنْ تَدَبَّرَ هذَا الحديثَ لَمْ يَجِدْ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابةِ شيئًا أَبْلَغَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وأَنَّ الشَّافِعِيَّ ومَالِكًا وأَبَا حَنِيفَةَ وَالسُّفْيَانَيْنِ وأَحْمَدَ وَالأَوْزَاعِيَّ وإِسْحَاقَ ودَاوُدَ وسَائِرَ أَئِمَّةِ المسلمين علَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.

стр. 778

ش: خِلاَفًا لِمَنْ حَمَلَهُ التَّعَصُّبُ وَالْجَهْلُ علَى القَدْحِ فِي بعضِهم، ومنَاقِبُهُمْ مأَثورةٌ، وفضَائِلُهُمْ مشهورةٌ، ومَنْ طَالَعَ التّوَاريخَ تَيَقَّنَ ذَلِكَ، ويَكْفِي فِي انتشَارِ عِلْمِهِمْ وتَقَرُّرِ جَلاَلَتِهِمْ علَى مَدَى الأَزمَانِ، وذلك لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ علَى أَنْ يَصْنَعَهُ لِنَفْسِهِ ولاَ لِغيرِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ دَاوُدَ مِنَ الأَئِمَّةِ المتبوعِينَ وعُظِّمَ شَأْنُهُ: ولاَ عِبْرَةَ بِقَوْلِ بَعْضِ أَصحَابِنَا: إِنَّهُ لاَ يَتَعَدَّ بِخِلاَفِهِ فِي الْفُروعِ علَى الإِطلاَقِ. ص: وأَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ. ش: وَصَفَهُ بِذَلِكَ الأَئِمَّةُ، فقَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسمَاعِيلِيِّ: أَعَادَ اللَّهُ هذَا الدِّينَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وأَبِي نُعَيْمٍ الإِسْتَرَابَاذِيِّ. وقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ: لَوْ أَتَى اللَّهَ/ (١٩٩/ب/د) بِقُرَابِ الأَرْضِ ذُنُوبًا رَجَوْتُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ؛ لِدَفْعِهِ عَنْ دِينِهِ. وقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَفْضَلُ أَحوَالِي أَنْ أَفْهَمَ كلاَمَ أَبِي الْحَسَنِ. وقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرِبِيِّ: كَانَتْ المُعْتَزِلَةُ قَدْ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ حتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الأَشْعَرِيَّ فَحَجَزَهُمْ فِي أَقمَاعِ السّمَاسِمِ. وَقَدْ اختلق عَلَيْهِ الْكَرَّامِيَّةُ وَالْحَشَوِيَّةُ أَشيَاءَ أَرَادُوا بِهِ شَيْنَهُ وعَيْبَهُ أَو لَمْ يَفْهَمُوا عَنْهُ مرَادَهُ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ علَى لِسَانِ الحَافظِ أَبِي القَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ فِي كتَابِهِ (تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ لِلأَشْعَرِيِّ). وقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ البَاجِيِّ: قَدْ نَاظَرَ ابْنُ عُمَرَ مُنْكِرِي الْقَدَرَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِم بِالحديثِ، ونَاظَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الخَوَارِجَ، ونَاظَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِي

стр. 779

حَفْصًا الْفَرْدَ+، وسَائِرُ الأَئِمَّةِ، وأَلَّفَ فِيهِ مَالكٌ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الأَشْعَرِيُّ، وإِنَّمَا بَيَّنَ الأَشْعَرِيُّ ـ ومَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ـ مَنَاهِجَهُمْ وَوَسَّعَ أَطْنَابَ الأُصُولِ الَّتِي أَصَّلُوهَا فَنُسِبَتْ بِذَلِكَ إِلَيْهِ، كَمَا نُسِبَ/ (٢٤٨/أَ/م) مَذْهَبُ الْفِقْهِ علَى رأَي أَهْلِ المدينةِ إِلَى مَالكٍ ورأَيِ الكوفِيين إِلَى أَبِي حنيفةَ؛ لَمَّا كَانَ هو الذي صَحَّ مِنْ أَقوَالِهِمْ مَا وَصَّى بِهِ النَّاسَ. ص: وأَن أَبَا الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ. ش: أَشَار بِذَلِكَ إِلَى الْحَضِّ علَى اتِّبَاعِ طريقِ السَّلَفِ الصُّوفِيَّةِ، ونَبْذِ طَرَائِقِ مُتأَخِّرِيهِمُ الفَاسدةِ، التي خرجوا بَابتدَاعِهم فِيهَا عَنِ الحَدِّ، وسَلَّمُوا أَمْرَ دِينِهِمْ لِلْفلاَسفةِ أَو لِلشيطَانِ الرَّجِيمِ، وخَصَّ الْجُنَيْدَ بِالذِّكْرِ لأَنَّهُ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ، ويُحْكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ اجْتَازَ مجلسَه فَسَمِعَ كلاَمَه، فقيل له: مَا تقولُ فِي هذَا؟ فقَالَ: لاَ أَدْرِي مَا أَقولُ، ولكن أَرَى لهذَا الكلاَمِ صَوْلَةً لَيْسَتْ بِصَوْلَةِ مُبْطِلٍ، ثُمَّ صَحِبَهُ ولاَزَمَهُ، وكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الأُصُولِ وَالفروعِ أَذْهَلَ العُقُولَ، ويقولُ: هذَا بِبَرَكَةِ مُجَالَسَِةِ أَبِِي القَاسِمِ. وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كِلاَبٍ: إِنَّكَ تُكَلِّمُ علَى كلاَمِ كُلِّ أَحَدٍ، وهُنَا رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ، فَانْظُرْ هَلْ تَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أَمْ لا؟ فَحَضَرَ حَلْقَتَهُ فَسَأَلَ الْجُنَيْدَ عَنِ التَّوْحِيدِ فأَجَابَهُ، فَتَحَيَّرَ عَبْدُ اللَّهِ، وقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ مَا قُلْتَ، فأَعَادَ، ولَكِنْ لاَ بِتَلْكَ العِبَارَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هذَا شَيْءٌ آخَرُ لَمْ أَحْفَظْهُ، أَعِدْهُ عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى، فأَعَادَهُ بِعبَارةٍ أُخْرَى، فقَالَ عبدُ اللَّهِ: لَيْسَ يُمْكِنَنِي حِفْظُ مَا تقولُ أَمْلِهْ عَلَيَّ، فقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَجَزْتَهُ فَأَنَا أَمْلِيهِ، فقَامَ عَبْدُ اللَّهِ، وقَالَ بِفَضْلِهِ وَاعْتَرَفَ بِعُلَوِّ شأَنِهِ. ومِنْ كلاَمِ الْجُنَيْدِ: الطّريقُ إِلَى اللَّهِ مَسْدُودٌ علَى خَلْقِهِ إِلاَّ علَى الْمُقْتَفِينَ آثَارَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وقَالَ: مَنْ لَمْ يَحْفَظِ القرآنَ، ويَكْتُبِ/ (٢٠٠/أَ/د) الحديثَ لَمْ

стр. 780

يَقْتَدِ بِهِ فِي هذَا الأَمرِ؛ لأَنَّ عِلْمَنَا مُقَيَّدٌ بِالكتَابِ وَالسُّنَّةِ. وقَالَ: إِنِي لَيَخْطُرُ لِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلاَ أَقْبَلُهَا إِلاَّ بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ. ص: ومِمَّا لاَ يَضَرُّ جَهْلُهُ، وتَنْفَعُ معرفَتُهُ ِالأَصَحُّ إِنَّ وُجُودَ الشّيءِ عَيْنُهُ، وقَالَ كثيرٌ مِنْهُم غَيْرَهُ/ (٢٤٨/ب/م). ش: شَرَعَ فِي القِسْمِ الثَّانِي مِنْ قِسْمِي أَصُولِ الدِّينِ، وهو مَا لاَ يجبُ معرفتُه فِي العقَائدِ، وإِنَّمَا هو مِنْ رِيَاضَاتِهِ، فَيَنْفَعُ معرفتُه ولاَ يَضُرُّ جَهْلُهُ؛ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ هَلْ هو عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ أَوْ زَائدٌ عَلَيْهَا؟ وبِالأَوَّلِ قَالَ الأَشْعَرِيُّ. وَالثَّانِي مَحْكِيٌّ عَنِ المُعْتَزِلَةِ، وَاختَارَهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ.\ وقَالَ الفلاَسفةُ: هو عَيْنُ المَاهِيَّةِ فِي القديمِ وزَائِدٌ عَلَيْهَا فِي الحَادِثِ. ص: فَعَلَى الأَصَحِّ الْمَعْدُومِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولاَ ذَاتٍ ولاَ ثَابِتٍ وكذَا علَى الآخَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ. ش: اخْتُلِْفَ فِي أَنَّ الْمعدومَ؛ هَلْ يُقَالُ له فِي حَالِ عَدَمِهِ: شَيْءٌ، وذَاتٌ، وثَابِتٌ، أَمْ لاَ؟ وبِالثَّانِي قَالَ الأَشَاعِرَةُ وأَبُو الْحُسَيْنِ البَصْرِيُّ. وبِالأَوَّلِ قَالَ أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ، وَمَحَلِّ الخِلاَفِ فِِي المعدومِ الذي هو مُمْكِنُ الوُجُودِ؛ فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعُ الوُجُودِ لِذَاتِهِ كَاجتمَاعِ الضِّدَّيْنِ وقَلْبِ الحقَائقِ فَلاَ يُسَمَّى شيئًا، بلاَ خلاَفٍ.

стр. 781

وَوَجْهُ تَفْرِيعِ هذه المَسْأَلَةِ علَى الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنِهِ فَالمعدومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّهُ مَتَى زَالَ الوُجُودُ لَزِمَ القَطْعُ بِزَوَالِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَوْ كَانَ شيئًا لَزِمَ اجتمَاعُ النّقيضِيْنِ وهُمَا الوُجُودُ وَالعَدَمُ. وإِنْ قُلْنَا: زَائِدٌ علَى المَاهِيَّةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ شَيْءٌ؛ لانْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ، وقَالَ الأَكْثَرُونَ: لَيْسَ بِشيْءٍ؛ لِتلاَزُمِهِمَا. ص: وأَنَّ الاسْمَ الْمُسَمَّى. ش: هذَا قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ، وحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى. وقَالَ المُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُ غيرُهُ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تفسيرِهِ: مَرَّ بِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنِ الاسْمِ أَهو الْمُسَمَّى؟ فقَالَ: لَيْسَ بِهِ ولاَ غَيْرُهُ. يريدُ دَائمًا فِي كُلِّ موضعٍ. وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي تفسيرِهِ: إِنْ كَانَ المُرَادُ بِالاسْمِ هذَا اللّفْظَ الذي هو أَصوَاتٌ، وبِالمُسَمَّى تِلْكَ الذَّوَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فهو غَيْرُ الْمُسَمَّى، وإِنْ كَانَ المُرَادُ بِالاسمِ ذَاِتَ المُسَمَّى، وبِالمُسَمَّى أَيضًا تِلْكَ الذَّاتَ كَانَ قولُنَا: الاسمُ هو المُسَمَّى معنَاه أَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ عَيْنُ ذَاتِ ذَلِكَ الشَّيْءِ/ (٢٤٩/أَ/م) وهذَا وإِنْ كَانَ حَقًّا، إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الوَاضحَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَوْضَ فِي هذه المَسْأَلَةِ علَى جَمْعِ التَّقْدِيرَاتِ تَجْرِي مَجْرَى الْعَبَثِ. وقَالَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي (شَرْحِ الْمُفَصَّلِ): لاَ خِلاَفَ: أَنَّهُ يُطْلَقُ الاسمُ علَى الْمُسَمَّى وهو التَّسْمِيَةُ، وإِنَّمَا الخِلاَفُ هَلْ هو فِي التَّسْمِيَةِ مَجَازٌ، وفِي الْمُسَمَّى حقيقةٌ أَو العَكْسُ؟

стр. 782

وَالأَوَّلُ مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ. وَالثَّانِي مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وهو خِلاَفٌ لَفْظِيٌّ لاَ يَتَعَلَّقُ بَاعتقَادٍ ولاَ بِحقيقةٍ، وفِي القرآنِ ظوَاهرٌ (٢٠٠/ب/د) فِي المَذْهَبَيْنِ، قَالَ تعَالَى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسمَاءً﴾ ﴿سَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وعَلَى هذَا مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ، وقَالَ تعَالَى: ﴿أَنْبِؤُونِي بأَسمَاءِ هَؤُلاَءِ﴾ ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وهذَا علَى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وقَالَ الشَّارِحُ: مَنْشَأُ الخِلاَفِ فِي هذه المَسْأَلَةِ أَنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمَّا أَحْدَثُوا القَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وأَسمَاءِ اللَّهِ قَالُوا: إِنَّ الاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى؛ تَعْرِيضًا بِأَنَّ أَسمَاءَ اللَّهِ تعَالَى غيرُهُ، وكُلُّ مَا سِوَاهُ مخلوقٌ، كَمَا فَعَلُوا فِي الصِّفَاتِ حيثُ لَمْ يُثْبِتُوا حقَائِقَهَا بَلْ أَحكَامِهَا؛ تَعَلُّقًا بِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، فَلَوُ كَانَ لَهُ صفَاتٌ لَزِمَ تعدُّدُ القديمِ، ومَوَّهُوا علَى الضّعفةِ بِأَنَّ الاسمَ مِنْ جِنْسِ الأَلفَاظِ وَالْمُسَمَّى لَيْسَ بِلَفْظٍ. وقَالُوا: الاسمُ اللَّفْظُ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِي الأََزَلِ اسمٌ ولاَ صِفَةٌ، فَلَزِمَهُمْ نَفْيُ صِفَةِ الإِلَهِيَّةِ، تعَالَى اللَّهُ عَن ذلكَ. ولَمَّا رَأَى أَهْلُ الحَقِّ مَا فِي هذه المقَالةِ مِنَ الدّسيسةِ أَنكرُوهَا، ونَفَرُوا عَنْهَا حتَّى قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: إِذَا رأَيْتَ الرَّجُلَ يقولُ: الاسمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَاشهدُوا عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ.

