وذهب اللخمي إلى أن الاختلاف في القسم في هذا كله فيما ورث، أو اشتري للقنية، فأما ما اشتري (١) للتجارة فلا يقسم، فكذلك يجب ألا يجبر من أبى البيع على البيع، لأن على الاشتراك (٢) دخلا فيه (حتى) (٣) يباع جملة، وكذلك (٤) يجب أن يكون هذا كله أيضاً (٥) فيما ورث (٦)، أو اشتراه الأشراك جملة وفي (٧) صفقة، فأما لو اشترى (٨) كل واحد منهم جزءاً مفرداً، وبعضهم (٩) بعد بعض لم يجبر أحد منهم على (إجمال) (١٠) البيع مع صاحبه، إذا دعا إليه، لأنه كما اشترى مفرداً، كذلك يبيع مفرداً، ولا حجة له هنا في بخس الثمن في بيع نصيبه مفرداً، لأن (١١) كذلك اشترى، فلا يطلب الربح فيما اشترى بإخراج شريكه من ماله.
وقد اختلف في مراعاة نقض الثمن في (١٢) منع القسمة، فكذلك (١٣) يجب أن يراعى، ولا يراعى في بيع النصيب المشتري في الجملة، أو الموروث (١٤)، وإلى أنه لا يراعى نقص (١٥) الثمن ذهب ابن لبابة، وابن عتاب، وراعاه. آخرون، فأما متى لم يجد من يشتريه منه
стр. 2207
جملة على القول بأنه لا يقسم ما فيه مضرة (١)، فمن دعا إلى البيع أجبر الآخرون على مشهور المذهب على البيع معه، وعلى مذهب الداودي لا يجبرون.
وقوله مبني على القول الآخر في وجوب (٢) القسمة (٣) كما قدمناه بكل حال، وقد ذهب إلى نحو ما [١٣٦] ذهب إليه الداودي ابن لبابة، وأكثر فقهاء؛ قرطبة في أحكام (٤) ابن زياد من أنه لا يباع بدعوى من طلب البيع على الآخرين ما احتمل القسم متى (٥) توجهت فيه منفعة، ولا يراعى ضرر القسمة في ذلك، فإذا بيع بدعوى أحدهم إلى ذلك لم يكن له شراؤه على ظاهر مسائلهم، إذا كان عليه (٦) البيع لما قدمناه، وإن كان إنما مذهبه حين امتنعت المقاسمة فيه الانفراد (٧) بالسكنى (٨)، أو بنائه لو هابه، ودعا إلى المقاواة، أو البيع لذلك، فلمن (٩) أراد منهم ضمه بمقاواة (١٠)، أو بالشراء، فذلك له، لما امتنع (١١) جميعهم (١٢) من الانتفاع به على الوجوه (١٣) التي (١٤) أرادوه، وكذلك لو كان ميراثاً ولم (١٥) يحتمل القسم، فباعوه ليقسموا ثمنه، أو باعه عليهم السلطان، وإن كان بعضهم يكره البيع لكون نصيبه أكثر فإنه
стр. 2208
يجعل (١) له ما (٢) ينتفع به لو قسم، أو لأنه يتركه للغلة (٣)، فيقتسمون كراءه، ولم ير السلطان قسمته (٤) لضيقه عن انتفاع جميعهم بأنصبائهم، لو قسم، أو تغيره (٥) عن حاله مما يدخل عليهم في ذلك ضرر، فباعه عليهم لكان (٦) لمن شاء منهم، من طالب بيع (٧)، أو غيره، منهم شراءه، وضمه لنفسه (٨)، أو مقاواة من كره البيع من أشراكه، وقاله ابن القاسم. وبه أفتى الشيوخ، وعمل القضاة. وما قاله شيخنا في رباع الغلة له وجه من النظر. وما قاله اللخمي فيما اشتري للتجارة أيضاً صحيح.
وقوله في الكتاب فيمن اتخذ رحى في داره تضر (٩) بجدران (١٠) الجيران، أنه يُمنع من ذلك (١١)، فتأمل قوله: تضر (١٢) بجدران (١٣) الجيران. فإنما منعه لهذه العلة، لا لأجل دويها، وجعجعتها. فمفهوم الكتاب هذا، وهو (١٤) تفسير قوله: هل ما اتخذ الرجل من فرن (١٥)، أو حمام، أو أرحية، فما أضر بجاره (١٦) منع من ذلك (١٧)، وهو قول أكثر الشيوخ
стр. 2209
بقرطبة، وغيرها، وبه أفتى أبو عثمان بن عبد ربه، وإليه مال ابن عتاب لأنه (١) لا يراعى ضرر (٢) الصوت وبه أفتى أبو عبد الله بن غالب (٣) من شيوخ بلدنا وأفتى غيرهم من القرطبيين بأن ضرر الصوت والدوي (٤) يراعى. وبه أفتى إبراهيم بن يربوع من شيوخ بلدنا (٥) [أيضاً] (٦)، في مسألة ابن فتح (٧) وهي مشهورة ولابن (٨) غالب فيها جواب بشعر معلوم إذ (٩) كان سئل فيها أيضاً (١٠) بشعر، واحتج هؤلاء بظاهر لفظه كلما (١١) أضر (١٢) بجاره واحتج الأول بقول مالك في الحداد أنه لا يمنع من عمل [ضرب] (١٣) الحديد في داره وإن تأذى (١٤) بذلك جاره (١٥). وقال: لا أقدر أن أنام معه وإنما
стр. 2210
المراعى عند هؤلاء ضرر (١) آخر غير هذا من هدِّ (٢) الجدارات بتحريكها وقوة زلزالها (٣) وما يوهي أسسها (٤) من دويها وشبه ذلك.
وقوله في القوم (٥) يستأجرون القاسم يقسم بينهم، أو لقسمة المغانم (٦): لا أرى بذلك بأساً (٧). وكراهية (٨) أرزاق القسام (٩) [وقسام الغنائم (١٠)] (١١) وإجازته أرزاق العمال (١٢)، تحقيق هذا كله [آنذلك] (١٣) على ثلاثة وجوه (١٤):
فما كان من ذلك رزقاً من بيت المال فلا بأس به.
وما كان بفرض (١٥) من أموال اليتامى، والناس، قسموا أو لم يقسموا يجعل له على الناس جُعْل، فهذا حرام ممنوع، وبه علل المنع مرة في الكتاب.
