← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة إعداد أحمد بن علي الزاملي عسيري ١٤٣١ هـ إشراف فضيلة الدكتور: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد المحسن التركي الأستاذ الدكتور بكلية أصول الدين بالرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ آل عمران: ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ النساء: ١. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ الأحزاب: ٧٠ - ٧١. أما بعد: فإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١). وبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، ولا أشرف من توحيد الله تعالى ومعرفة ما يجب له من الأسماء الحسنى

стр. 3

والصفات العلى، وإدراك حقوقه تعالى على عباده، والالتزام بذلك علماً وعملاً، فإن العبد كلما كان بهذا أعرف وله أتبع كان إلى ربه أقرب، وبهذا تنال النجاة والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (١). وإن من كمال ﵀ وتمام نعمته أن "جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة ... " (٢). قال ابن القيم ﵀: " وهم - أي العلماء- في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب" (٣). ومن هؤلاء العلماء الذين تسعد الأمة بهم وتشرف بذكرهم، ممن قيّضهم الله للدفاع عن العقيدة ورد الشبه عنها، العلامة الجليل الفاضل الشيخ عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر بن شرف الدين النوبي ﵀. كان عالماً عاملاً، ينشر العقيدة الصحيحة، والتربية السليمة، والأخلاق المحمدية، فكان مدرسة فريدة في جمع الناس على الخير. وبالجملة فقد كان من نوادر عصره علماً وأدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً، يقول الحق ويقصده، ويتحرى الصدق ويؤثره. ولما كان من فضل الله عليّ أن جعلني أحد طلاب الدراسات العليا بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة لمرحلة الماجستير؛ اخترت الكتابة في موضوع:

стр. 4

"منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين"، بعد استخارة الله تعالى والاستعانة به جلت قدرته، واستشارة مشايخي الفضلاء الذين أشاروا عليَّ بتسجيله والكتابة فيه. أسباب اختيار الموضوع: مما دفعني لاختيار هذا الموضوع ورغبتي فيه، ما يلي: ١ - المكانة العلمية للشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ فهو من كبار العلماء، ومن أئمة الفتوى. ٢ - أنه كان ممن له الفضل على هذه الجامعة المباركة (١)، ومن معاصريها من نواتها الأولى، وأنه يعتبر أستاذ جيل كامل من علماء المملكة العربية السعودية. ٣ - وفرة تراث الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في العقيدة (٢)، وأهمية العمل على إخراج ما في ثنايا التسجيلات (٣) أو المدونات والمخطوطات والتي لم تظهر بعد، لاستخراج درر هذا العالم الفذ. ٤ - أن هذا الموضوع - والله أعلم- لم يسبق دراسته من قبل (٤). ٥ - محاولة إبراز الجانب المغمور من حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، وأقصد بذلك بيان آرائه العقدية، ومنهجه وطريقته في الاستدلال عليها، ممّا دفعني إلى إثراء هذه الناحية. ٦ - ظهور شخصية الشيخ في الجانب النقدي.

стр. 5

ولهذه الأسباب والدوافع، اخترت هذا الموضوع، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك بمشيئة الله تعالى وتوفيقه. أهداف البحث: ١ - خدمة العقيدة الإسلامية، وذلك بإبراز جهود واحد من علمائها وهو الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ الذي كثرت أقواله في باب الاعتقاد، وتفرقت في كتبه مما قلَّل الاستفادة منها، فكان جمعها ودراستها وإفرادها في بحث مستقل من الأهمية بمكان. ٢ - بيان منهج الشيخ في العقيدة والرد على المخالفين. ٣ - الفائدة العائدة لي من بحث هذا الموضوع، فقد اشتمل على كثير من مسائل العقيدة، والتي تَحصَل من دراستها فوائد جليلة. ولهذا رغبت أن يكون هذا الموضوع هو موضوع أطروحتي لنيل درجة الماجستير. الدراسات السابقة: هذا الموضوع حسب علمي -والله أعلم- لم يسبق دراسته ولم يكتب فيه دراسة علمية عقدية: وهناك عدة دراسات وأبحاث عن الشيخ ومنها: ١ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي. إعداد/ وليد بن إدريس بن منسي والسعيد بن صابر عبده، وهذا الكتاب عبارة عن جزئين، الجزء الأول منه على قسمين: القسم الأول: سيرة الشيخ ﵀. القسم الثاني: اهتم بجمع بعض فتاوى الشيخ ﵀ في العقيدة والفقه إلى نهاية الجزء.

стр. 6

أما الجزء الثاني: فيحتوي على بعض الرسائل في التوحيد للشيخ:، وفتاوى في الصلاة، ومباحث في القرآن، ورؤية لأحوال العالم الإسلامي، والشعر والاتجاهات البلاغية، ولم يحتو على الدراسة العقدية التي أسعى إليها. ٢ - الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي (حياته العلمية، وجهوده الدعوية، وآثاره الحميدة). تأليف/ الشيخ محمد بن أحمد سيد أحمد المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة. اهتم بذكر سيرة الشيخ وإيراد بعض نماذج من كتابات الشيخ في العقيدة دون دراسة وتحليل، وأكثر من المراثي التي قيلت في الشيخ ﵀. ٣ - إتحاف النبلاء بسير العلماء (١). إعداد الشيخ/ راشد الزهراني. اهتم بذكر سيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ مع إيراد نماذج من فتاوى ورسائل وآثار الشيخ العلمية، مع بعض المراثي في الشيخ وثناء أهل العلم عليه، وختمه ببعض الدروس المستفادة من حياة الشيخ. ولم يحتو على الدراسة العقدية التي أسعى إليها. ٤ - العالم الرباني والمصلح المجاهد. لفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس. وهي عبارة عن محاضرة ألقاها في الجامع الكبير "ببحرة" وهي منصبة على سيرة الشيخ عبد الرزاق ومناقبه وثناء الناس عليه. ٥ - منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي الأصولي. لفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس. وهو عبارة عن بحث طبع بمجلة البحوث الإسلامية. وهو منصب في علم أصول الفقه كما هو ظاهر من العنوان.

