← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

النبي ﵇ فجاء (١) شاب" (٢)، وذكر الحديث، كذا عند ابن عتاب. وعند ابن عيسى: عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا في سائر الأمهات (٣). ومثل هذا التفريق الذي جاء في الحديث بين الشيخ والشاب في القبلة في آثار الكتاب (٤) - وقال به من ذكر هناك من (٥) قال به هناك من الصحابة (٦) - ذكر الخطابي (٧) عن مالك ويحيى (٨) بن حبيب مثله، وحكي عن مالك ترخيصه فيها (٩) في التطوع دون الفريضة. وظاهر الكتاب منعه

стр. 562

فيهما. وهو نص له في غير (١) الكتاب. وقوله (٢) في الذي باشر: وإن كان لم يزل ذلك منه ميتا. وفي رواية ابن عتاب (٣): "لم يُنزل ذلك منه منياً"، وعلى الروايتين فقد بين (٤) أنه متى أنعظ - وإن لم يمذ - فعليه القضاء. ومثله لمالك في "العتبية" (٥) والحمديسية (٦) في المباشرة والقبلة. وعبد الملك ومطرف (٧) لا يريان في الإنعاظ شيئاً من مباشرة أو قبلة، ووافقهم (٨) ابن القاسم من رأيه (٩) في "العتبية" (١٠) في القبلة/ [خ ٨٢]. وظاهر رواية ابن وهب وأشهب في الكتاب: لا قضاء فيهما لقوله (١١): وإن لم يمذ فلا أرى عليه شيئاً. وكذا نقلها الباجي من رواية ابن وهب عن مالك نصاً (١٢). وقيل: إنما الخلاف إذا أنعظ عن مباشرة أو قبلة، وأما عن نظر ولمس (١٣) فلا قضاء عليه إلا أن يمذي.

стр. 563

واختلف في المذي؛ هل القضاء منه واجب على قول أكثر الشيوخ أو مستحب على قول بعضهم (١)، أو التفريق بين أن يكون عن لمس أو قبلة ومباشرة (٢) فيجب أو عن النظر فلا يلزم على ما عند ابن حبيب (٣) إلا أن يتعمده؟. والمغيرة (٤) لا يرى منه القضاء وإن كان عن قبلة. وقوله (٥) في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا" فالكفارة عليه، وعلى المرأة/ [ز ٥٤] القضاء على كل حال"، ظاهره يكفر عن نفسه فقط، كما قال ابن القابسي (٦) وابن شبلون (٧) فيها، وتأولها أبو محمَّد أن يكفر عنها (٨)، وقاله حمديس (٩). وفي بعض نسخ "المدونة" هنا: فالكفارة عليه عنه وعنها. وليس في روايتنا ولا في أصول شيوخنا لكنها مخالفة كتب بعضهم. وفي بعض الأصول القديمة (١٠).

стр. 564

وما له في مسألة المكره يصب الماء في حلقه (١): "عليه القضاء ولا كفارة عليه"، يعضد مذهب ابن شبلون. وما له في باب الكفارة في المكرهة بالوطء يعضد مذهب أبي محمَّد، وهو نص لقوله (٢): يكفر عنها. والتفريق بين الإكراه بالوطء والإكراه بالقبلة بأنه لا انتهاك في مسألة القبلة, لأنه لم يكن الإنزال من فعله، والإيلاج من فعله، غير بين (٣)؛ لأن الانتهاك من الرجل فيهما حتى أنزلا في هذه أو لم ينزلا في الأخرى واحد؛ إذ لا فرق بين الانتهاك بالإنزال وبالإيلاج (٤) منه في حق المرأة، إذ هو مسببه وفاعل موجبه، والمكرهة غير منتهكة لحرمة الشهر في المسألتين، وإنما المنتهك الرجل في نفسه بالفعلين (٥) وفيها أيضاً. فإما أن يوجب عليه عنها فيهما أو لا يوجب عليه عنها كما قال ابن نافع (٦) وابن عبد الحكم (٧) وسحنون (٨)، وهو قول مالك في "المدنية" (٩). وقد قال مالك في التي جومعت نائمة (١٠): "لا كفارة عليها"، وفي الذي صب الماء في حلقه (١١): "لا كفارة عليه". ولم يجعل في الباب كله كفارة عنه على الفاعل؛ إذ لا فرق بين هتكه في المكره بالجماع أو صب

стр. 565

الماء في حلقه، وقد قال سحنون فيها (١): هي خير من مسألة التي أكرهها زوجها, ولا فرق بينهما في باب الإكراه. وقد سوى بينهما في كتاب ابن حبيب (٢) وجعل على المكره فيهما الكفارة عن من أُكرِه. وقد ذهب بعضهم (٣) إلى أن إلزامه الكفارة في مسألة المكره قولة له في الكفارة في الجماع بأي وجه كان، ناسياً أو غيره، كما قال عبد الملك ورواه هو وابن نافع عن مالك (٤). وفي "مسائل" القاضي إسماعيل (٥) عن مالك ألا غسل على المكرهة إلا أن تلتذ ولا النائمة (٦)، فيبين (٧) من هذا أنها لا تكون مفطرة، يريد لا قضاء عليهما (٨). وكذلك قال الشافعي في النائمة. والمعروف عندنا أن عليهما القضاء. واختلف في الرجل المكرِه على الوطء لغيره؛ فقيل عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك. وأكثر أقوال أصحابنا أنه لا كفارة عليه. ولا خلاف أن عليه القضاء. والخلاف في حده، والأكثر إيجاب الحد عليه/ [خ ٨٣]. والمرأة المكرهة بخلافه.

стр. 566

وقوله (١): "أو غمزها" يعني قرصها أو قبض يده (٢) عليها، ومنه قولهم: غمزتَ القناة إذا شددت يدك عليها لتقوّم عوجها (٣). ومن (٤) قول عائشة: فيغمزني فأضم رجلي (٥)، وقد قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. وعبد الله بن عامر بن ربيعة (٦) عن أبيه. كذا رويناه. وفي بعض النسخ: عبيد الله، وهو وهم. وسقط "عن أبيه" في رواية أيضاً، وقال عوضه: عن ربيعة. قال أحمد بن خالد: هو خطأ، ورواية ابن وضاح الصواب، عن أبيه، وليس في الصحابة ربيعة. قال القاضي ﵁ (٧): الصواب ما في الأصل. وقد خرج الترمذي حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه هذا بسنده (٨). وعامر بن ربيعة هذا عنزي حليف بني عدي، قاله البخاري (٩) وغيره، بدري، من مهاجرة الحبشة.

