وقد يُنقل عن الجيلاني من الكرامات وخوارق العادات ما لم ينقل عن غيره، لكثرة ما نَسب إليه أتباعه من ذلك؛ والنقاد من أهل الرواية لا يحفلون بهذه النقول إذ لا أسانيد لها يحتج بها (١).
القادرية:
تنسب القادرية إلى عبد القادر الجيلاني.
أما بالنسبة لفرقة القادرية والتي هي فرقة من فرق الصوفية، فمن أهم عقائدهم:
١ - يؤمن أتباع الطريقة القادرية بعقيدة وحدة الوجود التي تدين بها الصوفية، وقد ورد ذلك في ثنايا بعض مؤلفات شيخها الجيلاني، منها قوله: "الحمد لله الذي وُجد في كل شيء، وحضر عند كل شيء" (٢)، وقوله: "ومعنى الوصول إلى الله خروجك عن الخلق، فإذا وصلت إلى الحق على ما بيّنا - فكن آمناً أبداً من سواه ، فلا ترى لغيره وجوداً ألبته" (٣).
٢ - الاعتقاد بأنه بإمكان الصوفي رؤية الله في الدنيا، وذلك برفع حُجُب الكائنات عن قلبه. يقول عبد القادر: "المؤمن العارف له عينان ظاهرتان، وعينان باطنتان، فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله في السماوات، ثم يرفع الحجب عن قلبه، فيراه، فيصير مقرّباً" (٤).
٣ - ذم الآخرة وطلاّبها، بزعم أن مقصود الصوفية هو الوصول إلى الامتزاج بالوجود الإلهي، إذ يقول الجيلاني: "شجاعة الخواص (أي الصوفية) في الزهد في الدنيا والآخرة" (٥). ويقول أيضا "اخلع نعليك: دنياك وآخرتك، وتجرد عن الأكوان، وافن عن الكل، وتطيب بالتوحيد" (٦).
стр. 702
٢ - النقشبندية .
قال الشيخ ﵀: " تكثر البدع عند جماعة الطرق الصوفية عموماً كالذكر الجماعي في صفوف أو حلقات بصوت واحد وذكرهم الله بالاسم المفرد بصوت واحد مثل: الله الله، حي حي، قيوم قيوم ... وذكرهم بضمير الغائب مثل: هو، هو .. وذكرهم بكلمة آه، وفي نشيدهم على الأذكار شر كثير، مثل: الاستغاثة بغير الله وطلب المدد من الأموات مثل: البدوي (١)،
والشاذلي (٢)، والجيلاني، وغيرهم، وفي كتبهم بدع كثيرة وشر مستطير، ويخص النقشبندية وذكرهم الله بلفظ الجلالة في الورد اليومي بحركات قلبية مع نفس تشبه حركة اللسان بالكلام دون تحريك للسان واستحضار المريد شيخه وورده اليومي مع اعتقاد وساطته في نجاته يوم القيامة، وهذه الأمور كلها من البدع المنكرة؛ لأن تلك الأذكار لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ فيما أوحي إليه من الكتاب والسنة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣)، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٤) " (٥).
стр. 703
النقشبندية: تنسب إلى (بهاء الدين محمد بن محمد البخاري) المعروف بشاه نقشبند (١) المولود سنة ٦١٨ هـ بقرية قرب بخارى والمتوفى (٧٩١ هـ).
وهي فرقة صوفية فيها انحرافات كثيرة منها: زعمهم أن الله يُرى في الدنيا، والاستعانة بمشايخهم من دون الله وقولهم بفناء النار ووحدة الوجود وزعمهم معرفة علم الغيب وكثير من البدع (٢).
وأصول الطريقة النقشبندية متوافقة في كثير من تفاصيلها مع الطرق الصوفية الأخرى. فإن فيها من البدع والشركيات والقول بوحدة الوجود وما يحكونه عن أحوال مشايخهم وخصائصهم وتصرفهم المطلق في ذرات الكون، ما لا يشك معه أحد في أن هذه الطريقة إحدى طرق الصوفية الغلاة، الخارجين على الكتاب والسنة، مع إصرار أصحابها بأنها طريقة سنية لا تخرج عن أهل السنة والجماعة شبرا واحدا (٣).
стр. 704
٣ - التيجانية:
يبين الشيخ ﵀ ضلال هذه الفرقة، فيقول: " أحمد التيجاني وأتباعه الملتزمون لطريقته، من أشد خلق الله غلواً وكفراً وضلالاً وابتداعاً في الدين، لما لم يشرعه الله سبحانه ولا رسوله ﷺ " (١).
قال كذلك ﵀: " الطريقة التيجانية طريقة منكرة لا تتفق مع هدي رسول الله ﷺ وسنته، بل فيها بدع شركية تخرج من يعتقدها أو يعمل بها من ملة الإسلام والعياذ بالله ... " (٢).
وقد أفرد الشيخ ﵀ بحثاً كاملاً (٣) مع اللجنة الدائمة للإفتاء في الطريقة التيجانية، وتَضَمن هذا البحث التالي:
١ - كلمة عن أحمد التيجاني، ومنشئ هذه الطريقة، ومصدرها.
٢ - نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه.
٣ - حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة.
التيجانية: هي إحدى الفرق الصوفية التي تشترك مع غيرها في الإيمان بمعتقدات الصوفية ويزيدون على هذه المعتقدات شيئاً خاصاً بهم كالاعتقاد بإمكانية مقابلة النبي ﷺ والالتقاء به التقاء مادياً في هذه الدنيا، وأن النبي ﷺ قد خصهم بصلاة (الفاتح لما أغلق) دون سواهم من المسلمين، وتنسب فرقة التيجانية إلى مؤسسها: أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد سالم التيجاني (١١٥٠ - ١٢٣٠ هـ) المولود بقرية تسمى (عين ماضي) من القرى الصحراوية الجزائرية.
وقد أنشأ طريقه عام (١١٩٦ هـ) في قرية أبي سمغون، وصارت مدينة فاس المركز الأول لهذه الطريقة وبها زاويته التيجانية، ومنها انطلقت دعوته إلى طريقته، فانتشرت في القارة الإفريقية بوجه عام، وصار لهذه الطريقة أتباع ودعاة (٤).
стр. 705
أهم أفكارهم وعقائدهم (١):
١ - هم مؤمنون بالله سبحانه على نحو صوفي، فهم يؤمنون بوحدة الوجود، كما يؤمنون بالفناء الذي يطلقون عليه اسم (وحدة الشهود).
٢ - الغيب - عندهم - قسمان:
"غيب مطلق": استأثر الله بعلمه.
"غيب مقيد": يغيب عن بعض المخلوقين دون بعض، وهم يزعمون أن مشايخهم يعلمون الغيب.