стр. 7

خطة البحث: جاء هذا البحث مكوناً من مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة وتفصيلها كالتالي: المقدمة: أ- أهمية الموضوع، وأسباب اختياره. ب- أهداف البحث. ت- الدراسات السابقة. ث- خطة البحث. ج- منهج البحث. (تمهيد، وفيه مبحثان: * المبحث الأول: حياة الشيخ الشخصية. * المبحث الثاني: حياة الشيخ العلمية. الباب الأول: منهج الشيخ عبد الرزاق وجهوده في تقرير العقيدة، وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: منهج الشيخ عبد الرزاق في تقرير مسائل الاعتقاد والاستدلال عليها، وفيه مبحثان: * المبحث الأول: منهج الشيخ في تقرير مسائل الاعتقاد. * المبحث الثاني: منهج الشيخ في الاستدلال على مسائل الاعتقاد. (المطلب الأول: مصادره. (المطلب الثاني: طريقته في الاستدلال. الفصل الثاني: جهود الشيخ عبد الرزاق في تقرير التوحيد. وفيه تمهيد وثلاثة مباحث. (تمهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه. * المبحث الأول: جهوده في تقرير توحيد الربوبية. وفيه مطلبان: (المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية.

стр. 8

(المطلب الثاني: دلائل توحيد الربوبية. * المبحث الثاني: جهود الشيخ في تقرير توحيد الألوهية. وفيه ثلاثة مطالب: (المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية. (المطلب الثاني: شهادة أن لا إله إلا الله. (المطلب الثالث: العبادة. * المبحث الثالث: جهود الشيخ في تقرير توحيد الأسماء والصفات. وفيه ثلاثة مطالب: (المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات. (المطلب الثاني: أسماء الله. (المطلب الثالث: صفات الله. الفصل الثالث: نواقض التوحيد والقوادح فيه. وفيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: نواقض توحيد الربوبية والقوادح فيه. * المبحث الثاني: نواقض توحيد الألوهية والقوادح فيه. * المبحث الثالث: نواقض توحيد الأسماء والصفات والقوادح فيه. الفصل الرابع: جهود الشيخ في تقرير بقية أركان الإيمان. وفيه خمسة مباحث: * المبحث الأول: جهوده في تقرير الإيمان بالملائكة. وفيه تمهيد ومطلبان: (تمهيد: في تعريف الملائكة. (المطلب الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه. (المطلب الثاني: أعمال الملائكة. (المطلب الثالث: تعريف الجن وتأثيرهم. * المبحث الثاني: جهوده في تقرير الإيمان بالكتب.

стр. 9

وفيه تمهيد ومطلبان: (تمهيد: في تعريف الكتب. (المطلب الأول: معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه. (المطلب الثاني: معنى الإيمان بالقرآن وما يتضمنه. * المبحث الثالث: جهوده في تقرير الإيمان بالرسل. وفيه تمهيد وثلاثة مطالب: (تمهيد: في تعريف النبي والفرق بينه وبين الرسول والحكمة من إرسال الرسل. (المطلب الأول: الإيمان بالأنبياء والرسل عموماً. (المطلب الثاني: الإيمان بنبينا محمد ﷺ . (المطلب الثالث: خوارق العادات. * المبحث الرابع: جهود الشيخ في تقرير الإيمان باليوم الآخر. وفيه تمهيد ومطلبان: (تمهيد: في تعريف اليوم الآخر. (المطلب الأول: الحياة البرزخية. (المطلب الثاني: الحياة الآخرة، وما تتضمنها. * المبحث الخامس: جهود الشيخ في تقرير الإيمان بالقضاء والقدر. وفيه تمهيد وثلاثة مطالب: (تمهيد: في تعريف القضاء والقدر. (المطلب الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه. (المطلب الثاني: أفعال العباد. (المطلب الثالث: التحسين والتقبيح. الفصل الخامس: جهود الشيخ عبد الرزاق في مسائل الصحابة، والإمامة، والأسماء والأحكام، والولاء والبراء. وفيه مبحثان: * المبحث الأول: جهوده في مسائل الصحابة، والإمامة.

стр. 10

وفيه مطلبان: (المطلب الأول: الصحابة. (المطلب الثاني: الإمامة. * المبحث الثاني: جهوده في تقرير مسائل الأسماء والأحكام. وفيه تمهيد وثلاثة مطالب: (تمهيد: في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وأهميتها: (المطلب الأول: جهوده في مسائل الإيمان. (المطلب الثاني: جهوده في مسائل الكبائر. (المطلب الثالث: جهوده في مسائل الكفر والتكفير. * المبحث الثالث: جهوده في تقرير الولاء والبراء. الباب الثاني: منهج الشيخ عبد الرزاق وجهوده في الرد على المخالفين. وفيه تمهيد وثلاثة فصول: (تمهيد: في تعريف بأهل السنة وتميزهم عن الفرق. الفصل الأول: منهجه في الرد على المخالفين. وفيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: مصادره في ذكر الفرق وتاريخها. * المبحث الثاني: طريقته في الكلام على الفرق. * المبحث الثالث: منهجه في مناقشتها. الفصل الثاني: جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة. وفيه تمهيد وسبعة مباحث: * المبحث الأول: الخوارج. * المبحث الثاني: الشيعة. * المبحث الثالث: أهل الكلام. (المطلب الأول: قول بعض الفرق في الصفات ورد الشيخ عبد الرزاق ﵀ عليهم. (المطلب الثاني: قول بعض الفرق في القدر.

стр. 11

(المطلب الثالث: الإيمان عند بعض المرجئة. * المبحث الرابع: الباطنية. * المبحث الخامس: الصوفية. * المبحث السادس: القومية. * المبحث السابع: مذاهب وفرق معاصرة. الفصل الثالث: جهوده في الرد على الأعلام. وفيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: جهوده في الرد على المخالفات العقدية في تفسير الجلالين. * المبحث الثاني: جهوده في الرد على الآمدي. * المبحث الثالث: جهوده في الرد على آخرين. الخاتمة (وفيها أهم نتائج البحث) الفهارس. منهج البحث: أولاً: سأتبع -إن شاء الله تعالى- المنهج الاستقرائي التحليلي وذلك على النحو الآتي: ١ - جمع المسائل العلمية التي قررها الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ المقروءة والمسموعة، واستقراءها استقراءاً تاماً -إن شاء الله-، وتحليل مضمونها العلمي؛ لاستخلاص منهج الشيخ وإسهامه في تقرير العقيدة؛ وترتيب تلك المسائل على أبواب العقيدة ومباحثها، وفق ما رسمه السلف في كتبهم ومؤلفاتهم. ٢ - دراسة المسائل العقدية التي قررها الشيخ، وذلك بذكر المسألة والاستدلال لها فيما لم يستدل له، وذكر الشواهد من كلام أهل العلم.

