← Фатава

Фатава · id 14260

مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

أحمد بن محمد الشنقيطي

Полный текст (312 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وآتينا معناه أعطينا، والألف فيه مبدلةٌ من همزة فاء الفعل فوزنه أفعلنا، وأصله أَأْتينا، فأبدلت همزة فاءِ الفعل مدًّا مجانسًا لحركة فاء أفعل، على القاعدة التصريفية المجمع عليها المشهورة التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله: ومدًّا ابدلْ ثانيَ الهمزين منْ ... كلْمةٍ انْ يسكنْ كآثِرْ وائتمنْ وصيغة الجمع للتعظيم، ومعنى آتينا: أعطينا، وهي تطلب مفعولين، والمفعول الأول لآتينا موسى هو موسى، والثاني الكتاب، وهذه من باب كسا، ومعلومٌ عند علماء العربية أن الفرق الواضح بين باب ظن وباب كسا -مع أنَّ كلًّا منهما تنصب مفعولين- هو أنْ تحذف الفعل من كلا البابين، ثم تجعل المفعولين مبتدأ وخبرًا فإنْ صدقت القضية فهي من باب ظن وإنْ كذبت فهي من باب كسا، وهذا ضابطٌ مطردٌ مفيدٌ لطالبِ العلم، فلو قلت مثلًا ظننت زيدًا قائمًا، وجعلت المفعولين مبتدأً وخبرًا فقلت: زيدٌ قائمٌ كان كلامًا مستقيمًا، هذا من باب ظن بخلاف: كسوتُ زيدًا ثوبًا، وسقيتُ عمروًا ماءً، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ لو حذفت الفعل منها، وقلت: زيدٌ ثوبٌ، وعمرو ماءٌ، وموسى الكتابُ فهذه القضيةٌ كاذبة، فدل على أنها من باب كسا، والمراد بالكتاب التوراة بإجماع العلماء، والتحقيق أن المراد بالفرقان هو التوراة أَيضًا.

стр. 177

وقد تقرَّر في فنّ العربية أنَّ الشيءَ الواحد إذا وُصِفَ بصفاتٍ مختلفة يجوز عطفه على نفسه نظرًا لاختلافِ صفاته، وتنزيلا لتغاير الصفات منزلةَ تغاير الذوات، ومن أمثلته في القرآن قوله جل وعلا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [لأعلى: ١ - ٤] فالمتعاطفات بالواو مدلولها واحدٌ إلَّا أنها عطفت بحسب تغاير الصفات، ونظيرها من كلام العرب قول الشَّاعر: إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... ولَيثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ فعطف هذه الصفات بعضها على بعض مع أنَّ الموصوف بها واحدٌ نظرًا إلى تغاير الصفات، والدليل على أن الفرقان كتاب موسى، وأنَّ من زعم: أن المعنى آتينا موسى الكتاب، ومحمدًا الفرقان أنَّه قولٌ باطلٌ؛ بدليل قوله جل وعلا في الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لأجل أنْ تهتدوا كما بينا، أو على أنَّ إنزال هذا الكتاب يرجى منه أنْ تهتدوا، ومنه مظنة لذلك، ومحل الرَّجاء في هداكم بهذا الكتاب، وتهتدون معناه: تسلكون طريق الهدى من طاعة الله جل وعلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ

стр. 178

بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: واذكروا حين قال موسى لقومه بني إسرائيل: يَا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم، أصله يا قومي منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة، وفي المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إنْ كان صحيحَ الآخر خمسُ لغاتٍ كلها صحيحة أكثرها حذف ياء المتكلم كما في هذه الآية، وتلك اللغات عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله: واجعل منادىً صحَّ إنْ يُضَف ليا ... كعبدِ عبدي عبْدَ عبدًا عَبْديا أصله: يَا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم، قدمنا معنى الظلم بشواهده العربية ومعناه في القرآن، وقد جاء في القرآن في موضع واحد مرادًا به النقص في قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا. وهذه الآية تدل على أنَّ من خالف أمر الله إنه إنَّما ظلم بذلك نفسه حيث عَرَّضها لسخط الله وعذابه، فضرر فعله عائدٌ إليه وحده، وذلك أكبر باعث على الانزجار والكف، لأنّ الإنسان لا يحب أنْ يضرَّ نفسه، ولا أنْ يجني عليها فإذا عرف الإنسان أنَّ ضرر فعله إنما هو عائد إليه حاسب.

стр. 179

والباءُ في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ سببيةٌ يعني: أن اتخاذَهم العجل هو السبب الذي ظلموا به أنفسهم، وقد قدمنا أنَّ الاتِّخاذَ مصدر اتَّخذ، وأنَّ الظاهر أنَّ أصله افتعال من الأخذ، إلَّا أنَّ الهمزة التي هي في محل فائه أبدلت تاءً وأُدغمتْ في تاء الافتعال، وهذا يُحفظ ولا يقاس عليه كما عقده في الخلاصة بقوله: ذو اللينِ فا تا في افتعالِ أبدلا ... وشذَّ في ذي الهمزِ نحوُ ائتكلا واتخاذكم مصدرٌ من فعل يطلب مفعولين، والمصدر هنا مضاف إلى فاعله، والمفعول الأول: العجل، والمفعول الثاني محذوفٌ دائمًا في القرآن، وتقرير المعنى: في اتخاذكم العجل إلهًا محذوفٌ في جميع القرآن، وأن بعض العلماء قال: النكتة في حذفه دائمًا هي التّنبيه على أنَّه لا ينبغي أن يتلفظ بأنَّ عجلًا مصطنعًا من حَلْي إلهٌ. وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ الفاء سببيَّة، وقد تقرَّر في فن الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من حروف التعليل، وأنَّ ما قبلها علةٌ لما بعدها، فقوله سها فسجد؛ أي لعلَّة سهوه، وسرق فقطعت يده؛ أي: لعلة سرقته، وظلمتم أنفسكم فتوبوا؛ أي: لعلة ظلمكم ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ قد قدمنا معنى التوبة واشتقاقها عند أول هذه السورة الكريمة.

