← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثالث: آثاره العلمية خلف القاضي عياض ﵀ مؤلفات كثيرة في الحديث، واللغة، والفقه، والتاريخ، شاهدة على رسوخ قدمه في هذه الفنون التي ألف فيها. منها: ما تناولته يد الدارسين وسعدت به المطابع فخرج إلى حيز الوجود، ومنها: ما هو باق على الحالة التي تركه عليها النساخ، ومنها: ما عرف اسمه وجهل رسمه، ونذكر هذه المؤلفات مبتدئين بما طبع منها: أولاً: المطبوع: ١ - " الإلماع" إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع: هذا الكتاب من الكتب المهمة في مصطلح الحديث، وهو مطبوع (١). ٢ - الأعلام بحدود قواعد الإِسلام: حقَّقه وقدَّم له الأستاذ المرحوم محمَّد بن تاويت الطنجي وطبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، وقد ترجم إلى الفرنسية (٢). وشرحه القباب، وما زال الشرح مخطوطاً.

стр. 37

٣ - بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد: يعتبر هذا الكتاب من أوفى الشروح لهذا الحديث، وهو مطبوع (١). ٤ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: لقد أولى هذا الكتاب للمذهب المالكي عناية خاصة، وذلك لما ينطوي عليه من صور واضحة حول نشوء المذهب وتطوره، ومن أخبار عن رواة المذهب وفقهائه وكتبه، وهذا ما جعل الناس يتطلعون إلى صدور هذا الكتاب. ويؤيد عناية الأمراء به ما ذكره الأستاذ محمَّد بن تاويت الطنجي من عزم السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ على طبعه بمصر، إلا أن العملية لم يكتب لها النجاح. وفي ١٣٣٠ هـ بدأ مولاي حفيظ بطبع ترتيب المدارك بفاس على نفقته أيضاً فطبعت منه ست عشرة صفحة، ثم حال حائل دون الاستمرار في الطبع. وقد عزم محمَّد الخامس ﵀ كذلك على طبعه إلا أن هذه الأمنية لم يكتب لها التحقيق. وقد تحققت هذه الرغبة على يد الحسن الثاني ﵀ (٢) فقامت وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بطبعه بعد أن قامت مجموعة من الأساتذة بتحقيقه. وقد طبع كذلك في لبنان بتحقيق الدكتور أحمد بكير محمود (٣). ٥ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار: عمد القاضي عياض في كتابه هذا الذي درس فيه "الموطأ" و"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" إلى كلمات المتن، وأسماء الأماكن، والرجال، وكناهم وألقابهم، فقام بترتيبها على حروف المعجم، ثم شرع في ضبط متونها وتصحيحها على الأصول، كما نبه على اختلاف الروايات مع الإشارة إلى الصواب والأرجح منها. وأفرد فصلاً لأسماء الأماكن والأسماء والألقاب

стр. 38

والكنى (١). قد نبه على منهجيته في الكتاب والأسباب الداعية إلى تأليفه في المقدمة. وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة على يد السلطان مولاي عبد الحفيظ سنة ١٣٢٨ هـ ثم أعادت وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالرباط طبعه سنة ١٩٨٢ ضمن منشوراتها. ٦ - الغنية: خصص القاضي عياض هذا الكتاب لشيوخه وما رواه عنهم، وقد حققه وقدم له الدكتور محمَّد بن عبد الكريم، وطبع بالدار العربية للكتاب بليبيا، وتونس، سنة ١٩٧٨. وحققه وقدم له أيضاً الأستاذ ماهر زهير جرار، وطبع بدار الغرب الإِسلامي ببيروت، سنة ١٩٨٢. ٧ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: هو من أشهر الكتب التي ألفها القاضي عياض، وقلما تخلو منه خزانة عامة أو خاصة إلى أن قيل فيه: كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفاء إلا عياض وقد طبع هذا الكتاب مرات عديدة. ٨ - إكمال المعلم بفوائد مسلم: هو شرح كمل به شرح أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله المازري على صحيح مسلم بن الحجاج المسمى بالمعلم بفوائد مسلم، وقد قام بتحقيقه الدكتور يحيى إسماعيل، وطبع بدار الوفاء للطباعة والنشر سنة ١٩٩٨ في تسعة أجزاء. ٩ - مذاهب الحكام في نوازل الحكام: هذا الكتاب للقاضي عياض وولده، وأصله بطائق أو جذاذات للقاضي عياض جمعها بعد وفاته ابنه أبو عبد الله محمَّد، وهي تشتمل على أجوبة

стр. 39

تمثل الفتوى في الغرب الإِسلامي، وليست مقصورة على عياض وحده، وإنما فيها أجوبة لابن رشد، وابن الحاج، ومحمد بن عياض، وقد قدم لهذا الكتاب وحققه وعلق عليه الدكتور محمَّد بن شريفة، وطبع بدار الغرب الإسلامي. ثانياً: المخطوط: ١ - " التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة" والمختلطة: يقع الكتاب في عدة أجزاء وقدره ابنه بعشرة أجزاء (١)، ولكن بمفهوم الجزء في ذلك الوقت. وهو موضوع هذا التحقيق. ٢ - المعجم في شيوخ ابن سكرة: وقد ذكره الأستاذ محمَّد بن تاويت الطنجي بهذا العنوان: المعجم في ذكر أبي علي الصدفي وأخباره وشيوخه وأخبارهم. جمع فيه نحو مائتي شيخ، ذكره عياض في "الغنية" (٢) وقال عنه عبد السلام شقور: وقد ورد في إحدى قوائم المخطوطات أنه بمكتبة الجزائر تحت رقم: ٥٨ (٣). ٣ - خطب عياض . هو سفر واحد جمعت فيه خطب عياض، حسب ما قاله ابنه (٤). ويقول الأستاذ حسن الوراكلي: إنه قد عثر مؤخراً على بعض خطب عياض، ولا يستبعد أن تكون مما كان يشتمل عليه كتاب خطبه. وقال: تنظر هذه الخطب تحت رقم: ٧٩ من مخطوطات جائزة الحسن الثاني لسنة ١٩٧٩ (٥). وقد ذكر الأستاذ عبد السلام شقور نماذج من هذه الخطب (٦).

стр. 40

٤ - الفنون الستة في أخبار سبتة: وقد ذكر باسم آخر هو: "العيون الستة في أخبار سبتة". ولعل الكتاب واحد، وبالاسم الأوّل ذكره ابنه (١)، وهو من الكتب التي لم يكملها. وقال الأستاذ الوراكلي: يفهم من إشارة للشيخ أحمد بن الصديق في كتابه "جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار" ١/ ٣ أنه وقف على الكتاب. ٥ - الصلاة العياضية على النبيّ ﷺ -: توجد هذه الصلاة بمجموع بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم: ق: ١٢٠٧، وهي منسوبة إلى القاضي عياض، وهي مكونة من ست عشرة صفحة، من الحجم الصغير، وبخط كبير، عدد أسطر كل صفحة عشرون سطراً، وهي صلاة طويلة على طريقة صلاة دلائل الخيرات. وقد نشرها الأستاذ عبد السلام شقور في كتابه (٢). ٦ - قصيدة لعياض في مدح المصطفى ﷺ -: هذه قصيدة في مدح المصطفى ﷺ وجدتها منسوبة لعياض ضمن مجموع بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ق: ١٢٠٧، والقصيدة مبنية على أسماء سور القرآن، وعلى ترتيبها، وقد ارتأيت أن أعرض هذه القصيدة بأكملها حتى لا تضيع، وحتى تكون مجالاً للبحث في صحة نسبتها إليه وهي: [البسيط] في كل فاتحة للقول معتبرة ... حق الثناء على المبعوث بالبقرة في آل عمران قدماً شاع مبعثه ... رجالهم والنساء استوضحوا خبره قد مد للناس من نعماه مائدة ... عمت فليست على الأنعام مقتصره أعراف رحماه ما حل الرجاء بها ... إلا وأنفال ذاك الجود مبتدره له توسل إذ نادى بتوبته ... في البحر يونس والظلماء معتكرة

