وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
قطاع المساجد - مكتب الشؤون الفنية
مجالس مع
فضيلة الشيخ
محمد الأمين الجكني الشنقيطي - رحمه الله تعالى -
كتبها تلميذه
أحمد بن محمد الأمين بن أحمد الجكني الشنقيطي
المدرس سابقا بالمسجد الحرام
مكتب الشؤون الفنية
стр. 2
مَجَالِسُ مَعَ
فضيلة الشَّيخ
مُحَمَّد الأَمينِ الجَكَنيّ الشِّنقِيطيِّ - رحمه الله تعالى -
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رقم الإيداع بمكتب الشؤون الفنية - ١٢/ ٢٠٠٧ م
قطاع المساجد
مكتب الشؤون الفنية
الكويت - الرقعي - شارع محمد بن القاسم
بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: ٤٠٤
فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧
стр. 4
تصدير
الحمد للَّه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلّى الله وسلّم على عبده ورسوله محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أمّا بعد:
فإنّ الله تعالى يختار لكلِّ أمّة مِن الأعلام أقوامًا، رفع الله مِقدارهم، وأعلى في النّاس شأنَهم، وهداهم إلى طريق العلم والعبادة، وأرشدهم إلى كمالات وخِلال قلَّ أن تجتمع لغيرهم؛ فأضحَوْا بذلك نجومًا يُهتدى بهم، وأنوارًا يُستضاء بهم: فضلًا من الله ونعمة.
ومِن أعلام القرْن الَّذي انْصَرَم: الشّيخ العلَّامة الفقيه الأصوليّ المفسّر البليغ، صاحبُ اليد الطُّولَى في علوم الشّريعة معقولها ومنقولها، ومَن طاعتْ له علومُ الآلة ونصوصُ الشّريعة؛ فهي على طرف لسانه وأمام عينه؛ يأخذ منها ما شاء، وينتقي منها ما أراد؛ هو الإمام: محمد الأمين الجكني الشَّنقيطيّ -تغمّده الله برحمته وصبّ عليه وابلَ رضوانه ومغفرته-.
стр. 5
هذا الإمام الَّذي أحيا الله به الجزيرة العربيّة، ونَشَر به مِن العلوم والفنون فيها ما كان مَنسيًّا ومطويًّا؛ بحيث أصبحت نجد والحجاز بمَقْدَمِهِ مناراتٍ للهدى والعلم، وصروحًا مِن أعزّ وأثمن صروح التّحصيل العلميّ في العالم الإسلاميّ.
وقد قيض الله تعالى لعلوم الشيخ المكتوبة أن يُطبع بعضها بعناية أهل العلم والدِّين، وانتفع بها مِن الخلائق ما لا يُحصِي عدَدَهم إلا الله تعالى.
لكنّ علم الشّيخ المحفوظَ في الصّدور والمخطوطَ في رزم الأوراق لا يزال بحاجة إلى مزيد عناية؛ إذ بقي الكثير من علمه مكنوزًا بين جوانحه، أو مفقودًا، أو أتتْ على المخطوط منه عوادي الزّمن.
ومكتب الشؤون الفنّية بقطاع المساجد بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة بدولة الكويت يتشرّف اليوم بإصدار كتابنا هذا والمسمّى: "مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشّنقيطي ﵀"؛ من تأليف تلميذِ الشيخ، العلَّامة: أحمد ابن محمد الأمين الجكني الشّنقيطي -حفظه الله وأعلى في الدَّارين مقامه-، وهو مِن ألْصَق النَّاس بالشَّيخ وأخصّهم به، وأكثرِهم
стр. 6
انتفاعًا بعلمه وحرصًا على نَشْر فنونه.
ولا أَدلّ على خصوصيّة التّلميذ بشيخه وشغفه به أنّه دَوّن بعض المجالس التي جمعته بالشّيخ، فكان منها هذا الدّيوان البديع الَّذي يُعتبر ولو بصورة مقتضبة جدًا علامةً على مدى العناية الإلهيّة بالشّيخ الأمين ﵀، وأنه كان بحْرًا من العلوم لا ساحل له، وسبحانه ما أعظم الله مِن كريمِ منّانٍ ! نطّلع على سِير السَّلف فنكاد نجزم بانقطاع ذاك النسيج من الأئمّة؛ فيطلّ علينا هذا الإمامُ الباقعة في الحفظ والفهم ليقول بلسان الواثق في الله تعالى: كم ترك الأول للآخر!!
إنّ مكتب الشّؤون الفنيَّة يهدف من وراء هذا الإصدار إلى الأهداف التالية:
- التَّنبيه على مدى حرص علمائنا وشدّة شغفهم بتقييد العلم وحضور مجالس الأئمّة العلماء، ومدى اهتمامهم بملفوظات شيوخهم، وهذه المجالس التي بين أيدينا ما هي إلَّا نموذجٌ على همّة المشغوفين بالتقييد والسَّماع.
- التّركيز على مدى عناية الوزارة بالتّاريخ العلميّ لعلماء الأمة.
стр. 7
- إبراز الروح العلميّة والأدبيّة التي كان عليها أسلافُنا العلماء.
- تسليط الضّوء على أدب المناظرات وفوائد المساجلات العلميّة، وأهمّية ذلك في حفظ العلم ونشره.
- الإشارة إلى ما كان عليه أولئك الجِلّة من كريم الأخلاق وجميل الصفات؛ من العلم والحلم والصبر والأناه؛ خلال مناظراتهم ومساجلاتهم؛ مِما لابد لكل طالبِ علم أن يجعله نصْبَ عينيه.
- صناعة القدوة بهؤلاء العظماء، ومحاولةُ بثّ روح الاقتداء بهم، والسّير على منوالهم.
إن هذا العمل العلمي يكتسي أهمية متميّزةً باعتباره يكشف عن ثراءِ ورقيِّ البيئة العلمية في الجزيرة العربيّة منذ عقود مضت، وتُبين مدى اهتمام أهلها بالعلم والعلماء، واحتفائها بطلبة العلم وإكرامها لهم، ويظهر منه مدى حرص العلماء على التزام الدقة والموضوعية والأمانة العلميّة.
هذا الكتاب الَّذي هو عبارة عن مجالس جمعها ودوّنها وآلَفَ بينها الشيخ العلّامة أحمد بن محمد الأمين الجكنيّ حلقة في سلسلة التراث العلميّ الذي يقدّمه مكتب الشؤون الفنية؛ آمِلا أن يكون
стр. 8
حافزًا لمواصلة العمل الجاد لتحقيقِ وتوثيقِ ودراسةِ المزيد من عناصر تراثنا العلمي المتين.