стр. 567

وأما قول أحمد: ليس في الصحابة ربيعة، ففيهم عدة كثيرة، عرفنا منهم - بحمد الله - نحو ثلاثين/ [ز ٥٥] رجلاً ممن عد في صحابة النبي ﵇ (١) كلهم يسمى ربيعة، منهم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٢)، وربيعة بن كعب الأسلمي (٣)، وربيعة بن عباد الدؤلي (٤)، وربيعة الدوسي (٥)، وربيعة بن شخبرة (٦)، في آخرين لولا التطويل لسردتهم. وقوله (٧) في الحقنة بالفتائل: لا شيء عليه، وفرق بين ذلك وبين غيرها، فدل (٨) أن كلامه في الفطر إنما هي (٩) في الحقنة المائعة (وهي الذي (١٠) فيها الخلاف كما قال اللخمي (١١) وإن كان القاضي أبو محمَّد (١٢) ذكر الخلاف في الحقنة مجملاً، وأما غير المائعات) (١٣) فلا خلاف فيها.

стр. 568

وقد اعترض أبو إسحاق فيها (١) بكل حال على أصله في الرضاع أنه لا يحرم إلا أن يكون له غذاء. قال القاضي ﵁: وهذا لا يلزم؛ لأن الباب مفترق؛ المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشئ (٢) العظم، ولا يشترط هذا في إفطار الصوم (٣)، بل ما يصل إلى موضع الطعام والشراب فقط مما يشغل المعدة ويسكن كلب الجوع. وقوله (٤): استقاء ممدود، أي استدعى القيء، مثل استقام. وذرعه القيء - بذال معجمة - أي غلبه، والقيء مهموز. وحَيْوَة بن شريح (٥)، بفتح الحاء وياء أخت الواو ساكنة بعدها. وأبوه بشين معجمة، وآخره حاء مهملة. والحارث بن نبهان (٦)، تقدم. عن يزيد بن أبي خالد، كذا في كثير من الأمهات (٧) في حديث الكحل للصائم (٨). وبشَر لفظة "ابن" من كتاب ابن

стр. 569

عتاب، وأوقفه ابن المرابط. والصواب - إن شاء الله - سقوط "ابن". ويزيد أبو خالد هذا هو (١) وابن عجلان (٢) بفتح العين حيث وقع. عن أبي نضرة (٣) عن أبي سعيد. كذا عندي وفي أكثر النسخ. وفي بعضها: عن نضرة، كلها (٤) بالنون والضاد المعجمة. وفي بعضها: عن أبي بصرة، بالباء والصاد المهملة. وكله خطأ إلا أبا نضرة كما عندي. وهو المنذر بن مالك، مشهور يروي عن أبي سعيد كثيراً في الصحيحين وغيره (٥). وأبو مُراوح (٦)، بضم الميم وكسر الواو. والمَعافري (٧)، بفتح الميم وبالفاء، منسوب إلى قبيل من اليمن يقال

стр. 570

لهم مَعافر. قال لي ابن سراج: ويقال فيه مُعافر (١) أيضاً. وفي متن هذا الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذرعه القيء" (٢)، كذا عندي/ [خ ٨٤] للقاضي (٣) أبي عبد الله. وعند ابن عتاب: كان إذا ذرعه القيء، وكتب عليه "قال". وكذا رده ابن وضاح. وقوله (٤) في الحديث: "لا تَقَدموا الشهر" (٥)، كذا ضبطناه في "الأم" عن الشيخ أبي محمَّد بن عتاب؛ بفتح التاء والدال. وضبطناه عن القاضي أبي عبد الله: لا تُقدَّموا، بضم التاء وكسر الدال. ومعناهما صحيح؛ الأول [لا] (٦) تتقدموا الشهر بصوم تعدونه منه، والثاني: لا تقدموا صوماً قبله ليكون منه أو احتياطاً له. وقوله (٧): "فإن غُم عليكم فاقدروا له"، معنى غُمَّ: ستر عنكم، من قولك: غممت الشيء إذا سترته (٨)، ويكون من تغطية الغمام إياه، وليس

стр. 571

من الغيم. وقد رويناه في غير "المدونة" بألفاظ مختلفة مشتقة من الغيم وغيره لها تفاسير بحسبها (١). وأبان بن أبي عياش (٢)، آخره شين معجمة. وقوله (٣): لا يصام آخر يوم من شعبان الذي يشك أنه من رمضان، هذا تنبيه على أن معناه صيامه تحرياً لرمضان. وعليه يدل لفظ الحديث، كما أنه يكره تحري فطره لمن عادته الصوم لئلا يصل صومه برمضان. نص على ذلك ابن مسلمة (٤). ثم اختلف في قصد صومه تطوعا بالجواز والكراهة (٥). وقوله (٦): "وقد ذكرنا (٧) عن ربيعة ما يشبه/ [ز ٥٦] هذا"؛ هو قوله في آخر باب صيام آخر يوم من شعبان (٨) فيمن صام قبل أن يرى الهلال على الاحتياط، المسألةَ بتمامها (٩). وقوله (١٠): "وهذا من ذلك الباب"، يدل أن صومه تطوعا وصومه على الاحتياط لا يجزئ وعليه القضاء، وإنما تكلم مالك في الكتاب على من صامه تطوعا أنه لا يجزئه وعليه قضاؤه. ولم يأت صيامه احتياطاً أنه لا يجزئه ويقضيه في الكتاب إلا من قول ربيعة وإن كان أبو محمَّد وأكثر

стр. 572

المختصرين اختصروه: ومن صامه حيطة أو تطوعاً (١). لكن لمالك في "الموطأ" (٢) كقول ربيعة فيه، وكذلك في "المختصر" (٣). وقول أشهب في الكتاب (٤): "لأنه لم ينو به رمضان وإنما نوى به التطوع"، قال ابن لبابة (٥): كأنه يقول: إن نوى به رمضان وان كان على شك أنه يجزئه. وهذا مثل قوله في الذي التبست عليه الشهور (٦) فيصوم على اجتهاده إنه إن صادف رمضان أو كان صام بعده أنه يجزئه. وقياس قول مالك وابن القاسم في متحري لو لم يشك (٧) لا يجزئ، أن لا يجزئ الأسيرَ ومن التبست عليه الشهور صيامه، صادفه أو صام بعده. قال ابن القاسم في "العتبية" (٨): لا يجزئه وإن صادف تحريه شهر رمضان. وهو بمنزلة قول مالك في الذي يصوم يوم الشك على أنه إن كان من رمضان أنه لا يجزئه (٩). قال ابن لبابة: وسحنون يقول (١٠): يجزئه. والقياس أن يجزيه. فهما مذهبان مختلفان، والله أعلم.