стр. 41

هود ويوسف كم خوف به أمنا ... ولن يروع خوف الرعد من ذكره مضمون دعوة إبراهيم كان وفي ... بيت الإله وفي الحجر التمس أثره ذو أمة كدوي النحل ذكرهم ... في كل قطر فسبحان الذي فطره فكهف رحماه قد لاذ الورى وبه ... بشرى ابن مريم في الإنجيل مشتهرة سماه طه وحض الأنبياء على ... حج المكان الذي من أجله عمره قد أفلح الناس بالنور الذي شهدوا ... من نور فرقانه لما جلا غرره أكابر الشعراء اللسن قد خرسوا ... كالنمل إذ سمعت آذانهم سوره وحسبه قصص للعنكبوت أتى ... إذ حاك نسجاً بباب الغار قد ستره في الروم قد شاع قدماً أمره وبه ... لقمان وفق للدر الذي نثره كم سجدة في طلا الأحزاب قد سجدت ... سيوفهم فأراهم ربه عبره سباهم فاطر السبع العلا كرما ... لمن بياسين بين الرسل قد شهره في الحرب قد صفت الأملاك تنصُره ... فصاد جمع الأعادي هازماً زمره في غافر الذنب في تفضيله سور ... قد فصلت لمعان غير منحصرة شوراه أن تهجر الدنيا بزخرفها ... مثل الدخان فيغشى عين من نظره عزت شريعته البيضاء حين أتى ... أحقاف بدر وجند الله قد نصره فجاء بعد القتال الفتح متصلا ... وأصبحت حجرات الدين منتصره بقاف والذاريات الله أقسم في ... أن الذي قاله حق كما ذكره في الطور أبصر موسى نجم سؤدده ... والأفق قد شق إجلالاً له قهره أسرى فنال من الرحمن واقعة ... في القرب ثبت فيها ربه بصره في الحشر يوم امتحان الخلق يقبل في ... صف من الرسل كل تابع أثره كف يسبح للَّه الحصاء به ... فاقبل إذا جاءك الحق الذي قرره قد أبصرت عنده الدنيا تغابنها ... قالت طلاقاً ولم يصرف لها بصره تحريمه الحب للدنيا ورغبته ... عن زهرة الملك حق عندنا ذكره في نون قد حقت الأمداح فيه بما ... أتى به الله إذ أبدى لنا سيره بجاهه سال نوح في سفينته ... حسن النجاة وموج البحر قد غمره

стр. 42

وقالت الجن جاء الحق فاتبعوا ... مزملاً تابعاً للحق لن يذره (١) مدثراً شافعاً يوم القيامة هل ... أتى نبيّ له هذا العلا ذخره؟ في المرسلات من الكتب انجلى نبأ ... عن بعثه سائر الأحبار قد سطره الكافة النازعات الضم حسبك في ... يوم به عبس العاصي لما ذعره إذ كورت شمس ذاك اليوم وانفطرت ... سماؤه ودعت ويل به الفجرة وللسماء انشقاق بالبروج خلت ... من طارق الشهب والأفلاك منتثره فسبح اسم الذي في الخلق شفعه ... وهل أتاك حديث الحوض إذ ذكره كالفجر في البلد المحروس غرته ... والشمس من نوره الوضاح مختصرة في الليل مثل الضحى إذ لاح فيه ألم ... نشرح لك القول في أخباره العطره ولو دعا التين والزيتون لابتدرا ... إليه في الحين واقرأ تستبن خبره في ليلة القدر كم [قد] حاز من شرف ... في الفجر لم يكن الإنسان قد قدره كم زلزلت بالجياد العاديات له ... أرض بقارعة التخويف منتشره له تكاثر آيات قد اشتهرت ... في كل عصر فويل للذي كفره ألم تر الشمس تصديقاً له حبست ... على قريش وجاء الروح إذ أمره أريت أن إله العرش كرمه ... بكوثر مرسل في حوضه نهره والكافرون إذا جاء الورى طردوا ... عن حوضه فلقد تبت يدا الكفرة إخلاص أمداحه شغلي فكم فلق ... للصبح أسمعت فيه الناس مفتخره أزكى صلاتي على الهادي وعترته ... وصحبه وخصوصاً منهم العشرة صديقهم عمر الفاروق أحزنهم ... عثمان ثم علي مهلك الكفرة سعد سعيد زبير طلحة وأبو ... عبيدة وابن عوف عاشر العشرة وفي خديجة والزهراء وما ولدت ... أزكى مديحي سأهدي دائماً درره عن كل أزواجه أرضى وأوثر من ... أضحت براءتها في الذكر مشتهره أقسمت لا زلت أهديهم شذا مِدَحي ... كالروض ينثر من أكمامه زهره

стр. 43

ولعياض قصائد كثيرة نشر الأستاذ عبد السلام شقور بعضها في كتابه (١). ثالثاً: المفقودة: ١ - غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسيل (٢). ٢ - كتاب "العقيدة". وهذا الكتاب ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ ولم يذكره ولد المؤلف في التعريف، قال الأستاذ محمَّد بن تاويت الطنجي: وأظن هذه العقيدة هي كتاب "الإعلام" بحدود قواعد الإِسلام (٣). ٣ - أجوبة القرطبيين: قال عنه ابنه: رأيت هذه الترجمة بخطه، ولم أجدها عنده مبيضة غير أني وجدتها في بطائق فجمعتها مع أجوبة غيرهم (٤). ٤ - أخبار القرطبيين (٥). ٥ - الأجوبة المحبرة عن المسائل المتخيرة: وهذا الكتاب كذلك من الكتب الذي لم يتيسر له إتمامها وقد ذكر ابنه أنه وجد منه يسيراً فضمه إلى ما وجده في بطائق أبيه أو عند أصحابه من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها فأجاب عنها ﵀ (٦).

стр. 44

٦ - جمهرة رواة مالك: هذا الكتاب ذكره عياض في "ترتيب المدارك" وقد انطوى هذا الكتاب على أزيد من ألف وثلاثمائة راو (١). ٧ - الجامع في التاريخ: يقول القاضي عياض في ترجمة عبد الله بن ياسين القائم بدعوة المرابطين: وقد بسطنا أخباره في كتاب "التاريخ". وقد ذكره الذهبي، وحاجي خليفة باسم: "جامع التاريخ" (٢). وذكره المقري باسم: "تاريخ المرابطين" (٣). هذه مؤلفاته شاهدة على علو منزلته، وإن كنا لا ندعي في هذا العرض الاستقصاء ولا العد والإحصاء، وقد أحسن المقري وأجاد عندما ساق هذه المؤلفات في مقدمة كتابه "أزهار الرياض"، وصاغها في أسلوب جميل على طريق التورية. قال: الحمد لله الذي أعلى مراتب العلماء الأعلام، وزكى منهم العقول الراجحة والأحلام، ومنحهم مآثر تقصر عن جمعها المحابر والأقلام، ومفاخر طارت كل مطار، وجعل معاليهم زاهرة زاهية، وأضواء فهومهم نامية سامية، وأنواء علومهم هامعة هامية، بواكف الأمطار، وأطلعهم على دقائق الأسرار، وهداهم وهدى بهم إلى ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، وجلى بمشارق الأنوار من معارفهم وآدابهم، عمن تمسك بأذيالهم وأهدابهم، غياهب الجهل الحوالك، فأضاءت الأقطار، وعرفهم المقاصد الحسان، والوسائل المغتبطة والإلماع بأصول الرواية والسماع، والإعلام بحدود قواعد الإِسلام، وأرشدهم إلى "التنبيهات" المستنبطة السامية الأخطار، حتى رفلوا من حلل التحقيق السابغة، في مطارف وبرود، ووردوا