٣ - يدعي زعيمهم ومؤسس مذهبهم "أحمد التجاني" أنه قد التقى بالنبي ﷺ لقاءً حسياً مادياً، وأنه كلمة مشافهة، وتعلم من النبي ﷺ "صلاة الفاتح لما أغلق" التي تكفر الذنوب وتضاعف الثواب أكثر من ثواب قراءة القرآن آلاف المرات! وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فتورهم وكسلهم في أداء العبادات والتهاون بها، وهذا مخالف لما يأمر به الدين ويحث عليه.
٤ - يقولون: إن أحمد التجاني هو (خاتم الأولياء) كما أن النبي ﷺ (خاتم الأنبياء).
والواضح أن هذه الطريقة قد تأثرت بما ذهب إليه بعض أعلام الصوفية كابن عربي، والحلاج، وغيرهما. وقد ساعد على تقبل هذه الأفكار وانتشارها جهل العامة بالدين الصحيح، وانتشار البدع والخرافات في البيئة الإسلامية، حتى أن عدد التيجانيين في نيجيريا وحدها بلغ عشرة ملايين نسمة!.
стр. 706
٤ - البريلوية .
يرد الشيخ ﵀ على دعوى فرقة (البريلوية) الذين يعتقدون أن النبي ﷺ لا ظل له، فيقول: " هذا القول باطل مناف لنصوص القرآن والسنة الصريحة الدالة على أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر لا يختلف في تكوينه البشري عن الناس وأن له ظلاً كما لأي إنسان، وما أكرمه الله به من الرسالة لا يخرجه من وصفه البشري الذي خلقه الله عليه من أم وأب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الكهف: ١١٠، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إبراهيم: ١١؛ أما ما يروى من أن النبي ﷺ خلق من نور الله (١) فهو حديث موضوع" (٢).
البريلوية: هي فرقة صوفية نشأت في الهند أيام الاستعمار البريطاني.
ومؤسسها: أحمد رضا خان بن تقي علي خان (١٢٧٢ - ١٣٤٠ هـ) والذي سمى نفسه عبد المصطفى.
ولد أحمد رضا خان في بلدة "بريلي" بولاية "اترابرديش"، وتتلمذ على المرزا غلام قادر بيك الشقيق الأكبر للميرزا غلام أحمد القادياني، كما زار مكة (١٢٩٥ هـ) وقرأ على بعض المشايخ فيها. كان نحيل الجسم مصاباً بأمراض مزمنة فكان حاد المزاج، شديد الغضب، بذيء اللسان. له عدد من المؤلفات منها "أنباء المصطفى"، و"خالص الاعتقاد"، و"مرجع الغيب"، وله ديوان شعر "حدائق بخشش" (٣).
стр. 707
أهم أفكارهم وعقائدهم:
يميز هذه الفرقة عن غيرها مغالاة أفرادها في محبة وتقديس الأنبياء والأولياء بصفة عامة، وخاصة نبينا محمد ﷺ الذي وصفوه بما يرفعه فوق خصائص البشر.
فهم يعتقدون أن محمداً ﷺ والأولياء من بعده لديهم قدرة على التصرف في الكون، حتى رفعوا النبي ﷺ إلى قريب من مرتبة الألوهية، يقول أحمد رضا خان في ديوانه (حدائق بخشش) (١): "أي يا محمد ﷺ لا أستطيع أن أقول لك الله، ولا أستطيع أن أفرق بينكما، فأمرك إلى الله هو أعلم بحقيقتك ".
كما زعموا أن النبي ﷺ والأولياء يعرفون ما استأثر الله بعلمه (٢)؛ والنبي في نظرهم حاضر بعد موته، وناظر لأفعال الخلق في كل زمان ومكان، فهم ينكرون بشرية النبي ﷺ ، ويجعلونه نوراً من نور الله؛ وهم كذلك يستغيثون بالأنبياء والأولياء، ويشيدون القبور ويجصصونها، وينذرون لها النذور ويتبركون بها، إلى آخر ما وقعوا فيه من أمور الشرك ومخالفة الشرع بالغلو في الدين أحياناً، والتهجم والافتراء على العلماء العاملين من أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب، والإمام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، وكل من دعا إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك والشركاء (٣).
стр. 708
المبحث السادس
القومية .
تمهيد
لقد عاشت الأمة الإسلامية ردحاً طويلاً من الزمان تتقدم المجتمعات الإنسانية وتملك زمام القيادة العالمية، فصنعت للإنسانية تاريخاً مجيداً يغتبط به كل إنسان وتقر به عينه.
حتى انغمس الكثير من المسلمين في الترف المادي والعقلي وضيعوا الأوقات فيما لا فائدة فيه، فصار العالم الإسلامي فريسة للحضارة الأوربية "غربية وشرقية" على حد سواء، حيثُ التقى الفكر الغربي والشرقي في انتكاس الفطرة الإنسانية فكان أساس فلسفتها "لا موجود إلا المادة"، وانطلق الغزو الفكري الأجنبي يعربد في بلاد الإسلام يحاول السيطرة عليها، وفرض وصايته الكاملة على أهلها، فألغيت الخلافة الإسلامية سنة ١٣٤٢ هـ، وأصاب العالم الإسلامي ما أصابه من آثار سيئة نتيجة هذا الغزو الفكري المادي الملحد، وما زال يعاني من هذه الآثار حتى الآن.
ومن هذه الآثار:
أولاً: أثر الغزو الفكري الغربي في العالم الإسلامي:
١ - الاستشراق.
أ- إثارة الشبهات.
ب- تشجيع الفكر الفاسد.
ج- تحريف الكلم عن مواضعه.
د- اعتدادهم بكتبهم وأبحاثهم وإيهام بعض الدارسين بدقتها وصحتها.
٢ - التبشير- التنصير.
أ- مدارس التبشير.
ب- تهيئة الفرصة أمام البعثات من الدول الإسلامية إلى الدول الغربية.
стр. 709
٣ - فصل الدين عن الدولة.
٤ - إحياء القوميات وإسقاط الخلافة الإسلامية.
ثانياً: أثر الغزو الفكري الماركسي في العالم الإسلامي.
ثالثاً: أهم العوامل الداخلية التي مكنت للتيارات الفكرية الضالة.
١ - الجهل بالدين.
٢ - انتشار البدع والخرافات.
٣ - نشاط الأقليات غير المسلمة (١).
وليس هذا مجال البسط فيما سبق ذكره من آثار إلا أني أحببت أن آتي بإلماحه بسيطة عن فكرة الغزو الفكري للعالم الإسلامي وأن القومية ضمن هذا الغزو.
وإن لم يكن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ تحدث مباشرة عن القومية (٢) إلا أنه تحدث عن العلمانية والتي تعود لثلاث حركات منها، حركة القومية التي هي مجال حديثنا، وحركة البعث (٣)، وحركة الناصرية (٤)(٥).
стр. 710
- القومية:
هي حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين. وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوربا (١).
