← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال: هو الصواب (١). [ز ١٦] وأبو غُطَيف (٢) الهذلي (٣) عن ابن عمر، بضم الغين المعجمة وطاء مفتوحة مهملة. وقوله (٤) في مسألة الذي نسي غسل رجليه وخاض نهراً فدلكهما: لم يجزه. قيل (٥): لأنه ظن أنه أكمل طهارته فغسلهما بغير نية الطهارة ورفضهما (٦). وقال القاضي أبو محمَّد: لأنه لم يقصده، وليس بمنزلة لو كان في المجلس - يعني متوَضَأه - لأنه ما دام فيه باقياً فحكم النية مستصحب، فإذا انقطع بنقض المجلس زال حكم النية الأولى واحتاج إلى أخرى. قال القاضي: وعلى هذا لو كان يتوضأ بضفة نهر أو بحر، فلما مسح برأسه نسي غسل رجليه، فغسلهما لحينه من طين أو غيره لأجزأه، لاتصال العمل. وقوله (٧) فيمن أصابه غَثيان في الصلاة، بفتح الغين المعجمة والثاء المثلثة والياء باثنتين من أسفل بعدها: هو تحرك المعدة وتَهَوّعُها (٨) للقيء/ [خ ٢١]. وفي الصلاة بثياب أهل الذمة (٩): "وكيع عن فضيل بن عياض (١٠) "،

стр. 352

كذا رويناه. وكان في أصل ابن عتاب: ابن وهب عن فضيل. وهو وكيع مُصْلَح في أكثر الأصول. ووجدت في بعض أصول شيوخنا عن ابن وضاح: ليس لابن مهدي (١) في الوضوء ولا في الصلاة ولا في البيوع - يعني في "المدونة" - (شيء، إنما هي لوكيع. وليس لوكيع في الصيام ولا في الزكاة ولا النذور ولا الشهادات شيء، إنما هي لابن مهدي) (٢). قال ابن وضاح: فأما التي في كتاب وكيع فقرأها - يعني سحنون - عليه في كتابه. وأما التي لابن مهدي، فأخبرني موسى (٣) أن سحنون أخذها منه - يعني مناولة -. وقوله (٤) فيمن تيمم على موضع نجس قد أصابه (٥) البول أو العذِرة (٦): "يعيد ما دام في الوقت"، وشبَّهه بمن توضأ بماء غير طاهر أنه يعيد ما دام في الوقت، وهذا قوله فيما لم يتغير من الماء. والماء يحمل قليل النجاسة وغير الماء بخلافه. وظاهر "المدونة" أنه محقق النجاسة لقوله: "بول" (٧)، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب وأصبغ أنه متى علم بالنجاسة أعاد أبداً (٨). وهذا مذهبه في الكتاب في المتوضئ بالماء النجس الذي لم يتغير

стр. 353

أنه إنما يعيد في الوقت إذا لم يعلم كما بينه في كتاب الصلاة (١). وكله خلاف قول أصبغ في (غير) (٢) "الواضحة" أن المتيمم بالتراب النجس يعيد أبداً كالمتوضئ بالماء المتغير (٣). وقد اختلف تأويل الشيوخ في معنى مسألة الكتاب: ففسره أبو الفرج (٤) أنها لم تكن ظاهرة (٥)، ولو كانت ظاهرة (٦) كانت كالماء المتغير بنجاسة؛ تعاد (٧) منه أبداً. قال القاضي: وأصل مذهبنا أن الماء بخلاف غيره في هذا لدفع الماء عن نفسه. وقال أبو بكر النعالي (٨): معنى ذلك أن الماء يتوصل إلى حقيقة نجاسته بالحواس، والصعيدُ لا يعلم ذلك فيه، وإنما تعلم طهارته بالاجتهاد، فإذا تيمم باجتهاده فقد ودى فرضه. ولو أمرناه بالتيمم على أرض أخرى لنقلناه من اجتهاد إلى اجتهاد آخر (٩).

стр. 354

وهذا ضعيف جداً؛ لأن القدر الذي يتوصل إليه بالحواس في الماء هو ما غلب عليه من النجاسات، وذلك يتوصل (١) إليه في التراب، ولأن الاجتهاد في المياه تجويز (٢) طروّ النجاسات التي لم تغيرها عليها (٣) ممكن تجويزه في الأرض أيضاً، مع أن ما تحل فيه النجاسة من الأرض في جنب الطاهر منها قليل، وهو في الكثير غير معتبر، مع أن اعتبار التجويزات بغير علامات لا أصل له في الشرع، وهو من الوسواس. وقيل معنى قوله في الكتاب بإعادة الوقت (٤) أن الأرض تُسَفَّي عليها الرياح التراب، فقد اختلط النجس منها بغيره (٥). وكأن مذهب حمديس (٦) في قوله: إن التيمم على الأرض النجسة مختلف فيه هل يعيد أبداً؟ أن (٧) الأرض وإن لم تظهر فيها النجاسة بخلاف الماء؛ يحمل الماء (٨) النجاسات ما لم تغلبه. وقد يكون عندي معنى قوله: يعيد في الوقت وتخفيفُه (٩) الأمر مراعاةً

стр. 355

لخلاف من يقول: إن جفوف الأرض طهورها. وهو مذهب الحسن ومحمد بن الحنفية (١) والكوفيين، ويقولون (٢): الشمس تزيل النجاسة، لكنهم يمنعون التيمم عليها ويجيزون الصلاة عليها. وفي حديث (٣) ثمامة: سحنون عن ابن وهب وابن نافع عن عبد الله (٤)، كذا عند شيوخنا، وكذا في أصل ابن عتاب خارجاً، وقال: كذا عند إسحاق (٥)، وفي داخل كتابه (٦): وأخبرني ابن نافع/ [خ ٢٢] عن عبد الله. وسقط ابن نافع من كتاب درّاس (٧)، وعنده: ابن وهب وحده.

