Полный текст (312 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
منها: أنَّه راجع إلى الاستعانة المفهومة من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾، ومنها: أنَّه راجع إلى المذكورات في الآية قبل هذا، والتحقيق: أنَّه راجع إلى الصلاة، وإنَّ المعنى: ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة لكبيرة شاقة على كلِّ أحد إلَّا على الخاشعين، والصَّبر كذلك على المصائب، وعلى طاعة الله، وعن معاصي الله كبير جدًا إلَّا على الخاشعين، والظَّاهر أن الضمير إنَّما رجع على أحد المتعاطفين اكتفاء به عن الآخر؛ لأن مثل ذلك يفهم في الآخر، وهذا يكثر في القرآن وفي كلام العرب.
فمنه في القرآن قوله هنا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾، ونظيره: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤] , وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] , ولم يقل يرضوهما، وقوله جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] , ولم يقل عنهما.
ونظيره من كلام العرب قول حَسَّان بن ثابت:
إنَّ شرخَ الشَّبابِ والشعرَ الأسـ ... ـودَ ما لم يُعاصَ كان جنونا
ولم يقل: ما لم يعاصيا، وقول: نابغة ذبيان:
стр. 142
فقد أُراني ونعمًا لاهيين بها ... والدهرُ والعيشُ لم يَهْمُمْ بإمرارِ
وقول الأضبط بن قريع، وقيل كعب بن زهير:
لكلٍّ همِّ من الهمومِ سَعَه ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ
ولم يقل: لا فلاح معهما.
و ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ هنا وصفٌ من كبُرَ بضم الباء يكبُر بضمِّها إذا عَظُمَ وشَق وثقل، ومنه قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] , وهذا النوع في المعاني إذا كبر الأمر إذ شقَّ وثقل، أو كبر بمعنى عظم كقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] , يكبُر الأمر، فهو كبير مضمومٌ في الماضي، تقول: كبُر يكبُر فهو كبير، كما بَيَّنا، أما كبر السِّن ففعله كبِر بكسر الباء يكبَر وبفتحها على القياس، وهو معروف وهو بفتح الباء، ومنه قول قيس بن الملوح:
تعشَّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذوائبٍ ... ولم يَبْدُ للعينينِ من ثديِها حَجْمُ
صغيرينِ نرعى البَهْمَ ياليت أنّنا ... إلى اليومِ لم نكبَرْ ولم تكبَرِ البَهْمُ
والاستثناءُ في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ استثناء مفرَّغ، وأصل تقرير المعنى: وإنها لكبيرة؛ أي: ثقيلة عظيمةٌ شاقة على كل أحد إلا على الخاشعين.
стр. 143
والخاشعون جمع الخاشع، وهو الوصف من خَشَعَ، وأصل الخشوع في لغة العرب الانخفاض في طمأنينة، فكل منخفضٍ مطمئن تسميهِ العربُ خاشعًا، ومنه قول نابغة ذبيان:
توهَّمتُ آيات لها فعرفتُها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
رمادٌ ككحْلِ العينِ لَأْيًا أبينُهُ ... ونؤيٌ كجذمِ الحوضِ أثلمُ خاشعُ
أي: منخفض مطمئن، هذا أصل الخشوع في لغة العرب، وهو في اصطلاح الشَّرع: خشية تداخل القلوب تظهر آثارها على الجوارح، فتنخفض وتطمئن خوفًا من خالق السماوات والأرض، والمعنى أن الصلاة صعبة شاقَّة على غير مَنْ في قلوبهم الخوف من الله.
ويدل لذلك شدة عظمها على المنافقين كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] , وقال جلَّ وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] الذين في محل خفض نعت للخاضعين؛ أي: (إلَّا على الخاشعين الذين يظنون أنَّهم).
والظن هنا معناه: اليقين على التَّحقيق، خلافًا لمن شذَّ وزعم أنَّه
стр. 144
الظن المعروف، وأنَّ المتعلق محذوف، والمعنى: هم الذين يظنون أنَّهم ملاقو ربهم بذنوب فهم وجلون من تلك الذنوب.
فهذا غيرُ ظاهر ولا يجوز حملُ القرآن عليه -وإنْ قال به بعض العلماء- والتحقيق أنَّ معنى يظنون: يوقنون، وقد تقرَّر في علم العربية أن الظن يطلق في العربية وفي القرآن إطلاقين:
يطلق الظن بمعنى اليقين، ومنه قوله هنا: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يوقنون، ومنه بهذا المعنى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]؛ أي: أيقنت أني ملاق حسابيهْ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]؛ أي: أيقنوا أنهم ملاقوها إلى غير ذلك من الآيات.
ومن أمثلة إطلاق العرب الظن على اليقين قول دُريد ابن الصمة:
فقلتُ لهمْ ظنُّوا بألفيْ مُدَجَّجٍ ... سَراتُهُمُ في الفارسيِّ المسرَّدِ
فقوله ظنوا: أي أيقنوا.
وقول عميرة بن طارق:
بأنْ تغتزوا قومي وأقعد فيكمُ ... وأجعل مني الظَّنَّ غيبًا مُرَجَّما
أي: أجعل مني اليقين غيبًا مُرجَّمًا.
стр. 145
فمعنى يظنون؛ أي: يوقنون أنَّهم ملاقوا ربهم، وملاقو أصله: ملاقيون مفاعلون منقوص، والمنقوص تحذف ياؤه عند التصحيح، وحذفت نون ملاقون المضافة، أي ملاقوا ربهم.
والمراد بهذه الملاقاة؛ أي: يعرضون على ربهم يوم القيامة فيجازيهم على أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] , وقال جلَّ وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]؛ أي: يوقنون أنَّهم أَيضًا إليه راجعون جل وعلا يوم القيامة فمجازيهم على أعمالهم، وقدَّم المعمول الذي هو الجار والمجرور في قوله: ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ لأمرين؛ أحدهما: المحافظة على رؤوس الآي.
والثَّاني: الحصر، والمقرَّر في علم الأصول في مبحث دليل الخَطَّاب -وهو مفهوم المخالفة- أن تقديم المعمول يدل على الحصر، وكذلك تقرر في فن المعاني في مبحث القصر أنَّ تقديم المعمول من أدوات الحصر، وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦].
