← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول: منهج الشيخ عبد الرزاق في تقرير مسائل الاعتقاد والاستدلال عليها وفيه مبحثان:

стр. 37

المبحث الأول منهج الشيخ في تقرير مسائل الاعتقاد . قبل الاطلاع على منهج الشيخ في تقرير مسائل العقيدة، يحسن بنا أولاً التعريف بلفظ المنهج في اللغة والاصطلاح. معنى المنهج في اللغة والاصطلاح: المنهج لغة (١): الطّريق الواضح، مأخوذ من نهج ينهج نهجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، أي سبيلاً وسنّة (٢). واصطلاحاً: هو الطّريق المؤدي إلى التعرّف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد، التي تهيمن على سبر العقل، وتحدّد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة (٣)، وبعبارة موجزة هو: "القانون أو القاعدة التي تحكم أيّ محاولة للدراسة العلمية في أيّ مجال" (٤). وعليه فإنّ المناهج تختلف باختلاف العلوم التي تبحث فيها، فلكلّ علم منهج يناسبه، مع وجود قدرٍ مشترك بين المناهج المختلفة (٥). والذي يعنينا هنا بالدّرجة الأولى هو العقيدة الإسلامية والمنهج الذي اتّبعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في تقريرها والرد على المخالفين؛ ولا يشك الناظر والمتتبع لأقوال الشيخ ﵀ وفتاويه أنه سلفيّ المنهج، متَّبع لما عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولما عليه

стр. 38

السلف الصالح من أئمة الإسلام، كالإمام أحمد والشافعي ومالك والسفيانين (١)، وأمثالهم من أئمة السنة والحديث؛ ويظهر هذا من شديد تمسكه بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة، وتعظِّيمه للصحابة الكرام ﵃، فلا يعدل بهم أحداً ممن جاء بعدهم، ويرى أنهم أصح الناس فهماً وعلماً، وأن قولهم في الكتاب والسنة هو الحق الذي يجب المصير إليه.

стр. 39

منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد: سلك الشيخ ﵀ في تقرير مسائل الاعتقاد منهج أهل السنة والجماعة، فالشيخ ﵀ سلفي النزعة شديد الاعتماد على الكتاب والسنة والأثر؛ ويستطيع القارئ لهذا البحث -إن شاء الله- أن يستنتج سمات منهج الشيخ العقدي، والتي يمكن إجمالها فيما يلي: أولاً: انتسابه إلى مذهب السلف دون غيرهم من الفرق . فالهداية التامة والمعرفة الصادقة لا تتم إلا باتباع سلف الأمة رضوان الله عليهم (١)، وبهذا نعلم أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ وإن كان تخصص في المذهب المالكي في الفروع وتخرج من جامعة الأزهر، والغالب على الجامعة في عصره السير على منهج المدرسة الأشعرية، إلا أن الشيخ ﵀، لم يكن متعصباً لأشياخه وأصحاب مذهبه، بل كان صاحب اجتهاد واطلاع واسع مكّنه من الخروج من ربقة التقليد الأعمى إلى النظر في الدليل واتباع الحق، وقد شُهد له بذلك، بل نجده ينتقد بعضهم كالآمدي والجلالين وغيرهم ممن لم ينتسب إلى مذهب السلف. ثانياً: الالتزام بنصوص الكتاب والسنة ، في أصول الدين وفروعه، وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال. سار السلف ﵃ في تقرير العقيدة على التمسك بما جاء في الكتاب والسنة، لعلمهم أنه لا حياة للقلوب ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال: ٢٤، فيجب التسليم والالتزام بما في الكتاب والسنة.

стр. 40

وقد سلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ هذا المسلك ودعا إليه وبنى تكوينه العلمي ونهجه الدعوي على هذا الأساس المبارك، وما كلام الشيخ ﵀ وتآليفه وفتاويه إلا أكبر شاهد على سلوكه هذا السبيل واعتصامه بهذا الأصل العظيم من أصول الدين (١). قال ﵀: "الأدلة متضافرة على وجوب اتباعه ﵊ في كل ما جاء به من التشريع فعلاً كان أو قولاً، أمراً أو نهياً، إيماناً به وتسليماً له وعملاً بمقتضاه؛ إلاّ أن المتَبع فيه من التشريع ليس على وزن واحد في حكمه، بل جزئياته متفاوتة في الرتبة؛ فمنه المطلوب والممنوع والمباح، فكان واجباً اتباعه ﵊ في كل ذلك على الوجه الذي بينته الأدلة التفصيلية بإيجاب الواجب وندب المندوب والعمل بكل منهما في درجته، والتوسع في المباح بفعله تارة وتركه أخرى، ومنع المحرم والمكروه وتجنب كل منهما حسب درجته. وبالجملة الأمر ظاهر في وجوب الاتباع والإجمال إنما هو في المتبع فيه فيرجع في بيان درجته إلى الأدلة التفصيلية لينزل على ضوئها كل فعل أو قول منزلته، وهو شبيه في الجملة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ النحل: ٩٠ الآية" (٢). قال العلامة ابن القيم ﵀: "والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة؛ فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، وقد أقسم ﷺ بأن (لا يؤمن أحدكم حتى أكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٣)، وأقسم الله

стр. 41

سبحانه بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الأحزاب: ٣٦، فقطع التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئاً بعد أمره ﷺ ... " (١). - احتجاج الشيخ بخبر الآحاد (٢): وكذلك فالشيخ ﵀ يحتج بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد، حيث يقول ﵀: " أحاديث الآحاد الصحيحة قد تفيد اليقين إذا احتفت بالقرائن وأفادت غلبة الظن وعلى كلتا الحالتين يجب الاحتجاج بها في إثبات العقيدة وسائر الأحكام الشرعية ولذلك أدلة كثيرة ... " (٣) (٤). وتطبيقاً لهذه القاعدة -الالتزام بنصوص الكتاب والسنة- نجد أن الشيخ ﵀ يأخذ بخبر الآحاد في أبواب الاعتقاد، كما هو مذهب السلف وجماهير أهل السنة والجماعة (٥).