فإذا (١٦) استأجرهم الناس مرة لحاجتهم فجائز لكنه (١٧) كرهه في كتاب
стр. 2211
ابن حبيب (١) ورأى أن الأفضل أن يفعلوا ذلك بغير أجر وهو ظاهر الكتاب لقوله وقد (٢) كان خارجة ومجاهد يقسمان ولا يأخذان لذلك أجراً (٣) لأن كل ما كان من باب العلم يجب ألا يؤخذ عليه أجر (٤) فقد (٥) يكون كراهيته لأجر قسّام الغنائم وقسّام القضاة (٦) من هذا، ألا تراه كيف قال أيضاً: لا أرى (٧) أن يأخذوا على القسم أجراً (٨) وإن كان هذا جائزاً (٩)، والأولى ألا يكون، وأما [إجازته] (١٠) الإجارة على كتب (١١) الوثيقة فعلى هذا، (أي) (١٢) إذا فعله فهو جائز غير حرام كما قال ابن حبيب: ليس بمحرم عليه، إلا (أن) (١٣) النزاهة (١٤) عن أخذه خير (١٥).
وقوله في أجر كتب الوثيقة على جميعهم، بينه (١٦) في كتاب الأقضية، فقال: على رؤوسهم، وقال أصبغ: على قدر أنصبائهم، وسأله في الكتاب عن الذي يوضع (١٧) على يده (١٨) المال (عليه) (١٩) شيء من ذلك. قال:
стр. 2212
نعم. قيل: يريد عند قبضهم لما بيده لأنها براءة له، وعليه يدل ظاهر لفظه في الكتاب، وفي الواضحة (١) (لابن حبيب) (٢) مثل ما في المدونة، لأن في ذلك براءته منه كواحد منهم، وفي سماع عيسى: ليس عليه شيء، وقال سحنون: الجعل [على] (٣) الذي في يده المال، وهو يتوثق لنفسه، ولا شيء على الآخرين لأنهم لو أعطوه أخذوه.
ومعنى المسألة أنها إن كان فيها عمل الفريضة وحساب الأجزاء (٤) والقبض (٥) والدفع، فيجب أن يكون عليه وعليهم - كما (٦) قال في الكتاب بغير خلاف - لأن المنفعة لجميعهم، ولولا عمل حسابهم لم تطل الوثيقة، ولا يكثر (٧) كتابها (٨)، ولا حقق ما يقبض (٩) كل واحد منهم، ولا تفاضل في ذلك بعضهم من بعض. وأما (١٠) إن كان بمجرد (١١) القبض لم يحتج لسواه، لكون القابض واحداً. وليس في قسمة المال كبير عمل، فإنما هي توثقة (١٢) للدافع وبراءة له، فها هنا موضع الخلاف، فعلى مذهب الكتاب والواضحة فيه منفعة للقابضين بالإشهاد أن هذا المال مالهم، ووديعة عنده (١٣)، لا يتوجه له فيه بعد دعوى عليهم،
стр. 2213
ولا لأحد من سببه (١) أنه دفعه (٢) إليهم قرضاً أو قراضاً، أو وديعة، أو من دين، كان لهم عليه، وفيه منفعة له هو بالإبراء (منه) (٣)، فكان (٤) على جميعهم وعلى مذهب سحنون: لا يلتفت إلا إلى منفعته (٥) لإبرائه (٦)، وهو أصل [١٣٧] ما بنيت (٧) عليه الوثيقة، فجعلها (٨) [عليه] (٩) ابن القاسم في سماع عيسى رآه متطوعا؛ بقبض المال والنظر فيه (١٠) بغير (١١) منفعة، إلا لمعونة (١٢) المسلم للمسلم، ومن (١٣) حقه كما [لو] (١٤) استودعه (دينه) (١٥) وحفظه أن يخلص عند خروجه من أمانته عن التبعات (١٦) ويبرأ منه (١٧) كما (١٨) ألزم (١٩) ذمته وأمانته بغير (٢٠) نفع.
مسألة (٢١) دار الميت إذا كان الورثة يسكنونها وتشاحوا فيها، جاء فيها
стр. 2214
في الكتاب لفظ مشكل، ظاهره أولاً أنها ليست كغيرها، وأنها (١) تُفْرد بالقسم (٢) بينهم، لقوله (٣): ودوره التي ترك كلها سواء في مواضعها وتشاح الناس فيها ثم قال تقسم بينهم هذه الدار يجعل لكل واحد منهم نصيب (٤).
(وقيل:) (٥) وعلى (٦) هذا تأول المسألة فضل وغيره، ولكن جاء بعد هذا كلام دل ظاهره على خلافه وأنها كغيرها من الدور بقوله: إنها تقسم بينهم هذه (الدار) (٧) إذا كانت الدور التي ترك في غير هذا الموضع التي الدار فيها ثم يقسم ما بقي من الدور (٨). وعلى (٩) هذا الظاهر اختصرها كثير من المختصرين وعليه تأولها ابن أبي زمنين وأنها تقسم مع ما قرُب (١٠) منها من الدور وقال كذا فسرها بعض مشايخنا (١١). وإليه نحا أبو عمران وفي كتاب ابن حبيب في دار الرجل الشريف لها حرمة (١٢) بسكناه فتشاح (١٣) الورثة فيها إنها تقسم بينهم وحدها لو حملت (١٤) القسم، وإن ترك دوراً بقربها.
قال فضل: قد احتج بهذا ابن القاسم في المختلطة وخُلِّط فيها بعد ذلك بحرف إذا كانت كغيرها (١٥) في غير ذلك الموضع. قال: وإنما جاءت
стр. 2215
عندي عن غير عمد (١) لما جاء في أول السؤال (٢).
