← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٢ - الأشعرية . وقال الشيخ ﵀: " متعلق القدرة الحادثة الأخذ بالأسباب وهي مؤثرة فيها بتمكين الله لها وإقداره لعبده عليها، أما ترتيب المسببات عليها فمن الله، فهو وحده سبحانه الذي يوجد المسببات بأسبابها لا عندها كما يقول الأشعرية، فمثلاً حز إبراهيم الخليل بالسكين في رقبة ولده، وضرب موسى الكليم البحر بعصاه، ورمى محمد الخليل الحصى، كل ذلك من فعل المخلوق، أما أن تنقطع الرقبة أو ينفلق البحر أو يصيب الحصى من رمي به فإلى الله إن شاء رتب ذلك فحصل كما في الأخيرين، وإن شاء لم يحصل كما في قصة الذبيح مع أبيه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخرى تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره" (٢). ويحسن هنا أن أسوق خلاصة اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر ملخصاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ١ - القدر يشمل أربع مراتب في درجتين: "الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح

стр. 667

المحفوظ مقادير الخلق، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف. وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة. الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: الإرادة والمشيئة، والثانية: الخلق والتكوين. ٣ - أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم" (١).

стр. 668

المطلب الثالث. الإيمان عند بعض المرجئة . قال الشيخ ﵀: " الإرجاء: التأخير. والمرجئة من المتكلمين والفقهاء أصناف منهم من قال: الإيمان مجرد التصديق. ومنهم من قال: الإيمان مجرد النطق بالشهادتين. ومنهم من قال: التصديق وعمل القلب. ومنهم من قال: الإيمان التصديق وقول اللسان، وهم المرجئة الفقهاء. وسموا مرجئة لتأخيرهم بعض مسمى الإيمان عن الدخول في مفهومه، وهناك طوائف أخرى من المرجئة" (١). وقع الخلاف بين الطوائف في حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه وحكم مرتكب الكبيرة- على أقوال: ١ - قول أهل السنة والجماعة وجماهير السلف، إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قالوا ومرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وفي الآخرة تحت المشيئة. ٢ - قول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأما مرتكب الكبيرة: أ- فحكمه في الدنيا عند المعتزلة أنه ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ومن ثم فليس مباح الدم. وأما عند الخوارج فهو كافر مباح الدم والمال. ب- وأما حكمه في الآخرة فقد اتفق الخوارج والمعتزلة على أنه مخلد في النار كالكفار. ٣ - قول مرجئة الفقهاء -من أتباع أبي حنيفة- أن الإيمان قول واعتقاد، وأما الأعمال فغير داخلة فيه. وأما حكم مرتكب الكبيرة عندهم فهو موافق لمذهب أهل السنة. ٤ - قول الجهمية: أن الإيمان هو المعرفة فقط، وما عداها من تصديق القلب وإقراره، ومن القول والعمل، فغير داخل في الإيمان، وهذا قول الجهم. ولازم قوله أن إبليس وفرعون ومن

стр. 669

شابههم ممن عرف الله وعاند فسب الله ورسوله، وعاداهم، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وأهان المصاحف- أنه مؤمن كامل الإيمان. ٥ - قول الماتريدية: أن الإيمان هو التصديق، وأما قول اللسان فهو دليل عليه وليس داخلا فيه، وأما العمل فغير داخل فيه. ٦ - قول الكرامية: أن الإيمان قول باللسان فقط. وهذا لإثبات إيمانه في الدنيا، أما في الآخرة فمن لم يرافق قوله ما في قلبه من الاعتقاد الصحيح -كالمنافق- فهو مخلد في النار. ٧ - قول الكلابية والأشعرية: ولهم في الإيمان قولان: أحدهما: أنه قول واعتقاد وعمل، وهذا قول موافق لأهل السنة والجماعة. والثاني: أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا فتارة يقولون هو المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون هو التصديق (١). أما مذهبهم في مرتكب الكبيرة فهو موافق لقول أهل السنة. ويلاحظ أن القول الثاني هو الذي اشتهر عند الأشاعرة، وهو الذي نصره أئمتهم ممن جاء بعد الأشعري، وهو الذي استقر عليه المذهب؛ وهذه خلاصة الأقوال في الإيمان (٢).

стр. 670

المبحث الرابع الباطنية . تمهيد الباطنية: نسبة إلى التأويل بالباطن، تصدق على كل من يذهب إلى التأويل بالباطن في القرآن الكريم، أو الحديث الشريف. ولقد تستروا بفكرة ضالة وخبيثة مؤداها: أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة لها ظاهر وباطن. فالظاهر ما يفهم من النص العربي، والباطن: ما يفهمونه بوساوسهم وأوهامهم الخبيثة دون قاعدة يرجع إليها في فهم هذا الباطن، إلاَّ محض الخرافات التي تساعدهم على تحويل النص الشرعي إلى ألوان كفرهم وتحقيق غايتهم التي يرمون إليها، وهي سلخ المسلمين من عقيدتهم وتحويلهم عن دينهم. وقد انقسم أهل هذا المذهب الباطني إلى فرق عديدة لكل منها صورة خاصة من الكفر والضلال، ويجمعها كلها هدف واحد هو هدم الإسلام، والنيل من عقيدة المسلمين (١). وتعتبر الحركات الباطنية من أخطر الحركات في تاريخ العالم الإسلامي، وكذلك الرافضة والطائفتان متداخلتان في المنهج والاعتقاد والموقف من أهل السنة، ولا عجب؛ إذ كلها قائمة على مبدأ التشيع ومنطلقة منه، وإن كان التطور في بعضها قد يصل إلى الغلو أو الإباحة كما حدث للإسماعيلية والقرامطة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو دعوى موالاة أهل البيت والقيام بالواجب نحوهم، واستخلاص حقوقهم المغتصبة- من الإمامة وغيرها- من أعدائهم؛ وهذه الحركات لا تزال -حتى الآن- تقوم بدور خطير في عالمنا الإسلامي وتحظى -كما يحظى من يتبناها من دول وغيرها- بدعم كبير من اليهود والنصارى والملاحدة -من شيوعيين ولا دينيين-؛ إذ أدرك أعداء الإسلام أن حرب المسلمين - ويقصد

