← Фатава

Фатава · id 14260

مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

أحمد بن محمد الشنقيطي

Полный текст (312 стр.). Показаны 281–312 · переход к 286.

стр. 281

لأخبار القرآن، وأحيلُ القارئ إلى كتاب (مع المفسِّرين والكتاب) ففيه أبحاثٌ ودراساتٌ طوال حولَ هذه القضيَّة، قضيةِ الإسراف في ادِّعاءِ النَّسخ. ووجهةُ نظري في ملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي ﵀ في قوله بنسخ هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لأن اللهَ -كما قال الشَّيخ- ذكَرَ ما يدلُّ على خلافِ ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أنَّهُ لا نسخ في الآية الأولى، بل هناك تفريقٌ وتمييزٌ بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان المؤمنون أقوياء فالواحد منهم يغلب عشرة من الكفار، والحالة الثانية: إذا كان المؤمنونَ ضعافًا فالواحد منهم يغلب اثنين من أعدائهم، وهذه ميزة المسلم بإيمانه على الكافر بكفره، إذا تساويا قوةً وسلاحًا. ومثل هاتين الآيتين أو هذين الموقفين ما جاء في سورة آل عمران من الوعد أولًا بإمداد المسلمين بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، ثم الإمداد بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، فإنما هي حالات، أو مراحل، أو ظروف مختلفة، أو متتابعة، لأنَّ أمثال هذه المواقف وما نزل فيها من آيات ليس فيها تشريع أو حكم حتى يُقال بالنَّسخ للسَّابق باللاحق، بل هذه الآيات القرآنية أشبه بالأخبار والوعود التي لا يجوز عليها القول بالنَّسخ.

стр. 282

وإنَّما يقال إنها نافذةٌ وقائمةٌ وَفْقًا للأحوال والظُّروف، فإنْ كان المسلمون أقوياء فالعشرون منهم يغلبوا مائتين، وإن كانوا ضعفاء فالمائة منهم يغلبوا مائتين، وكذلك الوَعْدُ بإمدادهم بثلاثة آلاف من الملائكة أولًا، ثَّم جاءَ الوَعْدُ الثَّاني: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. ولقد ذَهَب بعض الباحثين في علوم القرآن والمتدَبِّرينَ لأحكامه وأخباره إلى أنه لا نَسْخ في القرآن إطلاقًا! وإنما هي أحكامٌ نزلت على مراحل وظروف متدرِّجة وفقًا لأحوال المسلمين، وحاجاتهم، وقدراتهم. ومن أمثلة الإسراف في ادِّعاء النَّسخ قول الشَّيخ ﵀ إن هذه الآية: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، قال: إنَّها نُسِخَتْ بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، ووجْهَةُ نَظَري أنَّهُ لا نَسْخ في الآية الأولى؛ لأنَّها من قبيل الأخبار، ومعناها قائمٌ أبدًا، فثمراتُ النَّخيلِ والأعناب ما تزالُ إلى يوم القيامة يأكلها فريقٌ من النَّاسِ طعامًا أو فاكهةً حلالًا ورزقًا حَسَنًا، وفريقٌ آخر يتخذها خمرًا وسَكَرًا، فمضمونها حقيقةٌ

стр. 283

وواقعٌ لا يقبل النَّسخَ لأنَّها خبر لا يجوز عليه الإبطال. ولو جارَيْنا الشَّيخ ﵀ ومَنْ يذهب مذهبه في الإسراف في ادِّعاء النسخ في آيات القرآن، لقلنا: إن آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، منسوخةٌ أيضًا بالآية الأخيرة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومعنى ذلك أنَّه يجوز للسكارى أن يقربوا الصَّلاة، وهو باطلٌ لا يقبل جَدَلًا. ومن هنا لا أرى رأيَ الذين يتسرَّعون بالقول بالنَّسخ في آيات القرآن، وأقف هنا لأحيل القرَّاء والعلماء الفاقهين على ملاحظاتي، ليروا هَلْ أنا على صواب أم خطأ. . . . بعيدًا عن التَّعَصُّب الذميم، بعيدًا عن الهُراء والبَذاء، والطَّعن الشَّخصي ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والسَّلام على من اتَّبع الهُدى، ولا عصمة إلا لنبيٍّ. أحمد مُحمَّد جَمال

стр. 284

الردُّ على ما نَشَّرتهُ جريدة النَّدوة بقلم الأستاذ أحمد محمَّد جَمال لقد كنت أعددتُ ردًّا على كثير ممَّا نشرتْهُ جريدةُ النَّدوة بقلم الأستاذ أحمد محمَّد جمال تعقيبًا على ما نشرتْهُ جريدة المدينة ردًّا عليه، ولقد تركتُ الردَّ على بعض فقراتِ ممَّا كتبه لتناقضها ولما يلوح عليها من أن صاحبها لا يَعي ما يقول، وإنَّ نَبْرَةَ الهسْتيريا لتَلوحُ عليها لكلِّ ذي عَيْن. ولقد قام بعض إخواني بحذف كل عبارة من مقالي يَرون أنَّها لا تصلح لِلُغة الصَّحافة اليوم، حتى إنَّه لم يبقَ مما كتبته إلا القليل. ولقد جَلَبَ خصمُنا -عليه رحمة الله- بخيله ورجله ليقفلَ وسائل النَّشر بالمنطقة الغربيَّة أمامي، وفعلًا حَصَلَ له ذلك، وكيف لا؟! وهو من أثرياء مكة المكرَّمة، وأخوه صالح مُحمَّد جمال عضو المجلس البلدي بها؟! فالتجأتُ إلى مجلَّة التَّضامن الإسلامي لأنها مجلة حكومية، وهي التي نشرتْ تعقيبه أولًا؛ فنشرتْ المقالَ متفاوتا وبعد اللَّتي واللتيا.