стр. 45

من مناهل التوفيق السائغة كل عذب برود، وتنسموا من حجج الحق البالغة الروض المعطار، واجتنوا أزاهر أضحت منية الطالب وبغية الرائد، واجتلوا جواهر نظمت منها الدرر والفوائد في أجياد الأسطار، فإن أمهم ناقص عديم، ألفى لديهم الغنية والإكمال، أو قصدهم عليل سقيم، وجد في يديهم الشفاء فنال غاية الآمال، وظفر بمنتهى الأوطار (١). رابعاً: الترتيب الزمني لمؤلفاته: الذي يبدو لأول وهلة أن القاضي عياضاً فتح موضوعات عدة للبحث، وشرع في تأليف أكثر من كتاب في آن واحد، ولهذا يصعب ترتيب مؤلفاته زمنياً. ومن الملاحظات العامة في كل مؤلفاته المتاحة اليوم أنها جاءت استجابة لرغبات وطلبات الراغبين والطالبين كما سجل ذلك في صدورها: فالمتفقهة رغبوا في الاعتناء بمجموع فقهي - كما في مقدمة "التنبيهات" -. وطلبة الحديث رغبوا في صرف العناية إلى تلخيص فصول في معرفة الضبط وتقييد السماع (٢). وتكرر طلبهم لكتاب يجمع غوامض ومبهمات ولغات بعض كتب الحديث (٣). وكثرت الرغبات في تعليق يجمع هذه كلها؛ علم الحديث وفقهه ولغته (٤).

стр. 46

وجاء السؤال لشرح حديث واحد وبيان أغراضه وحل مقفل غريبه وألفاظه (١). ورغب المربون في تأليف لطيف لتدريب المتعلمين على البر (٢). كما تكرر السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى ﵊ (٣). وتكررت رغبات الأصحاب لإمضاء ما كانت النية اعتقدته ... من كتاب حاو لأسماء أعيان المالكية (٤). وتعين بحكم إلحاح الراغبين في تعيين الروايات والمسموعات التنصيص على عيون من ذلك (٥). وسواء أكانت هذه الرغبات واقعة أو متخيلة، فإن الحاجة إليها ماسة وفائدتها محققة، إلا أن بعض هذه المؤلفات نبع من رغبات حقيقية اعترضت طلبة الشيخ عند الدراسة كما هو الشأن في كتاب "التنبيهات" الذي خرجت فكرته من دروس "المدونة"، وكتاب "إكمال المعلم" الذي أملته مشاكل مجالس التفقه في "صحيح مسلم" (٦)، والمشارق الذي فرضته عويصات مجالس السماع والتفقه (٧). ويمكن استثناء كتاب "المدارك" الذي التقت فيه رغبة الراغبين بشروع في التقميش والتسويد (٨). والآن، لنحاول مقاربة توقيت المؤلفات, لأن هذا قد يساعد في تحديد وقت وضع "التنبيهات" بما يحمله نص هذا الكتاب من أسئلة قد لا

стр. 47

تجد لها جواباً، والاقتصار هنا على المؤلفات التي ورد بشأنها تنصيص أو إشارة يحيلان على زمن التأليف. عندما يتحدث المترجمون للقاضي عياض عن مؤلفاته يعتمدون تقسيماً ثلاثياً وضعه ابنه محمد في ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: مؤلفاته التي أكملها وقرئت عليه، وهي: ١ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١): يفهم من مقدمة الكتاب أن المؤلف اختلس كتابته "على استعجال لما المرء بصدده من شغل البدن والبال، بما قلده من مقاليد المحنة التي ابتلي بها فكادت تشغل عن كل فرض ونفل ... " (٢). وكأن المؤلف يلمح إلى أن ما كاد يصده عن هذا الواجب هو خطة القضاء، وهذا يعني أنه ألف الكتاب وهو في ولاية القضاء. والمقصود هنا الولاية الأولى بسبتة بعد سنة ٥١٥ هـ، وقد وردت في الكتاب إشارة تاريخية فهم منها الشهاب الخفاجي (٣) أنه كان مشتغلاً بتأليفه سنة ٥٣٥ هـ، ويعكر على هذا ما أورده المقري أنه كان يسمع الكتاب وهو قاض بغرناطة سنة ٥٣١ هـ، وتصريح المؤلف هناك أنه قد سمعه منه ما لا يحصى كثرة (٤)، ويعكر عليه أيضاً أن المؤلف في هذا التاريخ (٥٣٥ هـ) لم يكن يتولى خطة القضاء، فصح أن الإشارة التاريخية ينبغي أن يفهم منها أن المؤلف يقصد سنة ٥٢٢ هـ (٥). ويكاد قارئ مقدمة الكتاب يلمس أن المؤلف كتب الكتاب ردًّا على ظهور المهدي الموحدي مدعي العصمة، وهذا يعني: أن الكتاب ألف بعد ظهور الدعوة الموحدية.

стр. 48

ثم إن المؤلف أحال على كتاب "الشفاء" في إكمال المعلم كثيراً، كما أحال عليه في "مشارق الأنوار" (١). ٢ - إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢): يلمس من خلال مقدمة الكتاب أن المؤلف لم يشرع في التأليف إلا بعد زمن من تدريس "صحيح مسلم" للطلبة وبعد رغباتهم في حل ما يعترضهم من صعاب، وأنه لم يستطع الاستجابة إلا بعد "أن منّ الله بإحسانه بحل تلك القلادة وزوالها، وفرغ البال من عهودها الفادحة وأشغالها، فتوجه الأمر وانقطع العذر ... " (٣). فهل يقصد المؤلف بذلك تحلله من خطة القضاء؟ إن كان الأمر كذلك فهذا يعني أنه لم يشرع في التأليف إلا بعد إعفائه من قضاء غرناطة سنة ٥٣٢ هـ, لأنه مذ تولى قضاء سبتة سنة ٥١٥ هـ لم يتحلل من الخطة حتى ذلك الحين. هذا وقد ذكر في "الإكمال" كتاب "الشفاء" كثيراً كما سبق، وأحال فيه أيضاً على "الإلماع" (٤) بكلام يفيد الفراغ من تأليفه، غير أنه أيضاً أحال في "الإلماع" على موضوع في مقدمة "الإكمال" (٥)، كما أحال فيه على "مشارق الأنوار"، لكن يفهم من كلامه أنه مشتغل بتأليف "المشارق" وأنه بين يديه (٦)، غير أنه في المقابل أحال كثيراً في "المشارق" على "الإكمال" كما سيأتي، بل صرح في مقدمة "المشارق" بما يدلّ على أنه أنهى "الإكمال" (٧)، وهو كذلك يحيل فيه على "التنبيهات" (٨). هذا وغالب ظن الدكتور يحيى إسماعيل - محقق الكتاب - أنه آخر

стр. 49

مؤلفاته، بدعوى أن ممن ترجم لعياض كابن حمادة لم يذكر الكتاب فيما نقل عنه الذهبي (١). ٣ - " الإلماع" إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (٢): وهو - كما سبق - من أوائل مؤلفاته، وأحال عليه في "الإكمال" والمدارك (٣)، وأحال فيه على المشارق (٤). ٤ - بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد: أحال عليه في "المشارق" (٥) و"الإكمال" (٦). ٥ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك (٧): في مقدمة الكتاب دلائل على إعداد طويل الأمد لهذا الكتاب وتقميش واف لمادته، وأن المؤلف تفرغ لتأليفه دون انشغال بغيره (٨). هذا ونص محمَّد بن عياض في "التعريف" أن والده لم يُسمع الكتاب، فإن كان يقصد مصطلح السماع في الرواية فهو كذلك، وإلا فإن تلميذ المؤلف عبد الرحمن بن القصير (٩) حكى أنه وجد بخط المؤلف إجازة الكتاب لبعض طلبته سنة ٥٣٢ هـ (١٠). وفي هذه الفترة كان القاضي على قضاء غرناطة،

