← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢ - جزء في ضبط ألفاظ "المدونة" لعبد الحق الصقلي (١). بل في المالكية أيضاً من عمل على إعادة ترتيب مادة "المدونة" وتخليصها من الاختلاط الذي يشوبها وما زال، بالرغم من جهود سحنون في تهذيبها وترتيبها، ولذلك تسمى أيضاً: بـ "المختلطة" (٢) ... وبالرغم من هذه الجهود المتضافرة التي أنجز معظمها في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فإن الإشكال لم يحل، وإن واقع المتفقهة والشيوخ مع "المدونة" ظل بحاجة إلى إعادة تصحيح، ومن يقرأ مقدمة القاضي عياض للتنبيهات يتأكد من هذا، وما ذلك إلا لأن الأمر لم يؤت من بابه ولم يوكل لأربابه. أما أنه لم يؤت من بابه، فلأن الكتاب بحاجة إلى معالجة بمنهجية غير منهجية الشراح والمحشين والمعلقين الذين حاولوا أن يشرحوا روايات "المدونة" بروايات الأمهات الأخرى، ويحللوا ألفاظها تحليلاً لغوياً، ويستنبطوا منها من منطوقاتها ومفهوماتها وكأنها ألفاظ الشارع ... وأما أن المهمة لم يقم بها أهلها، فلأن "المدونة" روايات وسماعات، وآراء واجتهادات، ولغات ومصطلحات، وهي أم مذهب له أصوله وقواعده، بعضها في "المدونة" وبعضها خارج "المدونة". ولتمثيل وتحليل وتركيب هذه المنظومة يحتاج إلى عالم موسوعي؛ فقيه ومحدث ولغوي ومقاصدي، ومن يوازن بين موسوعية عياض وتكوين أغلب الفقهاء المؤلفين قبله يجده مؤهلاً لهذا. وقد عبر أحد العلماء عن هذه الحقيقة موازناً بين المنهجين القروي الأندلسي في تناول "المدونة" وبين منهج مالكية العراق المتأثرين بمناهج المذاهب الفقهية السائدة هناك، فقال:

стр. 72

"وقد كان للقدماء ﵃ في تدريس "المدونة" اصطلاحان: اصطلاح عراقي واصطلاح قروي؛ فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل "المدونة" كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار وترتيب أساليب الأخبار وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق عوامل الإعراب أو خالفها ... ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع، إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين من شيوخ الإفريقيين. وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين والمذهبين، وذلك لقوة عارضته" (١). ونص القاضي أبو بكر بن العربي على تباين المنهجين في قوله: "قرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل" (٢). خدمة المدونة بسبتة: هذا الفرش يقصد إلى بيان حضور الدرس الفقهي بوساطة "المدونة" ببلد القاضي عياض سبتة قبيل زمنه وأثناءه حسب ما توفره المصادر، وهو

стр. 73

كاف في تقريب الصورة ودلالتها على تبوئ "المدونة" عالي المراتب وصدور المجالس العلمية؛ فمن الفقهاء الذين درسوها بموطن القاضي عياض: ١ - مروان بن عبد الملك اللواتي المتوفى ٤٩١ هـ، وسمع منه خالا عياض المتقدم ذكرهما (١). ٢ - محمَّد بن خلف بن العاصي (٢). ٣ - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي السبتي: المتوفى ٥٢٠ هـ، شيخ القاضي عياض؛ قال عنه ابن حمادة في مختصره "للمدارك": شاهدته في المناظرة في "المدونة" يلقي الكتاب تحت كتبه (٣)، ويلقي من صدره (٤). ٤ - عبد الله بن إبراهيم بن جماح: قال عنه ابن حمادة: آخر ندرات سبتة، بل ندرات المغرب، استخلفه أبو الوليد الباجي على إلقاء "المدونة" في مجلسه عند سفرة سافرها، فتعجب أهل دانية من حفظه (٥). ٥ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الرحمن بن العجوز، قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس "المدونة" وغيرها فما رأيت أحسن منه احتجاجاً ولا أبين منه توجيهاً (٦). ويمكن الحديث في سبتة عن جيل من طلبة "المدونة" ممن أخذوا وتأثروا بمنهج أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي أحد أكبر شيخي القاضي عياض في رواية "المدونة" منهم: ٦ - ابنه عبد الله بن محمَّد بن عيسى: قال عنه ابن حمادة: حضرت

стр. 74

مجلسه فما رأيت مثله في تتبع ألفاظ "المدونة" واستخراج الخلاف من آثارها وفهم معانيها وإيقاع الخلاف موقعه (١). ٧ - أبو بكر بن حجاج بن صالح: قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس البراذعي عرضاً، فما رأيت أقوم منه عليه ولا أكثر استخراجاً للخلاف من ألفاظ "المدونة". ٨ - أبو علي بن سهل الخشني: من أصحاب ابن عيسى، قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان مجلسه من أحسن المجالس وأوعبها لخلاف المذهب وجمع ما وقع في "المدونة" من أقوال ابن القاسم وغيره، وتكلم عليها فيما اتفقا واختلفا بكلام دقيق حسن المعنى (٢). ٩ - أبو عبد الله محمَّد بن قاسم - من أصحاب ابن عيسى -: قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان ذهب في تدريسها مذهب شيخه أبي عبد الله بن عيسى في إلقاء النظائر للمسائل من كل كتاب من "المدونة" (٣). والقاضي عياض أحد من لازم أبا عبد الله بن عيسى كثيراً للمناظرة في "المدونة" (٤)، قال: ناظرت في جميعها عليه مناظرات عدة، وقرأت عليه الكثير منها رواية وضبطاً (٥). ١٠ - كما أنه ناظر فيها مدة طويلة على شيخه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي (٦).

стр. 75

١١ - وناظر فيها أيضاً على شيخه القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري (١). ١٢ - وناظر فيها على شيخه القاضي أبى محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن منصور اللخمي (٢).

стр. 76

المبحث الثالث: روايات المدونة وأسانيدها يصعب التكهن بأعداد طلبة العلم الدارسين "للمدونة" الراوين لها عن سحنون، ويتحدث المؤرخون عن أفواج الطلبة القاصدين أو العابرين يبتغون رواية الكتاب، كما يذكرون في تراجم بعض الطلبة أنه حضر عرضتي "المدونة" أو عرضاتها (١)، ومن أهل الأندلس بالذات نجد مجموعات وأسماء معروفة؛ يذكر عيسى بن مسكين: أن قوماً من الأندلسيين قد كتبوا "المدونة" وأرادوا أن يسمعوها من سحنون (٢) ... ويذكر إبراهيم بن محمَّد بن باز أحد أشهر رواة "المدونة" عن سحنون بعد أن حكى واقعة بينه وبين سحنون أغضبت الشيخ فقال: يا أهل الأندلس، ما تبالون عمن تأخذون دينكم! قم، والله لا قرأت لكم حرفاً! فقمنا، فلما كان بعد أيام لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتي عليه فرو وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت ﵇ وقلت له: أكتب كتاباً من "المدونة". فقال لي: يا أهل الأندلس، أنا أحبكم لأنكم قوم سنة وخير، ثم مضى. فجئنا يوماً ثانياً وكنت أنا القارئ عليه (٣) ...