стр. 356

وثُمامة (١) - بثاء مثلثة مضمومة - ابنُ أُثال، بضم الهمزة وتاء مثلثة أيضاً، كذا رواية شيوخنا، وهو المعروف في اسمه واسم أبيه، وهو الذي ذكره أهل علم الأثر. ووقع في بعض روايات الأندلسيين في اسمه: أُثاية - بضم الهمزة وبعد الألف ياء باثنتين تحتها - وأنكر ذلك ابن وضاح (٢). ورعَفَ (٣) يرْعُف بفتح الماضي وضم المستقبل، وهي اللغة الفصيحة. وقيل: رعُف بالضم فيهما (٤). وأصل اشتقاق الرعاف من السبق لسبق الدم إلى أنفه. ومنه رعف فلان الخيل: إذا تقدمها (٥). وقيل من الظهور (٦). وقاء (٧) واستقاء - ممدود مهموز الآخر - وكذلك يقيء. والقيء مهموز الآخر. وأبو الخير اليَزَني (٨)، بفتح الياء أخت الواو في نسبه، وزاي مفتوحة بعدها نون. وقول ابن المسيب (٩) فيمن لم ينقطع عنه الدم: "يومئ إيمآء" مهموز أيضاً.

стр. 357

ذهب ابن مسلمة أنما يومئ من يضر به ذلك ويزيد (١) مرضاً سجوده (٢)، وبه فسر قول ابن المسيب هذا، فلم يراعي (٣) تَمْريث (٤) ثيابه لو كان لا يضره. وقال ابن حبيب: يومئ وليس عليه أن يركع ويسجد فتتلطخ ثيابه (٥). وخلافهما في هذا التأويل على الخلاف في مراعاة الضرر في المال (٦)، وهو أصل تنبني عليه مسائل من الصلاة وغيرها. ولفظه في "المدونة" (٧) في بناء الراعف يدل من أول مسألة (٨) على بنائه وإن كان فذا. ومثله في الصلاة الأول في باب النفخ في الصلاة (٩)، وكذا تأول ابن لبابة مذهبه (١٠) في الكتاب كما جاء في "العتبية" (١١) ونصه

стр. 358

ابن مسلمة (١) وأصبغ (٢) خلاف ما قاله ابن حبيب (٣). واختلفوا في تأويل مذهبه في الكتاب متى يبني (٤)؛ فقيل: إن مذهبه فيه أنه لا يصح له البناء إلا لمن صلى ركعة بسجدتيها ورعف في الأخرى كما في "العتبية" (٥)، وإلا لم (٦) يبن وابتدأ صلاته بإقامة وإحرام. وقيل: بل مذهبه بناه (٧) على الإحرام وإن لم يتم ركعة. وقيل: بل ظاهر قوله لا يبني على إحرام ولا غيره إلا في الجمعة (٨). قال شيخنا أبو الوليد: وهو ظاهر "المدونة" عندي كما في رواية ابن وهب (٩). ومسألة (١٠) الجوربين (١١)، كذا في "المدونة" - في بعض النسخ - الجوربين، أول المسألة، مكان الجرموقين. وفي نسخ: الجرموقين، حيث وقع، ولم يذكر الجوربين (فيه) (١٢) إلا من جهة المعنى والصفة في قوله:

стр. 359

إن كان أسفلهما وأعلاهما جلد مخروز. وباللفظين أول المسألة رويناهما عن ابن عتاب. وسبب إثباتها (١) في بعض الروايات وسقوطها من بعضها ما ذكر بعض المختصرين الجوربين وأسقطه غيره، وتفسير (٢) من فسر الجرموقين بالخف الغليظ (٣)، أو بلبس خف على خف (٤) خارجاً (٥) من "المدونة", لأنه أدخل المسألة بإثر مسألة: من لبس خفين على خفين، قال: "يمسح الأعلى منهما (٦) "، ثم قال ابن القاسم: "وكان مالك يقول في الجرموقين" (٧)، وساق المسألة. وهما عند ابن القاسم بمعنى الجوربين، وأنهما خفان من غير جلد خرز عليهما جلد على ما جاء في كلامه في الكتاب (٨). وقال بعض المتأخرين من البغداديين (٩): إن قول مالك/ [خ ٢٣] اختلف في المسح على الخفين يلبسان على خفين، وأرى ذلك مما ذكرناه من سياق مسألة الجرموقين بإثر المسألة وكون ذلك عندهم خفان على ما تقدم (١٠). وقال بعض المتأخرين: إنما اختلف قوله إذا لبس الأعليين قبل أن يمسح على

стр. 360

الأسفلين، وأما إن كان مسح على الأسفلين فلا يختلف في جواز المسح على الأعليين، وإليه ذهب اللخمي (١)، وظاهر قول البغداديين خلافه. وقوله (٢): "إن ابن عمر "قال": يمسح أعلاهما وأسفلهما"، كذا أكثر روايتنا، وعند ابن المرابط: "كان". وقول عمر في آخر باب المسح على الخفين (٣): "أو أقصَى سفري"، بصاد مهملة مفتوحة، كذا في الأصل العتيق - كتاب أبي عبد الله بن عتاب المقروء على ابن وضاح وروايةِ ابنه شيخنا عنه - وفي أخرى: أقضِيَ، بضاد معجمة مكسورة (٤)، وكذا في أصل شيخنا القاضي أبي عبد الله التميمي. والتيمم (٥) معناه القصد، قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦) أي: اقصدوا، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ (٧) أي: لا تقصدوه (٨). وقوله في صفات التيمم (٩): "ويُمرهما أيضاً من باطن المرفق إلى الكفين (١٠) "، ..................................................