стр. 671

أهل السنة- لا تتم إلا بإحياء الطائفية بينهم ودعم تلك الفرق والحركات المناهضة للإسلام الحق (١). وصدقت فيهم مقولة أبي حامد الغزالي ﵀: " إنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم" (٢). ومن فرق الباطنية: ١ - غلاة الرافضة قال الشيخ ﵀: " وأما الروافض فقد أبغضوا أبا بكر وعمر وعثمان وكثيراً من الصحابة وتبرءوا منهم، وقالوا لا ولاء إلا ببراء، أي لا يصح من أحد ولاء لآل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان ومن تبعهم، وسموا رافضة، لأنهم رفضوا نصرة زيد بن علي زين العابدين من أجل موالاته أبا بكر وعمر، فسماهم رافضة ... وقالوا بتناسخ الأرواح" (٣). وقال الشيخ ﵀: " انتقص الله وطعن في أفعاله وشرائعه اليهود والرافضة، بخفاء الفرق بين النسخ والبداء (٤)، وتعذر الفصل بينهما عليهم؛ فمنعت اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها؛ فحكمت بأن الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفياً عليه؛ فينقض ما أبرمه (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً). ومن تبين أمر اليهود وحسدهم لمن جاء بعد موسى من الأنبياء، وكيدهم لشرائع الإسلام، وتبين حال الرافضة، ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم؛ بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وأنهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للإسلام منهجهم؛ علم أن ما قالوه من الزور والبهتان، إنما كان عن قصد سيئ وحسد للحق وأهله، وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى

стр. 672

الدس والخداع وإعمال معاول الهدم سراً وعلناً للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السيئ" (١). وقال الشيخ ﵀ مبيناً ما سبق في تعليقه على قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ الرعد: ٣٩: " بين (تعالى) في آخر الآية أن كل ما يكون منه من محو وإثبات وتبديل وتغيير واقع بمشيئته فعلاً وكونياً أو تشريعاً، ومسطور عنده في أم الكتاب جرى به القلم؛ فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير والتبديل كل منها في وقته الذي حدد له في علمه (تعالى) وكتابه، ورهين بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والإثبات عموماً أن يكون بدا لله أمر كان خفياً عليه، بل كل ما كان وما سيكون من فعل أو تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه، وما جرى به قلمه في كتابه" (٢). حدثت انقسامات داخل المذاهب الرافضية الباطنية: ومنها: الانقسام الذي وقع حول من يكون الإمام بعد جعفر الصادق ﵀. فطائفة: قالت: الإمام بعده ابنه موسى واستمرت الإمامة بعده إلى الإمام الثاني عشر - المهدي المنتظر عندهم- وهؤلاء هم الرافضة الموسوية، والجعفرية، الاثنا عشرية، ومن يطلع على عقائدهم ومذاهبهم يرى أنه لا يمكن أن يكونوا طائفة معتدلة بحال من الأحوال، إلا حال التقية. وطائفة: قالت: الإمام بعده أي - بعد جعفر الصادق- ابنه إسماعيل -الذي مات في عهد أبيه- وهؤلاء هم طائفة الإسماعيلية التي انبثقت منها حركة القرامطة، والدولة الفاطمية في المغرب ومصر، والإسماعيلية في بلاد فارس وغيرها (٣).

стр. 673

الرافضة: هي تلك الطائفة من الشيعة التي تعتقد بأحقية أهل البيت في الإمامة على باقي الصحابة، بمن فيهم الشيخان ﵃، وأن الإمامة ركن من أركان الدين بنص النبي ﷺ ، وأن الأنبياء والأئمة معصومون، ويشمل أيضا، كل من يقول بالبداء والرجعة والغيبة والتولي والتبري إلا في حالة التقية. ويرجح العلماء سبب التسمية لرفضهم إمامة الشيخين وأكثر الصحابة، وقد أطلق عليهم هذا الاسم بعد رفضهم إمامة زيد بن علي، وتفرقهم عنه؛ لعدم موافقته على أفكارهم، وكانت تسمى من قبل الخشبية والإمامية، ومن أشهر فرقهم الاثنا عشرية (١). أخطر عقائد غلاة الرافضة: ١ - التأويل الفاسد: وإنما كان فاسداً لأنه صدر عن اعتقادهم أن للقرآن ظاهراً وباطناً، وأن المراد منه باطنه دون ظاهره، وأن علم الباطن مقصور عليهم وحدهم، فانطلق غلاة الرافضة كغيرهم من غلاة الباطنية يحرفون لفظ القرآن عن معناه إلى ما يتفق مع عقيدتهم وأهوائهم؛ وبالتأويل الفاسد تحلل الروافض من القيم الأخلاقية، والشعائر الدينية، ونشروا الإباحة والإلحاد. فالخطابية (٢) استحلوا الزنا، وشرب الخمر، وقالوا بترك الصلاة، مؤولين قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ النساء: ٢٨. وقالوا: خففت عنا يا أبا الخطاب، وقالوا من عرف الإمام فلا حرج عليه ... الخ. وهذا شبيه بنهج اليهود في التأويل والتحريف، وله صلة قوية بما كان عليه المجوس من الفرس.

стр. 674

٢ - التشبيه والحلول: أي القول بتشبيه الله بالإنسان، وأن له تعالى أعضاء كأعضائه، والقول بالحلول أيضاً حين اعتقد غلاتهم حلول الإله بذاته أو روحه جزء أو كلا في البشر، وهذا قوي الصلة بوثنية الفرس وتحريفات اليهود والنصارى، وهو مناف لعقيدة التوحيد، فالقول بالحلول باطل ومحال: فحلول الشيء لا يتصور إلاّ إذا كان الحال بحيث لا يتعين إلاّ بتوسط المحل، ولا يمكن أن يتعين واجب الوجود سبحانه بغيره، فحلوله في غيره محال. وأما التشبيه فقد نتج عن تأويلهم لبعض النصوص الشرعية على غير وجهها الصحيح فوصفوا الله سبحانه بما لا يليق به، وما ذلكَ إلاّ لركونهم إلى التأويل المهلك وتركهم للتفويض المدرك (١). ٣ - البداء: وهو مما قالت به اليهود (٢)، ولا يجوز على الله؛ لأنه مخالف تماماً للنسخ المقرر شرعاً إذ أن البداء بمعنى أنه بدا لله شيء كان يجهله أو يجهل الحكمة منه، ثم بدا له أن يفعله، وهذا مفهوم يؤدي إلى جواز التغير عليه سبحانه. وهو مختلف تماماً عن معنى النسخ. ٤ - الرجعة: وهو القول برجعة الإمام مرة أخرى إلى الحياة بعد موته ليؤدي دوره في هداية الناس إلى مذهبه، وهذه أيضاً يقول بها اليهود (٣). ٥ - التناسخ: أي القول بتناسخ الأرواح وانتقالها من جسم إلى جسم وهذا هو الثواب والعقاب، وهو معنى القيامة عندهم، ويكون ذلكَ في الدنيا فيثاب المطيع مثلاً بأن تنتقل

стр. 675

روحه إلى شيءٍ حسن كالطاووس مثلاً، ويعاقب المجرم العاصي بأن تنتقل روحه إلى شيء قبيح مثل الكلب أو قرد. فالجزاء في الدنيا وليس هناك حياة آخرة. يقول ابن حزم: " ويبلغ الأمر بمن ذهب منهم إلى هذا أنه يأخذ أحدهم البغل والحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أن روح أبي بكر وعمر حلت فيها" (١).

