← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

عليه جماعة. وحجتهم أنه الذي نوى، وإنما الأعمال بالنيات. وقال (١) ابن القاسم (أيضاً) (٢) في "المبسوط" و"العتبية"، ورواه ابن القاسم عن مالك في "المبسوطة" (٣)، ورواه علي (٤) أيضاً عن مالك، وروي عن سحنون (٥) أيضاً وأشهب (٦) / [خ ٩٢] وأصبغ (٧) وابن/ [ز ٦٢] حبيب (٨) أنه لا يجزئه عن واحد منهما. وترجح فيها أبو عمران وقال: إما أن يجزئه عن الذي نوى أو لا يجزئه عن واحد منهما. وهذا أصح الوجوه في النظر على أصل مذهب مالك (٩). والحجة لهذا أن هذا الذي هو فيه لم ينوه فلا يجزئه عنه، ونوى الأول في وقت صومه (١٠) مستحق فلا يصح فيه صوم غيره. وقيل: الخلاف في ذلك أيضاً مبني على الخلاف في تعيين رمضان لسنته هل يلزم أم لا؟ وعليه اختلف في مسألة الأسير (١١). وما ذكرناه أولى وأظهر. وقوله (١٢): الشأن في رمضان الصلاة وليس القصص والدعاء. قيل:

стр. 597

هو إشارة إلى إنكاره ما جاء في الحديث: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان (١). وقد يحتمل أن يكون على وجهه، وهو معنى قوله في "المدونة" (٢): "لا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان ولا غيره ولا في الوتر أصلاً". وروى ابن وهب (٣) عنه استحباب ذلك في النصف الآخر من رمضان. ونحوه في رواية السبائي (٤) عنه، وفي المبسوط" مثله. وقوله: "الذي كان عليه الناس الطرد (٥)؛ يقرأ الرجل خلف الإِمام". ثبتت هذه اللفظة لابن لبابة، وطرحها ابن وضاح ولم يعرفها. ولم تكن في كتب شيوخنا (٦). ومعناه ما فسره بعد من اتصال قراءة بعضهم لبعض (٧). وقوله (٨): "ليس ختم القرآن بسنة"، أي ليس لها حكم السنن, ولم يرد أنها بدعة، وتمام كلام ربيعة يبينه (٩)، لكنه مما يستحب ويرغب (١٠) فيه، وقراءة الطرد تدل عليه، ولا يجتمع فيه لغير الصلاة كما مضى عليه

стр. 598

السلف، ألا تراه كيف قال: "الشأن في رمضان الصلاة"، فأخبر عما كان عليه [أمر] (١) الناس. وقد روى (٢) محمَّد بن يحيى السبائي (٣) عن مالك في تفسير معنى قوله: لعن الكفرة في رمضان، أنه القنوت الذي كان يقنت في رفع الرأس من الركوع من ركعة الوتر في النصف الآخر منه، وأن الإِمام كان يدعو على الكفرة ويستنصر للمسلمين ويجهر بذلك كما يجهر بالقراءة. ونحوه لابن حبيب؛ قال: وينصت من وراءه ويؤمنون (٤). وقوله (٥) في قيام رمضان: "الذي كان يقومه الناس بالمدينة تسع وثلاثون ركعة يوترون منها بثلاث"، خرج منه بعض الشيوخ قولاً لمالك أن الوتر ثلاث (٦) كما يقول أبو حنيفة (٧). وليس في هذا دليل له, لأن مالكاً لم يقله من قبل نفسه ولا قال: إني أفعله فيلزم ذلك مذهبه، وإنما أخبر عما كان يفعل الأمراء من الوتر. وإنما أمر الأميرَ في "المدونة" (٨) ألا ينقص من عدد القيام، وقال له: "هذا الذي أدركت الناس عليه" وهو الذي سأله عنه الأمير، ولم يتعرض للوتر جملة، بل قد أخبر أن صلاتهم فيها مخالفة لمذهبه، وأنهم كانوا لا يسلمون من الشفع قبلها, ولذلك قال: فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أصل معهم.

стр. 599

فكيف يلزم شيئاً ينص على أنه لا يراه ولا يفعله؟ وقد اختلف في معنى ما وقع في الآثار (١) من قيام عمر وغيره من قولهم: يوترون منها بثلاث، على مذهب من يرى الوتر واحدة من المالكيين والشافعيين، لا سيما بعد التنفل وقيام رمضان؛ فقيل: لعل هذا فعلوه للخلاف في مسألة الوتر، وليوتى (٢) بالأكمل. وقيل: لعله لمن ينصرف إلى منزله فيشفع قبل وتره. والأصح في هذا كله/ [خ ٩٣] أن السلف كانوا يوترون بواحدة وبثلاث. وفي "صحيح البخاري" (٣): "قال القاسم (٤): رأينا/ [ز ٦٣] أناساً منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلاًّ لواسع". وذكر ابن حبيب أن سبب ترك الفصل والسلام منها أن الأمراء رأوا نقصان (٥) الناس عند تمام كل شفع فحرسوا (٦) عليهم وترهم بأن وصلوه بآخر شفع لئلا ينقص (٧) من حضره فيفوتهم. وذكر يحيى بن إسحاق في كتابه عن ابن نافع: لا بأس أن يوتر الرجل بركعة واحدة ليس قبلها شيء، فإن أوتر وصلى شفعاً قبل وتره فلا أرى أن يسلم منه ولا يفصله وليُصَلِّه ثلاث ركعات لا يسلم (٨) بينهن، قال: وكذلك جاء عن الأئمة من أهل العلم وفعله عمر بن عبد العزيز في إمرته على المدينة والسبعةُ الفقهاء بها (٩).

стр. 600

قال القاضي ﵁: وقد امتثله محمَّد بن إسحاق بن السليم (١) أيام قضائه بقرطبة وتوليته (٢) صلاتها. والمعروف من مذهب مالك الفصل في ذلك على ما تقرر في أمهاتنا. قال عيسى (٣): وهي السنة. وقول مالك (٤) في صلاة الرجل في بيته في القيام في رمضان أحب إليه، وإنه الذي رأى عليه من عدَّدَ من العلماء (٥) يفعل، وإنه الذي يفعل هو. ثم قال آخر الكتاب (٦): "وقد كنت أصلي معهم مرة، فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم". والوتر معهم إنما كان حيث يصلون القيام في جماعة بعد ذلك. فدل كلامه هذا أنه كان يقوم معهم وأنه اختلف فعله

стр. 601

وقوله، وأن ما ذكر أولاً آخر فعلته (١) لقوله آخراً: "ولقد كنت أصلي معهم مرة" (٢)، فدل أن بعد ذلك لم يصل معهم.