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
стр. 146
[البقرة: ٤٧] يا بني إسرائيل معناه: يَا أولاد يعقوب، وإسرائيل معناه بالعبرية: عبد الله، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإنَّما ناداهم بهذا النداء يا بني إسرائيل ونسبهم إلى هذا النَّبِيّ الكريم ليبعثهم بذلك على امتثال الأمر واجتناب النهي، كما تقول العرب لمن يستحثونه للأمر: يَا ابن الكرام افعل كذا.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ المرادُ بالذكر هنا: ذكرٌ يحمل على الشكر، ومن شكر تلك النعمة المأمور به تصديقُ النَّبِي ﷺ ، واتباعه فيما جاء به؛ ونعمتي اسمُ جنسِ مضاف إلى معرفة فهو من صيغ العموم كما تقرَّر في الأصول، فمعنى نعمتي؛ أي: نِعَمي، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]؛ أي: نعم الله، وكقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]؛ أي: أوامره، ومن هذه النِّعم التي ذكَّرهم بها حملًا على شكرها إنجاؤهم من عدوِّهم فرعون، وإغراق عَدُوِّهِم وهم ينظرون، ومنها تظليل الغمام عليهم، وإنزال المنّ والسلوى، وتفجير الماء من الحجر؛ إلى غير ذلك مما قص الله في كتابه.
وجرت العادة في القرآن أنَّ الله يمتنُّ على الموجودين في زمن
стр. 147
النَّبِي ﷺ بالنعم التي أنعمها على أسلافهم الماضين، وكذلك يعيبهم بالمعائب التي صدرت من أسلافهم الماضين، لأنهم أمةٌ واحدة، ولأن الأبناء يتشرفون بفضائل الآباء فكأنهم شيء واحد، ولذلك كان جَلَّ وعلا يمتن على هؤلاء بنعمه على الأسلاف، وكذلك يعيبهم بما صَدَرَ من الأسلاف لأنَّهم جماعة واحدة.
وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: التي أنعمتها عليكم كإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، والإنجاء من فرعون إلى غير ذلك.
و ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ المصدر المُنْسبك من أن وصلتها في محل نصب عطف على: نعمتي؛ أي: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم على العالمين، والعالمين: جمع عالم، وهو يطلق على ما سوى الله، والدليل على أنَّه يشمل أهل السماء والأرض من المخلوقين قوله جَلَّ وعلا: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ الآية [الشعراء: ٢٣ - ٢٤].
والعالَم: اسم جنس يُعرب إعراب الجمع المذكر السالم.
وقوله هنا: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: على عالمي زمانكم الذي أنتم فيه، فلا ينافي أن هذه الأمة التي هي أمة محمَّد ﷺ أفضل منهم، كما نصَّ الله على ذلك بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
стр. 148
لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] , وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵁ عن النَّبِي ﷺ : "أنتم تُوفون سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله".
ومن الآيات المبيِّنة لفضل أمة مُحَمَّد ﷺ على أمة موسى أنَّه قال في أمة موسى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] , فجعل أعلى مراتبهم الأمة المقتصدة، بخلاف أمة مُحَمَّد ﷺ فقسَّمهم إلى ثلاث طوائف، وجعل فيهم طائفة أكمل من الطائفة المقتصدة وذلك في قوله في فاطر: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] , فجعل سابقًا بالخيرات وهو أعلى من المقتصد، وواعد الجميع بظالمهم ومقتصدهم وسابقهم بجنات عدنٍ بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ الآية [فاطر: ٣٣] وقال بعض العلماء: حُقَّ لهذه الواو أن تكتب بماء العينين؛ يعني واو يدخلونها لأنه وعْدٌ من الله، صادقٌ شامل للظالم والمقتصد والسابق.
وفي الآية سؤال معروف وهو أنْ يقال: ما الحكمة من تقديم الظالم لنفسه بالوعد بجنات عدن وتأخير السابق؟
стр. 149
وللعلماء عن هذا أجوبة معروفة؛ منها: أنَّه قدَّم الظالم لئلا يقنط، وأخَّرَ السابق بالخيرات لئلا يعجب بأعماله فيحبط.
وقال بعض العلماء: أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم فبدأ بهم نظرًا لأكثريَّتهم؛ ومما يدل على أفضلية أمة مُحَمَّد ﷺ على بني إسرائيل أنَّ الابتلاء الذي يظهر به الفضل وعدمه إنَّما يكون بخوفٍ أو طمع، وقد ابتلى أصحابَ مُحَمَّد ﷺ بخوف وابتلاهم بطمع، وابتلى بني إسرائيل بخوف وابتلاهم بطمع.
أما الخوف الذي ابتلى به الله أصحاب مُحَمَّد ﷺ فهو أنَّهم لمَّا غزوا غزاة بدر، وساحَلَ أبو سفيان بالعير واستنفر لهم النفير، وجاءهم الخبر بأنَّ العير سلمت، وأنَّ الجيش أقبل إليهم، وأخبرهم النَّبِي ﷺ بذلك قال له المقداد بن عمرو ﵁: واللهِ لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا مَن دونَه معك، ولو خُضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] , بل إنَّا معك مقاتلون، ولمَّا أعاد الكلام قال له سعد بن معاذ ﵁: كأنك تعنينا معاشر الْأَنصار؟ لأنَّهم اشترطوا عليه ليلة العقبة أنْ يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم بشرط أنْ يكون بداخل المدينة ولم يشترط عليهم خارج المدينة، فأخبره
стр. 150
النَّبِي ﷺ أنَّه يعنيهم، فقال كلامه المعروف المأثور، قال: والله إنَّا لقوم صبر في الحرب، صدق عند اللقاء، والله ما نكره أنْ تلقى بنا عدوك حتَّى ترى منا ما يُقرّ عينك، والله لقد تخلف عنك أقوامٌ لو علموا أنك تلقى كيدًا ما تخلف عنك منهم رجل.
بخلاف بني إسرائيل لما امتحنوا بخوف كهذا صدر منهم ما ذكره الله في سورة المائدة في قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] , وقالوا له: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] كذلك ابتلى بني إسرائيل بصيدِ وهو صيد السَّمك المذكور في الأعراف المشار له في البقرة: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] , فحداهم القَرَمُ والطمع في أكل الحوت إلى أن اعتدوا في السبت فمسخهم الله قردة.
وقد امتحن الله جلّ وعلا أصحاب النَّبِيّ ﷺ في عمرة الحديبية بالصيد وهم محرمون فهيَّأ لهم جميع أنواع الصيد من الوحوش والطير من كبارها وصغارها, ولم يعتدِ رجل منهم ولم يصد في الإحرام كما بينه جلَّ وعلا بقوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] ,
стр. 151
فما مَدَّ منهم رجلٌ يده إلى صيد.
فظهر بهذا أن كلتا الأمتين امتُحنت بصيد وأنَّ هؤلاء اعتدوا على ذلك الصَّيد فمسخوا قردة وأنَّ أولئك اتَّقوا الله، كذلك امتُحنوا بخوف من عدوٍّ فصبر هؤلاء وثبتوا، وخاف هؤلاء وجبنوا فدلَّ هذا على أنَّهم أفضل منهم، وهذا مما لا خلاف فيه، وهذا مما يبين أن قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أن المراد عالمو زمانهم.