стр. 77

وهذه هي روايات الكتاب الواردة في المصادر والفهارس والأسانيد المختلفة: فروايات القرويين رواية يحيى بن عمر (١)، وأحمد بن داود (٢)، وجبلة بن حمود الصدفي (٣)، وسعيد بن إسحاق الكلبي (٤)، وإبراهيم بن داود بن رقيق (٥)، وعيسى بن مسكين (٦). وروايات الأندلسيين: رواية ابن وضاح (٧)، وإبراهيم بن باز (٨)، وإبراهيم بن هلال (٩)، والعتبي (١٠)، وعثمان بن أيوب (١١)، وحمدون بن عيسى (١٢)، وأحمد بن سليم القروي (١٣)، ومحمد بن مروان بن خطاب وابنيه خطاب وعميرة (١٤)، وهم آل ابن أبي جمرة (١٥).

стр. 78

وفي كتاب "التنبيهات" نقول عن روايات لأصحاب سحنون يغلب على الظن أنهم رووا "المدونة" أيضاً. ويرد في المصادر أيضاً أسانيد "للمدونة" لا تنتهي إلى الرواة عن سحنون (١). أما أسانيد المؤلف في "المدونة"، فكما قال في مقدمة "التنبيهات": "هي من طريق النقل والرواية كثيرة"، وهذا هو الظن بمن نصب نفسه لمعاناة قضايا الكتاب. ومر بنا قبل هذا أربعة من شيوخه في "المدونة" بسبتة، ولا نجد لثلاثة منهم ذكرا في الأسانيد الواردة في "التنبيهات" ولا في "الغنية". ومراعاة للتنويع، والاستقصاء كذلك، نذكر رواياته الأندلسية والقروية. أولاً: الروايات الأندلسية: ١ - رواية ابن وضاح: أ - قال المؤلف: " ... قرأت بلفظي، وسمعت بقراءة غيري، جميع الكتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة - حرسها الله - على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب ﵀ سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق. وحدثني بجميع ذلك عن أبيه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال، عن سحنون بن سعيد التنوخي". ب - قال المؤلف: "قال القاضي أبو عبد الله بن عيسى: ونا بها أيضاً الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج - مولى ابن الطلاع - قال: نا أبو علي الحسن بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن

стр. 79

أبي سعيد - سحنون بن سعيد - التنوخي عن أبي عبد الله - عبد الرحمن بن القاسم - العتقي". ٢ - رواية ابن باز: يرويها المؤلف بالسند الأول ذاته الذي رواها به عن ابن وضاح (١). ٣ - رواية ابن هلال كذلك يرويها بالسند نفسه (٢). ثانياً: الروايات القروية: ١ - رواية أحمد بن داود: قال المؤلف: "وقرأت الكثير منها، على جهة التقييد والسماع أيضاً، بسبتة - حرسها الله - على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي ﵀ في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون" (٣). هكذا أورد المؤلف هذا السند في "التنبيهات"، غير أنه استثنى في "الغنية" فقال: "إلا كتابي الوصايا وجنايات العبيد، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق عن سحنون" (٤). ٢ - رواية يحيى بن عمر: يرويها المؤلف بالسند السابق إلى الأصيلي، قال: "نا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون" (٥).

стр. 80

ولأن دراسة هذه الأسانيد هنا قد يكون تكراراً لما سيأتي في النص المحقق، فأرى اقتضاب شهادات تقدر روايات هؤلاء الأعلام وضبطهم لكتبهم. وناهيك بابن وضاح المحدِّث الناقد الذي عليه معول أهل الأندلس في الحديث، وعليه عول المؤلف أيضاً فيما طرح سحنون وأثبت في "المدونة". ومما يدلّ على أهمية نسخته ما ذكر ابن الفرضي في ترجمة وهب بن مسرة أنه: "استقدم إلى قرطبة وأخرجت إليه أصول ابن وضاح التي سمع فيها (١)، وقرئ عليه "المدونة" ... " (٢). وقد عورضت نسخة ابن عتاب - شيخ القاضي عياض - على هذا الأصل كما صرح به المؤلف في "التنبيهات". أما إبراهيم بن باز فيشهد له تلميذه أحمد بن خالد بقوله: "كان من أهل التحفظ بكتبه والضبط والتحري فيها، يرُد الواو فيها والألف، ولولاه ما صحت لنا كتب الرأي، ولم يضبط أحد الرأي ضبطه، وكان ابن وضاح أضبط للحديث، وأبو إسحاق (يعني: ابن باز) للرأي، وليست تصح رواية يحيى بن يحيى في "الموطأ" إلا من رواية إبراهيم بن محمَّد، فإنه تحرى كتاب يحيى بن يحيى حرفاً حرفاً ... وكان من أحفظ الناس "للمدونة" وأضبطهم لها" (٣). وإذا اجتمعت روايات ابن وضاح وابن باز وابن هلال لتلميذهم أحمد بن خالد بن الجباب المحدِّث الفقيه الضابط المتقن (٤)، تيقنا مدى الثقة بهذه الروايات وسلامتها.

стр. 81

أما أحمد بن أبي سليمان القروي فقد صحب سحنون عشرين سنة، وكان يصبر على السماع، أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس، وكتبي حبس (١)، وإن كان ابن حارث قد طعن فيه (٢). وأما يحيى بن عمر فقال عنه ابن حارث: "رحل إليه الناس ولا يروون "المدونة" و"الموطأ" إلا عنه، وكان ضابطاً لما روى، عالماً بكتبه، متفنناً شديد التصحيح لها" (٣). والملاحظ أن المؤلف - وهو يسرد أسانيده - قدم روايات الأندلسيين على روايات الإفريقيين، وقدم رواية شيخه الأندلسي ابن عتاب - وإنما سمعها منه سنة ٥٠٧ هـ - على رواية شيخه وبلديه ابن عيسى - وكان قد سمعها وناظر بها قبل سنة ٤٩٧ هـ وفي أثنائها وفيما بعدها. وأغلب رجال هذه الأسانيد بما فيها أسانيد الروايات القروية أندلسيون أيضاً. هذه بعض أسانيد القاضي عياض المعروفة، ويمكن لقارئ "التنبيهات" أن يتأكد من روايته وأخذه لها عن شيوخ آخرين، ويتأكد أكثر من ذلك من اطلاع المؤلف على نسخ كثيرة لم يشد المؤلف رحاله إلى الأندلس منتصف جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة (٤) إلا لاستكمال الرواية ومزيد من المقابلة والتصحيح والإسناد، وإلا فقد روى وناظر وتفقه في "المدونة" على يد شيوخه السبتيين كما سبق. وكأن هذه الرحلة والرغبة من القاضي عياض قضية أهل المغرب ودولته، حتى إن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين كتب إلى قاضيه بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين: بأن أبا الفضل "ممن له حظ في العلم حظ نبيه ووجه ووجيه، وعنده دواوين أغفال لم يفتح لها