стр. 602

كتاب الاعتكاف أصل هذه اللفظة اللزوم والإقامة؛ قال الله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (١) أي مقيماً ملازماً. وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٢)، أي محبوساً ملزوماً. وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)، أي: ثابتون ملازمون. وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافاً شرعياً وإقامة عبادية إلا بها. وقول مالك مستدلاً من هذه الآية على جواز الاعتكاف في سائر المساجد لقوله تعالى (٤): "فعم الله المساجد كلها" ليرد على من قال من السلف: إنها لا تصح إلا في مسجد نبي، وهو قول حذيفة (٥) وسعيد بن المسيب (٦). أو على من قال: لا تصح إلا في مساجد الجماعات، وهو قول الزهري وبعض الكوفيين (٧)، وإن كان قد روي عن مالك هذا القول

стр. 603

الآخر (١). واستقرأ شيوخنا (٢) من احتجاجه أن مذهبه القول بالعموم في مسائل أصول الفقه، وهو بين من قوله واستدلاله. وهو مذهب عامة الفقهاء من أصحابنا وغيرهم وكثيرٍ من الأصوليين، وأن لفظ الجمع المكسر من صيغ العموم، (ولا سيما إذا عرف بالألف واللام كقوله هنا: "المساجد"، وهو أجلى صيغ العموم) (٣) عند القائلين به. وذكر في مسائل أهل الأعذار الحائض (٤) وأنها تخرج، فإذا طهرت رجعت لمعتكفها لحينها. وقال في المريض الذي لا يقوى على الصوم (٥): يخرج، فإذا صح في بعض النهار وقوي على الصوم رجع ولم يؤخر لمغيب الشمس. وقال في الذي صح قبل الفطر بيوم (٦): لا يثبت يوم الفطر في معتكفه، في رواية ابن القاسم. وروى ابن نافع (٧): يخرج إلى صلاة العيد ثم يرجع إلى معتكفه. وظاهر هذا كله اختلاف كما نص في مسألة العيد؛ إذ لا/ [خ ٩٤] فرق بين المريض في يوم برئه والحائض في يوم طهرها ومن أخذه العيد/ [ز ٦٤] أثناء اعتكافه؛ إذ كل هؤلاء مفطرون: فإما أن يثبت (٨) جميعهم في المسجد ويكون عليهم حكم الاعتكاف مع فطرهم كما قال في الحائض والمريض، وهو وفق رواية ابن نافع في مسألة العيد، وتكون الحائض في حال حيضتها في حكم المعتكفة في بيتها والمريض في حال مرضه كما قال في "المجموعة" و"الواضحة": يجتنبا كل ما يجتنبه

стр. 604

المعتكف، ويلتزم كل ما يلتزمه (١) إلا الصوم ودخول المسجد الذي لا يصح من الحائض، وكذلك المريض إذا لم يقو على الصيام فيبقى في المسجد معتكفا ولا يخرج عنه إلا مع العجز عن البقاء فيه كما قاله البغداديون (٢) وابن شعبان (٣)، ويفعل في مرضه ما يقدر عليه من لوازم عكوفه. أو لا يكون على أحد من هؤلاء حكم العكوف في شيء متي لم يمكنهم الصيام لمرض أو حيض أو طرو يوم العيد، فلا يثبت أحد منهم في معتكفه إلا مع كونه صائماً أو ليلة تبييته الصيام؛ إذ لا يصح اعتكاف إلا بصوم كما نص عليه في رواية ابن القاسم في مسألة العيد (٤). وتكون الحائض مدة حيضها غير ملتزمة لشيء من الاعتكاف حاشا مباشرة الرجل (٥) كما نص عليه في "المستخرجة" (٦)، وكذلك المريض إذا لم يقو على الصيام كما نص عليه في "المجموعة" (٧)؛ يخرج ولا يقيم في المسجد. وهو أيضاً ظاهر من "المدونة" في المريض، وبين من مسألة صاحب العيد؛ لأنه جعله لا يثبت في المسجد وليس له مانع إلا عدم شرط الصوم. وعلى هذا من تنزيل القولين في كل وجه فسر المسألة بعض مشايخنا (٨). وذهب بعضهم إلى أن المسألتين مفترقتان؛ إذ

стр. 605

المريض والحائض خرجا لعذر، والذي أدركه العيد هو منهي عن صوم ذلك اليوم، فلو لبث في معتكفه لتوهم عليه الصوم. وهذا فرق ضعيف. وقوله في الآكل يوماً من اعتكافه ناسياً: "يقضي يوماً مكانه ويصله" (١)، ظاهره كان نذراً أو تطوعاً، وهو قول عبد الملك في "المبسوط" (٢)، وعليه حمله بعضهم، فيكون هذا خلاف الصوم التطوع؛ لا قضاء على الآكل فيه ناسياً. وقد ذهب بعضهم إلى أن معنى المسألة في النذر المعين على مذهب ابن القاسم وعلى ما نص عليه ابن حبيب (٣)، وحكي عن عبد الملك أيضاً (٤). وأن النسيان في الصوم والاعتكاف سواء لا قضاء فيه وهو أصح. وقوله في المجامع ناسياً ليلاً أو نهاراً في اعتكافه: يفسد اعتكافه (٥)، "وهو مثل الظهار إذا وطئ فيه"، يعني المظاهَر منها، وأما غيرها فلا يمنع من وطئها ليلاً في شهري صيامه. وكذلك سائر ضروب الاستمتاع بالنساء على وجه العمد والنسيان يفسد الاعتكاف ليلاً ونهاراً، (وهو) (٦) ظاهر "المدونة" (٧) ونص في غيرها (٨)، ولا يختلف فيه. وكذلك وطء المكرهة والنائمة المعتكفة، وأما تقبيلها واللمم بها مكرهة فيجب أن يراعى وجود اللذة منها، وإلا فلا شيء عليها، كما لو قبل