قال القاضي: وعلى هذا روى المسألة العتبي (٣) فقال في آخر المسألة: وكانت الدور التي ترك الميت في هذا الموضع التي الدار فيها فأتى (٤) الكلام (٥) مستقلاً صحيحاً على ما في كتاب ابن حبيب، وعلى التأويل الأول، وزال الإشكال بإسقاط لفظ (٦) غير، وتأولها اللخمي أنها إن كانت في محلة واحدة جمعت في القسم مع غيرها، وإن افترقت محلتها من محلات غيرها فالقول قول من دعا إلى إفرادها إن احتملت القسم، وأن لا تُبايعوها، فكأنه حمل قوله أولاً في مواضعها وتشاح الناس فيها يريد مع اختلاف المحلات، ورد أول الكلام على آخره, وانظر قوله: "الذي كانوا يسكنونها" (٧) فقد خصص بعض الشيوخ المسألة بهذا ممن كان من الولد، ومن كان يسكن الدار دون العصبة. قال: وهذا في غير الشريف و [من] (٨) لا تشرف (٩) الدار بسكناه، وأما الرجل الشريف فسواء بنوه وعصبته (١٠) ممن سكنها أو لم يسكنها، لها حرمة في نفسها توجب إفرادها بالقسم.
مسألة (١١) صفة القسمة اختلف في تأويل قول مالك في أربعة فصول.
أولها: ألا يجمع (١٢) نصيب اثنين في القسم وإن أرادا، وفي اللفظ
стр. 2216
الآخر (١) أول الكتاب: لا يجمع بين رجلين في القسم (٢)، وقول ابن القاسم في مسألة العصبة إذا أرادوا أن يجمعوا نصيبهم وتسويغ مالك ذلك لهم وذلك عندي في أهل الميراث كلهم (٣) غير هؤلاء سواء كانت العصبة جماعة أو واحداً. قالوا: وتأويل ابن القاسم هذا على مالك خلاف قول مالك وغير مراده ولم يرد مالك أنه لا تجمع (٤) الأنصباء في واحد في جميع الأقسام بالقرعة، وإنما هذا فيما هم فيه (شركاء) (٥) [سواء] (٦) تستوي (٧) السهام، فإذا اختلفت أنصباؤهم فكان لقوم (سهم الثلث، ولآخرين سهم) (٨) السدس، ولآخرين سهم النصف، فإنه يجمع كل سهم في القرعة عليه وإن كرهوا (ذلك، (كلهم) (٩)) (١٠) كذا (١١) فسره عن مالك في العتبية في سماع ابن نافع، وأشهب. وفي كتاب ابن حبيب عن عبد الملك ومطرف وأصبغ [مثله] (١٢). وقالوا هو (١٣) قول مالك وجميع أصحابنا. فإذا خرج نصيبهم قسم لهم على (عدد) (١٤) رؤوسهم إن أحبوا ذلك ودعوا إليه.
وقوله في المدونة في الولد كقوله في العصبة، حيث قال ويُضرب لهم في الناحية الثانية (١٥) فما خرج للمرأة أخذته وضم ما بقي بعضه إلى بعض
стр. 2217
فيقسم (١) بين الورثة (٢) فهذا يدل أنه إنما ضرب لهم سهم (٣) واحد لحاجته (٤) بعد [إلى] (٥) القسمة عليهم كما قال في العصبة فهذا أحد الوجوه التي اختلف فيها (٦) تأويل ابن القاسم وغيره على قول مالك فابن القاسم (٧) تأول أنه لا يجمع جملة بسهم اثنين اتفقا أو اختلفا رضيا أو كرها جمعهم (٨) سهم أو فرقهم، إلا (٩) العصبة إذا رضوا بذلك. وغيره يرى جمع (١٠) [أهل] (١١) كل سهم في سهم واحد، ويضرب لهم [به] (١٢) شاؤوا ذلك (١٣) أو كرهوه (١٤). ثم هم بعد في الخيار بين أن يبقوا شركاء في سهم، أو يستأنفوا (١٥) القسمة (فيما) (١٦) بينهم.
الفصل الثاني في تفسير صورة القسمة. وقوله في الكتاب (١٧): إذا تشاحوا ضرب القاسم بأي الطرفين (١٨) يبدأ فعلى أي الطرفين خرج السهم
стр. 2218
ضرب عليه أولاً فمن خرج (١) سهمه (٢) عليه أخذه وضم إليه بقية حقه فإن تشاحوا أيضاً ضرب على أي الطرفين يبدأ به فكذلك أبداً حتى إذا لم يبق إلا اثنان (٣) ضرب على أي الطرفين شاء ولم يلتفت إلى تشاححهما لأن الضرب على أي الطرفين لأحدهما ضرب للآخر (٤) كذا (في) (٥) روايتنا في الكتاب (٦) إلا ما اختصرنا من لفظها وفي رواية ابن وضاح على ما ذكره ابن أبي زمنين أنه إذا ضرب على أي الطرفين يبدأ بالقسم فمن خرج سهمه في ذلك الطرف أعطيه وأكمل له (٧) لا تبالي من كان زوجة أو أما أو ابنة ثم يقسم على ما بقي على أقل من بقي سهما (٨). ويستأنف القسمة والقرعة على أي الطرفين يبدأ هكذا (٩).
قال ابن أبي زمنين: وأنكر سحنون هذا، وكان [يرى] (١٠) القسم على أقل الأنصباء حتى تنفذ السهام. وكذلك روي عن ابن القاسم وغيره في غير المدونة.
الفصل الثالث: قوله: [لم] (١١) يسهم للزوجة على (١٢) أحد الطرفين (١٣).
стр. 2219
قال ابن لبابة مذهبه في الزوجة وغيرها أنه يبدأ بالضرب لصاحب النصيب القليل على صاحب النصيب الكثير، ويجعل في طرف، وكذلك ذكر فضل عن عبد الملك بن الماجشون (١)، وذكر عن المغيرة [١٣٨] خلافه، وأنه يسهم؛ للزوجة حيث خرج سهمها (٢)، ومثله قال ابن حبيب (٣)، وحكى ابن عبد الحكم (٤) القولين جميعاً، ورجح أن يكون لها حيث خرج سهمها.
قال أبو محمد: إنما هذا إذا كانا نصيبين (٥) يريد أن مالكاً إنما قال ذلك للضرورة. والقسمة تقتضي أن تكون في طرف ولا بد ومثلها بما شابهها (٦) مما (٧) تكون بين اثنين أو لسهمين (٨). ووافق ابن عبد الحكم على (٩) هذا التأويل (١٠) في معنى التشاحح على أحد الطرفين في صورة القسمة ابن حبيب وغيره (١١). لكن ابن حبيب خالفه في صورة إبقاء السهام، فقال: إنما يأخذ سهمين فيلقيهما على الطرفين (١٢)، من هنا واحد، ومن هنا واحد، ثم أعاد لمن بقي وتشاحا هكذا حتى يتم القسم.