стр. 82

على الشيوخ أقفال، وقصد تلكم الحضرة ليقيم أود متونها ... " (١). أسانيد القاضي عياض إلى المدونة: اعتنى عياض ﵀ بذكر أسانيده إلى جميع العلوم التي يبثها، ويقوم بنشرها، وتدريسها لطلبته، وعيا منه بأن الإسناد ركن من أركان الدين. فذكر أسانيده إلى كل العلوم التي أخذها عن شيوخه في كتابه "الغنية". ولم يقتصر ذكره لهذه الكتب على سند واحد بل روى كل كتاب من هذه الكتب بأسانيد كثيرة، وما "المدونة" إلا جزء يسير من العلوم التي أخذها بهذه الطريقة. ولما أراد أن يؤلف كتابه "التنبيهات" على "المدونة" قام أولاً بعرض الأسانيد التي أخذ بها "المدونة" فقال في مقدمة الكتاب: ذكر أسانيدنا في هذا الكتاب التي حملناها بها، وأداها لنا شيوخنا إلى مؤلفها، رحم الله جميعهم، وهي من طريق النقل والرواية كثيرة، واقتصرت منها هنا على ما أذكره، فقرأت بلفظي وسمعت بقراءة غيري، جميع كتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة حرسها الله على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب ﵀ سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق، وحدثني بجميع ذلك عن أبي بكر عبد الرحمن (٢) بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن

стр. 83

أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن أبان وإبراهيم بن القاسم بن هلال عن سحنون بن سعيد التنوخي. قال أبو عبد الله بن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو القاسم خلف بن يحيى الفهري عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج عن أحمد بن خالد. قال خلف بن يحيى: وحدثنا بها أيضاً أبو محمَّد بن أبي العطاف، عبد الله بن يوسف، عن ابن وضاح عن سحنون. قال المؤلف ﵀: وقرأت الكثير منها على جهة التقييد والسماع أيضاً بسبتة حرسها الله على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي ﵀ في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها، وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون. قال الأصيلي: وحدثنا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون. قال القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عيسى: وحدثنا أيضاً بها الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج مولى ابن الطلاع قال: حدثنا أبو علي الحسين بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن أبي سعيد سحنون بن سعيد التنوخي عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي. من خلال هذه المقدمة يمكن استخلاص الأسانيد الآتية: أ - أسانيده عن ابن وضاح (١):

стр. 84

السند الأول: أبو محمَّد عبد الرحمن بن عتاب (١) عن أبيه (٢) عن أبي بكر بن عبد الرحمن (٣) التجيبي (٤) عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم (٥) عن أحمد بن خالد (٦) عن ابن وضاح عن سحنون. وبهذا السند كذلك أخذ

стр. 85

عن أحمد بن خالد روايتي إبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال (١) عن سحنون (٢). السند الثاني: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري الطليطلي عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج (٣) عن أحمد بن خالد عن ابن وضاح (٤) عن سحنون. السند الثالث: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري (٥) عن أبي محمَّد بن أبي العطاف عبد الله بن يوسف (٦) عن ابن وضاح عن سحنون. وهذه أسانيده إلى ابن وضاح أخذها بقرطبة، وله سند رابع إلى ابن وضاح أخذه بسبتة وهو الرابع. السند الرابع: أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي (٧) عن محمَّد بن

стр. 86

الفرج مولى ابن الطلاع (١) عن أبي علي الحسن بن أيوب الحداد (٢) عن محمَّد بن عبيدون (٣) عن ابن وضاح عن سحنون (٤). ب - سنده إلى رواية أحمد بن داود (٥): أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل (٦) عن أبي محمَّد عبد الله بن

стр. 87

إبراهيم الأصيلي (١) عن أبي الحسن علي بن مسرور الدباغ (٢) عن أحمد بن داود عن سحنون (٣) أشار عياض إلى بعض كتب "المدونة" التي لم يأخذها بهذا السند فقال: وحدثنا بها أيضاً ﵀ وهو يقصد محمَّد بن عيسى التميمي - عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط عن الفقيه أبي الوليد بن ميقل، عن أبي محمَّد الأصيلي، عن أبي الحسن بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون، إلا كتابي "الوصايا" و"جنايات العبيد"، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق (٤) عن سحنون (٥). ج - سنده إلى رواية يحيى بن عمر (٦):

стр. 88

أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن ابن المرابط (١) عن ابن ميقل عن الأصيلي أبي العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر (٢) عن سحنون.

стр. 89

المبحث الرابع: اختلاف نسخ المدونة (محاولة للتأريخ لنص المدونة) مما يساعد على فهم مشكلات نص "المدونة" المتسم باختلاف الإلمام بالسياق التاريخي لهذا الكتاب، ثم ما نتج وتراكم من مشاكل بفعل هذا السياق. أولاً: السياق التاريخي للمدونة: الجدير بالذكر أن هذا الكتاب المهيمن على المذهب المالكي دوّن وصيغ على المنهج العراقي الحنفي لما قدم أسد بن الفرات القيرواني - تلميذ مالك ومحمدِ بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - بالفقه الحنفي، وطلب من ابن القاسم أن يجيبه عن فروعه إجابات مالكية، فأجابه إجابات من حفظه ومن اجتهاده (١)، ثم دفع إليه سماعه من مالك وقال له: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه (٢). وهكذا ألف أسد كتابه "الأسدية" في ستين كتاباً (٣).

стр. 90

فهكذا يمكن أن تبدأ بنية الكتاب في الاختلاف على يد أسد نفسه لوصاة ابن القاسم إياه بعد أن ناوله سماعه الحاوي لكل علمه عن مالك - وهو بشهادة أبي زرعة ثلاثمائة جلد - (١) وفيه عشرين كتاباً (٢). ثم نذكر روايات أخرى أو نسخاً أخرى من "الأسدية" ليس في القيروان، لكنها امتدت إلى الأندلس وانتشرت في مصر؛ إذ ثبت أن أسد بن الفرات أجازها لأهل مصر، وأن مدار أهل مصر عليها (٣)، وأن الفقيه المصري أبا زيد بن أبي الغمر "هو راوية "الأسدية" والذي صححها على ابن القاسم بعد ابن الفرات" (٤)، وله ولفقيهين مصريين آخرين اختصار للكتاب، وهما: محمَّد بن عبد الحكم (٥) والبرقي (٦). بل إن القاضي عياضاً نقل عن مختصر ابن أبي الغمر في "التنبيهات" ووصفه في "المدارك" بأنه كتاب موعب حسن لطيف (٧). أما الرواية الأندلسية للأسدية فكانت على يد عيسى بن دينار، وقد حضر لتدوين أسد إياها على ابن القاسم (٨). وما كانت روايته ونسخته لتبقى على أصلها أيضاً، فإنه بعد أن بلغه تراجع ابن القاسم عن بعضها كتب إليه سائلاً أن يبين له ما رجع عنه، فأجابه: "قد قرأت كتابك وفهمته، فاعرض ما كتبت عني على عقلك وعلمك، فما رأيت منه صواباً فأمضه، وما أنكرته فدعه" (٩). وكان من رواتها الأندلسيين المتأخرين: سبرة بن مذكر التميمي الألبيري: المتوفى ٣١٤ هـ، سمع من أبي إسحاق البرقي، وقُرئت عليه كتب