стр. 573

وقول عائشة (١) في حفصة: "وبدرتني بالكلام، وكانت بنت أبيها" (٢)، تريد جريئة على الكلام جزلة. ومعنى بدرتني: سبقتني. وقوله (٣) في التي استيقظت بعد الفجر (فشكت أن تكون طهرت قبل الفجر) (٤): تصوم وعليها القضاء، "لأنه يخاف ألا تكون طهرت إلا بعد الفجر"، بهذا علل المسألة ابن القاسم ولم يعلل بعدم النية. وهذه - على أصله - لو تحققت طهرها قبل الفجر لم يجزها, لأنها لم تنوه ولا بيتته. خرج بعض الأشياخ (٥) منه - إذ لم يعلل بذلك - أنها قولة له في جواز صيام الحائض/ [خ ٨٥] إذا طهرت في رمضان أول يوم من طهرها وإن لم تبيته، بخلاف المسافر إذا أفطر في سفره فلا بد من التبييت؛ لأنه هو (٦) في الصوم أو الفطر بخلاف الحائض. والمعروف أنها والمريض سواء لا بد لهم (٧) من التبييت إذا صاموا (٨).

стр. 574

وخرج بعضهم الخلاف في الباب كله فيما فيه تخيير أولاً. وهذا إنما يصح لو تقدم لها صوم أول الشهر، فهي المسألة التي فيها الخلاف لنيتها (١) أول ليلة صيام الشهر واسترسالها على بقيته على ما نص عليه أبو القاسم بن الجلاب (٢) وغيره. وأما من دخل عليها رمضان وهي حائض فلا يجزئها في أول يوم من طهرها دون تبييت إلا على رأي عبد الملك وروايته عن مالك (٣) وأحد قولي سحنون، وكقول المخالف في إجزاء أول يوم من رمضان لمن لم يبيته إذا ثبت (٤) داخل النهار لاستحقاق صيامه عليه كما قيل فيها ذلك. وقد قيل: إنه لا يؤخذ من قوله شيء من هذا في الكتاب، وإنما احتج بما لا تنازع فيه من الشك في تأخير الطهر دون ما فيه النزاع من النية. وقد قيل: هذه قولة أخرى في الكتاب لمالك في جواز الصوم بغير نية كما قال عبد الملك عنه (٥). وقد قيل (٦): لعلها إنما شكت في الفجر بعد أن رأت الطهر ونوت الصوم، فنامت ثم استيقظت بعد الصباح (٧) ولم يكن تبين لها الفجر.

стр. 575

وقيل (١): قد يحتمل أن معنى قوله: تصوم أي تمسك عن الأكل كمن طرأ عليه أن اليوم من رمضان أنها تلزم (٢) الصوم في بقيته وتمسك عن الأكل (٣). قال القاضي ﵁: وهذا كله إنما يجب (٤) أن يلزمه ابن القاسم لا مالك؛ لأن التعليل إنما هو له لا لمالك وكلام مالك يدل على أصله، لا علة فيه. وقوله (٥) في المغمى عليه: "وقد بلغني ذلك عن بعض أهل العلم"، كذا عند ابن عتاب وجل/ [ز ٥٧] النسخ. وعند ابن عيسى: "وقد بلغني عن مالك عن بعض من أرضى" (٦). ولم يختصره على هذا أحد من المختصرين. ومذهبه في الكتاب في المغمى عليه بعد الفجر أن يراعي في القضاء دوام الإغماء عليه جل النهار. وأما إن أغمي عليه نصف النهار فلا قضاء عليه. كذا فسر مذهب ابن القاسم فضلُ بن سلمة. وهو مفهوم الكتاب خلاف ما نقل ابن حبيب (٧) عن ابن القاسم من مراعاته نصف النهار، ورد عليه فضل. واختلف على مذهب الكتاب في صفة المفرط في قضاء رمضان الذي تلزمه الفدية من هو؟ فمذهب (٨) أكثر الشارحين (٩) أنه إنما تلزمه الفدية إذا أمكنه ذلك في شعبان قبل دخول رمضان الثاني فلم يفعله، فمتى سافر ذلك

стр. 576

الشعبان أو مرضه أو بعضه فلا تلزمه فدية فيما سافر فيه منه أو مرضه، ولو كان فيما قبل من الشهور صحيحاً مقيماً. وإلى هذا ذهب البغداديون (١) وأكثر القرويين (٢) في تأويل ما في "المدونة"، وهو معنى ما لمالك في "المبسوطة" وفي "المدنية" من رواية ابن نافع وما لأشهب في "المجموعة" (٣). وذهب بعضهم إلى مراعاة ذلك في شهر شوال بعد الرمضان الذي أفطره، فمتى مضت عليه (٤) أيام في سنته عدد ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصمها حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية ولو كان في بقية العام لا يقدر على الصوم. وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب لقوله [في المسألة] (٥): / [خ ٨٦] إذا مات وقد صح شهراً لو (٦) أقام في أهله شهراً وأوصى أن يطعم عنه: إن ذلك في ثلثه مُبدأ، ولا تُبدأ إلا الواجبات. وبدأه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه. فلو أنه لا يجب إلا بخروج شعبان لكان قد أوصى بما لم يجب عليه وكان كسائر الوصايا التي لا تبدأ. وهذا بين في الكتب "المدنية" (٧) و"المبسوطة". قال ابن القاسم: "من كان صحيحاً ففرط في قضاء رمضان حتى مرض أو حتى مات فذلك الذي عليه الإطعام واجباً (٨) أن (٩) يوصي به، فأما من مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى

стр. 577

مات فذلك الذي يستحب له وليس بواجب". وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن الجلاب (١) وأبو الحسن اللخمي (٢). وقد قال في موضع آخر من الكتاب (٣): "إلا أن يكون مريضاً حتى دخل عليه رمضان آخر فلا إطعام عليه"، وكذلك قال (٤): "إن كان مسافراً حتى دخل عليه رمضان آخر"، قال: "لأنه لم يفرط"، فإنما جعله غير مفرط باتصال المرض والسفر. وقال في موضع آخر من الكتاب (٥): فإن كان إنما يصح أياماً، قال: فبعدد الأيام التي صح يجب عليه الطعام (٦). وقد حكى أبو عمران عن أشهب: من عليه قضاء رمضان فمرض حتى دخل عليه رمضان (٧) فإنه لا يخرجه من الإطعام اتصال المرض. فانظر إن كان هذا المرض بعد صحة تقدمت فهو على ما ذكرناه، وإن كان لم يزل مريضا من رمضان الأول فهو خلاف. وعلى ما ذهب إليه الأكثر إنما يجب عليه الطعام (٨) إذا كانت هذه الصحة بعدد أيامه من آخر شعبان. وقوله: "إذا أوصى بها أخرجت من الثلث مبدأة"، ذلك عندي على ما تقدم لتفريطه في الصيام مدة صحته، وأنه يرجو سقوطها عنه إذا صح قبل رمضان؛ إذ لا يجب على المفرط إلا بحلول رمضان، ولو كان موته بأثر تمام شعبان لكان على مذهبه في الزكاة التي لم يفرط فيها أن تخرج من رأس ماله، ويدخل فيها الخلاف في لزوم إخراجها إذا لم يوص بها. وعلى

стр. 578

ما قاله محمَّد فيمن وجبت عليه كفارة العمد في رمضان فمات ولم يفرط أنها تخرج من ماله، ولا فرق بين/ [ز ٥٧] الكفارتين. وفي "كتاب أبي الفرج" لمالك إطعام رمضان في ثلثه وإن لم يوص به (١). وأما إن صام بعد خروج رمضان الثاني ولم يكفر أو لم يصم متصلاً فهذا مفرط، وصيته بها من الثلث. وقد اعترض القابسي على جواب ابن القاسم وقال: كيف يكون إذا مات مفرطاً وقد أذن له في التأخير، وهل هو إلا كمن مات آخر وقت الظهر؟ وقال ابن محرز: إنما رأى ابن القاسم عليه الإطعام استحباباً لما ذهب إليه غير واحد من السلف فيمن لا يطيق الصوم لكبر أنه يطعم، وحمل ذلك على ما قدمناه من أحد التأويلين وأنه مفرط بترك المبادرة. وقوله (٢) في صيام المرضع: "إن كانت تقدر على أن تستأجر له، أو له مال يستأجر له به فلتصم"، معنى المسألة فيمن لا أب له أو له أب معسر ولا مال للصبي، وإن كان بعض الشيوخ (٣) تردد فيمن له أب ولا وجه لتردده. يستدل من قوله هذا على أن عليها أن تسترضع له في الحولين إذا لم يكن لها لبن. وهو قول مالك في غير "المدونة" وقول إسماعيل القاضي وغيره، قال إسماعيل: وذلك من باب الإعانة (٤). قال أبو عمران: وهو قولهم/ [خ ٨٧] كلهم. وقال القاضي أبو محمَّد بن نصر: لا يلزمها رضاعه؛ هو من فقراء المسلمين إلا ألا يقبل غيرها (٥). وإلى هذا نحا التونسي، كالنفقة إذا كان فقيراً لم يلزم ذلك. قالوا: ولا فرق بين الرضاع والنفقة، وذلك على جماعة المسلمين كغيره من الفقراء. قال أبو إسحاق التونسي:

стр. 579

بعين (١) اللبن خاصة، فإذا لم يوجد فلا تبر في ذلك (٢) ذمتها. وأما في مسألتنا فالأشبه عنده (٣) أن يستأجر له, لأن لبنها حاضر وهي ممسكة له لما خشيته من الضرر. وقال أبو عمران في رواية ابن وهب في الحامل (٤): "تطعم": لا يوجد هذا لمالك، وإنما نقلها سحنون من "موطأ ابن وهب" بالتأويل (٥). وفي مسألة من نذر ذا الحجة (٦)، وقع في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله بعد قول ابن القاسم وروايته عن مالك: وقال أشهب: يستحب قضاؤها (٧)، يعني (٨) اليومين بعد يوم النحر، وليس ذلك عليه بواجب. وقال أيضاً: لا قضاء عليه, لأنه نذر معصية. كذا كان عنده، وحَوَّق عليه ولم يروه (٩). وقول أشهب الآخر صحيح في "مدونته" (١٠) إنه لا يصومها وإن

стр. 580

نذرها (١) ولم يستثن منها يوماً. وقال ابن كنانة (٢) في "المبسوطة" (٣): يصوم أيام التشريق من نذر صيام سنة معينة. وفي كتاب أبي الفرج مثله (٤). وهي رواية ابن أبي أويس عن مالك. وعند أبي المصعب (٥): "لا يصومها سوى المتمتع، إلا من عليه صيام ظهار أو قتل". ونحوه لمالك في "المدنية" (٦) و"المبسوطة" فيمن صام واجب الشهرين عليه في ذي الحجة غافلاً (٧). وفي "المختصر" نحوه (٨). وللمخزومي نحوه (٩). (وفي "الاستيعاب": روى علي (١٠) عن مالك: يجزئ المتظاهر (١١) ابتداء صيام ذي الحجة، ويقضي يوم النحر وحده) (١٢). ومثله في