هذا وقد آثر مكتب الشؤون الفنية أن يُصدر الكتاب بترجمة لتلميذ الشيخ عرفانًا وتعريفًا به، وإن كان من المشاهير بين أهل العلم؛ وما كان تواضع الشيخ ليحملنا على كتْم التعريف به: إذ ذلك مطلب كل قارئ، واللَّه الهادي إلى سواء السّبيل.
مكتب الشؤون الفنية
الكويت
١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م
стр. 9
نبذة عن حياة الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد بن المختار
هو الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد بن المختار المحضريّ، ثم الإبراهيمي، ثم الجكنيّ، وُلد أول العقد الخامس مِن القرن الرابع عشر، وعاش بين أبويه إلى أن بلغ سنّ التّعليم، وكان والده إذ ذاك رئيسَ قبيلته، ورئيسَ المحاكم الشرعية، وكان الاستعمار الفرنسي يُشدد وطأته على الرؤساء لأخذ أبنائهم للتّعليم؛ فبسبب ذلك دَفَعَه والدُه لتعليم اللغة الفرنسية، وذهب إلى مَحِلّةِ تُسمى "أباتيلميت"؛ حيث مقرّ الدّراسة هناك، واستمر في تلك الدّراسة حتَّى أنهى المرحلة الابتدائية، ثم توفي والده -عليه رحمة الله-، وبقي يتيمًا، ولكن كانت له همةٌ عاليةٌ حملتْه على النبوغ المبكر.
ولَما بلغ وأدرك أنَّه مِن أسرةِ ذات علمِ أقْبل على التعليم وانقطع له، فذهب إلى محضرة مشهورة هناك تسمى: "محضرة أهل ديد"؛ فلازَم بها الفقيه سيدي جعفر الملقّب بالصحّة، ولم يزل في تلك المحضرة حتَّى قرأ "مختصر خليل"، وأعاده ثانيًا، وقَرَأَ القواعد المعروفة عند المالكيّة بقواعد الفقه، وهي: "المنهج" للإمام
стр. 10
الزقاق، وتكميله لـ: مياره؛ كلاهما مالكي.
ولَما انتهى مِن الدراسة بدأ يحاول التجارة فلم تصلح له، وسافر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف إلى الحجاز، وأدى فريضة الحج، ثم لزم الشيخَ الأمين صاحب تفسير "أضواء البيان" وشيخ هذه "المجالس" مدّةً طويلة، وسافر معه إلى الرياض فأحسن صحبته، وصار مِن أخص تلاميذه وأكثرهم انتفاعًا بعلمه.
ولم يزل في المملكة العربية السعودية بعد أن تقلد الوظيفة فيها إلى أن استقلت موريتانيا مِن تحت يد المحتل الفرنسيّ، وعند ذلك تاقت نفسه إلى رؤية مسقط رأسه بعد تحرره من المحتل الغاشم، فذهب إلى موريتانيا وشَغَل فيها عدَّة وظائف في وزارة الخارجية، ثم بدا له أن يترك ذلك ويرجع إلى الوطن الثاني، فذهب إلى الحجاز، وشغل عدَّة وظائف في وزارة الإعلام، ثم في سنة ١٣٨٩ هـ كُرِّم بنقله إلى الحرم المكّيّ للتدريس فيه، وعين مدرسًا بالمعهد في الحرم المكي.
ومن أهّم ما أُسند إلى الشيخ تدريسُه: أصول الفقه، وأصول التفسير، وألفية ابن مالك، وكان ممتلئًا عِلمًا، له اليد الطّولى في أنساب العرب والسّيرة النّبويّة والأدب والتاريخ، أمّا الفقه وأصوله
стр. 11
فهما فنّاهُ اللذان تخصّص فيهما، ولم يزل بالحرم مدرّسًا إلى سنة ١٤٠٨ هـ؛ حيث تقاعد.
وللشيخ عدّة مؤلّفات منها "مواهب الجليل من أدلة خليل" في أربعة مجلّدات، وله "تحقيق وتكملة عمود النَّسب في أنساب العرب" في ثلاثة مجلّدات، وله "اختصار زهر الأفنان على حديقة ابن الونّان" في الأدب، وثلاثتها مطبوعةٌ، وله نظْم يبلغ ثمانمائة بيت في البلاغة، وله شرحٌ لمنظومة لعمّته أمّ الخيرات في معجزات النبي ﷺ ، وله نظمٌ في أمّهات النّبي ﷺ ، وله شرح على لاميّة الأفعال، وله تهذيبٌ لشرح الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان على المنهج، ولا يزال الله تعالى مُمْتنًّا على الشيخ بالعمر المبارك مفيدًا ومستفيدًا (١).
مكتب الشؤون الفنية
الكويت
١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م
стр. 12
مَجَالِسُ مَعَ
فضيلة الشَّيخ
مُحَمَّد الأَمينِ الجَكَنيّ الشِّنقِيطيِّ - رحمه الله تعالى -
كتبها تلميذُهُ
أحمد بن محمد الأمين بن أحمد الجكني الشنقيطي
المدرِّس سابقًا بالمسجد الحرام
стр. 13
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
الحمد لله الَّذي بفضله ونعمته وجلاله تتمّ الصَّالحات، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا وشفيعنا مُحمد بن عبد الله خاتم النَّبيين ﷺ ، وبارك، وَبجَّل، وكرَّم، وعلى آله الأكرمين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الهداة المهديين، وعلى مَن اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
أمّا بعد؛ فإنَّه لَمَّا منَّ الله عليَّ أن هداني للإيمان، وإني لأرجوه أن يحفظ عليَّ إيماني حتَّى ألقاه وأنا مؤمن، كمنَّهِ علي أنْ جعلني من طلبة العلم عند فضيلة الشيخ محمد الأمين ابن محمد المختار الجكني ثم اليعقوبي، عليه وعلى والدينا رحمةُ اللَّه، وجمعنا الله به وبهم في مستقرِّ رحمته.
لَمّا رأيت هذا العالم الجليل رَنتْ إليه الأبصار، وطار ذكره في الأقطار، وذهب أهل العلم في تقديره والإعجاب به كل مذهب، وجعلوا غايتهم التزام مجالسه العلمية حيثما حلَّ أو ذهب، وكنتُ -أي العبد الفقير- ممن اغترف من مَعينهِ بغُرفةٍ كتبها اللهُ لي، وكنتُ قد صحبتُهُ في فُسحةٍ طيبةٍ من الزمن وشهدتُ عن
стр. 14
كثبٍ وقُربٍ كثيرًا من أحواله وكريم أقواله وفعاله، التي كانت للعلم مدرسةً تطبيقيةً؛ قائمةً بكفايته وحقِّه.