يصفها سماحة الشيخ ابن باز ﵀ بأنها: " دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه". ويقول عنها: " وقد أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول ... فاعتنقها كثير من العرب من أعداء الإسلام، واغتر بها كثير من الأغمار ومن قلدهم من الجهال، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان". ويقول، أيضاً: " هي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله" (٢).
تطلق هذه الكلمة "القومية" ويراد بها أن أبناء الأصل الواحد واللغة الواحدة ينبغي أن يكون ولاؤهم واحداً، وإن تعددت أرضهم وتفرقت أوطانهم، كما يراد بها أيضاً: السعي للوصول إلى توحيد الوطن بحيث تجتمع القومية الواحدة في وطن شامل، فيكون الولاء للقومية مصحوباً بالولاء للأرض، ولكن يظل الولاء للقومية هو الأصل حتى وإن لم تتحقق وحدة الأرض (٣).
تاريخها:
إن مفهوم القومية في هذا العصر يقوم على (العصبية) التي لم تخل من بعض أنواعها عصور الجاهلية عبر تاريخ الإنسانية الطويل، فعصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية اللغة، وعصبية الدين، كلها تدل على أن القومية نزعة جاهلية قديمة لم تبتكرها جاهلية القرن العشرين.
стр. 711
كان مولد القوميات في أوربا حركات إصلاحية مبتورة غير ناضجة استغلها أصحاب الأطماع والأهواء وحولوها إلى شؤم وشرور.
إن فكرة "القومية" تقوم على أمور لا خيار للإنسان فيها، من المولد في أرض معينة، والكلام بلغة الأرض والمجتمع الذي ولد فيه، وعلى المصالح المادية البحتة ... إلخ.
وفي الوقت نفسه تنبذ ما للإنسان فيه اختيار كالإيمان بالله وما جاء على لسان رسله.
ورغم هذه الآثار السيئة الناتجة عن نعرة القومية والوطنية في أوربا فقد قامت أوربا بتصدير دعاوي القومية والوطنية إلى الشرق الإسلامي؛ لتحارب المسلمين من داخل نفوسهم، وتزعزع العقيدة في قلوبهم.
وهكذا فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عام من المحتوى الإسلامي (١).
وقد شجعت الدول الأوربية الكبرى على ظهور القومية العربية - والتي نشأت من الثورة العربية (٢) - في صورتها العلمانية؛ لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلامي (٣).
موقف الإسلام من الدعوة القومية:
الإسلام يحارب القومية باعتبارها عصبية جاهلية، أنكرها الإسلام وحذر منها، وسد منافذها، فلا بقاء للدين العالمي والأمة الواحدة مع هذه العصبية الممقوتة. ومصادر الشريعة الإسلامية زاخرة برفض هذه العصبية الجاهلية وتشنيعها، بل ترفضها الأديان السماوية الصحيحة كلها، النصوص الواردة في ذلك أكثر من أن تستقصى.
стр. 712
إن الإسلام لا يمنع الناس من الانتماء لوطنهم وحبهم له فهذا أمر فطر عليه الحيوان فضلاً عن الإنسان، فالحيوان يحب جحره ويدفع عنه، والطير يألف عشه ويحافظ عليه، فكيف بالإنسان؟!
ولكن الإسلام ينكر أن تكون رابطة الدم أو اللغة أو الأرض أو المصالح المشتركة أقوى من رابطة الإسلام أو أعلى من رابطة الدين والعقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ التوبة: ٢٤.
والقوميون العرب يوالون كل عرب أياً كانت ديانته، فهم ينحون الدين جانباً ويفصلونه عن الدولة، ويتجمعون تحت لواء القومية العربية، معتقدين أن قوميتهم العربية تحقق لهم من المنافع ما يعجز الإسلام عن تحقيقه، وهذا جهل فاضح، ومخالفة صريحة لنصوص القرآن الكريم التي تدل على وجوب بغض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم (١).
ذكر الشيخ ﵀ العلمانية والتي تعد من الأحزاب والحركات والاتجاهات المعاصرة، والتي تهدف لهدم الإسلام، فآثرت أن أُدرجها هنا للترابط بينها وبين القومية.
- العلمانية.
سُئل الشيخ ﵀ عن الحكومة العلمانية، فقال: " إذا كانت تحكم بغير ما أنزل الله فالحكومة غير إسلامية" (٢).
стр. 713
جاء في القاموس الإنجليزي أن كلمة "علماني" معناها: دنيوي، أو مادي، أو ليس بديني، فالمقصود من الكلمة هو إقامة الحياة بعيداً عن الدين، أو الفصل الكامل بين الحياة والدين (١).
وجاء في معجم ألفاظ العقيدة أن العلمانية: تأتي لمعان منها: العالمية، ومنها اللادينية، ومنها فصل الدين عن الدولة وعن الحياة. وكلمة العلمانية اصطلاح جاهلي غربي يشير إلى انتصار العلم على الكنيسة التي حاربت التطور باسم الدين (٢).
نشأة العلمانية:
كانت أوربا في العصور الوسطى غارقة في بحر من الظلمات تعيش في ظروف دينية متردية للغاية، فقد عبثت الكنيسة بدين الله المنزل وحرف القساوسة ديانة المسيح، وعملوا على تشويهها، وقدموها للناس في صورة منفردة تمجها العقول ويرفضها الشعور.
فتعارض هذا الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم ومعاملاتهم، وفي نفس الوقت تعارض مع حقائق العلم الثابتة.
فكان لا بد من التمرد على دين يحارب العلم ويناصر المجرمين، فما كان من الأوربيون إلا أن قاموا بإبعاده وطرده من كافة جوانب الحياة، ولكنهم أعلنوا حربا على الدين كله حتى الإسلام.
وفكرة العلمانية وسمتُها المميزة هي الإلحاد؛ ولقد أصبح الطابع المميز للفكر العلماني هو التمرد على الدين المنزل من عند الله (٣).
موقف الإسلام والمسلمين منها:
لا يمكن التعايش السلمي بين العلمانية والإسلام؛ لأن الدين الحق لا يمكن أن يكون عقيدة مفصولة عن الشريعة فالعقيدة أصل يدفع إلى الشريعة، والالتزام بالشريعة هو مقتضى
стр. 714
العقيدة ذاتها، مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بحيث لا تكون الشهادة صحيحة وقائمة إن لم تؤد عند صاحبها هذا المعنى وهو الالتزام بما جاء من عند الله. والتحاكم إلى شريعة الله ورفض التحاكم إلى أي شريعة سوى شريعة الله، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥ (١).
قال الإمام ابن تيمية ﵀: " فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل ذلك على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل الوعيد" (٢).
وانطلاقاً من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الله في العلمانية بسهولة ووضوح أنها باختصار: نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع لا إله إلا الله من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:
أولا:- من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله.
إن العلمانية تعني - بداهة - الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضاً- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ المائدة: ٤٤.