стр. 91

أسد بن الفرات؛ قال ابن الفرضي: ورأيت بعض الكتب المقروءة عليه في تاريخ ٢٩٥ هـ (١). وممن رواها أيضاً محمَّد بن أحمد بن أبي الأصبغ الحراني: المعروف بابن أبي الأصبغ المتوفى ٣٣٩ هـ، رواها عن أبي الزنباع روح بن الفرج (٢). غير أن التغيير الكبير سيأتي على يد سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني تلميذ أسد بن الفرات الذي لاحظ مع غيره من فقهاء بلده بعض الخلل العلمي والمنهجي في الكتاب، فعزم على إعادة تصحيحه، وكان قد هم أن يرحل بها إلى ابن الماجشون (٣). قال سحنون: كنت أختلف إلى أسد، فسألته عن بعض تلك الكتب فأبى علي، واحتلت على كَتْبها عن بعض من كتبها عنه، ثم قلت له: إن هذا لعجز أن يكون ابن القاسم بمصر وأحتاج إلى أسد! فرحلت إليه بتلك الكتب، ووقفته عليها وقلت له: إنها قد أخذت الدنيا وكتبت عنك وسارت في الأمصار، فالواجب عليك تصفحها. فأخذ الكتب مني ونظر إليها وتصفحها، وضرب على كثير منها، وأبدل كثيراً، فلما تمت لي انصرفت إلى إفريقية وكتب معي إلى أسد يأمره أن يرد روايته إلى روايتي. وأتيت إلى إفريقية والناس عند أسد، فأوصلت إليه كتاب ابن القاسم، فأبى من الرجوع عن روايته، ولم يزل الرجل والرجلان والثلاثة من أهل الطلب للعلم يأتونني ويكتبون عني حتى عرفوا فضلها على كتب أسد، ومالوا إلي وتركوا أسد بن الفرات (٤). ولنلاحظ الفرق بين جواب ابن القاسم لعيسى بن دينار الذي كاتبه، فأجابه ووكله لاجتهاده، وبين رده على سحنون، ويبدو أن مكمن الفرق هو في تحمل سحنون متاعب الرحلة وشرح القضية وآثارها على مستقبل

стр. 92

الفقه المالكي بعد أن ذاع صيت الكتاب، وأيضاً لأن سحنون ليس وقته طالباً عادياً، قال ابن حارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم، وقد تفقه في علم مالك فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم (١). ويكفي أن نقرأ مباحثاته ومناقشاته مع ابن القاسم في "المدونة". فهل كان ابن القاسم فيما أعاد فيه النظر معتمداً على ما يرويه من سماعه من مالك؟ أم كان يجتهد من عنده؟ فإن كان يرجع إلى سماعه فقد كان لدى أسد نسخة من السماع، وقد أمره ابن القاسم بالرجوع إليه، وإن كان عن اجتهاد فإنه أجاز لعيسى بن دينار أن يعتمد اجتهاده وعقله في التمييز بين ما يوافق المذهب وما يخالفه. هذا مع العلم أن هذه الفروع تتغير أحكامها من حين لآخر، وأن ابن القاسم نفسه أُثرت عنه روايات مختلفة كثيرة في الفرع الواحد (٢). ثانياً: المشكلات المنعكسة عن هذا السياق: هكذا قام سحنون بدور حاسم في حل بعض غوامض كتاب "الأسدية" وأخرجه في حلة جديدة وفي اسم جديد هو كتاب "المدونة"، غير أن مشاكل الرواية التي نحن بصددها لم تحل، بل زادت وتعقدت! فعلى يد سحنون أعيد انتشار الكتاب في أوسع نطاق جغرافي، وتتالت رواياته واختلفت كما رأينا من قبل. فمن الطلبة من روى الكتاب ونشره في الناس قبل أن يدخل عليه سحنون من عنده ما أدخله، مثل: محمَّد بن خالد بن

стр. 93

مرتنيل القرطبي (١)، وأكثرهم رواه عنه بعد أن بدأ ينظر فيه نظراً آخر بالتهذيب والتبويب، وإضافة خلاف العلماء وآراء أصحاب مالك، وتذييل أبوابه بالأحاديث والآثار (٢). غير أنه لم يتم مراجعة "المدونة" على هذا النهج كما قال القاضي عياض، بل "بقيت منها بقية لم ينظر فيها ذلك النظر إلى أن توفي، فبقيت على أصلها من تأليف أسد، فسميت: بالمختلطة لاختلاط مسائلها، وليفرق ما بينها وبين ما دون منها، وهي كتب معلومة" (٣). إذا كانت هذه المشاكل تعود إلى ظروف تأليف الكتاب قبل تدوينه من قبل سحنون، فإن الراوي والقارئ له بعد هذا يصطدم بعقبات أخرى غامضة بحاجة إلى بيان. أولاها: تدخل الإمام سحنون في نص "المدونة" وتصرفه فيه بأنواع من التصرف - مخالفاً قوانين الرواية وضوابطها في الاحتفاظ بأصل المروي - حتى يكاد يقال - بل قد قيل -: إن سحنون أحد مؤلفي الكتاب! وذلك بارز في هيكلة الكتاب وفي إعادة ترتيب مادته، وإضافة كثير من الأحاديث والآثار والآراء، وإسقاط مسائل وحروف، والإحالة على مواضيع أخرى من الكتاب. ثم هو مستمر في هذا الإصلاح كلما بدا له ذلك. وهذا ما يفهم من بعض الإشارات مثل ما ورد في ترجمة أحمد بن سليم القروي نزيل بجانة المتوفى ٢٩٠ هـ: أنه قرأ على سحنون العرضتين جميعاً (٤)، وقول المؤلف في "التنبيهات": ذكروا أن سحنون كان يقرأها أحياناً، وأحياناً يتركها. وقوله أيضاً عن ابن وضاح: قرأه لنا سحنون في بعض العرضات، وطرحه في أخرى.

