الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧ " (١).
إذاً فتوحيد الربوبية قد فطرت عليه القلوب، وأقرت به النفوس، إذ كل ما في الوجود يدل على بديع صنعه، وإتقان فعله، وتفرده عن خلقه.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (٢).
ودلالة الفطرة على الخالق أقوى من دلالة العلوم العقلية عليه، ذلك لأن الفطرة من العلوم الضرورية الملازمة له، بخلاف العلوم العقلية، فإنها وإن كان بعضها ضرورياً، إلا أنه قد يغفل كثير من بني آدم عنها، أو قد لا يستطيع تصورها (٣).
ومع أن الفطر مجبولة على الإقرار بتوحيد الربوبية، إلا أنه قد يعرض لها ما يصرفها عن ذلك الإقرار، وعندها تقام الحجة على المنُكر، قال الشيخ حافظ الحكمي (٤) ﵀: " الاعتراف به - أي بتوحيد الربوبية- ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يَعرض لغيرها شكٌ واضطراب وأكثر ذلك على سبيل المكابرة والاستهزاء، فيجب إقامة الحجة عليهم للإعذار إليهم، ولهذا قالت رسلهم: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم: ١٠، الذي خلقهما وأبدعهما على غير مثال سابق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهرةٌ عليهما، فلا بد لهما من خالق وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء" (٥).
стр. 72
وهناك دلائل كثيرة (١) غير هذه الأدلة، وهذا التوحيد مركوز في الفطر لا يكاد ينازع فيه أحد من الناس، ومع ذلك فقد وجد شواذ من الناس أنكروا هذا التوحيد فاحتجنا إلى تقريره بهذه الأدلة.
стр. 73
المبحث الثاني
جهود الشيخ في تقرير توحيد الألوهية
المطلب الأول
تعريف توحيد الألوهية وأساليب القرآن في تقريره .
أ- تعريف توحيد الألوهية (١):
عرف الشيخ عبد الرزاق: توحيد الألوهية: "بأنه إفراد الله بالعبادة: قولاً، وقصداً، وفعلاً، فلا يُنذر إلا له، ولا تُقرَّب القرابين إلا إليه، ولا يُدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يُستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة" (٢).
الألوهية لغةً:
مصدر أَلَه يألَه ألوهة وألوهية (٣).
يقول ابن فارس: " الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد " (٤).
стр. 74
وقد بين الفيروز آبادي (١) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولاً (٢).
وتعريف الشيخ عبد الرزاق: يوافق تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث عرفه، بقوله: "فهذا التوحيد الذي في كتاب الله: هو توحيد الألوهية وهو أن لا تجعل ولا تدعو مع الله غيره" (٣).
ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ الإسراء: ٣٩. وقوله سبحانه ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨.
ب- أساليب القرآن في تقرير توحيد الألوهية:
ويذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بعض أساليب القرآن في تقرير توحيد الألوهية وأن القرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد، وبيانه، وضرب الأمثال له، ومن هذه الأساليب التي بينها ﵀:
أولاً: تقرير توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ البقرة: ٢١، أي أن من أقر بأنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله ... لزمه أن لا يعبد إلا الله، إذ كيف يعبد من لا يخلق، ولا يرزق، ولا يملك من الأمر شيئاً؟!
قال ﵀: "إن الطريق الفطري لإثبات توحيد الإلهية الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية. فإن قلب الإنسان يتعلق أولاً بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضرهّ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلات بينه وبينه، فتوحيد الربوبية باب لتوحيد
стр. 75
الإلهية ... فقد استدل بتفرده بالربوبية، وكمال التصرف، وحمايته ما يريد أن يحميه، على استحقاقه وحده للعبادة، ووجوب إفراده بالإلهية" (١).
ثانياً: يقرره عن طريق تعجيز آلهة المشركين، فمن لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة ... يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ النحل: ١٧.
قال الشيخ ﵀: " وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ يونس: ٣١، إلى أن قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ يونس: ٣٥، فقرّرهم -سبحانه- بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والبدء، والإعادة، والإرشاد، والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب تقواه دون سواه. وينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا حياة ولا نشوراً" (٢).
ثالثاً: يستدل بأسماء الله وصفاته على وحدانيته، وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ الحشر: ٢٣.
قال الشيخ ﵀: " وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ النمل: ٥٩ - ٦٠، إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ النمل: ٦٤، فأنكر -سبحانه- أن يكون معه من خَلَقَ، ودبَّر، أو صرف، وقدَّر، أو يُجيب المضطر إذا دعاه،
стр. 76
ويكشف السّوء، أو يولِّي، أو يعزل، وينصر، ويخذل، أو ينقذ من الحيرة، ويهدي من الضلالة، أو يبدئ ويعيد، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر. إلى غير ذلك مما استأثر الله به" (١).