стр. 285

وهذا نَصُّ الردِّ وبالله التَّوفيق: بين الشَّيخ الشَّنقيِطي والأستاذ أحمد مُحَمَّد جمال يكتبه أحمد بن أحمد الشنقيطي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦]. صدق الله العظيم. الحمد لله الذي لا معقِّب لحكمه، ولا علم إلا ما هو مستمدٌّ من علمه، اللَّهم صلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّكَ محمَّدٍ الأمين القائل: "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرا يُفَقِّهْه في الدِّين"، وعلى آله وَصَحْبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد: فإن الأخ الأستاذ أحمد محمَّد جمال قد نَشَرَ في جريدة النَّدوة يوم الأربعاء ٩ رمضان سنة ١٣٩٤ هـ تعقيبًا على تعقيبٍ كنتُ تابعتُ فيه تعليقاته على كتاب العلَّامة المرحوم شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي.

стр. 286

وفيما كتبه الأستاذ أحمد جمال نُعيذُه باللَّه من الإعجاب بالنَّفس، ومن رؤيةٍ لفَضْلها على غيرها، و"من عِزَّةٍ في غَير حَق". عدا أنَّ ما كتبه يقتضي أنَّ الحقائق والأسانيد لا تخرج عن كونها رأيًا. . . . وفي القرآن الكريم أيضًا، وبغير حجَّة أو دليل! وحيث قلتُ إن أحمد جَمال طَرَقَ موضوعًا فوق طاقته لم يكن يَدور بخَلَدي أن ذلك يجعل "ثُلُثَي المقال" يُصَنَّفُ في مجالِ البَذاءَة. ومادامَ أن الشَيخَ لم يكن وحدَهُ المتَضَرِّر من انتقاداتِ أحمد جمال، بل يشارِكُهُ فيها العزُّ بن عبد السَّلام، فلا شَك أنَّ الأستاذَ أحمد جمال يَسْتَحِق العُتبى. ولكن؛ لو أنَّ المناقشات العلمية، وخاصَّة ما كان منها حولَ تفسير القرآن، لو أنَّها يُكْتَفَى فيها بـ"قلتُ" ما كَلَّفْتُ نفسي تعقيبَ ما كتبَهُ أحمد جمال، لقد كان تعقيبي عليه لأنَّهُ يريد منَّا أن نستبدلَ بجهود العلماء الذين صَرَفوا حياتهم الحافلة بالانكباب على العلم وحده ودراسته في كتب التفسير واللغة، والأصول، والصرف، والبلاغة، يريدُ منَّا أن نستبدلَ هذا بمجرَّدِ قولهِ: "قلتُ". وهذه ظاهرةٌ جديدةٌ لدى طائفةٍ من المفسِّرين الحديثين أمثال الدكتور مصطفى محمود الذي كان في تفسيره العصري -وحَسْبَما

стр. 287

كتبتْهُ الدكتورة بنتْ الشاطئ- يتَّجِهُ اتجاهات شبيهة باتجاهات الأستاذ أحمد جَمَال من القولِ برأيه واجتهاده في القرآن من غير دَعْمٍ بالحجج والبراهين التي لابدَّ للعلماء والمفسرين منها، لأنَّ هذه ظاهرة جديدة، فقد يكون السُّكوت عليها من جانب طلبة العلم من التَّقصير الشَّائن. دَعْ عنك العلماء يا جَمَال !! ولئن كان الأستاذ أحمد جمال يقول: إني كتبتُ ثُلُثَيْ ما كتبتُهُ في مجال "الهُراء والبَذاءَة"، فقد كانَ أكثر ما كتبتُهُ استشهادات منقولة بالنَّصِّ عن أجلاء أئمةِ التفسير وعلوم القرآن مثل: ابن عطيَّة، وابن العربي، والقرطبي، وأبي حيان، والشَّوكاني، وفي ميدان الأصول عن ابن السُّبكي في جمع الجوامع، وعن شَرْحهِ الضِّياء اللامع لابن حلولو، وعن مراقي السُّعود، إلى غير ذلك. وفي مجال البَلاغَة عن فحول الفنِّ مثل الخطيب القزويني والعلّامة المرشدي والجلال السُّيوطي فما أشدَّ فخري بهذا الهُراء وهذه البَذاءة إذًا!! غير أنَّني أَلتَمِسُ العذرَ للأستاذِ أحمد جمال من حيث إنَّهُ إمَّا أنَّ