стр. 12

ثانياً: التزام خطوات البحث العلمي المنهجي المنصوص عليها في لوائح الدراسات العليا وهي: ١ - عزو الآيات إلى سورها، مع ذكر رقم الآية فيها، وجعلت ذلك في متن البحث، خشية الإطالة بذكرها في الحاشية. ٢ - تخريج الأحاديث، وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما، فإن كانت فيهما أو في أحدهما، فسأكتفي بذلك، لأن المقصود ثبوت الحديث. ٣ - عزو الآثار إلى مصادرها الأصلية. ٤ - التعليق على بعض ما يحتاج إلى تعليق. ٥ - التعريف بالكلمات الغريبة. ٦ - توثيق الأقوال المنسوبة إلى أهل العلم. ٧ - ترجمة الأعلام غير المشهورين ترجمة تتضمن اسمه، ونسبه، وعقيدته -قدر الاستطاعة-، وشيئاً من مؤلفاته، وتاريخ وفاته، مع ذكر مصادر ترجمته. ٨ - التعريف بالملل والنحل الواردة في البحث. ٩ - اتباع البحث بالفهارس المتعارف عليها. ١٠ - تأخير ذكر بيانات المصادر إلى فهرسها، خشية الإطالة بذكرها. ثالثاً: ذكرت أولاً رأي الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في المسألة، ثم أوردت كلامه فيها بتمامه إن كان قصيراً، أو مع التصرف فيه بما لا يخل بمقصوده إن كان طويلاً، أو إن كان قد تكلم في المسألة في أكثر من موضع، فإني أقارن بين تلك المواضع فإن كان كلامه فيها متفقاً أوردت أجمعها وأحلت في الحاشية إلى الباقي، وإن كان كلامه مختلفاً أو فيه زيادة أو نقصان ذكرته كله وحاولت التوفيق بينه، ولا أقدم عليه كلام غيره إلا نادراً لمصلحة تظهر لي في ذلك.

стр. 13

رابعاً: بعد إيراد كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ذكرت عقبه موافقته لمنهج السلف ﵏. خامساً: في دراسة المسائل لم أعرض لاختلاف الطوائف وأقوال الفرق في المسألة المقصودة بالبحث، إلا إذا تعرض لذلك الشيخ عبد الرزاق في كلامه عليها، أو كانت طبيعة المسألة تقتضي ذلك. سادساً: أُشير إلى أني استفدت في بعض الأحيان من البحث الالكتروني فقمت بمطابقته مع الكتاب المطبوع -قدر الاستطاعة-. سابعاً: للشيخ ﵀ توقيع مع اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية وقد اعتبرت توقيعه قولاً له، حيث إنه لم يوقع إلا على ما يعتبره قولاً له ويدين الله تعالى بهِ. ثامناً: يلاحظ في بعض المباحث كثرة النقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الاكتفاء بها، وهذا يعود لعدة أسباب، أهمها: عدم وجود من تكلم في هذه المسألة المعينة ككلامه، وعدم وجود من حقق تحقيقه، فيما اطلعت عليه. تاسعاً: قمت بجمع أوراق الشيخ التي لم تطبع، وأسميتها "مجموعة ملفات الشيخ" وجعلت لها ترقيماً من عندي، وذلك حتى تسهل الإحالة إلى كلام الشيخ ﵀. عاشراً: ذيلت البحث بخاتمة ذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها، كما ذكرت بعض التوصيات؛ كما ذيلته بمجموعة فهارس تعين على سهولة الرجوع إلى مسائل الموضوع وجزئياته.

стр. 14

هذا وأحمد الله -جل وعلا- على ما مَنّ به عليّ من إتمام هذا البحث، وأشكر له فضله وإنعامه، فله الحمد أولاً وآخراً، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وأسأله أن يجعله خالصاً لوجهه، نافعاً لي يوم العرض عليه، فلقد بذلت جهدي في تجلية مسائله وتوثيقها وبيان الحق فيها، وأخذ ذلك مني وقتا طويلا، ورغم ذلك فإني لا أدعي أني أوفيت الموضوع حقه، ولا أني أصبت في كل ما قلت وقصدت، ولا أني أبدعت فيما سطرت، إذ إن النقص والخطأ من طبيعة البشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، ولكن حسبي أني بذلت فيه وسعي، فما كان فيه من صواب فمن الله تعالى وله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله منه، ورحم الله من رأى فيه خطأ أو خللاً فأرشدني إلى صوابه وإصلاحه. وأشكر بعد شكر الله تعالى من قرن شكرهم بشكره، وهما والداي الكريمان على تربيتهما وكريم عنايتهما. أجزل الله للجميع المثوبة، وأسبغ عليهم نعمة الصحة. كما أتقدم بالشكر الوافر، والعرفان الجميل لفضيلة المشرف على اهتمامه وحرصه. كما أتوجه بالشكر الجزيل لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين وفي قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة منها على منحي هذه الفرصة لإعداد رسالتي هذه. وأشكر كذلك الشيخ الكريم الأستاذ محمود ابن الشيخ عبد الرزاق عفيفي على جميل مساعدته وحُسن تعاونه الذي لمسته منه طيلة مُدة كتابتي لهذه الرسالة، ولا يفوتني أن أوصل الشكر لكل من ساعدني وأعانني في بحثي من مشايخي وزملائي، بفائدة علمية أو إعارة كتاب والمقام يضيق عن ذكرهم فأسأل الكريم أن يعظم لهم الأجر والثواب. كما أتوجه بالشكر الجزيل للشيخين الفاضلين، والأستاذين الكريمين، الذين تجشما عناء قراءة هذا البحث لمناقشته، وبذلا جهداً في تصحيحه وتقويمه، مع كثرة مشاغلهما وضيق وقتهما، فجزاهما الله عني خيراً، وزادهم الله توفيقاً وسداداً وهدىً وعلماً. كما أدعو بالرحمة والمغفرة لعلمائنا الأماجد من السلف الصالح، ومن بعدهم ومن كان على طريقهم وعلى منهجهم، وبالخصوص الشيخ العالم عبد الرزاق عفيفي ﵀، الذي