стр. 606

المعتكف أو لمس لوداع أو لغير لذة مما لم (١) يقصد به استمتاعاً ولم يجد لذة. وقوله في المعتكف يسكر ليلاً (٢): يفسد اعتكافه، وذهب (٣) بعضهم (٤) إلى أنه من مسكر. وحمل/ [خ ٩٥]، البغداديون (٥) على هذا كل معصية كبيرة تكون منه أنها مفسدة لعكوفه، وهو في "المدونة" بين باحتجاجه على المسألة بقول ابن شهاب فيمن أصاب ذنباً أن ذلك يقطع اعتكافه (٦). وذهب بعض الشيوخ (٧) / [ز ٦٥] إلى أن معنى المسألة تعطيل عمل الاعتكاف بالسكر إلى طلوع الفجر، فلو شرب كل ما يعلم أنه يعتريه ذلك منه لأفسد به اعتكافه. وليس في الكتاب ما يدل على هذا لأنه لم يقل: إنه سكر أول الليل، إنما قال: سكر ليلاً ثم ذهب ذلك منه قبل الفجر، فتحرز بهذا اللفظ وبين أن نيته في اعتقاد الصوم صحت، إذ السكر كالإغماء الذي لا يصح معه الصوم إذا كان قبل الفجر، مع أن استشهاده على المسألة بقول ابن شهاب (٨) يدل أن فساد اعتكافه لارتكابه الكبيرة، وكذلك يكون حكمه لو لم يسكر منه. وقوله (٩): "لا يعجبني أن يصلِي على الجنائز وإن كان في المسجد"،

стр. 607

كذا في أصول شيوخنا، وفي بعض الروايات: "وإن كانت". فيه جواز إدخالها المسجد. وقد نبهنا عليها في الجنائز. وعلى هذه الرواية اختصرها ابن أبي زمنين. وظاهر "المدونة" (١) جواز الأذان للمعتكف، ولأنه إنما ذكر اختلاف قوله في صعود المنار وكذلك ظهر المسجد. ولم يذكر كراهة الأذان له أثناء ذلك، لأن الأذان إنما هو ذكر ومن نوع ما هو فيه، إلا أن يكون هو مؤذن المسجد الذي يرصد الأوقات أو يكون أذانه في غير موضع معتكفه من رحاب المسجد فيخرج إلى باب المسجد للأذان، فهذا عمل يكره له كما تكره له الإقامة والمشي مع الإمام. وفي "العتبية" (٢) كراهة الأذان للمعتكف. وفي "كتاب فضل": اختلف قول مالك في أذان المعتكف وصعود (٣) المنار. وهذا يشعر بالخلاف كله في مجرد الأذان. وقد اعترض فضل على كراهة الأذان بإجازة الإمامة، ولعل مطرف (٤) الذي أجازها يجيز الأذان أيضاً. وقد حكى ابن وضاح عن سحنون (٥) أنه لم يجز للمعتكف الإقامة (٦) في الفرض ولا في النفل ثم قال: إن كان لا يمشي مع المؤذنين فلا بأس. فهذا مما يبين أن الإمامة والأذان عندهم سواء، وأن الخلاف فيهما معاً موجود.

стр. 608

وقوله (١): "من أذِن لعبده أو لأمته في الاعتكاف". كذا في أصل شيخينا (٢). وفي حاشية ابن عيسى رواية أخرى: "أو لامرأته" مكان "أو لأمته" (٣)، وأن سحنون قال: كلاهما سواء، أو كلاهما صحيح المعنى. لكن مسائله التي أتت بعد تدل أنها الأمة؛ وقال: إذا منعه سيده ثم عتق قضى (٤) وقال في الأمة الناذرة المشي أو الصدقة (٥): "لسيدها أن يمنعها، فإن عتقت كان عليها أن تفعل ما نذرت". وفي كتاب العتق في الحالفة بصدقة مالها: إن عليها في حنثها إخراج ثلثها، قال ابن القاسم: إذا رد السيد ذلك بعد حنثها لم يلزمها ذلك. ذهب بعض الأندلسيين (٦) إلى أنه اختلاف من القول. وذهب القرويون إلى أنه وفاق، وأن مسألة العتق في مال معين، وهذه في غير معين. ويدل على هذا قول مالك فيها: "وذلك إذا كان مالها في يديها الذي حلفت عليه" (٧). وكذلك قال سحنون (٨) في مسألة العبد: إن ذلك إذا كان نذر اعتكافه في غير معين، ولو كان معيناً فمنعه سيده لم يلزمه قضاء. وقيل (٩): معنى مسألة العتق/ [خ ٩٦] رد صدقتها، وهذه منعها من التنفيذ ولم يرُدَّ. وقيل: مسألة الاعتكاف تمت عند قوله: لسيدها أن يمنعها، ثم جاء بسؤال آخر إذا فعلت ذلك ولم يردَّه السيد ولا أنفذته في مدة رقها حتى (١٠)

стр. 609

عتقت،/ [ز ٦٦] فأجاب أن ذلك يلزمها لئلا يظن ظان أنه لا يلزمها إلا بإذن السيد وقت جواز إذنه. مسألة من نذر اعتكافاً معيناً (١) فمرضه أو مرض (٢) فيه. اختلف على مذهب الكتاب فيه لتفريقه بين المريض والحائض؛ فجعل في مسألة المريض: لا شيء عليه. وفي الحائض تقضي وتصل. فقال سحنون (٣): هذه مختلطة، والأصل المقيد (٤) عليه أن ما غلب عليه بالمرض والحيض حتى يمضي الوقت أو بعضه فلا قضاء عليه. ونحوه لابن حبيب. وذهب ابن عبدوس (٥) أن المسألتين في المعنى سواء، وأن جوابه في المريض الذي لم يتقدم له اعتكاف فلم يلزمه حكمه، وإنما مرض من أول الشهر، لأنه قال: نذر اعتكاف شعبان فمضى شعبان وهو مريض، ثم قال: لا قضاء عليه إن تمادى به المرض حتى يخرج الشهر كمن نذر صومه فمرضه. فكذلك عنده الحائض، لو جاء الشهر وهي حائض لم