стр. 288

الحساب قد اختلطَ عليه، وامّا أنّ التعبيرَ قد خانَه. وأرى الأستاذ أحمد جَمَال لم يركِّز على شيء فيما كتبه في النَّدوة مثل تركيزه على عَيْبي بالتَّعَصُّبِ الذميم. . . وإنِّي، وكذلك كلُّ طالب علم، لأَضُمُّ صوتي إلى صوت الأستاذ أحمد جمال في إعابةِ هذه الخصلة الذَّميمة. . . وإنَّ أشنع ما يكون من ذلك هو ما يكون منهُ تعصُّبًا للنَّفس. . . وقد يكون من غير التَّعصُّبِ في نظر الأستاذ أحمد جمال لو حصل السُّكوتُ مِنَّا على تَقَوُّلاتِهِ على صاحب "دَفْعِ إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" أو عمَّا سيكتبه عن سلطان العلماء العزِّ بن عبد السلام، لو حصلَ مني ذلك لكنتُ عنده -ولا شك- من أشدِّ المتسامحين. وسوف أخالفُ الأستاذ في هذه فقط، وهي أني لا أعتقد في شَيْخي ولا في غيره من العلماء إلا أنهم يجوزُ عليهم الخطأ والنسيان، وإذا كان ذلك يجوز عليهم فهو على الأستاذ أحمد جَمَال أشدُّ جوازا من باب أَحْرى. . .!! ومن هنا كانت محاولتي لردِّ أخي إلى صوابه عن طريق الإحالة إلى منابع العلم الأساسية، وباستشهاداتي فيما ذهبتُ إليه بما سقتُه من أدلَّةٍ وحُجَج، وما أحلتُهُ إليه من المراجع لطائفةٍ من أئمة

стр. 289

المسلمين المشهود لهم بالفهم والقَدَم الرَّاسخة في علوم القرآن. وقريبًا سنطالعُ كتاب الأستاذ أحمد جَمَال "مع المفسرين والكتاب"، وفيه يَرُدُّ دفعةً واحدةً على خيرة العلماء وعلى المشبوهين من المستشرقين واليهود في آنٍ واحد! ذلك الكتاب يردُّ فيه على سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، وعلى جُسْتاف لُبون، وعلى فضيلة الشَّيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي، وعلى جُولد تسهير، والزَّمخشري، والباقوري. . . فهل الموضوع الذي جَمَعَ بين هؤلاء جميعًا هو افتعال المشاكلِ في القرآن؟ نعوذُ باللَّهِ من توُّهمِ ذلك. يقول الأستاذ أحمد جَمَال في جريدة النَّدوة: "وإلى جوار ملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي ملاحظاتي على سلطان العلماء العزِّ بن عبد السلام ﵀ في كتابه المفيد في مشكل القرآن إذ إنَّ موضوعهما واحد". . . إلخ. وكان أحرى بالأستاذ أحمد جمال أن يضمَّ إليهما إمامَ أهلِ السُّنَّةِ أحمد بن حنبل؛ فقد سَبَقَ هذين إلى الكتابة في هذا الموضوع بكتابِهِ: (الردِّ على الزَّنادقة والجهمية) وأن يضيف إليهما أيضًا أبا محمَّد عبد الله بن قُتَيْبَة، فقد صنَّفَ في هذا الموضوع كتابه المعروف بـ (تأويل مشكل القرآن).

стр. 290

تكاثرتِ الظِّباءُ على خِراشٍ ... فما يدري خِراشٌ ما يَصيدُ ولقد صدق الأستاذ أحمد محمَّد جَمال في قوله: "ولو ربطنا بين الآيات ذات الموضوع الواحد والقضية الواحدة، ولو كانت موزَّعة على سورِ متعددة، لما اختلفت معانيها ومقاصدها ولما توهَّمَ مُتَوَهِّمٌ اضطرابًا أو تناقضًا بينها". ولكن المشكلَ يا أستاذ أحمد جمال بالنسبة لطلبة العلم هو أن هذا الرَّبط بين هذه الموضوعات عزيزُ المنالِ على مَنْ لم يمدَّهُ اللَّهُ بالتوفيق إلى ذلك، وهذا الرَّبط هو وجه الجَمْعِ بين الآيات التي قد يكون ظاهرها متعارضًا في نظر غير المطلِع. . . وهذا بعينه هو ما حَمَلَ العُلماء إلى تبيين وَجْه الجَمْع بين الآيات وما تدلُّ عليه. وقد اعتنى بذلك الإمام أحمد بن حنبل في الردِّ على الزنادقة والجهمية، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن، والعزُّ ابن عبد السلام في المفيد في مشكل القرآن، والشيخ محمَّد الأمين في دَفْع إيهام الاضطراب، للجميع ثوابُ الله وعليهم رحمته. ولقد حاول الأستاذ أحمد جمال أن يُقلِّل من أهمية هذا الجهد الذي صَرَف له جهابذة علماء التفسير جُزءًا من وقتهم الثمين، فقال: "إنَّ الشَّيخَ الشنقيطي توهَّمَ التَّناقض أو الاختلاف بين

стр. 291

بعض الألفاظ القرآنية ومعانيها، وحاول دفعها بما هو موجود في الآيات نفسها أو بما هو معروف ومعلوم من قواعد اللُّغة العربية" .. إلخ. وإذا كان الأمر كما ذكر أحمد جَمال فأين يكون إذًا موقف طالب العلم البسيط من هذه الآيات، إذا لم يُقَيِّض الله له مَنْ يُظْهِر له وجه الجمع بينها؟ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. والأستاذ أحمد جمال يتَّهمني: "بأنّي لم أُورد له استدلالاته