стр. 42

والقول بخلاف ذلك قول مبتدع أحدثته الجهمية (١) والمعتزلة (٢) لكي تسلم لهم أصولهم الفاسدة التي أصَّلوها في باب أفعال الله وأسمائه وصفاته ﵎، ولما رأوا أن هذه الأخبار لا توافق ما ذهبوا إليه، قالوا: هذه أخبار آحاد ولا تفيد القطع، والعقائد لا بد فيها من القطع واليقين! (٣). ثالثاً: رفض دعوى التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح ، ورفض ما يترتب على ذلك من القول بالتأويل. إن من أبرز السمات للمدرسة السلفية رفض الدعوى الذائعة بين المتكلمين بتعارض النقل والعقل، وقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بتأليف كتابه الكبير "درء تعارض العقل والنقل" (٤) للرد على هذه القضية التي تولى كبْرها الفخر

стр. 43

الرازي (١) في كتابه "تأسيس التقديس"، فأتى شيخ الإسلام على جميع ما في كتاب الرازي ونقضه حرفاً حرفاً، وأتى فيه بعجائب العلوم القرآنية وسواطع الحجج الأثرية، وقابل الحجج العقلية بمثلها وبما يبطلها ويؤيد الحق، فكان ذلك العمل مما يحمده عليه أهل الإسلام والإيمان إلى أن تقوم الساعة. فالله هو الذي خلق العقل وهو الذي أنزل الوحي ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ الأعراف: ٥٤، فيستحيل وجود التعارض بين العقل والوحي، والله جل وعلا قد أعطى العقل القدرة على إدراك أن الوحي من عند الله، وإدراك أن الرسول صادق فيما جاء به عن الله، فإذا وصل العقل إلى هذه الحقيقة وجب عليه الانصياع لأوامر الدين والتقيد بها، لأنه مخلوق كسائر المخلوقات، أما أن يكون حاكماً في كل مسألة من مسائل الدين، فهذا تطوير للعقل مرفوض، وتعدٍّ للحدود يؤدي إلى هدم الشريعة، وهذا هو ما تنادي به العلمانية (٢) المعاصرة (٣). وما جهود الشيخ في تقرير توحيد الأسماء والصفات (٤) إلا أدل دليل على هذا المنهج. رابعاً: إبراز وسطية أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد . إن المتأمل لكلام الشيخ عبد الرزاق ﵀، يجد أن إبرازه لتوسط أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد لا تكاد تغيب عن باله؛ ومن أمثلة ذلك:-

стр. 44

١ - ما قرره: من أن أهل السنة والجماعة وسط في حكم مرتكب الكبيرة بين المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، وبين الخوارج والمعتزلة الذين يخرجون صاحبها من الإيمان ويحكمون بخلوده في النار إن مات عليها من غير توبة. فأهل السنة والجماعة يرون أنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأنه تحت مشيئة الله إن مات ولم يتب، إن شاء الله غفر له ودخل الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ النساء: ٤٨ (١). ٢ - كذلك ما قرره من أن أهل السنة والجماعة وسط في مسألة القدر بين الجبرية المنكرين للأفعال الاختيارية لبني الإنسان، وبين المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وينكرون مشيئة الله وخلقه لذلك الفعل، فقرر: أن للعبد فعلاً وكسباً بقدرته واختياره، وأن ذلك واقع بمشيئة الله وقدرته التي لا يخرج عنها شيء في هذا العالم، ثم فرّق بين نوعين من المشيئة والإرادة، وأن هناك مشيئة وإرادة شرعية ودينية، وهناك مشيئة وإرادة كونية، وقد هدى الله أهل السنة لفهم هذا الفرق فقالوا بالحق الذي نطقت به نصوص الكتاب والسنة (٢). ٣ - ومن ذلك إبرازه لوسطية أهل السنة والجماعة في باب صفات الله تعالى وأنهم وسط بين الممثلة وبين المعطلة. الممثلة الذين مثلوا الله تعالى بخلقه، والمعطلة الذين نفوا عنه ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، أو نفوا بعض ذلك كالصفات الفعلية والخبرية، لكن أهل السنة والجماعة أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، على حدّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ (٣).