стр. 361

ثم قال (١): "ويمر أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك". اختلف في تأويل ذلك: فذهب ذاهبون إلى أنه موافق لما في كتاب ابن حبيب من الوقوف في الذراع اليمنى إلى الكف، وأنه لا يمسح باطن (٢) كفها (٣) حتى يمسح بها ذراعه الأيسر (٤) ويوفر ما فيها من الغبار لذلك (٥)، لقوله: "ويمرهما إلى الكفين (٦) ". وكذا كان في أصل ابن عتاب وأكثر النسخ، وعليه اختصر أبو محمَّد (٧) وغيره (٨)، وهو تأويله أيضاً (٩). وفي كتاب غيرهم: "إلى الكف"، وكلاهما بمعنى (١٠)، وهذا أوجه (١١)، وسقطت هذه اللفظة (جملة) (١٢) من كتاب ابن عتاب (١٣) ونسخ أخر، وتم الكلام عنده "من باطن المرفق" ثم قال: "ويمر اليسرى كذلك (١٤) ".

стр. 362

وتأول آخرون أن معنى مسألة الكتاب مسح الذراع الأيمن (١) إلى آخر الأصابع بدليل قوله: "ويمر اليسرى أيضاً كذلك (٢) "، ولا يختلفون في الانتهاء في اليسرى إلى آخر الأصابع، وتأولوا قوله: (ويمر اليسرى) (٣) - في رواية من روى: إلى الكف أو الكفين، وزاد هذه الزيادة - أن معنى ذلك إلى جهة الكف سائراً إلى أطراف الأصابع (٤). وأما على إسقاطها فتأويلهم بين، والأول بعيد منها. وقوله (٥): "وإن تيمم المسافر في أول الوقت وهو يعلم أنه يصل إلى الماء في الوقت أعاد في الوقت إذا وجد الماء"، حملها غير واحد على أنه على يقين (٦) من وجود الماء، وكذا اختصرها اللخمي (٧). واختصرها حمديس: وهو يطمع (٨)، وذكر قوله في "المبسوط" فقال: وهو يظن (٩). وظاهر هذا أن الموقن بخلافه - على ما في كتاب ابن حبيب (١٠) - وأنه يعيد أبداً (١١)، وأن الظان والطامع كالخائف (١٢) ألا يبلغ الماء (١٣). وجمع بين اللفظين بعض شيوخنا، وقال: إذا كان على يقين من الماء أو غلب على

стр. 363

ظنه إدراكه، فرأى أن حكمهما سواء، والله أعلم. وبَكر بن سَوادة (١)، بفتح السين وتخفيف الواو وقال مهملة، ونسبه الجُذامي بذال معجمة. وقوله: "لك مثل سَهْم جَمْع" (٢)، رويناه بفتح الجيم وضمها، والفتح الصواب. قال الأخفش (٣): أي مثل سهم جيش، وقال أبو عمران: أي

стр. 364

يجمع الله لك سهمين من الأجر، وأنكر قول الأخفش. وقيل: / [خ ٢٤] مثل (١) أجر أهل "جمع"، وهي عرفة (٢). ووجه رواية الضم بعيد. والمِرْبد (٣) بكسر الميم: موضع بقرب المدينة على ميلين أو دونهما منها (٤). والجُرُف (٥) بضم الجيم والراء: موضع من جهة الشام قرب المدينة على ثلاثة أيام (٦) منها (٧). "والليث بن سعد عن معاذ (٨) "، كذا عند شيوخنا، وكذا في موطإ ابن وهب، وهي رواية ابن باز وأكثرهم. وعند ابن وضاح - من غير رواية شيوخنا -: عن ابن معاذ. والأول الصواب، ولعله أصلحه.

стр. 365

وقوله في منكَّس التيمم (١): "إن صلى أجزأه، ويعيد التيمم لما يستقبل"، قال بعض الشيوخ: هذا حرف مستغنى عنه؛ إذ لا بد من إعادته لكل صلاة نكسه أو لا. وقال غيره من الأندلسيين: لعل معناه: يعيد (٢) ليتنفل به بعد فريضته (٣)، فيعيده (٤) له على سنته. وقال آخر: معناه: إذا تيمم مرة أخرى يفعله على سنته من الترتيب، ولا يعود للخطإ بتنكيسه. وقوله (٥): "إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق" مع قوله: "والصلوات كلها" (٦) - وسمى فيها المغرب -: "يتيمم لها في وسط الوقت" (٧) إلى آخر المسألة، يدل أن مذهبه هنا أن للمغرب وقتين (٨). وسقط "المغرب" من كتاب أحمد بن خالد. وقوله (٩) في تيمم الجنب: "يغتسل لما يستقبل وصلاته تامة، وقاله سعيد بن المسيب وابن مسعود (١٠)، وقد كان يقول غير ذلك ثم رجع إلى هذا أنه يغتسل". قال أبو عمران: يريد أن ابن مسعود قد كان يقول قبل هذا: لا يتيمم الجنب ولا يصلي حتى يجد الماء ثم رجع إلى مثل قولنا. وقال ابن وضاح: كان يقول: لا يغتسل وإن وجد (١١) الماء (١٢)، يريد:

стр. 366

ويكفيه تيممه. ونحوه لابن أبي زمنين في تأويله (١)، وليس بصواب. وحكي النعالي أن معناه (٢) أنه كان يقول: يغتسل ويعيد الصلاة، ثم رجع عن الإعادة (٣). والذي ذهب إليه أبو عمران هو الصواب (٤)، وهو المعروف من مذهب ابن مسعود، وذكره البخاري عنه وأصحابُ الخلاف. وإلى أن الذي رجع هو ابن مسعود ذهب هؤلاء والقابسي وغيرهم. وقد قيل: إن المراد بقوله: ثم رجع، هو ابن المسيب. قوله (٥) في المسافر يريد يطأ (٦) أهله وليس عندها (٧) ماء تتطهر به من حيضتها: "وهما سواء". قيل: معناه الحرة والأمة لتفريق أهل العراق (٨) بينهما. وقيل: المتوضئ وغير المتوضئ منهما سواء؛ لا يُدخلان على أنفسهما الحدث الأكبر حتى يكون معهما ماء إلا أن يطول أمرهما على ما تكلم عليه الشيوخ (٩). ويحتمل عندي أن قوله: "وهما سواء"، أي هو والمرأة، كما قال بعد هذا في باب التيمم (١٠): حتى يكون معهما من الماء