стр. 581

"المدونة" (١) لسعيد بن المسيب في امرأة نذرت أن تصوم سنة، قال: تصوم ثلاثة عشر شهراً ويومين في السنة؛ الفطر والأضحى، فهذا يدل على أنها تصوم ما عدا يوم النحر والفطر من أيام التشريق، وإن كان القابسي قد تأول فيها تأويلاً يبعد. وقال ابن أبي زمنين: قوله: في الفطر والأضحى، على خلاف ما أعلمتك من قول مالك. وفي كتاب ابن حبيب عن سعيد في هذه المسألة: تقضي أيام الفطر وأيام الأضحى وما أفطرته لمرض أو حيض، فهذا وفاق لما في الكتاب. ومذهب ابن القاسم ألا يصم (٢) ابتداء فيها صوم تتابع، ولا يعذر فيها أحد بجهل (٣)، ويبتدئ الصيام من/ [ز ٥٨] فعل ذلك إلا أن يكون ابتدأه في شوال فقطع به مرض حبسه حتى فجأته (٤)، فيعذر هذا ويصل بصومه قضاء أيام النحر الثلاث (٥). وفي كتاب الظهار عذره مالك بالجهل، فانظر ما هذا الجهل أجهل الحكم في ذلك فما هو مما يعذر به، أم جهل العدد والغفلة عن (٦) أن هذا الشهر فيه ما لا يجوز صومه؟ فهذا مما ربما عذر فيه. وقد ذكر اللخمي الخلاف في هذا كله (٧). والأولى عندي حمل الجهل هنا بالغفلة (٨) كما قال في "المدنية" و"المبسوطة"، وأنه جهل ذكر أن فيه أياماً (٩) لا يحل صومها أو جهل ذلك وظن أنه يجوز له صومهما فصامهما (١٠). وإلى هذا ذهب ابن شبلون. وأما

стр. 582

جهل حكم الظهار وظنه أنه يجوز فيه التفرقة فقلما يجد أحد العذر (١) بمثل هذا في أصولنا. ومذهب الكتاب (٢) وكتاب ابن حبيب (٣) صيام يوم الرابع منها لمن نذره أو نذر صوم ذي الحجة أو سنة بعينها أو الدهر، وأجاز ذلك إذا فعله في كفارة اليمين (٤). وأما المتمتع فلا خلاف في جواز صيامه لجميعها إلا/ [خ ٨٨] يوم النحر. وهل يدخل هذا الخلاف في قضاء رمضان من السنة المعينة؟ فيه بين الشيوخ اختلاف، والأشبه عندي - على ظاهر "المدونة" - ألا يقضي, لأنه حصل فيه صوم، ولأنه إنما علل في الكتاب (٥) في الأيام المذكورة بأنه لا يصلح الصوم فيها. وقوله (٦) في مثله (٧) من نذر صيام شهر بعينه: "لا يقضي ما مرض منه"، إلى آخر المسألة، ثم قال: "وروى ابن وهب أن عليه قضاءه (٨) في شهر آخر. وقال المخزومي: لا يقضي إذا كان الله هو الذي غلبه بمرض، وإن تركه ناسياً فعليه القضاء. وقال مالك: إن ترك اليوم الذي نذر ناسياً فعليه القضاء. وقال أشهب: إذا كان الله الذي غلبه بمرض فلا قضاء عليه". هذه الروايات كلها ثابتة في الأصول (٩). وهي عند ابن عتاب من رواية ابن

стр. 583

وضاح. وكلها موافقة لرواية ابن القاسم إلا رواية ابن وهب. وقد تكررت رواية ابن وهب بعدها أيضاً لابن وضاح. وهي صحيحة في "المبسوط" (١) لمالك. وعبد الملك يرى إن كان نذره لرجاء فضل بركة ذلك اليوم فلا قضاء عليه (٢). وقوله (٣) فيمن نذر سنة غير معينة: يصوم اثني عشر شهراً ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام الذبح (٤)، ولم يذكر اليوم الرابع وهو مما لا يصومه من لم يعينه. وقد استدل بعضهم على جواز وقوع صومه ممن صامه لما لزمه كما قال في كفارة اليمين. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: في "المدونة" ما يدل على أنه يصوم (٥) في هذه المسألة اليوم الرابع، وأراه أراد هذا الموضع. ووقع في "المختصر" مكان هذا اللفظ: "ولا أيام منى" (٦)، وهو بين على الأصل، ولا يشعر هذا بخلاف لما في الكتاب، لكنه لما كان اليوم الرابع متصلاً بأيام الذبح وله حكمه في الرمي والتكبير وكراهة الصوم وغير حكم انطلق عليه اسمها، كما سمي جميعها أيام التشريق من صلاة العيد حين شروق الشمس أول يوم منها، على من جعل يوم النحر منها, وليس فيها هي تشريق. ويعضد تأويلنا هذا أن ابن حبيب ذكر المسألة فقال: ولا يحسب فيها رمضان ولا ما أفطر فيها (٧) لمرض ولا

стр. 584

يوم الفطر ولا أيام الأضحى الأربعة (١). فانظر كيف أطلق عليها كلها ذلك وعين فيها اليوم الرابع وليس من أيام الأضحى عندنا، ليس إلا على ما تأولناه. أو يكون هذا التفاتاً إلى من عد اليوم الرابع من أيام الأضحى وأجاز ذلك فيه من العلماء. فيرجع ما في الكتاب وفي "المختصر" و"الواضحة" إلى معنى واحد إن شاء الله (٢). وقوله (٣) في المسألة: "ويجعل الشهر الذي يفطر فيه ثلاثين يوماً"، قال أبو سعيد بن أخي هشام: / [ز ٥٩]. لعل جوابه هنا فيمن ابتدأ السنة (٤) على غير الهلال. وقال أبو محمَّد (٥): "في قوله هذا في الكتاب نظر، ولو كان الفطر في أول الشهر كان بيناً". وفي كتاب ابن حبيب (٦) فيمن بدأ شهراً بغير (٧) الهلال فلا بد من إتمام ثلاثين يوماً، قال: وكذلك إذا قطعه إذا لم ينوه (٨) متتابعاً، وقاله عبد الملك (٩). ولسحنون (١٠) وابن عبد الحكم (١١): ما أفطر فيه ما صامه (١٢)