стр. 45

٤ - ومن ذلك إبرازه لوسطية أهل السنة والجماعة في باب الصحابة ﵃ وفي آل بيته ﷺ بين الروافض والنواصب. فالروافض قد طعنوا في عدالة كثير من الصحابة ﵃ وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر، وكذلك في عثمان، ولم يترضوا إلا على علي ونفر قليل من الصحابة، فضلّلوا خير أمة أخرجت للناس. والنواصب هم الذين يبغضون علياً ﵁ وأهل بيته ويسبُّونهم. فأهل السنة يوالون الصحابة جميعاً ويفضلونهم على من بعدهم مستدلين على ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك، ويقولون أفضل هذه الأمة بعد نبيها الخلفاء الراشدون، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من آمن قبل الفتح، والمهاجرون أفضل من الأنصار، وليس التفضيل قدحاً في المفضول، ولكنه العدل والإنصاف الذي دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبالعدل قامت السموات والأرض، فأهل السنة يتولون جميع الصحابة ولا يتبرؤون من أحد منهم (١). ٥ - ومن معالم الوسطية كذلك لدى أهل السنة والجماعة موقفهم من المبتدعة والمخالفين، فلا يكفرون كل من قال قولاً مبتدعاً، فإن الرجل يكون مؤمناً ظاهراً وباطناً، لكن تأوَّل تأويلاً أخطأ فيه، إما مجتهداً، وإما مفرطاً مذنباً، فلا يقال: إن إيمانه حبط بمجرد ذلك إلا أن يدل دليل شرعي؛ لكن يُبين أن هذه الأقوال المبتدعة المنحرفة، المتضمنة نفي ما أثبته الله ورسوله، أو إثبات ما نفاه الله ورسوله، أنها كفر - إن كانت مكفرة- ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويقال أن من قالها فهو كافر، ونحو ذلك على سبيل العموم، أما الشخص المُعين فلا يشهدون على معيَّن أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه؛ لأن الشخص المعيَّن يمكن أن يكون ممن لم يبلغه النص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أو جبت له رحمة الله.

стр. 46

وهذا لا يمنع من معاقبته في الدنيا لمنع بدعته، ولا يمنع استتابته، وذلك لحفظ الدين وإقامته، فتكفير المعيَّن والحكم عليه بالردة لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع (١)، وأهل السنة والجماعة في ذلك يخالفون من يقول بكفر كل مبتدع ولا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره، ولا بين إطلاق الحكم العام على المقالة وإطلاقه على القائل المعيَّن، وهؤلاء يدخل عليهم من هذه التعميمات في القول بالتكفير أمور عظيمة (٢). خامساً: رده على الفرق المنحرفة في العقائد: والشيخ عبد الرزاق ﵀ كغيره من علماء أهل السنة والجماعة، تصدى للرد على بعض الفرق المنحرفة في العقائد، وبيان فساد آرائها ومعتقداتها، فتصدّى للخوارج، والشيعة، والباطنية، والصوفية، وأهل الكلام، ومذاهب وفرق معاصرة (٣). قال الشيخ محمد بن لطفي الصباغ: "لقد كان - أي الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ يعيش عصره ويدرك بعمق شراسة الغزو الفكري والاستعماري للمسلمين، ويعرف التيارات الفكرية والسياسية التي تسود العالم وتغزو بلاد المسلمين، يعرفها تمام المعرفة! وهذه صفة لم تكن موجودة في كثير من علماء عصره" (٤). سادساً: وضوح العبارات، ودقة المعاني والرغبة في الوصول إلى الحق من أقصر طُرُقه مع البعد عن مصطلحات المتكلمين، وتعقيداتهم وتخرصاتهم.

стр. 47

المبحث الثاني منهج الشيخ في الاستدلال على مسائل الاعتقاد . المطلب الأول مصادره . الكتاب والسنة هما مصدرا التشريع، والصراط المستقيم، والعلم النافع، والدواء الصالح، من تمسك بهما عُصِم، ومن تبعهما نجا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ النور: ٥١ - ٥٢، وقال النبي ﷺ : (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه) (١). والصحابة والتابعون ومن تبعهم كانوا يحثون على التمسك بالقرآن والسنة، والأخذ والاعتصام بهما، وترك ما خالفهما، وطرح الآراء المناوئة لهما جانباً، وعالِمُنا كان على طريق هؤلاء السلف الذين ساروا في اعتقادهم وفق منهج علمي سليم مستمد من نصوص القرآن والسنة، ولهذا كان أول المصادر التي اعتمدها في الاستدلال: القرآن والسنة. ١ - القرآن الكريم: عَرَّف الشيخ عبد الرزاق: القرآن في اللغة، بقوله: " القرآن: في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، ومعناه في اللغة: الجمع والضم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾

стр. 48

القيامة: ١٨، أي جمعناه لك في صدرك فاتبع ذلك الذي جمع تلاوة وبلاغا وعملا وقد صار علماً بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف علماء الشرع" (١) (٢). ويقول ﵀: "القرآن: كلام الله حقاً لفظه ومعناه، تكلم به رب العالمين وسمعه منه جبريل ﵇ وبلَّغه جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام دون تغيير ولا تبديل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥، وقد تكفل الله بحفظه وجمعه في قلب محمد ﷺ وبيانه له قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ الإنسان: ٢٣، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ القيامة: ١٦ - ١٩، وليس كلامه مثل كلام الإنس أو الجن أو الملائكة، بل بصفة وكيفية مختصة به تعالى لا يعلم حقيقتها إلاَّ الله سبحانه لا يشابه فيها خلقه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه صفات أحد من المخلوقات، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً" (٣). وهذا التعريف موافق لتعريف أهل السنة؛ بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأن كلام الله صفة لله، قائمة بذاته، على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلماً، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم بحرف وصوت يُسمع (٤).