стр. 15

ورث العلم وحسن السيرة، فأسأل الله أن يجمعنا به في جنات عدن، أنه ولي ذلك والقادر عليه. وبعد فهذا الجهد مبلغ وسعي، فأرجو أن يصادف هذا العمل منكم القبول، وأن يقع منكم الإغضاء عما فيه من الغفلة والذهول. وأسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن وأن يحفظنا من فتنة القول والعمل. إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

стр. 16

التمهيد

стр. 17

المبحث الأول حياة الشيخ الشخصية . أولاً: اسمه ومولده، ونشأته . أ- اسمه ومولده: هو (١): العالم الجليل، والسلفي النبيل عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر ابن شرف الدين النوبي، ولد في السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٣٢٣ هـ الموافق ١٦ ديسمبر سنة ١٩٠٥ م، في قرية شنشور مركز أشمون التابع لمحافظة المنوفية، وهي إحدى محافظات مصر. ب- نشأته: نشأ الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في وسط أسرة محافظة، كانت طيبة الأخلاق، محمودة السيرة حسنة السمعة، متمسكة بالأخلاق الإسلامية وأخلاق أهل القرية والريف التي لم تتلون بمظاهر الحضارة الكاذبة، فتربى في كنف والده، الذي كان يتصف بصفات كريمة وفاضلة انطبعت وزادت في نجله عبد الرزاق؛ ثم انتظم الشيخ عبد الرزاق ﵀ في سلك التعليم، بعدما نما عوده، وتفتحت مواهبه، فآل به طموحه وشدة رغبته إلى الأزهر، لينهل من العلم، وليزيد حصيلته بالسؤال والقراءة، حيث كان يغرس في طلابه هذا الأسلوب، باعتباره من أساليب رسوخ العلم، وزيادة المعرفة، فكان ﵀ قوي الحافظة، سريع البديهة، مستحضر الفهم، شديد الذكاء وافر العلم غزير المادة، صاحب ألمعية نادرة ونجابة ظاهرة (٢).

стр. 18

ثانياً: أوصافه الخَلْقية، وصفاته الخُلقية، ورحلاته . أ- أوصافه الخَلْقية: كان ﵀ قوي البُنية، جسيماً مهيباً، طويل القامة، عظيم الهامة، مستدير الوجه، قمحي اللون، له عينان سوداوان يعلوهما حاجبان غزيران ومن دون ذلك فم واسع ولحية كثة غلب البياض فيها على السواد، وكان عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكفين والقدمين، ينم مظهره عن القوة في غير شدة (١). ب- صفاته الخُلُقية: يُعد الشيخ عبد الرزاق من نوادر العلماء في كل زمان، سمتاً ووقاراً وإخلاصاً وحباً للبذل من علمه وجاهه وماله .. فقد جبله الله على أخلاقٍ كريمة، وحبٍّ للمساعدة، مع تواضع جمّ، ونكرانٍ للذات، ورغبة في لين الجانب والمساعدة؛ وكان ﵀ قوي الشخصية متميز التفكير، مستقل الرأي نافذ البصيرة، سليم المعتقد حَسن الاتباع، جم الفضائل، كثير المحاسن، مثال العلماء العاملين، والدعاة المصلحين، فيه عزة العلماء وإباء الأتقياء، غاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع حكمة ولطف وبُعد نظر، لا يجابه أحداً بما يكره ولا ينتصر لنفسه. كان زاهداً عابداً أميناً صادقاً كثير التضرع إلى الله، قريب الدمعة، زكي الفؤاد، سخي اليد، طيب المعشر، صاحب سنة وعبادة، كثير الصمت، شديد الملاحظة، نافذ الفراسة، دقيق الفهم، راجح العقل، شديد التواضع، عف اللسان (٢).

стр. 19

قال عنه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أعرف عنه التواضع والعلم الجم والسيرة الحميدة، والعقيدة الطيبة، والحرص العظيم في أداء عمله على خير وجه ... " (١). ووصفه الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ بأنه: " كان ذا عقل راجح وبُعد نظر وكثرة صمت إلا إذا كان الكلام خيراً، مع ما حباه الله به من العلم الراسخ وحُسن التعليم وقلة الحشو في كلامه ... " (٢). وقال عنه الشيخ صالح الفوزان وفقه الله: "كان - أي الشيخ عبد الرزاق- ذكياً بعيد النظر ذا أناة وروية ... " (٣). ج-رحلاته: في أثناء إقامته بمصر كان يتردد على مكة حاجاً ومعتمراً ويجاور بها، وفي سنة (١٣٦٨ هـ)، قَدِم الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بلاد الحرمين الشرفين، واستوطنها إلى أن توفي سنة (١٤١٥ هـ)، بعد أن قضى شطر عمره في ميادين العلم والدعوة والتربية في مصر. والشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ يعتبر من أوائل من جاؤوا للتدريس في هذه المملكة المباركة قبلة العلماء العاملين، استجابة لرغبة كريمة من مؤسس هذه الدولة الغراء الملك عبد العزيز آل سعود ﵀، فقد وجه أمره الكريم إلى صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن عبد العزيز ابن مانع، معتمد المعارف السعودية آنذاك، وأحد أبرز رجال التعليم في المملكة العربية

стр. 20

السعودية بأن يذهب إلى مصر لترشيح واختيار نخبة ممتازة من العلماء الذين عرفوا بصحة المعتقد وسلامة المنهج، وهدفه من ذلك تنفيذ سياسته الصارمة في محاربة الجهل واقتلاع جذوره بعد أن خيَّم ردحاً من الزمن على أجزاءٍ من الجزيرة. وفي مصر وقع الاختيار على فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ليكون في طليعة من يذهبون إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في النهضة العلمية بها، وإزاء تلك الثقة الغالية من الملك عبد العزيز ﵀ والأمراء من أبنائه آثر الشيخ عبد الرزاق الاستقالة من الأزهر، وقدم إلى هذه البلاد مع كوكبة من علماء الأزهر منهم فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم (١)، وفضيلة الشيخ محمد خليل هراس (٢)، وفضيلة الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري (٣)، وفضيلة الشيخ حسنين محمد

стр. 21

مخلوف (١)، وفضيلة الشيخ محمد حسين الذهبي (٢)، وفضيلة الشيخ عبد المنعم النمر (٣)، وغيرهم؛ وقد امتاز ﵀ عن غالب زملائه وأقرانه الذين درسوا في الأزهر وفي غيره من المؤسسات العلمية بحرصة على المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٤).