стр. 676

٢ - الإسماعيلية . قال الشيخ ﵀ في الإسماعيلية الذين يعتقدون أن الله حل في علي: " اعتقاد أن الله حل في علي أو غيره كفر محض مخرج من ملة الإسلام، وكذلك اعتقاد أن هناك أحداً يتصرف في السماء والأرض غير الله سبحانه كفر أيضاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ الأعراف: ٥٤" (١). رد الشيخ ﵀ على من لا يرى اتباع الشريعة الإسلامية، بقوله: " من اعتقد أن هناك أحداً يسعه الخروج من اتباع شريعة محمد ﷺ فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، وشريعته هي القرآن الذي أوحاه الله إليه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ الإسراء: ١٠٦، ومن الشريعة: السنة النبوية التي هي تبيين وتفصيل للقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ النحل: ٦٤" (٢). أنكرت هذه الفرقة أركان الإسلام، فرد عليهم الشيخ ﵀، قائلاً: " من أنكر وجحد شيئاً من أركان الإسلام أو من واجبات الدين المعلومة بالضرورة فهو كافر ومارق من دين الإسلام" (٣). الإسماعيلية فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحية. وقد مالت إلى الغلو الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفرون أعضاءها.

стр. 677

وقد تشعبت الإسماعيلية لفرق عده هي؛ الإسماعيلية القرامطة (١)، والإسماعيلية الفاطمية (٢)، والإسماعيلية الحشاشون (٣)، وإسماعيلية الشام (٤)، والإسماعيلية البهرة (٥)،

стр. 678

والإسماعيلية الأغاخانية (١)، والإسماعيلية الواقفة (٢)، والمكارمة (٣). ويتضح أن الإسماعيلية في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية، ولكنها غلت في أئمتها وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من حظيرة الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ وإنكارهم صفات الله ، ولعدم استمدادهم عقيدتهم من خالص الكتاب والسنة (٤). أخطر عقائد الإسماعيلية: ١ - ينفون عن الله ما وصف به نفسه، ويرون أن ذلك من مستلزمات التوحيد الخالص على غرار ما قال به أفلاطون (٥) من فلاسفة اليونان عن العلة الأولى،

стр. 679

وأنها واحدة من كل وجه. وبذلك لا يوصف الله بصفات تستوحى معانيها من تجارب الحس؛ لأنها إضافات لا تتفق مع الواحدة الخالصة. وهذا ما اشترك فيه الإسماعيلية مع غيرها من الفرق الضالة التي حاولت طمس معالم الإسلام وتقويض أصوله. ٢ - بناء على عقيدتهم في (الألوهية) فإن العقل الأول هو الذي دبر الكون وأرسل الرسل والوحي إلى الأنبياء. والناطق السابع عندهم بالوحي هو "محمد بن إسماعيل" الذي نسخ شريعة الإسلام. ٣ - الإمام وهو محور الدعوة الإسماعيلية، وهو وارث الأنبياء جميعاً، ووارث كل من سبقه من الأئمة، ويصفونه بصفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن لما له من صفات قدسية، فهو يد الله وجنب الله ووجه الله (١). وهكذا نرى الإسماعيلية تصل إلى أخطر النتائج، وهي فتح باب النبوة وعدم إغلاقه على الإطلاق، وهذا يعني أن محمداً ﷺ لم يكن خاتم النبيين، ولا برسالته أكمل الدين. فالنبوة مستمرة بصفة دورية!!. وعلى هذه الفكرة الخبيثة قامت (دعوة القاديانية والبهائية) في العصر الحديث، وهذا القدر من عقائد الإسماعيلية كاف للحكم بكفرهم وموضح لخبث هدفهم، وسوء نيتهم، وتهافت فكرهم. ويتبين مما سبق أن مذهب الإسماعيلية قد تأثر بعقائد الفرس القديمة، والأفكار الهندية المشوشة، والمسيحية المحرفة، وعناصر من الفلسفة اليونانية التي انصهرت كلها في عقيدة باطنية تقوم على استخلاص الباطن من الظاهر عن طريق التأويل الفاسد المهلك الذي يمكنهم من توجيه دعوتهم إلى كافة مستويات أتباعهم (٢).

стр. 680

٣ - النصيرية: قال الشيخ ﵀: " النصيرية والإسحاقية: من غلاة الشيعة يرون ظهور الروحانيات في صور جسمية خَيرة أو خبيثة ويزعمون أن الله يظهر في صورة إنسان وأن جزءاً من الله حل في علي به يعلم الغيب ويفصل مالا طاقة لأحد به من البشر ويرون أيضاً إباحة المحارم وإسقاط التكاليف إلا أن النصيرية أميل إلى مشاركة علي لله في الإلهية والإسحاقية أميل إلى مشاركة علي لمحمد في النبوة؛ والنصيرية نسبة إلى محمد بن نصير النميري والإسحاقية نسبة إلى إسحاق بن زيد بن الحارث" (١). قال الشيخ ﵀ في رده على من قال بتناسخ الأرواح والتي هي من عقائد النصيرية: "ما ذكر من أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر ليس بصحيح، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ الأعراف: ١٧٢، وجاء تفسير هذه الآية فيما رواه مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب ﵁ سُئل عن هذه الآية السابقة، فقال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يُسال عنها، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) (٢)، قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث، قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃ أجمعين وغيرهم. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك

стр. 681

وذكروا: أن القول بانتقال الروح من جسم إلى آخر هو قول أهل التناسخ وهم من أكفر الناس، وقولهم هذا من أبطل الباطل" (١). النصيرية (٢): هي حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث الهجري هم أتباع محمد بن نصير النميري ويعد أصحابها من غلاة الشيعة الذين قالوا بألوهية علي بن أبي طالب ﵁ بناء على اعتقادهم بأن ظهور الروح بالجسد الجسماني أمر يجيزه العقل، فهو يشبه ظهور جبريل ﵇ بصورة بشر، وظهور الشيطان بصورة إنسان يتكلم بلسانه، إلى آخر ما قالوا به من معتقدات فاسدة باطلة قصدوا بها نقض عرى الإسلام وزلزلة بنيانه. فلا عجب أن تراهم مع كل غاز لأرض المسلمين. وقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم (العلويين) ستراً وتغطية لحقيقة أمرهم (٣). أخطر عقائد النصيرية: ١ - يقولون بألوهية الإمام وعصمته: وهي ألوهية - في نظرهم- مثلثة الأجزاء متحدة الحقيقة كما هي عند النصارى. فهي عندهم: معنى واسم وباب. كما هي عند النصارى: أب وابن وروح قدس. أما المعنى فهو: علي بن أبي طالب، وهو الله العلي القدير عندهم. وأما الاسم فهو: محمد بن عبد الله، وهو حجابها النوراني.