стр. 49

وقد استدل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بالقرآن الكريم في كثير من المسائل العقدية، وبيّن وجه دلالته عليها في مواضع عدة. ٢ - السنة النبوية: وتأتي في المرتبة الثانية من مصادر التشريع - بعد القرآن الكريم- بمعنى: إن لم يتيسر فهم قضيّة ما من القضايا أو مسألة من المسائل طلب فهمها من سنّة النبيّ ﷺ فإنها البيان للقرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ النساء: ١٠٥، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: ٤٤، وقال النبي ﷺ : (ألا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه) (١). والسنة كذلك هي من الوحي والذكر الذي تكفل الله تعالى بحفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بها، واتباعها، والعمل بالأحاديث الصحيحة الثابتة منها والاحتجاج بها دون تفريق بين خبر الآحاد وغيره، ودون تفريق بين المسائل العملية والمسائل الاعتقادية؛ وإذا صحّ الخبر عن رسول الله ﷺ فهو حجة بنفسه، في الأحكام والعقائد وغيرها من أمور الدين. ومن هذا المنطلق اعتمد الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ على ما صحّ من السنة المطهرة، واستدل بها على كثير من المسائل العقدية. واحتج بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد. قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " أحاديث الآحاد الصحيحة قد تفيد اليقين إذا احتفت بالقرائن وأفادت غلبة الظن وعلى كلتا الحالتين يجب الاحتجاج بها في إثبات العقيدة وسائر الأحكام الشرعية ولذلك أدلة كثيرة ... منها:

стр. 50

أن النبي ﷺ كان يرسل آحاد الناس بكتبه (١) إلى ملوك الدول ووجهائها ككسرى وقيصر يدعوهم فيها إلى الإسلام، ولو كانت الحجة لا تقوم عليهم بذلك لكونهم آحاداً ما اكتفى بإرسال كتابه مع واحد لكونه عبثاً ... " (٢) (٣). ٣ - الإجماع: الإجماع هو ثالث مصدر للتشريع الإسلامي، وهو عند أهل السنة والجماعة دليل مقطوع به، يستدلّ به على مسائل العقيدة، لا سيما إجماع الصّحابة - رضوان الله عليهم جميعاً-. ولهذا فإن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ قد اعتمده في تقريرها، بمعنى: أنّ الإجماع إذا انعقد على قضيّة معيّنة أصبح الحكم الثّابت فيها معلوماً من الدّين بالضرورة، كوحدانية الله تعالى، وربوبيته، وأحقّيته بالعبادة والطّاعة، ونبوّة محمد ﷺ وكونه خاتم الأنبياء والرّسل، والنّصوص الدالّة على قيام الساعة والمعاد والبعث والحساب والجنة والناّر ... ، إلى غير ذلك، ممّا سيُرى في بحثي- إن شاء الله تعالى-. ٤ - أقوال السّلف والخلف: إذا لم يجد الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في أقوال الصّحابة ما يعينه على فهم المراد من النّص، فإنه يتجه إلى أقوال التابعين وتابعيهم ومن بعدهم؛ والمتأمل لكلام الشيخ ﵀ يلاحظ مدى استعانته بأقوال السّلف والخلف ﵏ جميعاً-. ٥ - العقل: إن الإسلام كرّم العقل أيّما تكريم، كرّمه حين جعله مناط التكليف للإنسان، والذي به فضّله الله على كثير من مخلوقاته، وكرّمه حين وجّهه إلى النّظر والتفكّر في النّفس والكون اتّعاظاً واعتباراً، وكرّمه حين أمسكه عن الولوج فيما لا يحسنه ولا يهتدي فيه إلى سبيل؛

стр. 51

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ الإسراء: ٧٠، وبيان الآية أن الله سبحانه عدّد على بني آدم ما خصّهم به من المزايا من بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكرم به الآدمي العقل الذي به يعرف الله تعالى ويفهم كلامه ويوصل إلى نعمه (١). ومن هنا ندرك أهمية العقل، وأنّه الميزة التي فضّل الله بها الإنسان عن غيره، غير أنه تعالى جعل له حدوداً في إدراكه للأشياء ينتهي إليها، فلو كان العقل يدرك كلّ مطلوب لاستغنى الخلق به عن الشّرع، وانتفت الحكمة من إرسال الأنبياء والرسل، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥، لكن العقل شرط في التكليف، وآلة للتمييز بين الحسن والقبيح، والسنة والبدعة، والرياء والإخلاص، ولولاه لم يكن تكليف ولا توجّه أمر ولا نهي، وهو دائماً محتاج إلى هداية الوحي وتنبيه الرسل لتقويمه وتأييده (٢). واعتبر الإسلام العقل ولم يلغه، فمن مظاهر اعتباره للعقل وعدم إلغائه له أنه حثه علي التفكير فيما يدركه ويشاهده، ومنعه من التفكير والتخبط فيما لا يدركه ولا يقع تحت حسه من المغيبات التي لا يمكن أن يصل في تفكيره فيها إلى نتيجة فالسلف ﵏ لم يلغوا العقل كما يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع (٣). ٦ - الفطرة أو الحس: الفطرة مطمئنة إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من أصول الدين، وأنه لو تُرك الناس وفطرهم السليمة لما حصل خلاف في أصول الدين، فالفطرة شاهدة بصحة