قال فضل: [هذا] (١٣) يرجع إلى ما قال ابن القاسم، لكنه أخصر وأقل
стр. 2220
عناء، وقد طرح سحنون كلام ابن القاسم في المسألة كلها، وتفسيره (١) لخلافه (٢) عنده أصل مالك. وذلك من قول مالك، ثم من قوله: ثم يضرب أيضاً بالسهام لمن بقي منهم إلى قوله: وهذا (٣) تفسير مني عن مالك (٤).
قال ابن وضاح أمر سحنون بطرحها، وقال التي فوقها خير منها، وضرب عليها (٥) في كتاب ابن وضاح، وابن باز، والدباغ.
قال ابن أبي زمنين: اختلف أصحاب مالك في صفة القسمة (٦) واختصرتها على رواية ابن وضاح. وكان سحنون ينكر هذه الرواية ويرى أن يقسم على أقلهم سهماً حتى تنفذ السهام. وروي عن ابن القاسم وغيره، وهذا أصل قول مالك.
الفصل الرابع: في معنى التشاح المذكور من حيث يبدأ القاسم (٧)؟ فظاهر كلامهم وقول (٨) ابن القاسم وغيره ما تقدم من الضرب على أي طرف (٩) يبدأ به. وأما ابن لبابة فخالف في تأويل معنى قوله: فإن تشاحوا على أي الطرفين يضرب أولاً. وقال: وإنما معناه (١٠) أن يقول بعضهم: تقسم (١١) الأجزاء من قبلة إلى جوف، وقال آخرون: بل من شرق إلى غرب لأغراض لهم في ذلك، فيبدأ (١٢) الذي يضرب بأي جهة
стр. 2221
يقسم (١) ليقع عليها الضرب.
قال القاضي ﵀: إذ قد تختلف أغراضهم في ذلك، لكون ما في جهة الغرب (٢) أقرب لأرض (٣) أحدهم فيضم نصيبه إلى أرضه، أو أقرب (٤) لمنزله أو لمجاورة من يريد مجاورته، أو لمنفعة هناك (٥) يرجوها بخروج نصيبه (٦) لتلك الجهة، وكون مخرجه ومدخله (٧) منها، فإذا جعلت رؤوس السهام من تلك الجهة خرج له طرف سهمه بكل وجه، وإن جعل بخلاف ذلك عرضاً لحيطة (٨) السهام (٩) من تلك الجهة، فيفوته غرضه. قال ابن لبابة: ولا وجه لتشاح الورثة إلا هذا، وأما على ما قال ابن القاسم فلا وجه [له] (١٠)، لأن الضرب لأحدهم ضرب لجميعهم، كما قال: إذا بقي سهمان.
قال القاضي ﵀: يريد إن أخرج (١١) السهم للضرب ولا يدري لمن هو فحكم ضربه للواحد حكمه (١٢) للجميع لأنه لغير معين، فلا وجه للتشاحح فيه.
قال ابن لبابة: ولا يمكن التشاح على الضرب بأي الطرفين يبدأ إلا (١٣) في اختلاف الأنصباء إذا طلب القليل النصيب أن يبدأ بأحد الطرفين.
стр. 2222
قال القاضي: وهذا على ما تقدم من قول (١) من قال: يضرب لأقلهم نصيباً في أحد الطرفين، فسهمه هنا معلوم، فمن (٢) حقه وحق غيره ألا يخص بطرف باختيار (٣) أحدهم أو اختيار القاسم الآخر بسهم (٤) أو (٥) يبدأ له به بقرعة أخرى فإذا خرج سهمه على أحد الطرفين أخذه، فأما إذا لم يكن (٦) هذا الوجه أو اعتدلت سهامهم فلا وجه للضرب على الطرف الذي يبدأ به إلا [على] (٧) ما ذهب إليه ابن لبابة.
стр. 2223
كتاب الحبس (١) والصدقة (٢) والهبة (٣)
معنى لفظة الحبس والصدقة والوقف واحد، لكن أحكامها مختلفة في وجوه، ومتفقة (٤) في وجوه.
فأما الحبس فتختلف (٥) أحكامه في بعض الوجوه، وتتفق (٦) في وجوه، إذ لا يخلو أن تبهم (٧) هذه الألفاظ أو تفسر. فتجعل (٨) لشخص معين محصور، أو وجه معين محصور، أو وجه معين غير محصور، أو لغير معين (٩) محصور، أو لغير معين (١٠) غير محصور (١١).
стр. 2224
ولكل [وجه] (١) من هذا (٢) حكم، يتفق في بعضها، ويختلف في الباقي (٣).
فأما لفظة الحبس المبهم كقوله: داري حبس، فلا خلاف أنها وقف مؤبد، لا يرجع (٤) ملكاً، ويصرف (٥) عند مالك في الفقراء، والمساكين (٦)، وإن كان في الموضع عرف للوجوه التي توضع فيها الأحباس، وتجعل لها، حملت عليه.
وعند ربيعة يسكنها قرابة المحبس (٧).
فأما إن عين شخصاً فقال: حبس على فلان، أو على أولاد فلان، وسماهم، وعينهم، فاختلف فيه قول مالك: هل يكون مؤبداً لا يرجع ملكاً؟ فإن مات فلان رجعت حبساً لأقرب الناس بالمحبس (٨) على سنة مراجع الأحباس؟ فإن لم تكن له قرابة رجعت إلى الفقراء (٩) والمساكين (١٠)؟
والقول الآخر: أنها ترجع بعد موت المحبس عليه ملكاً للمحبس (١١)، أو ورثته إن مات كالعمرى.
وأما إن جعله في وجه معين محصور ففيها قولان: فحكى (١٢) ابن
стр. 2225
الجلاب فيمن قال: داري حبس في وجه كذا روايتين عن (١) مالك (٢).
إحداهما: أنه [لا] (٣) يتأبد حبسه، فإذا (٤) انقرض (الوجه) (٥) الذي جعله فيه رجع له ملكاً (٦) في حياته، ولورثته بعد مماته (٧).