стр. 180

وقوله: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾؛ أي: خالقكم ومخرجكم من العدم إلى الوجود، وقد ذكر جلَّ وعلا أن الخالق البارئ من صفاته، كما قال في أخريات الحشر: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] والخالق اسم فاعل الخلق، والخلق في اللغة: التقدير، والبارئ: هو الذي يفري ما خلق، فمعنى خلَق: قَدَّرَ، ومعنى برأ: أنفذ ما قدَّر، وأبرزه من العدم إلى الوجود، والعرب تسمِّي التقدير خلقًا ومنه قولُ زهير بن أبي سُلمى: ولأنتَ تفري ما خلقتَ وبَعْـ ... ـضُ القومِ يخلقُ ثمَّ لا يفري وكثيرًا ما يطلق الخلق على الإبراز من العدم إلى الوجود، وعلى كل حال فمعنى البارئ: المبدع الذي يبرأ الأشياء أي يبرزها من العدم إلى الوجود، وفي الآية سرٌّ لطيف وهو أنَّ مَنْ أبرز من العدم إلى الوجود هو الذي يستحق أنْ يُعبَد، وأن يتابَ إليه من الأمور؛ لأن عنوان استحقاق العبادة إنَّما هو الخلق فمن يخلق ويُبرز من العدم إلى الوجود هو المعبود الذي يعبد وحده، ويُتنصَّل إليه من الذنوب، ومَنْ لا يخلق فهو مربوبٌ محتاجٌ إلى خالق يخلقه. ولذا كثر في القرآن الإشارة إلى أن ضابط من يستحق العبادة هو الخالق الذي يبرز من العدم إلى الوجود كما تقدم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 181

النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وكما في قوله ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وخالق كل شيء هو المعبود وحده، وكقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، الجواب: لا، وهذا معنى قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وقرأ هذا الحرف جمهور القُرّاء: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ وعن أبي عمرو فيه روايتان، عنه قراءة: (إلى بارئْكُم) بإسكان الهمزة، وعنه رواية أخرى رواها عنه الدُّوري باختلاس الهمزة، واختلاس الهمزة هو: تخفيف حركتها حتَّى يأتي ببعض الحركة ولا يأتي بها كاملة، وهذه الرواية الأخيرة أعني رواية الدُّوري عن أبي عمرو هي التي بها الأخذ والمشهورة عند القراء. وما زعمه بعض علماء العربية من أن الرواية الأخرى عن أبي عمرو بإسكان الهمزة في "بارئكم" أنها لحنٌ، وأن حركة الإعراب لا يجوز تسكينها فهو غلطٌ، ولا شك أنَّها لغةٌ صحيحةٌ وقراءةٌ ثابتةٌ عن أبي عمرو، وتخفيف الحركة بالإسكان لغة تميم وبني أسد، ويكثر في كلام العرب إسكانُ الحركة للتخفيف ولاسيما إذا توالت ثلاثُ حركات كما في قراءة الجمهور "بارِئِكُم" بثلاث حركات، ومن تسكين الحركة للتخفيف قولُ امرئ القيس:

стр. 182

فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتَحْقبٍ ... إثمًا من الله ولا واغِلِ وعلى هذا التَّخفيف قراءة أبي عمرو: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ [فصلت: ٢٩] وقراءة حفص: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] وإنَّ هذا السّكونَ إنّما هو تخفيف؛ لأنَّ المحلَّ ليس محل سكون؛ لأنَّ الأصل يتَّقيه، ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، ومنه قول الشَّاعر: أرْنا إداوةَ عبدِ اللهِ نملؤُها ... من ماءِ زمزمَ إنَّ القومَ قد ظمئوا وقول الآخر: ومَنْ يتَقْ فإنَّ اللَهَ مَعْهُ ... ورزقُ الله مؤتابٌ وغادِ وقول الراجز: قالتْ سليمى اشترْ لنا سَويقا ... وهاتِ خَبْزَ البُّرِّ أو دقيقا وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كأنَّهم قالوا: بِمَ نتوب إلى بارئنا توبةً يقبلها منا؟ قيل لهم: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أو الفاء للتعقيب لأنّ هذا القتل -عقب الذنب- هو الذي حصلت به التوبة، وأصل القتل في لغة العرب: إزهاق الروح بشرط أنْ يكون من فعل فاعل كالطعن، والضرب، والخنق، وما جرى مجرى ذلك، أما إزهاق الروح بلا سبب من شربٍ أو نحوه، فهو: موت وهلاك،

стр. 183

وقال بعض العلماء: القتل إماتة الحركة، وقد تطلق العرب مادة القاف والتاء والسلام على غير إزهاق الروح، فتطلقه على التذليل، فالتقتيل: التذليل، وتطلق القتل أَيضًا على: إضعاف الشدة. فمن إطلاق التقتيل على التذليل قول امرئ القيس: وما ذرفتْ عيناكِ إلَّا لتَضْربي ... بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ أي مذلَّل، وقول زهير: كأنَّ عينيَّ في غَرْبَيْ مقتَلَةٍ ... من النواضحِ تَسقي جنةً سُحُقا أي مذلَّلة، وكذلك يطلق القتل على: كسر الشدة، ومنه قتل الخمر بالماء؛ أي: كَسْرُ شدتها بالماء، كما قال حَسَّان ﵁: إن التي ناولتَني فردَدْتُها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تُقْتَلِ يعني بقتلها: إضعاف شدتها بمزاجها بالماء. وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أنفسكم جمع قِلَّة؛ لأنَّ الأفعلة من صيغ جموع القلة، وما يزعمه بعض النحويين والمفسرين من أن مثل هذه الآية جيء فيه بجمع القلة موضع جمع الكثرة؛ هو خلاف التحقيق؛ لأنَّ أنفسكم أضيف إلى معرفة، واسم الجنس مفردا كان أو جمعًا إذا أضيف إلى معرفة اكتسب العموم، والشيء الذي يعم جميع الأفراد

стр. 184

لا يُعقَلُ أنْ يقال فيه: إنَّهُ جمع قلة؛ لأن جمع القلة لا يتعدى العشرة، وهو بعمومه يشمل آلاف الأفراد. فالتَّحقيق الذي حرَّره علماء الأصول في مبحث التخصيص أنَّ جموع القلة وجموع الكثرة لا يكون الفرق بينها البتة إلَّا في التنكير، أما في التعريف فإن الألف واللام تفيد العموم، والإضافة إلى المعارف تفيد العموم، وما صار عامًّا استحال أنْ يقال هو جمع قلة؛ لأن العموم يستغرق جميع الأفراد، هذا هو التحقيق، وهذا معنى قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وفي مرجع الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وجهان للعلماء لا يكذب أحدُهما الآخر. أحدهما: أنَّه راجع إلى مصدر القتل المفهوم من قوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾؛ أي: ذلك القتل لأنفسكم خير لكم عند بارئكم، وقد قرَّر علماء العربية أن الفعل الصناعي أعني فعل الأمر أو الفعل المضارع أو الماضي ينحلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ، فالمصدر كامنٌ في مفهومه إجماعًا، قال في الخلاصة: المصدرُ اسمُ ما سوى الزمانِ منْ ... مدلوليِ الفعلِ كأمْنٍ مِنْ أمنْ ونحن نرى القرآن يلاحظ المصدر تارةً، ويلاحظ الزمان تارةً،

стр. 185

فمن أمثلة ملاحظته للمصدر: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ أي: العدل الكامن في مفهوم اعدلوا، وتارة يلاحظ الزمن، ومن أمثلة ملاحظته لزمان الفعل الصِّناعي قوله جلَّ وعلا في "ق": ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]، فالإشارة بقوله "ذلك" لزمن النفخ المفهوم من بناء الفعل في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. وقال بعض العلماء: الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ راجعة إلى شيئين هما: التوبةُ المفهومة من قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والقتلُ المفهوم من قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ وعلى هذا القول فالمعنى ذلكم المذكور من التوبة والقتل، ونظير هذا في القرآن -أي: بأن يكون لفظ الإشارة مفردًا ومعناه مثنّى- قولُهُ جل وعلا في هذه السورة الكريمة: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]؛ أي: ذلك المذكور في الفارض والبكر، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عبد الله بن الزِّبعرى إن للشرِّ وللخيرِ مدىً ... وكلا ذلك وجهٌ وقَبَلْ أي كلا ذلك المذكور، ولما قال رؤبة بن العجَّاج في رَجزه المشهور:

стр. 186

فيها خُطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّه في الجلدِ توليعُ البَهَقْ فقيل له: ما معنى قولك كأنه بالتذكير؛ إنْ كنت تريد الخطوط لزم أنْ تقول: كأنَّها، وإنْ كنت تريد السواد والبلق لزم أنْ تقول: كأنهما فلم قلت كأنَّه؟ قال: كأنَّه أي ما ذكر من سواد وبلق. وقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الظَّاهر أنها هنا صيغة تفضيل، وقد تقرر في فن العربية أن لفظة خير وشر حَذَفَتْ العرب منها الهمزة في صيغة التفضيل لكثرة الاستعمال في الأغلب كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله: وغالبًا أغناهمُ خيرٌ وشرٌّ ... عن قولِهِمْ أخيرُ منْهُ وأَشَرّ ووجه كونها هنا صيغة تفضيل أن هذا القتل بهذه التوبة يقطع حياتهم الدنيوية ولكنَّه يُكسبهم حياةً أخروية، وهذه الحياة الأخروية خيرٌ من الحياة الدنيوية، وهذا هو معنى قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾؛ أي: ذلك المذكور من توبتكم وقتلكم أنفسكم خيرٌ لكم عند بارئكم من عدمه؛ أي: عند خالقكم ومبرزكم من العدم إلى الوجود. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ معطوف على محذوف دلَّ المقام عليه؛ أي: فامتثلتم ما أُمرتم به وقدمتم أنفسكم للقتل فتاب عليكم،

стр. 187

واختلف العلماء في كيفية هذا القتل الذي أمروا به، قال بعض العلماء: كيفية هذا القتل الذي أمروا به أنَّ مَنْ لم يعبد العجل منهم أمر بأنْ يقتل مَنْ عَبَدَ العجل، وقيل: أُمروا أنْ يقتل بعضهم بعضًا، مَنْ عَبَدَ العجل ومَنْ لم يعبده، وعلى هذا القول فذنب مَنْ لم يعبد العجل أنَّه لم ينههم ولم يغير منكرًا لأنَّ المنكر إذا وقع ولم يغير عَمَّ العذاب، وأظهرُ القولين أن البريء منهم أمر بقتل الذي عَبَدَ العجل. ذكر المفسِّرونَ في قصتهم أنَّهم لما كان الرَّجل ينظر إلى قريبه وأخيه لا يقدر أنْ يتجاسر على قتله، فأنزل الله ضبابًا حتَّى صاروا لا يرى بعضهم بعضًا فوضعوا فيهم السيف حتَّى قتلوا منهم نحو سبعين ألفًا، فدعى موسى وهارون ربَّهما فقبل الله توبتهم، ورفع القتل عن بقيتهم، هذا هو معنى قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وقد أوضحنا معنى التواب الرَّحِيم في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] بما أغنى عن إعادته هنا. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي اذكروا أيضًا حين قلتم لنبي الله موسى: يا موسى

стр. 188

لن نؤمن لك؛ أي: لن نصدّقك فيما ذكرت من أنَّ الله كلمك به، قال بعض العلماء: هم السبعون الذين اختارهم موسى سمعوا الله يكلِّم موسى، فقالوا: لن نصدقك في أن هذا كلام الله حتَّى نرى الله جهرة، والقاعدة باستقراء القرآن: أنَّ لفظ الإيمان إذا عُدي باللَّام معناه عدم التصديق كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] , أي: بمصدِّقنا، وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]؛ أي: يصدِّق المُؤْمنين، فالمعنى على هذا لن نؤمن لك أي نصدّقك بما ذكرت من أن الله كلّمك، وأمرك، ونهاك، وهذا نفيهم للتصديق غيَّوهُ بغاية يتمادى إليها هي: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: إلى رؤيتنا الله جهرة. وقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ فيه وجهان من التَّفسير: أحدهما أنَّه متعلق بنرى، والمعنى نرى الله جهرة أي عَيانًا، وانتصابه على أنَّه مصدرٌ مؤكدٌ لعامله يزيل توهم أنها رؤية منام، أو رؤية علم بالقلب، وقال بعض العلماء هو متعلق بقوله: ﴿قُلْتُمْ﴾؛ أي: قلتم جهارًا من غير مواربة هذا القول العظيم الشَنيع، وعلى هذا فأظهر القولين فيها أنَّه مصدر منكر حال؛ أي: قلتم هذا القول جهرةً؛ أي: في حال كونكم جاهرين بهذا الأمر العظيم. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الفاء سببية دلت على أنَّ أخذ

стр. 189

الصاعقة إياهم سببُهُ هذا الافتراء العظيم، وامتناعهم من تصديق نبيهم حتَّى يروا الله عيانًا كما قال جلَّ وعلا: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] , والصَّاعقة تُطلق إطلاقين: تطلق على النَّار المحرقة وعلى الصوت المزعج المهلك، وأكثر إطلاقاتها عليهما معًا: صوت مزعجٌ مشتملٌ على نار مهلكةٍ، وعلى كلِّ حالِ فعلى أنَّهم السبعون المذكورون في الأعراف، فقد بَينَ أنَّ هذه الصاعقة رجفةٌ كما في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وعلى كل حال فإنَّ هذه الصاعقة سواء قلنا إنَّها نارٌ محرقة، أو صوتٌ مزعجٌ أهلكهم، أو هما معًا: صوتٌ مزعج أرجف بهم الأرض، فالتحقيق أنَّهم ماتوا، وأنَّه صَعْقُ موتٍ كما صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ أماتهم الله عقابًا لمقالتهم هذه الشنعاء، ثم أحياهم بدعاء نبيهم صلى الله عليه وعلى نبينا ﷺ ، خلافًا لمن زعم أن صعقهم هذا صعقُ غشيةٍ قائلًا: إنَّ الصعقَ قد يطلقُ على غير الموت، وذكروا منه قول جرير يهجو الفرزدق:

стр. 190

وهل كان الفرزدقُ غيرَ قرْدٍ ... أصابتْهُ الصواعقُ فاستدارا فقوله: أصابته الصواعق ليس معناه أنَّه مات. والتحقيق أنَّه صعق موتٍ لأنَّه لا أحد أصدق من الله، والله صَرَّحَ أنَّه صعقُ موتٍ في قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ البعث بعد الموت معناه: الإحياء بعد الموت؛ أي: بعد أنْ متم أحياكم الله إحياء، وعامةُ المفسرين يقولون: إنَّ الزمن الذي مكثوه في هذا الموت أو الغشية على القول الباطل عند مَنْ يزعم أنَّه صعق غشيةٍ لا صعق موت -مدة هذا الصعق الذي في التحقيق أنَّه موت- يومٌ وليلةٌ كما عليه عامة المفسرين إلَّا من شذَّ. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جملة حالية، وأصل هذه الجملة فيها إشكال معروف، وهو أنْ يقول طالب العلم: كيف ينظرون أو ينظر بعضهم إلى بعض مع إصابة الصاعقة إياهم؟ وللعلماء عن هذا أجوبة: أظهرها أنّ الصاعقة أصابتهم غير دفعة بل تصيب البعض والبعض ينظر إلى هلاكه، لأنَّ ظاهر القرآن يجب الحمل عليه إلَّا لدليل جازم من كتاب أو سنة، وظاهر القرآن أن هنالك نظرًا لوقوع هذه الصاعقة، وأنَّ الصاعقة وقعت حال نظرهم، ولهذا قال بعض العلماء وهو الأظهر؛ لأنَّه يتمشى مع

стр. 191

ظاهر القرآن، ولا مانع من أنْ تصيب الصاعقة بعضَهُم والبعضُ الآخر ينظر إليه، ثم تصيب بعضًا والبعض الآخر ينظر إليه، وكذلك قال بعض العلماء: إنَّ الله أحياهم متفرقين في غير دفعة واحدة يُحيي بعضهم والبعض الآخر ينظر إليه حين يحييه الله، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قد قدمنا معنى لعل ومعنى الشكر في درس البارحة، وهذه الآية الكريمة فيها دليل جازم على البعث؛ لأنَّ بني إسرائيل هؤلاء هذه الطائفة منهم التي أماتها الله ثم أحياها دليل قاطع على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، وقد ذكر الله في هذه السورة خمسة أمثلة لإحيائه الموتى في دار الدنيا هذا أولها. الموضوع الثاني قولُهُ في قتيل بني إسرائيل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٧٣] , وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ بَيَّنَ به أنَّ إحياءه قتيل بني إسرائيل في دار الدنيا دليل على البعث، وإحيائه الموتى، وبعثه إياهم بعد أنْ صاروا عظامًا. والموضع الثالث قولُهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ

стр. 192

دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. والموضع الرابع قولُهُ في عُزيرٍ وحمارِهِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وفي القراءة الأخرى: ﴿نَنْشُرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الموضع الخامس طيور إبراهيم المذكورة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قوله جل وعلا: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمّا كان بنو إسرائيل في التِّيه، واشتكوا الحرَّ، دعا نبي الله موسى ربه

стр. 193

لهم فظلل الله عليهم الغمام، والغمام: اسم جنس واحدهُ غمامة، وهو غمام أبيض رقيق يظلهم من الشَّمس، وفي قصتهم: أنَّه إذا كان في الليل ارتفع ليستضيئوا بضوء القمر، وصيغة الجمع في قوله: ظللنا للتعظيم، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ولما اشتكوا في التيه من الجوع دعا الله نبيهم فأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وأكثر علماء التفسير على أن المنَّ: الترنجبيل، وهو شيءٌ ينزل كالندى، ثم يجتمع أبيض حلوًا يشبه العسل الأبيض، هذا قول أكثر المفسرين في المراد بالمن. قال بعض العلماء: ولا يعارض هذا ما ثبت في الصحيح عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "الكمأةُ من المنِّ وماؤها شفاءٌ للعَيْن" قالوا: فمراده ﷺ بقوله: (من المنِّ)؛ أي: من جنس ما منَّ الله به علي بني إسرائيل حيث إنهُ طعام يوجد فضلًا من الله تعالى من غير تعب، وظاهر الحديث أن الكمأة من نفس ما منَّ الله به علي بني إسرائيل في التيه. وقوله: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ جمهور المفسرين أو عامة المفسرين على أن السلوى: طير، قال بعضهم: هو السماني، وقال بعضهم: طائر يشبه السماني، وتفسير من فسَّر السلوى بأنه العسل غير صواب، وكذلك ادعاء أنَّ السلوى لا يطلق على العسل في لغة العرب غير

стр. 194

صواب، والتحقيق أنَّ السلوى يطلق في لغة العرب على العسل، ومنه قول الهذلي: وقاسمتُها باللَّهِ جهدًا لأنتمُ ... ألذُّ من السلوى إذا ما نشُورها والشَّورُ: استخراج العسل خاصة، لكن ليس المراد بالسلوى في الآية العسل، وإنما المراد به طائر كما عليه عامة المفسرين هو السماني، أو طائر يشبه السماني. وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ محكيُّ قولٍ محذوف؛ أي: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المن والسلوى، وهما طيبان حسًّا ومعنى للذاذة طعمهما، وحِلِّيتهما شرعًا لأنهما من وفضل من الله جل وعلا. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ هنا محذوفٌ دل المقام عليه؛ أي: أنعمنا عليهم هذه النعم، فقابلوا نعمنا بعدم الشكر وارتكاب المعاصي، وما ظلمونا بتلك المعاصي التي قابلوا بها نعمنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وقال بعض العلماء: أمروا أنْ لا يدخروا من المنِّ والسلوى فخالفوا أمر الله وادَّخروا وما ظلمونا بذلك الادِّخار المنهي عنه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، والقول الأول أشمل وهو الصواب.

стр. 195

وقوله جل وعلا في هذه الآية: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ فيه الدليل الواضح على أن نفي الفعل لا يستلزم إمكانه؛ لأنَّ الله نفى عنه أنَّهم ظلموه ونفيه جلَّ وعَلا عن نفسه أنَّهم ظلموه لا يدل على أنَّه يمكن أنْ يظلموه، بل نفي الفعل لا يدل على إمكانه. وقوله جلَّ وعَلا: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لكن واقعةٌ في موقعها، والمعنى أن هذا الظلم واقع على أنفسهم حيثما عرَّضوها به لسخط الله جل وعلا وعقابه، فضرر فعلهم عائد إليهم، والله جل وعلا لا تضره معاصي خلقه ولا تنفعه طاعاتهم ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]. وقد بيَّنَ القرآن في آيات كثيرة أن الله جلَّ وعلا لا يتضرر بمعاصي خلقه ولا ينتفع بطاعاتهم كقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربِّه: "يَا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، يَا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ

стр. 196

منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" الحديث، هذا معنى قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: قابلوا نعمنا بالمعاصي وما ظلمونا بذلك ولكن ظلموا أنفسهم بذلك. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾؛ أي؛ اذكر إذ قلنا، أي: حين قلنا، وصيغة الجمع للتعظيم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الصواب الذي عليه أكثر المفسرين أن هذه القرية هي بيت المقدس، وقال جماعة من العلماء: هي أريحا، وعن الضحاك: أنها الرملة، وفلسطين، وتدمر، ونحو ذلك، والتحقيق الذي عليه جمهور المفسىرين أنها بيت المقدس، ويدل عليه قوله تعالى في المائدة: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. هذه القرية لما زال عنهم التِّيه، ومات موسى وهارون، وكان الخليفة بعدهما يوشع بن نون، وجاءوا وجاهدوهم الجهاد المعروف في التاريخ الذي ردَّ الله فيه الشَّمس ليوشع بن نون، وفتحوا البلد أَمَرَهم الله جلَّ وعلا أنْ يشكروا هذه النعمة بقولٍ يقولونه وفعلٍ يفعلونه، فبدَّلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدَّلوا أَيضًا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره، وتقرير المعنى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ فكلوا من هذه