стр. 783

وعَارَضَهُمْ مَنْ قَالَ: الاسمَ هو المُسَمَّى، ولم يقصدُوا بِهِ أَنَّ نَفْسَ اللّفْظِ هو حقيقةُ الذَّاتِ؛ فَإِنَّ فسَادَ ذَلِكَ معلومٌ بِالبديهةِ، وإِنَّمَا قَصَدُوا بِهِ دَفْعَ تَمْوِيهِهِمْ، وأَنَّ الاسمَ حَيْثُ ذُكِرَ بِوَصْفٍ َأَو خَبَرٍ عَنْهُ، فإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمُسَمَّى، ولَوْلاَ هو لَمْ يُذْكَرْ أَصْلاً، وَاستشهدُوا (٢٤٩/ب/م) بِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وإِنَّمَا سَبَّحَ الرَّبُّ ، وَقَوْلُهُ: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا يَحْيَى﴾ فنَادَى الاسمَ، وإِنَّمَا المَقْصُودُ المُسَمَّى، انْتَهَى. وقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو حَامِدٍ بْنُ السُّبْكِيِّ ـ أَخُو المُصَنِّفِ ـ فِي مَا كتَبَهُ الإِمَامُ علَى (مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ): وَجْهُ التَّحقيقِ فِيهَا علَى مَا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ أَفوَاهِ مشَايِخِنَا ﵃ أَنْ يُقَالَ: إِذَا سَمَّيْتَ شيئًا بِاسْم؛ ِ فَالنَّظَرُ فِي ثلاَثةِ أَشيَاءٍ: ذَلِكَ الاسمُ وهو اللَّفْظُ، ومعنَاهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ، ومعنَاهُ بعدَ التَّسْمِيَةِ وهو الذَّاتُ التي أُطْلِقَ اللّفْظُ عَلَيْهَا، وَالذَّاتُ وَاللَّفْظُ متغَايرَانِ قَطْعًا، وَالنُّحَاةُ إِنَّمَا يُطْلِقُونَ الاسمَ علَى اللَّفْظِ؛ لأَنَّهم إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الأَلفَاظِ، وهو غَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالذَّاتُ هي الْمُسَمَّى عِنْدَ الفريقَيْنِ، وَلَيْسَ هو الاسمُ قَطْعًا، وَالخِلاَفُ فِي الأَمْرِ الثَّالِثِ: وهو معنَى اللّفْظِ قَبْلَ التَّلْقِيبِ، فَعَلَى قوَاعدِ المُتَكَلِّمِينَ يُطْلِقُونَ الاسمَ عَلَيْهِ، ويَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ الثَّالِثُ أَمْ لاَ؟ فَالخِلاَفُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ فِي الاسمِ المَعْنَوِيِّ هَلْ هو المسمَّى أَمْ لاَ؟ لاَ فِي الاسمِ اللّفظِيِّ، وأَمَّا النُّحَاةُ فَلاَ يُطْلِقُونَ الاسمَ علَى غَيْرِ اللّفظِ؛ لأَنَّ صِنَاعَتَهُمْ إِنَّمَا تَنْظُرُ فِي الأَلفَاظِ وَالمتكلِّمُ لاَ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، ولاَ يَمْنُعُ هذَا الإِطلاَقَ؛ لأَنَّهُ إِطلاَقُ الاسْمِ المدلولِ علَى الدَّالِ، ويزيدُ شيئًا آخَرَ وعَاهُ عِلْمُ الكلاَمِ إِلَى تحقيقِهِ فِي مسأَلةِ

стр. 784

الأَسمَاءِ وَالصفَاتِ وإِطلاَقِهَا علَى البَارِي تعَالَى، علَى مَا هو مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. ومِثَالُ ذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: عَبْدُ اللَّهِ أَنْفُ النَّاقَةِ؛ فَالنُّحَاةُ يُرِيدُونَ بِاللَّقَبِ لَفْظَ أَنْفِ النَّاقَةِ، وَالمتكلمون يريدونَ معنَاه، وهو مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ مدحٍ أَو ذَمٍّ، وَقَوْلُ النُّحَاةِ: إِنّ اللَّقَبَ ـ ويَعْنُونَ بِهِ اللّفْظَ ـ مُشْعِرٌ بِضِعَةٍ/ (٢٠١/أَ/د) أَوْ رِفْعَةٍ ـ لاَ يُنَافِيهِ؛ لأَنَّ اللّفْظَ يُشْعِرُ لِدلاَلَتِهِ علَى المَعْنَى، وَالمَعْنَى فِي الحَقِيقَةِ هو المُقْتَضِي لِلضِّعَةِ أَوِ الرِّفْعَةِ، وذَاتُ عَبْدِ اللَّهِ هي الْمُلَقَّبُ عِنْدَ الفريقَيْنِ، فهذَا تنقيحُ مَحَلِّ الخِلاَفِ فِي هذه المسأَلةِ، فَلْيُتَأَمَّلُ؛ فَإِنَّهُ تَنْقِيحٌ حَسَنٌ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الخِلاَفَ فِي أَنَّ الاسمَ/ (٢٥٠/أَ/م) هو المُسَمَّى أَمْ غَيْرُهُ خَاصٌّ بِأَسمَاءِ الأَعلاَمِ الْمُشْتَقَّةِ لاَ فِي كُلِّ اسمٍ. انْتَهَى. ص: وأَنَّ أَسمَاءَ اللَّهِ تعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ. ش: هذَا مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ إِلَّا إِنْ وَرَدَ التّنصيصُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ القَطْعُ، وَالصَّحِيحُ ـ كمَا قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي (الْمُرْشِدُ) الاكتفَاءُ بِالظوَاهِرِ، وأَخبَارُ الآحَادِ كَسَائرِ الأَحكَامِ، لَكِنْ لاَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ القِيَاسُ. ثُمَّ هَلْ يُكْتَفَى بِالإِطلاَقِ مَرَّةً أَوْ لاَ بُدَّ مِنَ التّكرَارِ أَوِ الكثرةِ؟ فِيهِ رأَيَانِ، وذهبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى جَوَازِ تَسْمِيَتِهِ بِكُلِّ مَا لاَقَ بِجَلاَلِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، إِلاَّ أَنْ يُوهِمَ نَقْصًا. وَاختَارَ الغَزَالِيُّ الفَرْقَ بَيْنَ الاسمِ وَالصِّفَةِ، فِيُشْتَرَطُ التّوقِيفُ فِي الاسمِ دُونَ الصِّفَةِ. ص: وأَنَّ الْمَرْءَ يقولُ: أَنَا مؤمنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ خوفًا مِنْ سُوءِ الخَاتمةِ ـ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ ـ لاَ شَكًّا فِي الحَالِ.

стр. 785

ش: جَوازُ ذَلِكَ هو قَوْلُ أَكثرِ السَّلَفِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالمَالِكِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ وَالأَشْعَرِيُّ وَالْمُحَدِّثُونَ، وزَادَ بعضُهم علَى ذَلِكَ فأَوجبَهُ، ومَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وطَائفةٌ، وقَالُوا: هو شَكٌّ، وَالشّكُّ فِي الإِيمَانِ كُفْرٌ. وحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي (تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلاَةِ) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ يقولُ: أَنَا مؤمنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وإِذَا قَالَ: مُسْلِمٌ، لاَ يَسْتَثْنِي، وأُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ شَكًّا بِأَجوبةٍ: أَحَدِهَا ـ وعليه اقْتَصَرَ المُصَنِّفُ ـ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الخَاتمةِ؛ لأَنَّ الأَعمَالَ مُعْتَبَرَةٌ بِهَا، كَمَا أَنَّ الصَّائمَ لاَ يَصِحُّ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ إِلاَّ آخِرَ النََّهَارِ، فَلَوْ طَرَأَ الْفِطْرُ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا. وَقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلاَنًا يقولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ ولاَ يَسْتَثْنِي. فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: أَهو فِي الجَنَّةِ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: فَهَلاَّ وَكَلْتَ+ الأُولَى كَمَا وَكَلْتَ+ الثَّانِيةَ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَبِي حَنِيفَةَ لِذَلِكَ، وقَالَ بِهِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ الْمَاتُرِيدِيُّ. ثَانِيهَا: أَنَّ فِي الإِطلاَقِ تزكيةُ النَّفْسِ. ثَالِثِهَا: التَّبَرُّكُ بِذِكْرِ اللَّهِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ شَكٌّ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وقولُهُ ﵊: ((وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)) / (٢٥٠/ب/م). رَابِعِهَا: أَنَّ الْمَشِيئَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى كَمَالِ الإِيمَانِ؛ فَقَدْ يَحِلُّ بِبَعْضِهِ، فَيُسْتَثْنَى

стр. 786

لِذلكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الخِلاَفَ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ؛ لاتفَاقِهِمَا علَى أَنَّ أَمْرَ الخَاتمةِ مَجْهُولٌ، وأَنَّ الاعتقَادَ الحَاضِرَ يَضُرُّهُ أَدْنَى تَرَدُّدٍ، وأَنَّ الانتفَاعَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا تَسْمِيَتِهِ إِيمَانًا، وهو لَفْظِيٌّ. ص: وأَنَّ مَلاَذَ الكَافِرَ استدرَاجٌ. ش: أَيْ: لاَ نِعْمَةَ، بَلْ هي كَالْعَسَلِ الْمَسْمُومِ، وهو الْمَحْكِيُّ عَنِ الأَشْعَرِيِّ. وقَالَ آخرونَ: بَلْ هي نِعَمٌ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ﴾ وَقِيلَ: بإِثبَاتِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ الدِّينِيَّةِ، وقَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى/ (٢٠١/ب/د) مِنَ الحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَصْحَابِهِمْ. وقَالَ الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ): لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَصحَابِنَا أَنَّ اللَّهَ تعَالَى لَيْسَ لَهُ علَى مَنْ عَلِمَ إِصْرَارَهُ علَى الْكُفْرِ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وأَمَّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَاختلفوا فِيهَا ولِلأَشْعَرِيِّ قولاَنِ، ومَيْلُ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ إِلَى الإِثبَاتِ، وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ علَى أَن لِلَّهِ علَى الكَافرِ النِّعْمَةَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الخِلاَفَ لَفْظِيٌّ؛ فَمَنْ نَفَى النِّعَمَ لاَ يُنْكِرُ الْمَلاَذَّ فِي الدُّنْيَا وتَحْقِيقَ أَسبَابِ الهدَايةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُسَمِّيهَا نِعَمًا؛ لِمَا يَعْقُبُهَا مِنَ الهلاَكِ، ومَنْ أَثْبَتَ كَوْنَهَا نِعَمًا لاَ يُنَازِعُ فِي تَعْقِيبِ الْهَلاَكِ لَهَا غَيْرَ أَنَّهُ سَمَّاهَا نِعَمًا لِلصورةِ. وفِي (الرِّسَالَةِ) لِلْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ السِّيَارِيِّ: عَطَاؤُهُ علَى نَوْعَيْنِ: كرَامةٍ، وَاستدرَاجٍ؛ فَمَا أَبْقَاهُ عَلَيْكَ فهو كرَامَةٌ، ومَا أَزَالَهُ عَنْكَ فهو استدرَاجٌ، فَقُلْ: أَنَا مؤمنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 787