رابعاً: يستدل بالآيات المشاهدة على وحدانية الله ، وهذا النوع كثير في القرآن، وذلك لأنه لا يخفى على ذي عقل.
قال الشيخ ﵀: " ثم استدل -سبحانه- على قدرته على البعث، وتفرده باستحقاقه الإلهية بآياته الكونية، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ النحل: ٤ - ٥، إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ النحل: ١٧ - ٢٢، فجعل -سبحانه- تفرده بالربوبية خلقاً للحاضرين والسابقين، وتمهيد الأرض، ورفعه السماء بغير عمد يرونها، وإنزاله الأمطار ليحيي بها الأرض بعد موتها، ويخرج بها رزقاً لعباده باباً إلى توحيد الإلهية وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة" (٢).
خامساً: يقرره بضرب الأمثلة لبطلان الشرك، وصحة التوحيد.
وقد بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ذلك، فقال: " أثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الألوهية، وأنكر أن يكون غيره مستحقاً لذلك؛ استقلالاً واشتراكاً لتنافيهما في الموجب، وهو الخلق؛ فلله الخلق والأمر وحده، وغيره ليس إليه شيء من ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا
стр. 77
حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ النحل: ٧٥ - ٧٦" (١).
إلى غير ذلك من طرق القرآن في تقرير توحيد الألوهية، والتي هي خبر المعصوم، وموجب الفطرة، ومقتضى العقل الصحيح.
قال الشيخ ﵀: " وهذا مما استقر في فطرهم، ونطقت به ألسنتهم، وبه قامت الحجة عليهم فيما دعتهم إليه الرسل من توحيد العبادة؛ وما ذكر من الآيات قليل من كثير؛ ومن سلك طريق القرآن في الاستدلال، واهتدى بهدي الأنبياء في الحجاج اطمأنت نفسه، وقوي يقينه، وانتصر على مناظره. فإن في ذلك الحجة، والبرهان من جهتين: الأولى: أنه خبر المعصوم. والثانية: أنه موجب الفطرة، ومقتضى العقل الصحيح" (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: " لما كان توحيد الباري أعظم المسائل وأكبرها وأفرضها وأفضلها، وحاجة الخلق إليه وضرورتهم فوق كل ضرورة تقدر، فإن صلاحهم وفلاحهم وسعادتهم متوقفة على التوحيد نَوَّع الله الأدلة والبراهين على ذلك، وكانت أدلته واضحات، وبراهينه ساطعات" (٣).
وما زال أهل السنة منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا وأهم المهمات عندهم هو توحيد الألوهية وتحقيقه، كما هي طريقة الأنبياء والرسل.
قال شيخ الإسلام: - بعد سوقه لأدلة هذا التوحيد من القرآن-: " ونظائر هذا في القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة لا سيما أهل العلم والإيمان منهم، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع" (٤).
стр. 78
اتفقت الشرائع عليه منذ آدم إلى عهد نبينا ﷺ ، يقول الشوكاني ﵀: " الشرائع كلها اتفقت على إثبات التوحيد، على كثرة عدد الرسل المرسلين وكثرة كتب الله ، المنزلة على أنبيائه" (١).
وبهذا يتبين لنا موافقة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أهل السنة والجماعة في بيان منهج القرآن في تقرير توحيد الألوهية (٢).
стр. 79
المطلب الثاني
شهادة أن لا إله إلا الله
أ- معناها، والأدلة عليها من القرآن والسنة:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "شهادة (أن لا إله إلَّا الله) و (أن محمداً رسول الله)، هي الركن الأول من أركان الإسلام، ومعنى (لا إله إلَّا الله) لا معبود بحق إلا الله، وهي نفي وإثبات. (لا إله) نافياً جميع العبادة لغير الله، (إلَّا الله) مثبتاً جميع العبادة لله وحده لا شريك له" (١).
كما بين الشيخ ﵀ أدلة ذلك من القرآن والسنة، فقال: " ورد الركن الأول من أركان الإسلام بجزأيه في القرآن الكريم كثيراً، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ محمد: ١٩،وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٠٢؛ والجزء الثاني، كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الفتح: ٢٩، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ آل عمران: ١٤٤.
وأما السنة ففي الصحيحين، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألَّا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) (٢) ... وفي الصحيحين من حديث عتبان ﵁ مرفوعاً: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) (٣) ... " (٤).
стр. 80
ولا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد، ولا يتم إسلام عبد دون تحقيق معناها، والعمل بمدلولها.