فأحببتُ أن أشارك إخواني طلبة العلم بشيءٍ من خبرِ مجالسِهِ العلمية، عسى أن يشفي غلَّتهم ويروي بعضَ ظمئهم إليه بعضٌ مما يقرأونه في كتابي: "المجالس"؛ هذا الَّذي سيملأ بلبناته قدرًا من الفراغات التاريخية من سيرة حياة شيخنا ﵀ ويُظهر بعض الحلقات المفقودة من معالم عصره المتوفِّر على أهل العلم، خاصةً لإخواني الناشئين في محاظر الطلب؛ أحداثِ السِّن ممن فاتهم الاتصال العلمي المباشر بشيخنا، عليه رحمة اللَّه؛ أسجِّل فيه علاقتي به، والكيفية التي كانت عليها، وحقيقة القرابة الرابطة بيننا، وصورًا من أفعاله النبيلة وآثار نفسه السَّخية، وإشاراتٍ إلى بصيرته النافذة وعقله الرجَّاح، ودلائلَ على بذخه العلمي وسعة حفظه، كما أسجِّل بعضًا من مجالسه العلمية المتناولة لمزيجٍ متنوِّع من مسائل الاعتقاد، والتفسير، والتاريخ، والفقه، والأدب مما علِقَ بذاكرتي بعدما تطاول عليه العمر، وكان لابدَّ من جمعه وتدوينه خشية عليه من أنْ يطويه النسيان أو يغرقه الضياع.
والمرء مهما حفظ ونسي، فإنه لا ينسى أيام حياته الجميلة، التي قُضيت في تعلُّم العلم وطَلَبه، والرحلة إليه ومجالسة أهله ونُخَبه،
стр. 15
وسماعِ كلام الله تعالى بتفسيره، واستنكاهِ لسان العرب وتنشُّقِ عبيره، ولا إخال أحدًا لقي شيخنا محمَّد الأمين بن محمد المختار الجكني ﵀ إلا انبهر من سمته وخلقه، وقوة استحضاره وحفظه؛ ويمكن إدراك ذلك من أثر البيئة التي عاشها أو -قل إن شئت- الحضارة العلمية التي خلَّفها أو تركها.
والنّاظر المتفحص لهذه المجالس تتجلى له هذه الظاهرة البيئية عن المجتمع الديني المحيط بشيخنا ﵀ وما كان عليه أهل الفضل والعلم في زمنه من التواصل والمباسطة، وما تحلوا به من السَّماحة وآداب المباحثة وأخلاق الحوار الراقية؛ تتجلى وتضيءُ بلا خفاء، فرحم الله تلك المجالس العامرة ورحم عمَّارها.
هذا، وإني ألتزم في الكتاب إثباتَ ما حدثني به شيخي -عليه رحمةُ الله- بنفسه أو ما وجدتُهُ مدوَّنًا بخط يده أو ما شهدتُهُ بنفسي معه، وإلّا فأذكر وأسنِدُ المعلومة إلى ناقلها من طلبة شيخنا محمد الأمين ﵀، مع التنويه بأنَّ بياني لمنهاج مصادر الكتاب -مع عدم الحاجة الكبيرة إليه! - كان اقتضاء لأصول الأمانة واستيفاء لدواعي التوثُّق.
وأرى أنَّ الكتاب يمثل وثيقةً هامّةً في تَاريخ النّهضة التعليمية
стр. 16
بالقرن الرابع عشر؛ وثيقةً شاهدةً على نبوغ تلكم المرحلة، ومدى صلابة متنها، وثبات أصلها وجذرها بما احتوته من فرسانها وعلمائها، الذين كان شيخنا رائدًا من روادها الأفذاذ، ولله الفضل والمنة على ذلك.
مع العلم -يا أخي القارئ- أن تدوين المجالس العلمية بعد جمعها وإيراد رواياتها مسندة، نمطٌ من أنماط التآليف العلمية الأصيلة (١) التي قلَّتْ عند الكتَّاب المؤلفين، بل دَرَسَتْ عند متأخريهم لتقادم السنين عن سالف زمانها وتاريخها الماضي؛ لذلك رغبتُ في تجديد العهد بها، وأنْ أتصل إلى تلك المناهج العريقة بسببٍ متين.
ومن جهة أخرى؛ فإني طامعٌ بأنْ يتشجَّع من كانت لديه مسموعاتٌ أو مشاهداتٌ علمية -لفضيلة شيخنا على الإدلاء بها في مؤلَّف مفرَد.
وأستجلبُ في هذا المقام ما أخرجه الإمام مسلم من عموم قوله ﷺ : "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا. ." الحديث، وليكن ذلك لنا شعارًا.
стр. 17
أقول قولي هذا مُوصيًا أخي القارئ بهذه المجالس خيرًا، وألَّا ينسني أو يبخل عليَّ بدعوة صالحة تنفعني إذا قضيتُ حياتي، واللَّه المستعان، ومنه نستمد العون والسَّداد، وأنْ يسلك بنا سبيل الرَّشاد.
стр. 18
مع الشَّيخ مُحمَّد الأمين
إنَّ هذا الحبر الجليل الَّذي عجزت النِّساء في هذه القرون أَنْ تلدَ مثله هو الشَّيخ مُحمَّد الأمين بن مُحَمَّد المُخْتار بن عَبْد القادِر بن أحْمد نُوح بن محَمَّد بن سِيدي أَحْمَد بن المُخْتار من أولادِ أولادِ الطَّالب أوبك من أولادِ أولادِ إِكْرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكان، هكذا ذكر الشَّيخ عطية بن محمَّد سالم ﵀ أنَّهُ سمع هذا النَّسب هكذا من فضيلة الشَّيخ مباشرة.
يتحصَّل منه أَنِّي ألتقي معه نَسَبًا في جاكان بن علي جدِّ قبائل بني جاكان الَّذي يجمعها وتلتقي به أصولها.
وقد أخبرني شيخي عليه رحمة الله: أن جدَّهُ الأعلى يعقوب بن جاكان أخ شقيق لجدِّنا الأعلى إكرير بن جكان الَّذي تلتقي به أصولُ ثلاث قبائل من بني جاكان هي: أولاد اعْمر أقلال، وأولاد يوسف، وأولاد إبراهيم الَّذي إليه نِسْبَتي.
كما أخبرني -عليه رحمة الله-: أنَّ جَدَّهُ يعقوب بن جاكان تربَّى في حجره ابنُ أخيه إبراهيم بن إكرير، وذلك ما جعل رابطةَ بني يعقوب بأولاد إبراهيم أوثقَ من رابطتهم معَ إخوانهم الآخرين
стр. 19
على الرَّغم من أنهم سواسيةٌ في النَّسَب؛ وذلك لأن يعقوب اعتنى بتربية إبراهيم، وبتعليمه دون إخوته، ومعلومٌ الآن ما بين أولاد إبراهيم وأولاد يعقوب من الرَّوابط الوثيقة.