стр. 682

وأما الباب فهو: سلمان الفارسي الذي يوصل إلى الحجاب النوراني. وبعد انتهاء دور النبوة أصبح هؤلاء الثلاثة يتنقلون في الأئمة الاثني عشر حتى خلفوها إلى (محمد بن نصير النميري) حسب ادعائه (١). ٢ - ويزعمون بأن للعقيدة باطناً وظاهراً، وأنهم وحدهم العالمون بباطن الأسرار. من ذلكَ قولهم بأن القرآن: هو مدخل لتعليم الإخلاص لعلي، وقد قام سلمان (٢) (تحت اسم جبريل) بتعليم القرآن لمحمد! (٣). ولهم قداسات شبيهة بقداسات النصارى تدل بألفاظها على صريح كفرهم (٤). ٣ - القول بالتناسخ: قال به الغلاة في كل ملة، فهو عقيدة مشتركة بينَ أهل الديانات. ومقتضى مذهب هؤلاء الغلاة أن لا دار إلاَّ دار الدنيا، وأن القيامة إنما هي خروج الروح من البدن ودخولها في بدن آخر. إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وأنهم مسرورون في هذه الأبدان أو معذبون فيها. والأبدان هي الجنات وهي النار، وأنهم منعمون في الأجسام الحسنة الأنيسة المنعمة، ومعذبون في الأجسام الرديئة المشوهة من كلاب وقرود وخنازير وحيات، وأن المؤمن عندهم يتحول سبع مرات قبل أن يأخذ مكانه بين النجوم (٥).

стр. 683

وعلماء الإسلام مجمعون على كفر القائلين بالتناسخ لإنكارهم معلوماً من الدين بالضرورة وهو الإيمان باليوم الآخر وما يتعلق به (١). ٤ - قال ابن نصير بإباحة المحارم وأحل اللواط بين الرجال (٢): وأسقط التكاليف الشرعية استناداً إلى تأويلاتهم الباطنية الفاسدة التي لا تستند إلى دليل. وتلك نزعة قديمة ترتبط بالمجوسية (٣)، والزرادشتية (٤)، والمزدكية (٥)، ذلك أن للمجوس طبقة من الكهنة كانت تبيح الزواج بالأقارب المقربين، يقول الشهرستاني: عرف عن مزدك دعوته إلى الإباحية، واستباحة أموال الناس وأنها فيء، واستحلال النساء، فقد تزوج "يزدجرد" الثاني (٦) الذي تولى الحكم في

стр. 684

القرن الخامس الميلادي من ابنته، كما عرف أن "بهرام جور" (١) الذي حكم في القرن السادس الميلادي قد تزوج من أخته، ويذكر أن عادة الزواج بالمحارم كانت عادة منتشرة في " الزرادشتية". وكانت أكثر شيوعاً بينَ أهل التقى - أي الكهنة- إرضاء لآلهتهم (٢). حكم الإسلام في النصيرية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هؤلاء القوم الموصوفون المسمون بـ"النصرية" هم وسائر أصناف القرامطة (٣) الباطنية: أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين ... فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهاد المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا بنهي ولا بثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ، ولا بملة من الملل السالفة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين ويتأولونه على أمور يقرونها، ويدعون أنها علم الباطن من ذلكَ قولهم: إن الصلوات الخمس: معرفة أسرارهم، والصيام المفروض: كتمان أسرارهم، وحج البيت العتيق: زيارة شيوخهم، وأن يدي أبي لهب هما: أبو بكر وعمر، وأن النبي العظيم

стр. 685

والإمام المبين هو علي بن أبي طالب، ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة ... وصنف علماء المسلمين كتباً في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة ... وقد اتفق علماء الإسلام على أن مثل هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ... ، ولا تباح ذبائحهم، ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يصلى على من مات منهم أبداً ... وأما استخدام هؤلاء في ثغر من ثغور المسلمين أو حصونهم وجندهم فهو من الكبائر بمنزلة من استخدم الذئاب في رعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمرهم، ومن أحرص الناس على إفساد الملة والدولة" (١). وبمثل هذا قال أكثر علماء الإسلام ممن يوثق في دينهم ويعتد بآرائهم في هؤلاء المارقين الخارجين على تعاليم الدين (٢). ٤ - الدروز: قال الشيخ ﵀: " أصل الدروز فرقة سرية من فرق القرامطة الباطنية يتسمون بالتقية وكتمان أمرهم على من ليس منهم، ويلبسون أحياناً لباس التدين والزهد والورع ويظهرون الغيرة الدينية الكاذبة، ويتلونون ألواناً عدة من الرفض والتصوف وحب آل البيت ... حتى إذا سنحت لهم الفرصة وقويت شوكتهم ووجدوا من الحكام من يواليهم وينصرهم ظهروا على حقيقتهم ... مبادئهم: أ- يقولون بالحلول، فهم يعتقدون أن الله حل في علي ﵁ ثم حل في أولاده بعده واحداً بعد واحد حتى حل في الحاكم العبيدي أبي علي المنصور بن العزيز، فالإلهية حلت ناسوته ويؤمنون برجعة الحاكم وأنه يغيب ويظهر. ب- التقية، فهم لا يبينون حقيقة مذهبهم إلاَّ لمن كان منهم، بل لا يفشون سرهم إلاَّ لمن أمنوه ووثقوا به من جماعتهم.

стр. 686

ج- عصمة أئمتهم، فهم يرون أن أئمتهم معصومون من الخطأ والذنوب، بل ألهوهم وعبدوهم من دون الله كما فعلوا ذلك بالحاكم. د- دعواهم علم الباطن، فهم يزعمون أن لنصوص الشريعة معاني باطنة هي المقصودة منها دون ظواهرها، وبنوا على هذا إلحادهم في نصوص الشريعة وتحريفهم لأخبارها وأوامرها ونواهيها. هـ - يقولون بقول أهل الطبيعة، فيقولون: إن الطبائع مولدة للحياة، والموت ينشأ عن فناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج عند انتهاء الزيت إلاَّ من اعتبط- أي: قتل بحادث مثلاً. و- النفاق في الدعوة والمخادعة فيها: فهم يظهرون التشيع وحب آل البيت لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم دعوه إلى الرفض وأظهروا له معايب الصحابة وقدحوا فيهم، فإذا قبل منهم كشفوا له معايب علي وطعنوا فيه، فإذا قبل منهم ذلك انتقلوا به إلى الطعن في الأنبياء، وقالوا: إن لهم بواطن وأسراراً تخالف ما دعوا إليه أممهم، وقالوا: إنهم كانوا أذكياء وضعوا لأممهم نواميس شرعية ليحققوا بذلك مصالح وأغراضاً دنيوية .. إلخ" (١). الدروز: إحدى الفرق الباطنية التي تأثرت كثيراً بعقائد الإسماعيلية وقد اشترك في تأسيس هذه الفرق عدة شخصيات -ليس هذا المجال لبسطها- جعلت الخليفة بأمر الله محور العقيدة الدرزية (٢). أخطر عقائد الدروز (٣): ١ - يقولون بألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي (٤)، وأن روح الإله قد حلت في جسده، وهذه العقيدة تقوم على أن للحاكم بأمر الله طبيعتين:

стр. 687

(أ) طبيعة لاهوتية خفيفة لأن الله اتخذ الحاكم حجاباً له. (ب) طبيعة ناسوتية ظهر بها بصورة الحاكم بأمر الله المتجسد أمام الناس، ليعبد الله ظاهراً موجوداً رحمة منه بعباده. وقد ظهر الإله في صورة إنسان؛ لأن الإنسان أفضل المخلوقات. والحاكم بأمر الله هو الصورة الناسوتية الأخيرة لله؛ ولهذا فهم يعبدونه ويقدسونه. وحين قتل الحاكم بأمر الله سارع دعاة تأليهه إلى القول بأنه لم يقتل ولم يمت ولكنه اختفى أو رفع إلى السماء وسيرجع ويملأ الأرض عدلاً. وإنما غاب الحاكم بأمر الله اختباراً لهم أو غضباً منهم، وسوف يظهر في اليوم الموعود من تحت صخرة بيت المقدس. ٢ - ويقولون بالتناسخ: فكل درزي يموت تنتقل روحه ليحل في أول مولود منهم لا من غيرهم. وهم جميعاً من أهل الجنة، والمسيئ فيهم تطهر روحه بتنقلها في أجسام فقراء أو مرضى فإذا طهرت لبست أجسام السعداء من الرؤساء والأغنياء. والفرق بينَ تناسخ الدروز وتناسخ النصيرية يكمن في الجسم الذي تنتقل إليه الروح، فهو عند الدروز لا يكون غير جسم الإنسان بالذات بخلاف النصيرية. ويوم الحساب - عندهم- هو نهاية مراحل انتقال الأرواح وتناسخها في الأجسام، وحينئذ ينتصر التوحيد على عقائد الشرك. وعقيدة التناسخ التي يقول بها الدروز وغيرهم من الفرق الباطنية تخالف الإسلام وإجماع علماء المسلمين. ٣ - وهم يبغضون أهل الديانات الأخرى والمسلمين على وجه الخصوص، ويستبيحون دماءهم، وأموالهم، وغشهم كلما تيسر لهم ذلك. ٤ - ويعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها، وينكرون جميع أصول الإسلام وفروعه.

стр. 688

٥ - وينكرون القرآن الكريم، ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي، ولهم مصحف خاص بهم يمسى "المنفرد بذاته". ٦ - التستر والكتمان من أصول معتقداتهم وليس هذا من باب التقية وإنما هو من أصول ديانتهم. حكم الإسلام فيهم: يبين الشيخ ﵀ حكم الله فيهم، فيقول: "سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عما يحكم به في الدروز والنصيرية، فأجاب بما يأتي: وهؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى ولا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ووجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد، فهم كفار باتفاق المسلمين (١) ... " (٢). وهكذا نرى أن الدروز كونوا لهم ديناً جديداً استمدوه من بعض الوثنيات القديمة، والفلسفة اليونانية، وبعض التصورات المسيحية، وخلطوا ذلك كله، بل بنوه على بعض آراء الشيعة الإسماعيلية، ومن ثم لا ينبغي أن يعدوا من المسلمين، أو يعاملوا معاملة الفرق الإسلامية، وقديماً قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية: "بأنهم أعظم كفراً من الغالية، ويقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى، ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو، وأمثاله، أو مجوساً. وقولهم مركب من قول الفلاسفة، والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقاً ... إن كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم، فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم ... إلخ" (٣). كما ذكر ابن عابدين (٤) في حاشيته أن الدروز لا ملة لهم إذ يقول: "ظهر

стр. 689

من كلامهم -أي الفقهاء- حكم القاضي المنصوب في بلاد الدروز في القطر الشامي، ويكون درزياً ويكون نصرانياً، فكل منهما لا يصح حكمه على المسلمين فإن الدرزي لا ملة له كالمنافق، والزنديق، وإن سمى نفسه مسلماً" (١). ٥ - القاديانية: بين الشيخ ﵀ الحكم في الطريقة القاديانية، بقوله: " لقد صدر الحكم من حكومة الباكستان على هذه الفرقة بأنها خارجة عن الإسلام، وكذلك صدر من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة الحكم عليها بذلك، ومن مؤتمر المنظمات الإسلامية المنعقد في الرابطة في عام ١٣٩٤ هـ ... والخلاصة: أنها طائفة تدعي أن مرزا غلام أحمد الهندي نبي يوحى إليه وأنه لا يصح إسلام أحد حتى يؤمن به، وهو من مواليد القرن الثالث عشر، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم أن نبينا محمداً ﷺ هو خاتم النبيين (٢)، وأجمع علماء المسلمين على ذلك، فمن ادعى أنه يوجد بعده نبي يوحى إليه من الله فهو كافر لكونه مكذباً لكتاب الله ، ومكذباً للأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ الدالة على أنه خاتم النبيين، ومخالفاً لإجماع الأمة" (٣).

стр. 690

قال الشيخ ﵀: " روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال ﷺ : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي) (١) الحديث، وفي آخر عند أحمد بلفظ: (لا نبوة بعدي إلا المبشرات) (٢) الحديث، وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة" (٣). تنسب الطائفة القاديانية إلى مدينة (قاديان) بالهند. وأحياناً يطلق عليهم اسم (الأحمدية) نسبة إلى مؤسس مذهبهم "غلام أحمد"؛ ولا يخفى أن القاديانية وليدة السياسة الإنجليزية؛ وكذلك البيئة الفكرية في الهند لها دورها الفعال في ظهور نحلة القاديانية الباطلة (٤).

стр. 691

عقائد القاديانية: ١ - ادعى غلام أحمد القادياني في بادئ أمره أنه داعية إلى الإصلاح وتجديد الدين، ثم ادعى أنه المسيح الموعود والمهدي المنتظر، وأخيراً ادعى النبوة وأفضليته على الأنبياء ﵈. ٢ - ويعتقد القاديانيون بأن الله يصوم، ويصلي، وينام، ويصحو، ويكتب، ويخطئ، ويجامع - تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً-. ٣ - يعتقد القاديانيون أن (قاديان) كالمدينة المنورة ومكة المكرمة، بل أفضل منهما وأن أرض (قاديان) حرم، وأنها هي قبلتهم، وإليها حجهم. ٤ - يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات والمسكرات. ٥ - القاديانية تحرم الجهاد، وتقول بالطاعة العمياء للحكومات الإنجليزية؛ لأنهم أولو الأمر بنص القرآن حسب زعمهم، ومن لا يلتزم بتعاليم القاديانية فهو كافر! (١). حكم الإسلام فيها: يقول الإمام الغزالي: إن الأمة قد فهمت بالإجماع من هذا اللفظ (لا نبي بعدي)، ومن قرائن أحواله ... عدم وجود نبي بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، ومنكر هذا يكون منكراً للإجماع (٢). والقاديانية كشفت عن وجهها حين أنكرت الجهاد لتصبح الشعوب الإسلامية بقرة حلوباً للمستعمرين يأخذون لبنها، ويظلمونها في علفها .. وقد قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ آل عمران: ١٤٩، كما أن للقاديانية علاقات وطيدة مع إسرائيل، فقد فتحت لهم إسرائيل المراكز والمدارس ومكنتهم من إصدار مجلة تنطق باسمهم وطبع الكتب والنشرات لتوزيعها في العالم (٣).