والقول الآخر: أنه يبقى (٨) حبساً على أقرب الناس للمحبس (٩) [عليه] (١٠)
وأما إن جعله على وجه معين غير محصور كقوله: حبس في السبيل، أو في وقيد مسجد كذا، أو إصلاح قنطرة كذا، فحكمه حكم الحبس المبهم المتقدم ذكره، ويوقف (١١) على التأبيد، فإن تعذر ذلك الوجه بخلاء البلد، أو فساد (١٢) موضع القنطرة حتى يعلم أنه (١٣) لا يمكن أن تبنى (١٤) وقف إن طمع بعوده إلى حاله، أو صرف في مثله.
[١٣٩] وأما إن جعله في وجه محصور غير معين يتوقع انقراضه، كقوله: على بني زيد، وعلى عمرو؛ وولده أو عقبه، أو فرسي (١٥) حبس على من يغزو في هذه الطائفة، أو يطلب العلم بمدينة كذا، فحكم هذا
стр. 2226
أيضاً حكم الحبس المبهم المطلق المؤبد، يمضي أبداً ويرجع بعد انقطاع الوجه الذي وجه له لمرجع (١) الأحباس على ما تقدم. وهذا مذهبه في المدونة وغيرها.
واختلف (فيه) (٢) قدماء أصحابه (٣)، ونقل (٤) اللخمي عن ابن الجلاب (٥) أنها تعود ملكاً (٦)، وأراه تأول ما نقلناه عنه على ذلك.
وقيل: هي (٧) على من وجد كما لو عين، وهو الذي له في المجموعة (٨).
واختلف إن قال: بني زيد، هل هو مثل ولد زيد فيمن وجد؟ وفيمن لم يوجد؟ فيكون [بعد] (٩) حبساً مؤبداً [كما تقدم]؟ (١٠).
وأما إن جعله على غير معين وغير محصور كقوله: على بني تميم، أو على المساكين، أو (على) (١١) المجاهدين، أو في إصلاح المساجد (١٢) أو لطلبة العلم، فهذا حبس مؤبد كالمبهم المطلق (١٣).
стр. 2227
وأما إن حبس (١) على معدوم بعده (٢) موجود (٣) غير محصور كقوله: على أولادي وبعدهم للمساكين (٤) فلم (٥) يترك ولداً أو أيس من الولد فعند ابن القاسم يرجع ملكاً، و (عند) (٦) عبد الملك ينفذ حبساً للمساكين (٧).
وأما إن جعل مكان قوله: هو حبس، هو وقف (٨)، فالذي حكاه شيوخنا البغداديون (٩) أنه ينفذ حبساً كان على معين، أو مجهول، أو محصور، أو غير محصور. وأنه لا يختلف فيه.
وحكى غيرهم من شيوخنا أنه لا فرق بين قوله: (حبس (١٠) وبين قوله:) (١١) وقف (١٢) وأنه يدخله (١٣) من الاختلاف في بعض الوجوه ما يدخل الحبس.
وأما إن قال مكان هو حبس أو وقف: هو صدقة، فإن عينها لشخص معين فهي ملك له، وكذلك إن جعلها لمجهولين غير محصورين، كالمساكين فهي ملك لهم، تقسم عليهم إن كانت مما ينقسم (١٤)، أو بيعت،
стр. 2228
وقسمت، أو أنفقت فيما يحتاج إليه ذلك الوجه المجهول، وتعين (١) المجهولين (٢) هنا باجتهاد الناظر في موضع الحكم، ووقته، فلا يلزم عمومه (٣)، أو لا يقدر (٤) عليه أو لا (٥) هو مقصد المحبس، وإنما أراد الحبس.
وأما إن قال في الصدقة: على مجهولين محصورين مما يتوقع انقطاعه كقوله: على ولد فلان، أو فلان، وولده كما تقدم، فاختلف فيه، فقال مالك (وجاء له) (٦) في الكتاب (٧): هي (٨) حبس. مؤبد وترجع (٩) بعد انقراضهم مرجع الأحباس (١٠) سواء قال: ما عاشوا أو (١١) لا.
وفي رواية أشهب (عنه) (١٢) ترجع (١٣) لآخر المحبس عليهم ملكاً (١٤).
وقيل: بل حكمها حكم العمرى (١٥)(١٦).
وحكى ابن الجلاب إذا جعلها صدقة في وجه كذا أنها مما اختلف فيه قول مالك، فمرة جعلها كالعمرى، ومرة جعلها [تنفذ] (١٧) حبساً. قال: إلا
стр. 2229
أن يريد أنه تصدق بعين ملكه (١) لا بمنفعته. فيكون (٢) [ملكاً] (٣) لمن تصدق بها عليه (٤).
قال القاضي ﵀: وهذا عندي يرجع إلى معنى اختلافه (٥) في هذا الوجه قبله المجهول المحصور والله تعالى أعلم.
وهذا كله إذا أفرد (٦) هذه الألفاظ، وأما متى قيدها بصفة، أو أجل، أو شرط، فيختلف حكمها، فإن قال: حبس، أو وقف، أو صدقة، شهراً، أو سنة، أو حياتي، وشبه هذا، على معين، أو مجهول، أو معدوم فلا خلاف أنها في الجميع هبة منفعة، وعمرى إلى أجل، ترجع (٧) عند (٨) تمامه لربها (٩) أو لورثته.
فأما إن قال في المعين: حياته، أو ما عاش، فتختلف الأحكام في هذه الألفاظ الثلاثة.
فأما في الصدقة: فلا يختلف أنها عمرى.
وأما في الحبس: فقيل: أنه سواء قال ذلك أو لم يقله، على الخلاف في تأويل ما في المدونة.
قال بعض شيوخنا: إنه (١٠) سواء على ظاهر المدونة. (قال) (١١):
стр. 2230
وهو (١) تأويل سحنون. وقال محمد متى قال حياته وشبهه فلا يختلف أنها كالعمرى (٢)، ونحوه لمطرف. قال مطرف: وكذلك لو قال: على فلان بعينه (٣).
وأما في المجهول المحصور إذا قيده بحياتهم (٤) أو ما عاشوا فمذهبه في الكتاب أنه حبس (٥) مؤبد كما لو لم يقله (٦)، وكذلك يشبه أن يكون على قوله الآخر إذا لم يقيد أنها تكون ملكاً (٧)، وأما على القول أنها إذا لم يقيد كالعمرى فأحرى أن يؤكد العمرى بهذه الألفاظ.