стр. 292

الكاملة في قضية النَّسخ، وواو العطف، ولا في موضوع دعاء موسى وهارون، وقال إنهُ كان عليَّ أن أوردَ نصَّ ما قال كاملًا بحججه واستدلالاته ثم أُعَقِّب عليه ليميِّزَ القارئ بين الخطأ والصَّواب"! والمشكلةُ التي واجهتني وأنا أحاول ذلك هي أنِّي لم أجد له استدلالات! فهو لم ينسب "رأيا" مِمَّا ساقه إلى أحد، ويظهرُ أنَّ ما قاله هو من بنات أفكاره هو، وذلك ليس بدليل في المناقشات العلميَّة، ولا يستحق الاعتداد به، وهذا هو أساس القضية معه. إنَّنا نرفضُ ما يذهبُ إليه إذا كان "مجرد رأيهِ الخاص" بدون أن يسوقَ معه دليلًا. وفيما كتبتُهُ في جريدة المدينة أحلتُهُ إلى كتب التَّفسير والأصول واللغة وآراء العلماء في مناقشاتي له مختَصِرًا حسب الإمكان. وأُعَرِّجُ الآن إلى ما كتبه أحمد جَمَال لأزيده تفنيدًا، وأُوَضِّحَ ذلك إيضاحًا، وأُبَيِّنَهُ تبيانًا؛ قال الأستاذ أحمد جمال: "وذهب بعض الباحثين في علوم القرآن والمتدبِّرين لأحكامه وأخباره إلى القول إلى أنَّه لا نَسْخَ في القرآن إطلاقًا". وهذه الطَّائفة من الباحثين الذين أشار إليهم الأستاذ أحمد جمال،

стр. 293

وَصَفَهم القرطبي (١): "بأنهم جَهَلة أغبياء". وقال الشوكاني: "إنهُم لا يعتدُّ بهم، ولا يُؤْبَهُ بقولهم" (٢). علمًا بأنَّ هذه الطائفة لم يُؤَيِّدْها على رأيها من المِلَل إلا اليهود المغضوب عليهم. الدَّليلُ على تَفْنيد هذه الفقرة قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية (٣): "هذه آية عظيمة في الأحكام، وسبب نزولها أنَّ اليهود لمّا حَسَدوا المسلمينَ في التوجُّهِ إلى الكعبة، طَعَنوا في الإسلام بذلك، وقالوا محمدٌ يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من عنده، ولهذا يناقض بعضه بعضًا، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وأنزل: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الآية، وقد تابع القرطبي بحثه هذا

стр. 294

إلى أن قال (١): "معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، ولا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلّا الجَهَلة الأغبياء، لما يترتَّب عليه من النَّوازل والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام". روى أبو البختري قال: دخل عليٌّ ﵁ المسجدَ فإذا رجلٌ يُخَوِّفُ النَّاسَ، فقالَ: مَنْ هَذا؟ قالوا: رجلٌ يُذَكِّرُ النَّاسَ، فقال: ليس برجلٍ يُذَكرُ النَّاسَ، لكنَّه يقول: أنا فلانُ بنُ فلان اعرفوني، فأرسلَ إليه، فقال: أتعرفُ النَّاسخَ والمنسوخ؟ فقالَ: لا، قال: اخرج من مسجدنا ولا تذكِّر فيه، وفي رواية أخرى: أَعِلِمْتَ النَّاسخَ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكت، ومثله عن ابن عباس ﵄.

стр. 295

ذِكْرُ مَنْ أنكرَ النَّسخ قال القرطبي (١): "أنكرتْ طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جواز النَّسخ، وهم محجوجون بإجماع السَّلف السَّابق على وقوعه في الشَّريعة، وأنكرَتْه أيضًا طوائف من اليهود، وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم. . . إلى أنْ قال: وليس هذا من باب البَداء بل هو نقلُ العباد من عبادهٍ إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لِضَرْب من المصلحة إظهارًا لحكمته وكمال مملكته. ولا خلاف بين العقلاء أنَّ شرائعَ الأنبياء قُصِدَ بها مصالح الخلق الدِّينية والدُّنيوية، وإنَّما كان يلزم البَداء لو لم يكن عالِمًا بمآل الأمور، وأما العالم بذلك فإنما تتبدَّل خطاباته بحسب تبدَّل المصالح؛ مثل الطَّبيب المراعي لأحوال المريض، فَراعَى بذلك في خلقه بمشيئته وإرادته لا إله إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغيَّر، فإنَّ ذلك محالٌ في جهة الله تعالى". اهـ. ولولا خشية الإطالة لزِدْتُ في الموضوع، ولكنْ انظر جَمْعَ الجوامع لابن السُّبكي وشروحه، وانظر تفسير الشوكاني ج ١،

стр. 296

ص ١٠٧، وانظر نَشْرَ البنود على مراقي السُّعود عند قول النَّاظم: ونسخُ بَعْضِ الذِّكرِ مُطلقًا وَرَدْ والحاصل أنَّ هذا القول لا يرضى به لنفسه رجلٌ مثل الأخ أحمد محمَّد جَمَال؛ يحسب دائمًا انَّه إذا قال: "قلتُ" صَدَقَ مطلقًا؛ سامَحَهُ اللهُ في اختيارِهِ هذا لنفسِهِ.