ومِنْ ذَلِكَ يَظْهَرُ منَاسبةُ ذِكْرِ المُصَنِّفِ هذه المَسْأَلَةَ عَقِبْ مَا قبْلَهَا. ص: وأَنَّ المُشَارَ إِلَيْهِ بِأَنَا: الْهَيْكَلُ المخصوصُ. ش: اخْتُلِفَ فِي حقيقةِ النَّفْسِ الإِنسَانيةِ، وهي مَا يُشِيرُ إِليهَا كُلُّ وَاحِدٍ بِقَوْلِهِ: أَنَا؛ فَقَالَ كثيرٌ مِنَ المتكلمِينَ: هو الْبَدَنُ الْمُعَيَّنُ وَالْهَيْكَلُ المخصوصُ. وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي (الْمَطَالِبِ) إِنَّهُ قَوْلُ جمهورِ الْخَلْقِ، وَالمُخْتَارُ عَنْ أَكثرِ المتكلمِينَ؛ لأَنَّ كُلَّ عَاقلٍ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا الإِنسَانُ؟ / (٢٥١/أَ/م) يشيرُ إِلَى هذه البِنْيَةِ المخصوصةِ؛ ولأَنَّ الخِطَابَ يَتَوَجَّهُ إِليهَا، وكذَا الثّوَابُ وَالعِقَابُ. وقَالَ بعضُهم: بَلْ هي اسمٌ لِخُصُوصِ اللّطيفةِ المُودَعَةِ فِيهِ وهي الرُّوحُ، حَكَاهُ الأَشْعَرِيُّ فِي (الْمَقَالاتِ) عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، وَالمشهورُ فِي القرآنِ وَاللغةِ الأَوَّلُ، قَالَ تعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ وَالمخلوقُ مِنَ الطِّينِ إِنَّمَا هو الْبَدَنُ. قَالَ الشَّارِحُ: وأَعْجَبُ مِنَ المُصَنِّفِ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدِهِمَا اقْتِصَارُهُ علَى إِيرَادِ قَوْلِ الْهَيْكَلِ، مَعَ أَنَّ بعضَهُمْ قَالَ: إِنَّهُ مَبْنِيٌّ علَى إِنكَارِ النُّفُوسِ بَعْدَ المُفَارَقَةِ، وهو قَوْلٌ ضعيفٌ سَبَقَ مِنَ المُصَنِّفِ الْجَزْمُ بِخلاَفِهِ. وَقَدْ سُئِلَ المُصَنِّفُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ المسأَلتَيْنِ فَقَالَ: لاَ ارتبَاطَ بَيْنَهُمَا حتَّى يُسأَلَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وفِيهِ نَظَرٌ: فَإِنَّ القَائِلَ بِأَنَّ النَّفْسَ المُشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا هو الهَيْكَلُ، إِذَا كَانَ حيًّا، وبِزَوَالِ الحيَاةِ يَزُولُ التّركيبُ. الثَّانِي: أَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ اختيَارُ الإِمسَاكِ عَنِ الكلاَم فِي الرُّوحِ فَكَيْفَ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا هُنَا؟ وَانْفَصَلَ المُصَنِّفُ عَنْ هذَا بِأَنَّهُمَا مسأَلتَانِ.

стр. 788

إِحْدَاهُمَا فِي حقيقةِ الرُّوحِ؛ هَلْ هي عَرَضٌ أَو جَوْهَرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَقوَالِ، وهو موضعٌ مَا سُكِتَ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ المُشَارَ إِلَيْهِ بِـ (أَنَا) هَلْ هو هذه الجُثَّةُ أَوِ الرُّوحُ؟ فَمَنْ قَالَ: الرُّوحُ الْجُثَّةُ فَلاَ إِشكَالَ عِنْدَهُ، وأَمَّا مَنْ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهَا الجُثَّةُ، وهو الذي يَقْطَعُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يقولُ: لاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الرُّوحِ غَيْرَ الْجُثَّةِ أَنْ لاَ يَكُونَ المُشَارُ إِلَيْهِ بـ (أَنَا) الْجُثَّةَ، بَلِ المُشَارُ إِلَيْهِ بـ (أَنَا) الْجُثَّةُ، إِذَا كَانَتِ النّفْسُ قَائمةٌ بِهَا؛ لِتَخْرُجَ جُثَّةُ الْمَيِّتِ. قَالَ الشَّارِحُ: ولاَ يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ مِنْ خُرُوجِهِ عَنْ طريقةِ النَّاسِ فِي حِكَايةِ هذَا الْمَذْهَبِ. ص: وأَنَّ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ ـ وهو الْجُزْءُ الذي لاَ يَتَجَزَّأُ ـ ثَابِتٌ. ش: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجزَاءٍ لاَ تَتَجَزَّأُ بِالْفِعْلِ ولاَ بِالْوَهْمِ لِلْعَجْزِ عَنْ تَمْيِيزِ طَرَفٍ مِنْهَا، ولاَ بِالْفَرْضِ لاستلزَامِ خلاَفَ/ (٢٠٢/أَ/د) الْمَقْدُورِ، ويُسَمَّى كُلٌّ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ جَوْهَرًا فَرْدًا، وخَالفَ فِي ذَلِكَ مُعْظَمُ الفلاَسفةِ وَالنَّظَّامُ وَالْكِنْدِيُّ/ (٢٥١/ب/م) مِنَ المُعْتَزِلَةِ؛ فَقَالُوا: بِتقديرِ أَنْ يَنْتَهِي إِلَى حَدَّ ٍ

стр. 789

لاَ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِالفِعْلِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لَهَا فِي الْوَهْمِ وَالتَّعَقُّلِ، وهو مَذْهَبٌ فَاسدٌ؛ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى وُجُودِ اتصَالاتٍ لاَ نِهَايةَ لَهَا، ويُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَكُونَ أَجزَاءُ الْخَرْدَلَةِ مُسَاوِيَةً لِأَجزَاءِ الْجَبَلِ؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحدٍ مِنْهُمَا لاَ يَتَنَاهَى، وإِذَا حَكَمَ الْوَهْمُ علَى الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ بِالانقسَامِ، وحَكَمَ العَقْلُ بإِحَالتِه لِقيَامِ الدَّلِيلِ علَى ذَلِكَ أَيُقَدَّمُ الْوَهْمُ علَى العَقْلِ؟ ووَقَفَ الإِمَامُ فِي هذه المسأَلةِ، وهو مُقْتَضَى كلاَمُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ، وَالْقُصْدُ بِإِثبَاتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ أَنَّهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ حَدَثِ الْعَالَمِ؛ فَإِنَّ الْجِسْمَ إِذَا أَثْبَتَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجزَاءٍ مُفْرَدَةٍَ استحَالَ خُلَوِّهِ عَنِ الأَلوَانِ التي هي عبَارةٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالاجتمَاعِ وَالافترَاقِ، وهي معَانٍ حَادثةٌ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّ مَا لاَ يَخْلُو عَنِ الأَلوَانِ الحَادثةِ لاَ يَسْبِقُهَا، ومَا لاَ يَسْبِقُ الحَادثةَ فهو حَادثٌ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ مِنَ الحوَادثِ وهو مُحَالٌ. ص: وأَنَّهُ لاَ حَالَ، أَيْ: لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَ الموجودِ وَالمعدومِ خِلاَفًا لِلقَاضِي وإِمَامِ الحَرَمَيْنِ. ش: الجُمْهُورُ علَى أَنَّهُ لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمَوْجِودِ وَالمعدومِ، وأَثْبَتَ المُعْتَزِلَةُ بَيْنَهُمَا وَاسطةً، سَمَّوْهَا بِالحَالِ، وعَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا صفةٌ لِموجودٍ، لاَ يُوصَفُ بِوجودٍ ولاَ عدمٍ، أَيْ: أَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودةٍ فِي الأَعْيَانِ ولاَ مَعْدُومةٍ فِي الأَذهَانِ، وَحَكَاهُ المُصَنِّفُ عَنِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وإِمَامِ الحَرَمَيْنِ؛ فأَمَّا القَاضِي فهو أَحَدُ قَوْلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الآمِدِيُّ، وأَمَّا إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وقَالَ فِي كتَابِهِ المُسَمَّى بـ (المَدَارِكِ) اخترْنَا فِي (الشَّامِلِ) الْمَشْيَ علَى أَسَاليبِ الكلاَمِ فِي القَطْعِ بإِثبَاتِ الأَحوَالِ، ونحنُ الآنَ نَقْطَعُ بِنَفْيِهَا، وَاحْتَجَّ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ علَى نَفْيِهَا بِأَنَّ تِلْكَ الوَاسطةَ إِنْ كَانَ لَهَا ثُبُوتٌ بِوَجْهٍ مَا كَانَتْ مَوْجُودةٌ وإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمَعْدُومَةٌ،

стр. 790

وأَشَارَ فِي (الطَّوَالِعِ) إِلَى أَنَّ البحثَ لَفْظِيٌّ. ص: وأَنَّ النِّسَبَ وَالإِضَافَاتِ أُمُورٌ اعتبَاريةٌ لاَ وُجُودِيَّةٌ. ش: هذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، لَكِنِ اسْتَثْنَوا مِنْ ذَلِكَ الأَيْنَ كَمَا/ (٢٥٢/أَ/م) فِي (الطَّوَالِعِ) وَغَيْرِهِ، وهو حُصُولُ الجِسْمِ فِي المكَانِ؛ فَقَالُوا بِوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ، وقَالَتِ الفلاَسفةُ: هي وُجُودِيَّةٌ. ص: وأَنَّ الْعَرَضَ لاَ يقومُ بِالعَرَضِ ولاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ ولاَ يَحِلُّ مَحَلَّيْنِ. ش: فِيهِ مَسَائِلُ: الأَولَى: أَنَّ الْعَرَضَ ـ وهو مَا لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، ومَا يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ كَالحركةِ وَالسُّكُونِ، وَالبَيَاضِ وَالسَّوَادِ ـ لاَ يقومُ بِالعَرَضِ؛ لأَنَّ الْعَرَضَ مَا لاَ يقومُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ يقومُ بِهِ كَالْجِسْمِ؛ فَلَوْ قَام َالْعَرَضُ بِعَرَضٍ لَكَانَ الْمَحَلُّ جَوْهَرًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا لاَ عَرَضًا وجِسْمًا لاَ جِسْمًا، وهو مُحَالٌ. وجَوَّزَتِ الفلاَسفةُ قِيَامَ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ، وَاختَارَهُ الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ) لأَنَّ السُّرْعَةَ وَالْبُطْءِ عَرَضَانِ قَائمَانِ بِالحركةِ، ولَيْسَا بِقَائِمَيْنِ بِالجِسْمِ؛ إِذْ يُقَالَ: جسمٌ بَطِيءٌ فِي حركتِهِ، ولاَ يُقَالُ: بَطِيءٌ فِي جِسْمِيَّتِهِ. وأَجَابَ الأَوَّلُونَ بِأَنَّ السُّرْعَةَ وَالْبُطْءِ قَائمَانِ بِالْمُتَحِرِّكِ بِوَاسِطَةِ الحركةِ لاَ بِنَفْسِ الحركةِ؛ فَالأَعرَاضُ إِنَّمَا تقومُ بِالجوَاهرِ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِلاَ وَاسطةٍ، كَالحركةِ وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسطةٍ كَالسرعةِ قَامَتْ بِالجوهرِ بِوَاسطةِ الحركةِ.