стр. 367

ما يكفيهما جميعاً، ومر (١) لسحنون في رواية ابن وضاح آخر الباب الأول قبل (٢) هذا. ابن وهب عن جرير بن حازم (٣) - بفتح الجيم وكسر الراء في اسمه، وفتح الحاء المهملة وبالزاي (٤) في اسم أبيه - عن النعمان بن راشد (٥). كذا رواه ابن وضاح، وكذا عند ابن عتاب. وحكى ابن أبي زمنين أن بعضهم رواه: ابن أبي راشد عن يزيد (٦) بن أبي أُنَيْسة - بضم الهمزة وفتح النون وبالسين (٧) المهملة مصغر. ونسبه الجزري، بفتح الجيم والزاي بعدها/ [خ ٢٥] راء. والحَصباء (٨) ممدود: هو الحصى، مقصور. وقوله في مسألة الطين (٩): أيتيمم عليه ولا جفَفَ؟ - بفتح الجيم والفاءين معاً - يريد: وليس يجد تراباً جافاً.

стр. 368

وقوله: "ويخفف ما استطاع" (١)، بالخاء، ويروى بالجيم. ومثله في "المختصر" (٢) وجَمَعَهُما، قال: ويخفَّف موضع (٣) يديه عليه ويجفِّفهما قليلاً (٤). والصفا (٥)، مقصور: الحجارة التي لا تراب عليها. والسبِخة (٦): الأرض المالحة التي لا تنبت (٧)، وإنما سأله عن هذا لأن مخالفنا - وهو الشافعي ومن وافقه - لا يجيز التيمم إلا بالتراب المنبت، وعليه تأول قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٨)، أي تراباً منبتاً، ويحتج بقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (٩). ونحا إلى هذا ابن شعبان من أصحابنا. ومعنى الآية عند أئمتنا - على ما ذهب إليه معظم أهل اللغة - أن الصعيد كل ما علا وجهَ الأرض ما كان. والطيب: الطاهر. ويعضده قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". وحكى ابن فارس (١٠) عن بعضهم أن الصعيد ما علا (١١) وجه الأرض من التراب الذي لا ينبت (١٢)، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (١٣).

стр. 369

والكوع (١): (طرف) (٢) عظم الذراع الذي يلي الإبهام (٣). وقوله (٤): فهو إلى أن نزع (٥) بالرشاء ويتوضأ ذهب الوقت إنه يتيمم، يستفاد منه أنه لو لم يبق من الوقت إلا مقدار الوضوء - وهو إن تيمم أدرك الصلاة - أنه يتيمم. وإليه ذهب البغداديون (٦) (٧). وذهب القرويون (٨) إلى أنه يتوضأ ولا يتيمم. وقالوا: الشغل بالرشاء شغل بأسباب الطهارة، والشغل بالوضوء شغل بنفسها، وبينهما فرق. والرشآء، ممدود: وهو الحبل (٩). وقوله (١٠) فيمن تيمم وهو جنب من نوم لا ينوي به صلاة. كذا روايتنا فيه، وكذا رواه دراس وابن أبي زمنين والباجي وأكثرهم. ومعنى ذلك: تيمم لنوم، وكذلك فسرها ابن أبي زمنين وغيره، وكذا وقعت في رواية بعضهم

стр. 370

باللام بينة، وعليه اختصر أبو محمَّد (١) وغيره (٢). وهذه المسألة موافقة لما له في كتاب ابن حبيب أن الجنب إذا أراد أن ينام - ولا ماء عنده - أنه يتيمم (٣)، ولا وجه لحجة من احتج به على منع الصلاة لمن توضأ وهو غير جنب لينام، على ما في كتب بعض شيوخنا البغداديين، وخلاف ما في كتاب ابن حبيب وغيره أنه يصلي به، وهو الصواب؛ لأن في ضمن وضوئه للنوم نية رفع الحدث لينام على طهر وغير محدث. ومسألة الكتاب هنا لم يتوضأ بهذه النية، وإنما توضأ لمجرد (٤) السنة التي أُمِر بها الجنب؛ إما مخافة المس، أو ليكون على إحدى الطهارتين، أو لعله ينشط للغسل، على اختلاف في تأويل ذلك (٥). ولأن هذا التيمم بدل من الوضوء، وهو لا يستبيح به شيئاً مما يمنع منه الحدث، والحدث الأكبر بأن عليه فكذلك بدله. الحيض (٦)، قيل: أصله من قول العرب: حاضت السمرة إذا خرج منها ماء أحمر، فكأنه من الحمرة. قال القاضي: ولعل السمرة إنما شبهت بالمرأة. وقيل: الحيض والمحيض اجتماع الدم هناك، ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه. وقوله (٧) / [خ ٢٦] في المرأة: أول ما ترى الدم "تقعد فيما بينها وبين خمسة عشر يوماً" (٨)، ثم قال من رواية علي بن زياد عن مالك (٩): "ثم هي

стр. 371

مستحاضة"، إلى آخر المسألة، كذا رواية ابن وضاح، وليس عنده الرواية الأخرى. وزاد في رواية ابن قاسم وابن باز وأحمد بن داود: "وقد روى علي بن زياد عن مالك أنها تقعد بقدر أيام لِداتها، ثم هي مستحاضة" (١)، إلى آخر المسألة، قال ابن أبي زمنين عن ابن وضاح: أمر سحنون بطرح رواية علي هذه (٢). ولداتها: بكسر اللام وبالدال المهملة المخففة (٣): أقرانها وأترابها. وسقط في كثير من الروايات قوله: "ورواه علي بن زياد عن مالك" في القول الأول الذي ثبت عند ابن وضاح. قوله (٤) في التي "رأت الدم خمسة عشر يوماً، ثم الطهر خمسة أيام، ثم الدم أياماً، ثم الطهر سبعة أيام: هذه مستحاضة". ذهب أبو محمَّد بن أبي زيد وبعضهم (٥) أن مذهبه من هذه المسألة أن أقل الطهر ثمانية أيام كما قال سحنون (٦). ولا دليل فيه، وظاهره أن السبعة ليست عنده طهراً (٧). وقال بعض متأخري علمائنا من شيوخ بلدنا وغيرهم (٨): إن مذهبه أن