стр. 297

لا تُغالِطْ يا أُستاذ !! قال الأستاذ أحمد محمَّد جَمَال في مجلَّة التَّضامن الإسلامي، وفي ما نشرهُ في جريدة النَّدوة، قال: "العطف لا يقتضي المغايرة دائمًا". . . إلخ. وقد أوردتُ له مزيدًا من أقوال علماء اللُّغة في هذا الموضوع، ولكن الأستاذ أحمد جَمَال ما زال يردُّنا إلى "قلتُ"، ويُحيلنا إلى مطبوعاته، كأنَّما يتعجَّل أنْ تكون من المصادر الأكاديميَّة، وحتَّى لا يستوي ما يقول مع "قصص القَصَّاصين" أمام الدِّين لا يقتنعون منه بـ"قلت". وكان عليه أَنْ يأتي بأدلَّة، فالعطفُ يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وتفاصيل هذا في كتب اللُّغة وقد أحلناه إلى مراجعها. وأمَّا الأمثلة التي جاءَ بها في جريدة النَّدوة فهي لا تفيده شيئًا، قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ونحو ذلك. أليست ماهيَّةُ الذكورة في السَّارق والزَّاني مغايرةً لماهية الأنوثة في

стр. 298

السَّارقة والزَّانية، وتلك المغايرة هي التي سَوَّغت العطف، تأمَّلْ وافْهَم يا أستاذ!! تأكيدُ الذم بما يُشْبِهُ المدحَ في رأي أحمد جمال قال شيخنا عليه رحمة الله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ الآية [الدخان: ٤٩]، نزلتْ في أبي جَهْلِ لما قال: أيوعدني محمدٌ، وليس بين جَبَلَيْها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي، فلمَّا عَذَّبَهُ الله، قيل لهُ: ذُقْ إنَّكَ أنتَ العزيز الكريم، في زعمك الكاذب. بل أنت المهان الخسيس الحقير، وهذا نوع من أنواع العذاب" اهـ. غير أنَّ الأستاذ أحمد جَمَال أبى ذلك، وقال: "قلتُ: إن نصَّ الآية لا يُساعدُ على تخصيص نزولها في أبي جهل فهي عامة في كل كافر". والجواب: هو أنَّ كون مدلولها عامًا في كل كافرٍ لا يمنعُ من خُصوصِ سببِ نزولها في شخصِ بعينه أو في حادثةٍ معينةٍ. لأنَّ المقرَّر في علم الأصول أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب إلا ما يثبت من ذلك أنَّه خاصُّ الحكمِ والسَّببِ معًا، مثل: عناق أبي بردة، وشهادة خزيمة، ونحو ذلك.

стр. 299

هذه واحدة؛ وأما الثَّانية: فهي قول الأستاذ أحمد جَمَال: "إنَّ نصِّ الآيةِ أو سياقَها لا يُساعد على نزولها في أبي جهل". فإنه يفهم منه أنَّه يعتقد أنَّ بالإمكان معرفة سبب النُّزول بالاستنباط من الآية، وهو خطأٌ فاحش. وإنَّه لا سبيل لمعرفة سبب النُّزول إلا بالرِّواية، انظْر الإتقان في علوم القرآن للسُّيوطي (١). وقال الأخ أحمد جَمَال: "وهو أسلوبٌ عربيٌّ معروف بليغ، ويُسَمَّى تأكيدَ الذَّمِّ بما يُشْبِه المدح". والجواب عن هذه: أنَّها "حَزٌّ في غير مَفْصِل"، وأنَّ هذا الأسلوب نسبَهُ أحمد جمال للمحسِّنات المعنويَّة من البديع، وهو بعيدٌ كلَّ البعد عن ذلك، بل هو من فنِّ البيان ثم من باب التَّشبيه منه. فهو تشبيهٌ انْتُزِعَ وجهُ شبههِ من التَّنافي لنكتةِ التَّهَكُّم، وذلك على نحو ما عَقَدَهُ العَلَّامة الشَّيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشَّنقيطي، في نظمه (نَوْر الأقاح) بقوله: وينزعُ الوجهُ من التَّنافي ... إذا يُنزَّلُ كالائتلافِ

стр. 300

لنكتةِ التَّمليحِ والتَّهكُّمِ ... . . . . . . . . انظر شرحَهُ: (فيضَ الفتَّاحِ على نَوْر الأقاح) للنَّاظمِ في هذا المحلّ، وانْظُر المرشدي على عقود الجمان عند قول السيوطي: وربَّما يؤخذُ وجْهُ التشبيهْ ... من التَّضادِ لاشتراكِ الضدِّ فيهِ لقَصْدِ تَمْليحٍ أو التَّهَكُّمِ ... كَوَصْفِهِ مُبَخَّلًا بحاتِمِ أما تأكيدُ الذَّمِّ بما يشبهُ المدحَ الذي تسمع العُلَماءَ يذكرونه -يا سيِّدنا الأُستاذ- فقد قرَّرَ علماءُ الفنِّ بأنَّهُ ضربان: أحدهما: أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفةَ ذَمِّ بتقدير دخولها فيها، كقولك: فلانٌ لا خيرَ فيه إلا أنه يُسيءُ إلى من أحسن إليه. وثانيهما: أَنْ تُثبتَ للشَّيءِ صفةَ ذَمٍّ، وتعقبها بأداة استثناء، تليها صفةُ ذَمِّ أخرى له، كقولك: فلان فاسق إلا أنَّهُ جاهل. انظر الإيضاح للقزويني (١). إن المفسِّىرينَ يا أحمد جَمَال يقولون في الآية بمثل قول الشَّيخ