وإني أمُتُّ إلى فضيلة الشَّيخ أيضًا بخؤولةٍ أتشرَّف بها، ذلك أن جدي أعني جدَّ والدتي محمد محمود بن سيدي إبراهيم أُمُّه أُمُّ المؤمنين بنت السّيد من نفس الفصيلة اليعقوبية التي منها آلُ أحمد نوح رهطُ فضيلة الشيخ، وقد أفادني فضيلتُهُ -عليه رحمة الله- ذلك لما سألته، فهذه علاقتي النسبيَّة به، يجمعنا جاكان بن علي الَّذي يرجع نسبه -فيما يظهر- إلى غالب بن فهر من قريش الظواهر.
وقد شاع في القُطْرِ الموريتاني أنَّ بني جاكان قبيلةٌ حِمْيَريَّة، وقد لا يكون مخطئًا كلَّ الخطأ من نَسَبَ هذه القبيلة إلى حِمْيَر؛ لأنها كانت من ضمن قبائل الدولة اللمتونية الحميرية.
وفعلًا قد كان جدُّنا جاكان بن علي أحد ملوك هذه الدولة الصحراوية، ذلك أنهم بايعوا له -فيما يظهر- بناء على أن المذهب المالكىِ الَّذي تعتنقه هذه الدولة المغربية يوجب أن لا تكون الإمامة الكبرى إلا لقرشيِّ.
стр. 20
قال خليل بن إسحاق في مختصره -بعدما عَدَّدَ أوصاف القاضي التىِ يجب أنْ يتَّصف بها- قال: "وزِيدَ في الإمام الأعظم قرشي". اهـ.
قال العلامة الشَّيخ محمد الحسن بن الإمام الجكني ثُمَّ العمري الحاجي منهم، قال في قصيدته الرائية التي يُسميها الجكنيّة:
نحنُ الكرامُ بني جاكانَ من مُضَرا ... مِن غالبٍ جد مَنْ فاق الورى خَبَرا
. . . . إلخ.
والقصيدة معروفةٌ، وسبب إنشائه لها معروفٌ أيضًا.
وأخبرني من أثق به: أنَّ العلامة الشيخ محمد العاقب بن ما يابي اليوسفي من بني جاكان انتَسَبَ في شرحه لرسْم الطالب عبد الله وضبطه إلى قريش، وقال: "إنما حملني على الانتساب كون كل مؤلَّف لم ينتسب صاحبهُ يعتبر كاللقيط" أو عبارة نحو هذه.
وأما علاقتي الشَّخصية به عليه رحمة الله، فإني لم أحظَ بلقائه في موريتانيا، على الرغم من شهرته وارتفاع صيته إلَّا مرتين:
أولاهما بتجمُّعِ لأولادِ إبراهيم وبني يعقوب حمل عليه المستعمر الفرنسي، وكان الحاكم الفرنسي استدعى الشيخ فجاءهُ، وكنتُ
стр. 21
حاضرًا وقت حضوره عنده فترجمتُ بينهما.
وكان غرض المستعمر منه -فيما يظهر- عرضَ وظيفةٍ في مدرسة المستعمر!، فرفض الشَّيخُ العرض.
وإنَّ لقائي الثَّاني به لمَّا كُنْتُ بمدرسة الشَّيخ سيدي جعفر بن ديدي بمنزل سيدي محمَّد بن سيدي جعفر عندما كان الشيخ ضيفًا عنده يومًا التفَّ حوله طلبة هذه المحظرة يسألونه عن مسائل من العلم من شتَّى الفنون، ولا أتذكر من تلك المسائل إلا أن سائلًا سأله عن حكمة رفع المصلي يديه عند الإحرام في الصَّلاة، فأذكُرُ -ولا أستطيع الجزم- بأنَّهُ أجاب: أَنَّ ذلك إيذانًا من المصلي بأنَّهُ نَبَذَ الدنيا ذلك الوقت إلى الوراء، والله أعلم.
وهكذا فإنَّ اللَّه تعالى حكَمَ بعدم لقائي به في البلاد الموريتانية لأمورِ منها: تباعد منازلنا البدوية نوعًا ما، ومنها: أن الشيخ محمَّد الأمين عليه رحمة الله لم يشتهر هناك بمدرسة راكدة مستقرة يقصدها الطلبة إلى أنْ سافر إلى البلاد المقدَّسة عام ١٩٤٧ م.
وبعد أنْ انتهيتُ من دراسة مختصر خليل في الفقه المالكي، ومن دراسة المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب، اشتقتُ إلى دراسة
стр. 22
أصول الفقه، وإلى دراسة مراقي السُّعود بالذات، ولمَّا تأمَّلتُ مَنْ حولي ممَّن يُدَرْسُ هذا الفن، رأيتُ أنَّه لا يشبع رغبتي فيه إلا دراستُهُ على فضيلة الشيخ محمَّد الأمين الموجود في ذلك الوقت مدرسًا بالرِّياض في المعاهدِ والكليات.
فكتبتُ إليه أخبره برغبتي هذه، وأخبرته أنِّي مستعدٌّ لتكلُّف أعباء السَّفَر لطلب العلم، وأني غيرُ مخاطبِ بالسَّفر لأداء الحج لفقري، وقلتُ في كتابي إليه: "فهل أنا إن تحملتُ أعباء السَّفر على الرَّغم من حالتي الاقتصادية، ووصلتُ إلى فضيلتكم تخصِّصون لي بعضًا من وقتكم الثَّمين تُعلِّمونَ أخاكم فيه هذا الفن؟ ".
فكتب إلَيّ: أنْ تَوَجَّه حالًا، فستجدني عند ظَنِّكَ بي. ولمَّا وصلني خطابه -وأنا بمدينة (داكار) السِّنغالية كنت أزاولُ فيها تجارةً خفيفة- صَفَّيْتُ ما كان عندي من تجارة، وأرسلتُ إلى من يطالبني حقَّه بالحوالة البريديَّة، وبقيت عندي بقيةٌ طفيفة، وتوجَّهتُ حالًا بسكة الحديد إلى (باماكو) عاصمة مالي، ومنها كتبتُ للشَيخ أخبرهُ أنِّي توخهتُ فعلا، وأنه إنْ كانَ يريد أنْ يكتب لي يأمرني بشيء فعلى عنوان الأخ محمَّد محمود بن الدَّاه بمدينة (كانو): [ص. ب: ٨١].
стр. 23
ولما وصلتُ (كانو) سألتُ الأخ محمَّد محمود هل عهدُهُ بصندوق البريد قريب؟ فأرسلَ إليه رسولًا جاءني بخطاب من شيخي يقول فيه: "يا ابني حصلتُ لك على مساعدة شهريَّة من أحد المحسنين تساعدك على الدِّراسة، ولا تتجاوز (فورلامي) (١) إلّا وأنت تحمل جوازًا دوليّا لَعَلِّي أحصلُ لك على الجنسية السُّعودية".