стр. 692

وكان قرار (١) مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمر الثاني بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٦ هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٥ م، عند استفتائه عن القاديانية والفئة المتفرعة عنها التي تدعي اللاهورية، من حيث اعتبارهما في عداد المسلمين أو عدمه، قالوا: " إن ما ادعاه ميرزا غلام أحمد من النبوة والرسالة ونزول الوحي عليه إنكار صريح لما ثبت من الدين بالضرورة ثبوتاً قطعياً يقينياً من ختم الرسالة والنبوة بسيدنا محمد ﷺ ، وأنه لا ينزل وحي على أحد بعده. وهذه الدعوى من ميرزا غلام أحمد تجعله وسائر من يوافقونه عليها مرتدين خارجين عن الإسلام. وأما اللاهورية فإنهم كالقاديانية في الحكم عليهم بالردة، بالرغم من وصفهم ميرزا غلام أحمد بأنه ظل وبروز لنبينا محمد ﷺ " (٢). ويتضح مما سبق وبعد أن أفتى علماء الإسلام بكفرهم، أن القاديانية دعوة ضالة، ليست من الإسلام في شيء، وعقيدتها تخالف الإسلام في كل شيء، ويتضح تأثرهم بالمسيحية واليهودية والحركات الباطنية في عقائدهم وسلوكهم على الرغم من ادعائهم الإسلام ظاهريا. ٦ - البهائية: قال الشيخ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٣ - ١٤: "إن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم. وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين. وقال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)﴾ الإسراء: ١٠٣.

стр. 693

وقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة. فتارة يسمون (بالدهريين): وأخرى (برجال الحقيقة، ووحدة الوجود) وأحياناً (بالشيوعيين)، وأخرى (بالوجوديين). - اللقب الجديد - وآونة (بالبهائيين). إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها، وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلي غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يعبد ويقصد. وبما تقدم (١) من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده - تعالى - يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما يصدق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع" (٢). البهائية: فرقة ضالة مؤسسها الميرزا حسين علي البهاء، وقد ادعى النبوة والرسالة ثم الألوهية وزعم أن الله حل فيه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-؛ وتقطن الغالبية العظمى من البهائيين في إيران وقليل منهم في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة وغير ذلك (٣). بعض أفكارهم ومعتقداتهم (٤): ١ - يعتقد البهائيون أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جمع الأشياء. ٢ - يقولون بالحلول والاتحاد والتناسخ وخلود الكائنات، وأن الثواب والعقاب إنما يكونان للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال.

стр. 694

٣ - يوافقون اليهود والنصارى في القول بصلب المسيح. ٤ - يؤولون القرآن تأويلات باطنية ليتوافق مع مذهبهم. ٥ - ينكرون معجزات الأنبياء وحقيقة الملائكة والجن، كما ينكرون الجنة والنار. ٦ - يحرمون الحجاب على المرأة، ويحللون المتعة، وشيوعية النساء والأموال. ٧ - تحريم الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الأعداء خدمة للمصالح الاستعمارية. ٨ - ينكرون أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، مدعين استمرار الوحي. وغير ذلك من هذه المعتقدات الفاسدة ... ولا شك أن الحركات الباطنية كانت هي الأصل الذي نشأت عنه البهائية بل الكثير من الفرق المنحرفة والإلحادية، وقد ركزت البهائية بل الكثير من الفرق المنحرفة، منذ تاريخها الأول على محاربة الإسلام من خلال التأكيد على أنه دين قديم يحتاج إلى التجديد والتطوير؛ والبهائية هي نحلة أساسها فكر شيعي تنقلت مع الدعوة الباطنية عبر التاريخ وظهرت بوضوح في القرن الثالث عشر الهجري (١). حكم الإسلام فيهم: أفتى علماء المسلمين بكفر البهائيين وخروجهم عن الإسلام وأن من اعتنق مذهبهم من المسلمين صار مرتداً عن الإسلام، كما قرر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة عام ١٣٩٨ هـ (٢).

стр. 695

المبحث الخامس الصوفية . قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " جماعة الطرق الصوفية مبتدعة وهم ضالون مضلون" (١). وقال الشيخ ﵀: " يغلب على الطرق الصوفية البدع" (٢). وقال الشيخ ﵀: " إن القول بسقوط التكاليف أو بوحدة الوجود يؤمن به بعض الصوفية لا كلهم" (٣). ثم بين الشيخ ﵀ سبب تسمية الصوفية، فقال: " قيل: إن الصوفية نسبوا إلى الصِفة لشبههم بجماعة من الصحابة ﵃ فقراء كانوا يأوون إلى صفة في المسجد النبوي، وهذا ليس بصحيح، فإن النسبة إلى الصِفة صفّي بتشديد الفاء وياء النسب دون واو، وقيل: نسبوا إلى صفوة؛ لصفاء قلوبهم وأعمالهم، وهذا خطأ أيضاً؛ لأن النسبة إلى (الصفوة) صفوي، ولأنهم تغلب فيهم البدعة وفساد العقيدة، وقيل: نسبوا إلى الصوف؛ لأنه كان شعاراً لهم في اللباس، وهذا أقرب إلى اللغة وإلى واقعهم" (٤). قال الشيخ ﵀: " الطرق الصوفية طوائف شتى منها: التجانية، والقادرية، والخلوتية ... الخ ولا تخلو طائفة منها من البدع، وإن تفاوتت في ذلك، فمنها المقل ومنها المكثر" (٥). تعريف الصوفية: التصوُّف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقا

стр. 696

مميزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخّى المتصوفة تربية النفس، والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف (١) والمشاهدة لا عن طريق اتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقاً جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها: أن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطَّه أهل السنة والجماعة؛ وقد اختُلف في مرجع تسميتها بالصوفية كما ساق الخلاف الشيخ ﵀ في كلامه السابق، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وابن خلدون (٣) وطائفة كبيرة من العلماء من أنها نسبة إلى الصُّوف، إذ كان شعار رهبان أهل الكتاب الذين تأثر بهم الأوائل من الصوفية، وبالتالي فقد أبطلوا كل الاستدلالات والاشتقاقات الأخرى على مقتضى قواعد اللغة العربية، مما يبطل محاولة نسبة الصوفية أنفسهم لأهل الصفة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو محاولة نسبة أنفسهم إلى علي بن أبي طالب والحسن البصري، وسفيان الثوري ﵃ وهي نسبة تفتقر إلى الدليل ويعوزها الحجة والبرهان؛ أما تعريف التصوف في الاصطلاح فقد اختلف فيه اختلافاً كثيراً،