ثانيا:- من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.
فمن نواقض الإسلام العشرة - غير الشرك الذي هو الناقض الأكبر والذي لا شك أن العلمانية نوع منه كما سيأتي ناقضان:
١ - من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
٢ - من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر (٣).
стр. 715
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١، وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه (١).
стр. 716
المبحث السابع
مذاهب وفرق معاصرة .
لعلي أُقسم ما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من فرق وأديان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأديان الشرقية .
١ - البراهمة .
قال الشيخ ﵀: "البراهمة: قيل: إنهم جماعة من حكماء الهند تبعوا فيلسوفا يسمى "برهام" فنسبوا إليه، وقيل: إنهم طائفة عبدت صنماً يسمى "برهم" فنسب إليه.
وتطرف البراهمة فأحالوا أن يصطفي الله نبياً، ويبعث من عباده رسولاً، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتماداً على العقل في التمييز بين المفاسد والمصالح، واكتفاء بإدراكه ما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد. وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلي أعمالهم، خيراً كانت أم شراً، إذ هو - سبحانه - لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضرر لمعصيتهم.
وقد تقرر عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد وحاجة العالم إلى الرسالة تحقيقاً لمصالحهم، مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم، فليس إرسالهم عبثاً بل هو مقتضى الحكمة، وموجب فضله وإحسانه ورحمته بعباده، والله عليم حكيم.
إن إرسال الله الرسل ليس مستحيلاً في نفسه، ولا عبثاً حتى يجافي حكمة الله؛ بل هو جائز عقلاً، داخل في نطاق قدرة الله الشاملة وإرادته النافذة؛ مع أن بعض البراهمة قد اعترف برسالة آدم، وآخرين منهم اعترفوا برسالة إبراهيم ﵇، وعندهم من البدع الشركية ووسائل الشرك والخرافات الشيء الكثير" (١).
стр. 717
البراهمة: هم الذين يزعمون أن العقل يُغني عن الوحي.
وفي القرن الثامن قبل الميلاد أطلق على الديانة الهندوسية اسم "البرهمية" نسبة إلى "برهماً" وهو في اللغة السنسكريتية (١)
معناه "الله"-وهذا أحد الأقوال وسبق في كلام الشيخ ﵀ بعض الأقوال الأخرى- ورجال دين الهندوس يعتقدون أنه الإله الموجود بذاته الذي لا تدركه الحواس وإنما يدرك بالعقل وهو الأصل الأزلي المستقل الذي أوجد الكائنات كلها ومنه يستمد العالم وجوده؛ ويعتقد الهندوس أن رجال هذا الدين يتصلون في طبائعهم بعنصر "البرهم" ولذلك أطلق عليهم اسم "البراهمة" (٢).
ومن أبرز زعمائهم زعيم الهند غاندي، يقول مفاخراً: "عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيواناً لأنني أعبد البقر وسأدافع عن عبادتهم أمام العالم أجمع" ولقد قاده عقله إلى تفضيل أمه البقرة على أمه التي ولدته (٣).
والبرهمية -الهندوسية- ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند (٤).
وعندهم من البدع الشركية ووسائل الشرك والخرافات الشيء الكثير فمنها:
أن مصير الإنسان عندهم بعد الموت - كما يقولون - لا تؤمن بحياة أخرى فيها جنّة ونار وثواب وعقاب، وإنَّما يرتبط مصير النفس بموضوع التناسخ، حيث تنتقل الأنفس من بدن إلى آخر، وأعمال الإنسان هي التي تحدِّد مصير النفس، فإذا سلك سبيل الخير واتّبع
стр. 718
الفضائل انعتقت نفسه من دورة الحياة في الأبدان واتحدّت بالروح الكلية، وإلاَّ تبقى في هذه الدورة متنقلة من بدن إلى آخر.
وعندهم ما يسمى بالطبقات الأربع: فيتكون المجتمع حسب الهندوسية من أربع طبقات هي: البراهمة، الكشاتريا، الويشاش، الشودر.
ومزاعم الهندوسية تصل إلى حدِّ التمييز في مصدر ما يتكوّن منه أهل كلّ طبقة, فيقولون: لسعادة العالم خلق برهما البراهمة من وجهه، والكشتريين من ذراعيه، والويش من فخذيه، والشودر من قدميه.
كذلك فالزواج عندهم يربط المرأة بزوجها رباطاً أبدياً، لذلك انتشر عندهم إذا مات الزوج قبل الزوجة أن تحرق الأرملة مع جثمان زوجها لأنَّه خير لها أن لا تبقى بعده (١).
стр. 719
٢ - الثنوية .
قال الشيخ ﵀: " الثنوية: طائفة تزعم أن النور والظلمة أزليان قديمان فنسبت إلى الاثنين" (١).
التثنية والثنوية: عقيدة للمجوس -يعتقدون- أن العالم له إلهين الظلمة والنور. ويعتقدون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام وبتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح (٢).
والثنوية مذهب ديني فلسفي قديم يمثل أحد أطوار الديانة المجوسية، شاع في بلاد فارس قبل النصرانية وبعدها، وانتسبت إليه فرق تحمل أسماء أصحابها، ومن أقدمها الزرادشتية والديصانية والمانوية والمزدكية.
ويقوم مذهب الثنوية على أساس أن العالم مركب من أصلين قديمين أزليين وممتزجين هما: النور والظلمة، ويختلفان في الجوهر والطبع والصفات والفعل، فجوهر النور: الصفاء والنقاء والجمال، وجوهر الظلمة: القبح واللؤم. وفعل النور: الخير والصلاح، وفعل الظلمة: الشر والفساد والفوضى.
إلا أن طوائف الثنوية تختلف في تقرير طريقة هذا الامتزاج، ولم يتأثر من المسلمين بالثنوية إلا قلة اتهمت بالزندقة (٣).
стр. 720
القسم الثاني: ما تفرع عن اليهودية .
١ - الماسونية .
تكلم الشيخ ﵀ عن الماسونية، وأسوق كلامه مع شيء من التقسيم: "
أولاً: تعريفه لها:
الماسونية: هي جمعية سرية سياسية تهدف إلى القضاء على الأديان والأخلاق الفاضلة وإحلال القوانين الوضعية والنظم غير الدينية محلها، وتسعى جهدها في إحداث انقلابات مستمرة وإحلال سلطة مكان أخرى بدعوى حرية الفكر والرأي والعقيدة.
ثانياً: بيانه لأهدافها ونظرياتها:
ويؤيد ذلك ما أعلنه أحد الماسونية ... في مؤتمر الطلاب الذي انعقد في ١٨٦٥ م في مدينة لييج التي تعتبر أحد المراكز الماسونية من قوله: يجب أن يتغلب الإنسان على الإله، وأن يعلن الحرب عليه، وأن يخرق السموات ويمزقها كالأوراق.