وهي تعني إفراد الله - بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله (١).
وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه دعوة المرسلين وشرائع النبيين، فما من رسول أرسله الله إلا دعا قومه إليه، وحذرهم مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الأنبياء: ٢٥.
يقول العلامة الصنعاني (٢): في تقرير ذلك: " إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد العبادة ... وهذا الذي تضمنه قول: (لا إله إلا الله) فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة، واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان.
ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِمَا يعبد من دونه والبراءة منه.
وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه" (٣).
стр. 81
ب- فضائلها:
قال الشيخ ﵀: " الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولرسوله ﷺ بالرسالة فرض لا يكون الإنسان مسلماً إلا بذلك، والذكر بـ (لا إله إلا الله) وحدها أجره عظيم؛ لحث الشرع على الذكر بها، ولأنها أفضل ما قاله النبي ﷺ والنبيون من قبله" (١).
يقول ابن رجب (٢) ﵀: "كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها: فهي كلمة التقوى ... وكلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق ... " (٣)
وقد أفرد غير واحد من أهل العلم الكلام على فضائلها في مصنفات خاصة (٤)، وعدّها بعضهم فأوصلها إلى نحو مئتي فضيلة (٥).
بل إنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) التي هي أصل الدين وأساسه قد دلت على أقسام التوحيد الثلاثة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطرة " (٦).
стр. 82
وأما وجه دلالة هذه الكلمة العظيمة على أقسام التوحيد الثلاثة فظاهر تماماً لمن تأملها: فقد دلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضاً على توحيد الربوبية فإنَّ العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، ودلت على توحيد الأسماء والصفات فإنَّ مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدم محض، وما أحسن ما قيل: المشبّه يعبُد صنماً، والمعطِّل يعبُد عدماً (١)، والموحِّد يعبُد رباً فَرْداً صمَداً (٢).
وما أحسن قول ابن القيم في النونية:
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان (٣).
وبما سبق تتضح موافقة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ لأهل السنة والجماعة في معنى وفضل كلمة الإخلاص.
стр. 83
المطلب الثالث
العبادة .
أ- تعريفها:
عرف الشيخ عبد الرزاق: العبادة بأنها التأله والتذلل لله وحده والانقياد له سبحانه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه (١).
والعبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يعبُد عبادَةً.
يقول ابن فارس ﵀: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان:
والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل.
والآخر على شدة وغلظ " (٢).
والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة، والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية (٣).
والمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس، ولا تخرج عنهما.
أما العبادة في الشرع: فإن معانيها تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها، فالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التعبد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم.
والعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المتعبد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (٤).
стр. 84
وعبارات أهل العلم في تعريف العبادة وبيان معناها وإن تعددت فهي لا تخرج عما سبق (١). قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ البينة: ٥.
قال ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...) الحديث، وفي رواية: (فادعهم إلى عبادة الله)، وفي رواية: (فادعهم إلى أن يوحدوا الله) (٢).
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: " وجه الجمع بينهما: أن المراد بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين" (٣).
стр. 85
ب- أنواعها:
إن كل ما أمر به سبحانه وحث على فعله ورغب فيه، وكذا كل ما دعا إليه رسوله ﷺ من أعمال الخير والإحسان وأنواع الطاعات، داخل في مفهوم العبادة وعمومها، لا يجوز صرفه بحال لغيره سبحانه، لكونه المعبود المطاع، ولا معبود بحق سواه، وهذا عين معنى العبادة في الشرع.
فالعبادة إذاً -بمفهومها الشامل- أنواع كثيرة جداً، ومما وقفت عليه منها مما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بنوع من التفصيل مايلي:
أولاً: الخوف من الله.
ذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " أنه -أي الخوف- من أفضل مقامات الدين وأجلها وهو من أجمع أنواع العبادة التي أمر الله بإخلاصها له، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ آل عمران: ١٧٥، ووعد سبحانه من حقق مقام الخوف منه بجنتين، فقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ الرحمن: ٤٦، وأثنى على الملائكة بأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ النحل: ٥٠، وغير ذلك من الآيات في القرآن كثيرة" (١).
وبين كذلك ﵀: " أن الخوف من الله ومن وعيده وعذابه مما يحمد شرعاً ومما يزيد العبد في تقوى الله فيبعثه على فعل أوامره واجتناب ما نهى عنه " (٢).
стр. 86
أ- تعريف الخوف:
الخوف في اللغة: الفزع.
قال في القاموس: " خاف يخاف خوفاً ومخافة وخيفة بالكسر ... فزع" (١).وجاء في اللسان: "الخوف: الفزع خافه يخافه خوفاً وخيفة ومخافة" (٢).