стр. 372

الطهر لا يكون أبداً أقل من الدم، وإنما يكون مثله أو أكثر؛ فقد ذكر أن دم هذه كان خمسة عشر يوماً، فلا يمكن أن يكون طهرها إلا خمسة عشر يوماً فأكثر. قالوا: ومعنى قوله: إنها رأت بعد السبعة دماً من جنس دم الاستحاضة التي رأت قبل؛ فلذلك جعلها مستحاضة، ولو رأت دماً تنكره كدم الحيضة لاعتدت بها حيضة؛ لأنه قد مضى لها من الخمسة أيام الأول (١) وهذه السبعة والأيامُ التي رأت فيها الدم بينها التي لم تعتد بها في الحيض قدر خمسة عشر يوماً أو أكثر مثل حيضها الأول أو أكثر. فهذا معنى المسألة عندهم. وإليه ذهب القاضي أبو عبد الله بن العجوز (٢) - من شيوخ بلدنا - وحكاه عن بعض علمائنا (٣) المتأخرين. وذهب غيره إلى ظاهر الكتاب كما قدمناه. وانظر قول بَكر القاضي (٤): اتفق العلماء - إلا من شذ منهم - أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، وقولَ القاضي أبي محمَّد: أقل الطهر خمسة عشر يوماً على الظاهر من المذهب (٥)، (وانظر قول ابن مسلمة (٦) ............

стр. 373

مثله) (١)، وانظر قول المغيرة وعبد الملك (٢) وروايته (٣) عن مالك: أقل الطهر خمسة أيام، وأقل الحيض خمسة أيام؛ فإذا قل هذا كثر هذا، وإذا قل هذا كثر هذا (٤)، فهو خلاف قول الأشياخ، لكنهم إنما تكلموا على مذهب مالك وابن القاسم فانظره، فقولهم قول آخر في حد أقل الطهر أنه غير محدود، لكنه لا يكون أقل من الحيض. وهذا الوجه هو الذي يعضده الحديث، وأن المرأة لا يصح أن تحيض (٥) أكثر من نصف دهرها. وقول أشهب في الحامل ترى الدم: "إلا ألا تكون استرابت من حيضتها شيئاً" (٦)، كذا في كتاب ابن عتاب، وهي رواية الأندلسيين ويحيى بن عمر. وروى بعضهم: "إلا أن تكون استرابت" (٧). قال الشيخ أبو محمَّد وغيره: رواية يحيى بن عمر الصواب (٨). قال القاضي: وهي ظاهرة الصواب؛ لأنها متى لم تسترب من حيضتها شيئاً - لا في تأخير ولا في زيادة/ [خ ٢٧] أو نقص - بَان أن الحمل لم يؤثر في حيضها (٩) شيئاً ولا نقله (١٠) عن عادتها، فكأنها غير حامل فتستظهر؛ لأنا الآن رأينا تغير الحال، فنظرنا لها بهذا الاستظهار. ومتى استرابت بتغير حال

стр. 374

في الحمل لم تحتج إلى الاستظهار؛ لأنا قد علمنا أن الحمل موجب التغير - وقد حققناه - فلا تستظهر (١). وبهذا ردوا الرواية الأخرى؛ لأنها عكس النظر وضد الصواب ونقضٌ لقوله بعده: "هي من أول ما حملت على حيضتها". وذهب أبو عمران (٢) إلى تصحيح رواية: "إلاَّ أنْ"، أي أنها (٣) لم تحقق حملها, ولم (٤) تنتقل عن حالها إلا بيقين، قال: وقد وقعت كذا منصوصة لمالك في حامل استحيضت فشكت أن تكون أسقطت، قال: هي على حيضتها، فكأَن أشهب لما حكى قول ابن القاسم في نفي (٥) استظهارها قال: وكذلك أقول أنا، إلا أن تكون استرابت من حملها. قال القاضي: لكن يظهر لي وجه يوفق بين الروايتين - إن شاء الله - فيحمل قوله: إلا أن تكون استرابت من حيضتها شيئاً، أي الآن. ثم قال: "هي من أول ما حملت على حيضها"، أي لم تستربه قبل من أول الحمل، فلما كان الآن استرابت حيضها؛ إما بضعف (٦) الدم في صورته ولونه، أو قلته أو اتصال جريه، أو تغيراً (٧) في نفسها أو توجع (٨) تجد معه، أو غير هذا من خلاف عادتها قبل (٩)، فتستظهر ها هنا، فانظره (١٠).

стр. 375

وقول أشهب (١) "فإنها تقعد حيضة واحدة"، وقع في بعض الروايات: قيل لسحنون: ما معنى قوله: تقعد حيضة واحدة؟ قال: تنظر أيام حيضتها كما تصنع التي ليست حاملاً. ولم يكن في كتاب ابن عتاب ولا في كتاب ابن المرابط، وثبت في رواية (٢) دراس وبعضِ (٣) الروايات عن ابن وضاح. وفي آخر الباب (٤) عن ابن شهاب: لا تصلي ما دامت ترى التَّرِيَّة عند الحيضة أو الحمل، هذا يشير إلى قول عبد الملك أنها إنما يحكم لها بحكم الحيض إذا كانت قبل الغسل، فأما بعده فلا حكم لها (٥). وهي بتشديد التاء باثنتين من فوق، وكسر الراء، وتشديد الياء آخراً مفتوحة باثنتين من أسفل، وهي شبه الْغُسالة (٦). وكذلك عنده (٧) القطرة من الدم بعد الطهر. وقيل هي كالخرقة (٨) التي بها تعرف الحائض طهرها (٩). وقال الهروي (١٠): الترية:

стр. 376

(الحيض) (١) الخفي اليسير أقل من الصفرة (٢). وفي كتاب "العين": الترية ما رأت المرأة من صفرة أو بياض عند المحيض (٣). وقال أحمد بن المُعَذَّل (٤): الترية الدفعة من الحيض لا يتصل بها من دم الحيض ما يكون حيضة كاملة (٥). وقال الداودي: الترية الماء المتغير دون الصفرة (٦). وأما القصة (٧) - بفتح القاف - فهو ماء أبيض يكون آخر الحيض، وبه يستبين نقاء الرحم. قال علي (٨) عن مالك: هو شبه المني. وروى ابن وهب (٩) عنه: شبه البول. وقيل هو كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله (١٠). وسميت قصة لشبهها بالقصة - وهو الجير - لبياضها. وذهب أبو عبيد الهروي إلى أن معناه أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقياً لا يخالطه

стр. 377

صفرة ولا ترية كأنه قَصّة (١)؛ فكأنه ذهب إلى النقاء والجفوف، وبينهما (٢) / [خ ٢٨] وبين القصة عند النساء وأهل المعرفة فرق بين. قوله في الحامل (٣) تلد ولدا ويبقى في بطنها آخر: "تنتظر أقصى ما يكون بالنساء النفاس، ولزوجها عليها الرجعة. وقد قيل فيها: حالها كحال الحامل حتى تضع الثاني"، كذا في جميع نسخ "المدونة": وقد قيل. وفي "كتاب ابن سحنون" (٤): وقد قال (٥). ومعنى: كحال (٦) الحامل، أي كحال الحامل ترى الدم على حملها على الاختلاف في ذلك (٧). ولا خلاف أنها إذا جلست للأول (٨) أقصى ما يمسك النساء النفاس على اختلاف قولي (٩) مالك ثم ولدت الثاني أنها تجلس له ابتداء مثل ذلك. واختلف إذا ولدت الثاني قبل استيفاء أكثر ما يجلس النساء (١٠)؛ فقيل: تستأنف، وهو الأظهر، وإليه ذهب أبو إسحاق (١١). وقيل: تبني على ما مضى للأول، وإليه ذهب

стр. 378

أبو محمَّد (١) والبراذعي (٢). ثم هذا الدم المعتبر المسمى دم النفاس لا خلاف أنه الدم التي يهراق بعد الولادة، وأما ما كان قبل خروج الولد فقيل: إنه غير دم نفاس، وحكمه حكم غيره من الدماء التي تراها الحوامل. واختلف فيما يهراق عند خروج الولد ومعه؛ فقل: ليس بدم نفاس حتى يكون بعده، وهو ظاهر قول عبد الوهاب: "والنفاس ما كان عقيب الولادة (٣) ". وقيل: هو دم نفاس، ولا فرق بين ابتداء خروج الولد وانفصاله، وهو ظاهر قول كثير من أصحابنا من قوله (٤): الدم الذي عند الولادة ومع الولادة. وكذلك اختلف فيه أصحاب الشافعي على قولين، ولم يختلفوا في الوجهين الأولين على ما ذكرناه (٥).

стр. 379

كتاب الصلاة الأول اختلف في اشتقاق اسم الصلاة مم هو؟ فقيل: من الدعاء، وهو قول أكثر أهل العربية والفقه. وتسمية الدعاء صلاةً (١) معروف في كلام العرب وأشعارها، فسميت صلاة (٢) لما فيها من الدعاء، كما سميت صلاة الجنازة صلاة وإن لم يكن فيها غير القيام للدعاء. ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال (وأقوال) (٣). وقيل: سميت بذلك من الصَّلَوَيْن، وهما عرقان في الردف. وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، ومنه (٤) سمي المُصَلَّي من الخيل؛ لأنه يأتي لاصقا بصَلَوَي السابق (٥). قالوا: ومنه كتبت الصلاة بالواو في المصحف. وقيل: لأنها ثانية الإيمان وتاليته؛ كالمصلي في الخيل من السابق. وقيل: لأنه متبع فعل النبي ﵇، فهو كالسابق، ومتبعه من بعده في صلاته كالمصلي.

стр. 380

وقيل: سميت بذلك من الرحمة، والصلاة الرحمة، وهذا أيضاً موجود في كلام العرب وكتاب الله وحديث نبيه ﵇ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (١). فهي من الله رحمة، ومن الملائكة (والناس) (٢) دعاء، وقال ﵇: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٣)، أي: ارحمهم. وقيل: سميت بذلك من الاستقامة وقولهِم (٤): صليت العود على النار إذا قومته (٥)، والصلاة/ [خ ٢٩] تُقِيم العبد على طاعة الله وخدمته وتنهاه عن خلافه؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٦). وقيل: أصلها الإقبال على الشيء تقرباً إلى الشيء، وفي الصلاة هذا المعنى. وقيل: معناها اللزوم؛ فكأن المصلي لزم هذه العبادة أو إنها لزمته. وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه (٧).

стр. 381

معاني أركان الصلاة وأذكارها النية معناه (١): القصد للشيء، وهو في العبادات قصد فعلها قربة لله تعالى. والتحريم للصلاة معناه الدخول في حرمها وحرمتها، والحرمة ما لا يحل انتهاكه. ومعنى الله أكبر عند بعضهم: الله أكبر من كل شيء. وأبى هذا آخرون وقالوا: إنما يقع التفاضل بـ "أَفْعَلَ" بين متقاربين (٢) في الشيء والمتشاركين (٣) فيه، والله يتعالى عن ذلك، وإنما معنى أكبر هنا: الكبير. قالوا: وقد جاء أفعلُ بمعنى اسم الفاعل كثيراً؛ قال الله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٤)، أي هين. وقيل (٥): بل جاء على نمط كلام العرب في الوصف في المبالغة، ولم يرد به المفاضلة. وحكمة تقديم هذا القول أمام فعل الصلاة تنبيها للمصلي على معنى هذه الكلمة التي معناها أنه الموصوف بالجلال وكبر الشأن، وأن كل شيء