ويؤيده ما ذكر في المحفل الماسوني الأكبر سنة ١٩٢٢ م ما نصه: سوف نقوي حرية الضمير في الأفراد بكل ما أوتينا من طاقة، وسوف نعلنها حرباً شعواء على العدو الحقيقي للبشرية الذي هو الدين.
ويؤيده أيضاً قول الماسونيين: إن الماسونية تتخذ من النفس الإنسانية معبوداً لها، وقولهم: إنا لا نكتفي بالانتصار على المتدينين ومعابدهم، إنما غايتنا الأساسية إبادتهم من الوجود.
وقولهم: ستحل الماسونية محل الأديان وأن محافلها ستحل محل المعابد ... إلى غير هذا مما فيه شدة عداوتهم للأديان وحربهم لها حرباً شعواء لا هوادة فيها.
ثالثاً: بيانه ﵀ لنشأتها:
والجمعيات الماسونية من أقدم الجمعيات السرية التي لا تزال قائمة ولا يزال منشؤها غامضاً وغايتها غامضة على كثير من الناس، بل لا تزال غامضة على كثير من أعضائها. لإحكام رؤسائها ما بيتوا من مكر سيء وخداع دفين ولشدة حرصهم على كتمان ما أبرموه من تخطيط، وما قصدوا إليه من نتائج وغايات.
стр. 721
رابعاً: الأسس التي استقت منها الماسونية نظرياتها:
وقد وضعت أسس الماسونية على نظريات فأخذت من مصادر عدة، أكثرها التقاليد اليهودية ...
ويؤيد أيضاً ما ذكر في سجلات الماسونية من قولهم: لقد تيقن اليهود أن خير وسيلة لهدم الأديان هي الماسونية، وأن تاريخ الماسونية يشابه تاريخ اليهود في الاعتقاد ...
خامساً: حقيقة الماسونية:
وعلى أن الماسونية في ظاهرها دعوة إلى الحرية في العقيدة والتسامح في الرأي، والإصلاح العام للمجتمعات، ولكنها في حقيقتها ودخيلة أمرها دعوة إلى الإباحية والانحلال وعوامل هرج ومرج وتفكك في المجتمعات ...
سادساً: حكم من هو عضو فيها:
وعلى هذا فمن كان من المسلمين عضواً في جماعة الماسونية وهو على بينة من أمرها، ومعرفة بحقيقتها ودفين أسرارها، أو أقام مراسمها وعني بشعائرها كذلك، فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل، وإن مات على ذلك فجزاؤه جزاء الكافرين.
ومن انتسب إلى الماسونية وكان عضواً في جماعتها وهو لا يدري عن حقيقتها ولا يعلم ما قامت عليه من كيد للإسلام والمسلمين وتبييت الشر لكل من يسعى لجمع الشمل وإصلاح الأمم، وشاركهم في الدعوة العامة، والكلمات المعسولة التي لا تتنافى حسب ظاهرها مع الإسلام فليس بكافر، بل هو معذور في الجملة لخفاء واقعهم عليه، ولأنه لم يشاركهم في أصول عقائدهم ولا في مقاصدهم ... لكن يجب عليه أن يتبرأ منهم إذا تبين له أمرهم ويكشف للناس عن حقيقتهم ويبذل جهده في نشر أسرارهم وما بيتوا للمسلمين من كيد وبلاء ليكون ذلك فضيحة لهم ولتحبط به أعمالهم" (١).
стр. 722
الماسونية: تطلق كلمة " الماسونية" ويراد بها "البناؤون الأحرار" الذين بنوا هيكل سليمان، فهم أصحاب حرف مختلفة لا تربطهم نقابة أو رابطة رسمية، فكونوا لأنفسهم جمعية أُطلق على كل عضو فيها كلمة "أخ" وفي هذا إشعار بأنها قامت على الإخاء والمحبة والمساواة بينَ أفراد البشرية كلها! فهي دعوة لخير البشرية كما يزعمون.
ولو كانَت هذه حقيقتها فعلاً فلماذا تختفي في الظلام لتعمل فيه وترهب النور وتخشاه؟ المعروف أن الماسونية تهدد كل من يبوح برموزها، أو يحاول الكشف عن طلاسمها بالقتل والإبادة! (١).
يقول أحد المؤرخين المحدثين: " الماسونية آلة صيد بيد اليهود يصرعون بها كبار الساسة، ويخدعون الأمم الغافلة والشعوب الجاهلة" (٢).
الأفكار والمعتقدات:
·يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات ويعتبرون ذلك خزعبلات وخرافات.
·العمل على إسقاط الحكومات الشرعية وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية في البلاد المختلفة والسيطرة عليها.
·إباحة الجنس واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة.
·العمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم متنابذة تتصارع بشكل دائم.
·بث سموم النزاع داخل البلد الواحد وإحياء روح الأقليات الطائفية العنصرية.
·تهديم المبادئ الأخلاقية والفكرية والدينية ونشر الفوضى والانحلال والإرهاب والإلحاد.
·استعمال الرشوة بالمال والجنس مع الجميع وخاصة ذوي المناصب الحساسة لضمهم لخدمة الماسونية، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.
إحاطة الشخص الذي يقع في حبائلهم بالشباك من كل جانب لإحكام السيطرة
عليه وتسييره كما يريدون ولينفذ صاغراً كل أوامرهم.
·الشخص الذي يلبي رغبتهم في الانضمام إليهم يشترطون عليه التجرد من كل رابط ديني أو أخلاقي أو وطني وأن يجعل ولاءه خالصاً للماسونية.
стр. 723
·كل شخص استفادوا منه ولم تعد لهم به حاجة يعملون على التخلص منه بأية وسيلة ممكنة.
·العمل على السيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية.
·السيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة.
السيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإعلام واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية.
دعوة الشباب والشابات إلى الانغماس في الرذيلة وتوفير أسبابها لهم، وإباحة الاتصال بالمحارم، وتوهين العلاقات الزوجية وتحطيم الرباط الأسري.
· السيطرة على المنظمات الدولية بترؤسها من قبل أحد الماسونيين كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ومنظمات الأرصاد الدولية، ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم (١).
موقف الإسلام من الماسونية:
نبهت الهيئات الإسلامية على خطر الماسونية، وخداعها، وأهدافها، وحذرت المسلمين من الوقوع في شباكها.
ففي عام ١٩٧٤ م أصدر المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة التحذير التالي:
(الماسونية: جماعة سرية هدّامة لها صلة وثيقة بالصهيونية العالمية التي تحركها وتدفعها لخدمة أغراضها، وتتستر تحت شعارات جذابة كالحرية والإخاء والمساواة، وما إلى ذلكَ مما أوقع في شباكها كثيراً من المسلمين وقادة البلاد وأهل الفكر ... الخ) (٢).
وأصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بياناً بهذا الصدد جاء فيه:
стр. 724
(أما بعد ... فإن الإسلام والمسلمين يحاربهم الأعداء العديدون من كل جانب وبكل الأسلحة من مادية وأدبية، يريدون بذلك الكيد للإسلام والمسلمين، ولكن الله ناصرهم ومعزهم) (١).
وكذلك فتوى اللجنة الدائمة التي سقناها في أول هذه الجزء.
٢ - والعيسوية:
قال الشيخ ﵀: " والعيسوية: فرقة من اليهود تنتسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، ادعى النبوة وبدأ دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب أصحاب المنصور بالري" (٢).
العيسوية: طائفة من اليهود أتباع أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ابتدع دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد، وادعى أنه نبي وأنه المسيح المنتظر، وكان يعترف بالتلمود، ويقول بنبوة عيسى ومحمد إلى العرب، فتبعه كثير من اليهود وادعوا له آيات ومعجزات، وقد قتل مع أصحابه من قبل جنود المنصور (٣).
стр. 725
القسم الثالث: من ينكرون المحسوسات .
- السوفسطائية .
قال الشيخ ﵀: " السوفسطائية: قيل إنها ثلاث فرق:
الأولى: عنادية، وهي التي تنكر حقائق الأشياء الحسية والعقلية وتكذب حسها وعقلها وترى ذلك وهماً وخيالاً.
الثانية: اللاأدرية: وهي التي تشك في حقائق الأشياء وتتردد فيها وتقول: لا أدري ألها وجود أو لا.
الثالثة: عندية: وهي التي ترى أن ليس للأشياء حقيقة ثابتة في نفسها، بل تتبع إدراك من أدركها وعقيدة من خطرت بباله، وهذه مذاهب باطلة بضرورة الحس والعقل، ومعنى السفسطة: الحكمة المموهة.
وتطلق على نوع من الأدلة، وهو ما كانت مقدماته وهمية كاذبة أو شبيهة بالحق وليست به" (١).
وقال الشيخ ﵀: " ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه؛ فعميت عليه الحقائق، واشتبه عليه الأمر الواضح؛ فأنكر البديهيات، ورد الآيات البينات، بل منهم من انتهى به انحراف مزاجه وضعف عقله إلى أن ينكر ما تدركه الحواس؛ كالسوفسطائية" (٢).
والسفسطائيون فرقة ينكرون المحسوسات، وهم من أصناف الكفرة الذين قبل الإسلام، وهم فلاسفة اليونان وزعيمهم "بروتاجوراس" ولد سنة ٤٨٠ق. م، ونظريتهم تقوم على أنه ليس هناك وجود خارجي مستقل عما في أذهاننا، فيما يظهر للشخص أنه الحقيقة يكون هو الحقيقة له، فإذا رأى السراب ماء فهو عنده حقيقة ماء (٣).
стр. 726
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة، والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة، ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة، ثم كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة، وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي مقالات الناس إن في العالم رجلا كان اسمه "سوفسطا" وأنه كان هو وشيعته ينكرون الحقائق كلها؛ وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق، وطائفة تجزم بنفي العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء، وطائفة واقفة يقولون لا ندري تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية، وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد، فكل من اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد، فهذا النقل على ظاهره باطل ليس في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه "سوفسطا"، ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٤، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ الأنعام: ٣٣ " (١).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رأي في السفسطة يقول فيه: "وإنما المقصود أن الناقلين للمقالات وأهل الجدل صاروا يعتبرون باللفظة المعربة (سوفسيقيا) وهي (سوفسطا) عن هذا المعنى الذي يتضمن إنكار الحق وتمويه بالباطل، وظن من ظن أن هذا قول ومذهب عام لطائفة في كل حق، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عارض النبي آدم في كثير من أمورهم، فكل من جحد حقاً معلوما وموَّه ذلك بباطل فهو مسفسط في هذا الموضع وإن كان مقراً بأمور أخرى" (٢).
стр. 727
الفصل الثالث: جهوده في الرد على الأعلام
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث
стр. 728
المبحث الأول
جهوده في الرد على المخالفات العقدية في تفسير الجلالين .
تمهيد
التعريف بالكتاب ومؤلِّفَيه .
تفسير الجلالين: سُمِّي هذا التفسير بـ " الجلالين " نسبة إلى مؤلِّفَيه الجليلين: جلال الدين المحلَّي، وجلال الدين السيوطي؛ وهو من التفاسير القيِّمة المفيدة، التي لاقت انتشاراً واسعاً بين المسلمين، وعمَّ النفع به ديار المسلمين كافة، لما امتاز به من عبارة وجيزة، وأسلوب واضح بيِّن، ليس فيه تعقيد ولا غموض (١).
بداية التأليف: بدأ الإمام جلال الدين المحلَّي ﵀ بتأليف هذا التفسير في القرن الثامن الهجري من سورة الكهف وانتهى به إلى سورة الناس، وعندما شرع في تفسير سورة الفاتحة وما بعدها وافته المنيَّة قبل أن يُتمَّ كتابة تفسير النصف الأول من القرآن؛ ثم جاء الإمام السيوطي بعده - وهو من علماء القرن التاسع الهجري - فقام بإتمام تفسير ما لم يتمكن الإمام المحلَّي من تفسيره، سائراً على نهج الأول؛ فشرع في تفسير سورة البقرة، وأتم التفسير إلى نهاية سورة الإسراء. وبعمل هذين الإمامين اكتمل هذا التفسير، الذي كان له من القبول الكثير (٢).
стр. 729
وقد اشترك في تأليفه الشيخان:
- "جلال الدين المحلي" (١)
واسمه: محمد بن أحمد، ولد سنة ٧٩١ هـ، وتوفي سنة ٨٦٤ هـ.
- "جلال الدين السيوطي" واسمه: عبد الرحمن بن أبي بكر، ولد سنة ٨٤٩ هـ، وتوفي سنة ٩١١ هـ.
و منهج المؤلِّفَين:
١ - كان يقوم على ذِكْرِ ما تدل عليه الآيات القرآنية، وما يُفهم منها، ومن ثَمَّ اختيار أرجح الأقوال وأصحها. ويقوم كذلك على إعراب ما يحتاج إلى إعراب، دون توسُّع أو تطويل يُخرج عن القصد، بل في حدود ما يفي بالغرض، ويوضح المقصود والمطلوب.
٢ - وكان من منهج المؤلِّفَين التنبيه على القراءات القرآنية المشهورة على وجه لطيف، وبتعبير وجيز، والإعراض عن القراءات الشاذة غير المرضيَّة.
стр. 730
جهود العلماء: ونظراً لأهمية هذا التفسير، وما امتاز به عن غيره من التفاسير، فقد اتجهت إليه هِمَمُ كثيرٍ من العلماء؛ فوضعوا عليه التعاليق المفيدة، وكتبوا عليه الحواشي الشارحة، وكان من أهم الحواشي التي كُتبت على هذا التفسير، حاشية الجمل (١)، وحاشية الصاوي (٢)، وحاشية الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ التي بدأت من سورة غافر إلى الناس (٣).