стр. 94

ولنر الآن بعض الأمثلة من تصرفات سحنون في الكتاب كما في "التنبيهات"، وهي كثيرة: - "وقول ابن نافع عن مالك: لا أرى بأساً أن يبارئ الخليفة عن الصغيرة إلى آخر المسألة، أنكرها سحنون، وأسقطها عند السماع، وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين ... ". - "ومسألة من أسلفني دراهم فاشتريت بها منه مكاني حنطة أو ثياباً ... وفي الأصل: أو إلى أجل. وهذا الحرف موقوف في كتاب "ابن عتاب". وقال أبو محمَّد: يريد: إلى أجل؛ كآجال السلم. وقال سحنون: هو حرف سوء، وأمر بطرحه! قال ابن وضاح: هو لأشهب. قال بعض شيوخنا: ومن قول أشهب أدخله سحنون، وهو يجيز ذلك، وليس لمالك. قال فضل (ابن سلمة): قرأه لنا يحيى (ابن عمر)، وما أرى سحنون طرحه إلا لأنه يرد عليه سلفه". - " ... قال سحنون: هذا غلط من قول ابن القاسم". - " ... قال ابن وضاح: هي لمالك، وطرح سحنون منها اسم مالك". - " ... قال سحنون: ليست هذه الرواية صحيحة عندنا". ولم يقف هذا التدخل في نصوص "المدونة" عند راويها ومصححها الإمام سحنون، بل تعداه إلى غيره، لا سيما من الرواة عنه كابن وضاح وابن باز، فكان بعضهم يزيد وينقص أو يقدم ويؤخر، وأمثلة هذا من التنبيهات: - "وقوله فيمن جهر فيما يسر فيه: اعليه سجدتا السهو؟ قال: نعم. كذا في جميع أمهات شيوخنا. وحكى ابن لبابة فيها زيادة: "بعد السلام". قال: وقد طرحت من غير رواية، لكنها إرادته، وكذا أدخلها غير واحد على التأويل، ومن المختصرين من أدخلها على النص".

стр. 95

- "وألحق في آخر الكتاب في أصل ابن باز: زاد في "الأسدية" ... إلى آخر المسألة. قال إبراهيم: لم يدخلها سحنون في "المدونة"، أنا ألحقتها". - "وقعت في كتاب "الصوم" - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب "الرهون" من المختلطة فيمن نذر شهراً متتابعاً أنه يكتفي بتبييت أول ليلة منه، وكانت هذه المسألة في كتاب "ابن عتاب" بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة إبراهيم بن باز من كتاب "الرهون".". - " ... ولم تكن المسألتان عند ابن وضاح هنا، وصحتا هنا في كتاب "ابن عتاب" لابن باز، وهما صحيحتان في كتاب "الرهون"، ولعل ابن باز نقلهما منه إلى هنا كما فعل بمسائل من الصيام ... ". يضاف إلى هذا عدد لا يستهان به من التصحيحات والإصلاحات لابن وضاح في المضمون، وفي الرواية ورجال الحديث خاصة. ثانيتها: اختلاف روايات "المدونة" عن سحنون اختلافات شتى، بعضها في المضامين وبعضها في الأسانيد وأسماء الرواة، وبعضها في زيادة مسائل أو كلمات أو حروف أو نقصانها. وهذه الاختلافات أحياناً تكون فيما بين الروايات القروية مع الأندلسية، وأحياناً بين الروايات القروية في حد ذاتها، وكذا بين الأندلسية، مما يعقد طبيعة السبب وراء هذه الاختلافات هل هو راجع إلى تقدم تاريخ الرواية وتأخره؟ أو إلى ضبط الراوي وتصحيحه؟ أو إلى تدخله وإصلاحه؟ والنماذج من هذا القبيل مما عرضه القاضي عياض يعد بالعشرات، فمن ذلك: - "مسألة وقعت في بعض روايات "المدونة" في النسخ القروية، وليست في الروايات الأندلسية عندنا، ولم أروها ولا كانت في كتب شيوخنا، وقد ذكرها أبو بكر بن يونس وأبو محمَّد السوسي من "المدونة"، وكذلك نقلها ابن مغيث الطليطلي، وهي صحيحة في غير "المدونة"". - "وقول سحنون: وروى أشهب وابن نافع إلى آخر ما ذكر في

стр. 96

المسألة، ثابت عند شيوخنا، وقرأه ابن وضاح. وفي حاشية كتاب "ابن سهل": ألحقه سحنون بالمدونة ولم يكن فيها أولاً، وكذلك حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد، وحديثه بعده عن رجال من أهل العلم، ومسألة ابن القاسم وابن وهب بعده التي ذكرنا ساقط ليحيى ولأحمد، وقرأه الدباغ". - "ومغيرة عن الحكم عن إبراهيم: أن رجلاً من أهل السواد. كذا في أصل كتابي عن شيوخي، وكذا لأحمد بن خالد في كتاب "ابن سهل"، وله في كتاب "ابن المرابط": عن الحكم عن إبراهيم. وكان عنده: معمر عن أبي الحكم، وأصلحه ابن خالد: مغيرة، وعند "ابن المرابط" للإبياني والقابسي: معمر عن أبي الحكم". ثالثتها: الخلل في البناء التركيبي للكتاب، وهذا لا يرجع إلى لغة الكتاب وحمولتها التشريعية أو إلى الركاكة الأسلوبية أو الأخطاء النحوية، فلغة "المدونة" سهلة سلسة، لكن طريقة إملائها أول مرة سبب في تسرب ألفاظ غير مقصودة، أو ربما غفل الكاتب أو طغى القلم وسبق، فكان أن أثرت هذه الأخطاء في المعنى، وحملت الكلام ما لا يقصد منه، ومثل هذا لا يساعد من أراد أن يتمسك بألفاظ الكتاب ويستنبط منها كما يستنبط من ألفاظ الشارع، وهي قضية ناقشها الفقهاء قديماً ... ومن أمثلة هذا: - "وقوله في منكس التيمم: إن صلى أجزأه، ويعيد التيمم لما يستقبل، قال بعض الشيوخ: هذا حرف مستغنى عنه، إذ لا بدّ من إعادته لكل صلاة، نكسه أو لا ... ". - " ... وافهم أن قوله: حتى يؤدى ويقبل، لفظ مكرر مستغنى عن بعضه، فإنه متى ودي فقد رضي وقبل". - " ... وغيره يقول: هو لفظ رمي به وجاء على غير تحصيل وقصد ... ".

стр. 97

- "كان أبو محمَّد اللوبي يقول: لا حاجة لهذه اللفظة في هذا الموضع ... ". هذه أهم التحديات التي أورثها تناقل الكتاب وروايته، وبقيت تنتظر من يواجهها حتى تصدى لها القاضي عياض بعد أن استعد لذلك وأهله تعمقه في علوم الرواية والإسناد.

стр. 98

المبحث الخامس: اختلاف نسخ المدونة المطبوعة أ - طبعة دار السعادة: كانت مطبعة السعادة بمصر، القاهرة، هي المطبعة الأولى التي كان لها شرف إخراج هذا الكتاب سنة ١٣٢٣ هـ، وكان طبعها على يد حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي. يقول الشيخ سليم البشري شيخ المالكية بمصر: بحمد الله تعالى قد اطلعنا على نسخة "المدونة" رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن عالم المدينة: الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله تعالى عنه، التي استحضرها من المغرب الأقصى، وطبع عليها بنفقته حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي الشهير، فإذاً هي مظنة الصحة، والضبط، جديرة بالاعتماد عليها، والركون في إجراء الطبع والتصحيح إليها، دون سواها لقدم عهد كتابتها، وكثرة تداولها بأيدي علماء المالكية المتقدمين، ولما على هوامشها من التقارير والفوائد لبعض أكابر المالكية، كالقاضي عياض، وابن رشد، وغيرهما من الأئمة الأعلام المتقدمين، وهي مكتوبة في رق غزال بخط مغربي واضح، كتبها عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي في أجزاء كثيرة جداً، وتاريخ كتابتها سنة ٤٧٦ هـ (١)، وقد شهد