стр. 382

دون جلاله وسلطانه حقير، وأنه جل وتقدس عن شبه المخلوقين والفانين، ولِيَشْغَلَ المصلي خاطره بمقتضى هذه اللفظة ويستحقرَ أن يَذكر معه غيره، أو يحدث نفسه بسواه جل اسمه، وأن من انتصب لعبادته ومثُل (١) بين يديه أكبر من كل شيء يشتغل به أو يعرض بذكره (٢) عما هو قد تفرغ له من طاعته. ومعنى رفع اليدين عند التحريم؛ قيل فيه معنى هذا، وهو نفضهما من كل شيء من أمور الدنيا وطرحه وراء ظهر المصلي ودبر أذنه. وقيل: بل هو عَلَم للتكبير ليَرَى ذلك مَنْ بَعُدَ فيَعلمَ تكبيرَ الإِمام وإن لم يسمعه؛ إذ سائر أفعال الصلاة اقتداءٌ بحركات لا تخفى على من بعد ومن قرب. وقيل: بل ذلك من تمام القيام. وقيل: بل لاستشعار عظيم ما دخل فيه واستهواله؛ إذ كل من استعظم أمراً تلقاه بيديه بتلك الهيئة. وقيل: بل علامة للتذلل والاستسلام. وهذه الوجوه على مذهب من رأى كونهما منتصبتين. وفي انتصاب الأصابع معهما أو حنوّهما قليلا خلاف بين من اختار إقامتهما. وقيل: بل ذلك إشارة إلى الخضوع والرهَب، وهذا على مذهب من رأى بسطهما وظهورُهُما إلى السماء، وهو الرهب. وقيل: بل إظهار للفاقة والسؤال وطلب الرحمة، وهذه عادة من بسطهما وبطونهما (٣) إلى السماء قبل إرسالهما، فإذا أرسلهما مع التكبير

стр. 383

قَلَبَهما، فجمع بين الرغب والرهب (١). والركوع أصله الخضوع، قال الشاعر: ولا تُعادِ الفقيرَ علَّك أن تر ... كع يوماً والدهرُ قد رفعه (٢) وقيل: أصل معناه الخشوع، واستعمل في التطأطإ والانحناء في الصلاة, لأن فيه خضوعاً وخشوعاً. والسجود أيضاً (٣) التطامن والميل، يقال: سجدت النخلة، أي مالت (٤)؛ قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ (٥)، وهو من معنى الخضوع،/ [خ ٣٠] ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦) الآية. ومنه الإسجاد، وهو إدامة النظر في فتور (٧)، وفي الركوع والسجود هذا المعنى أيضاً من إلصاق أعز الأعضاء وأرفعها بالتراب - أهونِ الأشياء وأسفلها - في السجود والإشارةِ في الركوع إلى ذلك. والقنوت يقع على القيام، ويقع على الدعاء، ويقع على الصلاة، ويقع على العبادة وعلى الخشوع، ويقع على القيام على هذا كله والإقامة عليه، ويقع على السكوت، ويقع على الطاعة، ويقع على الإقرار بالعبودية، ويقع

стр. 384

على الإخلاص (١). وكل هذا موجود في القنوت العرفي قي الصلاة؛ لأنه جمع قياما في صلاة (٢)، ودعاء وخشوعا، وصمتا عن القراءة والكلام، وطاعة لله وإخلاصا لعبادته وتوحيده. ومعنى نستغفرك (٣) أي نسألك الستر على ذنوبنا وترك المؤاخذة بها بعفوك ورحمتك لنا ونستدعي غفرانك. وأصل الغفران الستر، ومنه سميت الغفارة خرقة تخمر بها المرأة رأسها (٤). ونخْنَع أي نخضع (٥) ونضرع (٦) ونلجأ. ونحفد (٧)، بفتح الفاء وكسرها، بمعنى نسعى ونبادر إلى عبادتك وطاعتك، ومنه سمي الخدم حفدة لمسارعتهم ومثابرتهم على الخدمة. وفيه (٨) معنى نحفد نخدم. وعذابك الجِد (٩)، بكسر الجيم، أي الحق، وقيل: الدائم الذي لا يفتر. ويروى الجَد مصدر جَدَّ. وقوله: ملحق (١٠)، رويناه من طريق ابن باز بكسر الحاء، وعن ابن وضاح بفتحها (١١) معا؛ فبالكسر بمعنى لاحق، وبالفتح بمعنى أن الله تعالى

стр. 385

يُلحِقه الكافرين (١). وقوله في قنوت علي: "من يَفْجُرُك" أي يفتري عليك الكذب ويضيف إليك ما لا يليق بك. ومعنى التشهد (٢) مأخوذ من الشهادتين المضمنة (٣) فيه. والتحيات: جمع تحية وهي الملك، وقيل العظمة، وقيل الحياة، وقيل البقاء، وقيل السلام، وقيل التحيات لله: الممالك (٤) لله، وقيل: معناها التحيات (٥) كلها التي يُحَيى بها الملوك هو المستحق لها. وسمعت شيخنا أبا إسحاق بن جعفر الفقيه (٦) يقول: إنما جمعت التحيات هنا

стр. 386

لجمع (١) معاني التحية من الملك والبقاء والسلام (٢). والزاكيات (٣)، أي الأعمال الصالحات. والطيبات، أي الأقوال الطيبات. والصلوات لله، أي يراد بهذا كله وجه الله (٤). (وقيل: معناه الرحمة من الله) (٥). وقد يكون بمعنى أن ذلك (كله من تحية تعظيم وثناء جميل واخلاص لعبادة وعمل صالح وصلاة لا يصلح ذلك) (٦) لغير الله ولا يستحقه إلا الله جل اسمه. وقيل: معنى الصلوات هنا الرحمة، أي لله التفضل بها والوصف الجميل ببذلها (٧). وقد يكون معنى ذلك الدعوات والتضرع والرغبة لله (٨). ومعنى الصلاة على النبي ﷺ فيها (الدعاء، وهو من الله تعالى له رحمة، ومن الملائكة والعباد دعاء. ومعنى السلامِ على النبي فيها) (٩)