стр. 197

القرية حيث شئتم، "حيث": كلمة تدلُّ على المكان كما تدل "حين" على الزمان ربما ضمنت معنى الشرط، وهي تعمُّ؛ أي: في أيِّ مكان من أمكنة هذه القرية شئتم. وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ نعتٌ لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا رغدًا واسعًا لذيذًا لا عناء فيه ولا تعب، وهذا الذي أبيح لهم هنا الذي يظهر أنَّه يدخل فيه ما طلبوه؛ أي: طلبوا نبيهم موسى أنْ يدعو الله لهم أنْ يعطيهم إياه الآتي في قوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] , الظاهر أن الله لما قال لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ وفتح عليهم هذه القرية قال لهم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] , وأنّه يدخل في ذلك ما طلبوه أيام التيه من البقول، والفوم، والعدس وما ذكر معها. ثم إنَّ الله جلَّ وعلا أمرهم بفعل وقول شُكرًا لنعمة الفتح وهو قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ أي: ادخلوه حال كونكم سُجَّدًا والسُّجد جمع ساجد، والفاعل إذا كان وصفًا من جموع تكسيره المعروفة جموع الكثرة أنْ يجمع على فُعَّل كساجد وسُجَّد، وراكع ورُكَّع، قال بعض العلماء هو سجود على

стр. 198

الجبهة، والمعنى إذا دخلوا الباب سجدوا؛ أيِ: ادخلوه في حال كونكم سجدًا، أي: عندما تدخلون تتصفون بحالة السجود. وقال بعض العلماء: هو سجود ركوع وانحناء؛ تواضعًا لله، وشكرًا على نعمة الفتح، وقد يفهم من هذا أن نعمة الفتح ينبغي أن تشكر لله تعالى، ولمَّا فتح النَّبِي ﷺ مكة صلى الضحى ثمان ركعات، وكان العلماء يرونها صلاة شكر على ما أنعم عليه به من الفتح والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾؛ الباب واحد الأبواب، وألفه الكائنة في موضع العين مبدلة من واو بدليل تصغيره على بُوَيْب وجمعه على أبواب، وسجَّدًا: حال من الواو في ادخلوا؛ أي: حال كونكم سجدًا لله شكرًا على نعمة الفتح، وقال بعض العلماء: هو سجود انحناء وتواضع، ومنهم مَنْ شذَّ فزعم أنَّه مطلق التواضع لله، والسجودُ وإنْ كان في لغة العرب قد يطلق على مطلق التواضع فليس هو المراد في الآية. وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هذا القول الذي قيل لهم أَيضًا، وحطّة: فِعْلة من الحط، والحط معناه: الوضع، وهي خبر مبتدأ محذوف ومتعلقها محذوف، وتقرير المعنى للإيضاح: وقولوا مسألتنا لربنا حطة؛ أي: غفران لذنوبنا، وحطٌّ؛ أي: وضعٌ لأوزارنا عن

стр. 199

ظهورنا، فهو لفظ عربي فصيح، هذا هو القول الذي قيل لهم، أمرهم الله أنْ يدخلوا سجّدًا متواضعين، وأنْ يقولوا قولًا هو استغفار وطلب لحطِّ الذنوب، وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فيه ثلاث قراءات سبعيّات؛ قَرَأَهُ نافع المدني: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بالياء المضمومة، وفتح الفاء مبنيَّة للمفعول، وإنّما جاز تذكيره والإتيان بالياء؛ لأن تأنيث الخطايا غير حقيقي؛ ولأنه فصل بينه وبين الفعل فاصل وهو لكم، والفصل يبيح ترك التاء كما تقدم، وقرأه الشامي ابن عامر: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بضم التاء، وفتح الفاء مبنية للمفعول، وخطاياكم نائب عن الفاعل في كلتا القراءتين، وقرأه غيرهما من القراء: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ خطاياكم في محلِّ نصب على المفعول به، ونغفِر بكسر الفاء مبنية للفاعل، وقراءة الجمهور أشدُّ انسجامًا بالسياق لأنَّ الله قال قبلها ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ وقال بعدها: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بصيغة التَّعظيم فقراءة الجمهور أشدُّ انسجامًا بالسياق من قراءة نافع وقراءة ابن عامر. والخطايا جمع الخطيئة، والخطيئة الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل؛ أي: نغفر لكم ذنوبكم العظيمة،، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 200

للعلماء في تفسير المحسنين هنا أقوال، والحقُّ الذي لا ينبغي العدول عنه أنْ لا يُعدل بتفسيرها عن تفسير النبي ﷺ ، وهو قوله لمَّا سأله جبريل عن الإحسان: "هو أنْ تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك" يعني الذين كانوا أشدَّ مراقبةً لله في أعمالهم سيزيدهم الله إيمانًا لأن الإنسان كلما ازدادت تقواه لله جلَّ وعلا زاده الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، معناه: وسنزيد المحسنين منكم؛ أي: الذين هم أشد مراقبة لله سنزيدهم من الخير والإيمان، وقال بعض العلماء: سنزيد في جزاء أعمال المحسنين؛ لأن العمل الذي يراقب صاحبُهُ الله قد يكون ثوابه أكثر ممن هو أقل منه مراقبة. ثم قال جلَّ وعلا: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وفي الكلام حذف الواو وما عطفت، وحذف المتعلق، وتقرير المعنى: فبدَّل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم بقول غيره، وبدَّلوا فعلًا غير الذي قيل لهم بفعل غيره، القول الذي قيل لهم هو: ﴿حِطَّةُ﴾ فبدلوه بقول غيره وقالوا: حبّة في شعرة، وقال بعض العلماء: قالوا حنطة في شعيرة، وثبت في الصحيح أن القول الذي بدلوه حبة في شعرة، وفي بعض روايات الحديث: حنطة في شعيرة، وعلى كلٍّ فقد بدَّلوا هذا القول الذي

стр. 201

قيل لهم بقولٍ غيره كما بدَّلوا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره؛ لأنَّ الفعل الذي أمروا هو: ادخلوا الباب سجَّدًا فبدلوه بفعل غيره، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا من كفرهم عياذًا بالله، وما قاله بعض العلماء: من أنَّ هذه الآية الكريمة يؤخذ منها عدم نقل الحديث بالمعنى لأنَّ الله ذمَّ من بدل قولًا بقولٍ غيره، فيلزم أنْ يكون القول هو نفس ما أمر به لا قولا آخر، غير صواب. ويجاب عنه: بأنَّ القول المأمور به له حالتان: إمّا أنْ يكون متعبدًا بلفظه كالله أكبر في الصلاة، وما جرى على ذلك من العبادات القولية، فمثل هذا لا يجوز تبديله ومَنْ بدّله يلحقه من الوعيد ما لحقه بقدر ما ارتكب في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ولا يجوز تبديله. أمّا الذي لم يتعبد بلفظه فلا مانع من أنْ يبدَّل بلفظ يؤدِّي معناه إذا لم يكن هناك تفاوتٌ في المعنى، وجماهير العلماء من المسلمين قديمًا وحديثًا على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا كان ناقله بالمعنى عارفًا باللسان متبحرًا فيه، لا تخفى عليه النكت والتفاوت الذي يكون بين الألفاظ، ونَقَلَه بعبارةٍ ليست أخفى من نص الحديث، ولا أظهر من نص الحديث، فلا يجوز نقله بلفظ أظهر منه، قال بعض العلماء: لأنَّه قد يعارضه حديث آخر والظهور من