стр. 301

الأمين ﵀، من أنّها نزلت في أبي جَهْل، وأنَّ معناها التهكُّم؛ أي: إنَّك أنت المهان الخسيس الحقير، انظر تفسير القرطبي (١)، وانظر تفسير الشوكاني (٢)، وانظر تفسير أبي حيَّان (٣). فهذا برهانُنا على صحةِ ما قال شيخنا، فأين برهانُ الأستاذ أحمد جمال على ما قال؟ غفر اللهُ لنا ولأحمد جمال. كلامُ أحمد جَمَال في أهليَّة النَّسَب والدِّين وأمَّا كلامُ الأستاذ أحمد جَمَال في أهلية النَّسب، فهو مِمَّا كَتَبَهُ اللهُ عليه، فقد أتى به لغير سبب. قال أحمد جمال: "قلت: إنَّ ابن نوحٍ من أهله حقيقةً ونسبًا". وهذا كلامٌ أول ما يتبادر منه إلى ذهن القارئ أنَّ شيخنا نفاه عنه نسبًا، وإذا رجعنا إلى دفع إيهام الاضطراب، نجد أنَّ الشَّيخ عليه ﵀ قال في صفحة ١٣٥، مبينًا وجه الجمع بين الآيتين ما نصُّهُ بالحرف الواحد.

стр. 302

"والجواب أن معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الموعود بنجاتهم في قوله تعالى له إنَّه سوف ينجِّيه وأهله؛ لأنَّه كافر لا مؤمن. وقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] , يظنُّهُ مسلمًا من جملة المسلمين النَّاجين، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] , وقد شهد الله أنَّهُ ابنُهُ حيث قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] , إلا أنَّهُ أخبرهُ أنَّ هذا الابنَ عملٌ غيرُ صالح؛ لكفره فليس من الأهل الموعود بنجاتهم، وإنْ كان من جملة الأهل نسبًا" اهـ منه. وبمقارنةٍ بين ما نقلتُهُ عن شَيخنا في المسألة، وبين ما وَرَدَ مِمَّا ردَّ به أخونا أحمد محمَّد جمال من قوله: "وإذن فإن الأهليَّة المنْفيَّة في الآية الثانية هي أهليَّة العقيدة، والأهليَّة المثبتة في الآية الأولى هي أهلية النسب والقربى" يتبينُ للقارئ بأنه لا فرق بين هذا وذاك. هذا، وأرجو الله جَلَّتْ قدرته أنْ يُلهمنا وأخانا رُشْدنا في الدِّين والدُنيا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإنَّه إن يكلنا إليها يكلنا إلى ضَعْفَى. اللهم أَرِنا جميعًا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا

стр. 303

وارزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أنْ الحمد للهِ ربِّ العالمين، وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] صدق الله العظيم.

стр. 304

خاتمة رحمَ اللهُ شيخَنا الأمين، وجَمَعَنا به في مستقرِّ رحمته، ما أحلاها أيَّامًا عشناها، نغترفُ من فائض علومه، فقد كان بيته مدرسةً ننعم فيها بدراسة ما نبتغي من شتَّى فنون العلم؛ من تفسيرٍ، وفقهٍ، وأصولِ فقهٍ، ولغةٍ، وقواعدَ نحويَّةِ، وصرفيةٍ، وبلاغة. غير أنَّهُ عَوَّدنا -عليه رحمةُ الله- من سلاسةِ التعبيرِ، وحلاوة البيان، ووضوح العبارة ما جعلنا نَمُجُّ بعده كلَّ عبارةٍ لآخر من بعده. الأمر الذي جعل مصيبتنا به نحن تلاميذَهُ كارثةً بالنَّسبة لنا دون من لم يأخذ عنه مباشرة من الناس، غير أنَّ لنا أحسن العَزاء فيه بمصابنا برسول الله ﷺ ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. ولكنَّنا نحمدُ الله تعالى أنْ تَفَضَّلَ به علينا ومَتَّعنا به مُدَّةَ من الزَّمنِ، تَمَكَّنَ فيها من تصحيح عقائدنا مما كُنَّا نَتَشَبَّث به من عقيدة الأشعريَّة، وما كان فيها من رواسب مذاهب الشَّيخ أبي الحَسَنُ الأشعري الأوَّل، أيامَ كان النَّاطِق باسمِ زوجِ أُمِّهِ الجبَّائي شيخ المعتزلة.

стр. 305

ومن المعلوم أن أطوار الشيخ أبي الحسن الأشعري العقديَّة كانت ثلاثة (١): فقد كان أولًا على مذهب المعتزلة أربعين سنةً من عمره، حتَّى مَنَّ اللهُ تعالى عليه بتوفيقِهِ لترك هذا المذهب، حين وَجَدَ شيخه يُقرِّر عقيدة وجوب الصَّلاح والأصلح على الله -تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًا كبيرًا-. فسأله عن مصير ثلاثةٍ: مُسْلمٍ مات كبيرًا، وكافرٍ ماتَ كذلك، وصبيٍّ كافرٍ ماتَ صبيًّا. فقالَ الجُبَّائي: أمَّا المسلم، ففي الجنّةِ بحسب عمله، وأمَّا الكافر الكبير، ففي النَّار في دَركاتها بحسب طغيانه، وأما الصبيُّ الكافر، ففي النَّار في أدنى دركاتها. فقال الشَّيخ أبو الحَسَنُ: فما بالُ الصَّغير في النَّار؟ قال الجُبَّائي: يقول اللهُ له: علمتُ في سابق علمي أنَّكَ إنْ كبرت كفرت، فرأيتُ أن الأصلحَ لك أنْ أقتلكَ في الصِّغر؛ لتكونَ في أدنى دَرَكات النَّار.