стр. 22

ثالثاً: وفاته ﵀ -. في السنوات الأخيرة من عمره، انتابته أمراض عديدة، ومع هذا لم يكن من الحريصين على التردد على الأطباء إلا عند الضرورة، يقول ﵀: إن هذا شيء قدره الله، ولا بد أن يحصل .. وقد أجري له عدة عمليات في المستشفى الجامعي بالرياض، تكللت بالنجاح، ولكن الروماتيزم الذي كان معه طويلاً أقعده عن الحركة، فكان لا يأتي للعمل، ولا يذهب للمسجد إلا في عربة متنقلة، وكأن هاجساً باطنياً نبهه إلى قرب أجله، إذ أصر في حج عام ١٤١٤ هـ، أن يكون من ضيوف الرحمن، لعل الله أن يتقبّل منه حجة الوداع هذه، وقد منّ الله عليه بإكمال الحج بيسر وسهولة .. وبعد عودته من الرياض انتابته الأمراض المضنية، فأدخل الشيخ ﵀ على إثرها المستشفى العسكري بالرياض الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء الموافق ١٦/ ٣/١٤١٥ هـ في قسم العناية المركزة ثم أُخرج منها في يوم الأحد ٢١/ ٣/١٤١٥ هـ وهو يعاني من ألم شديد في الكبد وضعف في الكلى ووجود سوائل في الرئتين وهبوط في ضربات القلب وظل بالمستشفى حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الخميس ٢٥/ ٣/١٤١٥ هـ في حوالي الساعة السابعة صباحاً، ثم صلّي على جنازته عقب صلاة الجمعة ٢٦/ ٣/١٤١٥ هـ في الجامع الكبير بالرياض وقد صلى عليه خلق كثير، وقد دفن بمقبرة العود بالرياض. وما كان الجمع الغفير من مشيعيه الذين حضروا الصلاة عليه ودفنه إلا دليلاً واضحاً على محبتهم له، وإن العالم الإسلامي فعلاً قد فقد عالماً جليلاً وشيخاً فاضلاً وعَلماً من أعلام الأمة، أمضى اثنين وتسعين خريفاً من الجهاد والدعوة والعلم والتعليم بجميع جوانبه، فقدس الله روحه، ونور ضريحه، ورحمه وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في دار كرامته وجبر الله مصاب الأمة على فقده (١).

стр. 23

المبحث الثاني حياة الشيخ العلمية . أولاً: شيوخه: تتلمذ الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ على جماعة من علماء عصره، وتلقى عنهم فنوناً عدّة كلّ حسب اختصاصه وما شُهِرَ به (١). من العلماء الذين تتلمذ الشيخ عليهم ونهل من علمهم، واستفاد من دروسهم. الشيخ محمد بن حسن عافية، والشيخ محمد بن عبود عافية وهما من علماء قريته (شنشور) وأما أشهر شيوخه وأكثرهم تأثيراً فيه، فمنهم الشيخ أحمد نصر شيخ السادة المالكية، والشيخ دسوقي العربي، والشيخ عبد المعطي الشربيني، والشيخ يوسف الدجوي (٢)، والشيخ محمد العتريس، والشيخ إبراهيم الجبالي (٣)، والشيخ مصطفى المراغي (٤)، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر

стр. 24

السعدي (١) (٢) وغيرهم (٣). ثانياً: تلاميذه . تتلمذ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ وأخذ عنه جماعة، وقعدوا منه مقعد الدرس والتحصيل، ومن الصعب جداً حصرهم، ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه؛ إلا أن من تلاميذه من أصبح عالماً متألقاً في سماء العلم والمعرفة، ومنهم: معالي الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ومعالي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان، ومعالي الشيخ صالح بن فوزان آل فوزان، وسماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين ﵀، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ محمد ابن عبد الله العجلان، والشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، والشيخ الدكتور صالح الأطرم، والشيخ محمد بن عبد الله السبيل، والشيخ ناصر بن حمد الراشد، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، والشيخ عبد العزيز السعيد، والشيخ عبد العزيز بن محمد عبد المنعم، والشيخ ناصر بن عبد العزيز بن محمد الشثري؛ وغيرهم من تلاميذه بالمعهد العالي

стр. 25

للقضاء بالرياض، ومن درس عليه في المدارس النظامية أو في المسجد؛ أمم لا يحصون كثرة (١). ثالثاً: مؤلفاته . كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ لا يرى التأليف ولا يرغب فيه، مع غزارة علمه وسعة إدراكه ووفرة مادته، وكان يعلّل ذلك بأن الناس عامة، وطلبة العلم خاصة بحاجة ماسة إلى القراءة والاطلاع أكثر من حاجتهم للتأليف والتصنيف؛ وأن هذه الكتب والمؤلفات الحديثة لا فائدة فيها، وأنه يُكتفى بما كتبه وجمعه العلماء السابقون، حيث إنهم تطرقوا إلى كل فن، وأوضحوا ما يحتاج إلى توضيح، وأن من جاء بعدهم عيال عليهم (٢). ولعل السبب الحقيقي الذي حمل الشيخ على ترك التأليف مع التمكن من أدواته، زهدهُ في الشهرة والسمعة والمناصب، وتفرغه لتربية الأجيال، وبناء النفوس، وإعداد العلماء وتهيئتهم بالعلم والعمل وحمل أمانة التبليغ. ومع ذلك فلهُ ﵀ التالي- مع العلم أنه لم يؤلف كتباً إنما كان جُل تراثه عبارة عن تعليقات ومراجعات ومباحث كتبها للنفع العام أو أنها طُلبت منه -: ١ - تعليقاته على كتاب الإحكام للآمدي. ٢ - تعليقه على تفسير الجلالين وتصويبه (من سورة غافر إلى آخر المصحف).