стр. 50

وهذا قد يعني أن الكتاب قد انتهى منه المؤلف في هذا الوقت. وفي مختصر ابن حمادة "للمدارك" لما أرخ واقعة بسنة ٥٣٠ هـ، همش الشيخ سعيد أعراب أن اختصار ابن حمادة للكتاب كان في ذلك العام (١). كما أن ابن حمادة أورد في ترجمة القاضي عياض في مختصره "للمدارك" عبارة تفيد أن اختصاره كان في حياة المؤلف، وهي قوله: "نسأل الله أن يختم وله بالحسنى" (٢). وقد يشوش على ما ذكره ابن القصير وما فهمه الشيخ سعيد أعراب أن المؤلف وعد في مقدمة الكتاب بذكر طبقات المالكية حتى طبقة شيوخه وأئمة الزمن الذين عاصرهم (٣)، وهذا لم يستوف في الكتاب وإن كان ابن حمادة في مختصره زاد زيادات بل طبقات نسبها إلى أصل المؤلف (٤) ... هذا وأحال في المدارك على "الإلماع" كما سبق، وفيه إشارة إلى ما سماه: "معجم المشيخة" (٥)، وكأنه يقصد "الغنية". غير أن الاسم المحال به عليه لم أجده في "الغنية". لكنه في المقابل ذكر "المدارك" في "الغنية" وسماه: "الطبقات" (٦). وذكره أيضاً باسم كتاب: "تقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" في مقدمة "التنبيهات".

стр. 51

٦ - " التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة ": هو آخر الكتب التي نذكرها مما عده ابنه في المؤلفات التي أكملها وقرئت عليه (١). وحقاً فإن المؤلف أحال عليه في أهم كتابين له وهما: "الإكمال" كما سبق الذكر، و"المشارق" في جزءيه (٢). وفي المقابل أحال في مقدمته - كما سبق - على "المدارك" إحالة للتوسع في الموضوع المحال به، وهذا يعني أنه قد فرغ من ذلك الموضوع، إلا أن يكون وضع مقدمة "التنبيهات" بعد أن فرغ من "المدارك". وهذا يعني أن كتاب "التنبيهات" ألف قبل "المشارق"، بل قبل "الإكمال" الذي يترجح أن المؤلف لم يبدأ في وضعه إلا بعد سنة ٥٣٢ هـ، وجزْم محمَّد بن عياض أن الكتاب قرئ على مؤلفه يصعب رده، لا سيما وقد روي الكتاب عن المؤلف ببعض الأسانيد (٣)، إلا أن نص "التنبيهات" في النسخ الواصلة إلينا - ولا سيما النسخة المعارضة بأصل المؤلف - فيها بياضات وأخطاء وخلط منسوب لأصل المؤلف في مواضع غير يسيرة. وكتب كتاب "الصيام" وكتاب "الحج" في هذه النسخة بخط محمَّد بن عياض. وفي نسخة أخرى صحيحة ملاحظة أول كتاب الحج لمحمد بن عياض هذا يقول فيها: إن والده لما وضع الكتاب لم يتكلم على كتب الحج إلى أن فرغ منها وانتسخها بعض الطلبة، ثم تكلم بعد ذلك على كتب الحج، ودفع مبيضتها إلى بعض طلبته لينتسخها، فضاعت له ... فأشغلت الشيخ رحمة الله عليه فتن الزمان إلى أن أعجلته المنية ... فهذه الطرة تعني أن الكتاب أجيز من قبل المؤلف، وأن كتاب "الحج" تأخر تأليفه، وأن جزءاً كبيراً منه قد ضاع، وأن تأليفه وضياعه ربما كان أواخر عمر المؤلف وبعد توليه قضاء سبتة ثانية سنة ٥٣٩ هـ، وتلاطم فتن الزمان والحروب التي قامت بين المرابطين والموحدين ووقوف سبتة في

стр. 52

وجوه الموحدين والقاضي عياض على رأسها! وسنعود إلى مشاكل النسخ فيما بعد. المجموعة الثانية: الكتب التي تركها في مبيضاته: ويهمنا منها كتاب واحد هو: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١): قال ابن فرحون في ترجمة أبي عبد الله محمَّد بن سعيد بن علي الطراز الغرناطي المتوفى ٦٤٥ هـ: تجرد آخر عمره إلى كتاب "مشارق الأنوار"، وكان المؤلف قد تركه في مبيضته في أنهى درجات التثبيج والإدماج والأشكال وإهمال الحروف ... وجمع عليه أصولاً حافلة وأمهات هائلة من الغريب وكتب اللغة، فتخلص الكتاب على أتم وجه وأحسنه (٢). وذكر ابن القاضي في ترجمة إبراهيم بن يوسف بن قرقول المتوفى ٥٦٩ هـ أن كتابه "مطالع الأنوار" هو كتاب "مشارق الأنوار" عينه، كان القاضي قد تركه في مبيضته، فاستعارها وجرد منها ما أمكن نقله لاستعمائها وصعوبتها (٣). وكما سبق، فإن المؤلف أحال في "الإكمال" على "المشارق"، غير أن الراجح تأخر "المشارق" عن "الإكمال"، وفي "المشارق" إحالات كثيرة على "الإكمال" (٤). وأحال في "المشارق" على بغية الرائد، كما مر، وعلى

стр. 53

التنبيهات. لكن الملفت للنظر أنه أحال في "الإلماع" (١) - وهو من أوائل مؤلفاته - على "المشارق"، وهو من آخرها! ومما لا بدّ من إيراده على هذا كله أن تلميذ المؤلف ابن القصير وجد بخط المؤلف إجازة كتاب "المشارق" لبعض طلبته مؤرخة بسنة ٥٣٢ هـ (٢)، ولعله في هذا التاريخ لم يبدأ بعد في تصنيف الكتاب كما يفهم مما سبق عند الحديث عن "الإكمال"! المجموعة الثالثة: الكتب التي لم يكملها: ويهمنا منها أيضاً كتاب واحد هو: المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان (٣): والمشكل فيه أن المؤلف ذكره في "الإكمال" كأنه انتهى منه (٤)، كما أن تلميذه ابن القصير ذكره أيضاً فيما وجد بخط المؤلف في إجازته لبعض طلبته سنة ٥٣٢ هـ (٥). فهذا يخالف ما جزم به ابن القاضي عياض وهو وارث مكتبته والمتصرف فيها والمسهم في معالجة مسوداته ... ويمكن أن يدرج ضمن هذا القسم الكتب التي أخرجها ولده من بطائق ومسودات أبيه فجمعها وألفها كتباً قائمة، وذكر منها ولده كتابين (٦). ولا يستطيع الباحث أن يجزم بعد كل هذا بتواريخ محددة لوضع هذه المؤلفات إلا تخرصًا وتقديرًا، فمن الوارد، بل من الواقع، أن المؤلف كغيره يفتح مشاريع كتب وبحث يعطي لكل منها وقتاً خاصاً؛ فقد ذكر ابنه مثلاً: أن لأبيه جزءاً في زيارة الحاضنة والمربية لمحضونها "أتى فيه على

стр. 54

جميع معانيها وفصولها، فمن وقف عليه رأى في هذه المسألة شفاء صدره" (١). والكتاب - كما تبين - بدأ مشكلاً اعترضه وهو قاض بسبتة، فرفع فيه سؤالاً إلى شيخه القاضي أبي الوليد بن رشد، ولم يتجاوز جواب الشيخ سبعة سطور (٢). ومن ذلك أنه لا يبدأ التأليف حتى يجمع جل مادة الكتاب، ثم لا ينتهي منه، أو لا يبدأ في التأليف أصلاً، كما هو الشأن في كتابيه: "الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة" الذي وجد ابنه منه يسيراً، فضمه إلى ما وجده في بطائق أبيه أو عند أصحابه (٣)؛ وكتاب "مذاهب الحكام في نوازل الأحكام" الذي قال ابنه في شأنه: وجدت هذه الترجمة بخطه، ولم أجدها عنده مبيضة، غير أني وجدتها في بطائق فجمعتها (٤) ... ثم إن الوارد أيضاً أن يكون يضيف إلى كتبه ويراجعها وينقحها، فيحيل على كتبه الأخرى بعد الانتهاء منها، أو عندما تستجد له معلومات أخرى (٥)، ويحتمل أن يضيف ذلك ابنه أيضاً، والله أعلم.