стр. 585

على الأهلة فإنما يقضي منه عدد ما أفطر. وكذلك يأتي على قول محمَّد بن عبد الحكم فيمن أفطر من أوله. وقوله في التي نذرت صيام يوم حيضتها: "قال: لا تقضيها" (١)، وهذا على/ [خ ٨٩] أصله, لأنها نذرت معصية. ويتخرج من هذا إذا نذرت صيام يوم الفطر والنحر أنه لا قضاء عليها فيها (٢)؛ لأنها نذرت معصية. ووقع له في "المبسوط": إذا نذرها وهو يعلم بها عليه القضاء، وإن لم يعلم بها فلا قضاء عليه واستدل على قوله بمسألة ناذر ذي الحجة أن عليه قضاء أيام الذبح، "إلا أن ينوي ألا قضاء لها" (٣). وقوله (٤) في مسألة الكافر يسلم نهاراً في رمضان: "أحب إلي أن يقضيه، ولست أرى قضاءه واجباً"، ونحوه في "الموطأ" (٥). وروى ابن نافع عن مالك في "المدنية" استحباب إمساك بقية النهار (٦)، وقاله ابن حبيب وعبد الملك (٧)، وحكى أبو عمران عن ابن القاسم مثله (٨)، وقاله أشهب (٩)،

стр. 586

وهو قول ابن خويز منداد (١) من العراقيين. وخرج الباجي (٢) القولين على الاختلاف في مخاطبة الكفار بفروع الشرائع. قال القاضي ﵁: وهذا تخريج بعيد، لو كان هذا لما اختص اليوم الذي أسلم فيه مما قبله، ولا فرق بينه وبين ما سبقه؛ إذ قد فات صومه شرعاً، كما فات ما قبله وجوداً وحساً. ولو كان على ما قال لكان القضاء والإمساك واجباً على أحد القولين بخطابهم، ولم يقل بوجوب ذلك أحد من شيوخنا. وإنما استَحب له عندي هنا الإمساك من استحبه منهم ليظهر عليه صفات المسلمين في ذلك اليوم، ويبتدئ إسلامه بالتزام ما التزموه من الصوم تأسياً بهم واهتداء بهديهم وقمعاً لشهوته (٣) ومخالفة (٤) لعادته لأول وهلة. وكذلك استحب له القضاء لما أدرك بعضه ولم يكمل له صومه من غير إيجاب. وأما تخريج أبي الحسن اللخمي (٥) ترك القضاء على القول بترك الإمساك، واستحبابه على القول باستحباب الإمساك فلا يطرد؛ إذ الحائض ممنوعة من الإمساك والقضاءُ واجب عليها (٦). والناسي في المرض (٧) مأمور

стр. 587

بالإمساك، وعليه القضاء (١). والمغمى (٢) والمحتلم (٣) لا يمسك (٤) ولا قضاء. والناسي لصومه - يفطر في التطوع - مأمور بالإمساك ولا قضاء، فلا ملازمة لأحدهما الآخر. ومسألة (٥) الحالف بصوم (يوم) (٦) يقدم فلان فقدم نهاراً وقول ابن القاسم: لا قضاء عليه، وقال غيره: يقضي ذلك اليوم. هذا الخلاف ثابت في رواية شيوخي من رواية يحيى بن عمر وابن وضاح (٧). وقال في ناذرة الإثنين والخميس ما عاشت، تحيضهن (٨) أو تمرض: لا قضاء عليها. وقال ابن وهب في ناذر ذلك فيمرض أو يمرَّا (٩) به يوم فطر أو أضحى: يقضى بذلك. ثبتت رواية ابن وهب لابن وضاح في كتاب ابن عتاب ولم تكن عند ابن عيسى (١٠). وقد ذكرنا المسألة قبل. ووقعت في كتاب الصوم - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب الرهون من "المختلطة" فيمن نذر شهراً متتابعاً أنه يكتفي بتبييت أول ليلة

стр. 588

منه. وكانت هذه المسألة في كتاب ابن عتاب بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة/ [ز ٦٠] إبراهيم بن باز من كتاب الرهون (١). وبها استدلوا أن مذهبه في الكتاب جواز التبييت لأول ليلة من رمضان عن بقيته. وهو قوله أيضاً في سائر الأمهات؛ "الواضحة" (٢) وكتاب محمَّد بن عبد الحكم (٣) وغيرهما، وإن كان ابن عبد الحكم قد قال: (وقد قال) (٤) أيضاً: "لا صيام لمن لم يبيت (٥)، / [خ ٩٠] قال ابن عبد الحكم: وهذا الذي هو موافق للسنة أحب إلينا" (٦). وظاهره خلاف الأول وتعيينُ التبييت لكل ليلة كما قال الشافعي. ووقعت أيضاً بعدها مسألة في بعض النسخ الأندلسية - وسقطت من القروية - (٧) وهو (٨) قوله: ولقد سئل مالك عن رجل شأنه صوم الإثنين والخميس فيأتيه وهو لا يعلم حتى يطلع عليه الفجر: أيجزئه صيامه؟: فقال نعم لأنه قد كان على بيات من صومه هذا قبل ليلته. والمسألة صحيحة لمالك في كتاب ابن حبيب (٩). ومثله عنده فيمن شأنه سرد الصوم (١٠)، ومثله في "المبسوط" (١١). زاد في كتاب ابن حبيب: ولو لم يشعر حتى مر به ذلك اليوم وهو قد أكل أو شرب فليكف ويمضي على صومه ولا شيء

стр. 589

عليه (١) كمن أكل ناسياً في التطوع، وكذلك ذكر (٢) في يوم عاشوراء. وفي "العتبية" (٣) لابن القاسم مثله فيمن نذر يوماً (٤) بعينه أن تبييته (٥) لأول يوم (٦) يجزئه. وقد غمزها الأبهري وقال: لعلها استحسان (٧). وقد حكى ابن وضاح أن أصبغ أجاز ذلك لمن نوى أن يقضي صوماً عليه من رمضان يوم كذا فنسيه حتى أصبح ذلك اليوم فذكره، قال (٨): يجزيه عن قضاء يومه من رمضان. وحكى (٩) مثله عن سعيد بن إسحاق (١٠) وغيره من كبار أصحاب

стр. 590

سحنون. وحكى عن سحنون (١) وسعيد بن الحداد (٢) أنه لا يجزئه (٣). وقوله (٤) في الكفارة: لا نعرف (٥) غير الطعام ولا نأخذ بالعتق ولا بالصيام. وقوله في كتاب الظهار (٦): "وما للعتق وما له؟ "، تأوله بعض المتأخرين أن مالكاً لا يرى غير الطعام على ظاهر لفظه. وهذا ما لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق إجماع لم يقل به أحد. قال القاضي أبو محمَّد (٧): ولم يختلف العلماء أن الثلاثة أشياء كفارات في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على التخيير أو الترتيب؟ (٨). قال القاضي ﵁: والذي حمله عليه أصحاب مالك المتقدمون مطرف وابن الماجشون (٩) وابن حبيب استحسان الطعام وتقديمه على غيره؛ لأنه الذي قضى به النبي ﵇ في الحديث (١٠)