стр. 26

٣ - مذكرة التوحيد. ٤ - إحالات على شرح العقيدة الطحاوية (١). ٥ - رسالة شبهات حول السنة (٢). ٦ - توقيعه مع اللجنة الدائمة للإفتاء على أكثر الفتاوى، ومشاركته في أبحاثها. ٧ - مراجعته على "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد خليل هراس. ٨ - تقرير على كتاب "الاعتقاد" للبيهقي. ٩ - مبحث في مذاهب المعتزلة. ١٠ - مبحث في تقديم نصوص الكتاب والسنة على العقل. ١١ - الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما. ١٢ - عصمة دم المسلم مع بيان الأسباب الطارئة التي يحل بها دمه والدليل على ذلك. ١٣ - فتوى في الكرامة وحقيقتها. ١٤ - تقريرات على بعض كتب العقيدة:

стр. 27

- نظرات وتأملات في كتب ومؤلفات فضيلة الشيخ العلامة محمد الخضر حسين شيخ الأزهر. - تقرير عن كتاب "العقيدة والسلوك في ضوء الكتاب والسنة والسيرة" لأبي الحسن الندوي. - تقرير عن كتاب "حكم القراءة على الأموات". - تقرير عن "رسالة في الرد على النصارى" منسوبة إلى مؤلفها يوسف المهتدي اللبناني. - تقرير عن كتاب " تصحيح المفاهيم في جوانب من العقيدة"و"العقل والنقل عند ابن رشد" للشيخ محمد أمان بن علي الجامي. - تقرير عن كتاب "ضوابط السنة والبدعة في الشريعة الإسلامية" للشيخ صالح ابن سعود العلي. - تقرير عن كتاب "مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر" لحسن محمد أيوب. - تقرير عن كتاب "إلى التصوف يا عباد الله" للشيخ أبو بكر الجزائري. - تقرير عن رسالة الدعوة الحموية في مرآة الطريقة الأحمدية؛ للأستاذ: طاهر ابن أبي بكر لنب دكري التجاني. - تقرير عن كتاب بغية المهتدي في رد شبهات المعتدي؛ لأبي بكر بن محمد ابن عثمان حوص المرجي. ١٥ - أسباب الانحراف عن الحق. ١٦ - تراجم بعض العلماء. ١٧ - تقريرات عن بعض الشخصيات والجماعات. ١٨ - كلمة عن الولاء والبراء. ١٩ - تفسير مختصر لسورة الفاتحة. ٢٠ - وجوب الإيمان بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان. ٢١ - مبحث الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان.

стр. 28

٢٢ - مبحث في أصحاب رسول الله ﷺ وموالاتهم والرد على الروافض والنواصب. ٢٣ - التعريف بأهل السنة والجماعة وتميزهم عن الفرق الإسلامية. ٢٤ - مبدأ وميثاق. ٢٥ - مقدمة لكتاب "المقاصد العليَّة من القصيدة النونية" للشيخ محمد بن أحمد سيد. ٢٦ - مقدمة لكتاب "الولاء والبراء" لمحمد بن سعيد بن قبيل القحطاني، رسالة أشرف عليها. ٢٧ - التجانية، ونماذج من بدع التجانية. ٢٨ - التعليق على مختصر تفسير ابن جرير. ٢٩ - أنواع التوحيد. ٣٠ - فتوى في المسيح ﵇. ٣١ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله. ٣٢ - منهج الرسل في الدعوة إلى الله. ٣٣ - الرسالة. ٣٤ - نبذة عن حال المسلمين في العصور الأولى. ٣٥ - حكم كتابة المصحف بالحروف اللاتينية. ٣٦ - ملاحظات على تتمة أضواء البيان التي كتبها فضيلة الشيخ عطية سالم. ٣٧ - مبحث الأدلة. ٣٨ - العذر بالجهل. ٣٩ - مبحث العرش والكرسي وما يتعلق بهما. ٤٠ - مناقشاته المسجلة للرسائل العلمية في الجامعة، وكتاباته في عدد من المقدمات لكتب علمية ورسائل جامعية. ٤١ - حوار علمي مع سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (١). ٤٢ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٢).

стр. 29

ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أسهم وبشكل فعال ومؤثر في بناء النهضة التعليمية التي وصلت إليها المملكة العربية السعودية اليوم، وشارك سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية والرئيس العام للمعاهد والكليات الشيخ محمد بن إبراهيم (١) -تغمدهما الله بواسع رحمته- في وضع مقررات ومناهج المعاهد التعليمية وجامعة الإمام والجامعة الإسلامية وغيرها، والتي خرجت بدورها أمماً لا يحصون كثرة من العلماء والدعاة وطلبة العلم (٢). رابعاً: مذهبه العقدي (٣). كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ سلفي العقيدة، من كبار علماء التوحيد، يرجع في أمر المعتقد إلى مذهب السلف الصالح، وقد عُرف بشدة الانتصار له، والدفاع عنه، يعض عليه بالنواجذ، ويحاول إرجاع الناس إليه بكل الوسائل. لقد كان مدافعاً ومنافحاً عن العقيدة الإسلامية الصافية "عقيدة التوحيد" فقد حارب البدع وهو يحمل لواء التوحيد، ويحافظ عليه بكل ما آتاه الله من قوة، وما حباه من عزيمة. وعلى الرغم من أن الشيخ ﵀ درس بالأزهر، وسبر كتب الأشاعرة، وألمَّ بها، وخبر مناهجها، إلا أنه لم يتأثر بشيء منها، وظل على سلفيته، مع بعده عن مصطلحات أهل الكلام وسفسطتهم، ويتضح هذا جلياً في كلمته التي بعنوان "مبدأ وميثاق"والتي قال فيها ﵀: "الإسلام عقيدة وقول وعمل، فالعقيدة إيمان راسخ بأن الله رب كل شيء ومليكه خلقاً وتقديراً وملكاً وتدبيراً، وأن العبادة بجميع أنواعها حق له وحده لا يشركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العليا التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة ... وتمر هذه النصوص كما جاءت اقتداء بسلف هذه الأمة وخير قرونها ...