وقال مطرف: متى قال [ما] (٨) عاشوا فهي عمرى (٩)، وأما إن قيدها (١٠) بالصفة كقوله: حبس صدقة، أو صدقة حبس على فلان، ففي الكتاب لمالك: إنه حبس مؤبد، وعنه أيضاً في مختصر ابن عبد الحكم أنها ترجع ملكاً كالعمرى، وكما لو (١١) أفرد الحبس وكذلك لو قال: حبْس على فلان لا تباع، ولا توهب، ولا تورث (١٢)، فهي حبس (١٣) على مذهبه في الكتاب. وله في العتبية: ترجع ملكاً كالعمرى.
وقال مطرف: لو قال مع هذا على فلان بعينه، ولفظ بعينه فهي (١٤)
стр. 2231
عمرى (١)، وإلا فهي حبس.
واختلف (٢) في هذا في الصدقة أيضاً، فروى أشهب عن مالك أنها تبتل (٣) ولا يضر الشرط، وقال أشهب، وسحنون: هي حبس محرم. وقال مالك أيضاً، وابن القاسم: هي صدقة [باطل] (٤) إما بتلها (٥)، أو رجعت إليه إلا في صغير، أو سفيه، فيشترط له ذلك إلى رشده (٦). وهو أيضاً مذهبه (في المدونة) (٧) في الهبة على هذا الشرط، وهي كالصدقة في هذا الاختلاف.
وأما لو قال في جميع هذا: لا تباع، ولا تورث، ولا توهب، ولا تملك (٨)، لكان حبساً محرماً من غير (٩) خلاف، لارتفاع الاحتمال، نص عليه البغداديون (١٠).
"ومواحيز (١١) الإسلام (١٢) " (١٣): رباطاته.
[١٤٠] "ودهلك" (١٤) بفتح الدال قيل: (هو) (١٥) اسم ملك.
стр. 2232
قال أبو عمران: هو [اسم] (١) ملك من ملوك السودان، وبه سمي البلد، وهي جزيرة بساحل البحر من ناحية اليمن (٢).
قال القاضي ﵀: دهلك أقدم من هذا الزمان الذي تكلم فيه مالك، وهي مدينة قديمة. قالوا وتلك الناحية أقصى تهامة اليمن (٣).
وخبث الفرس (٤) كذا (٥) روايتنا بالباء بواحدة وآخره ثاء مثلثة، ومعناه فسد وبطل، ورواه بعضهم خنب (٦) بالنون المكسورة وآخره جاء بواحدة، ومعناه هلك (٧). وليس المراد بهذا كله هلاكه، ولا فساده بالكلية، إذ لو كان هذا لم يقل: يباع، ويشتري بثمنه فرساً (٨) مكانه (٩)، وإنما معناه (أنه) (١٠) أبطل ما يراد [منه] (١١) من استعماله في الجهاد، والوجه الذي حبس له (١٢).
ومعنى "كلب" (١٣) بكسر اللام، أصابه داء الكلب، وهو السعار (١٤)، وأصله في الكلاب.
стр. 2233
واختلف في تفريقه في الكتاب في جوابه بين الثياب والخيل.
فقيل: ليس بخلاف، وإنما هو جواب بحسب السؤال، فقال ذلك في الخيل لأنها بقيت فيها (١) منفعة الحمل وغير ذلك.
وقيل: بل المقصود من (٢) الخيل المنفعة بها في الغزو, لا للغزاة. فجعلت (٣) أثمانها في مثلها. والثياب المنفعة بها (٤) للغزاة، [فإذا بُلِيت] (٥) ولم ينتفعوا بها بنفسها أعطيت أثمان (٦) ما بيع من خلفها لهم ينتفعون به عوضها (٧).
وقوله "وقد رأى (٨) غيره أن ما جعل في السبيل (٩) من العبيد والثياب لا يباع،" (١٠) إلى آخر قوله. كذا في كتاب ابن عتاب، والذي في كتاب ابن المرابط وابن سهل وكثير من النسخ: وقد روى غيره (١١) وعلى ذلك اختصرها غير واحد (١٢)، واختصرها ابن أبي زمنين وقد روي عن مالك.
ومرمة الدار (١٣) إصلاح ما وهى (١٤) من بنيانها (١٥).
стр. 2234
ومعنى المردودة (١) من بناته (٢) أي المطلقة.
وقوله "و (قد) (٣) روي عن (٤) ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى (٥) الإمام ذلك" (٦) يعني (٧) ما روى عنه ابن وهب في موطئه، [أنه] (٨) أرخص في بيع ربع وتمر تعطل، ويعاوض به في ربع (آخر) (٩) نحوه (١٠) يكون حبساً.
"وقول ربيعة وغيره: إذا تصدق الرجل على جماعة لا يعرف عددهم ولم يسمهم فهي بمنزلة الحبس" (١١) هو وفاق لقول مالك في الكتاب خلاف (١٢) لما في كتاب محمد (١٣) أنها (١٤) ترجع لآخرهم (١٥) ملكاً (١٦).
وكذلك قول (١٧) "بعض من مضى [من أهل العلم] (١٨) إذا تصدق على الرجل وعقبه من بعده فهو الحبس الذي لا يباع ولا يوهب" (١٩)، إلى آخر
стр. 2235
المسألة. هو وفاق أيضاً، والعقب في كل هذا غير معين. وعليه يحمل "قول يحيى بن سعيد: من حبس داراً أو تصدق بها" (١)، مثل أن يقول: على ولدي ولم يسمهم، يريد بذلك كل من يولد له. قال: وكذلك على ولدي و [على] (٢) من يحدث لي بعدهم.
وتفريقه بين هذا وبين المعين، هو كله وفاق، وأن تحبيسه (٣) على ولده، ومراده كل من يولد له، كقوله: على ولدي، وولد ولدي. وكقوله: على [كل] (٤) من يولد لي.
"وقول ربيعة أيضاً، والصدقة الموقوفة التي تباع (٥) إن شاء صاحبها، إذا تصدق بها الرجل على الرجلين، أو الثلاثة (٦)، وسماهم بأعيانهم. ومعناه: ما عاشوا، ولم يذكر عقباً، فهذه الموقوفة التي يبيعها صاحبها إن شاء إذا رجعت [إليه] (٧) " (٨)، هذه كلها موافقات لقول مالك، وهذه هي العمرى (٩).