стр. 55

المبحث الرابع: أثر القاضي عياض في فن التحقيق قد يظن البعض أن التحقيق من عمل الناشرين، يتوقف على عمل تقني محدود، ينحصر في المقابلة الشكلية للنص، وأن أهميته دون أهمية البحث في موضوع ما؛ لأنَّ الموضوع يطرح مشكلة ما على مشرح البحث، ويحاول دراستها من جميع الجوانب، فتنصب هذه الدراسة على تصحيح وضعيتها إذا كان فيها خلل، أو إلى إتمامها إذا كان فيها نقص، أو على شرحها إذا كان فيها غموض، أو على نقدها وطرح البديل لها، بينما غاية التحقيق إخراج كتاب كان موجوداً، وإضاعة الوقت فيه نزولاً وصعوداً، لكن الأمر ليس كذلك، فإذا كان الموضوع يطرح مشكلة للبحث، فإن التحقيق يطرح مشاكل كثيرة، بدءاً بالتحقيق في عنوان الكتاب، إلى التحقيق في نسبته إلى مؤلفه، إلى التأكد من نصوصه، إلى دراسة النسخ ومقابلتها والترجيح فيما بينها. ولم يكن التحقيق جديداً بالنسبة للمسلمين ولا غريباً بين علومهم، بل هو متأصل في جذور معارفهم. يقول الدكتور رمضان عبد التواب: لقد سبق العرب علماء أوروبا إلى الاهتداء للقواعد التي يقابلون بها بين النصوص المختلفة، لتحقيق الرواية، والوصول بتلك النصوص إلى الدرجة القصوى من الصحة (١).

стр. 56

وقد ظهر هذا الفن عند المسلمين مع ظهور علم الحديث، ولم يظهر عند علماء أوروبا إلا في القرن الخامس عشر الميلادي بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية. ولم تكن بداية هذا الفن في هذا الوقت مبنية على أسس علمية صحيحة، بل كان مجرد محاولات لتصحيح بعض النسخ وطبعها، إلى أواسط القرن التاسع عشر، حين وضعوا أصولاً علمية لنقد النصوص ونشر الكتب القديمة (١). وإذا كان هذا الفن قد ظهر مبكراً عند علماء المسلمين، وبالخصوص عند المحدثين وذلك عند شيوع (الوجادة) في القرن الرابع الهجري، فإن القاضي عياضاً كان من المتقدمين الأوائل الذين وضعوا لهذا الفن أسسه - بعد الرامهرمزي أبي محمَّد الحسن بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، والحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، والخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ - بدءاً بالمقابلة إلى إصلاح الخطأ، إلى علاج السقط، إلى علاج الزيادة، إلى علاج التشابه بين النسخ إلى غير ذلك - وإذا كان كتابه "الإلماع" قد تحدث عن الجانب النظري لهذا الفن، فإن كتاب "التنبيهات" يعتبر المجال التطبيقي الذي طبق فيه هذه الدروس النظرية. ونشير إلى بعض بصماته التي تركها شاهدة عليه في تأصيل هذا الفن كما تحدث عنها. أولاً: المقابلة بين النسخ: هذه العملية هي الأساس في عمل التحقيق، وهي تستهدف جمع المخطوطات للكتاب الواحد والمقابلة بينها للخروج بنص مستقيم. وقد كانت معروفة عند المسلمين بهذا المصطلح، فهذا القاضي عياض يخصص للمقابلة باباً من كتابه: "الإلماع" (٢). وبناء على هذا يمكن اعتبار عياض من الأوائل الذين أسهموا في وضع منهج التحقيق. فهو يقول: وأما مقابلة

стр. 57

النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بدّ منها، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون بها ينظر فيه (١). وهكذا كان من قبله في الاهتمام بالمقابلة بين النسخ التي أخذها مع الأصل، فقد روى عياض عن هشام بن عروة بن الزبير قال: قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم. قال: قابلت؟ قلت: لا. قال: لم تكتب يا بني (٢). ويقول عياض في مقابلة النسخ: فليقابل نسخته من الأصل بنفسه حرفاً حرفاً، حتى يكون على ثقة ويقين من معارضتها به، ومطابقتها له، ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثقة العارف دون مقابلة، نعم، ولا على نسخ نفسه بيده، ما لم يقابل ويصحح، فإن الفكر يذهب، والقلب يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يطغى (٣). وفي اختيار النسخ كان كذلك للقدماء سبق في تحديد النسخة التي ستكون النسخة الأم، وقد خصص عياض لضبط اختلاف الروايات باباً (٤) بيَّن فيه طريقة التعامل مع الروايات المختلفة، وما يرد فيها من زيادة أو نقص وتحديد المكان الذي تثبت فيه هذه الاختلافات، فقال: وأولى ذلك أن تكون الأم على رواية مختصة، ثم ما كان من زيادة الأخرى ألحقت، أو من نقص أعلم عليها، أو من خلاف خرج في الحواشي، وأعلم على ذلك كله، بعلامة صاحبه، من اسمه أو حرف منه للاختصار، لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتصر على أن تكون الرواية الملحقة بالحمرة فقد عمل ذلك كثير من الأشياخ وأهل الضبط كأبي ذر الهروي، وأبي الحسن القابسي، وغيرهما (٥).

стр. 58

وإذا كان المحققون المحدثون قد تحدثوا عن المقابلة على أنها حجر الزاوية في موضوع التحقيق، وأنها تبدأ أولاً باختيار النسخة التي تصلح للمقابلة، ووضعوا لذلك معايير وشروطاً، وذلك من أجل الوصول إلى الصورة الصحيحة للنص، فإن القدامى كانوا لا يكتفون بالنسخة وحدها مهما بلغت درجة صحتها، حتى تكون مروية بالسند، وقد خصص عياض لهذا باباً في كتابه: باب في التقييد بالكتاب، والمقابلة، والشكل، والنقط والضبط (١). ثانياً: إصلاح الخطأ: يقول عياض فيما يتعلق بإصلاح الخطأ: الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية، كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها في كتبهم، حتى اطردوا ذلك في كلمات من القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها، بخلاف التلاوة المجمع عليها، ... لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة، وفي حواشي الكتب، ويقرؤون ما في الأصول على ما بلغهم. ومنهم من يجسر على الإصلاح. وكان أجرأهم على هذا من المتأخرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي (٢). وقد أشار عياض إلى مثل هذا التصحيح في كتاب "التنبيهات"، وقد بقي الخطأ على حاله في طبعة دار الفكر، بينما أصلح في طبعة دار صادر. قال: وقوله: يقول الله تعالى: ﴿وأكلهم الربا وقد نهوا عنه﴾ (٣). كذا وقع في بعض النسخ. وهو مما غيرته الرواة من القرآن غفلة مروا عليه. والتلاوة ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤).

стр. 59

ولا يفوتني أن أشير إلى أن ما يميز عمل التحقيق عند القدامى من المسلمين عن التحقيق عند المحدثين، أو عند المسلمين بدل غيرهم، هو ارتباطه بالدين، وذلك للمحافظة على النص الديني من التحريف، وهذا الوازع الديني هو الذي جعلهم يتشددون في ضبط النصوص. هذه إشارة فقط إلى أن عياضاً وإن تناولته الدراسة أديباً وفقيهاً وأصولياً ومؤرخاً فإن إسهامه في ميدان التحقيق ما زال يستحق الكثير من العناية والدراسة.