стр. 99

على طبع هذه النسخة مجموعة من العلماء الذين أشرفوا على عملية طبعها (١). وقد طبعت في ثمان مجلدات تضم ستة عشر جزءاً. ب - طبعة دار صادر: هذه الطبعة مصورة عن طبعة دار السعادة إلا أنها خالية من السنة التي وقع فيها تجديد هذه الطبعة، لكن تحمل كل المواصفات التي كانت على طبعة دار السعادة، من تاريخ الطبع، إلى الذي تحفظ له حقوق الطبع، إلى الهوامش، وإلى شهادة العلماء على صحتها. وتتكون هذه النسخة من ستة مجلدات، تضم ستة عشر جزءاً. ج - طبعة المكتبة الخيرية - القاهرة مصر -: طبعت "المدونة" في هذه المطبعة سنة ١٣٢٤ هـ، وتقع في أربعة مجلدات لكنها خالية من ذكر النسخة التي اعتمدت في طبعها، وقد صدرت بكتاب تزيين الممالك بمناقب مالك، للعلامة جلال الدين السيوطي، وبذيله كتاب مناقب مالك للشيخ الزواوي، وبهامش نسخة "المدونة" المقدمات الممهدات لابن رشد. د - طبعة دار الفكر - بيروت لبنان - سنة ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م: وهذه الطبعة مصورة عن طبعة المكتبة الخيرية وهي في أربعة مجلدات. هـ - طبعة المكتبة العصرية، صيدا - بيروت: ظهرت هذه الطبعة سنة ١٤١٩ هـ، موافق ١٩٩٩ م، وكان الذي تولى نشرها مكتبة نزار مصطفى الباز، وهي أول نسخة محققة من نسخ "المدونة"، وقد حققها حمدي الدمرداش محمَّد، وهي جيدة في مظهرها، إلا أنها رديئة في مخبرها، لم تف بالمقصود رغم ما صرف فيها من مجهود, لأن تحقيق كتاب كهذا يصعب أن يقوم به إنسان واحد, لأنه قد

стр. 100

يمل، وقد يصعب عليه أن يعود إلى قراءة ما كتب، المرّة بعد الأخرى، ليتأكد من ذلك، وليقوم بتصحيح ما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه. وهذا ما وقع للمحقق، فقد ذكر من بين من اختصر "المدونة" أبا محمَّد بن أبي زيد النضري (١)، والصواب: النفزي. وقال في الزرويلي: الزويلي (٢). وخصص عنوانا لسحنون وابن القاسم وأشهب قال فيه: ترجمة الإمام سحنون، والإمام ابن القاسم، والإمام أشهب. فتحدث تحت هذا العنوان عن سحنون وحده، وترك الباقيين، وتحدث بعد سحنون عن أسد بن الفرات وهو غير مذكور في العنوان. أما فيما يتعلق بعملية التحقيق فالمقابلة بين النسختين منعدمة في الهامش، فليس في الهامش إلا تخريج الآيات أو الأحاديث. وقد يشير في بعض الأحيان إلى ما أضافه من نقص إذا كان في هذه النسخة أو تلك، وقد يضعه بين معقوفين، وهذه مشكلة لا يمكن أن تحل بالمقابلة, لأن النقص هو نقص في الرواية من أصلها، فيجب أن تحتفظ كل نسخة بما وجد فيها في أصلها، وإذا كان بينهما اختلاف يثبت في الهامش، وتبقى النسخة سالمة، ويستثنى من هذا الرأي الأغلاط التي يظهر بأنها أخطاء مطبعية. ولم يشر في الهامش إلى الفروقات الكثيرة الموجودة بين النسختين اللتين اعتمد عليهما. وتتكون هذه الطبعة من تسعة مجلدات. - نماذج من اختلاف نسخ "المدونة": أ - الاختلاف في التراجم: سأقتصر على عرض بعض النماذج في الأجزاء الأخيرة من "المدونة" ولن أتطرق إلى الاختلاف الذي ذكره عياض. وسأشير إلى نسخة دار صادر بحرف الصاد، وإلى نسخة دار الفكر بحرف الكاف.

стр. 101

- في ك: في أكل المسافر من الثمرة إذا طابت ٤/ ٤، وهو ساقط من ص. - في ص: جداد النخل وحصاد زرع المساقاة ٥/ ٦، وهو ساقط من ك. - في ك: مساقاة الثمر الذي لم يبدو صلاحه ٤/ ٥، وهو ساقط من ص. - في ك: ما جاء في مساقاة الذي قد بدا صلاحه وحل بيعه. ٤/ ٥، وهو ساقط من ص. - في ك: مساقاة الأرض سنين على أن يغرسها ويقوم عليها. ٤/ ٨، وهو ساقط من ص، كما سقط منها: في المساقاة سنين. - في ص: النخل يكون بين الرجلين يساقي أحدهما الآخر ومساقاة الوصي والمديان والمريض. ٥/ ١٦. ضم هذا العنوان في دار الفكر التراجم الآتية: - ما جاء في النخل يكون بين الرجلين فيساقي أحدهما الآخر. - مساقاة حائط الأيتام. - مساقاة المأذون له في التجارة. - مساقاة نخل المديان. - مساقاة نخل المريض. - مساقاة الرجلين. - في ص: في الرجل يشتري أصول النخل وفيها ثمر فتصيبها جائحة. ٥/ ٣٤. الرجل يشتري الزرع على أن يحصده ثم يشتري الأرض بعد ذلك. ٥/ ٣٥. هاتان الترجمتان سقطتا من ك. - في ك: في الذي يأمره السلطان ببيع الرهن يقول: قد قضيت

стр. 102

المرتهن حقه، ويقول المرتهن: لم أقبض شيئاً. ٤/ ١٥٧، هذه الترجمة ساقطة من دار صادر. وأكتفي بهذه النماذج من الاختلاف في التراجم، وهي كثيرة لا يخلو منها كتاب من كتب "المدونة"، وإنما سقنا هذا القدر للاستدلال على الاختلاف الواقع بين النسخ المطبوعة. وقد يطرح هذا الاختلاف السؤال الآتي، وهو: هل هذه التراجم من وضع سحنون؟ أو من وضع تلامذته؟ مع انعدام التفاصيل الدقيقة للمراحل التي مر منها تأليف "المدونة" إلى أن وصلت إلى وضعها الحالي، لا يمكن إلا أن نقول: بأن هذه التراجم منها: ما كان من وضع سحنون، ومنها: ما هو من وضع تلامذته، لأن فيها تراجم تتفق عليها النسخ، وتراجم وقع فيها اختلاف، وقد تكون هذه الأخيرة من عمل التلاميذ. ب - الاختلاف في النص بالزيادة أو النقصان: - في ك: في الذي يقارض عبده أو أجيره، قلت: أرأيت إن استأجرت أجيراً للخدمة فدفعت إليه مالاً قراضاً أيجوز ذلك؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً قال: لا بأس أن يدفع الرجل إلى عبده مالاً قراضاً، فإن كان الأجير مثل العبد فذلك جائز ٤/ ٥٦ - ٥٧. هنا انتهت المسألة في دار الفكر. وفي دار صادر: ٥/ ١٠٧: زيادة: قال سحنون: ليس الأجير مثل العبد ويدخله في الأجير فسخ دين في دين. - في ص: في المقارض يشترط على رب القراض غلاماً بعينه قال في آخر الترجمة: قال: يصلح، وقد قال الليث مثل قول مالك في اشتراط العامل على رب المال الغلام بعينه: أنه لا بأس به. ٥/ ١١١، هنا تمت المسألة في ص. وفي ك: زيادة: قال سحنون: وقال غيره: أحب إلي أن لا يشترط