وقال بعض العلماء: هو نوع من التفضيل آخر لا يعارض أشرفية هذه الأمة وأفضليتها عليهم، وهو كثرة الرسل فيهم، وأن الأنبياء أكثر فيهم منهم في غيرهم، وكثرة الأنبياء فيهم لا تجعلهم أفضل من هذه الأمة، بل هذه الأمة أفضل منهم وإنْ كانت الأنبياء فيها إنّما جاءها نبي واحدٌ ﷺ ، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الآية [البقرة: ٤٨] , معنى الاتقاء في اللغة العربية، هو أنْ تجعل بينك وبين ما يضرُّك وقاية، وأصل مادته وَقَى، دخلها تاء الافتعال كما تقول في قرب اقترب، وفي كسب اكتسب، وفي وقى اتَّقى.
стр. 152
والقاعدة المقرَّرة في التصريف أنَّ تاء الافتعال إذا دخلت على مادةٍ واوها فاء، وجب إبدال الواو تاءً وإدغامها في تاء الافتعال، فمعنى اتقوا: اجعلوا بينكم وبين ذلك اليوم وقايةً تقيكم مما يقع فيه من الأهوال والأوجال، والاتقاء: هو جعل الوقاية دون ما يضر، وهو معنى معروف في كلام العرب ومنه قول نابغة ذبيان:
سقطَ النصيفُ ولم تُردْ إسقاطَهُ ... فتناولتْهُ واتَّقتنا باليدِ
يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية بيننا وبين رؤية وجهها، والاتقاء في اصطلاح الشرع: هو جعل الوقاية دون سخط الله وعذابه، تلك الوقاية هي امتثال أمره واجتناب نهيه جلَّ وعلا، والمراد باتقاء اليوم: اتِّقاء ما يكون فيه من الأهوال والأوجال؛ لأنَّ القرآن بلسان عربي مبين، والعرب تعبِّر بالأيام عما يقع فيها من الشدائد، ومنه: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ أي: بما فيه من الشدة، وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أي ومعنى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ واليوم مفعولٌ به لاتَّقوا، وقيل المفعول محذوف واليوم ظرف؛ أي: اتقوا العذاب يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئًا.
وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الجملةُ نعت ليوم، وقد تقرَّر في العربية أنَّ الجمل تُنعت بها النكرات كما عقده في الخلاصة بقوله:
стр. 153
ونعَتُوا بجملةٍ منكَّرا ... فأُعطِيتْ ما أُعطيتْهُ خبَرا
ولطالب العلم أنْ يقول: أين الرَّابط الذي يربط بين الجملة التي هي وصف وبين المنعوت؟ الجواب: أنَّه اختلف في تقديره على قولين:
أحدهما: أنَّ العائد ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ أي: واتقوا يومًا لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا، فالعائد هو المجرور المحذوف هو وحرف الجر.
وقال بعض العلماء: حذف حرف الجرّ فوصل العامل إلى الضمير بعد حذف حرف الجرّ المحذوف، وعليه فالتقدير: واتقوا يومًا لا تجزيه نفسٌ عن نفس شيئًا بحذف الفاء، وعلى كلِّ حال فحذف الضمير الرابط للجملة التي هي وصف للنكرة الموصوفة موجودٌ في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب
قول الشَّاعر:
وما أدري أغيَّرَهُم تناءٍ ... وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا
فجملة "أصابوا" نعت للنكرة التي هي مال والعائد محذوف، وتقرير المعنى: أم مال أصابوه، وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي عنها حقًا وجب عليها, ولا تدفع عنها
стр. 154
عذابًا حَقَّ عليها، أما تفسير من فَسَّر تجزي: بتغني، فهو إنَّما يتمشَّى على قراءة من قرأ "تُجْزي" بصيغة الرباعي؛ لأنها هي التي تأتي بمعنى الإغناء، وتقرير المعنى: واتقوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفس شيئًا، أي لا تقضي نفسٌ عن نفس حقًا وجب عليها، ولا تدفع عنها عذابًا حق عليها.
والرَّابط المحذوف محذوفٌ من الجمل المعطوفة على الجملة النَّعتية، وتقرير المعنى: لا تجزي فيه نفسٌ عن نفس شيئًا، ولا يُقبل فيه شفاعة ولا يؤخذ فيه عدل ولا هم ينصرون فيه، فالرابط محذوف من الجمل المعطوفة على الجملة التي هي وصف، وتقرير المعنى: واتقوا يومًا لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا، أي لا تقضي نفس عن نفس شيئًا؛ أي: حقًا وجب عليها ولا تدفع عنها عذابًا حقَّ عليها، وعلى هذا التقرير (فشيئًا) مفعولٌ به لتجزي، وقال بعض العلماء: (شيئًا) في محل المصدر أي لا تجزي عنها شيئًا أي جزاءً قليلًا ولا كثيرًا.
وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ فيه قراءتان سبعيتان.
قرأهُ أكثر السبعة: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ والتذكير في قوله ﴿يُقْبَلُ﴾ لأمرين؛ أحدهما: أن تأنيث الشفاعة تأنيثٌ غيرُ
стр. 155
حقيقي، الثَّاني: الفصل الذي فَصَلَ بين الفعل وفاعله، والفصلُ يُبيح ترك التاء كما عقده في الخلاصة بقوله:
وقد يبيحُ الفصلُ تركَ التَّاءِ في ... نحوِ أتى القاضيَ بنتُ الواقفِ
والشَّفاعة في الاصطلاح: هي التوسط للغير لجلب مصلحة أو دفع مضرة. وأصلها من الشَّفع الذي هو ضدُّ الوتر؛ لأن صاحب الحاجة كان فردًا في حاجته فلما جاءَهُ الشفيع صارا شفعًا؛ أي اثنان: صاحب الحاجة، ومن يتوسط له فيها. هذا هو أصل معنى الشَّفاعة، والشَّفاعة في الدُّنيا إذا كانت في حق واجب فللشافع أجرٌ، وإذا كانت في حرام فعليه وِزْرٌ كما صَرَّحَ تعالى بذلك في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
وقال ﷺ : "اشفعوا تُؤجروا ويقضي اللهُ على لسانِ نبيِّهِ ما شاء".
وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّةُ أن نفيَ الشَّفاعَةِ المذكور هنا ليس على عمومه وأن في الشَّفاعة تفصيلًا: منها ما هو ثابت شرعًا ومنها ما هو منفي شرعًا.
أمَّ المنفي شرعًا الذي أجمعَ عليه المسلمون فهو الشفاعة للكفار. وأن الكفارَ لا تنفعهم شفاعة البتة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ
стр. 156
الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] , وقال عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] , وقال جلَّ وعلا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] , مع أنَّه قال في الكافر: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] , فالشَّفاعة للكفار ممنوعة شرعًا بإجماع المسملين، ولم يقع في هذا استثناء البتة إلَّا شفاعة النَّبِيّ ﷺ لعمه أبي طالب؛ فإنَّها نفعته بأنْ نُقل بسببها من محلِّ من النَّار إلى محل أسهل منه، كما صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "لعلهُ تنفعُهُ شفاعتي فيُجعل في ضَحْضَاحٍ من النَّارِ، يبلغُ كعبيه، له نعلانِ يغلي منهما دماغُهُ".