стр. 697

فقيل: الإعراض عن الاعتراض، وقيل: هو صفاء المعاملة مع الله، وقيل: الأخذ بالحقائق، والكلام بالدقائق، والإياس مما في أيدي الخلائق. وبالجملة فالصوفية كانت بداية للزهد ثم تطورت وصارت مذاهب شتَّى وطرائق قددا منها ما يقرب من السنة ومنها ما يَبْعُد، بل منها ما يصل حدَّ الزندقة (١). "ولا شك أن ما يدعوا إليه الصوفية من الزهد، والورع والتوبة والرضا ... إنما هي أمور من الإسلام، وأن الإسلام يحث على التمسك بها والعمل من أجلها، ولكن الصوفية في ذلك يخالفون ما دعا إليه الإسلام، إذ ابتدعوا مفاهيم وسلوكيات لهذه المصطلحات مخالفة لما كان عليه الرسول ﷺ ، وصحابته. لكن الذي وصل إليه بعضهم من الحلول والاتحاد والفناء، وسلوك طريق المجاهدات الصعبة، إنما انحدرت هذه الأمور إليهم من مصادر دخيلة على الإسلام" (٢). ومن أشهر الطرق الصوفية المعاصرة: ١ - القادرية . قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " والشيخ عبد القادر الجيلاني وإن كان رأيه في استواء الله على عرشه ونحوه من صفات الله سديداً، لا يلزم أن يكون رأيه في سائر ما يراه في الدين سديداً، فقد عرف عنه أنه قال: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله (٣)؛ وروي عنه ذلك من طرق عدة وتأوله له من يحسن الظن به، من ذلك ما ذكره الشيخ

стр. 698

أبو حفص السهروردي (١) في عوارفه. أنه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها ولا يقدح في مقاماتهم ولا منازلهم فكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ . وقد قيل إن أبا الفرج ابن الجوزي صنف كتاباً ينقم فيه على الشيخ عبدالقادر أشياء كثيرة ... فإذا كان هذا حاله ففي الإفراط في الثناء عليه تغرير بالناس وحث لهم على التزام طريقته وقراءة كتبه، وأكثر الناس لا يميز بين الحق والباطل والسنة والبدعة، فيقع بذلك فيما لا يحمد عقباه" (٢). وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، كذلك: " الشيخ عبد القادر الجيلاني تنسب له طريقة القادرية ... وهو برئ من قصيدة كفرية براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأتباعه يكذبون عليه كثيراً وينسبون إليه ما هو بريء منه" (٣).

стр. 699

- التعريف بالشيخ عبد القادر الجيلاني: هو: الشيخ العالم الزاهد محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله ابن جنكي دوست الجيلي الحنبلي شيخ بغداد، ولد بجيلان، سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (٤٧١ هـ)، عاش الشيخ عبد القادر تسعين سنة وانتقل إلى الله في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة (٥٦١ هـ)، وشيعه خلق لا يحصون ودفن بمدرسته في بغداد رحمه الله تعالى (١). كان يفتي على المذهبين: الشافعي والحنبلي، وكانت فتواه محل رضا العلماء بالعراق، فقد كان متبحراً في علوم الشريعة وعلوم اللغة، حتى ذاع صيته بين معاصريه واتسعت شهرته، فكثر أتباعه ومريدوه، وتخرج على يديه الكثير؛ وقد كان عبد القادر الجيلاني كثير الذرية أنجب تسعاً وأربعين ولداً؛ حمل أحد عشر منهم تعاليمه وطريقته، ونشروها ما بينَ غرب آسيا والإقليم المصري، ثم اتسعت طريقته وانتشرت حتى شملت في نهاية القرن التاسع عشر حدود العالم الإسلامي ما بين مراكش وجزر الهند الشرقية. ويقصد إلى مقامه كل عام جموع هائلة من أتباعه للزيارة والتبرك (٢). قال عنه السمعاني ﵀: "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة" (٣). -أقوال أهل العلم في الشيخ عبد القادر: قال الإمام الذهبي خاتماً ترجمة الشيخ عبد القادر بقوله: "وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللهُ الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه" (٤). وقال عنه الحافظ ابن كثير ﵀: "كان له سمت حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه زهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه

стр. 700

وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً، ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحاً ورعاً، وقد صنف كتاب (الغنية)، و (فتوح الغيب)، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ، توفي وله تسعون سنة ودفن بالمدرسة التي كانت له" (١). قال ابن السمعاني ﵀: "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة" (٢). وقال الحافظ ابن رجب معتذراً لما صدر من الشيخ عبد القادر: "ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصري وأصحابه مثلاً من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخوف والخشية، وإظهار الذل والحزن والانكسار، والازدراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف والمحبة والشوق ونحو ذلك، فلا ريب أنه يزدري المتأخرين، ويمقتهم، ويهضم حقوقهم، فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً. ولما كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي عظيم الخبرة بأحوال السلف والصدر الأول، قل من كان في زمانه يساويه في معرفة ذلك، وكان له أيضاً حظ من ذوق أحوالهم، وقسط من مشاركتهم في معارفهم، كان لا يعذر المشايخ المتأخرين في طرائقهم المخالفة لطرائق المتقدمين ويشتد إنكاره عليهم؛ وقد قيل: إنه صنف كتاباً ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياء كثيرة ... -إلى أن قال- وللشيخ عبد القادر ﵀ كلام حسن في التوحيد والصفات، والقدر، وفي علوم المعرفة موافق للسنة. وله كتاب "الغنية لطالبي طريق الحق"، وكتاب "فتوح الغيب"، وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيراً، وكان متمسكاً في مسائل الصفات والقدر ونحوها بالسنة، بالغاً في الرد على من خالفها" (٣).