стр. 52

السمع ووفائه بحاجات البشر في جميع مجالات الحياة، ومصداق هذا ما جاء في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (١). ولا يعكّر على هذا ما يزعمه المشركون وكثير من الضالين من عدم توافق الشريعة وأحكامها مع أذواقهم ومتطلباتهم فيلتمسون الهدي من غير شريعة الله؛ لأن هؤلاء صدق عليهم قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ المطففين: ١٤، فهم لم يقبلوا هدي الله أصلاً ولم يرفعوا به رأساً، وإنما أساءوا به الظنون بادي الأمر وأقبلوا عليه إقبال الشاكّ المرتاب، فحُرموا بركته ولم تنشرح صدورهم لهداه ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ النبأ: ٢٦. فدليل الفطرة عند السلف ثمرة من ثمرات صحة الاعتقاد والإيمان وتحقيق العبودية لله تعالى، ولا يمكن أن يحصل بغير ذلك. فإذا صح الإيمان وتحققت العبودية لله، شهدت الفطرة عظمة هذا الدين وأقرّت بالكمال للكبير المتعال عن علم وبصيرة، وأيقنت أن كل ما يجري في هذا العالم إنما هو من آثار أسمائه وصفاته وبقضائه وقدره (٢). والمتأمل لكلام الشيخ عبد الرزاق (٣) ﵀ يجد أنه استدل بالعقل والفطرة في بعض المواطن كما هو منهج أهل السنة والجماعة، وأنه يعدهما مصدرين من مصادر المعرفة الدّينية، لكنّهما ليسا مصدرين مستقلين، بل يحتاجان إلى تنبيه الشّرع وإرشاده إلى الأدلة، فهما يوافقان ويشهدان بصحة السمع ولا يعارضانه أبداً.

стр. 53

المطلب الثاني طريقته في الاستدلال . المتأمل لكلام الشيخ ﵀ وفتاويه يتضح له أنه كان متبعاً لمنهج السلف في الاستدلال تحقيقاً، وتطبيقاً، ومما يؤيد ذلك عدة أمور: ١ - أنه اقتصر في الاستدلال على الأحكام- ومنها أمور الاعتقاد -، على ما اقتصر عليه السلف الصالح الكتاب والسنة وفهم السلف من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم وسائر الأئمة المقتدى بهم في الدين (١). ٢ - احتجاجه بخبر الآحاد (٢) في مسائل الاعتقاد (٣). ٣ - تقديم الشرع على العقل: والسلف ﵏ يقدمون الشرع على العقل، ويرون أن كل ما خالف الشرع فهو خيال وأوهام (٤) لا حقائق؛ وإلاّ ففي حقيقة الواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح (٥). قال الشيخ عبد الرزاق: وهو يبين أن العقل لا يقوى على معارضة النقل: " لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلاً، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعاً، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه ديناً وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ... ثقة بعقله ... واتهاماً لرسول الله ﷺ ... واتهاماً لثقات الأمة وعدولها، الذين نقلوا إلينا

стр. 54

نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولاً وعملاً ... فأي عقل من العقول يجعل أصلاً يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلاً؟ ... " (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط تعارض في هذا العقل والنقل، فضلاً عن أن يقول: فيجب تقديم العقل" (٢). ٤ - عدم الأخذ بالأحاديث الضعيفة: وكان من منهج السلف ﵏ طرح الأحاديث الضعيفة وعدم الأخذ بها؛ لأن الدين لا يبنى على حديث ضعيف غير ثابت، فضلاً عن أن يبنى على حديث موضوع يعلم كذبه، بل ولا يجوز تأويل ما علم كذبه بتقدير ثبوته (٣). يقول شيخ الإسلام ﵀: " فأما إذا علم أن اللفظ كذب على رسول الله ﷺ لم يجز أن يرويه عن النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ : (مَنْ حَدَّثَ عَنِّى، بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) (٤)، ولا يجوز تفسير ما علم أنه كذب بتقدير ثبوته" (٥). ٥ - الأخذ بظاهر النصوص: ويعتقد أهل السنة أن الله خاطبنا بما نفهم، وأراد منا اعتقاد ظاهر النصوص على الوجه اللائق، فنصوص الصفات مثلاً تجري على ظاهرها بلا كيف، كما تظافرت عبارات السلف في ذلك، فتثبت له الصفات الواردة بلا تمثيل، فلو كان ظاهر النصوص غير مراد لما

стр. 55

خاطبنا بها ربّنا تعالى، ولما أمرنا بتدبر كتابه، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩. (١) فبهذا نعلم أن الواجب الأخذ بظواهر النصوص، وأنه ليس هناك باطن يخالف الظاهر، فالباطن الحق عند السلف موافق للظاهر الحق، وكل معنى باطن يخالف ظاهر الكتاب والسنّة فهو خيال وجهل وضلال (٢). قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " فيستحيل أن تتوارد النصوص وتتتابع الآيات والأحاديث على إثبات أسماء الله وصفاته بطريقة ظاهرة واضحة والمراد غير ما دلت عليه حقيقة، ويقصد الله منها أو يقصد رسوله ﵊ إلى معان مجازية من غير أن ينصب من كلامه دليلا على ما أراد من المعاني المجازية اعتماداً على ما أودع عباده من العقل وقوة الفكر، فإن ذلك لا يتفق مع كمال علمه تعالى وسعة رحمته وفصاحة كلامه وقوة بيانه وبالغ حكمته، ولأن يتركهم الله دون أن يعرفهم ويعرفهم به رسوله ﷺ بوحيه، خير لهم وأيسر سبيلا، لعدم وجود المعارض للشبه الباطلة التي زعموها أدلة وبراهين وما هي إلا الخيالات ووساوس الشيطان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فمن جحد شيئاً من هذه النصوص أو تأولها على معان من غير دليل يرشد إلى ما تأولها عليه فقد ألحد في آيات الله وأسمائه وصفاته وحق عليه ما توعد الله به الملحدين في ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فصلت: ٤٠، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠" (٣). هذه من أهم الخصائص والمميزات التي اتسم بها منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في طريقته في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ولعله يأتي في المباحث القادمة بيانها بوضوح بإذن الله تعالى.