стр. 202

المرجحات بين النصوص المتعارضة، فيظن المجتهد أنَّ لفظ الراوي الظاهر الذي بَدّله بلفظ هو أقل منه ظهورًا أنه من لفظ النبي فيرجِّحه بهذا الظهور على حديث آخر، فيكون استناد هذا الترجيح مستندًا لتصرف الراوي، وهذا مما لا ينبغي. وعلى كلِّ حال فمسألة نقل الحديث بالمعنى مسألة معروفة في الأصول وعلوم الحديث، منعها قومٌ واستدلوا بالحديث أنَّ النبي ﷺ لما سمع الرجل قال: "ورسولك الذىِ أرسلت" ردَّ عليه وقال: "ونبيك الذي أرسلت"، ولا شك في أنَّ اللفظ لا يقوم مقامه اللفظ الذي تصرف به الراوي لأنَّ (ونبيك الذي أرسلت) واضحٌ بليغ لا تكْرير فيه؛ لأنَّ النبي قد يكون مرسلا، وقد يكون غير مرسل، والرسول مرسلُ قطعًا فيكون: (ورسولك الذي أرسلت) تكرارًا يعني لأنَّ الذي أرسلت معناه يؤديه: (رسولك)، أما (ونبيك الذي أرسلت) فيكون كلُّ من الكلمتين عمدة وتأسيسًا لا لغوًا، والحاصل أنَّ المعروف أنَّ الجمهور من العلماء على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا وثق الراوي أنه لم يزد في معناه ولم ينقص، وأنَّ قومًا منعوا ذلك، وأنَّ الآية لا دليل فيها لذلك البتة، لأنَّهم إنَّما بدَّلوا قولا منافيًا في المعنى ممنوع بإجماع المسلمين، وليس مما فيه الخلاف، إنَّما الخلاف في تبديل

стр. 203

الألفاظ مع بقاء المعنى، وإنْ بدَّلوا اللفظ بلفظ لا يؤدي معناه ونريد أن يقولوا حطة، فقالوا: حبة في شعرة أو حنطة في شعيرة، فالقول الذي بدَّلوا به ليس معناه معنى القول الذي أُمروا به، فكأنهم رفضوه بتاتًا وعصوا الله، وجاءوا بما لم يؤمروا لا لفظًا ولا معنى، فإن الذي بدلوا به أنهم أُمروا بالسجود فدخلوا يزحفون على أستاههم. وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الفاء سببية وصيغة الجمع للتعظيم؛ أي: فبسبب تبْدليهم القول الذي قيل لهم بقول غيره والفعل الذي قيل لهم بفعل غيره أنزلنا عليهم، وانَّما أظهر في محل الإضمار، قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل فأنزلنا عليهم؛ ليسجِّل عليهم موجب هذا العذاب وأنه الظلم، ولذا عدل عن الضمير إلى الظاهر قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ليبين أنَّ هذا الرجز منزل عليهم بسبب ظلمهم، والضمير لا يعطي هذا وإنْ كان معناه يؤدي المعنى في الجملة، وهذا معنى فأنزلنا على الذين ظلموا؛ أي: ظلموا أنفسهم بتبديل القول بقول غيره والفعل بفعل غيره ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الرجز: العذاب، وهذا العذاب طاعون أنزله الله عليهم. قال العلماء: أهلك الله به منهم سبعين ألفًا.

стр. 204

وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] الباء سببيةٌ وما مصدريةٌ؛ أي: بسبب كونهم فاسقين، والفسق في لغة العرب: الخروج، ومنه قوله جلَّ وعلا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ أي: فخرج عن طاعة ربه، والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرتها إذا خرجت، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها للإفساد. وكون الفسق يطلق على الخروج معروفٌ في كلام العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج: يهوينَ في نجدٍ وغورًا غائرًا ... فواسقًا عن قصدِها جوائرا قوله: فواسقًا عن قصدها؛ أي: خوارج عن طريق القصد إلى طريق آخر، وقال بعض العلماء: إنَّما كرَّر لفظ الظلم في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأنَّ هذا الفعل الذي هو ظلمهم ذكْرُهُ له أهمية في السِّياق؛ لأنَّهم ظلموا في الوقت الذي أنعم الله عليهم، وعصوا أمر ربِّهم، ومن عادة العرب إذا كان الأمر له أهمية أنْ تكرره، سواء كانت أهميتُهُ من جهة خَيْرٍ أو أهميتُهُ من جهة شَرٍّ، كما قال الشاعر: ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ دائمًا ... كان الغرابُ مقطَّعَ الأوداجِ

стр. 205

لأنَّ الغُرابَ لما نعب ببَيْنِ أحبته صار الغراب له أهمية عنده فكرَّر لفظه، ومنه قول الآخر: لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ والغنى والفقيرا لمّا كان له أهمية بقطع الحياة كرَّره، ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب. وعلماء البلاغة يقولون: إنَّ إعادة قوله: ظلموا في قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ليسجِّل عليهم الذنب الذي بسببه أنزل عليهم العذاب كما قدمنا والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قرأ هذا الحرف جمهور القراء: ﴿هزُؤًا﴾ بضَمِّ الزاي والهمزة، وقَرَأَهُ حمزة: ﴿هُزْءًا﴾ فهي لغةُ تميم وأسد وقيس، وقرأه حفص عن عاصم: ﴿هُزُوًا﴾ بإبدال الهمزة واوًا. ومعنى قوله جَلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ كما ذكره المفسرون: أنه قُتِلَ في بني إسرائيل قتيلٌ كما يأتي في قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يزعمون اسم القتيل عاميل، قال بعضهم: كان له قرباء فقراء، وهو غني فقتلوه ليرثوه،