стр. 103

شيئاً وأن يكون القراض على سنته، فإن وقع جاز ٤/ ٥٩. - في ك: في شهادة النساء في قتل الخطإ: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، ابن وهب: وكذلك قال ربيعة، وكذلك الشاهد الواحد شهد على رجل بالقتل لا يجوز إلا أن يكون البدن قائماً، وكذلك شهادة الصبيان إنما تجوز في القتل إذا رئي البدن، وشهد العدول أنهم رأوا بدن الصبي. ٤/ ٨٣. هنا تمت مسائل الترجمة. - في ص: في نفس الترجمة: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، وكذلك قال ربيعة في الاستهلال. قلت: أرأيت شهادة النساء في الجراحات الخطأ أجائزة في قول مالك؟ قال: نعم. ٥/ ١٦١. هنا تمت مسائل هذه الترجمة مع ما بين النسختين من الاختلاف في الزيادة والنقصان. - في ك: في آخر ترجمة: الرجل يدير قبل الرجل حقاً بغير شاهد. ساق سحنون في آخر هذا الباب حديثاً ثم قال في آخره: من حديث ابن وهب. ٤/ ٩١. - وفي ص: ٥/ ١٧٥. قال: من حديث ابن مهدي، وبينهما ما بينهما. - في ك: في المفلس يقر بالدين لرجل، في آخر الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه. ٤/ ١١٨. - وفي ص: في نفس الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه أو يرهنه. ٥/ ٢٢٩. بين النصين اختلاف واضح. - في ك: في آخر ترجمة الرجل يطلب قبل الرجل حقاً فيطلب منه

стр. 104

حميلاً بالخصومة: قلت: فإن قال: أعطني كفيلاً بالحق حتى أقيم بينتي ولا أريد نفساً، أيلزمه أن يعطيه كفيلاً أم لا يلزمه؟ قال: لا أرى ذلك إلا أن يقيم شاهداً، هذا ما يعرف من قوله، إلا أن يكون المدعي يدعي بينة حاضرة يرفعها من السوق، أو من بعض القبائل فأرى للسلطان أن يوقف المطلوب عنده، ويقول للطالب: مكانك أثبت ببينتك، فإن أتى بها وإلا خلى سبيله، سحنون: وهذا الأصل في كتاب "الشهادات" قد بين. ٤/ ١٤٠. وهذا النص كله ساقط من دار صادر. - في ص: في آخر ترجمة كفالة المرأة التي قد عنست. قلت: أليس قد كان مالك مرة يقول: إذا عنست جاز أمرها؟ قال: لم أسمعه أنا قط. ٥/ ٢٨٣. هنا انتهت المسألة. - وفي ك: بعد هذا زيادة: ولكن وجدته في كتاب عبد الرحيم. ٤/ ١٤٥. وهذه الزيادة تطرح إشكالا، أهي من كلام سحنون، أم هي من زيادة تلامذته؟ - في ص: قلت: أرأيت إن ارتهنت نصف دابة كيف يكون قبضي لها؟ قال: يقبض جميعها. ٥/ ٢٩٧، وهذا النص ساقط من دار الفكر. في ص: قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع ويكريه الكراء؟ ٥/ ٣٧٥. هنا تمت المسألة من غير أن تظفر بالجواب، وقد علق الناشر على هذا في أسفل الصفحة، بقوله: لم يذكر جواب هذا السؤال، والتمس له تقديراً. "المدونة": ٥/ ٣٧٥. - وفي ك: جاءت المسألة مقرونة بجوابها فجاء النص كما يلي: قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع؟ قال: ليس أن يقلع الزرع، ولكن له الكراء. ٤/ ١٩٣. ولعل هذا الاختلاف هو من الأخطاء التي يمكن أن تنتج عن النسخ، لا عن اختلاف الروايات.

стр. 105

- في ك: في كتاب "التدليس": ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، قال: وإن رسول عبد الرحمن وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من عثمان، ٣/ ٢٩٨. - وفي ص: وأخبرني ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لأنه وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من البائع. ٤/ ٣٠٦، ٣٠٧. - في ك: في "الصلح من جناية العمد": فكذلك القصاص، والنكاح قبض ذلك وحده لا يجوز له الأخذ بغير شيء فكذلك لا يجوز له الأخذ بالغرر، فليس المرسل لما في يديه كالآخذ. ٣/ ٣٥٨. - وفي ص: ينتهي النص عند قوله: فكذلك القصاص. وباقي النص ساقط من ص. ٤/ ٣٧٣. في ك: في "الجعل والإجارة": وإذا قال: اعمل عليها ولكل نصف ما يكون من عملها. ٣/ ٣٩١. - وفي ص: فإذا قال: اعمل عليها ولك نصف ما يكون من عملها. ٤/ ٤١١. - في ك: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له وإن رهن رهنا جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه، ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه. ٤/ ١١٨. - وفي ص: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له، وإن رهن رهناً جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه، أو يرهنه. لابن وهب ٥/ ٢٢٩. هناك اختلاف في آخر النص بين النصين، كما أن في ص: زيادة: لابن وهب وهذه الزيادة غالباً ما توجد في آخر الباب بعد الآثار التي يذيل

стр. 106

بها سحنون المسائل الفقهية. وهذه العبارة تكتب في بعض الأحيان: لابن وهب، وفي بعضها: هذه الآثار لابن وهب، وهذه الزيادة مختصة بدار صادر. - في ك: في كتاب "الشفعة الثاني": فيما سمعنا من قول مالك أن أهل الصلح يبيعون أرضهم ممن أحبوا بمنزلة أموالهم، ولا جزية على من اشترى ذلك منهم، لأنه لو أسلم سقطت الجزية عنه وعن أرضه، وهو يتبع بما صالح عليه. فإنما عليه ما صالح عليه، ويبيع من أرضه ومن ماله ما شاء. ٤/ ٢٣٧. كذا هذا النص في ص، إلا أن في آخره: ولا يبيع. ٥/ ٤٥٦، وهو مخالف للنص السابق لأن ما يثبته هذا ينفيه هذا، وليس هذا بالخطأ المطبعي فيصلح بناء على سياق الكلام، وقد أشار مصحح دار صادر إلى أن هذا اللفظ جاء هكذا في الأصل (١). - في ك: قال: وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة على امرأة له أخرى فحلف للأولى بطلاق الثانية، إن آثر الثانية عليها، ثم إنه طلق الأولى البتة. قال: قال مالك: تطلق الثانية أيضاً لأنه حين طلق الأولى فقد آثر الثانية عليها (٢). هذه المسألة ساقطة من دار صادر، وهي ليست من كتاب الشفعة.