أمَّا غير هذا من الشفاعة للكفار فهو ممنوعٌ إجماعًا، وإنما نفعت شفاعة النَّبِيّ ﷺ عمَّه أَبا طالب في النَّقل من محلِّ من النَّارِ إلى محل آخر، والشفاعة المنفية الأخرى هي الشَّفاعة بدون إذن ربِّ السماوات والأرض فهذه ممنوعة بتاتًا بإجماع المسلمين، وبدلالة القرآن العظيم كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وادِّعاء هذه الشفاعة شركٌ بالله وكُفْر به، كما قال جَلَّ وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ,
стр. 157
ووجه كون هذه الشفاعة من أنواع الشِّرك -وللهِ المثل الأعلى-: أن ملوك الدنيا قد يتمكنون من مجرم يتقطعون عليه غيظًا، ويريدون أن يُقَطعوه عضوًا عضوًا، فيأتي بعض أهل الجاه والشرف فيشفع عندهم له فيضطرون إلى قبول شفاعته؛ لأنهم لو رَدُّوا شفاعته لصار عدوًا لهم، وترقَّبوهم بعض النوائب، فيضطرون إلى أنْ يشفعوهُ وهم كارهون خوفًا من سوئه، ورب السماوات والأرض لا يخاف أحدًا، ولا يمكن أنْ يضره أحدٌ، ولا يمكن أنْ يتجاسر أحدٌ عليه بمثل هذا وله المثل الأعلى، ولذا قال جلَّ وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أما الشَّفاعة للمؤمنين بإذن ربِّ السماوات والأرض فجائزةٌ شرعًا وواقعة، كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة كما في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] , وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] , ونحو ذلك من الآيات والأحاديث، والشفاعةُ الكبرى للنبي ﷺ كما يأتي إيضاحه في سورة بني إسرائيل في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] , وقد يشفع الله مَنْ شاء مِنْ خلقه من الأنبياء والمرسلين والصَّالحين، وقد تكون الشَّفاعة بإخراج من دخل النَّار، وقد تكون الشفاعة بأنْ يشفع لمن عليه ذنوب
стр. 158
فيُنقذ من النَّار، وقد تكون لرفع الدرجات، والشفاعة الكبرى في فصل القضاء بين الخلق، فمعنى قوله إذًا: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ هذا إذا كانت كافرة على الإطلاق ولو كانت مؤمنة لا تقبل الشفاعة إلَّا بإذن ربِّ السماوات والأرض.
وقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ العدل: الفداء، وإنَّما سمي الفداء عدلًا لأنَّ فداء الشيء كأنَّه قيمة معادلة له ومماثلة له تكون عوضًا وبدلًا منه، قال بعض علماء العربية: ما يعادل الشيء ويُماثله إنْ كان من جنسه قيل له: عِدل بكسر العين، ومنه عدلا البعير أي عكماه لأنَّهما متماثلان، أما إن يماثله ويساويه وليس من جنسه قيل فيه عَدل بفتح العين، ولذا سمي الفداء عدلًا لأنه شيءٌ مُماثلٌ للمفدي ليس من جنسه، ومن هذا المعنى قوله جلَّ وعلا: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، لأن ما يعادل الإطعام من الصِّيام ليس من جنسه، فإذا كان من جنسه قيل فيه عِدْلٌ، وهو معروف في كلام العرب وقد كَرَّره مهَلْهِلُ بنُ ربيعة في قصيدته المشهورة في قوله:
على أنْ ليس عِدْلًا من كليبٍ ... إذا طُردَ اليتيمُ عن الجزورِ
على أنْ ليس عِدْلًا من كليبٍ ... إذا ما ضيمَ جيرانُ المجيرِ
على أنْ ليس عِدْلًا من كليبٍ ... غداةَ بلابلِ الأمرِ الكبيرِ
стр. 159
على أنْ ليس عِدْلًا من كليبٍ ... إذا برزتْ مخبَّأةُ الخدورِ
على أنْ ليس عِدْلًا من كليبٍ ... إذا اضطربَ العضاهُ من الدَّبورِ
يعني أنَّ القتلى التي قتلها بكليب من بني بكر بن وائل لا تماثله في الشَّرع ولا تساويه، وإنَّما كَسَرَ العين لأنهم من جنس واحد، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] , أصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم، ومعنى "ولا هم ينصرون"؛ أي: ليس لهم معين يدفع عنهم عذاب الله، وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف وهو أنْ يقول طالب العلم: أفرد الضمير في لا يؤخذ منها, لا يقبل منها، أفرده مؤنثًا وجَمَعَهُ مذكرًا في قوله ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ مع أن مرجع هذه الضمائر واحد.
والجواب ظاهر لأن قوله ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ نكرةٌ في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعمّ، وعمومها يجعلها شاملة لكثير من أفراد النفوس، فأنَّثَ الضمير وأفرده في قوله ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ نظرًا إلى لفظ النفس، وجَمَعَ الضمير المذكر في قوله ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نظرًا إلى النكرة في سياق النفي، وأنها شاملة لكثير من الأنفس، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
стр. 160
وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]؛ أي: واذكروا إذ نَجَّيناكم من آل فرعون، يعني من فرعون وقومه القبط، لأنهم كانوا يهينون بني إسرائيل، قال بعض العلماء: أصل الآل: أهل؛ بدليل تصغيره على أُهَيل، وبعضهم صغره على أُوَّيْل، ولا يطلق الآل على الأهل إلَّا إذا كان مضافًا لمن له شرف وقدر، فلا تقول آل الحجام ولا آل الإسكاف.
وفرعون ملكُ مصر المعروف، وهو يطلق على مَنْ ملك مصر، وقال بعضهم: كلُّ من ملك العمالقة يقال له فرعون، واختُلف في لفظ فرعون هل هو عربي أو عجمي، قيل: هو اسم عجمي مُنع من الصرف للعلمية والعجمة، وقال بعض العلماء هو عربي من تفرعن الرَّجل إذا كان ذا مَكْرٍ ودهاء، والأول أظهر، وعلى أنَّه عربي فوزنه فِعْلول بلامَين، لا فعلون بالنُّون.