المآخذ على هذا التفسير: ومما يُؤخذ على هذا التفسير أنَّ مؤلِّفيه لم يلتزما منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات، التي أجمع السلف على إثباتها، دون تحريف، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل؛ بل سارا المؤلِّفين رحمهما الله فيه على منهج الأشاعرة في تأويل الصفات، ووقعت لهما بعض الإسرائيليات.
وعلى الرغم من المآخذ التي أخذت على هذا التفسير، بيد أنه بقي يحتفظ بمكانته في المكتبة الإسلامية، جنبًا إلى جنب مع كتب التفسير الأخرى، وقد اعتبر أحد الكتب التي يُرجع إليها في فهم الكتاب العزيز.
стр. 731
منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في تعليقه على الجلالين.
بين الشيخ ﵀ منهجه في تعليقه على تفسير الجلالين (١):
١ - أن يكون التعلق موجزاً.
٢ - يُبين فيه مذهب السلف إجمالاً في آيات الأسماء والصفات.
٣ - يُبين تحريف المتأولين، وغلو أهل البدع في الصالحين.
٤ - إضافة مسائل توحيد العبادة عند الكلام على الآيات التي تتصل بذلك.
تعقيب الشيخ على الجلالين:
١ - علق الشيخ ﵀ مسألة خلق القرآن وبين الصواب في تفسير الآية، وذكر بعض المفسرين الذين ذهبوا مذهب السلف.
فقال الشيخ ﵀ راداً على تفسير "الجعل: بالإيجاد" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ الزخرف: ٣: " تفسير الجعل بالإيجاد مبني على القول بخلق القرآن لفظاً فقط أو لفظاً ومعنى، ذلك خطأ والصواب تفسير الجعل بالإنزال أو الوصف والتسمية أو البيان، كما ذكر ابن جرير والبغوي وغيرهما ممن يذهب مذهب السلف من المفسرين" (٢).
٢ - بين الشيخ ﵀ في معرض رده مسألة الغلو في الصالحين التي ظهرت في تفسير الجلالين.
فقال الشيخ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ الأحقاف: ١٣: " هذا إنما يتحقق يوم القيامة، أما الدنيا فيخاف فيها الأنبياء ويحزنون، فقد خاف موسى وهارون أن يطغى عليهما فرعون، وأوجس موسى في نفسه خيفة حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فكان منها ما كان، وخاف يعقوب على يوسف أن يأكله الذئب، وحزن على
стр. 732
غيبة ولديه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وحزن الرسول ﷺ على عدم إيمان قومه وكاد يهلك أسفاً لعدم استجابتهم له، وحزن على موت ولده إلى غير ذلك، فمن جعل ذلك جزاء من الله للصالحين في الدنيا فقد حرف كلام الله عن مواضعه وجعله عرضة للكذب وخلف الوعد، وكان من الغلاة في الأنبياء والصالحين، وصدق فيه حديث: (هلك المتنطعون) (١) " (٢).
٣ - أوضح الشيخ ﵀ منهج الجلالين في نصوص الأسماء والصفات بأنه منهج الجهمية والمعطلة الذين نفوا علو الله بذاته على خلقه، ونفوا عنه نسبة المجيء، وبين الشيخ ﵀ الصواب في ذلك.
فقال الشيخ ﵀ في رده على تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الملك: ١٦: بـ (سلطانه وقدرته): " اتبع الشارح - في تأويل الآية - الجهميةَ الذين نفوا عُلو الله بذاته على خلقه والصواب أن السماء، بمعنى العلو، والمعنى: أأمنتم الله الذي في العلو أو في معنى على، والتقدير: أأمنتم الله الذي على السماء" (٣).
وقال الشيخ ﵀ في رده كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ الفجر: ٢٢ بـ (أمره): "العدول عن نسبة المجيء لله إلى نسبته لأمره ونحوه من تأويل الجهمية الذين يحيلون أن يكون من الله نفسه مجيء، والصواب أن الله بنفسه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، كما نصت عليه الآية وبينته الأحاديث الصحيحة وهو مذهب السلف" (٤).
٤ - بين الشيخ ﵀ خطأ الجلالين في إرجاع بعض الصفات إلى بعضها الآخر، وأن ذلك من تأويلهم لنصوص الأسماء والصفات.
стр. 733
فقد رد الشيخ عليهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ المجادلة: ١:عالم، فقال الشيخ ﵀: " الصواب أن العلم غير السمع والبصر، فالسمع تدرك به الأصوات جهراً كانت أم سراً، والبصر تدرك به المرئيات، والعلم محيط بذلك وبغيره من أحوال العلم، وكل من السمع والبصر والعلم من صفات الله التي تثبت بالسمع والعقل، فيجب الإيمان بها جميعها دون إرجاع بعضها إلى الآخر" (١).
٥ - بين الشيخ خطأ الجلالين في أخذهم لتأويل الجهمية، وأن لازم الصفة التي فسروا بها تدل عقلاً على ثبوت الصفة التي نفوها، وبين منهج السلف في إثبات الصفات.
فقد رد الشيخ ﵀ على المفسر لما فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ الصف: ٤بـ (ينصر ويكرم)، فقال: " هذا من تأويل الجهمية نفاة الصفات الذين يحيلون أن يتصف الله بالمحبة حقيقة، فيؤولون ما ورد من ذلك بالنصر والإحسان، أما السلف فيثبتون المحبة صفة لله حقيقة على ما يليق بجلاله، ويتبع ذلك النصر ونحوه من آثارها، بل ثبوت لازمها الذي فسروها به يدل عقلاً على ثبوتها، فلزمهم ما فروا منه" (٢).
٦ - نقد الشيخ على المفسر التأويل لصفة اليد وبين الصواب في ذلك.
فقال الشيخ ﵀ في رده على تفسير قوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ الملك: ١ بـ (السلطان والقدرة): " ها هنا أمران: الأول عموم قدرة الله وكمال تصرفه في الكون بيسر وسهولة، وهذا مستفاد من كون الملك بيد الله، والثاني ثبوت صفة ذات لله تعالى، وهذا مستفاد من إضافة اليد إليه تعالى، فكل من الأمرين حق مستفاد من الآية، أما ما ذكر الشارح فمع ما فيه من تأويل اليد فراراً من إثباتها صفة لله فيه اضطراب في العبارة، إذ تقدير الكلام على تفسيره تنزه عن صفات المحدثين الذي في تصرفه السلطان والقدرة، ولا شك أن السلطان والقدرة ليسا في التصرف" (٣).