стр. 791

الثَانِيَةُ ـ وهي مَبْنِيَّةٌ علَى الَّتِي قَبْلَهَا ـ: أَنَّ العَرَضَ لاَ يَبْقَى زمَانَيْنِ، بَلْ يَفْنَى ذَلِكَ العَرَضُ ويَخْلُفُهُ غيرُهُ، هذَا مَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ، ورَتَّبُوا عَلَيْهِ نَفْيَ قِدَمِ العَالَمِ؛ لأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ زَمَنَيْنِ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ علَى مُرُورِ الأَزْمَانِ، وإِليهِ الإِشَارةُ بِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ فَالجْوهَرُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الفَاعلِ/ (٢٠٢/ب/د) فِي إِيجَادِهِ، ثُمَّ فِي بَقَائِهِ وإِمدَادِهِ بِأَعرَاضِهِ، فَلَوْ بَقِيَ العَرَضُ لَمَا احتَاجَ إِلَى فَاعلٍ. وذَهَبَ الفلاَسفةُ إِلَى بَقَاءِ جَمِيعِ الأَعرَاضِ دُونَ الأَزمِنَةِ وَالحركَاتِ، وذَهَبَ الْجُبَّائِيِّ وَابْنُهُ إِلَى بَقَاءِ الأَلوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ، دُونَ العُلُومِ وَالإِرَادَاتِ وَالأَصوَاتِ. الثَالثةُ: أَنَّ العَرَضَ الوَاحِدَ لاَ يَحِلُّ مَحَلَّيْنِ خِلاَفًا لأَبِي هَاشِمٍ؛ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ التّأَلُّفَ عَرَضٌ وَاحدٌ حَالٌّ فِي مَحَلَّيْنِ، ووَافَقَ علَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلَّيْنِ، وَاحْتَجَّ أَصحَابُنَا بِأَنَّهُ لو جَازَ/ (٢٥٢/ب/م) قِيَامُ العَرَضِ الوَاحِدِ بِمَحَلَّيْنِ لأَمْكَنَ حُلُولُ الْجِسْمِ الوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ فِي حَالةِ وَاحدةٍ، وهو مُحَالٌ. ص: وأَنَّ الْمِثْلَيْنِ لاَ يَجْتَمِعَانِ كَالضِّدَّيْنِ بِخِلَافِ الخِلاَفِيْنِ، أَمَّا النَّقِيضَانِ فَلا يَجْتَمِعَانِ ولاَ يَرْتَفِعَانِ. ش: المعلومَاتُ تَنْحَصِرُ فِي الْمِثْلَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ وَالخِلاَفِيْنِ وَالنَّقِيضَيْنِ؛ لأَنَّ الْمُعْلُومَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ اجتمَاعُهمَا فُهُمَا الخِلاَفَانِ، وإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ارتفَاعُهُمَا فَهُمَا النَّقِيضَانِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ ارتفَاعُهُمَا فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الحَقِيقَةِ أَمْ لاَ، وَالأَوَّلُ الضّدَانِ، وَالثَّانِي: الْمِثْلاَنِ، ونَذْكُرُهُمَا علَى تَرْتِيبِ المُصَنِّفِ: فَالأَوَّلُ: المِثْلاَنِ لاَ يَجْتَمِعَانِ ويُمْكِنُ ارتفَاعُهُمَا كَالبَيَاضِ وَالبَيَاضُ، وَاحْتَجَّ أَصحَابُنَا علَى أَنَّهُمَا لاَ يَجْتَمِعَانِ بِأَنَّ الْمَحَلَّ لو قَبْلَ الْمِثْلَيْنِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ يَقْبَلُ

стр. 792

الضِّدَّيْنِ؛ فَإِنَّ القَابِلَ لِلشَّيْءِ لاَ يَخْلُو عَنْهُ، أَو عَنْ مِثْلِهِ، أَوْ ضِدِّهِ، فَلَوْ قَبِلَ الْمِثْلَيْنِ لَجَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا فِي الْمَحَلِّ وَانتفَاءِ الآخَرِ، فَيُخَلِّفَهُ ضِدَّهُ، فَيَجْتَمِعُ الضَّدَّانِ وهو مُحَالٌ. الثَّانِي: الضّدَّانِ كَذَلِكَ، لاَ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَرْتَفِعَانِ؛ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ وَالحيَاةِ مَعَ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ ارتفَاعُهُمَا عَنِ الحيوَانِ. قُلْتُ: يُمْكِنُ ارتفَاعُهُمَا بَانْعِدَامِ الحيوَانِ، وإِنَّمَا لاَ يرتفعَانِ مَعَ وُجُودِهِ. الثَّالِثُ: الخِلاَفَانِ، وهُمَا اللّذَانِ يَجْتَمِعَانِ ويَرْتَفِعَانِ كَالكلاَمِ وَالْعُقُودِ. الرَابِعُ: النَّقيضَانِ، وهُمَا اللّذَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ ولاَ يرتفعَانِ كَوُجُودِ زَيْدٍ وعَدَمِهِ. ص: وأَنَّ أَحَدَ طَرَفِيِّ الْمُمْكِنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ. ش: الصُّحِيحُ أَنَّ أَحَدَ طَرَفِيِّ المُمْكِنِ مِنَ الوُجُودِ وَالعَدَمِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ؛ فَإِنَّه لو كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ وتَحَقَّقَ سَبَبُ الطُّرَفِ الآخَرِ؛ فَإِنْ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الأَوْلَوِيَّةُ لاَ تكونُ تِلْكَ مِنْ ذَاتِهِ، وإِنْ بَقِيَتْ فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ الطَّرَفُ الآخَرُ أَوْلَى بِهِ لَمْ يكنْ السَّبَبُ سببًا، وإِنْ صَارَ فَيَكُونُ كِلاَ الطّرفَيْنِ أَوْلَى، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِالذَّاتِ وَالآخَرُ بِالْغَيْرِ، ومَا بِالذَّاتِ أَقْوَى؛ فَإِنْ تَحَقَّقَ الطَّرَفُ الآخَرُ كَانَ مَا بِالْغَيْرِ أَقْوَى، وإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ سَبَبًا. وَقِيلَ: الْعَدَمُ أَوْلَى بِهِ/ (٢٥٣/أَ/م) بِذَاتِهِ. وَقِيلَ: الْعَدَمُ أَوْلَى بِالموجودَاتِ السَّيَّالَةِ لِذَاتِهَا وهو الزَّمَانُ وَالحركةُ وَالصَّوْتُ وعوَارِضُهَا. وَقِيلَ: الوَاقِعُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْلَى بِهِ. وَقِيلَ: الوُجُودُ أَوْلَى عِنْدَ وُجُودِ العِلَّةِ دُونَ الشَّرْطِ.

стр. 793

ص: وأَنَّ البَاقِي مُحْتَاجٌ إِلَى السَّبَبِ وَيَنْبَنِي علَى أَنَّ عِلَّةَ احتيَاجِ الأَثَرِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ الإِمكَانُ أَوِ الْحُدُوثِ أَوْ هُمَا جَزْءَا عِلَّةٍ أَوِ الإِمكَانُ بِشَرْطِ الْحُدُوثِ وهي أَقْوَالٌ. ش: الأَكثرونَ علَى أَنَّ الْمُمْكِنَ حَالةَ بَقَائِهِ يَحْتَاجُ إِلَى السَّبَبِ المُؤَثِّرِ، كَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ابتدَاءِ وُجُودِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدُومُ ذَلِكَ الوُجُودُ لِدَوَامِ ذَلِكَ الْمُؤَثِرِ الأَوَّلِ، وخَالَفَ فِيهِ الفَلاَسفةُ حتَّى رَتَّبَ بعضُهم علَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الفِعْلُ مِنَ الفَاعلِ لَمْ يَبْقَ إِلَى الفَاعلِ حَاجةٌ كَبَقَاءِ البِنَاءِ بَعْدَ البنَاءِ، ورَكِبُوا فِي ذَلِكَ أَمرًا شَنِيعًا، وهو أَنَّهُ لو جَازَ عَدَمُ الصَّانِعِ لَمَا ضَرَّ ذَلِكَ وُجُودُ العَالَمَ؛ فإِنَّه قَدْ أَخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَانْقَضَتْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ/ (٢٠٣/أَ/د) وهذَا الخِلاَفُ مَبْنِيٌّ علَى الخِلاَفِ فِي مسأَلةٍ أُخْرَى، وهي أَنَّ عِلَّةَ احتيَاجِ الأَثَرِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ مَاذَا؟ وفِيه مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الإِمْكَانُ، وهو اختيَارُ الإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِي، وَحَكَاهُ عَنْ أَكْثَرِ الأُصُولِيِّينَ. الثَّانِي: أَنَّهَا الحُدُوثُ، وهو الخُرُوجُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وعَلَيْهِ رُتِّبَ ذَلِكَ الأَمْرُ الشَّنِيعُ الذي ذَكَرْنَاهُ قريبًا. الثَّالِثُ: أَنَّهَا المجموعُ مِنْهُمَا فَهِي مُرَكَّبَةٌ. الرَابِعُ: أَنَّ العِلَّةَ الإِمْكَانُ فَقَطْ، وَالْحُدُوثُ شَرْطٌ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الحُدُوثَ (هو كَوْنُ الوُجُودِ) مسبوقًا بِعَدَمٍ، وَالإِمكَانُ كَوْنُ الشّيْءِ فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ لاَ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ ولاَ عَدَمُهُ امتنَاعًا وَاجبًا ذَاتِيًّا. ص: وَالمَكَانُ قِيلَ: السَّطْحُ البَاطِنُ لِلحَاوِي الْمُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِر مِنَ الْمَحْوِيِّ فِيهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ مَوْجُودٍ يَنْفَذُ فِيهِ الْجِسْمُ، وَقِيلَ: بَعْدَ مَفْرُوضٍ وَالبُعْدُ الخَلاَءُ.

стр. 794

ش: ذَكَرَ المُصَنِّفُ هُنَا مِنْ عِلْمِ الحِكْمَةِ ثلاَثةُ أُمُورٍ: الْمَكَانُ وَالخلاَءُ، وَالزَّمَانُ. وأَمَّا المَكَانُ فَنَقَلَ فِيهِ المُصَنِّفُ ثَلاَثَةَ أَقوَالٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ السَّطْحُ البَاطِنُ لِلْجِسْمِ الحَاوِي المُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ، كَالسَّطْحِ البَاطِنِ مِنَ الكَوْنِ المُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِر مِنَ المَاءِ/ (٢٥٣/ب/د) الذي فِيهِ، وهو علَى هذَا عَرَضٌ؛ لأَنَّ السَّطْحَ عَرَضٌ فَهُوَ المُنَاسَبَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِسْمَيْنِ وإِلَى هذَا مَالَ الغَزَالِيُّ فِي كتَابِ (مَقَاصِدِ الفَلاَسِفَةِ) وقَالَ: إِنَّهُ الذي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَرِسْطَاطَالِيسَ، ورَجَعَ إِلَيْهِ الْكُلُّ. وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: قَالَ بِهِ أَرِسْطَاطَالِيسُ وجمهورُ أَتبَاعِهِ كَالفَارَابِيِّ وَابْنُ سِينَا. وقَالَ الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ) إِنَّهُ الأَشْبَهُ علَى أَصُولِ الفَلاَسِفَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ بَعْدَ مَوْجُودٍ يَنْفَذُ فِيهِ ذَاتُ الْجِسْمِ، ويَسْرِي فِيهِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ أَفلاَطُونَ وَغَيْرُهُ. الثَّالِثِ: أَنَّهُ بَعْدَ مفروضٍ مُقَدَّرٍ، وهو قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ المكَانِ مِنْ قُدَمَاءِ الفلاَسفةِ، ونُسِبَ إِلَى جَحْدِ الضَّرُورِيَّاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ الْبُعْدَ هو الْخَلاَءُ، فَيَكُونُ المكَانُ علَى الْقَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ خَلاَءً مَوْجُودًا ومُقَدَّرًا. قَالَ الإِمَامُ: القَائلونَ بِأَنَّ المكَانَ هو الفَضَاءُ فَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمُتَكَلِّمُونَ، يقولُونَ: هذَا الفَضَاءُ وَالخَلاَءُ عَدَمٌ مَحْضٌ ونَفْيٌ صِرْفٌ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ الْبَتَّةَ. الثَانِيَةُ: الفلاَسفةُ، يقولونَ: هذَا الخَلاَءُ أَبْعَادٌ مَوْجُودةٌ قَائمةٌ بِنَفْسِهَا وهي أَمْكِنَةُ الأَجسَام، وهو اختيَارُ أَفْلاَطُونَ وَغَيْرِه، ثُمَّ اختَلفوا فقِيلَ: لاَ امتنَاعٌ