стр. 206

وقيل: كانت تحته امرأةٌ جميلةٌ فقتله بعض الناس ليتزوجها، والأول أكثر قائلًا. وعلى كلِّ حال الذين قتلوا القتيل ادَّعوه على غيرهم، وسألوا من نبي الله موسى أنْ يسأل الله لهم ليُبيِّنَ لهم قاتل القتيل، فأمرهم الله جلَّ وعلا على لسان نبيه أنْ يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزءٍ منها فيحيا القتيل ويخبرهم بقاتِلهِ، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: حين قال موسى لقومه لمَّا ادَّارؤوا في القتيل وتدافعوه - كلٌّ يدفع قتله عن نفسه إلى غيره: إن الله جلَّ وعلا يأمركم أنْ تذبحوا بقرة، وتضربوا القتيل ببعضها فيحيا ويخبركم بقاتله، وقرأ هذا الحرف جماهير القُرَّاء: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ بضمّةٍ مشبعة على القياس، وَقَرَأَهُ أبو عمرو: ﴿يأمُرْكم﴾ بإسكان الراء، وزاد عنه الدُّوري باختلاس الضمّة، وقد قدمنا وجه ذلك في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. وقوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ المصدر المنسبك من أنْ وصلتها هو متعلق الأمر وأصل أمر تتعدى بالباء، والأصل يأمركم بأنْ تذبحوا بقرة؛ أي: بذبح بقرة وضرب القتيل بجزء منها، كما عُدِّيَ بالباء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، والمصدر المُنسبك من أنْ وصلتها مجرورٌ بحرف محذوف، وحذف هذا الحرف قياسٌ مطردٌ كما عقده في الخلاصة بقوله:

стр. 207

وعَدِّ لازما بحرفِ جَرِّ ... وإنْ حُذفْ فالنصبُ للمُنْجَرِّ نقلا وفي أنَّ وأنْ يطردُ ... مَعْ أمنِ لبسٍ كعجبتُ أنْ يَدوا ولطالب العلم هنا سؤالٌ، وهو أنْ يقول: عرفنا أنَّ المصدر المنسبك من أنْ وصلتها المجرور بالباء المحذوفة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ أي: يأمركم بأنْ تذبحوا بقرة، فهذا المصدر بعد حذف الباء هل محله الجر بالباء المحذوفة أو محله النصب لمّا نُزع الخافض؟. الجواب: أنَّ جماهير النحويين على أنَّه في محلِّ نصب، وأنه لو عُطف عليه لنصب على اللغة الفصحى، وخالف في هذا الأخفش فقال: إنَّ محله الجر، واستدل على أنَّ محله الجر بأنه سُمع عن العرب خفض المعطوف عليه في قول الشاعر وما زُرتُ ليلى أنْ تكونَ حبيبةً ... إليَّ ولا دَيْنٍ بها أنا طالِبُهْ فخفض قوله: (ولا دينٍ) بالعطف على المصدر المنسبك من أَنْ وصلتها المجرور بحرف محذوف، وتقرير المعنى: وما زرت ليلى أن تكون حبيبةً أي لكونها حبيبةً ولا لدينٍ بها أنا طالبه. وأجاز سيبويه الوجهين: أنَّ محله الكسر والعطف عليه بالخفض، وأنَّ محله النصب والعطف عليه بالنصب.

стр. 208

وأجاب الجمهور عن البيت الذي أورده الأخفش: بأنَّ الخفض فيه من عطف التوهم، وعطف التوهم يكفي فيه مطلقُ توهم جواز الخفض، وعطف التوهم مسموعٌ في كلام العرب ومن أمثلته قول زهير: بَدَا ليَ أَني لستُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كانَ جائيا فالرواية نصبُ مدرك وخفضُ سابقٍ، والمخفوض معطوفٌ على المنصوب وهو عطف توهم، أعني توهم الباء في خبر ليس؛ لأنَّ قوله: (لست مدرك) يجوز فيه لست بمدرك ولا سابق، كما قال: وبعدَ ما وليس جَرَّ البا الخَبَرْ ... . . . . . فتوهم الباء بمطلق الجواز وعطف عليه خفضًا عطف توهم ونظيره قول الآخر: مشائيمُ ليسوا مصلحينَ عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غُرابُها بخفض ناعبٍ عطفًا على مصلحين، لتوهُّم جواز دخول الباء، قالوا من ذلك: وما زرتُ ليلى أنْ تكون حبيبةً ... إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبُهْ لتوهم اللام.

стр. 209

وقوله جلَّ وعلا: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الذبح معروفٌ، وبقرة قال بعض العلماء: تاؤه للتأنيث وذكره يسمى ثورًا، وقال بعض العلماء: هي تاء الوحدة، والبقر يطلق على ذكره وأنثاه، وهذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت، ولكنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم. وقوله جلَّ وعلا: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؛ أي: قال قوم موسى لموسى -لمَّا قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة-: أتتخذنا هزؤًا، أي مهزوءًا منَّا من قبلك؛ لأن قولنا لك: ادع لنا ربك يبين لنا قاتل القتيل، فتجيبنا بقولك: إنَّ الله يأمركم أنْ تذبحوا بقرة، فهذا الجواب غير مطابق للسؤال!! فكأنك تستهزئ بنا وتسخر منا، ولم يفهموا أن المراد بذبح البقرة أن القتيل يُضْرَبُ بجزءٍ منها فيحيا بإذن الله، فيخبرهم بقاتله. فقال نبي الله موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أعتصم وأتمنع بربي أنْ أكون من الجاهلين، الجاهلون جمع جاهل وهو الوصف من جَهِل، وأحسنُ تعاريف الجهل عند علماء الأصول أنه: انتفاءُ العلم بما من شأنه أن يُقصد ويعلم، وللعلماء فيه أقوال متعددةٌ ومحلُّ ذكرها في فن الأصول.

стр. 210

والمعنى أن نبي الله استعاذَ بربِّه جلَّ وعلا من أنْ يكون معدودًا في عداد الجاهلين، وهذه الآية تدلُّ على أن مَنْ يستهزئ من الناس أنه جاهل لأن نبي الله موسى استعاذ بالله من أن يكون اتخذهم هزؤًا كما قالوا، ولذا قال: أعوذ بالله أنْ أكون من الجاهلين، ولمّا علموا أنَّ الأمر من الله جِدُّ، وأن الجواب مطابقٌ لسؤالهم، وأن المراد بذبح البقرة أنْ يُضْرَبَ القتيل بجزء منها فيحيا ويخبرهم بقاتله، تعنتوا وأكثروا الأسئلة فشددوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم. قالوا مخاطبين نبيهم: يا موسى ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾؛ أي: اسألْ لنا ربك يبين لنا ما هي، المراد بقولهم ﴿مَا هِيَ﴾ هنا يعنون ما سِنُّها؛ لأنَّ السؤال يوضحُهُ الجواب حيث قال لهم نبي الله موسى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: البقرة التي سألتم عنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان خبر مبتدأ محذوف، والمعنى لا فارضٌ ولا بكر هي عوانٌ بين ذلك. الفارض المسنَّة التي طعنتْ في السنِّ، وكلُّ طاعنٍ في السنِّ تسميهِ العربُ: فارضًا، وكل قديم تسمِّيه: فارضًا، ومن أمثلته في كلام العرب قول خفاف بن ندبة السُّلمي يهجو العباس بن مرداس، وقيل القائل علقمة بن عَوْف: لَعَمْري لقد أعطيتَ جارَكَ فارضًا ... تُساقُ إليهِ ما تقومُ على رجْلِ