وأما تعريف الخوف شرعاً:
فقد عرفه العلامة ابن القيم: بقوله: "الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف" (٣).
ب- أنواع الخوف:
وقد بين ابن القيم: الفرق بين الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة فقال: "الوجل، والخوف، والخشية، والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة.
فالوجل: رجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته.
والخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
والخشية: أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ فاطر: ٢٨، فهي خوف مقرون بمعرفة، وقد قال ﷺ : (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ...) (٤).
وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد "الرغبة" التي هي: سفر القلب في طلب المرغوب فيه -إلى أن قال ﵀.
стр. 87
وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال تعظيم مقرون بالحب، فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية" (١).
والخوف أربعة أنواع:
النوع الأول: خوف السر، وهو خوف العبادة، بأن يخاف من المعبودات التي تُعبد من دون الله ، وكذلك الخوف من كل مخلوق أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلاَّ الله من الإصابة بالمرض، أو قطع الرزق، أو غير ذلك، وهذا أحد أنواع الشرك الأكبر.
النوع الثاني: أن يترك الإنسان ما أوجب الله عليه من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من النّاس أن يؤذوه أو يضايقوه أو يعذِّبوه فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وبيان الحق خوفاً من النّاس (٢)، فهذا شركٌ أصغر، وهو محرّمٌ.
النوع الثالث: الخوف الطبيعي، الذي ليس معه عبادة للمخوف ولا ترك لواجب. كأن يخاف الإنسان من العدو، أو من السَّبُع، أو من الحيَّة .. فهذا الخوف خوفٌ طبيعي لا يُلام عليه الإنسان لأنه ليس عبادة وليس تركاً لواجب.
النوع الرابع: هو الخوف من الله؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ آل عمران: ١٧٥، لا تخافوا من الكفّار بل توكلوا على الله، وخافوا من الله،
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ آل عمران: ١٧٥، هذا نهيٌ من الله عن خوف أولياء الشيطان، ثمّ أمر بخوفه وحده .
стр. 88
والشاهد من الآية: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ آل عمران: ١٧٥، نهى عن خوف الكفّار وأولياء الشيطان خوفاً يمنع من الدعوة والجهاد في سبيل الله، والقيام بواجبات الدين، وأمر بخوفه .
فدلّ على أن الخوف عبادةٌ عظيمة، يجب أن تُخلص لله (١).
ثانياً: التوكل على الله.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "حقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة. ومعنى قوله ﷺ : (لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً) (٢)، أي أن الناس لو حققوا التوكل على الله بقلوبهم واعتمدوا عليه اعتمادا كليا في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم وأخذوا بالأسباب المفيدة لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب ولكنه سعي يسير، وتحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدرات بها وجرت سننه في خلقه بذلك فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ المائدة: ١١، فجعل التوكل مع التقوى التي هي القيام بالأسباب المأمور بها والتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها" (٣).
стр. 89
التوكل على الله من أفضل العبادات وأجلها، ومن أعلى مقامات التوحيد وأنبلها، ومن أوصاف عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، وقد أمر به تعالى في مواضع عدة في كتابه المجيد وأثنى على المتوكلين عليه وحده دون سواه، فقال : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ هود: ١٢٣، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ الفرقان: ٥٨، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ الأحزاب: ٣، وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ آل عمران: ١٥٩ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ الطلاق: ٣، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في شأن التوكل أمراً وفضلاً (١).
كما شهدت الأحاديث النبوية -أيضاً- بفضله وبيان منزلته ومكانة أهله؛ فقال ﷺ : (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب) قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون) (٢)، وقال ﷺ : (لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً) (٣).
قال العلامة ابن القيم: عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ المائدة: ٢٣: " فجعل التوكل شرطاً في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ يونس: ٨٤، فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ آل عمران: ١٢٢ (٤).
стр. 90
فذكر اسم الإيمان ههنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً فهو دليل على ضعف الإيمان ولابد.
والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية (١) ... فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع الضار المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة.
فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو مشرك، ومن توكل على غير الله، وتعلق به، وكل إليه وخاب أمله" (٣).
وليس معنى التوكل -كما يفهمه البعض (٤) - ترك الأسباب وعدم مباشرتها، بل ذلك لا ينافيه ولا يبطله إذ الأخذ بالأسباب مطلوب شرعاً وعقلاً، والعمل بها دليل على صحة التوكل وفهم حقيقته.