стр. 610

تقض ما حاضت فيه، وإذا طهرت اعتكفت بقية الشهر، كما لو صح المريض في بقية (من) (١) الشهر، وأما لو كان المرض إنما طرأ عليه بعد أن اعتكف شيئاً من الشهر للزمه قضاؤه كالحائض. قال ابن أبي زمنين: وهو معنى ما في الكتاب إذا تعقبت لفظه، ومثلُ ما ذكر ابن عبدوس في "مختصر" أبي مصعب. وغير ابن عبدوس فرق بين المسألتين وقال: مسألة الحائض إنما قال: تقضي، على قوله في ناذر ذي الحجة: إنه [إنما] (٢) يلزمه قضاء أيام النحر، ولا يفترق على هذا حاضت من أول الشهر أو آخره أنها تقضي، وكذلك المريض لا يقضي، سواء مرض أول الشهر أو داخله. واحتج بعضهم لهذا الفرق أن الحائض معتقدة تكرر حيضتها في وقته (٣) على العادة، فصارت كأنها قاصدة بدلها، كناذر صوم ذي الحجة على أحد قوليه، والمرض (٤) لا علم منه حتى يطرأ، فلم يقصد بدله في أصل النذر لا نية ولا ضمنياً (٥). وهذا مذهب سحنون (٦) فيما حكاه عنه ابنه في المريض، وهو على رواية ابن القاسم في "المدونة" في كتاب الصيام. وإلى هذا الفرق مال الطابثي (٧). وقال أبو تمام المالكي: معنى قوله: تقضي الحائض، يعني ما بقي عليها من الشهر بعد طهرها، لا أنها تقضي بعدة أيام حيضتها، لأن المرأة لا

стр. 611

تحيض شهراً كله، وقد يمرض المريض الشهر كله. فهذا عنده معنى فرق ما جاء في الجواب عنهما. وحكى شيخنا القاضي أبو الوليد (١) في المسألة قولاً رابعاً أن المريض هنا يقضي على كل حال؛ أصابه المرض أول الشهر أو داخله. وهذا القول على رواية ابن وهب في قضاء المريض الواقعة في بعض روايات "المدونة" المتقدم التنبيه عليها في كتاب الصيام. والجِوار (٢) والجُوار - بالكسر والضم - من المجاورة، مثل الاعتكاف وبمعناه. وابن أبي نَجيح (٣)، بفتح النون وكسر الجيم. والمَوَاحيز (٤) - بالحاء المهملة وآخره زاي - وهي المسالح والثغور (٥). وقوله (٦): لأن أهلها رَصَدَة - بفتح الراء والصاد المهملة - جمع راصد، أي حرس يرصدون العدو. وقوله: لِلَّوَذان (٧)، بفتح اللام والواو، مثل الروغان، / [خ ٩٧] وبذال معجمة، من اللواذ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (٨).

стр. 612

وقوله في حُجرة معَلقة (١)، كذا رويناه بالعين المهملة في "المدونة". ورواه بعضهم بالمعجمة الساكنة (٢)، وقد اختلفت فيه رواياتنا عن شيوخنا في "الموطأ" (٣) / [ز ٦٧] في هذا الحديث، وكان عند ابن عتاب الوجهان، وكان عند ابن عيسى وابن حمدين الغين المعجمة، وكان عند ابن جعفر (٤) بالمهملة، وكتبنا عن بعضهم: بالمعجمة رواية يحيى، ورده ابن وضاح بالمهملة. وقوله: "أيكم أملك لإربه" (٥) - بسكون الراء وكسر الهمزة - أي لحاجته، قال الله تعالى ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. وقال أبو سليمان الخطابي: كذا يقوله أكثر الرواة. والإرب: العضو، وإنما هو: لِأَرَبه، بفتح الهمزة والراء، أي لحاجته، قال: والأرب أيضاً الحاجة (٦). وعبد الله بن أُنَيْس (٧)، بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء. وقوله (٨): لم يبلغني أن أحداً من سلف هذه الأمة ولا من التابعين ولا

стр. 613

ممن اقتدي به اعتكف إلا أبا (١) بكر بن عبد الرحمن (٢)، وقوله بعد ذلك (٣): "قد كان من مضى - ممن يُقتدى به ممن كان يعتكف - يتخذ بيتاً قريباً"، فلعله أراد أبا بكر بن عبد الرحمن فلا يكون في الكلامين تعارض، لكن قوله بعد هذا متصلاً به ما كان أيضاً يفعله أبو بكر بن عبد الرحمن يدل أنه غيره، ثم قال متصلاً به (٤): "وبلغني ذلك عن بعض أهل العلم (٥) الذين مضوا أنهم كانوا لا يرجعون حتى يشهدوا العيد". ومثل هذا في "الموطأ" (٦)، فيدل أن هؤلاء غير أبي بكر بن عبد الرحمن.

стр. 614

كتاب الزكاة الأول أصل الزكاة النماء والزيادة؛ يقال زكا الشيء يزكو إذا نما بذاته وكثر كالزرع والمال ونحوه، أو بحاله وفضائله كالإنسان في صلاحه وفضله. فسميت صدقة المال زكاة بذلك: قيل: لأنها تبارك في المال المخرجة منه وتنميه كما قال ﵇: "ما نقص مال من صدقة" (١). وقيل: لأنها تزكو عند الله وتنمو وتضاعف لصاحبها كما جاء في الحديث: "حتى تكون أكبر من الجبل" (٢). وقيل: لأن صاحبها يزكو بأدائها كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣). وقيل: تطهر الأموال وتطيبها. وقد سماها النبي ( ﷺ ) (٤) أوساخ الناس (٥)، ولو بقيت في المال ولم تخرج منه أفسدته وأخبثته.

стр. 615

وقيل: الزكاة التطهير (١)، وعليه فسر بعضهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ (٢)؛ قال: تطهر من الشرك، وهو راجع إلى ما تقدم. وقيل: الزكاة الطاعة والإخلاص. وقد قيل في قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣): لا يشهدون (أن) (٤) لا إله إلا الله، قاله البخاري. ولأن مخرجها لا يخرجها إلا من إخلاصه وصحة إيمانه لما جبلت عليه النفوس من حب المال. ولهذا لما توفي النبي ﵇ (٥) - منعت أكثر العرب زكاتها وتميز بأدائها الخبيث من الطيب. ولهذا قال ﵇ في الصحيح: "الصدقة برهان" (٦)، أي دليل على صحة إيمان صاحبها. وقيل: بذلك سميت صدقة من الصدق، أي (٧) هي دليل على صدق إيمانه ومساواة ظاهره وباطنه. وقيل: لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء والزيادة كأموال التجارات والأنعام والحرث والثمار. وسماها الشرع أيضاً صدقة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ / [خ ٩٨] صَدَقَةً﴾، و ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٨) (٩) الآية. وذلك لأن صاحبها مصدق/ [ز ٦٨] بإخراجها أمر الله بذلك، أو دليل على صدق إيمانه كما تقدم. وسماها أيضاً حقاً فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١٠).