وفعلًا حصلتُ على الجواز الفرنسي من عاصمة تشاد، لأننا وإيّاها من المستعمرات الفرنسيَّة.
ولقد وصلتُ مدينة جدَّة في رجب ١٣٧٤ هـ، وأرسلتُ برقيةً إلى الشَّيخ وهو بالرِّياض أخبرهُ بوصولي، فردَّ بأنَه سيتوجَّهُ في شعبان ليصومَ رمضان بالمدينةِ المنوَّرة، وفعلًا حصلَ ذلك فاجتمعتُ به بحمد الله بالمدينة المنورة ولازمته كاتبًا له، وخادمًا، ومتعلمًا، وكان لي الشَّرفُ بذلك كلِّه.
وفي أول السُّنَّةِ الدِّراسية لعام ١٣٧٥ هـ سافرتُ معه إلى الرِّياض، وعَرَضَ علي الالتحاقَ بالسنة الثَّالثة من كلية الشَّريعة، وقال: "يا ابني أرى أنَّ هذا التَيار الجارف للناس مَنْ لم يحصلْ فيه على
стр. 24
شهادةٍ رسميَّةٍ ضائع المستقبل"؛ فرفضتُ الكليَّة حرصًا على دراستي الخاصَّة، والأمور تسير بقدر الله، فقد ضاعت عَلَيَّ هذه الفرصة الذهبيَّة.
ومرة أخرى لمَّا أنهيتُ مراقي السُّعود قال لي شيخي عليه رحمة الله: "إنَّكَ تخصصتَ في فن صعبٍ رائج، تعالَ أطلبُ لك المسؤولين أن تُعَيَّن مدرِّسًا بكلية الشريعة لتخفِّفَ عني من جدول الأصول، وتأخذَ في البيتِ عندي ما تريد من الدُّروس"؛ فرفضتُ أيضًا، والأمر بيدِ اللهِ.
يقولونَ إنَّ الفرصةَ لا تدقُّ بابَ المرء غير مَرَّةٍ واحدة في العمر، وها هي دقت بأبي مرتين في عام واحد، ويأبى اللهُ إلا ما أراد، وما يفعل اللهُ بعبدهِ المؤمن إلا خيرًا.
والحاصل أني عندما وصلتُ الرياض، واستقرَّ بنا الحال في البيت الَّذي أجَّرَهُ الشَّيخ للسكنى، دعاني إلى أنْ أبتدئ في دروسي التي جئتُ من أجلها.
فقلتُ له: إنَّ عندي شرطين أشترطُهما للدراسة فإنْ حققتَهما وإلَّا فلستُ بدارسٍ وأرجعُ إلى بلدي، فقال: وما شرطاك؟ قلت: أنْ لا تُعلمني علمًا استفدتَهُ بعد تجاوزك البحر الأحمر مشرِّقًا!!
стр. 25
فضحك من هذه عليه رحمة الله، وقال: أنت وذاك، ما هو الشَّرط الثَّاني؟ قلت: أنْ لا آخذ درسًا جديدًا حتَّى أقيّدَ على سابقه إملاء من فضيلتكم شرحًا لذلك الدرس.
فقال: أما هذا الشَّرط فلا أستطيعه: لعدم الوقت له عندي.
فقلت: إنَّ هذا الشرط هو الرئيسي عندي، فإنْ لم يتحقق لا أدرسُ وأرجعُ إلى حيث كنت.
قال: ومَنْ تعاند بامتناعك هذا من الدِّراسة؟ فقلتُ: أنت!!. . . أوجّه عنادي إليك!! قال: وأيّ ضرر يصلني إذا امتنعت أنت عن الدِّراسة؟ فقلت: هي فضيحة يا شيخي أنْ تبعث إلى ابن عمَّك وابن أختك من المشرق إلى المغرب لتعلِّمه، فلما يتكلَّف أعباء السفر ووعثاءه ويصلك، تمتنع من تعليمه.
فضحك -عليه رحمةُ الله- وقال: الله يعلم ضيقَ الوقت عندي لكنه لما كان الأمر كما تقول، فلابد من النزول عند رغبتك.
هذا، وقد كنْتُ ابتدأتُ في ترجمة الكتاب دراسةً بدون أخذ إملاء حتَّى وصلتُ قولَ المؤلف: كلامُ ربي إنْ تعلَّق بما. . . إلخ وما تلاه بخمسة أبيات، بعده دعاني الشَّيخ لأخذ حصَّتي اليومية، فدار
стр. 26
الحوار المتقدم ذكره.
وقد جمعتُ من أماليه -عليه رحمةُ الله- كتابًا شرحًا لمراقي السُّعود أحسب أنَّه من أفضل ما أُلِّفَ في هذا الفن أسميتُهُ: "نثر الورود على مراقي السُّعود" (١)، وكان الشيخ يتولَّى كتابة الدروس بنفسه أحيانًا إذا رأى أني مشتغل ببعض شؤونه التي يكلِّفني بها.
ولمَّا وصلتُ الكلامَ على المجاز اشتغلتُ عن أخذ الإملاء بتصحيح ملازم دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب -لأنه آنذاك تحت الطبع- فاشتغلتُ عن أخذ الإملاء حتَّى نهاية مبحث العام، وتركتُ الكتابة على نحوٍ من مائةٍ وستين بيتًا بالإضافة إلى ترجمة الكتاب.
وقد كُنْتُ عازمًا على إكمالِ الكتاب بشرح هذا المحلِّ منه الَّذي لم آخذ عليه إملاءً من الشيخ، غير أَنه تغلبَ عليَّ كُلٌّ من الكسلِ وعدمِ الجدة لِما يُطبع به الكتاب إذا أكملتُه؛ حتَّى انتهز أحد إخواني -ممن يعزُّ عليَّ- فرصة وجود صور دفاتري عند الأستاذ عبد الرحمن السُّديس؛ لأنَّه طلب مني الإذن في تصوير هذه
стр. 27
الدفاتر مساعدةً له على رسألته التي أعدها حول منهج الشيخ، وما شعرتُ في إحدى رجعاتي إلى مكة المكرمة إلَّا وفضيلة الدكتور محمد ابن سيدي الحبيب -عليه أمانُ الله- يكتبُ شَرْحَ المحلَّ الباقي منه الَّذي لم يُشْرَح.
ولم أُبْدِ اعتراضًا على الرَّغم منِّي؛ لأنَّ هذا الشخص مني بمكانٍ، والغرضُ المطلوب من الكتاب هو وصولُهُ إلى أيدي طلبة العلم، وقد حصل ذلك والحمد للَّه.