وفي بيان هذا يقول ابن أبي العز ﵀: " وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة، فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا
стр. 91
فاسد (١)، فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه. وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين، يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الفرقان: ٧، ولهذا تجد كثيراً ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة وإما هدية ... ومما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفةٌ من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد (٢)، ومحوُ الأسباب، أن تكون أسباباً، نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع (٣)، ومعنى التوكل والرجاء، يتألَّف من وجوب التوحيد والعقل والشرع" (٤).
стр. 92
المبحث الثالث
جهود الشيخ في تقرير توحيد الأسماء والصفات
المطلب الأول
تعريف توحيد الأسماء والصفات، وبيان الفرق بين الأسماء والصفات:
أ- التعريف:
الأسماء: جمع اسم، والاسم: " مشتق من السمو أي: العلو ... أو من الوسم أي: العلامة ... " (١)، وهو اللفظ الدال على المسمى (٢)، وأسماء الله كلُ ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به كالعليم والقدير والحكيم والسميع والبصير (٣).
والصفات: جمع صفة، والصفة: أصلها "وَصَفَ" حذفت الواو وعوض عنها التاء (٤)، "وهي الاسم الدال على أحوال الذات ... وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها" (٥)، وصفات الله نعوت الكمال القائمة بذاته كالعلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر (٦).
стр. 93
وعليه فتوحيد الأسماء والصفات هو: " أن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سمَّاه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف (١)، ولا تأويل (٢)،
ومن غير تكييف (٣)، ولا تمثيل (٤) " (٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث" (٦).
стр. 94
ب- الفرق بين الأسماء والصفات:
قال الشيخ ﵀: " أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به، مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير، فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد، ويقال الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم، ويجب الإيمان بكل ما ثبت منهما عن الله تعالى أو عن النبي ﷺ على الوجه اللائق بالله سبحانه مع الإيمان بأنه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته، كما أنه لا يشابههم في ذاته" (١).
ولمعرفة ما يميز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم أمور، منها:
أولاً: أن الأسماء يشتق منها صفات (٢)، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر (٣).
ثانياً: أن الاسم لا يشتق من أفعال الله؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء (٤).
ثالثاً: "أن أسماء الله وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها" (٥)، لكن تختلف في التعبيد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فتقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، كما
стр. 95
أنه يُدعى الله بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، يا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف، فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفة لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ النور: ٥٥، وقوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر: ٦٠، وغيرها من الآيات (١).
ج- أثرهما:
يذكر الشيخ ﵀ أثر أسماء الله وصفاته فيقول: " إن للأسماء والصفات آثراً عظيماً في حياة الفرد، فمعرفة الفرد أن الله تعالى رحمن يبعث في قلبه الرجاء، وإذا ذكر القهار يبعث الخوف من الله تعالى، والقرآن مليء بصفات الله تعالى" (٢).
ويقول ﵀: "ومن تبصّر في العالم، وعرف شئونه وأحواله تبين له تعلقه خلقاً وأمراً بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وارتباطه بها أتم ارتباط، وظهر له أن الوجود كله آيات بينات، وشواهد واضحات على أسماء الله، وصفاته" (٣).
قال ابن القيم ﵀: " إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه -أي سوى الله سبحانه- إما أن تكون خلقاً له تعالى أو أمراً، إما علمٌ بما كونّه أو علمٌ بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد، والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة وحكمة ولطف وإحسان، إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه باطلاً ولا سدى ولا عبثاً.
стр. 96
وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده، تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه.
فالعلم بأسمائه وإحصائها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها" (١).
وذكر الشيخ ابن عثيمين (٢) ﵀ أن من آثار معرفة أسماء الله وصفاته عبادته على الوجه الأكمل، فقال: "فهذا التوحيد منزلته في الدين عالية، وأهميته عظيمة، ولا يمكن لأحدٍ أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته، ليعبده على بصيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: ١٨٠ " (٣).
فيتقرر أن هذا التوحيد أجلُّ المعارف، لأنه معرفة بالله تعالى بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تنبني العبادة، فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ إذ كيف يعبد إلهاً يجهله؛ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به، لأنه كلما كان الأمر مهماً كثُر إيضاحه وبيانه.
стр. 97
المطلب الثاني
أسماء الله .
ذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بأنه: " عرف عن السلف الصالح في أسماء الله وصفاته؛ الاستدلال عليها بما دلهم عليه الكتاب والسنة من الأدلة السمعية والعقلية، والتعبير عنها بما ورد في الشريعة، وعدم التوسع في التعبير الذي يجعلهم في حيرة ويطيح بهم في المتاهات" (١)؛ وبين ﵀ أن: " أسماء الله وصفاته توقيفية" (٢).
وإن من الأمور الثابتة في الكتاب والسنة أن لله أسماء حسنى تخصه جل وعلا كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: ١٨٠.
وقوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً، من أحصاها دخل الجنة) (٣)(٤).
يقول الإمام الشافعي ﵀: " لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ لا يسع أحداً من خلق الله- تعالى- قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن
стр. 98
رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر أما قبل ثبوت الحجة عليه، فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفكر" (١).
الكلام في أسماء الله تعالى فرع عن الكلام في صفاته؛ إذ كل اسم متضمن لصفة دال عليها. وقد عرض الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ لبعض أسماء الله الحسنى، وفيما يلي بيانها:
١ - لفظ الجلالة (الله):
قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: " كل أسماء الله تعالى عدا لفظ الجلالة تتضمن وصف الله تعالى بما تضمنته الأسماء من الصفات، فكل أسماء الله تعالى صفات له ولا ينعكس" (٢).
ويقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ مبيناً سبب استثناء لفظ الجلالة في كلامه السابق ولماذا لا يتضمن اللإهية: "ولفظ الجلالة جامد، لأنه لو كان مشتقاً من الإلهة، لكان بمعنى (الإله) يطلق على الآلهة الباطلة، لكن لفظ الجلالة (الله) علم على ذاته سبحانه لا يشاركه فيه غيره" (٣).
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: " (الله) عَلمٌ على ذاته ﵎، وكل الأسماء الحسنى تضاف إليه، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الأعراف: ١٨٠، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ طه: ٨، ألا ترى أنك تقول الرحمن من أسماء الله تعالى، والرحيم من أسماء الله، ونحو ذلك؛ الله من أسمائه الرحمن، وقال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة) (٤)؛ واختلفوا في كونه مشتقاً
стр. 99
أو لا، ذهب الخليل (١)،
وسيبويه (٢)، وجماعة من أئمة اللغة والشافعي (٣)، والخطابي (٤)، وإمام الحرمين (٥)،
ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه، لأن الألف واللام فيه لازمة، فتقول يا الله، ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام؛ وقال آخرون: إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال أقواها: أنه مشتق من أله يأله إلاهة، فأصل الاسم الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوباً فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ الأنعام: ٣، مع قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ الزخرف: ٨٤، ومعناه: ذو الألوهية
стр. 100
التي لا تنبغي إلا له ومعنى أله يأله إلهة عبد يعبد عبادة فالله المألوه أي المعبود ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله وقيل: إنه هو الاسم الأعظم" (١).
(الله) اسم للمُوجِد الحق، الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المتفرد بالوجود الحقيقي، فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، وهذا الاسم أعظم الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلّها؛ ومعنى هذا الاسم فخاصٌّ خصوصاً لا يُتَصَوَّر فيه مشاركة لا بالمجاز ولا بالحقيقة، ولأجل هذا الخصوص، يوصف سائر الأسماءِ بأنه اسم الله، ويُعَرف بالإضافة إليه (٢).
قال الله تعالى في مُحكَم كتابه الكريم: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، أي هل تعلم أحداً سمي (الله) غير الله وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الحشر: ٢٢، وقد ورد في القرآن الكريم في (٢٦٩٧) موضعاً (٣).
٢ - اسم القديم:
أنكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ تسمية الله تعالى باسم القديم حيث قال: " أسماء الله وصفاته توقيفية، ولم يرد في كتاب الله - ولا في سنة رسوله ﷺ تسمية الله بالقديم، ولا إضافة القدم إليه، أو إلى صفة من صفاته سبحانه؛ فيجب أن لا يسمى - بذلك، ولا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم؛ كالبلى، وطول الزمن، وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود" (٤).
стр. 101
وقال ﵀: " (القديم) قد تكون صفة مدح، وقد تكون صفة ذم، وفي القرآن الكريم ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ يس: ٣٩، والقديم: ليس من صفات الله، بل هو من صفات سلطانه؛ لأن سلطانه يتجدد وهو قديم (١) " (٢).
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) (٣).
وفيه وصف سلطان الله بالقِدَم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والناس متنازعون؛ هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يرد بإطلاقه نصٌ ولا إجماع، أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع؟ على قولين مشهورين، وعامة النظار يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القديم) و (والذات) ... ونحو ذلك، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين ما يخبر به عند الحاجة؛ فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى؛ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الأعراف: ١٨٠، وأما إذا احتاج إلى الإخبار عنه، مثل أن يقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها ... ونحو ذلك؛ فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء؛ فهذا سائغ ...) (٤).
قال ابن القيم ﵀ " ... ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاً؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه" (٥).