стр. 795

فِي بقَاءِ هذَا الفَضَاءِ خَالِيًا عَنِ الأَجْسَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُمْتَنَعٌ. انْتَهَى. هذَا كلاَمُ أَهْلِ العِلْمِ الطَّبِيعِيِّ، وأَمَّا بِالنِّسَبَةِ لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ فَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: المكَانُ مَا اسْتُقِرَّ فِيهِ، أَو تُصُرِّفَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ التُّصَرُّفَ هو الأَخْذُ فِي جِهَاتٍ مختلفةٍ كَتَصَرُّفِ الرِّيَاحِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: المكَانُ مَا وُجِدَ فِيهِ سُكُونٌ أَوْ حركةٌ. قَالُوا: وَالسُّكُونُ هو الحُصُولُ فِي حَيْزٍ أَكْثَرَ مِنْ زمَانٍ وَاحدٍ. وَالحركةُ انتقَالٌ مِنْ حَيِّزٍ إِلَى حَيِّزٍ، ووَزْنُهُ (فَعَال) مِنَ التُّمَكُّنِ؛ فَالمِيمُ فِيهِ أَصليةٌ كَالسينِ فِي سَحَابٍ. وأَنْكَرَ علَى الْجَوْهَرِيِّ قَوْلَهُ: إِنَّهُ (مَفْعَل) مِنَ الكونِ، كَالْمَقَالِ مِنَ الْمَقُولِ؛ لأَنَّهُمْ قَالُوا فِي جَمْعِهِ: أَمْكُنٌ وأَمْكِنَةٌ وأَمَاكِنٌ، وأَفْعُل وأَفْعِلَة وأَفَاعِلَ، إِنَّمَا هِيَ لِجَمْعِ مَا الفَاءُ أَوَّلُهُ؛ ولأَنَّهُمْ قَالُوا: (تَمَكَّنَ، ولَوْ كَانَ مِنَ الكَوْنِ لَقَالُوا: تَكُونُ كَتَقُولُ مِنَ القَوْلِ) فَأَمَّا تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ فَقَلِيلٌ. ص: وَالخَلاَءُ جَائزٌ، وَالمُرَادُ مِنْهُ كَوْنُ/ (٢٥٤/أَ/م) الْجِسْمَيْنِ لاَ يَتَمَاسَّانِ ولاَ بَيْنَهُمَا مَا يُمَاسُّهُمَا. ش: إِنَّمَا ذَكَرَ المُصَنِّفُ الخَلاَءَ بَعْدِ ذِكْرِ المكَانِ لِقَوْلِ بعضِهم: إِنَّ الْمَكَانَ هو الخَلاَءُ كَمَا تَقَدَّمَ، وعَرَّفَهُ بِحُصُولِ جِسْمَيْنِ لاَ يَتَلاَقَيَانِ، ولاَ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا مَا لاَ يلاَقِيهِمَا، وَهَلْ هو وُجُودِيٌّ أَوْ عَدَمِيٌّ؟ فِيهِ خِلافٌ تَقَدَّمَ، وَالأَكثرونَ علَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَاخلُ العَالَمِ وخَارجُهَ خلاَءً، وَبِهِ قَالَ قدمَاءُ الفلاَسفةِ، وأَنْكَرَ مُتَأَخِّرُوهُمْ وُجُودَهُ. ص: وَالزَّمَانُ، قِيلَ: جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولاَ جِسْمَانِيٍّ، وَقِيلَ: فَلَكُ مَعْدِلِ (٢٠٢/ب/د) النّهَارِ، وَقِيلَ: عَرَضٌ فَقِيلَ: حركةُ مَعْدِلِ النِّهَارِ، وَقِيلَ:

стр. 796

مِقدَارُ الحركةِ، وَالمُخْتَارُ أَنَّهُ مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ لِمُتَجَدِّدٍ معلومٍ؛ إِزَالةً للإِبْهَامِ. ش: وفِي تَعْرِيفِ الزّمَانِ أَقوَالٌ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ جوهرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولاَ جِسْمَانِيٍّ، وَاسْتُدِلَّ علَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَكَانَ قريبًا مِنْ جِسْمٍ وبعيدًا مِنْ آخَرَ، وَبَدِيهَةُ العَقْلِ شَاهدةٌ بِأَنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الزّمَانِ إِلَى جَمِيعِ الأَشيَاءِ علَى السَّوِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: ولاَ جِسْمَانِيٍّ، أَيْ: حَالٌّ فِي الجسمِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ لَيْسَ حَالاًّ فِي جسمٍ، وَاختَارَهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي (الْمَطَالِبِ) وَغَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ فَلَكُ مَعْدِلُ النّهَارِ، وهو علَى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَوْهَرٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حركةُ مَعْدِلِ النّهَارِ، وقَالَ الْمَعَرِّيُّ فِي (رِسَالَةِ الْغُفْرَانِ): هذَا لَفْظٌ لاَ حقيقةَ لَهُ. الرَابِعُ: أَنَّهُ مِقْدَار حركةِ الفَلَكِ. الخَامِسُ: وَاختَارَهُ المُصَنِّفُ ـ أَنَّهُ مقَارنةُ مُتَجَدِّدٍ موهومٍ لِمُتَجَدِّدٍ معلومٍ؛ إِزَالةً للإِبهَامِ، وإِليهِ مَالَ الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ) قَالَ: ولاَ بُعْدَ فِي قَوْلِ القَائلِ: كُلُّ الزّمَانِ هو مَا يُقَدِّرُهُ الْمُقَدِّرُ، ويَفْرِضُهُ الفَارِضُ مِنْ مُقَارنةِ مَوْجُودٍ لِموجودٍ قَالَ: وهو مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِم: كَانَ كَذَا وقتَ طلوعِ الشّمسِ، أَيْ: أَنَّهُ قَارنُ وُجُودَه طلوعُهَا، وهذه الأَقوَالُ الثّلاَثةُ الأَخيرةُ متفقةٌ علَى أَنَّهُ عَرَضٌ.

стр. 797

ص: ويُمْتَنَعُ تدَاخُلُ الأَجسَامِ. ش: معنَى تدَاخُلِ الأَجسَامِ وُجُودُ جَوْهَرٍ تَحْتَ وُجُودِهِ جوَاهِرُ أُخَرُ، ولم يخَالِفْ/ (٢٥٤/ب/م) فِي ذَلِكَ إِلاَّ النَّظَّامُ فَقَالَ: اللَّوْنُ وَالطَعْمُ وَالرَائحةُ كُلٌّ مِنْهَا جسمٌ لَطِيفٌ، فَإِذَا تدَاخَلَتْ هذه الأَجسَامُ اللّطيفةُ حَصَلَ مِنْ مجموعِهَا جسمٌ كَثِيفٌ. وقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي حديثِ إِرسَالِ المَلَكِ إِلَى الرَّحِمِ؛ لِيَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ: وهذَا يَرُدُّ علَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الجَوْهَرَ لاَ يدخلُ فِي جوهرٍ؛ لأَنَّ الْمَلَكَ جَوْهَرٌ، ويَدْخُلُ فِي الرَّحِمِ لِيُصَوِّرَ، وَالرَّحِمُ جوهرٌ، ولاَ يَشْعُرُ صَاحبُه بِهِ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالَ: إِنَّمَا دَخَلَ جوهرُ الْمَلَكِ فِي فضَاءِ الرّحِمِ، فلم يَلْزَمْ مِنْهُ تدَاخلُ الأَجسَامِ، وإِنَّمَا هو دخولُ مظروفٍ فِي ظَرْفٍ كَدُخُولِ الإِنسَانِ بيتًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وخُلُوُّ الْجَوْهَرِ عَنْ جَمِيعِ الأَعرَاضِ. ش: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ خُلُوِّ جَوْهَرٍ َعَنْ عَرَضٍ مِنَ الأَعرَاضِ، بَلْ يَلْزَمُ قِيَامُ عَرَضٍ بِهِ، وخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الفلاَسفةِ؛ لِقولِهم بِقِدَمِ الجوَاهرِ وحُدُوثِ الأَعرَاضِ. ص: وَالجوهرُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ مِنَ الأَعرَاضِ. ش: هذه مقَالةُ الجُمْهُورِ، وحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لو تَرَكَّبَ مِنْهَا لمَا قَامَتْ بِهِ، لكنَّهَا قَائمةٌ بِهِ، أَمَّا الأُولَى فلِأَنَّهُ لو قَامَتِ الأَعرَاضُ بِالجوهرِ لكَانَتْ قَائمةً بِالعرضِ، وهو مُحَالٌ، وأَمَّا الثَّانِيةُ فَلِلِاَتفَاقِ علَى أَنَّ الجَوْهَرَ يصِحُّ اتِّصَافُه بِالحيَاةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعَرْاضِ، وخَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّظَّامُ وَالنَّجَارُ فقَالا: إِنَّ الجوَاهرَ

стр. 798

أَعرَاضٌ مُجْتَمِعَةٌ. ص: وَالأَبعَادُ متنَاهيةٌ. ش: أَي: إِنَّ كلَّ جسمٍ فبُعْدُهُ مُتَنَاهٍ، أَي: لَهُ نهَايةٌ، أَي حدٌّ، وهو الطََّرْفُ الذي لاَ يَحُدُّ شيئًا آخرَ، وخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الأَوَائلِ فأَثْبَتَ أَبعَادًا لاَ نهَايةَ لهَا. ص: وَالمعلولُ قَالَ الأَكثرُ: يقَارِنُ عِلَّتَهُ زمَانًا، وَالمُخْتَارُ ـ وفَاقًا للشيخ الإِمَامِ ـ يَعْقُبُهَا مُطْلَقًا، وثَالِثُهَا إِنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لاَ عَقْلِيَّةً. ش: تُقَدَّمَ العِلَّةُ علَى المعلولِ فِي الرُّتْبَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأَمَّا فِي الزَّمَانِ ففِيه مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ أَنَّهَا تُقَارِنُه، وفِي أَصلِ (الروضةِ) / (٢٥٥/أَ/م) إِنَّهُ الصّحيحُ، وَبِهِ أَجَابَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، وعبَارةُ الرَّافعيِّ أَنَّهُ الذي ارتضَاه إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، ونَسَبَهُ للمحقِّقِينَ. الثَّانِي: وَاختَارَهُ المُصَنِّفُ تبعًا لوَالدِه، إِنهَا تَسْبِقُهُ وهو يَتَعَقَّبُهَا. الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الوضعيَّةِ، وَمِنْهَا الشَّرْعِيَّةُ، فِيسْبِقُ المعلولُ، وَالعَقْلِيَّةُ فتقَارِنُهُ لكونِهَا مُؤَثِّرَةً بِذَاتِهَِا، وهذَا ظَاهرُ نصِّ الشَّافِعِيِّ فِي (الأَمِ) فِي كتَابِ/ (٢٠٥/أَ/د) الطّلاَقِ. قَالَ الشَّيْخُ عزُّ الدِّينِ فِي (القوَاعدِ): الأَسبَابُ القوليَّةُ التي يستقِلُّ بِهَا المتكلِّمُ كَالطلاَقِ وَالعتَاقِ، الأَصحُّ أَنَّ أَحكَامَهَا تقترنُ بآخرِ جزءٍ مِنْهَا، فتقرنُ الحُرِّيَةَ بِالرَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنتَ حرٌّ، وَالطلاَقَ بِالقَافِ مِنْ: أَنْتَ طَالقٌ، وهذَا اختيَارُ