стр. 591

وللاستئناس بالقرآن بذكر الإطعام (١) لمفطر رمضان، على اختلاف العلماء في معنى الآية وحكمها (٢)، ولعموم نفع الطعام. قال ابن حبيب: كان مالك يستحب التكفير بالإطعام، أخبرني بذلك عنه مطرف وعبد الملك (٣)، وكانا يفتيان به. وقدم المغيرة العتق (٤). وروى ابن وهب وابن أبي أويس عنه أنه موسع (٥) في الثلاثة يفعل أيها شاء. وهو قول أشهب (٦). وذهب ابن حبيب (٧) إلى أنها على الترتيب دون التخيير، وقال: "أنا آخذ بالحديث الذي لم يأت فيه تخيير، لكن بالترتيب كالظهار". وهذا قول المخالف. وقال أبو مصعب (٨): إن أفطر بجماع أعتق أو صام، وإن أفطر بغيره كفر بالطعام. وإياس بن جارية (٩)، بالجيم والياء باثنين (١٠) تحتها.

стр. 592

وابن لهيعة (١) عن أبي صخر (٢)، كنية (٣) بغير هاء. ووقع فيه عند ابن عيسى: ابن وهب (٤) ابن وهب (٥) عن الليث بن سعد: حديث المجامع في رمضان. وعند ابن عتاب وابن المرابط: أشهب عن الليث (٦). وقوله: عرق فيه طعام، رويناه بفتح الراء وإسكانها، وصححه بعضهم، والفتح أصح وأوجه (٧)، والعرق: الزنبيل. وكذا وقع مفسراً في الحديث في كتاب مسلم (٨)، وهو جمع/ [خ ٩١] عرقة (٩) وهي السفيفة (١٠). من الخوص (١١)، تجمع ويخاط منه/ [ز ٦١] المكاتل والزنابيل (١٢)، وهي

стр. 593

القفف (١). ومقدار هذا العرق خمسة عشر صاعاً إلى عشرين، كذا فسره ابن المسيب في "الموطأ" (٢)، وذكره ابن حبيب عن مالك (٣). وقد رواه أبو هريرة في الحديث بخمسة (٤) عشر صاعاً (٥)، وقالت عائشة فيه: عشرون صاعاً، وكلها متقاربة. والنَّذْر والنُّذْر (٦)، بالفتح والضم وسكون الذال المعجمة. وانظر قول اشهب (٧) في الذي يصبح في رمضان ينوي الفطر متعمداً وترك الأكل وأتم صيامه: إنه لا كفارة عليه، فقد اختلف في تأويل قوله ولم يختلف في تأويل قول ابن القاسم في المسألة الأولى (٨) التي أوجب فيها مالك الكفارة أنه نوى الفطر قبل الفجر، ولا في الثانية أنه نواه بعد الفجر (٩). وأن المسألة الثالثة (١٠) آخر الكتاب (١١) بمعنى الأولى. واختلف فيها قول أشهب في الموضعين من الكتاب، فقيل (١٢): إنه لا يرى عليه الكفارة، بيت الفطر أو لم يبيته؛ لأنه لم ينتهك حرمة الشهر لفعل ولا أفطر فيه إلا بالنية. وقيل (١٣): لعلة (١٤) إنما أراد لمن بيت الصوم ونوى الفطر في نهاره،

стр. 594

فقد صح له الصوم ولا يرتفض بالنية على أحد القولين. والأظهر من قول أشهب ما تقدم وأنه خلاف ابن القاسم وروايته. وقد حكى أبو الفرج فيمن أصبح ينوي الفطر عن مالك في الكفارة قولين؛ وجوبها وسقوطها. وقول ابن القاسم بعدها (١) في الذي نوى الفطر في نهاره: عليه القضاء وأحب أن يكفر (٢)، حجة في رفض الصوم بالنية. وقول سحنون (٣): لا كفارة عليه وعليه القضاء استحباباً، التفات (٤) إلى أنه لا يرتفض عنده. وهو الذي في كتاب ابن حبيب، قال: لا شيء عليه (٥). مسألة (٦) من صام رمضان عن رمضان آخر يجزئه وعليه قضاء الرمضان الآخر، ضبطناه عن شيوخنا (٧) بفتح الخاء وكسرها. وفي كتاب ابن عتاب: الفتح لابن وضاح. وحكى أحمد بن خالد فيه الوجهين وقال: لم يوقَف فيه ابن وضاح على شيء. وقال يحيى بن عمر: لم يوقَف (٨) فيه سحنون على شيء. وقال ابن لبابة: رواه عنه قوم بالنصب. ورواه حماس (٩)

стр. 595

عنه بالخفض (١) وغيرُه. واختلف على هذه الراوون والمختصرون والمتأولون: فحكى إسماعيل القاضي (٢) وأبو الفرج (٣) وغيرهما أن مذهب ابن القاسم: يجزئه عن رمضانه هذا ويقضي الأول. وإلى هذا نحا أبو محمَّد بن أبي زيد (٤) وابن شبلون. وعليه اختصر ابن أبي زمنين. وإياه رجح غيرهم من القرويين في تأويل لفظ "المدونة" لاحتجاجه بقول بعض أهل العلم (٥)، وهو قول المغيرة (٦) وأشهب وعبد الملك بإجزاء حجة النذر. وحجتهم أن هذا الشهر مستحق العين للصوم، فكان صومه له أولى من غيره، كما تعين النذر في الحج بالدخول فيه والفرض على التراخي كقضاء الفائت. وذهب الفضل بن سلمة والقاضي علي بن جعفر التلباني (٧) أن مذهب ابن القاسم إجزاؤه عن الأول ويقضي الآخر. وهو مذهب سحنون في تأويل المسألة (٨). وهو لابن القاسم في "العتبية" نصاً (٩)، وقاله أيضاً أشهب (١٠)، واختصره