غيرَ أنَّ جامعه لا يوجد له ذكرٌ في مظهر من مظاهر الكتاب: مؤلفه، ومحقّقه، ومتمِّمه، وحتى حقوق الطبع والتوزيع والإذن في نشره، تمامًا مثل فَرَح الجماعة المحتفلة بقتل أسدٍ لا هُمْ يملكونَ البندقيَّة التي قُتِلَ الأسدُ بها، ولا الَّذي قَتَلَهُ منهم، وحتَّى الجيفة التي كمن عندها الصَّيَّادُ ليست لهم كذلك، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد، وهذا أوان الشُّروع في هذه المجالس.
стр. 28
مَجلسٌ مع الشَّيخ المختار بن حامدن الدَّيماني
توجَّهَ الشَّيخ عليه رحمةُ الله إلى مدينة (سين لويس) السِّنغالية في صيف ١٩٤٧ م، يريد تصريحًا للسَّفر إلى البلاد المقدَّسة، وبها آنذاك محافظ المستعمرة الفرنسية الموريتانية، فاتفق أنْ كانَ المسؤول عن مكتب محافظ المستعمر للشؤون السياسية والإدارية مستشرقًا يُدْعَى: مِسْيو لرِيش [Lerich.M] ، ولما قابلَ الشَّيخَ أعجبَتْهُ معلوماته لاسيما حين بَحَثا في المنطق، وفي القضايا المُوَجَّهَة منه بالذات.
فأقبل هذا المستعمرُ على الشَّيخ وقال له: "سوف أساعدكَ ماديًّا بما يمكنني"؛ فدفع له عشرة آلاف فرنك فرنسي أفريقي نقدًا؛ وقال: "هناكَ مساعدةٌ أخرى، لا أستطيعُ البتَّ فيها دون استشارةِ الحاكم الفرنسي لدائرة العصابة التي أنت من منسوبيها".
وكتب فعلًا وقتها يستأذن حاكم دائرة العصابة: مِسْيو بيرو [Bereau.M] وكان مِمَّا كتبه مِسْيو لريش: "يوجد عندنا عالمٌ من بني جاكان يُدعى مُحَمَّد الأمين، شهرته: آبَّهْ ولد أحمد نوح -رأتْ
стр. 29
الحكومة أنْ يحجَّ البيت الحرام على حساب الدولة- بند الشؤون الاجتماعية - إنْ رأيتم أنَّه يستحق ذلك".
فأرسل الحاكم إلى عُرَفاء من عُرفاء القبيلة المعنيَّة يستشيرهم في ذلك،-ونعوذ بالله من جَريمة الحسد! فإنَّه أوَّل ذنب عُصي الله به في السَّماء، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض-، فكان جواب هؤلاء: "إنَّ الحكومة إنْ كانت تريد أنْ تبعث على حسابها للحج كلَّ مَنْ يحفظ مختصر خليل من هذه القبيلة فسيعجزها ذلك"!!
وقد قيل قديمًا:
ويح قوم جفوا نبيًا بأرضٍ ... ألِفَتْهُ ضبابُها والظباءُ
وسلوهُ وحنَّ جذعٌ إليهِ ... وقلوهُ وودَّهُ الغرباءُ
стр. 30
رجوعٌ إلى مجلس الشَّيخ المختار بن حامِدُنْ الدَّيماني
وفي انتظار رَدِّ حاكم ولاية العصابة على استفسار الغُرفة الإداريَّة للمحافظ الفرنسي لموريتانيا، كان شيخنا يجلس في مجلس أدبيِّ للشَّيخ المختار بن حامِدُنْ الدَّيماني.
فسأله أحد جلسائه عن أُدَباء المنطقة الشرقية من موريتانيا، فقال له: "أولئك قِدَّ (١) بالنسبة للأدب"، وهي عبارة بشعة في غاية البشاعة والتَّشويه.
فقال له شيخنا الأمين: يا أخي هؤلاء الذين صدرتْ منك هذه العبارةُ البشعةُ في حقهم، أنا الجالس بمجلسك أحدُ أفرادهم، وأستَطيع الدّفاع عنهم.
فقال الشَّيخ المختار بن حامِدُنْ: واللَّه ما كُنْتُ أظنّ أهل الشَّرقية يدَّعون الأدب، أمّا الفقه والمقرأ فلهم السَّبق فيهما، وأمّا الأدب فما كنت أظنُّ أنَّ لهم مكْرعًا فيه.
فقال الشَّيخ محمد الأمين: تعال ائتني ببيت شعر لأحدٍ من هذه
стр. 31
النّاحية الشمالية الغربيّة لآتيك ببيت شعر لأحد من أهل الشّرقيّة أحسنَ منه في المعنى البلاغيّ والقريض، وخذ من عصر محمد ابن الطلبة منهم.
فقال الشَّيخ المختار بن حامِدُنْ: وحتَّى من عصر محمَّد بن الطُّلبة! والله لقد أفسحتَ في المجال، كيف أنت إذًا وبيت محمَّد بن الطلبة من قصيدته الميميَّة التي تُحاكي ميمة حُميد بن ثور، والتي يقول فيها:
ووَجْهًا كأنَّ البدرَ ليلةَ أربعٍ ... وعَشْرٍ عليهِ ناصلًا قد تَهَمَّما
فقالَ الشَّيخُ عليه رحمة اللَّه: أتعلم أنَّ الوجه جِرمٌ متحيِّزٌ، وأن البدرَ هو الآخَرُ جِرْمٌ كذلك، وأنَّ الجرمين إذا تقابلا أقصى ما يكونُ بينهما أن يُلقي أحدهما ضوءَهُ على الآخر من غير أنْ يتحلَّلَ شيءٌ من أحدهما بالثَّاني؟
قال ابن حامِدُنْ: صدقت.
فقال الشَّيخُ محمَّد الأمين: أتعلم أنَّ الشمسَ أجملُ من البدرِ، وأنَّ أجمل أوقاتها الأصيل.
قال ابن حامِدُنْ: نعم.
стр. 32
قال شيخُنا: أتعلم أنَّ شمسَ الأصيلِ إذا أُذيبتْ، ودُهِنَ بها وجهٌ امتزجَتْ به امتزاجًا؟
قال ابن حامِدُنْ: نعم.
قال الشَّيخُ محمَّد الأمين: فإنَّ صاحبَ أهلِ المنطقة الشَّرقية يقول:
وكأنَّما شَمسُ الأصيلِ مُذابَةً ... تَنْسابُ فوقَ جَبينِها الوَهَّاج
فَما كان من ابن حامِدُنْ إلا أنْ قال: يا أخي إني ابن ستًّ وخمسين سنة، ومنذ عرفت نفسي والشُّعراء والمتشاعرون يعرضون عليَّ من قيلهم؛ فأُبدي لهم استحسانًا مُجامَلةً لا أدري ما أنا قائلٌ فيه لله.