وقول ربيعة (١٠) أيضاً: كل ما جعل حبساً صدقة، أو حبساً، ولم يسم صدقة، موافق لأحد قولي مالك المتقدمين. وقول ابن بكير (١١) موافق للقول الآخر.
стр. 2236
وقول (١) يحيى بن سعيد: يبدأ بالولد فإن فضل فلولد الولد (٢) موافق لقول مالك في الكتاب. "وقول ربيعة: ولد الولد بمنزلة الولد، والذي يحدث (٣) بمنزلة من كان يوم تصدق إلا أن يأخذ قوم بفضل (٤) أسنان (٥)، وكثرة عيال (٦)، إلى (٧) قوله: وليس (٨) بينهم أثرة (٩) إلا بتفضيل (١٠) حق يرى" (١١).
وقوله في الأثر الآخر: "وأما ما ذكرت من ولد الولد مع الولد فإنما يقع ذلك على الاجتهاد، يكون المال (١٢) قليلاً مستوفى فيكون الأعمام أحق به من ولد أخيهم (١٣) " (١٤).
стр. 2237
قيل: هذا كله وفاق، وإن معنى قوله الأول راجع إلى الآخر، وإن معنى قوله أولاً: أن ولد الولد بمنزلة الولد (١). يريد إذا صار الحبس لهم يوماً ما، كانوا في ذلك بمنزلة آبائهم في الحبس (٢)، وإن كان طبقة منهم عند تصير (٣) الحبس إليها بحكم الطبقة التي قبلها. وإلى هذا ذهب المغامي، وأبو عمران. كما قال: "والذي يحدث بمنزلة من كان يوم تصدق" (٤).
ومعنى قوله: فضل (٥) أسنان (٦) لي، وقول ربيعة أيضاً: من حبّس على ولده وولد غيره (٧) فإنهم يسكنونها على قدر ما يرتفقون، فإذا انقرضوا فهو لولاة المحبس (٨) دون غيرهم (٩) وفاق أيضاً، يعني يرجع (١٠) لأقرب الناس به، والولد هنا غير (١١) معين، ألا تراه كيف قال: كانوا ولد ولد أو غيرهم (١٢).
و"عُصارة" (١٣) العيش: رفاهيته (١٤) وطيبه وأصله اللين (١٥).
"والخصاصة" (١٦): الحاجة، وعدم الشيء وضيق العيش.
стр. 2238
وقول مالك آخر الباب "ومن بلغ منهم حتى تزوج (١) وتكون حاجته ومؤنته مثل البنين فهم فيه (شرعاً) (٢) سواء إذا كان موضعاً" (٣) وسعة (٤) كذا الرواية، وهو مما يشكل معناه ويحيل (عن) (٥) ظاهره ومعناه عندي، مثل البنين الأعيان (٦).
قال ابن أبي زمنين: لو قال مثل الآباء كان أبين.
ووقع في رواية الدباغ إذا كانوا ضعفاً مكان اللفظ الآخر.
"وعبد الرحمن بن [عبد] (٧) القاري" (٨) بياء مشدودة منسوب إلى القارة (٩).
وقول عمر [﵁:] (١٠) "ما بال رجال ينحلون أولادهم نِحَلاً يمسكونها (١١) " (١٢). بكسر النون وفتح الحاء جمع نحلة، وهي العطية (١٣)، والنحل بالضم وسكون الحاء أيضاً، وجمعه نِحَلاً بتحريك الحاء.
"وقول أبي بكر [﵁] (١٤) في حديث عائشة (١٥):
стр. 2239
"جاد (١) عشرين وسقاً" (٢) بتشديد الدال أي ما يجد منه هذا العدد.
والوسق بالكسر: الاسم (٣) وبالفتح: المصدر.
وقوله: "فيمن أعطى رجلاً داراً على أن ينفق على الرجل حياته أن ما استغلها فذلك له، ويرد الدار [١٤١] على؛ صاحبها، والغلة له بالضمان، وما أنفق على الرجل غرمه الرجل [له] (٤)، وأخذ داره" (٥).
ظاهره أن الغلة للمعطي لا لرب الدار، كما قال في كتاب السلم في الذي (٦) باع منه داره على أن ينفق على المشتري حياته (٧)، وأنه لا فرق بينهما، وإن سمى هذه عطية فهو بيع فاسد.
وقوله هنا: "وما أنفق على الرجل غرمه" (٨)، وفي كتاب السلم: بقيمة ما أنفق (٩) يحتمل الوفاق وأن يكون هنا ما أنفق [عليه] (١٠) دراهم دفعها له في النفقة، أو مكيلاً، أو موزوناً معلوماً.
وفي كتاب السلم: ما لم يحقق ذلك كله يرجع إلى قيمة (١١) نفقته وتقديرها، أو دفع (١٢) إليه طعاماً مصنوعاً، وأشياء (١٣) مما
стр. 2240
يرجع (١) إلى القيمة (٢).
وفي آخر باب (٣) تحبيس ثمرة الحائط. قال بعض الرواة: "وإن مات ميت والثمرة قد أُبِّرت فحقه فيها ثابت، قاله غير واحد من الرواة" (٤). وقاله أشهب (٥). كذا في نسخ، وثبت عند ابن عتاب وابن المرابط إلا قوله: قال بعض الرواة.
وقال يحيى بن عمر: طرح سحنون: قال بعض الرواة (مرة) (٦)، وقرأه أخرى (٧). ولم يكن في كتاب ابن وضاح، من أخذ ابن القاسم برجوع مالك إلى آخر الباب. وسقط عنده (٨) لفظ (٩) المخزومي (١٠) قبل (١١). وسقط وقاله (١٢) أشهب آخر الباب عند ابن المرابط لغير أحمد.
وقوله: "في الذي تصدق على رجل غير سفيه بدراهم وجعلها (١٣) على يد (١٤) غيره وهو حاضر أنه جائز إذا لم يشترط على المدفوعة (١٥) إليه ألا يدفعها إلا بأمره" (١٦).
стр. 2241
وقال في باب حيازة الغاصب: "إذا كان الموهوب [له] (١) حاضراً (أو) (٢) غير سفيه، وأمر (٣) الواهب رجلاً يقبض (٤) ذلك [له] (٥) ويحوز (٦) له لم يجز" (٧).