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩] تقول العرب: سامه خسفًا إذا أولاه ظلمًا وأذاقه عذابًا، ومن هذا المعنى قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
إذا ما الملْكُ سامَ النَّاسَ خسْفًا ... أبَينا أنْ نُقرَّ الذلَّ فينا
стр. 161
وقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: يذيقونكم ويولونكم سوء العذاب؛ أي: أصعب العذاب، وأشده، وأفظعه؛ لأنَّهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب شاقةٍ ذكر الله بعضًا منها هنا حيث قال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فالفعل المضارع الذي هو يذبِّحون بدلٌ من المضارع الذي قبله، الذي هو يسومونكم على حدِّ قوله في الخلاصة:
ويُبدلُ الفعلُ من الفعلِ كمنْ ... يصلْ إلينا يستعِنْ بنا يُعَنْ
وإنَّما عبَّر بالتشديد في قراءة الجمهور في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ دلالة على الكثرة؛ لأنَّهم ذبحوا كثيرًا من أبنائهم، يذبحون أبناءكم؛ أي: الذكور، ويستحيون نساءكم؛ أي: بناتكم الإناث يُبقوهن حَيَّاتِ، والنساء على التحقيق: اسمُ جمع لا واحدَ له من لفظه، واحدته امرأة، وفي هذه الآية سؤالٌ معروف؛ لأنَّ الله لما ذكر أنَّهم ساموهم سوء العذاب فسَّر قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بالبدل بعده، وبَيَّنَ أن من ذلك العذاب العظيم السيء تذبيح الأبناء، واستحياء البنات.
وفي هذا سؤالٌ، وهو أنْ يُقال: تذبيح الأبناء ظاهر أنَّه من ذلك العذاب الذي يسومونهم، أما استحياء البنات وهو قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، فأين وجهُ كون هذا من سوء العذاب، مع أنَّ إبقاء البعض
стр. 162
قد يظهر للناظر أنَّه أحسن من تذبيح الكل، كما قال الهذلي:
حمدتُ إلاهي بعد عروةَ إذ نجا ... خراشٌ وبعُض الشرِّ أهونُ من بعضِ
والجواب عن هذا: أنَّ استحياءهم للنساء استحياء هو من جملة العذاب؛ لأنهم يستحيونهن ليُعملوهنَّ في الأعمال الشاقة، وليفعلوا بهن ما لا يليق من العار والشَّنار، وبقاء البنت وهي عورة تحت يدِ عدوٍّ لا يشفق عليها، يفعل بها ما لا يليق، ويكلِّفها ما لا تطيق، هو من سوء العذاب بلا شك. وقد قال جلَّ وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] , والعرب كانوا ربما قتلوا بناتهم خوفًا وشفقة عليهن مما يلاقينه؛ مما لا يليق بعد موت الآباء، وهو كثير في شعرهم، وقد قال رجلٌ منهم في ابنة له تسمى مودَّة:
مودةُ تهوى عمرَ شيخٍ يسرُّهُ ... لها الموتُ قبلَ الليلِ لو أنَّها تدري
يخافُ عليها جفوةَ الناسِ بعدَهُ ... ولا ختنٌ يُرجى أودُّ من القبرِ
ولما خطبت عند عقيل بن علَّفة المري ابنته الجرباء أنشد:
إنِّي وإنْ سِيقَ إليَّ المهرُ ... عبدٌ وألفان وذودٌ عشْرُ
أحبُّ أصهاري إليَّ القبرُ
стр. 163
وقد قال الشَّاعر:
تهوى حياتي وأهوى موتَها شَفَقًا ... والموتُ أكرمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ
وهذا هو وجه كون استحياء النساء من ذلك العذاب الذي يسومونهم.
وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ في الإشارة بقوله ذلكم وجهان لا يكذب أحدهما الآخر، مبنيان على المراد بالبلاء؛ لأن البلاء في لغة العرب الاختبار، والاختبار قد يقع بالخير وقد يقع بالشر كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] , وقال جلَّ وعلا: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] , والله ذكر في الآية الماضية أنَّه ابتلى بني إسرائيل بخيرٍ وشرٍّ، أما الشر الذي ابتلاهم به فهو ما كان يسومهم فرعون من سوء العذاب، وأما الخير الذي ابتلاهم به فهو إنجاؤه إياهم من ذلك العذاب، قال بعض العلماء: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ أي: في ذلكم العذاب الذي كان يسومكم فرعون بلاءٌ بالشر من ربكم عظيم، وقال بعض العلماء: في ذلك الإنجاء الذي أنجاكم الله به من عذاب فرعون بلاءٌ بالخير من ربكم عظيم، وكلما كان الشر أكبر كان الإنقاذ منه مماثلًا له في الكبر.
стр. 164
ولا شك أنَّ العرب تطلق البلاء على الاختبار بالشَّر والاختبار بالخير، خلافًا لمن منعه في الاختبار بالخير وهو معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في الخير قول زهير:
جزى اللهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بكمْ ... وأبلاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلو
وهذا معنى قوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]؛ أي: واذكروا إذ فرقنا بكم البحر؛ أي: فلقناه بدليل قوله: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] , وأصل الفرق: الفصل بين أجزاء الشيء، فمعنى فرقنا بكم البحر؛ أي: فصلنا بين بعضه وبعض حتَّى كان بينه مسالك تسلكون فيها، ومن هذا المعنى قوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]؛ أي: افصل بيننا وبينهم: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: ٤] , على القول بأنَّها الملائكة تنزل بالوحي الذي يفصل بين الحق والباطل، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾؛ أي: فصلنا بين أجزائه عن بعض حتَّى كانت بينه مسالك تسلكون فيها في طرق يابسة كما قال جلَّ وعلا: ﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧].
стр. 165
والباء في قوله: ﴿بِكُمُ﴾ فيها لعلماء التفسير أوجهٌ: أظهرها أنَّها سببية، والمعنى: فصلنا بعض أجزاء البحر عن بعض بسبب دخولكم فيه ليمكنكم المرور سالكين بين أجزائه كما قال تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] , وقال بعض العلماء: والباء بمعنى اللام فمعنى فرقنا بكم؛ أي: فرقنا لكم، وهو عائدٌ إلى معنى الأول؛ لأن اللام للتعليل والباء للسبب، والمعنى متقارب، وقال بعض العلماء: الجار والمجرور في محلِّ حال؛ أي: فرقنا البحر في حال كونه متلبسًا بكم، وقال بعض العلماء: فرقنا بكم البحر؛ أي: جعلناكم كأنكم حاجز بعضه وبعض، كما تقول فصلت بين أجزاء الشيء بكذا.
والبحرُ معروف، قال بعض العلماء: اشتقاقه من الشَّق؛ لأنَّه شقٌّ في الأرض كبير، ومنه البَحيرة لأنها مشقوقة الأذن، وقال بعضٌ: هو من البحر بمعنى الاتساع.
وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: أنجيناكم من فرعون، وما كان يسومكم من العذاب، والأصل الإنجاء والتنجية، أصل اشتقاقه من النجوة، وهي المرتفع من الأرض. فكأن الإنسان إذا سَلِمَ من هلاكٍ ونجا من أمر خطر ارتفع عن نجوة الهلاك إلى نجوة السلام، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا
стр. 166
آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ والهمزة في أغرقنا للتعدية، وأصل الفعل الثلاثي قبل أنْ تدخل عليه همزة التعدية غَرِقَ يَغْرقُ غَرَقًا ومنه قول ذي الرُّمة:
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءَ تارةً ... فيبدو وتاراتٍ يجمُّ فيغرَقُ
والعرب تعدِّيه بالهمزة والتضعيف. فتقول: أغرقه اللهُ وغرَّقه. إذا جعله يغرق، ومن هذا المعنى قول الشَّاعر:
. . . . . . ... ألا ليتَ قيسًا غرَّقتْها القوابلُ
فالهمزة في أغرقنا همزة التعدية، والمعروف أن همزة التعدية لو دخلت على فعل لازم أكسبته مفعولًا، وإذا دخلت على فعلٍ متعدٍّ لمفعول أكسبته مفعولين، وإذا دخلت على فعلٍ متعدٍّ لمفعولين أكسبته ثالثًا كما قال في الخلاصة:
إلى ثلاثةٍ رأى وعَلِما ... عدَّوا إذا صارا أرى وأعلما
وآل فرعون قدّمنا معناه.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جملةٌ حاليَّةٌ ظاهرةٌ أنَّه نظرٌ بالأبصار؛ لأن الله أراهم ما أحلَّ بفرعون وقومه من الغرق في البحر، وهو البحر الأحمر ليكون ذلك أقرَّ لأعينهم، وهذا لأن هلاك العدو وعدوُّهُ ينظر إليه أقر لعينه، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ
стр. 167
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] "إذ" منصوبٌ بـ "اذكر" مقدرًا على أحد الأقوال، وهو معطوف على المذكورات قبله، وقرأ هذا الحرف جميع القراء ما عدا البَصْرِيّ أَبا عمرو: ﴿وَاعَدْنَا﴾ بصيغة المفاعلة، وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا﴾ ثلاثيًا مجرَّدًا من الوعد، أما على قراءة أبي عمرو فلا إشكال، فصيغة الجمع للتعظيم، والله وعد نبيَّهُ موسى أنْ ينزل كتابًا فيه الحلال والحرام، وكل ما يحتاجون إليه بعد أربعين ليلة.
أما على قراءة الجمهور: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ بصيغة المفاعلة فإن المقرَّر في فنِّ التصريف أنَّ المفاعلة تقتضي الطرفين، أعني اشتراك الفعل بين فاعلين، ولذا استشكل بعض العلماء التعبير بالمواعدة هنا، قال: إن الله يعدُ وحده ولا يعدُهُ غيره.
والجواب عن هذا: أنَّ المفاعلة باعتبار أنَّ الله وعد موسى بوحي يدوِّن له فيه الأمور، وموسى وعد ربه بالإتيان للميقات المعين لتلقي الوحي، ومن هنا صارت المفاعلة معقولة.
وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال بعض العلماء: هو على حذف مضاف؛ أي: تمام أربعين ليلة، وقد بيَّن تعالى في سورة الأعراف أنَّ الوعد بهذه
стр. 168
الأربعين: كان مفرَّقًا، بأنْ وعد ثلاثين أولًا ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢].
قال بعض العلماء: هذه الأربعين ليلة هي شهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، واليوم الذي أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه بني إسرائيل هو يوم عاشوراء، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ أن النَّبِي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فقال النَّبِي ﷺ : "نحن أولى بموسى منهم، فكان يصومه حتَّى نزل صيام رمضان".
وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: أن قريشًا كانوا يصومون يوم عاشوراء في الجاهلية، وأنَّ النَّبِي ﷺ كان يصومه، ولا تعارض بين الأحاديث؛ لأنه لا مانع من أنْ يكون النَّبِي ﷺ كان يصومه لأن قريشًا في الجاهلية كانوا يصومونه، ولما جاء وجد اليهود يصومونه تمادى على صومه، ولا مانع من كون الواحد أو النصِّ الواحد له سببان فأكثر، وعلى كل حال فصوم يوم عاشوراء وجوبه منسوخ بإجماع العلماء.
стр. 169
وقوله جلَّ وعلا ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ عَبَّر بالليالي لأنها قبل الأيام، والمقرَّر في فنِّ العربية أن التاريخ بالليالي لأنَّها قبل الأيام، فلما انتهى هذا الميعاد أنزل عليه التوراة، وكتبها له في الألواح كما يأتي تفصيله في سورة الأعراف.
وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ قرأه بعض السبعة: ﴿ثُمَّ تخَذْتم الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وقرأه بعضهم: ﴿ثُمَّ اتخذتُّم الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بالإدغام، وأصل الاتخاذ على التحقيق -عند علماء العربية- افتعالٌ من الأخذ أصله ائتخاذ، وإبدال الهمزة تاءً يحفظ ولا يُقاس عليه، وإنَّما المقيس إبدال فاء المثال أعني واويَّ الفاء، أو يائيَّ الفاء كالاتّجاه، والاتّسار، إبدال الواو فيه تاء. أمّا إبدال الهمزة تاءً فهو شاذٌ يحفظ ولا يقاس عليه، كاتَّكل، واتَّزر، واتَّخذ، بناء على الصحيح بأنَّها افتعل من الأخذ.
وأصل العجل ولد البقرة، ويجمع على عجاجيل على غير قياس كما عقد مثله في الخلاصة بقوله:
وحائدٌ عن القياسِ كلُّ ما ... خالفَ في البابينِ حكمًا رُسما
وهذا العجل هو العجل الذي صاغه لهم السامري من حلي القبط المذكور في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا
стр. 170
لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] , وبيَّنه في سورة طه بقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] , وحَذَف مفعول الاتخاذ الثاني، وهو محذوفٌ في جميع القرآن وتقرير المعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده؛ أي: من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات، أي: اتخذتم العجل إلهًا.
وهذا المفعول الثاني محذوفٌ في جميع القرآن: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: إلهًا، و ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾؛ أي: إلهًا، وهذا المفعول الثاني الذي تقديره إلهًا محذوفٌ في جميع القرآن؛ قال بعض العلماء: النكتة في حذفه التَّنبيه بأنه لا ينبغي لعاقل أنْ يتلفظ بأن عجلًا مصطنعًا من حلي أنَّه إله.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملة حالية؛ يعني اتخذتم العجل، والحال أنكم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا، وأصل الظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير محله، فكل مَنْ وضع شيئًا في غير محله فقد ظلم في لغة العرب، وأكبر أنواع الظلم -أيْ وضع الشيء في غيرِ محلِّه- وضعُ العبادة في غير محلها، فمَنْ عَبَدَ غير خالق السماوات والأرض فقد وضع العبادة في غير موضعها، ولذا هو ظالم في اللغة.
стр. 171
ولأجل هذا البيان فإن القرآن يُكثِرُ اللهُ جلَّ وعلا فيه إطلاق الظلم على الشِّرك كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] , وقد ثبت في صحيح البُخَارِي عن النَّبِي ﷺ أنَّه فَسَّر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ أي: بشرك.