стр. 30

مع تفويض العلم بكيفيتها إلى الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ... ولا يلزم من ذلك تشبيه الله بعباده ... مع الكف عن الخوض في كنهها ... إلخ" (١). يقول عنه فضيلة الدكتور عبد الله بن حافظ الحكمي: " لقد كان ﵀ أي الشيخ عبد الرزاق عفيفي- واسع العلم بمسائل العقيدة، شديد التمسك بمذهب السلف الصالح مع المعرفة التامة بالملل والنحل المختلفة وأصولها التي تصدر عنها، عالماً بعورها ومواطن دحضها. لقد كان ﵀ شديد الإعجاب بشيخ الإسلام ابن تيمية، كثير الرجوع إلى مؤلفاته، وكان مما سمعته منه: "لم أر لدى أكثر المؤلفين في العصور المتأخرة جديداً، بل تكرار لما ذكره من سبقهم سوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنك تجد في مؤلفاته الكثير منه ولا يتغير فيه شيء"" (٢). خامساً: مذهبه الفقهي . يعد الشيخ ﵀ مالكي المذهب (٣)، ولكنه صاحب عقل راجح، وفكرٍ مستنير، لم يكن ﵀ يتعصب للمذهب المالكي ولا لغيره، بل كان يكره التعصب والهوى ولا ينتصر لغير الدليل. لذا فإنه لم يقف في دراسته الفقهية عند حدود مذهب بعينه بل خرج عن هذا الإطار المحدد إلى الدراسة الواسعة الشاملة كما أننا نجد له في ثنايا فتاواه وكتاباته اختيارات من مختلف المذاهب الإسلامية وأحياناً يخرج عنها إلى اجتهاده ويدعمه بالدليل والبرهان. وبالجملة فقد كان ﵀ غاية في معرفة المذاهب وأقوال الفقهاء لا يقلد أحداً، وإنما يتبع ما يراه موافقاً للدليل (٤) (٥).

стр. 31

قال الشيخ عبد الله الحكمي: "كان ﵀ في علم الفقه سريع الاستحضار للأحكام الشرعية، محيطاً بأدلتها، عالماً بقواعدها، وأصولها، مدركاً لأشباه المسائل ونظائرها، سديد الرأي، صائب الاجتهاد، يفتي السائل حسب مستواه من الجهل والعلم" (١). وقال الدكتور محمد الصباغ: " كان ﵀ فقيهاً مجتهداً، وما كان يرضى التعصب لمذهب من المذاهب مع إحاطة بها لم أرَ مثلها، بل كان يمشي مع الدليل، وقد تكونت لديه ملكة فقهية عظيمة" (٢). سادساً: مؤهلاته العلمية . لقد تحصل الشيخ عبد الرزاق ﵀ على عدد وافر من الشهادات والإنجازات العلمية. ومؤهلات الشيخ العلمية على النحو التالي: تخرج من الكتاتيب مبكراً، بعد حفظه المتقن والمجود لكتاب الله. وقد تخرج الشيخ ﵀ من الأزهر من أعلى مستوياته، فقد تحصل على الشهادتين الابتدائية والثانوية ثم تحصل على الشهادة العالمية في الرابع والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٥١ هـ الموافق السادس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٣٢ م. وفي الرابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٥٥ هـ، الموافق الثامن والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٩٣٦ هـ، منح شهادة التخصص في الفقه وأصوله، وهي التي تُعرف اليوم بشهادة (الدكتوراه). ثم واصل تحصيله العلمي حتى أضحى من العلماء الفحول والحفظة العدول ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

стр. 32

ومما تجدر الإشارة إليه، أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ لم يكن يعبأ بهذه الشهادات، ولم يفاخر بها. ويؤكد هذا فضيلة الدكتور محمد بن سعد الشويعر، قائلاً: " كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ ممن يزهد في الشهادات الدراسية، والتشدق بذكرها، وإنما يراها وسيلة لحمل العلم، وثقل الأمانة التي يجب أن تؤدى، ولم نسمعه يوماً يتحدث عن المؤهل الذي تحصَّل عليه" (١). سابعاً: جهوده في نشر العلم ومناصبه (٢). لقد أدى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ على مدار تسعة وأربعين عاماً دوراً مهماً وفاعلاً في الحياة العلمية والاجتماعية ويمكن إجماله فيما يلي: أ- لقد أمضى الشطر الأول من حياته في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان داعية من أبرز دعاة جماعة أنصار السنة المحمدية (٣) في مصر ومن المؤسسين لها (٤).

стр. 33

ب- اشتغاله بالتدريس في معهد الإسكندرية الديني. ت- تقلده منصب وكالة المعهد الديني بالإسكندرية، وقيامه بأعباء هذا المنصب خير قيام. ث- إمامته المسلمين في الإسكندرية وضواحيها، وقيامه بإلقاء الخطب والمحاضرات في المساجد والمحافل العلمية، وقد كانت وظيفته الدعوة إلى الله وهي أشرف عمل على الإطلاق. ج- جهوده التعليمية والتربوية والدعوية في دار التوحيد بالطائف في المملكة العربية السعودية (١٣٦٨ هـ - ١٣٧٠ هـ). ح- محاضراته القيمة ودروسه العلمية في معهدي عنيزة العلمي والرياض (١٣٧٠ هـ - ١٣٧١ هـ). خ- تأسيسه وتدريسه في كليتي الشريعة واللغة العربية بالرياض. د- معاصرته لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض منذ نواتها الأولى واستمرار عطائه لها إلى أن توفاه الله. ذ- جهوده المخلصة وعمله الدؤوب إبَّان إدارته للمعهد العالي للقضاء (١٣٨٥ هـ - ١٣٩٠ هـ) وتخريج أفواج من طلبة العلم والدعاة على يديه، علماً بأنه قام بالتدريس فيه والإشراف على رسائله لطلابه والمشاركة في تقويمها، وكان من المخططين لمناهج هذا المعهد، واستمر في إدارة المعهد العالي للقضاء إلى أن بلغ سن التقاعد عام ١٣٨٦ هـ، إلا أنه استثني منه بطلب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وبموافقة مجلس الوزراء بقراره رقم ٤١١ بتاريخ ٢٥/ ٦/١٣٨٧ هـ. ر- مشاركته في اللجان العلمية التي كان من ثمراتها إنشاء الكليات والمعاهد العلمية بالمملكة. ز- عضويته الفاعلة وجهوده المتواصلة في وضع مناهج ومقررات الجامعة العلمية بالمدينة المنورة.