стр. 799

الأَشعريِّ وَالحُذَّاقِ مِنْ أَصحَابِ الشَّافِعِيِّ وهو مطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ الأَلفَاظِ كَالأَمرِ وَالنهيِّ، فإِذَا قَالَ: (اقْعُدْ) كَانَ آمرًا مَعَ الدَّالِ من قَوْلِهِ: (اقْعُدْ) وإِذَا قَالَ: (لاَ تَقْعُدْ) كَانَ نَاهيًا مَعَ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ: (لاَ تَقْعُدْ) وكذَا الأَقَاريرُ وَالشّهَادَاتُ وأَحكَامُ الحُكَّامِ، وقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيّةِ: لاَ تَقْتَرِنْ هذه الأَحكَامَ بشيءٍ مِنْ هَذه الأَلفَاظِ بَلْ يقعُ عَقِبَهَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلٍ، انْتَهَى. ص: وَاللَّذَّةُ حصرَهَا الإِمَامُ وَالشَّيْخُ الإِمَامُ فِي المعَارفِ، وقَالَ ابْنُ زَكَرِيَّا: هي الخلاَصُ مِنَ الأَلمِ، وَقِيلَ: إِدرَاكُ المُلاَئِمِ، وَالحقُّ أَنَّ الإِدرَاكَ مَلْزُومُهَا ويقَابلُهَا الأَلمُ. ش: نَقَلَ المُصَنِّفُ عَنْ وَالدِهِ، وَالإِمَامُ فَخْرُ الدَّينِ حصرُ اللَّذَّةِ فِي المعَارفِ، وعبَارةُ الإِمَامِ تدلُّ علَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصِرْ، وإِنَّمَا جَعَلَهَا أَعلاَهَا، فإِنَّه قَالَ: اللَّذَّاتُ المطلوبةُ فِي هذه الحيَاةِ العَاجلةِ محصورةٌ فِي ثلاَثةِ: اللذَّاتُ الحسيَّةُ، وهي قضَاءُ الشّهوتينِ، ويشَارِكُ فِيهَا الآدميُّ غَيْرَهُ مِنَ الحيوَانَاتِ، وأَوسطُهَا اللَّذَّاتُ الخيَاليَّةُ، وهي الحَاصِلةُ مِنَ الاستعلاَءِ وَالرئَاسةِ، لِدَفْعِ أَلَمِ القَهْرِ وَالغَلَبَةِ، وهي أَشدُّهَا التصَاقًا بِالعَقْلاَءِ إِذَا لَمْ ينَالُوا رُتْبَةَ الأَوليَاءِ، وكذلك قَالَ بعضُهم: آخرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رؤوسِ الصِّدِّيقينَ حُبُّ الرِّئَاسةِ، وأَعلاَهَا اللَّذَاتُ العَقْليَّةُ، وهي الحَاصِلةُ بسببِ معرفةِ الأَشيَاءِ، وَالوقوفُ علَى حقَائقِهَا، وهي اللَّذَّةُ علَى الحقيقةِ،/ (٢٥٥/ب/م) وأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ كلامِ الغَزَالِيِّ، فإِنَّه قَالَ: وَالعَقْلِيَّةُ أَقلُّهَا وجودًا وأَشرفُهَا، أَمَّا قلتُّهَا فَلِأَنَّ الحِكْمَةَ لاَ يَسْتَلِذُّ بِهَا إِلا الحكيمُ، وقصورُ الرَّضِيعِ عَن إِدرَاكِ لذَّةِ العسلِ وَالطيورِ السِّمَانِ وَالحلاَوةِ لاَ تدلُّ علَى أَنَّهَا ليست بلذيذةٍ، وَاستطَابتُه اللَّبَنَ لاَ يَدُلُّ علَى أَنَّهُ أَطيبُ الأَشيَاءِ، وَالنَاسُ كلُّهُمْ إِلا النَّادرَ مُقَيَّدُونَ فِي صِبَى الجهلِ غَيْرُ بِالغينَ فِي رُتْبَةِ العلومِ، فَلِذَلِكَ لاَ يستلذُّونَهُ. وَمَنْ يَكُنْ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ... يَجِدْ مُرًّا بِهِ المَاءَ الزُّلَالاَ.

стр. 800

وأَمَّا شَرَفُهَا فلأَنَّهَا ملاَزمِةٌ لاَ تزولُ، ودَائمةٌ لاَ تُمَلُّ، وثمرتُهَا فِي الدَّارِ الآخرةِ، وَالقَادرُ علَى الشريفِ إِذَا رَضِِي بِالخسيسِ الفَاني كَانَ مُصَابًا فِي عقلِهِ محزونًا بشقَاوتِه، وأَقلُّ أَمرٍ فِيهِ أَنَّ الفضَائلَ النّفسيَّةَ لاَ سيَّمَا العِلْمُ وَالعملُ لاَ تحتَاجُ إِلَى أَعوَانٍ وَحَفَظَةٍ، بخلاَفِ المَالِ فإِنَّ العِلْمَ يَحْرُسْكَ، وأَنتَ تَحْرُسُ المَالَ، وَالعِلْمُ يزيدُ بِالإِنفَاقِ، وَالمَالُ ينقُصُ بِهِ، وَالعِلْمُ مَانعٌ مِنَ الرّذَائلِ، وَالمَالُ قَد يُفْضِي إِلَى الرَّذِيلَةِ، ولذلك ذَمَّهُ اللَّهُ فِي القرآنِ فِي موَاضعَ. وقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ فِي (القوَاعدِ) هذَا مختصٌّ بدَارِ المِحْنَةِ، وأَمَّا دَارُ الكَرَامَةِ وهي الجَنَّةُ فإِنَّ اللّذةَ تحصلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ يتقدَّمُهَا، أَو يقترِنُ بِهَا؛ لأَنَّهَا +خُرِقَتْ فِيهَا العَادةُ فِيجِدُ أَهلُهَا لذَّةَ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ،+ ولذَّةُ الطعَامِ مِنْ غَيْرِ جوعٍ، قَالَ: وكذلك +خُرِقَتِ العَادةُ فِي العُقُوبَاتِ، فإِنَّ أَقلَّ عقوبَاتِ الآخرةِ لاَ يبقَى مَعَهُ فِي هذه الدَّار حيَاة، وأَمَّا تِلْكَ الدَّارُ فإِنَّ أَحدَهم لَتَأَتِيَهُ أَسبَابُ الموتِ مِنْ كلِّ مكَانٍ ومَا هو بميِّتٍ انْتَهَى. وذهبَ محمَّدُ بْنُ زكريَّا إِلَى أَنَّ اللّذَّةَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، وهو الخلاَصُ مِنَ الأَلمِ، وزيَّفَهُ الإِمَامُ بمَا إِذَا وقَعَ البصرُ علَى صُورَةٍ حسنةٍ، فإِنَّه يَلْتَذَّ بإِبصَارِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شعورٌ بِهَا، حتَّى يجعَلَ تِلْكَ اللذَّةَ خُلَاصًا عَنِ أَلَمِ الشَّوْقِ إِليهَا، وكذلك قَد يَحْصُلُ للإِنسَانِ لَذَّةٌ عظيمةٌ بِالعثورِ علَى كَنْزِ مَالٍ فَجْأَةً. وَقِيلَ اللَّذَّةُ إِدرَاكُ المُلاَئِمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سينَا فِي بَعْضِ كُتُبهِ. وقَال فِي (الشِّفَاءِ) إِدرَاكُ المُلاَئِمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ملاَئِمٌ. وقَال المُصَنِّفُ تبعًا للسَّمَرْقَنْدِيِّ فِي (الصحَائفِ): الحقُّ أَنَّ الإِدرَاكَ/ (٢٥٦/أَ/م) لَيْسَ نفسُ اللَّذَّةِ بَلْ مَلْزُومُهَا. وفِي (المَحْصُولِ) فِي القِيَاسِ: إِنَّ الصّوَابَ أَنَّهَا لاَ تُحَدُّ، لأَنَّهَا مِنَ الأُمُورِ

стр. 801

الوجدَانيَّةِ، وعليه مَشَى فِي (الطوَالعِ). ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ الأَلَمَ يقَابِلُ اللّذَّةَ فَيَكُونُ علَى الأَوَّلِ وُجُودِيًّا وهو الوقوعُ فِي غَيْرِ المُلاَئِمِ، وعلَى الثَّانِي عَدَمِيًّا وهو إِدرَاكُ غَيْرِ المُلاَئِمِ. ص: ومَا تَصَوَّرَهُ العَقْلُ إِمَّا وَاجِبٌ أَو ممتنِعٌ أَو مُمْكِنٌ؛ لأَنَّ ذَاتَه إِمَّا أَن تَقْتَضِِي وُجُودَهُ فِي الخَارجِ أَو عَدَمِهِ، أَو لاَ تقتضِي شيئًا. ش: أَي: فَالَّذِي اقْتَضَتْ ذَاتُه وُجُودَهُ فِي الخَارجِ هو الوَاجبُ، وَالذي اقْتَضَتْ عَدَمَهُ هو المُمْتَنِعُ، وَالذي لَمْ تقتضِ ذَاتُه وَاحدًا مِنْهُمَا هو المُمْكِنُ، ولاَ يُمْكِنُ تَغَيُّرُ وَاحدٍ مِنْ هذه الثلاَثةِ عمَا هو عَلَيْهِ، وقَالَ بعضُهم: همَا قسمَانِ، وأَدْرَجَ الوَاجِبَ فِي المُمْكِنِ. ص: خَاتِمْةٌ. ش: هذه الخَاتِمَةُ فِي عِلْمِ التّصوفِ، وَاقتدَى فِي الختمِ بِهِ بصَاحبِ (الشَّاملِ الصغيرِ) ليكونَ السعيُّ فِي تطهيرِ القلبِ خَاتمِةُ الأَمرِ. ص: أَوَّلُ الوَاجبَاتِ المعرفةُ، وقَالَ الأَستَاذُ، النّظرُ المؤدِّي إِليهَا، وَالقَاضِي: أَوَّلُ النّظرِ، وَابْنُ فَوْرَكٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ: القصدُ إِلَى النّظرِ. ش: اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَا يَجِبُ علَى المُكَلَّفِ علَى أَكثرَ مِنْ عَشْرَةِ أَقوَالٍ، حكَى المُصَنِّفُ مِنْهَا أَربعةً. أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تعَالَى، لقولِه تعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

стр. 802

﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وبهذَا قَالَ الأَشعريُّ. قَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيُّ: وهو قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الحديثِ، وَسَلَكُوا طريقَ السَّلَفِ، وَنَهُوا عَنْ ملاَبَسَةِ الكلاَمِ، وزعَمُوا أَنَّهُ مُحْدَثٌ، (وَفَنٌّ مُخْتَرَعٌ) بعدَ انصرَامِ زَمَنِ الصّحَابةِ وَالتَابعينَ، وأَنْكَرُوا قَوْلَ أَهْلِ الكلاَمِ: أَوَّلُ وَاجبِ النّظرِ، ولو قَالَ الكَافِرُ: أَمْهِلُونِي لِأَنْظُرَ وأَبْحَثَ لَمْ يُمْهَلْ، ولكِنْ يُقَالُ له: أَسْلِمْ فِي الحَالِ، وإِلاَّ فأَنْتَ مَعْرُوضٌ علَى السّيفِ، قَالَ: ولاَ أَعْلَمُ فِي هذَا خِلاَفًا بَيْنَ الفقهَاءِ، وَقَدْ نصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ. وَالثَّانِي: النَّظَرُ المُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَتِهِ تعَالَى، فإِنَّه لاَ يُتَوَصَّلُ إِليهَا إِلا بِالنظرِ، ومَا لاَ يَتِمُّ الوَاجبُ إِلا بِهِ فهو وَاجِبٌ، وفِي القرآنِ آيَاتٌ فِي وُجُوبِ النّظرِ، وَالتَنْبِيهُ علَى الآيَاتِ/ (٢٥٦/ب/م) وَالعلاَمَات. ُ وصحَّحَ الشَّيْخُ عزُّ الدِّينِ فِي (القوَاعدِ) أَنَّهُ لاَ يجِبُ النّظرُ إِلا عِنْدَ الشَّكِّ فِيمَا يجِبُ اعتقَادُه، فَيَلْزَمُ النَّظَرُ فِيه إِلَى أَنْ يَعْتَقِدُهُ. وقَالَ الغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: النّظرُ طويلٌ عِنْدَ مَنْ لاَ يَعْرِفُهُ، وَجِيزٌ عِنْدَ العَارفِ بِهِ، فإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ مُحْدَثٌ، فَالمُحْدَثُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ المُحْدِثِ، فَحَصَلَ لَك البرهَانُ علَى الإِيمَانِ بَاللَّهِ فمَا أَقربَ هَاتينِ المَعْرِفَتَيْنِ. الثَّالِثُ ـ وَبِهِ قَالَ القَاضِي: أَنَّهُ مَعْرِفَةُ الأَوَائلِ وَالمقدِّمَاتِ التي لاَ يتمُّ النّظرُ إِلا بهَا. الرَابِعُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ: أَنَّهُ القَصْدُ إِلَى النَّظْرِ الصّحيحِ، فإِنَّه لاَ يحصلُ النَّظرُ إِلا بِالقصدِ إِلَيْهِ، وذَكَرَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ)