стр. 60

الفصل الثاني: وقفات مع المدونة المبحث الأوّل: قصة تدوين "المدونة". المبحث الثاني: خدمة "المدونة" قبل القاضي عياض. المبحث الثالث: روايات "المدونة" وأسانيدها. المبحث الرابع: اختلاف نسخ "المدونة". المبحث الخامس: اختلاف نسخ "المدونة" المطبوعة. المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من "المدونة".

стр. 61

المبحث الأوّل: قصة تدوين المدونة لما قدم أسد بن الفرات الإفريقي من رحلته العلمية إلى الإمام مالك ثم إلى العراق، حل مصر فذهب إلى ابن القاسم وعرض عليه أسئلة ليجيبه عليها على مذهب مالك، فأجابه إلى ما طلب بما حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك فيه قال: إخال، وأحسب، وأظن. ومنها ما أجاب فيه باجتهاده على أصل قول مالك، فكان يسأله كل يوم حتى دون عنه ستين كتاباً، وسميت تلك الكتب بـ "الأسدية"، فدخل بها أسد القيروان يدرسها وحصلت له بها رئاسة. ثم تلطف سحنون حتى وصلت إليه - وكان منعها منه - وارتحل بها إلى ابن القاسم فعرضها عليه، فقال له ابن القاسم: فيها شيء لا بدّ من تغييره، وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك منها أشياء كثيرة, لأنه كان أملاها على أسد من حفظه. وكتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون، فإني رجعت عن أشياء مما رويت عني. فغضب أسد وقال: قل لابن القاسم: أنا صيرتك ابن القاسم، أرجع عما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه؟ فترك إسماعها، فذكر أن ذلك بلغ ابن القاسم فقال: اللَّهم لا تبارك في "الأسدية"، قال الشيرازي: فهي مرفوضة إلى اليوم (١). وقال

стр. 62

الذهبي بعد أن عرض قصة الأسدية: فهي مرفوضة عند المالكية (١). هكذا وردت هذه القصة في الكثير من المراجع التي تحدثت عن تاريخ الفقه المالكي مع بعض الاختلاف، إلا أن المضمون متقارب، وربما قد يكون مجيئها من مصدر واحد، وطرأت لها الشهرة بتداولها في هذه المراجع التي أخذتها من ذاك المصدر, لأن أغلب الذين يذكرون هذه القصة يحدثون عن أبي العرب التميمي، أو سليمان بن سالم. لكن هذه القصة تحتاج إلى شيء من البحث والتريث في إصدار الأحكام حتى لا نصف علماء أجلاء بما لا يتفق ومكانتهم العلمية والأخلاقية والجهادية في سبيل نصرة هذا الدين والدفاع عنه. فهذا أسد بن الفرات الذي دخل معركة سلاحها الأوراق والأقلام ولم ينهزم، ودخل معركة سلاحها السيوف والسهام ولم ينهزم، يمكن أن يكون لموقفه من عدم الموافقة على نسخ "الأسدية" أكثر من تأويل، من غير أن نصفه بأنّه بخل بها فقط، ولم يرد أن يمكن سحنون من نسخها حتى تحايل عليه هذا الأخير فقام بنسخها. وقد كان موقف أسد منذ أن أخذ "الأسدية" عن ابن القاسم عدم الموافقة على نسخها، فقد طلب منه أهل مصر أن ينسخوها فأبى، إما لأن صاحب هذا العلم ما زال حياً يمكن لأي واحد أن يأخذ عنه مباشرة. أو لأن النسخة ما زالت تحتاج إلى الكثير من المراجعة، وقد دفع إليه ابن القاسم سماعه من مالك لينظر فيه، ويصحح عليه ما أخذه عنه, لأنه كان يملي عليه من حفظه (٢)؛ قال أسد: ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إلى ابن القاسم سماعه من مالك، وقال لي: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه (٣) أو لأنها مجرد اجتهادات فقهية يقولها الفقيه اليوم، ويمكن أن يتراجع عنها غداً. ولما دخل بها أسد إفريقية، وجلس يدرسها وهي على حالها ربما

стр. 63

أثارت بعض الكلمات فيها كإخال، وأظن، وأحسب، انتباه بعض الفقهاء والطلاب الذين أخذوا الفقه المالكي المقرون بالأدلة عن علي بن زياد، وابن غانم، والبهلول بن راشد، وابن أشرس، وغيرهم، ولم يألفوا هذا الفقه الافتراضي، فجعلوا يتطلعون إلى تصحيحها على ابن القاسم، حتى كتب الله ذلك على يد سحنون، وقد يكون الذي شغل أسداً عن تصحيحها على كتاب ابن القاسم اشتغاله بالقضاء في البداية، واشتغاله بالجهاد بعد ذلك. ويمكن أنه رأى فيها رأياً آخر، وذلك أنها مجرد اجتهادات. فقهية لا تُلزِم المجتهد، فهو لم يكن يلتزم بالمذهب المالكي ولا بالحنفي، بل كان يبحث عن الدليل وقد قيل عنه: إن مذهبه السنَّة لا يعرف غيرها (١). وقال عنه المالكي: المشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها، وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين (٢). أما بخله بالأسدية من أجل الاحتفاظ بها فقط فلا معنى له, لأن هذا لا يستقيم مع كلامهم: إنه جلس للإقراء بها في القيروان، فكيف يبخل بها وهو يدرسها. ثم كيف يستقيم هذا وقد سبق لها أن انتشرت بمصر قبل أن يجلس لتدريسها، فهو يقول: ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني (٣). وفي رواية: وطلبها منه أهل مصر فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلاً فأجابه، وهو بين أظهركم، فاسألوه كما سأله. فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم من نسخها، فسأله فأجابه، فنسخوا حتى فرغوا منها، وأتى بها أسد إلى القيروان فكتبها الناس (٤). إذاً كيف يبخل بها وهي منتشرة بمصر؟ والأكثر من هذا أن هذه "الأسدية" اختصرها أبو زيد بن أبي الغمر،

стр. 64

وابن عبد الحكم. وقال ابن حارث: لما كملت "الأسدية" أخذها أشهب وأقامها لنفسه واحتج لبعضها، فجاء كتاباً شريفاً (١)، فكان أشهب بعمله هذا قد مهد الطريق لسحنون. وربما يقال: ما الذي جعل المصريين يقبلون على كتاب أسد وابن القاسم موجود بينهم وهو أقرب إليهم؟ وكيف يمكن أن يفهم نشر "الأسدية" في مصر ومنع سحنون منها بالقيروان؟ للإجابة عن السؤال الأول يمكن أن نقول: إن الذي ينقص أهل مصر هو هذا الكم من الأسئلة الذي طرحه أسد على ابن القاسم مما تعلمه من العراق، وكان أسد بن الفرات هو الذي جاء بهذه الأسئلة الافتراضية, لأن مذهب مالك لم يكن يعرف هذا الفقه الافتراضي، بل كان يعرف الفقه الواقعي، حتى أدخل عليه أسد هذا المنهج، وعليه فإنه إذا كان المذهب الحنفي قد تأثر بالمذهب المالكي عن طريق محمَّد بن الحسن الشيباني الذي أدخل "الموطأ" إلى العراق، فإن المذهب المالكي قد تأثر بالمذهب الحنفي عن طريق أسد بن الفرات الذي أدخل هذه الأسئلة الافتراضية (٢). أما رفضه لمعارضة كتابه بكتاب سحنون فإنه موقف وجيه، ليس فيه ما يدعو إلى الاستغراب والدعوة عليه؛ لأنه إذا كان هذا قد وقع في بداية الأمر قبل أن يهذب سحنون مدونته ويرتبها، فإن هذه المعارضة إذا وقعت ستكون بسيطة، وقليلة الفائدة, لأن الكتاب ما زال في حاجة إلى نظر جديد في جميع أحكامه، وهذه هي النظرة التي نظر بها سحنون إلى الكتاب. وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن يعارض أسد كتابه بكتاب ما زال في طور الإصلاح والتغيير. وقد اشتغل سحنون بكتابه هذا منذ أن أخذه عن ابن القاسم إلى أن توفي، وترك مسائل ما زالت تحتاج إلى المراجعة، وقد أسقط منه بعض