стр. 387

والسلامِ ومنها وقيل (١): المراد به اسم الله، ومعناه هنا تعويذه بالله، أي أعوذ بالله، كما يقال: الله معك. وقيل: معناه السلامة والنجاة لكم (٢) كما قال: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ (٣). وقوله آمين (٤)، المعروف فيه المد/ [خ ٣١] وتخفيف الميم، ومعناه استجيب لنا. قيل: هي كلمة عبرانية عُرَّبت مبنية على الفتح، وحكى ثعلب فيه: أمين، بالقصر، وأنكره ابن درستويه (٥) وقال: إنما جاء ذلك في ضرورة الشعر (٦). وقيل: بل هو اسم من أسماء الله. وقيل معناه يا آمين استجب لنا، والمَدة مدة النداء عوض الياء. وحكى الداودي: آمّين بالمد وتشديد الميم (٧)، وقال: إنها لغة شاذة. وقد ذكر ثعلب أنها خطأ (٨).

стр. 388

ومعنى سمع الله لمن حمده، أي أجاب الله دعاء من حمده. وقيل: المراد بها الحث على التحميد. قال القاضي (١): يظهر لي أن تردد قول مالك في اختيار جواب هذا بربنا لك الحمد، أو: ولك الحمد، إنما كان لاختلاف الآثار بذلك، أو على التردد بين المعنيين المتقدمين؛ فإذا جعلنا سمع الله لمن حمده بمعنى الحث على الحمد كان الوجه في الجواب: ربنا لك الحمد، دون واو؛ لأنه مطابق لما حث عليه وامتثال لما ندب إليه. وعلى التأويل الآخر الأَوْلى إثبات الواو؛ لأنه يتضمن تأكيد الدعاء الأول وتكراره بقوله: ربنا، أي استجب لنا أو اسمع (٢) حمدنا. ثم يأتي بالعبادة التي دُعِي بالاستجابة لقائلها - وهو الحمد - فيقول: ولك الحمد (٣). وقيل: معنى ذلك على إلهامنا ذلك واستعمالنا له. ومعنى التسبيح التنزيه، وسبحان الله، معناه: تنزيهاً لله عن كل ما لا يليق به. وقولهم: وبحمده أي بحمده سَبَّحْنَاه، أي نحمده على استعمالنا لذلك. ومعنى الأذان: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٥). قال ابن قتيبة: وأصله من الإذن (٦)، كأنه أودع ما أعلمه إذنه، فالأذان إعلام بدخول الوقت والاجتماع للصلاة وأن الدار دار إيمان. و"كان النبي ﵇ إذا غزا قوماً؛ فإن

стр. 389

سمع أذانا أمسك، وإلا أغار" (١). ففي معنى الأذان الإعلام بهذه المعاني الثلاثة من شعار الإِسلام ودخول الوقت والاجتماع لصلاة الجماعة. وقد رتب الشرع الأذان على ترتيب عقيدة الإيمان وطواه على جمل فصولها؛ من إثبات الذات وصفاتها الذاتية؛ لقوله (٢): الله أكبر. وإثبات الوحدانية والإلهية الواجبة لها ونفي الشركة المستحيلة عليها بكلمتي (٣) الشهادة، وهذه (٤) عمدة قاعدة التوحيد والإيمان المقدمة على جميع وظائفه. ثم إثبات الرسالة لنبينا ﵇، وموضعُها في الترتيب بعد ما تقدم من إثبات الذات وما يجب لها وما يستحيل عليها - ولأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع. ثم الدعاء إلى الشريعة من الصلاة - ورتبتها بعد إثبات النبوة - لأن ذلك عُلِم من جهته ﵇. ثم الحث والدعاء إلى الفلاح الذي هو البقاء في النعيم الدائم، والإشعار - أثناء ذلك - بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر فصول العقائد الإِسلامية. فقد انطوت - على اختصار كلماتها وقلتها - على ما يحتمل بسطه في عدة مجلدات، وانطوت على ذلك الإقامة أيضاً، ليدخل العبد في الصلاة مجددا لعقائده، وذاكرا لها بقلبه ولسانه، ومخلصاً لله في عبادته وصلاته (٥). وتقدم معنى الله أكبر. ومعنى حي على الفلاح، أي هلم وأقبل. وقيل: / [خ ٣٢] عجل وأسرع، ومعنى الكلمة التحضيض والحث. والفلاح هنا: الفوز بالنعيم. وقيل: البقاء والخلود.

стр. 390

ومعنى الإقامة (١) أي إلى الصلاة؛ لأن المؤذن يقيمهم (٢) إلى أدائها بدعوته وإعلامه بدخول الإِمام فيها. ومعنى قد قامت الصلاة (٣)، أي استقامت عبادتها وآن الدخول فيها. وقد يكون المعنى: قد آن القيام لها، والمراد القائمون (٤)، أي جماعة أهل الصلاة. وقد يكون أيضاً معنى قامت الصلاة: دامت وثبتت. ومعنى التثويب الرجوع؛ فمن جعله قوله: الصلاة خير من النوم (٥)، فكأنه عاد إلى الحض على فعل الصلاة التي بدأ بها قبل، ثم قال: حي على الفلاح، ثم عاد إلى الحث والحض على الصلاة بقوله هذا. وقال بعضهم: إنما التثويب المشعر (٦) بحضور الصلاة بعد المؤذن؛ كانَ إذا قَرُبت صعد المنار ثم قال: الصّلاة يرحمكم الله. وكان يُفعل هذا للأمراء ليخرجوا عند اجتماع الناس وتمكُّن الوقت، وكان المؤذن يَقرن بهذا السلامَ على الأمير، قيل: فكان مُثَوِّباً، أي عائداً للدعاء للصلاة بعد المؤذن.
следующие страницы →