стр. 102
وقد عَدَّه السفاريني (١) صفة لله تعالى، بل اسماً له (٢)، وعلق عليه الشيخ عبد الله بابطين (٣) بقوله: "قوله: (إن القديم اسم من أسمائه تعالى): فيه نظر - إلى أن قال - ولا يصح إطلاق القديم على الله باعتبار أنه من أسمائه، وإن كان يصح الإخبار به عنه؛ كما قلنا: إن باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، والله أعلم" (٤).
- الاشتراك في الأسماء:
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بأن: " كثيراً من الأسماء مشتركة بين الله تعالى وبين غيره من مخلوقاته في اللفظ والمعنى الكلي الذهني، فتطلق على الله بمعنى يخصه ويليق بجلاله سبحانه، وتطلق على المخلوق بمعنى يخصه ويليق به، فقال مثلاً: الله حليم، وإبراهيم الخليل † حليم، وليس حلم إبراهيم كحلم الله، والله رؤوف رحيم، ومحمد ﷺ رؤوف رحيم، وليست رأفة محمد ﷺ ورحمته كرأفة الله بخلقه ورحمته ... إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، ولا يلزم من ذلك تشبيه المخلوق بالخالق في الاسم أو الصفة. وأسلوب الكلام وما احتف به من القرائن يدل على الفرق بين
стр. 103
ما لله من الكمال في أسمائه وصفاته وما للمخلوق مما يخصهم من ذلك على وجه محدود يليق بهم" (١).
وقال كذلك ﵀: "يجب أن تُنَزَّه أسماؤُه التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ عن جحدها أو تحريفها عن مواضعها، وعن تعطيلها عما تضمنته من صفات الجلال والكمال، وعن تسميته بما لم يثبت عنه ولا عن رسوله ﷺ ؛ فإن ذلك من الإلحاد فيها، وقد حذرنا الله من ذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠ " (٢).
ولكن ضلت طوائف، فمنهم من ألحدت في أسماء الله وأنكرت معاني الكثير منها وادعت أنها مجاز، وأن الله لا يجوز أن يسمى بالأسماء التي يسمى بها المخلوق وهؤلاء هم الجهمية، أصحاب الجهم بن صفوان (٣)
الذي لم يثبت من الأسماء إلا التي لا يجوز أن يتسمى بها المخلوق كالخالق والمحيي والمميت (٤).
وهذا الرأي من الجهمية فاسد حيث إن تسمية الخلق ببعض أسامي الله لا يقتضي أي تشبيه أو تمثيل، لأن معناها في حق الله على ما يليق به، وفي حق خلقه على ما يليق بهم.
стр. 104
وقد رد عليهم الإمام ابن خزيمة (١): فقال: " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه، إذ أوقعتم بعض أسامي الله على خلقه، وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف أو محوها من صدور أهل القرآن؟ أو ترك تلاوتها في المحاريب وفي الخدور والبيوت؟
أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك؟ وسمى بعض عبيده ملكاً، وخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلاماً في الدنيا وفي الجنة، فقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ الأحزاب: ٤٤،ونبينا المصطفى ﷺ قد كان يقول حين فراغه من تسليم الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام) (٢)، وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ النساء: ٩٤. فثبت بخبر الله: أن الله هو السلام، كما قال: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ الحشر: ٢٣. وأوقع هذا الاسم على غير الخالق البارئ، وأعلمنا أنه المؤمن، وسمى بعض عباده" المؤمنين" فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنفال: ٢ ... " (٣).
وما قرره الشيخ عبد الرزاق: في هذا الباب هو ما عليه أهل السنة والجماعة، فقد حكى ابن تيمية اتفاق السلف الصالح على ذم التشبيه بنوعيه (٤) فقال: فلا ريب أن أهل السنة والجماعة والحديث وغيرهم متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم
стр. 105
المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن نفاة الصفات ربما أطلقوا على من أثبت ما في الكتاب والسنة من الصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته مشبهة، وبسبب ذلك حصل إجمال واشتراك كان من مظاهره أن اختلط الحق والباطل، حق المثبتة من السلف بباطل المشبهة (١).
стр. 106
المطلب الثالث
صفات الله .
بين الشيخ عبد الرزاق ﵀: " أن صفات الله تعالى قائمة بالذات ملازمة لها، وليست هناك ذات مجردة عن الصفات، والمعتزلة هم الذين يقولون الذات قائمة مجردة عن الصفات، فصفات الله تعالى ليست هي الذات، وليست هي غير الذات" (١).
وذكر الشيخ ﵀ في مذكرة التوحيد نقلاً عن ابن القيم: طريقين لإثبات الصفات، فقال: "وقد ذكر ابن القيم في: "مدارج السالكين" (٢) طريقين لإثبات الصفات:
١ - الوحي الذي جاء من عند الله - تعالى - على لسان رسوله ﷺ .