стр. 65

النصوص، وقد رجع في بعض المسائل عن قول ابن القاسم وأخذ برأي أشهب، ولم يعنف عليه أحد، ولم يدع عليه أحد، فكيف يقال: إن ابن القاسم دعا على الأسدية. والأغرب من هذا أن الذين رووا هذه القصة لم يتوقفوا عند حكاية ما وقع فقط، بل تعدوه إلى مسائل غيبية الله أعلم بها، وبنوا حكمهم عليها فقالوا: بأن هذا الدعاء كان سبباً في انقراض "الأسدية"، أو في رفضها، وهم يقصدون أن الله استجاب دعاءه فانقرضت، أو أصبحت مرفوضة عند المالكية. ويمكن أن يقال لهم: من الذي دعا على الكتب الكثيرة الأخرى التي انقرضت ولم تصل إلينا، ككتب ابن شعبان، وأشهب، وأصبغ، وابن المواز، وغيرهم، ومن دعا على الكثير من الكتب التي رفضها الناس واستبدلوا بها غيرها؟ هذا إذا قلنا إنها انقرضت واندثرت، أما وإنها كانت موجودة إلى عهد القاضي عياض - وقد رجع إلى الكثير من نصوصها ويقول عند مقابلة نسخ "المدونة": وهو ما في "الأسدية" - فهذا لا يصح. بل الأكثر من هذا أنه لا يبعد أن تكون بعض نسخها في بعض المكتبات العالمية، فهذا الدكتور محمَّد إبراهيم أحمد علي يقول: توجد نسخة مكتوبة على الرق من "الأسدية" في دار الكتب الوطنية بتونس (١). وعند الرجوع إلى النظر فيما قيل عن "الأسدية" والمدونة يتبين أن إقبال المالكية على مدونة سحنون، وتركهم للأسدية لم يكن مبنياً على هذه التخمينات، بل كان مبنياً على مسائل علمية صرفة، تخضع لمنطق العقل، وقوة الحجة. ومن بين ما شجع على الإقبال على مدونة سحنون ما يلي: - كانت "الأسدية" تشتمل على أجوبة مالك برواية ابن القاسم، أو اجتهادات ابن القاسم على أصول مالك، بينما تضم "المدونة" -زيادة على ما في "الأسدية" مصححاً - الكثير من الأحاديث من موطأ ابن وهب، والكثير من الآثار عن وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهما، إضافة إلى

стр. 66

فقه أشهب، وبعض أهل المدينة، والليث بن سعد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وهذه الزيادة هي التي أغرت الفقهاء والباحثين فجعلتهم يقبلون عليها ويتركون "الأسدية", لأن الطالب ينظر بعين الناقد المتفحص، الذي يزن المسائل بميزان الصحة والضعف. - إن "مدونة سحنون" هي النسخة الأخيرة المصححة على ابن القاسم، وهذا وحده كاف لجعل أهل العلم يفضلون هذه النسخة على غيرها. - إن للتلاميذ دوراً كبيراً في نشر علم شيوخهم، وآرائهم، فما كثر تلاميذ شيخ من الشيوخ إلا واشتهر علمه وانتشرت شهرته، وأسد بن الفرات لم يكن له من التلاميذ ما لسحنون، لاشتغاله بالقضاء أولاً ثم بالجهاد أخيراً، وقد انتشرت "مدونة سحنون" بمصر والقيروان والأندلس والعراق بوساطة تلامذته، وقد تجاوز عددهم المئات. ويلخص فضيلة الشيخ محمَّد بن عاشور الأسباب التي أدت إلى رفض المالكية للأسدية في سببين: الأول: هو أنه لما بنى إدراج مذهب على مذهب آخر، فقد وقع فيه من الاختلاط في الأقوال، والاختلال في عزوها أمور جاءت قادحة فيما يطلب في كتب الأحكام من الصحة المطلقة. الأمر الثاني: هو أن فقهاء المالكية اعتادوا بناء الفقه على الأحاديث، والآثار، كما هي طريقة مالك في "الموطأ"، وقد سلك أسد في كتابه طريقة فقه خالص، مبني على صريح الاجتهاد (١). ولذلك عزف الناس عن كتابه. فلما هذب سحنون "المدونة" وأرجعها إلى المنهج المألوف عند المالكية، وذلك لاحتجاجه لمسائلها بالأحاديث والآثار اهتم الناس بها وتركوا غيرها.

стр. 67

المبحث الثاني: خدمة المدونة قبل القاضي عياض الذين تناولوا "المدونة" بالشرح والتعليق والاختصار قبل القاضي عياض يعدون بالعشرات. أولاً: الشراح: ١ - أبو القاسم اللبيدي: المتوفى ٤٠٠ هـ، وشرحه في مائتي جزء كبار في مسائل "المدونة" وبسطها والتفريع عليها وزيادات الأمهات ونوادر الزيادات (١). ٢ - أبو حفص عمر بن عبد النور، ابن الحكار: وشرحه في نحو ثلاثمائة جزء (٢). ٣ - خلف بن بهلول البريلي: المتوفى ٤٤٤ هـ، جمع فيه أقوال أصحاب مالك، وهو كثير الفائدة، وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه (شيخ القاضي عياض) يقول: من أراد أن يكون فقيهاً من ليلته فعليه بكتاب البريلي (٣).

стр. 68

٤ - محمَّد بن يحيى بن لبابة: المتوفى ٣٣٠ هـ في كتابه "المنتخبة"، وهي على مقاصد الشرح لمسائل "المدونة"، قال فيه ابن حزم: ما رأيت لمالكي أنبل منه في جمع روايات المذهب وتأليفها وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها (١). ويمكن أن يدرج في الشروح بعض المؤلفات التي قد تبدو مستقلة مثل: جامع ابن يونس وتبصرة اللخمي ومقدمات ابن رشد. ويذكر هنا أيضاً مشروعان لشرح "المدونة" لم يتما، أولهما: للقاضي عبد الوهاب البغدادي (٢)، وثانيهما: للقاضي أبي الوليد الباجي (٣). ثانياً: الشروح الجزئية: من المؤلفين من عالج مسائل "المدونة" جزئياً، واكتفى بتحليل وبيان جوانب الغموض فيها، وفي هذا تدخل المؤلفات المسماة بالتعاليق والنكت، ومنها: ١ - تعاليق أبي إسحاق التونسي إبراهيم بن حسن بن إسحاق، وهي مستعملة متنافس فيها (٤). ٢ - تعليق، تتمة لتعاليق أبي إسحاق التونسي لكل من عبد الحميد الصائغ (٥) وأبي عبد الله بن سعدون (٦). ٣ - تعليق أبي القاسم بن محرز المسمى: "التبصرة" (٧).