وقالَ جلَّ وعلا عن العبد الصالح لقمان الحكيم: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] , هذا معنى الظلم في لغة العرب، ومنه قيل لمن يضرب لبنه قبل أنْ يروب: ظالم؛ لأنه وَضَعَ الضَّرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أنْ يروب يضيِّع زبده، وفي لغز الحريري:
هل تجوز شهادة الظالم، قال: نعم، إن كان عالمًا. يعني بالظالم الذي يضرب لبنه قبل أنْ يروب، ومن هذا المعنى قول الشَّاعر:
وصاحب صدقٍ لم تربني شكاته ... ظلمتُ وفي ظَلْمي لهُ عامدًا أجرُ
يعني بصاحب الصدق الذي لم تربه شكاته: سقاءٌ له ضربه قبل أنْ يروب. ومن هذا المعنى قول الشَّاعر:
وقائلة ظلمتُ لكم سقائي ... وهل يخفى على العَكِدِ الظليمُ
стр. 172
فقولها: ظلمت لكم سقائي أي: سقيتكموه قبل أن يروب، ولأجل هذا قيل في الأرض التي حفر فيها ولم تحفر من قبل: مظلومة؛ لأنَّ الحفر وقع في غير موضعه، ومن هذا المعنى على التحقيق قول نابغة ذبيان:
إلَّا ألأواريَّ لأْيًا ما أبيِّنها ... والنؤيُ كالحوضِ في المظلومةِ الجَلَدِ
خلافًا لمن زعم: أن المظلومة: التي أبطأ عنها المطر، ومن هنا قيل للقبر: الظليم؛ لأنه حفر في محل لم يحفر من قبل، ومن ذلك وهو بهذا المعنى قول الشَّاعر:
فأصبحَ في غبراءَ بعد إشاحةٍ ... على العيشِ مردودٍ عليها ظليمُها
هذا أصل معنى الظلم في لغة العرب وشواهده العربية، وهو يطلق في القرآن إطلاقين:
يُطلَق بمعناه الأعظم، وهو وضع العبادةَ في غير مَنْ خَلَق، وهذا أكبر أنواع الظلم، ومنه بهذا المعنى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] , ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] , ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وقد يُطلَق الظلم في القرآن أيضًا على ظلم الإنسان نفسه ببعض
стр. 173
المعاصي التي لا تبلغ به الكفر، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] ,بدليل قوله في الجميع: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية [فاطر: ٣٣]؛ لأن هذا أطاع الشيطان وعصى ربه؛ فقد وضع الطاعة في غير موضعها كما قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [لكهف: ٥٠].
وقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عفونا أصله من العفو من عفت الريح الأثر إذا طمسته، فالعفو هو: طمس الله أثر الذنب بتجاوزه حتَّى لا يبقى له أثر يتضرر به العبد، والإشارة في قوله ﴿ذَلِكَ﴾ إلى اتخاذهم العجل إلهًا، وهو ذلك الذنب العظيم، وأشار إليه إشارةَ البعيد؛ لأن مثل ذلك الفعل يجب أنْ يتباعد منه تباعدًا كليًا.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال بعض العلماء: يغلب إتيان "لعلَّ" في القرآن مُشمَّةَ معنى التعليل إلَّا التي في الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، وإتيان "لعل" حرف تعليل مسموعٌ في كلام العرب، ومن إتيان لعلَّ للتعليل قول الشَّاعر:
стр. 174
فقلتُمْ لنا كفُّوا الحروبَ لعلَّنا ... نكفُّ ووثَّقتُمْ لنا كلَّ موثَقِ
فلمّا كفَفْنا الحربَ كانت عهوُدكُمْ ... كشِبْهِ سراب بالملا متألِّقِ
فهذه ليست للتَّرجي بتاتًا؛ لأنه قال: ووثقتم لنا كلَّ موثق، وقوله: "ووثقتم لنا كل موثق" دلَّ على أنَ المراد: فقلتم لنا كفوا الحروب من أَجل أنْ نكف، ووثقتم لنا كل موثق في وعدكم بالكف المعلل بكفنا، هذا هو التحقيق.
وقال بعض العلماء المراد بلعلَّ: اجعلوا ما أمرناكم به من الترجي إنْ وقع ما بعد لعل، وتقريره في هذا المعنى: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك، وذلك العفو الذي عفونا عنكم يُرجى من مثلكم فيه أنْ تشكروا ذلك العفو، فتكون للترجي على بابها، والأول لا ينافي الثاني لأنَّا إن قلنا: إنَّها للتعليل، فالمعلّل مرجو الحصول عند وجود علته.
وأصل الشكر في لغة العرب: الظهور، ومنه الشكير وهو العُسْلوج الذي يظهر في جذع الجرة التي قطعت إذا أصابها الماء، فظهر فيها عسلوجٌ يسمَى شكيرًا لأنه ظهر بعد أنْ لم يكن، ومنه ناقةٌ شكور يظهر عليها أثر السمن، والشكر يطلق في القرآن من الله لعبده، ومن العبد لربه، ومن إطلاق شكر الربِّ
стр. 175
لعبده قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤] ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومعنى شكر الرب لعبده هو: إثابته له الثواب الجزيل على عمله القليل.
ويطلق الشُّكر من العبد كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ومعنى شكر العبد لربه هو أنْ يستعمل نعمه في طاعاته، فهذه الباصرة التي أنعم عليه بها؛ شكرها أنْ لا ينظر بها إلَّا ما يُرضي الله، وهذه اليد الباطشة التي أنعم عليه بها؛ شكرها أنْ لا يبطش إلَّا فيما يرضي الله، وهذا اللسان الذي أعطي له ويفصح عمَّا في ضميره؛ شكره أنْ لا ينطق به إلَّا فيما يرضي، وهكذا في سائر النعم البدنية، والمالية إلى غير ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ "إذْ" معطوف على ما قبله، والأكثر على أنَّه منصوبٌ (باذكر) مقدرةً، وقد بينا مرارًا أن الدليل على عمل هذا العامل -الذي هو اذكر- أنَّه مفهومٌ باستقراء القرآن؛ لكثرة إعمال (اذكر) فيه نحو: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] , و ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] , ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وهكذا.