стр. 616

وسماها نفقة بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وسماها عفواً بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢)، على اختلاف بين المفسرين في بعض هذه الكلمات. ومعنى النصاب يكون مأخوذاً (٣) من النُّصُب (٤)، وهو العَلَم أي إنه الحد الذي أعلم ونصب لوجوب الزكاة. منه، ومنه النُّصُب: حجارة نصبت وأعلمت للعبادة، أو أخذت من الارتفاع ونصائبِ الحوض؛ واحدها نصيبة، وهي حجارة تنصب أي ترفع حول الحوض (٥)؛ فكأنه ما ارتفع من المال عن القلة. أو من النصاب - وهو الأصل - ومنه نصاب الرجل ومنصبه، أي أصله. فالمراد به على هذا الأصلُ الموضوع، لأن الزكاة تخرج منه. وذكر في الحديث في "الأم" (٦): "ليس فيما دون خمس أواق زكاة" (٧)، كذا رويناه؛ أواق مثل غواش، والأوقية أربعون درهماً (٨) - مضمومةُ الهمزة مشددة الياء - وكذا رويناه في غير "المدونة" عن أكثر شيوخنا. وخطأ الخطابي هذا وقال: صوابه أواقيّ (٩)، مثل أضاحيّ

стр. 617

وأمانيّ (١) على جمع لفظة (٢) واحدة (٣). وقد صوب بعضهم (٤) ما رواه الشيوخ. وذكر (٥) مسألة جمع الفضة إلى الذهب في الزكاة، وهي من كلام أشهب عند ابن عتاب. قال في أولها: "قال أشهب"، وسقط اسم أشهب لغيره. وقوله (٦): "كما تجمع الضأن والمعز والعراب (٧) والبخت (٨) والبقر والجواميس (٩) "، ثم قال سحنون (١٠): "وهي في البيع أصناف مختلفة". كذا ألحقت اسم سحنون عليها من كتاب الشيخ (١١). ومعنى ذلك [وهي] (١٢): ليست بأصناف في السلم مختلفة، بل كل ما يضم منها في الزكاة بعضه إلى بعض لا يسلم الجنس منه في جنس آخر لمجرد اختلاف اسمه إلا بمعنى زائد فيه لا يوجد في السلم (١٣) فيه كما يجوز ذلك في أشخاص الجنس الواحد من الضأن أو العراب أو البقر، إما

стр. 618

من غزارة لبن أو قوة على حرث وعمل أو سرعة في النجاء (١) والسبق، هذا كله مع وجود الأجل فيما بينهما، وأما في بيع النقد فلا تبال (٢) ما كان. وإنما معنى قوله في الكتاب: "وهي في البيع أصناف مختلفة" لتفاوت أثمانها واختلاف الأغراض فيها، وأن لكل واحد اسم وجنس عن (٣) الآخر يخصه (٤)، كما للذهب والفضة، لا أنه التفت إلى معنى مسألة السلم. وقوله (٥) بعد هذا: بمنزلة رجل له ثلاثون ضأنية حلوباً (٦) فباعها قبل الحول (٧) بأربعين من المعز وهي غير ذوات (٨) الدر. هذا الشرط غير محتاج إليه إلا في بيع السلم لا في بيع النقد، ولعله إنما أخبر عن العادة؛ إذ لا يعطي أحد ثلاثين في أربعين إلا لغرض وتفاوت، ولا يكون ذلك مع تفاوت (٩) حالها، بل حتى تختلف إحداها بالجودة والأخرى بالكثرة بحكم المكايسة، لا على طريق التعرض للفقه (١٠). والضأنية واحد (١١) الضأن - الهمزة قبل النون في واحده وجمعه - لأنها

стр. 619

عين الفعل، وقد يغلط في هذا المتفقه (١). وغِذاء الغنم (٢) منها التي ولدتها (٣)، وهي بكسر الغين المعجمة وذال معجمة، ممدود، وهي السخال الصغار، واحدها غَذِي، بفتح الغين وكسر الذال (٤). والرقة (٥)، بكسر الراء وفتح القاف وتخفيفها، الدراهم المسكوكة، لا يقال في غيرها. والورق المسكوك وغيره. وقيل/ [خ ٩٩]: يقالا (٦) معاً فيهما (٧). وجَرير بن حازم (٨) الأزدي، بفتح الجيم في اسمه وبالحاء المهملة في اسم أبيه والزاي، وبسكون الزاي في نسبه، ويقال/ [ز ٦٩] بالسين الساكنة أيضاً. وأبو إسحاق الهمْداني (٩) بسكون الميم ودال مهملة (١٠). وقوله (١١) في من كانت عنده عشرون دينارا حال عليها الحول فلم يزكها وابتاع بها سلعة فباعها بعد حول آخر بأربعين - وذكر المسألة - ثم

стр. 620

قال (١): "قال أشهب: وإن كان عنده عرض قيمته نصف دينار (٢) أو أكثر زكى الأربعين"، كذا في أصل ابن عتاب. وليس ذكر أشهب في رواية ابن عيسى ولا في كثير من النسخ (٣). وجاءت هذه المسألة متصلة بقول ابن القاسم، وعلى أن الكلام كله لابن القاسم اختصرها الشيخ أبو محمد وغيره (٤). وجعل بعضهم ما له في "العتبية" (٥) خلافاً لما له في "المدونة"، وإنما هي في "المدونة" هنا وهي (٦) لأشهب كما قلنا، لكنه لم تكن في روايتهم لأشهب والله أعلم. ولم يذكر ابن حبيب هذا الفصل من ابن القاسم (٧) وذكره لغيره، وذكره محمد لمالك لا لابن القاسم (٨). ومذهب ابن القاسم أن دين الزكاة يسقط الزكاة، كانت له عروض تفي بدينه أو لم تكن، مرت له سنة أو لم تمر، بخلاف غيره من الدين (٩)، كذا وقع مبينا في "العتبية"، وكذا فسره فضل بن سلمة وغيره من محققي المذهب. ويصحح هذا قوله في "المدونة" في كتاب القراض في مسألة المقارض المدير: "إن رب المال يزكيه لكل سنة إلا ما نقصته الزكاة"،