стр. 306

قال أبو الحَسَن: لِمَ لا يقول هذا الكافر الكبير، وكذا كلُّ كَبيرٍ في النَّار: يا ربِّ لقد علمتَ في سابقِ علمكَ أنِّي إنْ كبرتُ كفرت، وأنا أرضى بأقل من مصير هذا الغلام، فلِمَ لَمْ تُمِتْني صَبيًّا؟ فقال الجُبَّائي: أَبِكَ جنون؟ قال أبو الحسن: لا, ولكن وقفَ حمارُ الشَّيخ بالعَقَبة. وهذه القصَّة هي التي يشير إليها المقَّري بقوله في الإضاءة: وقِصَّةُ الشّيخِ مَعَ الجَّباءِ ... ترُدُّ قولَ الآفِكِ الأبَّاءِ وما اعترى الأطفالَ من آلامِ ... يَقْضي لأهلِ السُّنَّةِ الأَعلامِ ثم إنَّ الشَّيخ أبا الحسن ترك مذهبَ الاعتزال، وقال برؤيةِ الله يومَ القيامَةِ، وقالَ بعدم وجوبِ الصَّلاحِ والأصلح على الله، لكنَّهُ بقيتْ معه في هذه الفترة من الزمن رواسبُ اعتزالية، منها ما يعتقدونه في كلام الله تعالى من نفي الحرف والصَّوت، ومن نفي التَّقديم والتَّأخير، ومن نفي الكلِّ والبعض، والإعراب وضدِّه وغيرها من أمثلة النَّفي المفضَّل، قال المقّري في الإضاءة: وإنَّما كلامُهُ القديمُ ... ما فيهِ تأخيرٌ ولا تقديمُ نعمْ ولا لحنٌ ولا إعرابُ ... أو كلٌّ أو بعضٌ أو اضطرابُ إذ كلُّها إلى الحدوثِ انتسبا

стр. 307

وُيقرِّرون في صفةِ الكلام أنَّهُ الصِّفَة النَّفسية القائمة بالذَّات، وأنَّ هذا المتلوَّ المتعبّد به مدلولُ كلامِ الله تعالى، والعياذُ بالله تعالى. ولقد وقعتْ مُشادَّةٌ بيني وبين شيخي محمَّد الأمين -عليه رحمةُ الله- حين درستُ عليه مبحث الأمر من مراقي السُّعود، حيث يقول النَّاظم: هذا الذي حُدَّ بِه النَّفْسيُّ ... وما عليهِ دلَّ قُلْ لفظيُّ فشَرَحَ الشَّيخُ ألفاظَ النَّاظم، وقال: "هذا مذهبٌ باطل"!، وتقدَّمَ يُبَيِّنُ المذهبَ الحقَّ، وُيبَيِّنُ أن اعتقادَ مثلِ ما قرَّرهُ النَّاظم خطأٌ فاحِشٌ يُفضي إلى نفي كلام الله. وقد كنتُ آنذاكَ مُتَشَبِّعًا بهذا المذهب الباطل فكتَبَ الله لي الهداية إلى السُّنة على يدي شيخي، فاللهَ نرجو أنْ يجزي عنَّا فضيلةَ الشَّيخ محمد الأمين خيرًا، فقد تكلَّفَ في تصحيح عقائدنا المشقَّةَ العظيمة. ولقد استضافني (١) أيامَ كنتُ مدرِّسًا بالمسجدِ الحرام أحدُ أعلام قبيلتنا بداري في مكة، حافظٌ لكلِّ المتونِ العلميةِ التي تُدَرَّسُ

стр. 308

بذلك القطر الإِسلامي الذي هو منه، فكان أوَّل ما خاطبني به أنْ قال: أَيْ فلان، أنتم كُفَّار، أنتم حَشَوِيَّة، أنتم مُجَسِّمَة. فقلتُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله، اسمع عقيدتي. فأصَمَّ أُذنيه بأصبعيه، وقال: أخافُ أنْ تُشَبِّهَ عَلَيَّ. فقلتُ: لابدَّ أنْ تسمع معتقدي ثم احكم عليَّ بِما شئتَ بعد ذلك: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله، وأشهد أنَّ الذي جاءَ به محمدٌ حقٌ، وأنَّ الجنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيَةٌ لا ريبَ فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ في القبور، وأشهدُ أنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُهُ، وكلمته ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه. وأشهدٌ أنَّ الله موصوفٌ بكلِّ صفة كمالٍ وجلالٍ وصفَ بها نفسه في كتابه العزيز ووصفهُ بها نبيُّه ﷺ في سُنَّتِهِ الصَّحيحة، على غرار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأُقِرُّ بِكَمالِ عَجْزي عن إدراكِ كُنْهِ هذه الذَّات المقدَّسة، وصفاتها العلية، ثم قلتُ: احكم عليَّ بما شئتَ.