стр. 56

الفصل الثاني: جهود الشيخ عبد الرزاق في تقرير التوحيد وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

стр. 57

تمهيد في تعريف التوحيد وأقسامه بين الشيخ ﵀ تفرد الله باستحقاق العبادة، فقال: " أثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الألوهية، وأنكر أن يكون غيره مستحقاً لذلك؛ استقلالاً واشتراكاً لتنافيهما في الموجب، وهو الخلق؛ فلله الخلق والأمر (١) وحده، وغيره ليس إليه شيء من ذلك" (٢). وبناء على ذلك فإن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ يرى أن الإيمان بالله يعني توحيد الله تعالى المتضمن لتوحيده سبحانه في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. ولهذا يحسن تعريف التوحيد وبيان أقسامه عند أهل السنة والجماعة: أ- تعريف التوحيد: عرف الشيخ ﵀ التوحيد لغةً بقوله: "جعل المتعدّد واحداً، ويُطلق على اعتقاد أن الشيء واحد متفرد. أما شرعاً فيطلق على تفردّ الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات " (٣). وبمثل هذا يوجد في المعاجم اللغوية.

стр. 58

فالتوحيد أصل مادته (وَحَدَ)، وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص (١). يقول ابن فارس (٢): " الواو، والحاء، والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (٣). وعليه فتوحيد الله تعالى معناه: إفراده تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (٤). وقد وافق الشيخ عبد الرزاق عفيفي تعريف السلف ﵏ جميعاً. ب- أقسام التوحيد عند أهل السنة والجماعة: يبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أقسام التوحيد عند أهل السنة والجماعة بقوله: "والتوحيد - عند أهل السنة والجماعة - ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٥): ١ - توحيد الربوبية.

стр. 59

٢ - توحيد الألوهية. ويسمى-أيضاً-:توحيد العبادة، وتوحيد الإرادة والقصد، وتوحيد الطلب (١). ٣ - توحيد الأسماء والصفات. ويقال له أيضاً: توحيد الخبر، وتوحيد المعرفة والإثبات (٢) ". (٣) وقد دل على ذلك استقراء النصوص من الكتاب والسنة (٤). ونصوص القرآن العظيم تدل على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول - توحيده في ربوبيته: وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه الفطر؛ وكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جلَّ وعلا على وجوب توحيده في عبادته. ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير. فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده. ووبَّخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده. لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ والآيات بنحو هذا كثيرة جداً. ولأجل ذلك فكل الأسئلة المتعلِّقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار. لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة (٥). والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً:

стр. 60

قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ الزخرف: ٨٧ الآية، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ يونس: ٣١. وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله حتى يصير به العبد مسلماً. كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ يوسف: ١٠٦؛ لأن الله ﵎ حكى عن المشركين القدامى إقرارهم بهذا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ الزخرف: ٨٧، فلم يكونوا بهذا الإقرار مسلمين، وذلك لعدم إخلاصهم العبادة لله وحده (١). قال شيخ الإسلام (٢) ﵀: " وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه لله" (٣). الثاني - توحيده جلَّ وعلا في عبادته: وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى «لا إله إلا الله» وهي متركبة من نفي وإثبات. فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع

стр. 61

أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات فيها: إفراد الله جلَّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو أهم مهمات الرسل إلى أممهم، ومن أجله حصل الجدال وشرع الجهاد، وخلق الجن والإنس، وأنزلت الكتب وأرسل الرسل، وبسببه انقسم الناس إلى شقي وسعيد، وخلقت الجنة والنار (١). ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ محمد: ١٩، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الأنبياء: ٢٥، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ الزخرف: ٤٥، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ الأنبياء: ١٠٨، ولفظة ... ﴿إِنَّمَا﴾ من صيغ الحصر، فكأن جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى «لا إله إلا الله»، وحصر الوحي هنا في توحيد العبادة، حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع، لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى «لا إله إلا الله» لأن معناها، خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية. والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والتوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية، وهو أن يُعبد الله وحده لا شريك له، وهو متضمن لشيئين: أحدهما: (القول العملي): وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه عن أن يماثله أحد في شيء من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحد في شيء من الكمال في سورة الإخلاص فالصمدية تثبت له الكمال والأحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك.

стр. 62

و (التوحيد العملي الإرادي): أن لا يعبد إلا إياه فلا يدعو إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف إلا إياه ولا يرجو إلا إياه ويكون الدين كله لله " (١). النوع الثالث - توحيده جلَّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين: الأول - تنزيه الله جلَّ وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم. كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. والثاني - الإيمان بما وصف الله به نفسه. أو وصفه به رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله وجلاله. كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ طه: ١١٠ (٢). وما ذهب إليه الشيخ عبد الرزاق ﵀ من تقسيم التوحيد، موافق للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " وفائدته -أي التوحيد- تصحيح العقيدة، والسلامة في العواقب، ونيل السعادة في الدارين" (٣). قال ابن القيم (٤) ﵀: " اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً -في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب-

стр. 63

أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيه، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعودتها إليه، ورضاه وإكرامه لها" (١). وقال ابن أبي العز (٢) ﵀: " وحاجة العباد إليه -أي علم التوحيد- فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه. ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة الله العزيز الرحيم أن يبعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها" (٣).