стр. 211

ولم تعطهِ بكرًا فيرضى سمينةً ... فكيفَ تُجازى بالمودةِ والفضلِ ومن إطلاق العرب الفارض على ما تقادم عهدُهُ قول الراجز: يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ علي فارضِ ... لهُ قروءٌ كقروءِ الحائضِ يعني بالضغن الفارض أنه تقادم وطالت سنُّهُ، قال بعض العلماء: ومنه قول الآخر: شَيبَ أصداغي فَرأسي أبيضُ ... محافلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ أي طاعنون في السِّن، والأظهر أن قول هذا الراجز: بها رجال فرض؛ أي: ضخامُ الأبدان؛ لأن العرب تطلق الفارض أيضًا على الضخم العظيم جدًا. وقوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ البكر هي التي لم يفتحلها الفحل لصغرها، وقال بعض العلماء: البكر التي وَلَدت مرة، ولكن المراد هنا التي لم يفتحلها الفحل لصغر سنها، والمعنى: ليست هذه البقرة التي أُمرتم بذبحها بطاعنة في السن فارض ولا بصغيرة جدًا لم يفتحلها الفحل، بل هي عوانٌ بين ذلك. والعوان النصَف؛ أي: لا طاعنة في السن ولا صغيرة جدًّا، والعوان النصَف، وأصل النّصف التي انتصف عمرها وهي

стр. 212

متوسطة في السن ليست كبيرة جدًا ولا صغيرة جدًا، وكل متوسطة في السن نصف تسميها العرب عوانًا، وهذا معنى معروف في كلام العرب ومنه قول الطرِمَّاح: قال: حَصَانُ مواضعِ النُّقبِ الأعالي ... مواعنُ بينَ أبكارٍ وعُونِ يعني بالأبكار جمع بكر، وهي الصغيرة التي لم تتزوج، والعون جمع عوان وهي النصف، والنصف التي انتصف عمرها فهي في وسط سنها ليست بكبيرة جدًا ولا بصغيرة جدًا، ومنه قول كعب بن زهير: شَدَّ النهارُ ذراعا عيطلِ نصفٍ ... قامتْ فجاوبها نُكْدٌ مثاكيلُ وفَسَّرَ بعض الأدباء في شعره النصف بالتي انتصف عمرها حيث قال: وإنْ أتوكَ وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإن أطيبَ نصفَيها الذي ذَهَبا وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فيه سؤالٌ معروف، وهو أن (ذلك) إشارةٌ إلى مفردٍ مذكرِ كما قال في الخلاصة: بذا لمفردٍ مذكرِ أشرْ ... . . . . . و ﴿بَيْنَ﴾ لا تضاف للمفرد إلَّا إذا أُريدت أجزاؤه، والجواب: أنَّ ذلك وإنْ كان لفظه مفردًا فمعناه مثنّى؛ لأنَّ الإشارة راجعة إلى ما

стр. 213

ذكر من الفارض والبكر أي بين ذلك المذكور من فارض وبكر: لأنَّ العوان أصْغر من الفارض وأكبر من البكر، ونظير هذا من كلام العرب قول ابن الزبعرى كما تقدم: إنَّ للشَّرِّ وللخيرِ مَدىً ... وكلا ذلك وجهٌ وقَبَلْ أي: وكلا ذلك المذكور من خير وشر؛ لأن كلا لا تضاف إلا لمثنى لفظًا أو معنى وهذا معنى قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ الأصل ما تؤمرون به فحذف الباء فوصل الفعل إلى الضمير فحُذف. وهذا الذي يؤمرون به هو ذبح البقرة فيضرب القتيل ببعضها فيحيا، وهذا معنى قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ فزادوا تعنُّتًا وسؤالًا وتشديدًا فشدَّد اللهُ عليهم أيضًا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ ادع لنا ربك يُبَيِن، ﴿يُبَيِّنْ﴾ بهذه المواضع مجزومٌ بجزاء الأمر، والفعل المضارع المجزوم بجزاء الطلب يقول المحققون من علماء العربية: إنَّه مجزوم بشرط مقدر دَلَّ عليه الأمر، وتقرير المعنى: إنْ تدع لنا ربك يبين لنا ما لونها، اللون: هي إحدى الكيفيات التي يكون عليها الجِرْمُ كالسَّواد والبَياض، يعني ما اللون الذي هي متلَوِّنَةٌ به.

стр. 214

﴿قَالَ إِنَّهُ﴾؛ أي: ربكم جلَّ وعلا يقول: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾؛ أي: متلونة بلون الصُّفرة، والتحقيق أنَّ المراد بالصُّفرة هنا: الصفرة المعروفة، وما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنَّ المراد بالصفرة: السَّواد؛ مردودٌ من وجهين: أحدهما: أئه أكَّدَ الصفرة بقوله: فاقعٌ لونُها والفُقوع لا يوصف به إلّا الصفرة الخالصة تمامًا. ثانيهما: أنَّ العرب لا تطلق الصُّفرة وتُريد السَّواد إلَّا في الإبل خاصة دون غيرها كما يأتي في تفسير قوله: ﴿أنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣] والجمالة جمع جمل، والمراد بالصفر هناك السود؛ لأن شَرَرَ نار الآخرة أسود، والعرب إنَّما تطلق الصفرة على السَّواد في الإبل خاصة دون غيرها من سائر الحيوانات، ومن إطلاق العرب الصفرة على سواد الإبل قول الأعشى: تلك خَيلي منهُ وتلك ركابي ... هُن صفرٌ أولادها كالزَّبيبِ يعني بقوله: (صفر) سودًا، والتحقيق أنَّ المراد بالصفرة هنا هو الصفرة المعروفة.

стр. 215

وقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ هذا نعتٌ سببي، والتحقيق في إعراب ﴿لَوْنُهَا﴾ أنه فاعل لقوله: فاقعٌ، وأنَّ فاقعٌ نعتٌ سببي لقوله: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، ولونها فاعلٌ لقوله: فاقع، وقال بعض العلماء: لونها مبتدأ مؤخر، وفاقع خبرٌ مقدم، وجملة المبتدأ والخبر في محل النعت؛ أي: بقرة صفراء لونها فاقع؛ أي: صفرتها خالصة جدًا. وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي يدخل السرور على من نظر إليها لكمالِ حُسنها، وذكروا في قصتها أنَّ الشمس تتوضح في جلدها لشدة حسنها، وعادةً إذا نظر الإنسان إلى شيء جميل سَرَّهُ النظر إلى ذلك الشيء الجميل، ولذا قال جلَّ وعلا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. وقوله: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فالسؤال الأول: عن سنها وهل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة، والسؤال الثاني: عن لونها وقد تقدم الجواب فيهما، والسؤال الثَّالث: عن صفتها هل هي مُذَلَّلَة مُرَوَّضة عاملة، أو هي صعبة غير مروضة، وهل فيها لون يخالف لون جلدها الآخر، ولذا أجابه بما يأتي: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ يعنون: هذه الأوصاف كثيرةٌ في البقر، فيكثر في البقر الصفرة والفقوع والتوسط في السِّن، فلم تتميز لنا هذه البقرة من غيرها من البقر للاشتراك في الصفات.
следующие страницы →