стр. 309

فقالَ: هذه ليست عقيدةَ كافر. ثم بعدَ هُنيهة دعاني وسألني: ما تقولُ في القرآنِ؟ قلتُ: كلامُ الله، منزلٌ غيرُ مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعود. قال: ما عن هذا أسألك، هل تعتقد أنَّ في القرآن حرفًا؟ قلتُ: نعم، الذي أدينُ الله به أنَّ هذا القرآنَ فيه توحيدٌ، وقصصٌ، وأحكامٌ، ومواعِظُ وعبرٌ، وفيه إنشاءٌ وخَبَرٌ، وجملٌ وكلماتٌ تتألَّفُ من حروف. فقالَ: أنت كافرٌ، وصفتَ كلامَ الله بما لازمُهُ البَكَم، والبَكَمُ مستحيلٌ على الله؛ لأنَّ الكلمة التي تتألَّف من حروف لا يُستطاع النُّطقُ بالحرف الثَّاني منها مثلًا. قبل النُّطق بالأوَّل، وهذا عجزٌ وهو مستحيلٌ على الله. فقُلتُ: بالنسبةِ للمخلوقِ فإنَّ قولكَ صادقٌ، وأمَّا القادر على كلِّ شيء، فهو يتكلَّم كيفَ شاء لا يعجزه شيء، ثم قلتُ: مَنْ جاءنا بالقرآن؟ قالَ: رسولُ الله جاءنا به.

стр. 310

فقلتُ: أأنتَ أعلمُ به أم هو؟ هذا رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه أنَّهُ قال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول ألم حرف، ولكن: ألفٌ حرفٌ، ولام حرفٌ، وميمٌ حرفٌ" (١) وتقول أنت ليس فيه حرف؟ فتكلَّم كلمة تدلُّ على التَّضجُّر بدارجته المحليَّة وسكتَ، ثم بعد هنيهة سألني قائلًا: ما تقولُ في القرآن؟ فقلتُ: ألم أجبك؟ فقال: ما عن ذلك أسأل، إنما سؤالي عن هذا المتْلُوِّ. فقلتُ: الذي أدين الله به أنَّ هذا القرآن المتلوَّ بأفواهنا وألسنتنا، المحفوظ في صدورنا، المرقوم في مصاحفنا هو الذي نزل به جبريل على رسول الله ﷺ , وبَلَّغهُ رسول الله عن الله أنَّه: كلامُ الله، تكلَّمَ به كما أُنزل علينا، ويَسَّرَه الله للذكر؛ فلو لم يُيِّسرهُ الله للذكر ما استطاع أحدٌ أنْ يتكلَّمَ به: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. فقالَ لِلمرَّةِ الثَّالثة في مَجْلسٍ واحدٍ!: أنت كافرٌ، إن كلامَ الله

стр. 311

هو: الصفة النَّفسية القائمة بالذات المقدَّسة لا تفارقها، وهذا المتلوُّ مدلولُها. فقلتُ للشَّيخ: أنا لا أستحقُّ أَنْ أبلغَ مرتبةَ طالبٍ في حلقتك، لكنني على مكانتي منك أسمعُ آيةً من كتابِ الله تعالى توعد مَنْ يقول مثلَ ما قلتَ بالنَّار. فتعجَّب وقال: كيف ذلك؛ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ أين هذه الآية؟ فقرأتُ من سورة المدثر قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٥] , فقلتُ: وماذا رتَّبَ الله على هذا الزَّعم؟ رتبَ عليه قولَه تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٦ - ٢٧]. فعندها كَبَّرَ الشَّيخُ رافعًا يديه بيني وبينَهُ يكرِّر: الله الله! حتى استلقى على قفاه، وتكلَّم كلامًا يُعرِبُ عن تَضَجُّرٍ بلهجته المحليَّة. ولم يُورِد سؤالًا بعدها حتىَّ سافر إلى بلده، لكنَّني رجوتُ أنْ يكون رجعَ عن هذا المذهب؛ لأنَّني سمعتُهُ بعد ذلك يذكُرني لبعض أهل قرابتي، ويصفُني بصحَّة العقيدة فتفاءلتُ له خيرًا. والحاصل أنَّه لولا فضل الله علينا بلقاء الشَّيخ محمَّد الأمين بن

стр. 312

محمد المختار الجكني، وصحبتنا له ودراستنا عليه تفسير كتاب الله العزيز، وبعض المصنَّفات الفقهيَّة، والأصوليَّة، والعربية لهَلكنا مع الهالكين ولكنَّ الله سَلَّم، والحمد لله ربِّ العالمين، نرجو الله تعالى أنْ يتولَّى جزاءهُ عنَّا بما هو أهلُهُ إنَّهُ أهل التَّقوى وأهل المغفرة. ومعلومٌ أن الطَّور الثَّالث لأبي الحَسَن الأشعري هو الذي أَلَّفَ فيه "الإبانة في أصول الدِّيانة"، وألَّفَ كتابَهُ "مقالاتِ الإِسلاميين"، وفي هذا الطَّور الثَّالث سارَ الشَّيخُ أبو الحَسَنُ الأشعري مسارَ أهل السُّنَّةِ والجَماعَة. وهنا أنهيتُ ما رُمْتُ تقييدَهُ راجيًا أنْ يُقَيِّدَ كُلُّ تلاميذه ما يحضرهم من مجالسه، ومحاضراته، تعميمًا للفائدة؛ فقد بَثَّ عليه رحمةُ الله علمًا كثيرًا، أثابه الله، وجمعنا به في مستقرِّ رحمته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين، وكتَبَهُ جامعُهُ في تسعَ عشرةَ خلت من ذي القعدة الحرام سنة ١٤٢١ هـ. أحمد بن محمّد الأمين بن أحمد المختار الشنقيطي