стр. 701

وقد يُنقل عن الجيلاني من الكرامات وخوارق العادات ما لم ينقل عن غيره، لكثرة ما نَسب إليه أتباعه من ذلك؛ والنقاد من أهل الرواية لا يحفلون بهذه النقول إذ لا أسانيد لها يحتج بها (١). القادرية: تنسب القادرية إلى عبد القادر الجيلاني. أما بالنسبة لفرقة القادرية والتي هي فرقة من فرق الصوفية، فمن أهم عقائدهم: ١ - يؤمن أتباع الطريقة القادرية بعقيدة وحدة الوجود التي تدين بها الصوفية، وقد ورد ذلك في ثنايا بعض مؤلفات شيخها الجيلاني، منها قوله: "الحمد لله الذي وُجد في كل شيء، وحضر عند كل شيء" (٢)، وقوله: "ومعنى الوصول إلى الله خروجك عن الخلق، فإذا وصلت إلى الحق على ما بيّنا - فكن آمناً أبداً من سواه ، فلا ترى لغيره وجوداً ألبته" (٣). ٢ - الاعتقاد بأنه بإمكان الصوفي رؤية الله في الدنيا، وذلك برفع حُجُب الكائنات عن قلبه. يقول عبد القادر: "المؤمن العارف له عينان ظاهرتان، وعينان باطنتان، فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله في السماوات، ثم يرفع الحجب عن قلبه، فيراه، فيصير مقرّباً" (٤). ٣ - ذم الآخرة وطلاّبها، بزعم أن مقصود الصوفية هو الوصول إلى الامتزاج بالوجود الإلهي، إذ يقول الجيلاني: "شجاعة الخواص (أي الصوفية) في الزهد في الدنيا والآخرة" (٥). ويقول أيضا "اخلع نعليك: دنياك وآخرتك، وتجرد عن الأكوان، وافن عن الكل، وتطيب بالتوحيد" (٦).

стр. 702

٢ - النقشبندية . قال الشيخ ﵀: " تكثر البدع عند جماعة الطرق الصوفية عموماً كالذكر الجماعي في صفوف أو حلقات بصوت واحد وذكرهم الله بالاسم المفرد بصوت واحد مثل: الله الله، حي حي، قيوم قيوم ... وذكرهم بضمير الغائب مثل: هو، هو .. وذكرهم بكلمة آه، وفي نشيدهم على الأذكار شر كثير، مثل: الاستغاثة بغير الله وطلب المدد من الأموات مثل: البدوي (١)، والشاذلي (٢)، والجيلاني، وغيرهم، وفي كتبهم بدع كثيرة وشر مستطير، ويخص النقشبندية وذكرهم الله بلفظ الجلالة في الورد اليومي بحركات قلبية مع نفس تشبه حركة اللسان بالكلام دون تحريك للسان واستحضار المريد شيخه وورده اليومي مع اعتقاد وساطته في نجاته يوم القيامة، وهذه الأمور كلها من البدع المنكرة؛ لأن تلك الأذكار لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ فيما أوحي إليه من الكتاب والسنة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣)، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٤) " (٥).

стр. 703

النقشبندية: تنسب إلى (بهاء الدين محمد بن محمد البخاري) المعروف بشاه نقشبند (١) المولود سنة ٦١٨ هـ بقرية قرب بخارى والمتوفى (٧٩١ هـ). وهي فرقة صوفية فيها انحرافات كثيرة منها: زعمهم أن الله يُرى في الدنيا، والاستعانة بمشايخهم من دون الله وقولهم بفناء النار ووحدة الوجود وزعمهم معرفة علم الغيب وكثير من البدع (٢). وأصول الطريقة النقشبندية متوافقة في كثير من تفاصيلها مع الطرق الصوفية الأخرى. فإن فيها من البدع والشركيات والقول بوحدة الوجود وما يحكونه عن أحوال مشايخهم وخصائصهم وتصرفهم المطلق في ذرات الكون، ما لا يشك معه أحد في أن هذه الطريقة إحدى طرق الصوفية الغلاة، الخارجين على الكتاب والسنة، مع إصرار أصحابها بأنها طريقة سنية لا تخرج عن أهل السنة والجماعة شبرا واحدا (٣).

стр. 704

٣ - التيجانية: يبين الشيخ ﵀ ضلال هذه الفرقة، فيقول: " أحمد التيجاني وأتباعه الملتزمون لطريقته، من أشد خلق الله غلواً وكفراً وضلالاً وابتداعاً في الدين، لما لم يشرعه الله سبحانه ولا رسوله ﷺ " (١). قال كذلك ﵀: " الطريقة التيجانية طريقة منكرة لا تتفق مع هدي رسول الله ﷺ وسنته، بل فيها بدع شركية تخرج من يعتقدها أو يعمل بها من ملة الإسلام والعياذ بالله ... " (٢). وقد أفرد الشيخ ﵀ بحثاً كاملاً (٣) مع اللجنة الدائمة للإفتاء في الطريقة التيجانية، وتَضَمن هذا البحث التالي: ١ - كلمة عن أحمد التيجاني، ومنشئ هذه الطريقة، ومصدرها. ٢ - نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه. ٣ - حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة. التيجانية: هي إحدى الفرق الصوفية التي تشترك مع غيرها في الإيمان بمعتقدات الصوفية ويزيدون على هذه المعتقدات شيئاً خاصاً بهم كالاعتقاد بإمكانية مقابلة النبي ﷺ والالتقاء به التقاء مادياً في هذه الدنيا، وأن النبي ﷺ قد خصهم بصلاة (الفاتح لما أغلق) دون سواهم من المسلمين، وتنسب فرقة التيجانية إلى مؤسسها: أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد سالم التيجاني (١١٥٠ - ١٢٣٠ هـ) المولود بقرية تسمى (عين ماضي) من القرى الصحراوية الجزائرية. وقد أنشأ طريقه عام (١١٩٦ هـ) في قرية أبي سمغون، وصارت مدينة فاس المركز الأول لهذه الطريقة وبها زاويته التيجانية، ومنها انطلقت دعوته إلى طريقته، فانتشرت في القارة الإفريقية بوجه عام، وصار لهذه الطريقة أتباع ودعاة (٤).

стр. 705

أهم أفكارهم وعقائدهم (١): ١ - هم مؤمنون بالله سبحانه على نحو صوفي، فهم يؤمنون بوحدة الوجود، كما يؤمنون بالفناء الذي يطلقون عليه اسم (وحدة الشهود). ٢ - الغيب - عندهم - قسمان: "غيب مطلق": استأثر الله بعلمه. "غيب مقيد": يغيب عن بعض المخلوقين دون بعض، وهم يزعمون أن مشايخهم يعلمون الغيب. ٣ - يدعي زعيمهم ومؤسس مذهبهم "أحمد التجاني" أنه قد التقى بالنبي ﷺ لقاءً حسياً مادياً، وأنه كلمة مشافهة، وتعلم من النبي ﷺ "صلاة الفاتح لما أغلق" التي تكفر الذنوب وتضاعف الثواب أكثر من ثواب قراءة القرآن آلاف المرات! وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فتورهم وكسلهم في أداء العبادات والتهاون بها، وهذا مخالف لما يأمر به الدين ويحث عليه. ٤ - يقولون: إن أحمد التجاني هو (خاتم الأولياء) كما أن النبي ﷺ (خاتم الأنبياء). والواضح أن هذه الطريقة قد تأثرت بما ذهب إليه بعض أعلام الصوفية كابن عربي، والحلاج، وغيرهما. وقد ساعد على تقبل هذه الأفكار وانتشارها جهل العامة بالدين الصحيح، وانتشار البدع والخرافات في البيئة الإسلامية، حتى أن عدد التيجانيين في نيجيريا وحدها بلغ عشرة ملايين نسمة!.
следующие страницы →