стр. 69

٤ - ويذكر هنا تعليق أبي الطيب عبد المنعم بن إبراهيم ابن بنت خلدون (١)، وتعليق عثمان بن مالك (٢)، ونكت عبد الحق الصقلي (٣)، وأبي القاسم السيوري (٤) وغيرهم. ثالثاً: المختصرون: من المالكية من اختصر كتاب "المدونة" تقريباً للفظها، وهؤلاء كثيرون لا حاجة للتمثيل لهم، إذ الاختصار لا يدخل في مجال كتاب القاضي عياض، على أنه تنبغي الإشارة إلى بعض المختصرات التي هي في الوقت ذاته نوع من الشروح لما يضيفه أصحابها من نصوص خارج "المدونة" أو يؤولونها حسب أفهامهم واختياراتهم، أو يتصرفون في بناء "المدونة" وصناعتها التأليفية، وأهم هذه النماذج اثنان: ١ - مختصر ابن أبي زيد القيرواني، ولنتأمل فقط في هذه التراجم التي عقدها: - مختصر الجراح والديات والعقول والقسامة من المختلطة ومن المجموعة ومن غيرهما من قول ابن القاسم وروايته، غير مميز ما فيه من المختلطة، وفيه قول غيره وروايته، كل ذلك من غير المختلطة (٥). - اختصار كتب الحج من المختلطة مما دخل من بعضها في بعض وبما دخل من غيرها فيها (٦). - مختصر الفرائض من غير "المدونة" من قول مالك في "الموطأ" وغيره. (٧)

стр. 70

وقال في آخر كتاب "الشفعة": "وقد نقلت مسائل يسيرة من كتاب "الشفعة" إلى "البيوع" وإلى "الاستحقاق" وإلى "الحوالة" و"الأحباس" و"الأقضية" و"الشهادات"." (١). ولعل هذا ما جعل الناس يميلون إلى مختصر البراذعي - وهو تلميذ ابن أبي زيد - لخلوه من الزيادات (٢)، ولعله أيضاً ما حمل أبا عبد الله بن الطلاع أن يخرج زوائده (٣) ويؤلفه على الولاء (٤). ٢ - أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتابه المقرَّب "في اختصار "المدونة وشرح مشكلها والتفقه في نكت منها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق" (٥). وأعاد ترتيبه على الولاء كذلك أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي شيخ القاضي عياض (٦). رابعاً: ضبط الألفاظ وشرح المصطلحات: وأخيراً فإن من اهتمام المالكية التأليف خاصة في ضبط وتحليل ألفاظ "المدونة" وشرح غريبها ومصطلحاتها، ومن ذلك: ١ - تفسير "غريب المدونة" لمنذر بن سعيد البلوطي القاضي الظاهري، نقل عنه المؤلف في "التنبيهات"، وأبو الحسن الصغير في التقييد، والرهوني في حاشيته (٧) ...

стр. 71

٢ - جزء في ضبط ألفاظ "المدونة" لعبد الحق الصقلي (١). بل في المالكية أيضاً من عمل على إعادة ترتيب مادة "المدونة" وتخليصها من الاختلاط الذي يشوبها وما زال، بالرغم من جهود سحنون في تهذيبها وترتيبها، ولذلك تسمى أيضاً: بـ "المختلطة" (٢) ... وبالرغم من هذه الجهود المتضافرة التي أنجز معظمها في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فإن الإشكال لم يحل، وإن واقع المتفقهة والشيوخ مع "المدونة" ظل بحاجة إلى إعادة تصحيح، ومن يقرأ مقدمة القاضي عياض للتنبيهات يتأكد من هذا، وما ذلك إلا لأن الأمر لم يؤت من بابه ولم يوكل لأربابه. أما أنه لم يؤت من بابه، فلأن الكتاب بحاجة إلى معالجة بمنهجية غير منهجية الشراح والمحشين والمعلقين الذين حاولوا أن يشرحوا روايات "المدونة" بروايات الأمهات الأخرى، ويحللوا ألفاظها تحليلاً لغوياً، ويستنبطوا منها من منطوقاتها ومفهوماتها وكأنها ألفاظ الشارع ... وأما أن المهمة لم يقم بها أهلها، فلأن "المدونة" روايات وسماعات، وآراء واجتهادات، ولغات ومصطلحات، وهي أم مذهب له أصوله وقواعده، بعضها في "المدونة" وبعضها خارج "المدونة". ولتمثيل وتحليل وتركيب هذه المنظومة يحتاج إلى عالم موسوعي؛ فقيه ومحدث ولغوي ومقاصدي، ومن يوازن بين موسوعية عياض وتكوين أغلب الفقهاء المؤلفين قبله يجده مؤهلاً لهذا. وقد عبر أحد العلماء عن هذه الحقيقة موازناً بين المنهجين القروي الأندلسي في تناول "المدونة" وبين منهج مالكية العراق المتأثرين بمناهج المذاهب الفقهية السائدة هناك، فقال:

стр. 72

"وقد كان للقدماء ﵃ في تدريس "المدونة" اصطلاحان: اصطلاح عراقي واصطلاح قروي؛ فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل "المدونة" كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار وترتيب أساليب الأخبار وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق عوامل الإعراب أو خالفها ... ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع، إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين من شيوخ الإفريقيين. وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين والمذهبين، وذلك لقوة عارضته" (١). ونص القاضي أبو بكر بن العربي على تباين المنهجين في قوله: "قرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل" (٢). خدمة المدونة بسبتة: هذا الفرش يقصد إلى بيان حضور الدرس الفقهي بوساطة "المدونة" ببلد القاضي عياض سبتة قبيل زمنه وأثناءه حسب ما توفره المصادر، وهو

стр. 73

كاف في تقريب الصورة ودلالتها على تبوئ "المدونة" عالي المراتب وصدور المجالس العلمية؛ فمن الفقهاء الذين درسوها بموطن القاضي عياض: ١ - مروان بن عبد الملك اللواتي المتوفى ٤٩١ هـ، وسمع منه خالا عياض المتقدم ذكرهما (١). ٢ - محمَّد بن خلف بن العاصي (٢). ٣ - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي السبتي: المتوفى ٥٢٠ هـ، شيخ القاضي عياض؛ قال عنه ابن حمادة في مختصره "للمدارك": شاهدته في المناظرة في "المدونة" يلقي الكتاب تحت كتبه (٣)، ويلقي من صدره (٤). ٤ - عبد الله بن إبراهيم بن جماح: قال عنه ابن حمادة: آخر ندرات سبتة، بل ندرات المغرب، استخلفه أبو الوليد الباجي على إلقاء "المدونة" في مجلسه عند سفرة سافرها، فتعجب أهل دانية من حفظه (٥). ٥ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الرحمن بن العجوز، قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس "المدونة" وغيرها فما رأيت أحسن منه احتجاجاً ولا أبين منه توجيهاً (٦). ويمكن الحديث في سبتة عن جيل من طلبة "المدونة" ممن أخذوا وتأثروا بمنهج أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي أحد أكبر شيخي القاضي عياض في رواية "المدونة" منهم: ٦ - ابنه عبد الله بن محمَّد بن عيسى: قال عنه ابن حمادة: حضرت

стр. 74

مجلسه فما رأيت مثله في تتبع ألفاظ "المدونة" واستخراج الخلاف من آثارها وفهم معانيها وإيقاع الخلاف موقعه (١). ٧ - أبو بكر بن حجاج بن صالح: قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس البراذعي عرضاً، فما رأيت أقوم منه عليه ولا أكثر استخراجاً للخلاف من ألفاظ "المدونة". ٨ - أبو علي بن سهل الخشني: من أصحاب ابن عيسى، قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان مجلسه من أحسن المجالس وأوعبها لخلاف المذهب وجمع ما وقع في "المدونة" من أقوال ابن القاسم وغيره، وتكلم عليها فيما اتفقا واختلفا بكلام دقيق حسن المعنى (٢). ٩ - أبو عبد الله محمَّد بن قاسم - من أصحاب ابن عيسى -: قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان ذهب في تدريسها مذهب شيخه أبي عبد الله بن عيسى في إلقاء النظائر للمسائل من كل كتاب من "المدونة" (٣). والقاضي عياض أحد من لازم أبا عبد الله بن عيسى كثيراً للمناظرة في "المدونة" (٤)، قال: ناظرت في جميعها عليه مناظرات عدة، وقرأت عليه الكثير منها رواية وضبطاً (٥). ١٠ - كما أنه ناظر فيها مدة طويلة على شيخه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي (٦).

стр. 75

١١ - وناظر فيها أيضاً على شيخه القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري (١). ١٢ - وناظر فيها على شيخه القاضي أبى محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن منصور اللخمي (٢).
следующие страницы →