стр. 803

وَغَيْرِهِ: أَنَّ الخِلاَفَ لَفْظِيٌّ يرجِعُ إِلَى أَنَّهُ هَلْ المُرَادُ الوَاجبُ لِعَيْنِهِ أَو لغيرِهِ؟ فمن أَرَادَ الأَوَّلَ قَالَ: إِنَّهُ المعرفةُ، ومَنْ أَرَادَ الثَّانِي قَالَ: إِنَّهُ النَّظَرُ أَو القَصْدُ إِلَى النَّظَرِ, قَالَ الشَّارِحُ: بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ تَظْهَرُ فَائدتُهُ فِي المعصيةِ بِتَرْكِ النّظرِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ، دُونَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ. قُلْتُ: قَد عَرَفْتَ بتقريرِ الإِمَامِ أَنَّهُ وَاجِبٌ جَزْمًا، إِلا أَنَّهُ وُجُوبُ الوسَائلِ دُونَ المقَاصدِ، فَكَيْفَ يقَالُ: لاَ يُعْصَى عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْه؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وذو النَّفْسِ الأَبِيَّةِ يَرْبَأُ بِهَا عَنِ سَفْسَافِ الأُمُورِ ويَجْنَحُ إِلَى معَاليهَا. ش: لمَّا بدأَ بمعرفةِ اللَّهِ، ثنَّى بِالنظرِ فِي الموجودَاتِ من نفسِه وَغَيْرِهَا ذَاتًا وقولاً وفعلاً، فِيتعَاطَى معَاليهَا فِي الظَّاهِرِ، وهو عِلْمُ الشريعةِ وَالبَاطنِ، وهو عِلْمُ الحقيقةِ، وَيَجْتَنِبُ فِيهَا الرَّدِي التَّافِهَ، وهو الدُّنْيَا التي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صلَى/ (٢٠٦/أَ/د) اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) وقَالَ وَقَدْ مَرَّ بِجَدْيٍ أَشلَّ مَيْتٍ: ((لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ علَى اللَّهِ مِنْ هذَا علَى أَحَدِكُمْ)) وقَالَ: ((الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرَ اللَّهِ، ومَا وَالَاهُ، أَو عَالِمًا أَو مُتَعَلِّمًا)) ولو لَمْ يَكُنْ فِي مَحَبَّةِ الدّنيَا مِنَ المفسدةِ إِلا الاشتغَالُ بِهَا عَنِ اللَّه تعَالَى. وَقَدْ قَالَ بعضُهُم لِوَلَدِهِ: يَا بُنَيَّ لاَ تَغْبِطَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا علَى دُنْيَاهُمْ، فوَاللَّهِ مَا

стр. 804

نَالُوهَا رَخِيصَةً، ووَاللَّهِ مَا نَالُوهَا حتَّى فَقَدُوا اللَّهَ. وَقَوْلُهُ:/ (٢٥٧/أَ/م) (يَرْبَأُ بِهَا) هو بِالهمزِ أَي: يَرْفَعُهَا. قَالَ الجوهريُّ: وقولُهم: إِنِّي لأَرْبَأُ بِكَ عَنْ هذَا الأَمرِ، أَي: أَرْفَعُكَ عَنْهُ انْتَهَى، ومِنْهُ مَا أَنْشَدَهُ بعضُهم. قَدْ هَيَّئُوكَ لِأََمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ ... فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ وَالسَّفْسَاف بسين مهملة وفَاء مكرَّرتينِ: الأَمرُ الحقيرُ وَالرديءُ مِنْ كلِّ شيءٍ، وهو ضدُّ العَالي، وأَصلُه مَا يظهَرُ من غُبَارِ الدَّقِيق إِذَا نُخِلَ، وَالتُّرَابِ إِذَا انْتَشَرَ. ورَوَى البيهقيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا)). فَالمَعَالِي وَالسَّفْسَافُ كلمتَانِ جَامِعَتَانِ لأَسبَابِ السّعَادةِ وَالشّقَاوةِ، وأَبِيُّ النَّفْسِ لاَ يرضَى أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مَعَ القُدْرَةِ علَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَى، ولاَ يَمِيلُ إِلَى الإِعْوِجَاجِ، وَقَدْ هُدِيَ إِلَى الطريقِ المستقيمِ، فإِنَّ الصَّادَّ عَن معرفةِ اللَّهِ أَو العَمَلِ للآخرةِ الإِقبِالُ علَى الشّهوَاتِ وَالحرصُ علَى الدّنيَا، ولهذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لو أَوْصَى لِأَعْقَلِ النَّاسِ صُرِفَ إِلَى الزُّهَادِ. وَقِيلَ لعبدِ اللَّهِ بْنِ المبَاركِ: مِنَ الملوكِ؟ قَالَ: الزُّهَادُ. قُلْتُ: لأَنَّهُمْ ّمَلَكُوا أَنْفُسَهُمْ، ولو تَسْتَعْبِدُهُمْ الدُّنيَا، ولم يُحَقِّرْهُمُ الطّمعُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الآخرةِ وَالدُّنْيَا، ومِمَّا يُرَغِّبُ فِي الزُّهْدِ فِيهَا خِسَّةُ شركَائِهَا، وقلَّةُ وفَائِهَا، وكثرةُ بلاَئِهَا، وتحققُّ فنَائِهَا. ص: ومَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، تصوَّرَ تَبْعِيدَهُ وَتَقْرِيبَهُ، فخَاَفَ ورجَا، فأَصغَى إِلَى الأَمرِ وَالنَّهْيِ، فَارْتَكَبَ وَاجْتَنَبَ َفأَحَبَّهُ مولاَه، فكَانَ سمعُه

стр. 805

وبصرُه ويدُه التي يَبْطِشُ بِهَا، وَاتَّخَذَهُ وَلِيًّا، إِن سَأَلَهُ أَعطَاه وإِنِ اسْتَعَاذَ بِهِ أَعَاذَهُ. ش: قَالَ بَعْضُهُمْ: العَارفُ عِنْدَ أَهْلِ التّصوفِ مَنْ عَرَفَ الحقَّ بأَسمَائِهِ وصفَاتِه، ثُمَّ صدَّقَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ مُعَامَلَاَتِهِ، ثُمَّ تَنَقَّى عَن أَخلاَقِه المذمومةِ وآفَاتِهِ، ثُمَّ طَالَ بِالبَابِ وقوفُه، ودَامَ بِالقلبِ عُكُوفُهُ، فَحَظِيَ مِنَ اللَّهِ بجميعِ آمَالِهِ، وصدَّقَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أَحوَالِهِ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ هوَاجسُ نَفْسُهُ، ولم/ (٢٥٧/ب/م) يَصْغَ بقلبِه إِلَى خَاطرِ يَدْعُوه إِلَى غيرِه. وقَالَ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ فِي (القوَاعدِ) الطّريقِ فِي إِصلاَحِ القلوبِ التي تَصْلُحُ الأَجسَادُ بصلاَحِهَا، وتَفْسُدُ بفسَادِهَا، تَطْهِيرُهَا مِنْ كلِّ مَا يُبَاعِدُ عَنِ اللَّهِ، وتَحَلِّيهَا بكلِّ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ ويُزْلِفُ لديه مِنَ الأَحوَالِ وَالأَقوَالِ وَالأَعمَالِ، وَحُسْنِ الآمَالِ، وَلُزُومِ الإِقبِالِ عَلَيْهِ وَالإِصغَاءِ إِلَيْهِ، وَالمُثُولِ بَيْنَ يديهِ فِي كلِّ وقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ وحَالٍ مِنَ الأَحوَالِ، علَى حَسَبِ الإِمكَانِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ إِلَى السّآمةِ وَالمِلَالِ، قَالَ: ومعرفةُ ذَلِكَ هي المُلَقَّبَةُ بعِلْمِ الحقيقةِ، وليسَتْ الحَقِيقَةُ خَارجِةً عَنِ الشّريعةِ، بَلِ الشّريعةُ طَافِحَةٌ بإِصلاَحِ القلوبِ بِالمعَارفِ، وَالأَحوَالِ وَالعزومِ وَالنيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى. فإِذَا عَرَفَ الإِنسَانُ ربَّهُ تَصَوَّرَ بقلبِهِ تَبْعِيدَهُ إِلَيْهِ وتَقْرِيبَه مِنْهُ، وَلَيْسَ المُرَادُ قُرْبَ المسَافةِ وبُعْدَهَا، بَلْ التَّبْعِيدُ بِتَرْكِ اللُّطْفِ وَالإِرشَادِ وَالتوفِيقِ وإِرَادةِ الشَّرِّ بِهِ، وَالتقريبُ بِاللطفِ وَالإِرشَادِ وَالتوفِيقِ وإِرَادةِ الخيرِ بِهِ، فهمَا تَبْعِيدٌ وتَقْرِيبٌ مَعْنَوِيَّانِ, فخَافَ أَنْ يقَعَ فِي التبعيدِ، ورجَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التقريبِ، فَفَزَعَ إِلَى العِلْمِ، وأَصغَى إِلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تعَالَى ونَوَاهِيهِ، فبَحَثَ عَنْهَا وعَلِمَهَا بِحَسَبِ الإِمكَانِ، فَارْتَكَبَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتَنَبَ مَا نهَاه اللَّهُ عَنْهُ، فكَانَ نَتِيجَةُ عِلْمِهِ عَمَلَه بِهِ. ومَنْ كَلَاَمِ بَعْضِهِمْ: العِلْمُ يَهْتِفُ بِالعملِ، فإِنْ أَجَابَهُ وإِلاَّ ارْتَحَلَ فنَالَ بِالعِلْمِ

стр. 806

وَالعَمَلِ مَحَبَّةَ اللَّهِ تعَالَى لَهُ (وهو يَدُلُّ علَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ سَابقةً علَى مَحَبَّتِهِ له، وفِيه خلاَفٌ) وَالأَصَحُّ الأَوَّلُ. قَالَ بعضُهُمْ: علاَمةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ بُغْضُ المرءِ لنفسِهِ؛ لأَنَّهَا مَانِعٌ لَهُ مِنَ المَحْبُوبِ فإِذَا وَافَقَتْهُ نَفْسُه فِي المَحَبَّةِ أَحبَّهَا، لاَ لأَنَّهَا نَفْسُهُ، بَلْ لأَنَّهَا تُحِبُّ مَحْبُوبَهُ، وَتَرَتَّبَ علَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تعَالَى لَهُ صيَانَةُ جوَارحِهِ وحوَاسِّهِ فَلاَ يَسْمَعُ إِلا لِلَّهِ ولاَ يُبْصِرُ إِلا له، ولاَ يَبْطِشُ إِلا لِأََجْلِهِ، كمَا قَالَ ﵊: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّه وَأَبْغَضَ لِلَّه وأَعطَى لِلَّه وَمَنَع لِلَّه فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)) / (٢٥٨/أَ/م) وكمَا كَانَتْ حَالةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكُ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ. وأَصلُّ هذَا الحديثِ فِي صحيحِ البخَاريِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ اللَّهِ تعَالَى: ((مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُه بِالْحَرْبِ، ومَا تَقَرَّبَ إِلي عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُه عَلَيْهِ، ومَا يزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنوَافلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعُهُ الذي يَسْمَعُ مِنْهُ وَبَصَرُهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدُهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، فإِنْ سأَلَنِي فَلَأُعْطِيَنَّهُ، وإِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ)) قَالَ بَعْضُهُم فِي معنَى هذَا الحديثِ: إِنَّ اللَّهَ تعَالَى يَتَوَلََّى مَنْ أَحَبَّهُ فِي جَمِيعِ أَحوَالِه، كَمَا يَتَوَلَّى الوَالِدَانِ جَمِيعَ أَحوَالِ الطَّفْلِ، فَلاَ يَمْشِي إِلا بِرِجْلِ أَحَدِهِمَا ولاَ يأَكلُ إِلا بِيَدِهِ، فَفَنِيَتْ صِفَاتُهُ وقَامَتْ صفَاتُ الوَالِدَيْنِ مقَامَهَا لشدَّةِ اعتنَائِهمَا بِحِفْظِهِ، فكذلك حَالُ الولِيِّ مَعَ الرَّبِّ ، وَاتِّخَاذُ اللَّهِ لَهُ وليًّا يحتمِلُ أَنْ يَكُونَ فعيلاً بمعنَى فَاعلٍ، أَي وَلِيُّ أَمْرِ اللَّهِ. (وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ أَي: وَلِيَ اللَّهُ أَمْرَهُ) وَتَرَتَّبَ علَى وِلَاَيَتِهِ إِجَابةُ دَعْوَتِهِ وإِعَاذَتُهُ ممَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخَرَّازُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تعَالَى أَنْ يُوَالِي عبدَهُ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ

стр. 807

ذِكْرِهِ، فإِذَا اسْتَلَذَّ الذِّكْرَ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابُ القُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مجَالسِ الأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ علَى كُرْسِيِّ التّوحيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ الحُجُبَ، وأَدْخَلَهُ دَارَ القُرْبِ، وكَشَفَ لَهُ الجلاَلَ وَالعَظَمَةَ، فإِذَا وقَعَ بَصَرُهُ علَى الجلاَلِ وَالعظمةِ خرَجَ مِنْ حِسِّهِ ودَعَاوَى نَفْسِه، ويَحْصُلُ حِينَئِذٍ فِي مقَامِ العِلْمِ بَاللَّهِ فَلاَ يَتَعَلَّمُ بِالخَلْقِ بَلْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ وَتَجَلِّيهِ لِقَلْبِهِ حِينَئِذٍ، فَيَسْمَعُ مَا لَمْ يُسْمَعْ، ويَفْهَمُ مَا لَمْ يَفْهَمْ. ص: وَدَنِيءُ الهِمَّةِ لاَ يُبَالِي فَيَجْهَلُ فوقَ جهلِ الجَاهلينَ ويدخُلُ تحتَ رِبْقَةَ المَارِقِينَ. ش: دَنِيءُ الهِمَّةِ ـ وهو مِنْ جُنْحِ إِلَى سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَعَدَلَ عَنْ معَالِيهَا ـ لاَ يُبَالِي هَلْ قَرَّبَهُ اللَّهُ أَو أَبْعَدَهُ، فَلاَ يَتَعَلَّمُ أَمْرَهُ ولاَ نَهْيَهُ، ولاَ يَعْمَلُ بمقتضًى وَاحدٍ مِنْهُمَا لو عَلِمَهُ، ولاَ يُبَالِي مَا اكْتَسَبَ مِنَ المَالِ هَلْ هو مِنْ حِلٍّ أَو حَرَامٍ، ولاَ مَا عَمَلَ مِنَ الأَعمَالِ هَلْ يُوَافِقُ الشَّرْعَ أَمْ لاَ/ (٢٥٨/ب/م)، ولاَ يُبَالِي فِي أَفعَالِهِ هَلْ تُسْخِطُ الرَّبَّ أَو تُرْضِيه قَد أَعْرَضَ عَن أُخْرَاهُ وَانْهَمَكَ فِي دُنْيَاهُ. وَقَدْ قَالَ العلمَاءُ: إِنَّ الخَسِيسَ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ، وأَخَسُّ الأَخِسَّاءِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ. ص: فَدُونَكَ صَلَاَحًا أَو فسَادًا وَرِضًا أَو سَخَطًا وقربَا أَو بُعْدًا وسَعَادَةً أَو شَقَاوَةً وَنَعِيمًا أَو جَحِيمًا. ش: هذَا خِطَابٌ لِمَنْ عَلِمَ الفَرْقَ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ وَتَضَمَّنَ قَوْلَهُ (دُونَكَ) تَحْذِيرًا وإِغرَاءً فَالإِغرَاءُ للصلاَحِ وَالرِّضَى وللقُرْبِ وَالسعَادةِ وَالنعيمِ. وَالتحذيرُ لمقَابلِهَا أَي: بعدَ أَنْ عَرَفْتَ الطَّرِيقَيْنِ فَاسْلُكْ طَرِيقَ الهُدَى وَاحْذَرْ طَرِيقَ/ (٢٠٦/أَ/د) الضلالِ.

стр. 808

ص: وإِذَا خَطَرَ لَك أَمْرٌ فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ فإِنْ كَانَ مأُمُورًا فبَادِرْ فإِنَّه مِنَ الرَّحْمَنِ، فإِنْ خَشِيتَ وقوعَه لاَ إِيقَاعَه علَى صفةٍ مَنْهِيَّةٍ فَلاَ عليك، وَاحْتِيَاجُ اسْتِغْفَارِنَا إِلَى اسْتِغْفَارٍ لاَ يُوجِبُ تَرْكَ الاستغفَارِ، ومِنْ ثَمَّ قَالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ: اعْمَلْ وإِنْ خِفْتَ العُجْبَ مُسْتَغْفِرًا مِنْهُ وإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا فإِيَّاكَ فإِنَّه مِنَ الشّيطَانِ فإِنْ مِلْتَ فَاسْتَغْفِرْ. ش: إِذَا عُرِضَ لِسَالِكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ أَمْرٌ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَزِنَهُ بميزَانِ الشَّرْعِ، فإِنَّ الأَحكَامَ لاَ تُعْرَفُ إِلا مِنْهُ، وَلَهُ ثلاَثةُ أَحوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مأُمُورٌ بِهِ شرعًا، إِمَّا علَى طريقِ الوُجُوبِ أَو الاستحبَابِ، فَلْيُبَادِرْ إِلَى فِعْلِهِ، فإِنَّه مِنَ الرّحمنِ ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلهَامًا مِنَ اللَّهِ له، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِلقَاءِ المَلَكِ فِي الرَّوْعِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَن إِلقَاءِ المَلَكِ قَد يُعَارِضُه النَّفْسُ وَالشَّيْطَانُ بِالوسَاوسِ، بخلاَفِ الخوَاطرِ الإِلْهَامِيَّةِ فإِنَّه لاَ يَرُدُّهَا شَيْءٌ بَلْ تنقَادُ لهَا النّفسُ وَالشّيطَانُ طَوْعًا وَكَرْهًا. قَالَ الشَّارِحُ: وعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (فَبَادِرْ) بفَاء التَّعْقِيبِ ـ السرعةُ: قَالَ الأَستَاذُ أَبُو القَاسمِ القُشَيْرِيُّ: فإِنَّكَ إِنْ تَوَقَّفْتَ بِرَدِّ الأَمرِ، وَهَبَّتْ ريحُ التََّكَاسلِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ البُوشِنْجِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي شُغُلٍ فَدَعَا مَنْ نزَعَ قميصَه عَنْهُ، وقَالَ: ادْفَعْه إِلَى فلاَنٍ، فقِيلَ: لو صَبِرْتَ حتَّى تَخْرُجَ؟ فقَالَ: خَشِيتُ أَنْ يزولَ هذَا الخَاطرُ عَنِ القلبِ. قُلْتُ: هذه الفَاءُ لاَ دلاَلةَ لهَا علَى التَّعْقِيبِ، وإِنَّمَا هي لربطِ الجزَاءِ بِالشَّرْطِ، وَالدَالةُ علَى التّعقيبِ/ (٢٥٩/أَ/م) هي العَاطفةُ، ولكنْ هذَا المَعْنَى مَفْهُومٌ مِنْ لَفْظِ المبَادرةِ،

стр. 809

ولاَ يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ لدلاَلةِ الفَاء، ِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فإِنْ خَشِيتَ مَعَ كَوْنِهِ مأُمُورًا بِهِ أَنْ يَقَعَ علَى صِفَةٍ مَنْهِيَّةٍ لِعُجْبٍ أَو رِيَاءٍ فَلاَ يَكُنْ ذَلِكَ مَانعًا لَك مِنَ المبَادَرَةِ إِلَيْهِ، أَقِمِ الأَمْرَ وَاحْتَرِزْ عَنِ النَّهْيِ، فإِنْ أَوْقَعْتَهُ علَى الصِّفَةِ المَنْهِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ مُحِيطًا له. قُلْتُ: وإِنَّمَا عبَّرَ المُصَنِّفُ بِالوقوعِ، وَاحْتَرَزَ عَنِ الإِيقَاعِ، لأَنَّهُ لو كَانَ قصْدُه إِيقَاعَهُ علَى الصِّفَةِ المذمومةِ بأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يقُومُ للريَاءِ فإِن ذَلِكَ الخَاطرَ شَيْطَانِيٌّ، وإِنَّمَا الكلاَمُ فِي خشيةِ وُقُوعِ هذه المفسدةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ هي الحَاملُ لَهُ علَى الفعلِ، وَقَدْ قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العَمَلُ لأَجلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَتَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ ريَاءٌ، وَالإِخلاَصُ أَنْ يُعَافِيكَ اللَّهُ مِنْهُمَا. ثم أَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى الجوَابِ عَن سؤَالٍ تقديرُهُ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ رَابِعَةِ العَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ: (اسْتِغْفَارُنَا يَحْتََاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ) ومُقْتَضَاه أَنْ لاَ نَسْتَغْفِرَ، لأَنَّهُ أَمْرٌ يَحُوجُ إِلَى التَّنَصُّلِ مِنْهُ، فأَجَابَ عَنْهُ بأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي تَرْكَ الاستغفَارِ. قَالَ الغَزَالِيُّ فِي (الإِحيَاءِ) فِي بَابِ التّوبةِ: لاَ تَظُنَّنَّ أَنَّ رَابِعَةَ تَذُمُّ حركةَ اللِّسَانِ بِالاستغفَارِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تعَالَى، بَلْ تَذُمُّ غفلةَ القلبِ، فهو محتَاجٌ إِلَى الاستغفَارِ مِنْ غفلةِ قَلْبِهِ، لاَ مِنْ حركةِ لِسَانِهِ، فإِنْ سَكَتَ عَنِ الاستغفَارِ بِاللسَانِ أَيضًا احتَاجَ إِلَى استغفَارينِ. قَالَ: وهذَا معنَى قَوْلِ القَائلِ الصَّادقِ: حسنَاتُ الأَبرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ. ثُمَّ اسْتَشْهَدَ المُصَنِّفُ لمَا قَرَّرَهُ من ذَلِكَ بقولِ الشَّيْخِ شهَابِ الدّينِ السَّهْرَوَرْدِيِّ وَقَدْ سأَلَهُ بَعْضُ أَئمَّةِ خُرَسَانَ فقَالَ: القَلْبُ مَعَ الأَعمَالِ يدَاخلُه العُجْبُ، وَمَعَ

стр. 810

تَرْكِ الأَعمَالِ يَخْلُدُ إِلَى البطَالةِ. فأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: لاَ تَتْرُكِ الأَعمَالَ، ودَاوِ العُجْبَ بأَنْ تَعْلَمَ أَن ظُهُورَهُ مِنَ النَّفْسِ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فإِنَّ ذَلِكَ كفَّارَتَهُ، ولاَ تَدَعِ العَمَلَ رأَسًا. وكذَا قَالَ الإِمَامُ فِي (المطَالبِ) من مكَائدِ الشّيطَانِ تَرْكُ العَمَلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ/إِنه مرَاءٌ وهذَا بَاطلٌ، فإِنَّ تَطْهِيرَ العَمَلِ مِنْ نَزَغَاتِ الشّيطَانِ بِالكليَّةِ مُتَعَذِّرٌ/ (٢٠٦/ب/د) فَلَوْ وَقَفَتْ العبَادةُ علَى الكمَالِ لِتَعَذُّرِ الاشتغَالِ بِشَيْءٍ مِنَ العبَادَاتِ، وذلكَ يُوجِبُ البطَالةُ، وهي أَقصَى غرضِ الشّيطَانِ/ (٢٥٩/ب/م). وقَالَ النّوويُّ: ولو فَتَحَ الإِنسَانُ عَلَيْهِ بَابَ ملاَحظةِ النَّاسِ، وَالاحترَازُ مِنْ تَطَرُّقِ ظُنُونِهِمْ البَاطلةِ لأَفسدَ عَلَيْهِ أَكثرَ أَبوَابِ الخيرِ، وَضَيَّعَ علَى نَفْسِهِ شيئًا عظيمًا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ، وَلَيْسَ هذَا طريقةُ العَارِفِينَ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ من قَالَ: سِيرُوا إِلَى اللَّهِ عَرَجًا وَمَكَاسِيرَ، ولاَ تَنْتَظِرُوا الصِّحَّةَ فإِنَّ انتظَارَ الصِّحَّةِ بطَالةٌ. وحُكِيَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا خِفْتَ علَى عَمَلِكَ العُجْبَ فَاذْكُرْ رضَى مَنْ تَطْلُبُ، وفِي أَيِّ النَّعِيمِ تَرْغَبْ ومِنْ أَيِّ عِقَابٍ تَرْهَبُ، وأَيَّ عَاقِبَةٍ تَشْكُرُ، وأَيَّ بَلاَءٍ تَذْكُرْ، فإِنَّكَ إِذَا فَكَّرْتَ فِي وَاحدةٍ مِنْ هذه الخِصَالِ صَغُرَ فِي عَيْنِكَ عَمَلُكَ. الحَالةُ الثَّانِيةُ: أَنْ تَجِدَ ذَلِكَ الأَمْرَ مَنْهِيًّا عَنْهُ شرعًا، فَلاَ تَقْرَبْهُ، فإِنَّ ذَلِكَ الخَاطرَ مِنَ الشّيطَانِ كذَا قَالَ المُصَنِّفُ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ، قَالُوا: وَالفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خَاطِرَ النَّفْسِ لاَ تَرْجِعُ عَنْهُ، وخَاطرَ الشّيطَانِ قَد يَنْقِلُهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنْ صَمَّمَ الإِنسَانُ علَى عَدَمِ فِعْلِهِ؛ لأَنَّ قَصْدَهُ الإِغرَاءُ لاَ خصوصُ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإِْن فَعَلْتَ ذَلِكَ المَنْهِيَّ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْهُ، ولاَ تيأَسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.
следующие страницы →