стр. 596

عليه جماعة. وحجتهم أنه الذي نوى، وإنما الأعمال بالنيات. وقال (١) ابن القاسم (أيضاً) (٢) في "المبسوط" و"العتبية"، ورواه ابن القاسم عن مالك في "المبسوطة" (٣)، ورواه علي (٤) أيضاً عن مالك، وروي عن سحنون (٥) أيضاً وأشهب (٦) / [خ ٩٢] وأصبغ (٧) وابن/ [ز ٦٢] حبيب (٨) أنه لا يجزئه عن واحد منهما. وترجح فيها أبو عمران وقال: إما أن يجزئه عن الذي نوى أو لا يجزئه عن واحد منهما. وهذا أصح الوجوه في النظر على أصل مذهب مالك (٩). والحجة لهذا أن هذا الذي هو فيه لم ينوه فلا يجزئه عنه، ونوى الأول في وقت صومه (١٠) مستحق فلا يصح فيه صوم غيره. وقيل: الخلاف في ذلك أيضاً مبني على الخلاف في تعيين رمضان لسنته هل يلزم أم لا؟ وعليه اختلف في مسألة الأسير (١١). وما ذكرناه أولى وأظهر. وقوله (١٢): الشأن في رمضان الصلاة وليس القصص والدعاء. قيل:

стр. 597

هو إشارة إلى إنكاره ما جاء في الحديث: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان (١). وقد يحتمل أن يكون على وجهه، وهو معنى قوله في "المدونة" (٢): "لا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان ولا غيره ولا في الوتر أصلاً". وروى ابن وهب (٣) عنه استحباب ذلك في النصف الآخر من رمضان. ونحوه في رواية السبائي (٤) عنه، وفي المبسوط" مثله. وقوله: "الذي كان عليه الناس الطرد (٥)؛ يقرأ الرجل خلف الإِمام". ثبتت هذه اللفظة لابن لبابة، وطرحها ابن وضاح ولم يعرفها. ولم تكن في كتب شيوخنا (٦). ومعناه ما فسره بعد من اتصال قراءة بعضهم لبعض (٧). وقوله (٨): "ليس ختم القرآن بسنة"، أي ليس لها حكم السنن, ولم يرد أنها بدعة، وتمام كلام ربيعة يبينه (٩)، لكنه مما يستحب ويرغب (١٠) فيه، وقراءة الطرد تدل عليه، ولا يجتمع فيه لغير الصلاة كما مضى عليه

стр. 598

السلف، ألا تراه كيف قال: "الشأن في رمضان الصلاة"، فأخبر عما كان عليه [أمر] (١) الناس. وقد روى (٢) محمَّد بن يحيى السبائي (٣) عن مالك في تفسير معنى قوله: لعن الكفرة في رمضان، أنه القنوت الذي كان يقنت في رفع الرأس من الركوع من ركعة الوتر في النصف الآخر منه، وأن الإِمام كان يدعو على الكفرة ويستنصر للمسلمين ويجهر بذلك كما يجهر بالقراءة. ونحوه لابن حبيب؛ قال: وينصت من وراءه ويؤمنون (٤). وقوله (٥) في قيام رمضان: "الذي كان يقومه الناس بالمدينة تسع وثلاثون ركعة يوترون منها بثلاث"، خرج منه بعض الشيوخ قولاً لمالك أن الوتر ثلاث (٦) كما يقول أبو حنيفة (٧). وليس في هذا دليل له, لأن مالكاً لم يقله من قبل نفسه ولا قال: إني أفعله فيلزم ذلك مذهبه، وإنما أخبر عما كان يفعل الأمراء من الوتر. وإنما أمر الأميرَ في "المدونة" (٨) ألا ينقص من عدد القيام، وقال له: "هذا الذي أدركت الناس عليه" وهو الذي سأله عنه الأمير، ولم يتعرض للوتر جملة، بل قد أخبر أن صلاتهم فيها مخالفة لمذهبه، وأنهم كانوا لا يسلمون من الشفع قبلها, ولذلك قال: فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أصل معهم.

стр. 599

فكيف يلزم شيئاً ينص على أنه لا يراه ولا يفعله؟ وقد اختلف في معنى ما وقع في الآثار (١) من قيام عمر وغيره من قولهم: يوترون منها بثلاث، على مذهب من يرى الوتر واحدة من المالكيين والشافعيين، لا سيما بعد التنفل وقيام رمضان؛ فقيل: لعل هذا فعلوه للخلاف في مسألة الوتر، وليوتى (٢) بالأكمل. وقيل: لعله لمن ينصرف إلى منزله فيشفع قبل وتره. والأصح في هذا كله/ [خ ٩٣] أن السلف كانوا يوترون بواحدة وبثلاث. وفي "صحيح البخاري" (٣): "قال القاسم (٤): رأينا/ [ز ٦٣] أناساً منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلاًّ لواسع". وذكر ابن حبيب أن سبب ترك الفصل والسلام منها أن الأمراء رأوا نقصان (٥) الناس عند تمام كل شفع فحرسوا (٦) عليهم وترهم بأن وصلوه بآخر شفع لئلا ينقص (٧) من حضره فيفوتهم. وذكر يحيى بن إسحاق في كتابه عن ابن نافع: لا بأس أن يوتر الرجل بركعة واحدة ليس قبلها شيء، فإن أوتر وصلى شفعاً قبل وتره فلا أرى أن يسلم منه ولا يفصله وليُصَلِّه ثلاث ركعات لا يسلم (٨) بينهن، قال: وكذلك جاء عن الأئمة من أهل العلم وفعله عمر بن عبد العزيز في إمرته على المدينة والسبعةُ الفقهاء بها (٩).

стр. 600

قال القاضي ﵁: وقد امتثله محمَّد بن إسحاق بن السليم (١) أيام قضائه بقرطبة وتوليته (٢) صلاتها. والمعروف من مذهب مالك الفصل في ذلك على ما تقرر في أمهاتنا. قال عيسى (٣): وهي السنة. وقول مالك (٤) في صلاة الرجل في بيته في القيام في رمضان أحب إليه، وإنه الذي رأى عليه من عدَّدَ من العلماء (٥) يفعل، وإنه الذي يفعل هو. ثم قال آخر الكتاب (٦): "وقد كنت أصلي معهم مرة، فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم". والوتر معهم إنما كان حيث يصلون القيام في جماعة بعد ذلك. فدل كلامه هذا أنه كان يقوم معهم وأنه اختلف فعله
следующие страницы →