стр. 34

س- تحريره وصياغته لآلاف الفتاوى والبحوث التي تتسم بالعمق والأصالة والدقة، وذلك خلال عمله نائباً لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، مدة أربع وعشرين سنة. ش- دروسه العلمية ومحاضراته وندواته المفيدة وكلماته التوجيهية وعقد مئات المجالس العلمية في المساجد وفي بيته وفي بعض المعاهد التربوية ودور العلم. ص - إشرافه على عشرات الرسائل العلمية (دكتوراه وماجستير) ومناقشته للمئات منها. ض- تقويمه للأعمال العلمية والأبحاث التي تتسم بالأصالة والابتكار لكثير من الأساتذة طلباً للترقية إلى الدرجة العلمية التي يستحقونها. ويتضح مما سبق أن الشيخ ﵀ أفنى حياته في العلم والتعليم والإفتاء وانتفع بعلمه ودروسه أُمم لا يحصون كثرة واعترفوا له بالفضل بعد فضل الله وافتخروا بالانتماء إلى تعليمه. ثمانون عاماً والحياة مصاعد ... وللشيخ فيها منهجٌ وسناءُ إذا المحفلُ الراقي تناظر جمعُهُ ... رأيتَ مقال الشيخ فيه سخاءُ شواهدهُ الآيات جَلَّ دليلها ... وحشدُ أحاديثٍ لهنَّ صفاءُ يُسَرْبِلُ بالإقناع كلَّ مقالهِ ... فيُصغي لهُ الكُتَّابُ والخطباءُ إلى عرصات الخلد يا وافر النُّهى ... لعلك عند الله حيث تشاءُ وإنَّ قصيدي حينَ يندى بذكرِكُم ... حريٌّ بأن يندى به الشعراءُ (١)

стр. 35

الباب الأول: منهج الشيخ عبد الرزاق وجهوده في تقرير العقيدة . وفيه خمسة فصول:

стр. 36

الفصل الأول: منهج الشيخ عبد الرزاق في تقرير مسائل الاعتقاد والاستدلال عليها وفيه مبحثان:

стр. 37

المبحث الأول منهج الشيخ في تقرير مسائل الاعتقاد . قبل الاطلاع على منهج الشيخ في تقرير مسائل العقيدة، يحسن بنا أولاً التعريف بلفظ المنهج في اللغة والاصطلاح. معنى المنهج في اللغة والاصطلاح: المنهج لغة (١): الطّريق الواضح، مأخوذ من نهج ينهج نهجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، أي سبيلاً وسنّة (٢). واصطلاحاً: هو الطّريق المؤدي إلى التعرّف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد، التي تهيمن على سبر العقل، وتحدّد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة (٣)، وبعبارة موجزة هو: "القانون أو القاعدة التي تحكم أيّ محاولة للدراسة العلمية في أيّ مجال" (٤). وعليه فإنّ المناهج تختلف باختلاف العلوم التي تبحث فيها، فلكلّ علم منهج يناسبه، مع وجود قدرٍ مشترك بين المناهج المختلفة (٥). والذي يعنينا هنا بالدّرجة الأولى هو العقيدة الإسلامية والمنهج الذي اتّبعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في تقريرها والرد على المخالفين؛ ولا يشك الناظر والمتتبع لأقوال الشيخ ﵀ وفتاويه أنه سلفيّ المنهج، متَّبع لما عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولما عليه

стр. 38

السلف الصالح من أئمة الإسلام، كالإمام أحمد والشافعي ومالك والسفيانين (١)، وأمثالهم من أئمة السنة والحديث؛ ويظهر هذا من شديد تمسكه بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة، وتعظِّيمه للصحابة الكرام ﵃، فلا يعدل بهم أحداً ممن جاء بعدهم، ويرى أنهم أصح الناس فهماً وعلماً، وأن قولهم في الكتاب والسنة هو الحق الذي يجب المصير إليه.

стр. 39

منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد: سلك الشيخ ﵀ في تقرير مسائل الاعتقاد منهج أهل السنة والجماعة، فالشيخ ﵀ سلفي النزعة شديد الاعتماد على الكتاب والسنة والأثر؛ ويستطيع القارئ لهذا البحث -إن شاء الله- أن يستنتج سمات منهج الشيخ العقدي، والتي يمكن إجمالها فيما يلي: أولاً: انتسابه إلى مذهب السلف دون غيرهم من الفرق . فالهداية التامة والمعرفة الصادقة لا تتم إلا باتباع سلف الأمة رضوان الله عليهم (١)، وبهذا نعلم أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ وإن كان تخصص في المذهب المالكي في الفروع وتخرج من جامعة الأزهر، والغالب على الجامعة في عصره السير على منهج المدرسة الأشعرية، إلا أن الشيخ ﵀، لم يكن متعصباً لأشياخه وأصحاب مذهبه، بل كان صاحب اجتهاد واطلاع واسع مكّنه من الخروج من ربقة التقليد الأعمى إلى النظر في الدليل واتباع الحق، وقد شُهد له بذلك، بل نجده ينتقد بعضهم كالآمدي والجلالين وغيرهم ممن لم ينتسب إلى مذهب السلف. ثانياً: الالتزام بنصوص الكتاب والسنة ، في أصول الدين وفروعه، وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال. سار السلف ﵃ في تقرير العقيدة على التمسك بما جاء في الكتاب والسنة، لعلمهم أنه لا حياة للقلوب ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال: ٢٤، فيجب التسليم والالتزام بما في الكتاب والسنة.

стр. 40

وقد سلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ هذا المسلك ودعا إليه وبنى تكوينه العلمي ونهجه الدعوي على هذا الأساس المبارك، وما كلام الشيخ ﵀ وتآليفه وفتاويه إلا أكبر شاهد على سلوكه هذا السبيل واعتصامه بهذا الأصل العظيم من أصول الدين (١). قال ﵀: "الأدلة متضافرة على وجوب اتباعه ﵊ في كل ما جاء به من التشريع فعلاً كان أو قولاً، أمراً أو نهياً، إيماناً به وتسليماً له وعملاً بمقتضاه؛ إلاّ أن المتَبع فيه من التشريع ليس على وزن واحد في حكمه، بل جزئياته متفاوتة في الرتبة؛ فمنه المطلوب والممنوع والمباح، فكان واجباً اتباعه ﵊ في كل ذلك على الوجه الذي بينته الأدلة التفصيلية بإيجاب الواجب وندب المندوب والعمل بكل منهما في درجته، والتوسع في المباح بفعله تارة وتركه أخرى، ومنع المحرم والمكروه وتجنب كل منهما حسب درجته. وبالجملة الأمر ظاهر في وجوب الاتباع والإجمال إنما هو في المتبع فيه فيرجع في بيان درجته إلى الأدلة التفصيلية لينزل على ضوئها كل فعل أو قول منزلته، وهو شبيه في الجملة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ النحل: ٩٠ الآية" (٢). قال العلامة ابن القيم ﵀: "والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة؛ فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، وقد أقسم ﷺ بأن (لا يؤمن أحدكم حتى أكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٣)، وأقسم الله
следующие страницы →