стр. 176
وآتينا معناه أعطينا، والألف فيه مبدلةٌ من همزة فاء الفعل فوزنه أفعلنا، وأصله أَأْتينا، فأبدلت همزة فاءِ الفعل مدًّا مجانسًا لحركة فاء أفعل، على القاعدة التصريفية المجمع عليها المشهورة التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
ومدًّا ابدلْ ثانيَ الهمزين منْ ... كلْمةٍ انْ يسكنْ كآثِرْ وائتمنْ
وصيغة الجمع للتعظيم، ومعنى آتينا: أعطينا، وهي تطلب مفعولين، والمفعول الأول لآتينا موسى هو موسى، والثاني الكتاب، وهذه من باب كسا، ومعلومٌ عند علماء العربية أن الفرق الواضح بين باب ظن وباب كسا -مع أنَّ كلًّا منهما تنصب مفعولين- هو أنْ تحذف الفعل من كلا البابين، ثم تجعل المفعولين مبتدأ وخبرًا فإنْ صدقت القضية فهي من باب ظن وإنْ كذبت فهي من باب كسا، وهذا ضابطٌ مطردٌ مفيدٌ لطالبِ العلم، فلو قلت مثلًا ظننت زيدًا قائمًا، وجعلت المفعولين مبتدأً وخبرًا فقلت: زيدٌ قائمٌ كان كلامًا مستقيمًا، هذا من باب ظن بخلاف: كسوتُ زيدًا ثوبًا، وسقيتُ عمروًا ماءً، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ لو حذفت الفعل منها، وقلت: زيدٌ ثوبٌ، وعمرو ماءٌ، وموسى الكتابُ فهذه القضيةٌ كاذبة، فدل على أنها من باب كسا، والمراد بالكتاب التوراة بإجماع العلماء، والتحقيق أن المراد بالفرقان هو التوراة أَيضًا.
стр. 177
وقد تقرَّر في فنّ العربية أنَّ الشيءَ الواحد إذا وُصِفَ بصفاتٍ مختلفة يجوز عطفه على نفسه نظرًا لاختلافِ صفاته، وتنزيلا لتغاير الصفات منزلةَ تغاير الذوات، ومن أمثلته في القرآن قوله جل وعلا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [لأعلى: ١ - ٤] فالمتعاطفات بالواو مدلولها واحدٌ إلَّا أنها عطفت بحسب تغاير الصفات، ونظيرها من كلام العرب قول الشَّاعر:
إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... ولَيثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ
فعطف هذه الصفات بعضها على بعض مع أنَّ الموصوف بها واحدٌ نظرًا إلى تغاير الصفات، والدليل على أن الفرقان كتاب موسى، وأنَّ من زعم: أن المعنى آتينا موسى الكتاب، ومحمدًا الفرقان أنَّه قولٌ باطلٌ؛ بدليل قوله جل وعلا في الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لأجل أنْ تهتدوا كما بينا، أو على أنَّ إنزال هذا الكتاب يرجى منه أنْ تهتدوا، ومنه مظنة لذلك، ومحل الرَّجاء في هداكم بهذا الكتاب، وتهتدون معناه: تسلكون طريق الهدى من طاعة الله جل وعلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
стр. 178
بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: واذكروا حين قال موسى لقومه بني إسرائيل: يَا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم، أصله يا قومي منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة، وفي المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إنْ كان صحيحَ الآخر خمسُ لغاتٍ كلها صحيحة أكثرها حذف ياء المتكلم كما في هذه الآية، وتلك اللغات عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
واجعل منادىً صحَّ إنْ يُضَف ليا ... كعبدِ عبدي عبْدَ عبدًا عَبْديا
أصله: يَا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم، قدمنا معنى الظلم بشواهده العربية ومعناه في القرآن، وقد جاء في القرآن في موضع واحد مرادًا به النقص في قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا.
وهذه الآية تدل على أنَّ من خالف أمر الله إنه إنَّما ظلم بذلك نفسه حيث عَرَّضها لسخط الله وعذابه، فضرر فعله عائدٌ إليه وحده، وذلك أكبر باعث على الانزجار والكف، لأنّ الإنسان لا يحب أنْ يضرَّ نفسه، ولا أنْ يجني عليها فإذا عرف الإنسان أنَّ ضرر فعله إنما هو عائد إليه حاسب.
стр. 179
والباءُ في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ سببيةٌ يعني: أن اتخاذَهم العجل هو السبب الذي ظلموا به أنفسهم، وقد قدمنا أنَّ الاتِّخاذَ مصدر اتَّخذ، وأنَّ الظاهر أنَّ أصله افتعال من الأخذ، إلَّا أنَّ الهمزة التي هي في محل فائه أبدلت تاءً وأُدغمتْ في تاء الافتعال، وهذا يُحفظ ولا يقاس عليه كما عقده في الخلاصة بقوله:
ذو اللينِ فا تا في افتعالِ أبدلا ... وشذَّ في ذي الهمزِ نحوُ ائتكلا
واتخاذكم مصدرٌ من فعل يطلب مفعولين، والمصدر هنا مضاف إلى فاعله، والمفعول الأول: العجل، والمفعول الثاني محذوفٌ دائمًا في القرآن، وتقرير المعنى: في اتخاذكم العجل إلهًا محذوفٌ في جميع القرآن، وأن بعض العلماء قال: النكتة في حذفه دائمًا هي التّنبيه على أنَّه لا ينبغي أن يتلفظ بأنَّ عجلًا مصطنعًا من حَلْي إلهٌ.
وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ الفاء سببيَّة، وقد تقرَّر في فن الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من حروف التعليل، وأنَّ ما قبلها علةٌ لما بعدها، فقوله سها فسجد؛ أي لعلَّة سهوه، وسرق فقطعت يده؛ أي: لعلة سرقته، وظلمتم أنفسكم فتوبوا؛ أي: لعلة ظلمكم ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ قد قدمنا معنى التوبة واشتقاقها عند أول هذه السورة الكريمة.
стр. 180
وقوله: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾؛ أي: خالقكم ومخرجكم من العدم إلى الوجود، وقد ذكر جلَّ وعلا أن الخالق البارئ من صفاته، كما قال في أخريات الحشر: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] والخالق اسم فاعل الخلق، والخلق في اللغة: التقدير، والبارئ: هو الذي يفري ما خلق، فمعنى خلَق: قَدَّرَ، ومعنى برأ: أنفذ ما قدَّر، وأبرزه من العدم إلى الوجود، والعرب تسمِّي التقدير خلقًا ومنه قولُ زهير بن أبي سُلمى:
ولأنتَ تفري ما خلقتَ وبَعْـ ... ـضُ القومِ يخلقُ ثمَّ لا يفري
وكثيرًا ما يطلق الخلق على الإبراز من العدم إلى الوجود، وعلى كل حال فمعنى البارئ: المبدع الذي يبرأ الأشياء أي يبرزها من العدم إلى الوجود، وفي الآية سرٌّ لطيف وهو أنَّ مَنْ أبرز من العدم إلى الوجود هو الذي يستحق أنْ يُعبَد، وأن يتابَ إليه من الأمور؛ لأن عنوان استحقاق العبادة إنَّما هو الخلق فمن يخلق ويُبرز من العدم إلى الوجود هو المعبود الذي يعبد وحده، ويُتنصَّل إليه من الذنوب، ومَنْ لا يخلق فهو مربوبٌ محتاجٌ إلى خالق يخلقه.
ولذا كثر في القرآن الإشارة إلى أن ضابط من يستحق العبادة هو الخالق الذي يبرز من العدم إلى الوجود كما تقدم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا
следующие страницы →