٢ - الحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة.
قال ابن القيم: في بيان الطريق الأول:-
فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتاً مفصلاً على وجه أزال الشبه، وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقين، ورفع الشكّ المريب، فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر به الإيمان في نصابه. ففصلت الرسالة الصفات، والنعوت، والأفعال، أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقرّرت إثباتها أكمل تقرير. فما أبلغ لفظه وأبعده من الإجمال، والاحتمال، وأمنعه من قبول التأويل، ولذلك كان التأويل لآيات الصفات، وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد، وأخباره. بل أبعد منه. بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها، كتأويل آيات الأمر والنهي سواء، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصده واحد، وهو إثبات حقيقتها، والإيمان بها.
الطريق الثاني: من طرق إثبات الصفات دلالة الصفة عليها، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه، ومشيئته. فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاماً ضرورياً. فما فيه من الإتقان، والإحكام، ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان، والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق
стр. 107
يدل على رحمة خالقه، وإحسانه، وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال.
وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً.
وخالق الحياة والعلوم والقدر والإرادات، أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب -سبحانه- ومشيئته، وحكمته التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين، والتقرب إليهم، والإكرام لهم، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه. وعقوبته للعصاة، والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهورة تدل على صفة الغضب والسخط والإبعاد، والطرد، والإقصاء يدل على المقت، والبغض.
فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا -سبحانه- عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته. فهو يثبت العلم بربوبيته، ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، والقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من المخلوق نفسه، وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق ... " (١) وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، كذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منَزَّهٌ عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه" (٢).
стр. 108
الاشتراك في الصفات:
قال الشيخ ﵀: " الاشتراك إنما هو في المفهوم الكلي فلا يلزم المحال (١)، وبالجملة؛ فهذا مبني على توهم أن المشاركة بين الخالق والمخلوق في المفهوم الكلي ... تستلزم المشاركة في الخارج والمشابهة التي نزه الله نفسه عنها بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، وليس كذلك؛ إذ الكلي لا وجود له إلا في الذهن ... ويتضح ذلك باللون فإن معناه الكلي لا وجود له إلا في الذهن ويشترك فيه أفراده الموجودة في الخارج كسواد الفحم وبياض القطن ... إلخ. ولم يلزم من اشتراكها في معناه الكلي تشابهها في الخارج ولا مداخلة كل الآخر في خواصه، بل ما زالت متضادة متميزاً كل منها عن الآخر بخواصه، وإذا لم يلزم ذلك في الألوان وهي مخلوقة فأولى أن لا يلزم ذلك بين الله وعباده" (٢).
وبين كذلك: أن الاشتراك إنما هو في اللفظ لا في الحقيقة، فقال: " الصفات المشتركة بين الله وخلقه كالسمع والبصر والعزيز والقدير فلا بأس بذلك مع الإيمان بأن صفة الله جل وعلا لا تشابه صفات المخلوقين في الحقيقة والمعنى (٣) وإن اشتركا في اللفظ، وأصل المعنى في الذهن، وقد أجمع أهل السنة والجماعة وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان
стр. 109
على أن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذات الله سبحانه حق لا تشبه الذوات فهكذا صفاته ثابتة له على الوجه اللائق به ولا تشبه صفات المخلوقين" (١).
وما قرره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من كون الاشتراك في نصوص الصفات في الألفاظ دون الحقائق والكيفيات، هو ما عليه أهل السنة والجماعة، يقول ابن تيمية ﵀: إن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعاً (٢).
الأدلة من السمع والعقل والحس:
دل على ما سبق السمع، والعقل، والحس:
أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ النساء: ٥٨. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ الإنسان: ٢. ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً، فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ البقرة: ٢٣٥، وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الممتحنة: ١٠. وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ طه: ٩٨. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ آل عمران: ٥. وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ الإسراء: ٨٥.
стр. 110
وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.
فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:
الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق - أي نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق - فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، لأنه يستلزم التعطيل المحض.
فإذا نفي عن الله تعالى صفة الوجود "مثلاً" بحجة أن للمخلوق صفة وجود فإثباتها للخالق يستلزم التشبيه على هذا التقدير، لزم على نفيه أن يكون الخالق معدوماً، ثم يلزمه على هذا اللازم الفاسد أن يقع في تشبيه آخر وهو تشبيه الخالق بالمعدوم لاشتراكهما في صفة العدم فيلزمه على "قاعدته" تشبيه بالمعدوم، فإن نفى عنه الوجود والعدم وقع في تشبيه