стр. 734
٧ - بين الشيخ ﵀ أن من حجج النفاة، أنهم اضطروا لذلك التأويل (١) فراراً من تشبيه الله بخلقه - وهذا هو حقيقة التعطيل، لأن التعطيل هو نفي الصفات وجحودها-، فبين خطأهم في ذلك، وأثبت صفة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
فقال في رده على الشارح لما فسر قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ الفجر: ٢٨ بـ (يقال لها ذلك عند الموت، أي: ارجعي إلى أمره وإرادته): " هذا من التأويل الذي يزعم نفاة الصفات أنهم اضطروا إليه فراراً من تشبيه الله بخلقه، والصواب أن الرجوع إلى الله لقاؤه يوم القيامة والوقوف بين يديه للحساب والجزاء على ما يليق بجلاله. كما أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ثابتة على ما يليق به فلا يلزم التشبيه، أو المراد بالنفس الروح ولقاؤها ربها حين خروجها من الجسد ساعة الموت" (٢)(٣).
стр. 735
المبحث الثاني
جهوده في الرد على الآمدي .
تمهيد
التعريف بالكتاب ومؤلفه .
الإحكام في أصول الأحكام: كتاب في أصول الفقه الإسلامي يبحث في الألفاظ وما يتعلق بها، والأدلة الشرعية القرآن والسنة، والكلام في الأخبار وأحكامها في فصل مطول، وعرض للأوامر والنواهي الواردة في القرآن والسنة والعموم والخصوص، والجمع والاستثناء والكناية بالضمير والإشارة والإعجاز والتشبيه، والنسخ والمتشابه، ثم تكلم في ختام الكتاب عن مبحث الإجماع (١).
المؤلف (٢):
هو أبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الآمدي، ولد بآمد عام ٥٥١ هـ، وتوفي ليلة الاثنين وقت صلاة المغرب ثاني صفر سنة ٦٣١ هـ بدمشق.
ومن تصانيفه: أبكار الأفكار في أصول الدين ثلاث مجلدات، واختصره في كتاب منائح القرائح مجلد، مجلد لطيف في أصول الفقه، الإحكام في أصول الأحكام في مجلدين، كتاب منتهى السول في علم الأصول مجلد، كتاب رموز الكنوز مجلد، لباب الألباب مجلد في المنطق، فرائد الفوائد في الحكمة مجلد، الغرائب وكشف العجائب في الاقترانات الشرطية مجلد، شرح جدل الشريف مجلد، غاية الأمل في الجدل، الباهر في الحكم الزواهر، حكمة ثلاث مجلدات، غاية المرام في علم الكلام مجلدتان، ثلاث تعاليق خلاف، كشف التمويهات
стр. 736
على الإشارات والتنبيهات مجلدة كبيرة، مآخذ على المحصول مجلدة، المآخذ الجلية في المواخذات الجدلية جزء.
قال فيه الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " إن الآمدي درس الفلسفة بأقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشبعت بها روحه حتى ظهر أثر ذلك في تأليفه، ومن قرأ كتبه وخاصة ما ألفه في علم الكلام وأصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها أنه كان قوي العارضة كثير الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر والتقسيم في الأدلة إلى درجة قد ينتهي بالقارئ أحياناً إلى الحيرة ... وما الآمدي إلا عالم من البشر يخطئ ويصيب؛ فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه، ولنستغفر الله له، وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين" (١).
منهج الشيخ عبد الرزاق في تعليقه على الإحكام (٢):
١ - عدم الوقوف من الكتاب موقف الشارح، لأنه غني بوضوحه عن شرحه كما ذكر:، لكنه وقف وقفة المدقق لما فيه من أخطاء عقدية.
٢ - اقتصر الشيخ ﵀ على نقد الدليل، والتنبيه على خطأ في رأي وتأويلٍ لنص، وبيان لضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الأصول التي طبع عليها.
٣ - الاكتفاء أحيانا عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث بالإشارة إلى مراجع معتمدة.
стр. 737
رد الشيخ على الآمدي:
١ - بين الشيخ خطأ الآمدي إذ اعتذر لليهود والرافضة، ووضح الشيخ ﵀ بأن مبادئ الرافضة موروثة من اليهود.
فقال الشيخ ﵀ في معرض رده على الآمدي: " اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في أفعاله وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء (١)،
وتعذر الفصل بينهما عليهم؛ فمنعت اليهود النسخ حماية لجانب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها (٢)؛
стр. 738
فحكمت بأن الله يبدوا له من المصالح والمفاسد ما كان خفياً عليه؛ فينقض ما أبرمه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-؛ ومن تبين أمر اليهود وحسدهم لمن جاء بعد موسى من الأنبياء، وكيدهم لشرائع الإسلام، وتبين حال الرافضة، ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم؛ بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وإنهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للإسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتان، إنما كان عن قصد سيئ وحسد للحق وأهله، وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى الدس والخداع وإعمال معاول الهدم سراً وعلناً للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السيئ" (١).
٢ - أوضح الشيخ ﵀ منهج الآمدي في العقيدة بأنه منهج الأشاعرة، وبين تناقضه.
قال الشيخ ﵀: " لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه؛ لقلنا: إنه بنى تعبيره على مذهبه من أن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه؛ لكن الآمدي أشعري يرى أن أحكام الله خطابه، وأنها قديمة غير مخلوقة، وأنها شيء واحد في نفسه، وإن تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها ... (٢)؛
فكيف يقول هنا: إن أحكام الله من صنعه؛
стр. 739
فكان ينبغي أن يقول: أحكام الله من شرعه، إحقاقاً للحق، وأدباً مع الله في نسبة صفاته إليه، وليسلم من التناقض" (١).
стр. 740
المبحث الثالث
جهوده في الرد على آخرين .
- جمال الدين الأفغاني .
قال الشيخ ﵀: " جمال الدين الأفغاني من الرجال الذين اشتهروا بين الناس بالإصلاح والنهوض بالأمم الإسلامية وبعث الوعي فيهم وإيقاظهم من رقدتهم وقد اختلف الكاتبون من حياته في تقديره ذماً ومدحاً وثناءً وقدحاً فمنهم من أحسن الظن به فأثنى عليه وأعلى من شأنه وعده من كبار المصلحين المخلصين للإسلام والمسلمين الذين أيقظوا الشعوب ليحرروا بلادهم من براثن الاستعمار وذل الاستعباد، ومنهم من أساء الظن به فرماه بالماسونية والمكر والخداع ووصمه بالكفر والإلحاد والسعي في تفويض العروش والكيد للإسلام والقضاء على الخلافة الإسلامية شأنه في ذلك شأن غيره ممن حظي بشهرة في جانب الحياة من أنصاره ومن يواليه وخصومه ومن يناوئه ويعاديه ... " (١).
فالشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ لم يجزم في كلامه السابق بمدح جمال الدين الأفغاني ولا ذمه، لأن ما استند عليه في الحكم على الأفغاني بالماسونية، فيه تردد وشكوك وتخمين وظنون لا تنهض للقطع بالحكم على الرجل.