стр. 107

المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من المدونة تحدث القاضى عياض في كتابه "التنبيهات" عن بعض النصوص التي طرحها سحنون من "المدونة"، والتي حوق عليها، والتي علم عليها بعض الرواة، فبقيت في بعض الروايات، وسقطت من روايات أخرى، وقد ذكر عياض بعض النسخ التي سقطت منها هذه النصوص، وهذا العمل يثير عدة تساؤلات، من بينها: هل كان هذا نتيجة مقارنة بين ما نقله عن ابن القاسم، وما أخذه من مدونة أشهب؟ أم هذه نصوص كانت في المختلطة فوجد من الروايات ما يخالفها؟ وما هو موقف الفقهاء من النصوص التي ثبت أنه طرحها وهي ما زالت ثابتة في بعض النسخ؟ أو في النسخ المطبوعة الآن؟ وهل هذه النصوص التي طرحها هي التي يجب أن تطرح وحدها، أم هناك نصوص أخرى؟ ولعل هذا ما أدى بالذهبي إلى أن يشير إلى أن "المدونة" فيها أشياء هي رأي محض، قال وهو يتحدث عن "المدونة": وأصل "المدونة" أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيراً، وأسقط منها ما أسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها، وتهذيب "المدونة"،

стр. 108

فأدركته المنية ﵀، فكبراء المالكية يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله، فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب ذاك القبر ﷺ (١). ولم يكن هذا الطرح كله على مستوى واحد، بل هو مختلف بحسب ما يقتضيه الفهم، فتارةً يطرح نصاً كاملاً، وتارةً يطرح جملة، وتارة يطرح كلمة ويستبدلها بغيرها، إلا أن هذا الطرح ما زال مفتقراً إلى المراحل التاريخية التي مر منها، وإلى التعرف على وصفية الأصل المعتمد الذي كانت تجرى عليه هذه التغييرات. وفي كلام عياض ما يشير إلى أن سحنون كان ينقح كتابه أثناء إقرائه لتلامذته، فكان يقابل كلام ابن القاسم في بعض الكتب من "المدونة" بكلامه في كتب منها أيضاً. ويتجلى هذا في كلام بعض تلامذته: أسقطه في العرضة الأخيرة، قرأه في بعض العرضات، ولم يقرأه في أخرى، قرأه سحنون، لم يقرأه. وسنعرض هذه النصوص المطروحة مع كتابة نصوص "المدونة" في بداية الكلام إذا كان النص الذي ساقه عياض ناقصاً، أو غير واضح مع بعض الإشارات إلى الفرق بين نسختي دار صادر، ودار الفكر، غير أنني لن أطيل في هذا لأنني تطرقت إليه في مواضع أخرى. وسأعرض هذه النصوص ضمن الكتب الآتية: كتاب المساقاة - النص الأول: نص "المدونة": قلت: أرأيت الرجل يأخذ النخل والشجر مساقاة، أيكون جميع العمل من عند العامل في المال في قول مالك؟ قال: نعم، إلا

стр. 109

أن يكون في الحائط دواب أو غلمان كانوا يعملون في الحائط فلا بأس بذلك. قلت: أرأيت إن شرطهم (١) المساقي في الحائط وأراد رب المال أن يخرجهم من الحائط، أيكون ذلك لرب المال أن يخرجهم في قول مالك، قال مالك: أما عند معاملته واشتراطه فلا ينبغي له أن يخرجهم ولا ينبغي له (٢) ... إلخ. قال عياض في تعليقه على هذا النص: وقوله: "إذا كان في الحائط دواب أو غلمان يعملون في الحائط ويشترطهم فلا بأس بذلك" (٣) أوقف في كتاب "ابن عتاب": "ويشترطهم"، وكتب عليه ليس هذا الحرف من "المدونة" (٤). وصح في الأسدية. وقال: هو لفظ مستغنى عنه، ولذلك طرحه سحنون، والله أعلم. إذ ذلك للعامل وإن لم يشترطهم، كما بينه بعد ذلك في الباب، إلا أنه يستفاد من إثباتها في "الأسدية" قول ثان له، مثل ما في كتاب "ابن مزين" ليحيى، وابن نافع، أنهم لا يدخلون إلا باشتراط، ولعمري إن هذا في الكتاب غير بين، وقد سأله عن هذا فلم يعط فيه جواباً بيناً، وأجابه على منع اشتراط رب الأرض إخراجهم لفساد المساقاة بذلك. وقد اعترض المسألة حمديس، والذي يقتضيه كلامه أن الذي فهم منها صحة لفظة الاشتراط، وإثباتها على ما في "الأسدية", لأنه قال: ينبغي على أصله ألا تفسد المساقاة باشتراط رب النخل إخراجهم, لأنه لو سكت عن الاشتراط لم يدخلوا، وإنما يصح جوابه أن يكون السقي إذا وجب في الحائط، وقع على ما فيه من جميع آلاته، وإن لم يشترط، كالبياض اليسير في النخل تقع المساقاة عليه، وإن لم يذكراه. اهـ. وهذا النص الذي قدمه عياض والذي شرح فيه المسألة شرحاً وافياً

стр. 110

يجيب كذلك عن السؤال الذي طرحناه في البداية عن ما هو المصدر الذي يقارن به سحنون ويطرح منه هذه المسائل، فتبين من خلال هذا النص أنه يقارن بالنسخة الأصلية "للمدونة"، وهي "الأسدية". - النص الثاني: نص "المدونة": وقد قال غيره: لا يجوز البيع، ويكون موقوفاً، إلا أن يرضى العامل بتركها، فيجوز بيعها، وهو أحسن من هذا (١). قال عياض: وقول غيره في المساقي يفلس فيبيع الغرماء الحائط: لا يجوز البيع، ويكون موقوفاً، إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة. ثبت عند شيوخنا، وسقط للدباغ. قال أبو محمَّد: طرحه سحنون. وقال: يجوز بيعه للضرورة. قال سحنون: قول الغير هو النظر، وقول ابن القاسم أحب إلي، إذا وقعت الضرورة كان أخف، ولو كان ابتداء لم يجز. قال غيره: ومعنى قول الغير يكون موقوفاً، أي: حتى يؤبر ثم يباع. انتهى. ورغم كلام أبي محمَّد بأن سحنون طرح هذه المسألة فهي ثابتة في نسختي دار صادر ودار الفكر، إلا أن النص فيه ما يشعر بأن سحنون يميل إلى قول ابن القاسم وإن كان النظر مع قول الغير، ويستفاد هذا من كلامه آخر النص: وهو أحسن من هذا (٢) فيجوز (٣). كتاب الجعل والإجارة - النص الأول: قال عياض: وقوله في مسألة: "أبيعك نصف ثوب على أن تبيع لي نصفه، ذلك جائز، إذا ضرب أجلاً" (٤). ثم قال: "ولو قال: أبيعك نصف
следующие страницы →