ورواية ابن وهب عن مالك، والليث بعد ذلك في المسألة، لا يجوز (٨) في باب حوز الهبة للطفل، والكبير (٩). معناه: إذا أمر الحائز ألا يدفعها إليه، وعليه يدل سياق كلامه قبل، وبعد.
وذهب بعض الشيوخ إلى أنه اختلاف من قوله، وإليه نحا اللخمي. وذهب بعض الأندلسيين إلى أن المسألتين مفترقتان.
وأن الأولى: إنما صح فيها حوز الأجنبي لأنه كان أولى (بما) (١٠) في يد الواهب، فخروجها من يده إلى غيره حوز.
والثانية: إنما كانت في يد غير الواهب، وهو الغاصب، فلم ير قبض غير الموهوب له منه قبضاً، (لأنها لم تخرج من حوز، ويستدل عليه بقوله في الكتاب بإثر الجواب: "والغاصب ليس بحائز" (١١).
فهذا يدل (١٢) على مسألته (١٣)، وإن كان) (١٤) ظاهره أنه إنما أراد أن
стр. 2242
هذا الذي دفع إليه ليس بحائز، وكذلك (١) ما وهب بيد غاصب إذ ليس بحائز.
وذهب أبو عمران إلى أنهما مفترقان [أيضاً] (٢) وأن الفرق بينهما (بياض) (٣).
قالوا: ولا خلاف على قوله في المسألة الأولى إذا شرط (٤) ألا يدفعها إليه إلا بأمره أنها لا تمضي، كما (٥) [لا] (٦) خلاف إذا قال له: خذها له، أو ادفعها له. وقال الموهوب: أمسكها عندك أنها تمضي.
واختلف إذا لم يقل: ادفعها (٧) ولا أمسكْها وسكت على رأي بعضهم.
وعلى قول غيره: تمضي (٨) بكل حال إلا أن يشترط إمساكها، [ولو شرط إمساكها] (٩) له حتى يموت الواهب، فلا يختلف أنها وصية ماضية من الثلث، وقاله محمد.
وقوله " [في الرجل] (١٠) يدفع إلى الرجل الدنانير يفرقها في سبيل الله، فيموت الآمر، أن ما فرق بينها ماض، وما لم يفرق فإن كان أشهد بذلك حين دفعها إليه فهو ماض من رأس المال، وإن كان لم يشهد فما بقي موروث" (١١). معناه: أن الورثة مقرون بذلك، ولو نازعوه (١٢)
стр. 2243
لضمن ما فرق وما بقي، إن كان لم يشهد بعد أن يحلف منهم من يدعي عليه بذلك من (١) يظن به ذلك.
ومسألة "ما يشتريه (٢) الناس من الهدايا في الحج (٣) لأهليهم (٤) من (٥) الكسوة، ثم يموت قبل أن يصل، إن كان أشهد على ذلك مضى لمن أشهد له به" (٦). الأهل هنا الزوجات والبنون (٧) وغيرهم، كباراً كانوا أو صغاراً، بينة في كتاب محمد، وهو يرد [ما وقع] (٨) في رواية يحيى عن ابن القاسم إنما أجاز (٩) ذلك لصغار ولده ومن (١٠) في حجره، إذ لو لم يجز إلا لهؤلاء لم يختص ذلك بالحج، والسفر، دون الإقامة (١١).
ولا معنى لما قال بعض الصقليين: إنما معنى ذلك إذا وهب العين ثم اشترى به فجعل الشراء يقوم مقام الحوز، لأن مسألة الذي وجه صدقته وهبته قد جعلها حوزاً. والعلة في ذلك [كله] (١٢) عدم التفريط (١٣) في الحوز.
قال في الكتاب: وكذلك الذي يبعث بالهدية، أو الصلة وهو غائب
стр. 2244
فيموت الباعث قبل أن تصل (إلى المبعوث) (١) إليه تمضي (٢) إن كان أشهد (٣) على ذلك (٤)، إنما جعل هذا حوزا وإن لم تصل (٥) إلى المبعوث إليه، أو الموهوب (٦) له، لأن هذا أقصى ما يقدر عليه، ولأن الموهوب غير مفرط في القبض، فهذا على مراعاة أن التفريط هو المعتبر (٧) في إبطال الحوز على أحد القولين.
ومن هذه المسألة يخرج، وبها عللها الشيوخ. وسيأتي بيانها (٨) [بعد] (٩) (إن شاء الله تعالى) (١٠).
وقوله "وإن لم يشهد الباعث فأيهما مات قبل أن تصل (١١) فهي ترجع إلى الباعث أو إلى ورثته (١٢) " (١٣). ومثله لأشهب عند محمد (١٤)، قالوا: هذا (١٥) على غير أصله المعلوم ومذهبه المحقق في أنه لا يعتبر موت الموهوب [له] (١٦)، وورثته يقومون مقامه في طلب الهبة، كما قال بعد هذا في الكتاب (١٧)، وفي غيره. وفي كتاب ابن حبيب [في مسألة] (١٨) من مات
стр. 2245
منهما رجعت لورثته. وهذا هو الجاري على الأصل المتقدم.
قال القاضي: ولعل (١) معنى ما في الكتاب هنا (٢) أن يقول الباعث: [أنا] (٣) إنما تصدقت بها صلة للمبعوثة (٤) إليه بعينه إن وجد حيًّا (٥)، فيكون مصدقاً، إذ لا يلزمه [إلا] (٦) ما أقر به من معروفه، إذ (٧) [لو] (٨) لم يشهد على أصله فيلزمه بظاهر فعله، وقوله؛ [[١٤٢] / كما قال ابن شهاب إثر المسألة: إذا قال المتصدق "وإنما أردت (٩) بها صلته (١٠) " (١١) إن كان أشهد على صدقته فتوفي المعطى قبل بلوغها له (١٢) ثبتت (١٣)، وليس للمتصدق فيها رجوع (١٤).
وقد قيل: إن الفرق بين المسألتين أن الغائب هنا لم يسمع منه قبول، فيخرج من هذا أن عدم القبول يفسد الهبة، وإن كان الواهب حياً.
وقوله في المتصدق بالحائط (١٥) وفيه تمر مأبور يقول. إنما تصدقت بالحائط دون الثمر (١٦)، القول (١٧) ................................