أمّا الآنَ فإني أستحسنُ هذا البيت الَّذي سمعتُهُ استحسانًا لا أخشى منه إثمًا بإذن الله. هكذا حدَّثني شيخي ﵀ عن هذا المجلس.
وهذا البيتُ من جيميَّة شيخنا؛ التي هي آخر ما قاله من الشِّعر، ولقد سألتُهُ -عليه رحمة الله- عن أولِ بيت قالَهُ من الشِّعر، وعن آخر بيتٍ قاله؛ فقالَ: "الله يهديك، دعني من هذا"؛ فأَمَّنْتُ على دعائه وقلت: لابد لي من ذلك.
стр. 33
فقالَ: أَوَّلُ بيتٍ قلتهُ وأنا مُراهِقٌ، بلغني أنَّ الشَّيخَ محمدو سالم بن الشِّيْن الحسني موجود بحيِّ أهل أتفاقَهْ بغيضة الظباعية، فقصدته أريد أنْ أقرأ لاميَّةَ الأفعالِ في الصَّرفِ لابن مالكٍ، فلما قدمتُ الحيَّ، وجدتُ معه خلقًا كثيرًا من طلبة العلم فاختلطتُ بهم، وسمعتُهُ يسألُ عني، فلم يجد من يُعَرِّفُني له فقلتُ على البديهةِ مُعَرِّفًا بنفسي:
هذا فتىَ من بني جاكانَ قد نَزَلا ... بهِ الصِّبا عن لسانِ العُرْبِ قد عَدَلا
رَمَتْ بهِ هِمَّة عَلياءُ نحوَكُمُ ... إذْ شامَ برقَ علومٍ نورُهُ اشْتَعَلا
فجاءَ يرجو رُكامًا من سَحائِبِهِ ... تكسو لسانَ الفتى أزهارُهُ حُلَلا
إِذْ ضاقَ ذرعًا بِجَهْلِ النَّحْوِ ثُمَّ أبى ... أَلَّا يُمَيِّزَ شَكْلَ العَيْنِ من فَعَلا
وقد أتى اليومَ صَبًّا مُولَعًا كَلِفًا ... بالحمدُ للَّهِ لا أَبغي بهِ بَدَلا (١)
فقالَ الشَّيخُ محمَّدو سالمَ: "نعم، وبكلِّ سرور"، أو قال قولًا معناه هذا. قال شيخنا: إلا أنَّه لم يَفِ بوعدِه حيث إنِّي طلبتُ منه التريُّثَ لي زمنًا قليلًا حتَّى أرجعَ إلى أهلي؛ فآخذ معي زادًا أتَزَوَّد به للسَّفَر معه، ولما رجعت وجدتهُ سافرَ من ذلك الحي ولا يعلمونَ أين توجَّهَ، فرجعتُ إلى أهلي، والحمد لله.
стр. 34
قال: وأما آخر ما قلته من الشِّعر فهو الأبيات الجيميَّة.
والتي منها البيت آنف الذكر وهي هذه:
أُنْقِذْتُ مِن داءِ الهَوَى بِعلاجِ ... شَيبٍ يَزينُ مَفارِقي كالتَّاجِ
قد صَدَّ بي حِلْمُ الأكابرِ عن لَمى ... شَفَةِ الفَتاةِ الطَّفلةِ المغناجِ
ماءُ الشَّبيبةِ زارعٌ في صَدْرِها ... رُمَّانَتَي رَوْضٍ كَحُقِّ العاجِ
وكأنَّها قَدْ أُدرِجَتْ في بُرقُعٍ ... يا ويلتاهُ بها شعاعُ سِراجِ
وكأنَّما شَمْسُ الأصيلِ مُذابَةٌ ... تَنسابُ فوقَ جَبينِها الوَهَّاجِ
يُحشى لموضِعِ جَنْبِها في خِدْرِها ... فوقَ الحشِيَّةِ ناعِمُ الدِّيباجِ
لم يُبْكِ عَيني بَينُ حَيٍّ جيرَةِ ... شَدُّوا المطيَّ بِأَنْسُعِ الأحداجِ
نادَتْ حُداةُ الرَّكبِ حينَ تَرَحَّلوا ... فتَزَيَّلوا واللَّيلُ ألْيلُ داجِ
لا تطَّبيني عاتِقٌ في دَنِّها ... رَقَّتْ فراقَتْ في رِقاقِ زُجاجِ
مخضوبةٌ منْها بَنَان مديرِها ... إذْ لم تكنْ مقتولةً بمِزاجِ
طابَتْ نُفوسُ الشَّرْبِ حينَ أدارَها ... رَشَأ رَنَا بلِحاظ طَرْفٍ سَاجِ
أو ذات عُودِ أنطقَتْ أَوْتارَها ... بلُحونِ قَوْلِ للقُلوبِ شَواجِ
فَتَخالُ رنَّاتِ المثاني أحرُفًا ... قد رُدِّدَتْ في الحَلْقِ من مُهتاجِ
وكأنَّها قد لُقِّنَتْ رنَّاتِها ... متحيِّزاتِ حَرِيمِها الهَيَّاجِ
نعم، هذا آخر ما قاله الشَّيخ من الشِّعر.
стр. 35
غير أنَّه بعدما وَصَلَ الشَّيخُ البلادَ المقدَّسةَ، وحَصَلَتْ معرفةٌ بينه وبين المسؤولين بها، استدعاهُ -وليُّ العهدِ آنذاكَ- الملكُ سعود بن عبد العزيز -على الجميع رحمةُ اللَّه- لزيارته بالرياض، فاستصحب معه فردًا خادمًا يرافقه.