стр. 621

ومثله في باب المديان من كتاب الزكاة (١) في الذي فرط في الزكاة وبيده مائة (٢)، إنه لا يزكيها إلا أن يبقى منها بعد إخراج الزكاة ما تجب فيه الزكاة، ولم يذكر في شيء منها إن كان له عرض كما قال في غيرها من مسائل الديون. مسألة الحلي والحجارة، اختلفت رواية الشيوخ في الكتاب (٣) في مساق الروايات الأخر؛ فعند بعضهم (٤): "وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع أيضاً: إذا اشترى الرجل حلياً أو ورثه فحبسه للبيع - كلما احتاج إليه باع - أو للتجارة، زكاه. وروى أشهب فيمن اشترى حلياً للتجارة وهو مربوط بالحجارة". وكذا هي رواية القاضي أبي عبد الله شيخنا (٥). وليس عندهم: "معهم" (٦)، في رواية أشهب. وروى بعضهم مثله وزاد: وروى أشهب معهم (٧). وهكذا رواية شيخنا أبي محمد. ورواه بعضهم بإسقاط لفظة "زكاه" في الرواية الأولى، وإثبات "معهم". واختلف تأويل الشيوخ وتقديرهم في ذلك من القرويين والأندلسيين باختلاف هذه الروايات: فحمل بعضهم أن الرواية المسقطة منها "زكاه" وإثبات "معهم" وهْم وخطأ (٨)؛ لاقتضائها

стр. 622

وجوب الزكاة في العروض الموروثة ساعة البيع، لقوله آخر رواية أشهب (١): "فلا زكاة عليه حتى يبيعه"، وهو خلاف أصل المذهب (٢). وإلى هذا نحا ابن أبي زمنين (٣) وغيره. ومنهم من تأول المسألة ليصححها: فذهب كثير منهم أنها ثلاث مسائل، كل مسألة مفردة بجوابها ورواتها لا اختلاف بينهم فيها، وإنما وقع الإشكال لجميع (٤) الرواة أولاً، وكل واحد منهم روى مسألته مفردة عن مالك وتكلم على فصل منها دون جملتها، وأن مسألة ابن القاسم الأولى التي تكلم فيها مفرداً - وقال (٥): "ينظر إلى ما فيها من الورق والذهب فيزكيه" إلى آخر المسألة - إنها في الحلي المنظوم مع الأحجار/ [خ ١٠٠] لا المصوغ عليها. وأن معنى روايته مع ابن نافع وعلي في حلي لا حجارة فيه. وأن رواية أشهب معهم بعد هذا في المربوط المصوغ أنه بمنزلة العرض، فيكون في الحلي المربوط بالحجارة بالصياغة على هذا قول واحد في الكتاب (٦).

стр. 623

وقد رد الشيخ أبو عمران وغيره هذا التأويل على مسألة ابن القاسم الأولى/ [ز ٧٠]؛ إذ مذهبه المعروف في المسألة وفي مسألة السيف غيرُ هذا، وأنه لا تأثير لربطه بالحجارة عنده، وأن كلامه أولاً في المربوط بالصياغة لا بالنظم، وأنه خلاف رواية أشهب، كما اختلفا في مسألة السيف. ويكون على هذا القول إنما وافق علياً وابن نافع في قولهم (١): "وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين"، وجاء جوابهم على هذا في "الأم" مؤخراً بعد جواب أشهب الذي تفرد بها (٢) على إسقاط "معهم" فدخلها إشكال. وقد قيل: إن رواية الجماعة في الحلي المربوط (المصوغ، ويدل عليه قولهم: أيضاً، وقوله عند ذكر أشهب "معهم" فيكون على هذا في الحلي المربوط) (٣) بالحجارة قولان، وهما في غير الكتاب معروفان (٤)، ثم كرر رواية أشهب مع ابن نافع في المسألة (٥) لزيادة بيان وتفسير.

стр. 624

وذهب ابن لبابة (١) إلى أن معنى رواية ابن القاسم مع أصحابه وأشهب معهم، أنه إذا باع الحلي المربوط بالحجارة، وكان من ميراث، أنه يزكي مصابة الذهب ويستقبل بثمن الحجارة حولاً. وإن كان من شراء زكى الجميع إذا باع، كان مديراً أو غير مدير. وعلى هذا فالكلام كله والروايات كلها في الحلي المربوط بالحجارة المصوغ معها، فيكون هذا قول ثالث (٢) في المسألة في الكتاب. وقد يستدل بقوله بعد ذلك (٣): "وإن كان غير مربوط" (٤)، وبقوله في الرواية: أيضاً (٥). وهو إشعار بخلاف رواية (٦)، وإلا فأي معنى لقوله: أيضاً، إذ معناها الرجوع عن شيء إلى شيء آخر، فيأتي أن ابن القاسم قد روى في الحلي المربوط رواية أخرى أنه كالعرض كما قال أشهب، وكما وقع له في "سماعه" (٧)، وهو ظاهر هذه الرواية لما قلناه (٨). ثم اختلف على معنى قول ابن القاسم في المدير: "إذا اشتراه

стр. 625

للتجارة"؛ فظاهر الكتاب أنه يزكي ما فيه من الذهب والفضة تحرياً لوزنه، وقوم حجارته ولم يقوم الصياغة. هذا تأويل بعض شيوخنا (١). وذهب التونسي (٢) إلى تقويم الصياغة وأنها كعرض معها. وأما إن كان غير مدير زكى ما فيه الآن من الذهب والفضة تحرياً، وزكى ثمن ما فيه من الحجارة متى باعها، وإن كان موروثاً تحرى ذهبه وفضته لتمام حول فزكى ذلك، ثم يستأنف بثمن الحجارة من يوم البيع حولاً. ثم اختلف قول ابن القاسم على مذهبه في مراعاة كون الذهب أكثر أو أقل. وأما على قول أشهب فسواء كان عنده الذهب قليلاً أو كثيراً، هو كالعرض. كذا نص عليه في كتاب محمد (٣). وذكر حمديس أنه إنما أسقط الزكاة من المصحف والسيف إذا كانت حليتهما تبعاً ولم يرد ما اتخذ للتجارة، وإنما جاء به جملة في غير باب التجارة، وهو نحو ما حكاه ابن عبد الحكم (٤) عن مالك أنه لا زكاة فيه (٥)، فجعله بخلاف حلي النساء. وحمل بعض الشيوخ رواية ابن عبد الحكم فيما اشري للتجارة، فإذا كان ما فيه تبع (٦) لم يزكه، يريد الآن، وهو عنده كله كعرض. والأول أظهر لإطلاقه أنه لا زكاة فيه. ويخرج من هذه المسألة على الترتيب/ [خ ١٠١] الأول والثاني أن رواية علي وابن نافع وأشهب أن الحلي الموروث المدخر لغير لبس ولا لرجاء

стр. 626

سوق، بل عدة وليبتاع (١) متى احتيج إليه أنه يزكى على رواية "زكاه"، كنص رواية ابن القاسم قبل ومن بقية المسألة على ردها على سؤالهم. وأما أول الباب فنص في رواية ابن القاسم وفي "ديوان أشهب" (٢): لا زكاة فيه. وفي كتاب ابن حبيب (٣) الخلاف أيضاً في المرأة تتخذه/ [ز ٧١] لمثل ذلك إذا كانت أولاً تلبسه، وفرق بين ذلك اتخاذه (٤) ابتداء عدة. ومذهب "المدونة" ألا زكاة على النساء في الحلي إذا اتخذنه ليكرينه. ونحوه في رواية ابن وهب عن مالك (٥)، وقاله ابن حبيب (٦). وقد خرج بعض الشيوخ (٧) فيه الخلاف من عموم رواية العراقيين عن مالك ومن قول محمد بن مسلمة (٨). والذي نزل القاضي الباجي (٩) المسألة عليه، إنما الخلاف فيما تتخذه المرأة للكراء من حلي الرجال، أو الرجال (١٠) من حلي النساء، وأما ما يتخذه كل واحد منهما من حلي مثله وما أبيح له لبسه ليكريه فلم يخرج فيه

стр. 627

خلافاً، وهو ظاهر كلام ابن حبيب (١) وهو أظهر. وكذلك خرج اللخمي (٢) الخلاف في الممسك للعارية مطلقاً على الخلاف في الإجارة، ولا يصح ذلك في النساء. وكذلك فرق في ذلك في كتاب ابن حبيب، إذ ذلك من لباسها، فإذا اتخذته لتعيره كان كما لو اتخذته للباس بناتها وخدمها. وقد يقال ذلك في الرجل أيضاً ولما جاء أن زكاة الحلي عاريته، فيكون الخلاف في الرجال لا في النساء. وإذ الفرق بين الإجارة والعارية بين؛ إذ الإجارة نوع من التنمية والتجارة. هذا إن صورنا الخلاف كما صوره بعضهم في كل حلي، وأما إذا ذهبنا مذهب الباجي - وهو الظاهر - فلا خلاف. وعُمارة بن غَزِيَّة (٣)، بضم العين المهملة أولاً، وفتح الغين المعجمة في اسم أبيه، وكسر الزاي، بعدها ياء باثنتين تحتها مشددة. ورُزيق (٤)، بتقديم الراء وضمها، ابن حُكَيم، بضم الحاء وفتح الكاف. كذا ذكره كل من ذكره بغير خلاف. وعَمِيرة (٥) - بفتح العين وكسر الميم. ابن أبي ناجية، بنون وجيم. والمنذر بن عبد الله الحِزامي (٦)، بكسر الحاء وبالزاي (٧). ووقع في حديث ابن عمر (٨) آخر الباب (٩): ابن مهدي عن عبد الله بن

стр. 628

عمر، كذا عند ابن عتاب (١). وعند ابن عيسى: ابن وهب عن عبيد الله بن عمر. وعبد الله بن أبي سلمة (٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وحماد بن سلمة (٣)، كل هؤلاء في الكتاب بفتح اللام. والسلسلة (٤)، بكسر السينين، واحدة السلاسل، كانت تنصب لتحبس (٥) الناس فلا يجوزها إلا من أدى زكاته، كذا فسره سحنون. وقيل: هو موضع، وهو غلط. وبنو جُمَح (٦)، بضم الجيم وفتح الميم (٧). وابن قُدامة (٨) بضم القاف. والحكم بن عُتيبة (٩) أوله باء (١٠) باثنتين فوقها، والثالثة باء بواحدة. وسفيان بن عيينة (١١) هذا بالياء باثنتين أولاً، وبعدها ياء أخرى ساكنة، وآخره نون قبل الهاء.

стр. 629

ومِلاء ما بين (١) السماء والأرض (٢)، بكسر الميم وسكون (٣) اللام، وآخره مهموز. وابن رُفيع (٤)، بضم الراء. وقوله (٥): "اضربوا بأموال اليتامى"، أي اتجروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله (٦): "وإن تكارى الأرض وزرعها بطعامه فحصد"، المسألة بكمالها، وقال: لا زكاة عليه إذا باعه، كذا هي الرواية/ [خ ١٠٢] عندنا (٧)، وكذا في أكثر النسخ - بطعامه - بالباء، وهي رواية يحيى بن عمر (٨) من القرويين. ورواية أكثرهم: لطعامه، باللام، وهي رواية أبي الحسن القابسي وأبي عمران الفاسي، وهي التي صحح أبو عمران (٩) وقال: معنى المسألة: زرعها لقوته، بدليل قوله (١٠): "فرفع طعامه فأكل منه وفضلت منه فضلة فباعها". قال: وأما لو زرعها من طعام عنده ونوى بزراعتها التجارة فإن هذا يزكي الزرع إذا باعه لحول من/ [ز ٧٢] يوم زكى حبه، كما لو كان ما زرع فيها مما اشتراه للتجارة (فإن هذا يزكي الزرع

стр. 630

إذا باعه) (١)؛ [لأن الحب مستهلك غير مراعى] (٢). وإلى هذا ذهب إبراهيم بن باز من الأندلسيين. وذهب أحمد بن خالد منهم وغيره من القرويين (٣)، إلى أنه متى زرعها من زرع عنده ليس للتجارة فما رفع منه فله حكم زريعته، فلا يزكه (٤) على حكم التجارة، بل يستقبل بثمنه حولاً، ورأوا أنه متى (٥) دخل فصلاً (٦) من فصول المسألة القنيةُ (٧) بقي حكمها في الزرع على الفائدة، إذ أصله القنية. وهو ظاهر "المدونة"، والمسألة إنما هي إذا كانت الأرض مكتراة للتجارة، وهو معنى مسألة "المدونة" وعلى مذهب ابن القاسم في ذلك. وأما على مذهب أشهب فعلى كل وجه من وجوه المسألة الزرع غلة لا يزكى ثمنه حتى يستقبل به حولاً، قاله في "المجموعة" "إذا اكتراها للتجارة واشترى قمحاً فزرعه فيها للتجارة وزكى الحب ثم باعه لحول أو لأحوال فلا يزكه (٨) وليأتنف به حولاً من يوم يقبضه مديراً كان أو غير مدير" (٩)، وهذا على أصله في غلة ما اكتري للتجارة. وهو قول ابن نافع في "المبسوطة"، كما قال أشهب في الزرع سواء. وإليه ذهب سحنون فيما حكى عنه الفضل بن سلمة وإن كان القاضي الباجي (١٠) وغيره قال: إذا اجتمعت

стр. 631

الوجوه الثلاثة للتجارة: اكتراء الأرض واشتراء الحب والزراعة، فلا خلاف أنه يزكي الحب على التجارة. ولم يبلغ قائل هذا قول أشهب. وقال فيها ابن القاسم في "المجموعة": "يزكي الحب إذا قبضه، نحو جواب "المدونة"، إلا أن تكون الأرض له أو زرعها في أرض الكراء لقوته، ولو كان مديرا قومه لحول من يوم زكاه حباً" (١). وذكر ابن حبيب هذا عن مالك وقال: رواه عنه ابن القاسم وغيره، ورأيت أصبغ بها معجباً. وأبو عمرو بن حِماس (٢) عن أبيه، حماس بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم، وآخره سين مهملة (٣). وقوله (٤): "يبيع الجلود والقرون"، هي جعاب السهام، واحدها قرَن، بفتح الراء، تصنع من الجلود (٥)، وليست بقرون البهائم. وفي "الواضحة": الأقران، ورواها (٦) أصحاب الغريب: أقرُنٌ (٧)، وكلها جمع صحيح لما قلناه. وظاهر "المدونة" أن المدير يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره (٨)، على هذا حمل المسألة شيخنا القاضي أبو الوليد (٩). وقال القاضي الباجي (١٠): إنه لا خلاف في القرض أنه لا يزكى. وخرج اللخمي (١١) فيه خلافاً.

стр. 632

وظاهر "المدونة" تقويم جميع ما يرجى قضاؤه من الديون (١). وعلى هذا اختصرها أكثر المختصرين (٢)، ولم يفرقوا بين الحالِّ وغيره، خلاف ما لابن القاسم في رواية محمد (٣) و "سماع" أبي زيد (٤)، وما لابن حبيب والمغيرة من الاختلاف في زكاة المدير للدين (٥). واحتج بعضهم بما ذكره في تقويم ما على/ [خ ١٠٣] المكاتب (٦). قال أحمد بن خالد: قوله في تقويم الكتابة بالعاجل يدل على تقويم الديون الآجلة، وهو يقول: يزكي عددها، وقد قال: حكم الدين حكم العرض. وانظر قوله فيمن له مائة وعليه مائة وبيده مائة (٧): فليزكها وليجعل ما عليه في مائته. قيل: ظاهره أنه يجعل المائة في المائة، حالة كانت التي له أو مؤجلة. ونحوه في كتاب محمد (٨). والذي لابن القاسم في غير (٩) "المدونة" في هذا الأصل أنه يحسب عدد الحال وقيمة المؤجل. وسحنون (١٠) يجعله في قيمة المؤجل. وكذا قال ابن القاسم: إذا كان على

стр. 633

غير ملي (١). ولا يختلفون أنه يحسب عدد ما عليه. وقوله (٢): / [ز ٧٣] والزنجي مسلم بن خالد (٣) رجل من قريش (٤)، كذا في "الأم". وإنما الزنجي المسمى مولى قريش ثم لبني مخزوم، وهو من علماء مكة، إلا أنه ضعيف في الحديث لسوء حفظه وكثرة غلطه (٥). وسمي بالزنجي لأنه سكن حارة سكنها الزنج - أمة من السودان (٦) -. وحكى عبد الحق أنه يقال بفتح الزاي، ولا أعرفه إلا بكسرها (٧). وتَوِي المال، بكسر الواو، أي هلك، وهذا أفصح من توَى بالفتح وهي لغة أيضاً (٨). وقوله (٩): "ابن وهب عن مالك عن نافع وابن شهاب أنه بلغه عنهما مثل قول سليمان"، كذا لابن وضاح. ولابن باز (١٠): ابن وهب عن غير واحد عن نافع (١١)، وكذا هو في "موطأ" ابن وهب. والربيع بن صَبيح (١٢) تقدم.

стр. 634

وقوله (١): "وقال أشهب عن مالك: والدليل على أن الدين يغيب أعواماً"، كذا لابن وضاح في كتاب ابن عتاب وعنده (٢)، ولابن باز: علي بن زياد عن مالك (٣). ولم يكن في كتاب ابن عيسى ذكر أشهب ولا غيره سوى: قال مالك. ويزيد بن خُصَيفة (٤)، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة. وعُقَيل عن ابن شهاب (٥) - بضم العين - وهو عقيل بن خالد. وعاصم بن ضَمرة (٦)، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم. وقول غيره (٧) في مسألة الموهوب له دين بيده أعوام، سقطت في رواية كثير. وصحت ليحيى بن عمر في كتاب ابن عيسى. وسقطت منها في كتاب ابن عتاب لابن وضاح من قوله: "بمنزلة من له خمسة"، وثبت ما قبل ذلك. مالك: "والسنة عندنا أنه ليس على وارث زكاة (٨) "، كذا هو في أكثر الروايات. وفي كتاب ابن المرابط لابن وضاح: "قال أشهب: قال مالك". وقوله في مسألة (٩) العبد بعينه تتزوج به المرأة فيموت قبل أن تقبضه:

стр. 635

ضمانه منها. استدل بعضهم على أنه لا عهدة عند مالك فيما يقبض من العبيد في الصدُقات. وقال ابن لبابة: يحتمل أن الموت بعد العهدة. وقد روى أشهب أن فيه العهدة. وقول ابن شهاب (١): "أول من أخذ من الأعطية الزكاة معاوية بن أبي سفيان" (٢)، يعني زكاة الأعطية نفسها لا زكاة غيرها، فقد ذكر عن أبي بكر وعمر أنه كان يأخذ (٣) من أعطيات الناس ما وجب عليهم (٤) من زكاة أموالهم (٥). قال سحنون: كان معاوية يرى أن الزكاة فيها واجبة كدين ثابت. قال أبو عمران: ويحتمل أن مذهبه مذهب ابن عباس (٦) في الزكاة في الفوائد وإن لم يحل عليها الحول. وقوله (٧): "لا يرصدون الثمار في الدين"، أي لا يعدونها ويرتقبونها للدين فيسقطون منها الزكاة من أجله، بل يزكيها من وجبت عليه وإن كان عليه/ [خ ١٠٤] دين، بخلاف العين الذي يرصد له ويحسب فيه. والرصد والإرصاد: الترقب والإعداد. وقيل: رصدت: ترقبت، وأرصدت: أعددت. وقيل: رصدت في الخير، وأرصدت في الشر. وقيل (٨): يقالا (٩) فيهما جميعاً؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (١٠).
следующие страницы →