стр. 64

المبحث الأول جهوده في تقرير توحيد الربوبية المطلب الأول تعريف توحيد الربوبية بين الشيخ عبد الرزاق ﵀ توحيد الربوبية: "بأنه توحيد الله - تعالى- بأفعاله، والإقرار بأنه خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف والتدبير. فهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق الحقّ بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعاً وقدراً إلى غير ذلك مما لا يُحصيه العدّ، ولا تحيط به العبارة" (١). الربوبية في اللغة: الربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبية (٢). يقول ابن فارس: " الراء والباء يدل على أصول: فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه ... والآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه ... والثالث: ضم الشيء للشيء. ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياساً واحداً" (٣). "والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم " (٤).

стр. 65

وجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك ابن الأنباري (١) حيث قال: " الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع ... ويكون الرب المصلح " (٢). ويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (٣). ويقول العلامة ابن القيم ﵀: " الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها" (٤).

стр. 66

المطلب الثاني دلائل توحيد الربوبية بين الشيخ عبد الرزاق ﵀ "بأن هذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع والعقل؛ بأن العالم محتاج إلى صانع، ومستند إلى موجود أوجده" (١). وذهب عامة السلف _ ﵏ إلى أن دلائل معرفة الله تحصل بمطلق النظر المؤدي إليها، وهو كل ما يتوصل به إلى الاستدلال على وجود الله تعالى والإقرار بربوبيته من الأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية والمشاهدة (٢)، ومنها: الاستدلال بالمخلوق على الخالق وبالصنعة على الصانع (٣). والشيخ ﵀ ذكر ثلاثة أنواع من الأدلة: ١ - الأدلة السمعية . ٢ - الأدلة العقلية. ٣ - الأدلة الفطرية. أولاً: الأدلة السمعية (٤): أ- الأدلة من القرآن على إثبات هذا النوع من التوحيد: قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم: ١٠ وقال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ البقرة: ٢٥٨

стр. 67

وقال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ الشعراء: ٢٣ - ٢٤. وغيرها من الآيات كثير. ب- الأدلة من السنة: - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه) (١). قال ابن حجر العسقلاني (٢) ﵀: "وقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة): أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الروم: ٣٠، والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق وهو التوحيد" (٣). - حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (٤).

стр. 68

قال النووي (١) ﵀: " أي مسلمين وقيل طاهرين من المعاصي وقيل مستقيمين منيبين لقبول الهداية وقيل المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر وقال ألست بربكم قالوا بلى" (٢). ثانياً: الأدلة العقلية: بين الشيخ عبد الرزاق: دليلاً من أدلة العقل وهو دليل التمانع فقال بعد قول الله تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ المؤمنون: ٩١: "استخلص بعض العلماء من ذلك دليلاً سموه: دليل التمانع، استدلوا به على توحيد الربوبية. قالوا: لو أمكن أن يكون هناك ربَّان يخلقان، ويدبران أمر العالم لأمكن أن يختلفا بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء، ويريد الآخر سكونه. وعند ذلك إما أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال. لما يلزمه من اجتماع النقيضين، وإما أن يحصل مراد واحد منهما دون الآخر فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربَّاً (٣) " (٤). قال ابن أبي العز ﵀: "فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين. فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية" (٥).

стр. 69

والعقل الصريح يقطع بأن المخلوق لابد له من خالق، والمصنوع لابد له من صانع، والحادث لابد له من محدث؛ لاستحالة حدوث الحادث بنفسه. وقد أرشدنا الله إلى ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥. فقد أنكر - سبحانه-: أن يكونوا قد خُلقوا بلا خالق، وأن يكونوا قد خَلقوا أنفسهم، فإنه لابدّ لهم من خالق موجود مغاير لهم وهو الله - تعالى - (١). ثالثاً: الأدلة من الفطرة: وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦، فالرسل دعوا أقوامهم ابتداءً إلى توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولو لم يكن الإقرار بالله تعالى وربوبيته أمراً فطرياً لابتدؤوا أقوامهم بذلك؛ لأن الأمر بتوحيده تعالى في عبادته فرع عن الإقرار به وبربوبيته (٢)، ولصح لأعداء الرسل عند دعوتهم لهم أن يقولوا نحن لم نعرفه أصلاً فكيف تأمروننا بعبادته؟ ولما لم يحدث ذلك منهم دل على أن معرفتهم بالله مستقرة في فطرهم (٣). بين الشيخ عبد الرزاق ﵀: "أن هذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع والعقل، ولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال، ومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث لغير الله، كقوم هود، حيث قالوا فيما حكاه الله عنهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ هود: ٥٤.فإن ما نسبوه إلى آلهتهم إنما كان لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله، وأنها شفيعة لمن عبدها، وتقرب إليها بالقرابين عند الله، في جلب النفع له، ودفع الضّر عنه.

стр. 70

ومن أجل هذه الشبهة من الشرك في الربوبية نبه الله على بطلانه، وأنكر على من زعمه (١) فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ المؤمنون: ٩١ - ٩٢. فبين - سبحانه - أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاقه العبادة لكان له خلق، وملك، وقهر، وتدبير، إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، ليرجى خيره ونفعه، فيطاع أمره، وينفذ قصده، ويخشى بأسه وبطشه. فلا يعتدى على حدوده، ولا ينتهك حماه، ولو كان له خلق وتدبير وملك وتقدير لعلا على شريكه وقهره إن قوي على ذلك، ليكون له الأمر وحده، ولذهب بخلقه، ويتفرد بملكه دون شريكه. إن لم يكن لديه القوة والجبروت ما يفرض به سلطانه على الجميع. فإن من صفات الرب - تعالى - كمال العلو، والكبرياء، والقهر، والجبروت. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ الإسراء: ٤٢. إذا كان المعنى المراد لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته. وقيل: المعنى: لاتخذوا سبيلاً إلى عبادته، وتأليهه، والقيام بواجب حقه. وابتغوا إلى رضاه سبيلاً. كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ

стр. 71

الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧ " (١). إذاً فتوحيد الربوبية قد فطرت عليه القلوب، وأقرت به النفوس، إذ كل ما في الوجود يدل على بديع صنعه، وإتقان فعله، وتفرده عن خلقه. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (٢). ودلالة الفطرة على الخالق أقوى من دلالة العلوم العقلية عليه، ذلك لأن الفطرة من العلوم الضرورية الملازمة له، بخلاف العلوم العقلية، فإنها وإن كان بعضها ضرورياً، إلا أنه قد يغفل كثير من بني آدم عنها، أو قد لا يستطيع تصورها (٣). ومع أن الفطر مجبولة على الإقرار بتوحيد الربوبية، إلا أنه قد يعرض لها ما يصرفها عن ذلك الإقرار، وعندها تقام الحجة على المنُكر، قال الشيخ حافظ الحكمي (٤) ﵀: " الاعتراف به - أي بتوحيد الربوبية- ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يَعرض لغيرها شكٌ واضطراب وأكثر ذلك على سبيل المكابرة والاستهزاء، فيجب إقامة الحجة عليهم للإعذار إليهم، ولهذا قالت رسلهم: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم: ١٠، الذي خلقهما وأبدعهما على غير مثال سابق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهرةٌ عليهما، فلا بد لهما من خالق وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء" (٥).

стр. 72

وهناك دلائل كثيرة (١) غير هذه الأدلة، وهذا التوحيد مركوز في الفطر لا يكاد ينازع فيه أحد من الناس، ومع ذلك فقد وجد شواذ من الناس أنكروا هذا التوحيد فاحتجنا إلى تقريره بهذه الأدلة.

стр. 73

المبحث الثاني جهود الشيخ في تقرير توحيد الألوهية المطلب الأول تعريف توحيد الألوهية وأساليب القرآن في تقريره . أ- تعريف توحيد الألوهية (١): عرف الشيخ عبد الرزاق: توحيد الألوهية: "بأنه إفراد الله بالعبادة: قولاً، وقصداً، وفعلاً، فلا يُنذر إلا له، ولا تُقرَّب القرابين إلا إليه، ولا يُدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يُستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة" (٢). الألوهية لغةً: مصدر أَلَه يألَه ألوهة وألوهية (٣). يقول ابن فارس: " الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد " (٤).

стр. 74

وقد بين الفيروز آبادي (١) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولاً (٢). وتعريف الشيخ عبد الرزاق: يوافق تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث عرفه، بقوله: "فهذا التوحيد الذي في كتاب الله: هو توحيد الألوهية وهو أن لا تجعل ولا تدعو مع الله غيره" (٣). ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ الإسراء: ٣٩. وقوله سبحانه ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨. ب- أساليب القرآن في تقرير توحيد الألوهية: ويذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بعض أساليب القرآن في تقرير توحيد الألوهية وأن القرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد، وبيانه، وضرب الأمثال له، ومن هذه الأساليب التي بينها ﵀: أولاً: تقرير توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ البقرة: ٢١، أي أن من أقر بأنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله ... لزمه أن لا يعبد إلا الله، إذ كيف يعبد من لا يخلق، ولا يرزق، ولا يملك من الأمر شيئاً؟! قال ﵀: "إن الطريق الفطري لإثبات توحيد الإلهية الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية. فإن قلب الإنسان يتعلق أولاً بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضرهّ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلات بينه وبينه، فتوحيد الربوبية باب لتوحيد

стр. 75

الإلهية ... فقد استدل بتفرده بالربوبية، وكمال التصرف، وحمايته ما يريد أن يحميه، على استحقاقه وحده للعبادة، ووجوب إفراده بالإلهية" (١). ثانياً: يقرره عن طريق تعجيز آلهة المشركين، فمن لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة ... يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ النحل: ١٧. قال الشيخ ﵀: " وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ يونس: ٣١، إلى أن قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ يونس: ٣٥، فقرّرهم -سبحانه- بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والبدء، والإعادة، والإرشاد، والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب تقواه دون سواه. وينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا حياة ولا نشوراً" (٢). ثالثاً: يستدل بأسماء الله وصفاته على وحدانيته، وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ الحشر: ٢٣. قال الشيخ ﵀: " وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ النمل: ٥٩ - ٦٠، إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ النمل: ٦٤، فأنكر -سبحانه- أن يكون معه من خَلَقَ، ودبَّر، أو صرف، وقدَّر، أو يُجيب المضطر إذا دعاه،
следующие страницы →