وكان أَنْ أنشدَ هذا الخادمُ بين يدي وَلِيِّ العهد قصيدةً فيها من البلاغة، والتزام ما لا يلزم ما يعجز عن مثله فحولُ الشُّعراءِ، وهي هذه:
صَرَفَ الفؤادُ عن المِلاحِ غَرامَهُ ... من بَعْدِ ما كانَ الغَرامُ مَرامَهُ
كانتْ تُساقِطُهُ الفتاةُ حديثَها ... كالدُّرِّ يَهوَى أَنْ يبينَ كلامَهُ
واليومَ يهوى أنْ يَنالَ مُبَلِّغًا ... كَيْما يُبلِّغُ في الكلامِ سَلامَهُ
هذا سَلامٌ لائِقٌ بجَنَابِكُمْ ... يَرْعَى لِمَجْدِكُمُ التَّلِيدِ ذِمامَهُ
إذْ أَنْتمُ تَحْمُونَ دينَ مُحَمَّدٍ ... تَوحيدَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ
أَيَّامَ كانَ الكُفْرُ ليلًا مُظْلِمًا ... والزيغُ يَرفَعُ في الورى أَعلامَهُ
فَسَرى نسيمُ العَدْلِ في أنحائِهِ ... كالرَّوحِ دَبَّ مشابِكًا أَجرامَهُ
مِنْ بَعدِ ما كانتْ تُباحُ دِماؤُهُمْ ... والحُرُّ يجعلُه الظَلومُ غُلامَهُ
إذْ كانَ ضَيفُ اللهِ فيهمْ خائِفًا ... يَجِدُ المَخافَةَ خَلْفَهُ وأمامَهُ
стр. 36
إلى أن قال:
دُمْ يا وليَّ العَهْدِ في شَرَفِ العُلا ... في ظِلِّ مَنْ رَفَعَ الإِلهُ مَقامَهُ
دامَتْ مآثِرُكُمْ وَخَلَّدَ مُلْكَكُمْ ... رَبُّ الوَرَى وأمَنَهُ وأدامَهُ
أمَّا نَحْنُ فإنَّنا على يقينٍ من أنَّ استعمالَ أنواعِ المُحَسِّناتِ المعنوية واللغوية في هذه القصيدة، ونَحْتِ معنىً بقولِ:
فَسَرى نَسِيمُ العَدْلِ في أَنحائِهِ ... كالرَّوحِ دَبَّ مُشابِكًا أجرامَهُ
ليس من السَّهْلِ على قائلٍ قولُهُ، وأين ذلك من مستوى زَيْدٍ المستفيدِ من نسبتها إليه!!، واللهُ وحدهُ المُطلع على الحقيقة في ذلك.
стр. 37
ومَجلسٌ في بيت سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم
أخبرني العلامة الشَّيخ محمَّد عبد الله بن محمَّد بن آدُّه الجكني ثم من بني رمضان ﵀ أن رئيس القضاء الشرعي بالمدينة المنورة: سماحة الشَّيخ عبد الله الزَّاحم -عليه رحمةُ الله- أوصاهُ في الستِّينيَّات من التاريخ الهجري أنْ يُعْلِمَهُ بأيِّ قادمٍ من علماءِ القطر الشنقيطي يقدم لهذه البلاد المقدسة، وقال: إن جلالة الملك عبد العزيز -عليه رحمةُ الله- أوصاهُ بهذا كذلك؛ فلقا قَدِمَ الشَّيخُ محمَّد الأمين في ١٣٦٨ هـ قال أخبرتهُ أنهُ قَدِمَ في هذا الموسم علّامَةٌ لا مثيلَ له.
فقال له الزَّاحمُ: أخْبِرْهُ أنكم مدعُوُّونَ لتناولِ الطعامِ بمنزلنا وقت كذا.
قال: فأجابَ الشَّيخُ محمَّد الأمين الدعوة، وفي ذلك المجلس سأل سماحتُهُ شيخَنا قائلًا: ما تسمعون عَنَّا؟
فقالَ: منهم المثْنى عليكم، ومنهم القادح.
قال الشَّيخُ عبد اللَّه الزَّاحم: حقيقةُ أمرِنا أننا في الفروع الفقهية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ما لم يخالفهُ الدَّليل، وفي
стр. 38
العقائدِ نثبت للَّه تعالى من الصِّفاتِ ما أثبتَ لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له نبيُّهُ ﷺ في سُنَّته الصحيحة إثباتًا يليقُ بجلاله، إثباتًا على غرار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ ولا نتعلَّقُ بمخلوقٍ، ولا نعتقد فيه إفادةً بنفعٍ أو رفع ضرّ.
وأخبرني أخي الشَّيخ محمَّد الأمين بن الحسين: أن الشَّيخ محمَّد عبد الله أخبره أن الشَّيخ الأمين قال للزاحم: "أما أنا فإني مثلكم فيما ذكرتُم في المعتقد". أو ما يؤدي هذا المعنى.
قال: وبعد مدَّة غير طويلة أُمِرَ الشَّيخ محمَّد الأمين -عليه رحمةُ اللَّه تعالى- بإلقاء دروس في تفسير كتاب اللَّه العزيز في المسجد النبوي الشريف على مؤسِّسهِ أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم.
ولقد أخبَرَني -عليه رحمةُ اللَّه-: أنَّه قام بتفسير كتاب الله من فاتحته إلى ﴿مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ثلاثَ مراتٍ، والحمد لله.
وكانت حلقة الشَّيخ محمَّد الأمين في المسجد النبوي تكاد تكون الوحيدة به؛ ذلك أنَّ أكثر المدرِّسين بالمسجد إذا جلس الشَّيخُ في حلقته التحقوا بها للاستفادة، وكان الشَّيخ قد ذكَرَ في بعض هذه الدُّروس أنَّ والدَيْ رسول الله ﷺ من أهل الفترة، وذَكَرَ ما يقوله أهل العلم في أهل الفترة.
стр. 39
وحَدَّثني -عليه رحمةُ اللَّه- أنَّه استدعاه سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم إلى منزله، فلما حَضَرَ رَحَّبَ به وأوسعَ له في المجلس إلى جَنْبه، وكان مجلسُهُ ذلك الوقت ليس به إلّا المنتسبون للعلم، وكان بينَ أيديهم كتابٌ فيه مرجع.
قال الشَّيخ محمَّد الأمين: فلما انتهى التَّسليم ناولني الشَّيخ عبد اللَّه الزّاحم الكتاب، فإذا هو شرح النووي على صحيح مسلم والمرجع فيه عند حديث: "إنَّ أبي وأباك في النار".
فقلتُ: هذا الحديث كُنْتُ أعرفه!
قال سماحة الشَّيخ عبد اللَّه الزَّاحم: إنَّكَ قبلَ أيامِ قلتَ في الدرس كذا، لِما قرَّر من أنهما أهل فترة.
قال شيخنا: قلتُ: نعم، قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ من كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كُنْتُ لأرُدَّ نصًّا قطعيَّ المتنِ قطعيَّ الدلالة بنصٍّ ظَنيِّ المتن وظني الدلالة عند التَّرجيح بينهما؛ فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة عند مسلم: "استأذنت ربي أنْ أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي"، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن فلا يردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
стр. 40
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ أي: ولا مُثيبين.
وهذا النصُّ قطعيُّ الدلالة لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: "إنَّ أبي وأباك في النَّار؛ فإنه ظنيُّ الدلالة؛ يحتمل أنَّه يعني بقوله: "إنَّ أبي" عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ اللهِ العزيز في موضعين:
أحدهما: قطعيُّ المتن قطعيُّ الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وإسماعيل عمُّهُ قطعًا؛ فهو يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم.
والموضع الثَّاني: قطعيُّ المتن لكنَّه ظنيّ الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: ٨٦]؛ فهو نصٌّ قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أنَّه أبٌ لِلُوط، وهو عمُّه على ما وردت به الأخبار، إلا أنَّ هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: