﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: إذا رجعوا إلى أصحابهم وكان الموضع خاليًا من المؤمنين بأنْ كان الموجود فيه هم فيما بينهم ﴿قَالُوا﴾ يعني أصحابهم الذين لم ينافقوا منكرين على المنافقين، وموبِّخين لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾؛ أي: أتحدِّثون المؤمنين النبي ﷺ وأصحابه ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بما فَتَحَ عليكم علمه في التَّوراة بأن هذا هو النبي المنتظر، وأنَّ هذه صفاته، وأنَّها منطبقة، وأنَّه هو لا شك فيه، وأنكم مؤمنون به لما علمتم أنَّه هو النبي الموعودُ به المنتظر.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ بهذا الإقرار ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أنَّكم أقررتم بأنكم تعرفون أنَّه الحقُّ، وأن صفاته منطبقة على صفات النبي المنتظر، فإنَّ هذا يحاجونكم به يوم القيامة، أنكم عرفتم الحقَّ وتركتموه، وهذا يدلُّ على أنَّهم في غاية الجهل، لأنهم لو كتموا أليس اللهُ عالمًا بما في ضمائرهم، وما الفرق بين ما لو أقرُّوا بأنَّهم عرفوا الحقَّ وكتموه، أو كتموه ولم يقولوا، ولذا وبَّخهم اللهُ بقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
أيقولون مثلَ هذا ولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يُسرونَ وما يعلنون، يُسرُّون: فعل مضارع من الإسرار، ويعلنون: المضارع من الإعلان، والفعل إذا كان ماضيه على وزن أفعل تحذف همزته
стр. 247
في المضارع، واسم الفاعل، واسم المفعول بقياس مطَّردٍ، فالأصل يؤسرون ويؤعلنون إلَّا أنَّ حذف همزة أفعل مطَّردٌ في المضارع، واسم الفاعل، واسم المفعول كما عَقَدَهُ في الخلاصة بقوله:
وحَذْفُ هَمْزِ أَفعلَ استمرَّ في ... مضارعٍ وبنْيتي مُتَّصفِ
والمعنى أن إسرارهم وإعلانهم عند الله جلَّ وعلا سواءٌ؛ لأنَّ الله يعلم السِّرَّ وأخفى، والسرُّ عنده علانية ويعلم ما تخفيه الضَّمائر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وعلى هذا الذي قرَّرنا فمعنى ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني عَلَّمكم إيَّاه وأزال عنكم الحجاب دونه من العلم مما في التوراة.
وقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ أصله: ليحاجِجُوكم (يفاعلون) من المُحاجَجَة: يقتضي الطرفين، والحجة كلُّ ما أدلى به الخصم باطلًا كان أو حقا، بدليل قوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦].
وقال بعض العلماء: المراد بالفتح في هذه الآية الحكمُ، وذلك أنَّ النبي ﷺ لمَّا قال لهم يوم خيبر (١) ذكرَ لهم القردة، قال
стр. 248
بعضهم: ما علموا أن أوائلكم وقع فيهم المسخ إلا منكم بعضكم أخبرهم بهذا، وعلى هذا فالمراد ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ما حكَمَ اللهُ عليكم به من المسخ، والعرب تطلق الفتح على الحكم، وقد جاء في القرآن العظيم، ومنه على التحقيق: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، يعني إنْ تطلبوا الحكم من الله على الظالم بالهلاك: فقد جاءكم ذلك، وهلك الظالم أبو جهل وأصحابه.
ومن هذا المعنى قول الله جلَّ وعَلا حاكيًا عن شعيب:
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين، وهذه لغة حِمْيَرِيَّة يُسمُّون الحاكمَ فَتَّاحًا والحكمَ فُتاحة، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
ألا أبلغْ بني عمرو رسولًا ... بأنِّي عن فُتاحَتِكُمْ غنيُّ
أي: عن حكمكم غني، وهذا قيل به في الآية، ولكنَّه قولٌ مرجوحٌ غير ظاهر؛ والتحقيق إنْ شاء الله هو الأول، ثم إنَّهم قالوا لهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أتقولون قول مَنْ لا يعقل، فلا تعقلون أنَّه لا ينبغي لكم أنْ تخبروهم وتحدِّثوهم بما فتح الله عليكم من
стр. 249
علم التوراة، ممَّا خَفِي عليهم ليكون حجةً لهم عليكم عند الله يوم القيامة أنَّكم أقررتم بأنَّهم على حق وخالفتموهم ولم تتبعوهم.
ثم إن الله ذكر طائفةً ثالثةً، وهي الطائفة الجاهلة التي لا تدري، وإنما تسمع كلامًا فتقلد فيه تقليد الأعمى، قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، أي: طائفة جاهلية لا يكتبون الكتب، ولا يقرأون ما في الكتب لا يعلمون الكتاب الذي هو التَّوراة ولا غيره من الكتب.
وقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ فيه وجهان معلومان عند أهل التفسير؛ أحدهما: تبعدُهُ قرينةٌ في نفس الآية، أمَّا القولان المعروفان أنَّ المراد بالأماني هنا: جمعُ أمنية بمعنى القراءة، والعرب تطلق الأمنية على القراءة، وهو معنى معروفٌ في كلام العرب، تقول العرب: تمنَّى إذا قرأ، ومنه قول حسَّان:
تمنَّى كتابَ اللَّهِ آخرَ ليلهِ ... تَمَنَّيَ داودَ الزَّبورَ على رسْلِ
وقول كعب بن مالك أو حَسَّان:
تمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلةٍ ... وآخرَها لاقى حِمامَ المقادرِ
فمعنى تمنَّى قرأ، وعلى هذا فالاستثناء متصلٌ، وتقرير المعنى: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءةَ ألفاظٍ ليس معها تفهُّمٌ وتدبُّرٌ لما
стр. 250
تحويه الألفاظ من المعاني، ومَنْ لم يكن عنده من علم الكتاب إلا قراءة الألفاظ، لا يفهم ما تحتها من المعاني فهو جاهلٌ لا علم عنده، هذا وجهٌ في الآية وهو الذي قلنا إن في الآية قرينةً تبعده؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّهم يقرأون التوراة قراءةَ ألفاظ لا يعلمون ما تحتها من المعاني والعبر، وقوله في أوّل الآية: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم لا يقرأون فكأن حَمْل التمني على القراءة فيه شِبْهُ تناقض مع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
الوجه الثاني في الآية: أنَّ الاستثناء منقطعٌ، وأن الأماني جمعُ أمنية، وهي الأمنية المعروفة وهي أنْ يتمنَّى الإنسان حصولَ ما ليس بحاصل، وعلى هذا القول فتقريرُ المعنى: لا يعلمون الكتاب، لكنْ يتمنَّونَ أمانيَ باطلةً صادرةً عن جَهْل لا مبدأ لها من علم بأنْ يقولوا: ما عليه محمدٌ وأصحابه ليس بحق، ونحن أبناء الله وأحبَّاؤه، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، والدَّليل على أنَّ هذا من أمانيهم الباطلة وأن خير ما يفسَّر به القرآنُ القرآنُ قولُهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، فصَرَّح جلَّ وعلا بأن أمانيَّهم، من هذا القبيل، كما قال جلَّ وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
стр. 251
وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وهذان الوجهان في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ إن: هي النَّافية، والمعنى ما هم إلا يظنون؛ يسمعون عند علمائهم قولًا فيقولونه تقليدًا وظنًّا وجهلًا.
والظنُّ قد قَدَّمنا أنَّه يُطلق إطلاقين، يُطلق على الشَّك وهو المراد هنا، وهو المراد في قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وقول النبي ﷺ : "إيّاكم والظنَّ فإن الظَّن أكذبُ الحديث"، ومنه قوله عن الكفَّار: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، واصطلاحُ الأصوليِّين: أنَّ الظنَّ لا يطلق على الشكِّ وأن الشك نصفُ الاعتقاد، والظنُّ عندهم جُلُّ الاعتقاد، وما بقي عن الظنِّ من الاعتقاد يسمّونه وَهْمًا، هذا اصطلاحٌ أصولي. أمَّا على اللُّغة العربية فإنّهم يطلقون اسم الظن على الشك.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وَيْلٌ: كلمة عذاب، وهو مصدرٌ لا فعل له من لفظه؛ معناه: هلاكٌ عظيمٌ هائلٌ كائن لهم، وقال بعض العلماء: وَيْلٌ: وادٍ في جهنَّم تستعيذ جهنم من حَرِّهِ ولو فرضنا
стр. 252
صحةَ هذا القول لكان راجعًا إلى الأول.
ولفظة (ويل) تتعدَّى بالَّلام، ولذا عَدَّاه به في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾، وهو مبتدأٌ خبرُهُ جملة للذين، وإنما سُوِّغَ الابتداء بهذه النكرة؛ لأنَّها مشمَّةٌ معنى الدُّعاء، وقد تقرّر في علم العربيَّة أن النَّكرة إذا كانتْ مشمَّةٌ معنى الدُّعاء بخير أو بشرِّ كان ذلك مُسوِّغا للابتداء بها، ومثالُهُ في الدُّعاء بالخير: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩]، سلامٌ عليكم مبتدأٌ سَوِّغَ الابتداءً به أنَّهُ في مَعْرِض الدُّعاء، والدُّعاء في الشَّرِّ كقوله هنا: فويل؛ أي: هلاكٌ عظيمٌ لا خلاص منه للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وهؤلاء اليهود -قبَّحهم الله- كانوا يأخذون أوراقًا وقراطيس ينقلون فيها من التَّوراة، يقولون مثلًا في المحل الفلاني من التَّوراة كذا، وكذا، ويكتبون أمورًا باطلة ليست في كتاب الله كما يأتي في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وهذا الذي يكتبونَهُ بأيديهم في هذه القراطيس كذبٌ مختلَقٌ على الله جلَّ وعلا، وهذا الاختلاقُ والتحريف إنّما فعلوه ليتعوَّضوا به عَرَضًا من عَرَضِ الدُّنيا، ذلك أنَّهم لو أخبروا بالواقع لآمنَ كلُّ الناس فيكونون تَبَعًا لا متبوعين، وضاعت عليهم رئاسةُ الدِّين والأموال التي كانوا يأخذونها عن
стр. 253
طريق الرئاسة الدِّينية، فصاروا يكتبون أمورًا مُحَرَّفةَ مزَوَّرَةٌ، منها تغييرُ صفات رسول الله ﷺ وغير ذلك، فقال الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يكتبون الكتاب في تلك القراطيس بأيديهم.
وقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا نوعٌ من التأكيد جرى على ألسنةِ العرب، ونَزَل به القرآن؛ لأنَّه بلسان عربي مبين، نحو: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومعلومٌ أنَّه لا يطير إلا بجناحيه، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ومعروفٌ أنَّهم إنَّما يقولون بأفواههم.
﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ -هذه- كلامٌ يَدُلُ على الاستبعاد؛ لأن الكتاب إذا كان مختلقًا على الله يبعد كلَّ البُعْد أنْ يقول الإنسان إنَّه من عند الله، ثم بَيَّن علةَ افترائهم وتزويرهم، ودعواهم أنَّ الكتاب من عند الله، وهو ليس من عند الله، بيَّنَ علة ذلك، والعلَّةَ الغائيةَ المقصودة عندهم بقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الاشتراء في لغة العرب: الاستبدال، فكلُّ شيء استبدلته بشيءٍ فقد اشتريته، ومن هذا المعنى قول علقمة بن عَبَدة التَّميمي:
والحَمْدُ لا يُشترى إلا لهُ ثَمَنٌ ... ممّا تضنُّ بهِ النُّفوسُ معلومُ
стр. 254
وقول الراجز:
بُدِّلت بالجمَّةِ راسًا أَزْعَرا ... وبالثَّنايا الواضحاتِ الدَّرْدَرا
كلما اشترى المسلمُ إذ تَنَصَّرا ... . . . . . .
- أي: كما استبدل.
والثمن: تطلقهُ العرب على كلِّ عِوَض مبذول في شيء تُسمِّيه العرب ثمنًا، ومنه بيت علقمة المذكور آنفًا في قوله: والحمد لا يُشترى إلا لهُ ثمنٌ، وقول عُمَر بن أبي ربيعة:
إنْ كنتَ حاولتَ دُنيًا أو أقمتَ لها ... ماذا أخذتَ بتركِ الحَج منْ ثَمَنِ
ومعنى الآية الكريمة: أنَهم يغيِّرون كلامَ الله ويكتبون على الله ما لم يقل، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]؛ لأجل أنْ يَعْتاضوا بذلك ثمنًا قليلًا من عَرَضِ الدُّنيا، وهو ما ينالونه من المال على رئاستهم الدِّينية، ثم إنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فهلاكٌ عظيمٌ لا خلاص منه كائنٌ لهم مبدؤُهُ وسببُهُ مما كتبت أيديهم مزوَّرًا على اللَّه أنه من عند الله، وليس من عند الله، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: من الرِّشا والأَموال عِوَضًا عن ذلك التَّزوير والافتراء على ربِّ السماوات والأرض، وهذا
стр. 255
غايةُ التَّهديد والوعيد العظيم حيث قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: من المال عوضًا عن ذلك، وهذا هو معنى قوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
انتهى ما سُجِّلَ بصوتِ شيخنا، وأخبرني ولدُهُ الشَّيخُ مُحمَّد المختار أنَّهُ سُجِّلَ ببيته، ونقلتُهُ من صوتِهِ عليه رحمةُ الله وأولاه المثوبة.
وكتبَهُ:
أحمد بن محمَّد الأمين بن أحمد المختار
стр. 256
وبعدَ وفاة الشَّيخ
وبعد وفاة شيخنا عليه رحمةُ الله في ذي الحجَّة ١٣٩٣ هـ ظهر في مجلة التَّضامن الإسلامي عدد رجب وشعبان سنة ١٣٩٤ هـ مقالٌ لفضيلة الشَّيخ أحمد محمَّد جمال يردُّ فيه على كتاب -فضيلة الشَّيخ- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
وهو كتاب أبدع الشَّيخُ -عليه رحمةُ الله- فيه على صغر حجمه في الجَمْعِ بين الآيات القرآنية التي يتوهَّم غيرُ المطلع كلَّ الاطلاع في التَّفسير أنَّ بينها تعارضًا، ومعلومٌ أنَّه لا يمكن تعارضه، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، إلا أنَّ طالب العلم البسيط إذا سمع قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]، ويسمع قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، أو يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
فإنَّ طالب العلم الذي لم يكن مطَّلعًا على مسائل التَّفسير قد
стр. 257
يحتاج إلى مَنْ يُبَيِّنُ له وجه الجمع بين الآيات، وهو عالم أنْ لا تعارض بينها ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فيرشده مثلًا إلى أن عَرَصات القيامة مواقف، منها ما لشدَّة الهول فيه لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، وبعض هذه المواقف يُسأل بعض المجرمين فيه عن ذنوبهم للتبكيت والتقريع.
وأن الهُدى المنفي عنه ﷺ هو الهُدى الخاصُّ بالله تعالى، وهو التوفيق، يعطيه مَنْ شاء فضلًا، ويمنعهُ من شاء عدلًا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأن الهُدى المثبَت له هو إبانة طريق الخير، وإبانة طريق الشَّرِّ، وقد فعل ﵊؛ لقد ترك طريق الخير ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ولقد تتبَّع الشَّيخُ في هذا الكتاب سورَ القرآن سورةً سورة،؛ مبينًا وجه الجَمْع بين ذلك النوع من الآيات بيانًا شافيًا يَثْلَجُ له صدرُ طالب العلم، ولقد جادَتْ قريحتي آنذاك -ولستُ بشاعر- بأبياتٍ من الكامل قَرَّظْتُ بها هذا الكتاب، وهي هذه:
درٌّ تَناثَرَ يَهْتَدي الأَعْمى بِهِ ... دَفْعُ الإِيهامِ عن الهُدَى وكتابِهِ
عِقْدٌ تَنظَّمَ من أَوابدِ جَوْهَرٍ ... جَمَعَتْ جميعَ شَوارِدِ المتَشابِهِ
стр. 258
للهِ دَرُّ سَمَيدَعٍ عَلَّامَةٍ ... فَهْوَ الْعَميقُ تَبَحُّرًا أَنْ جا بِهِ
سَلِسَ الْعِبارَةِ واضحًا مُتَناسقًا ... سَهْلَ التعَقُّلِ للَّبيبِ النَّابِهِ
تَرتيبُهُ يُنْبِيكَ عن إحكامِهِ ... في حَالةٍ الإيجازِ مَعْ إطنابِهِ
تاهَتْ قَرِيحةُ ماَجد سَمَحَتْ بِهِ ... والجَهْلُ قَدْ غَطَّى الوَرَى بِسَحابِهِ
مِنْ غَيرِ سَبْقِ مُماثِلِ فيما مَضَى ... خَصَّ الكتابَ بسِرِّهِ الأَدرى بِهِ
مِنْ مَعْشَرٍ حَلُّ العَوِيصِ تُراثُهُمْ ... وَرِثُوا المَكارِمَ نابِهًا عنْ نابِهِ
فَهُمُ الكُماةُ هَمُ الهُداةُ هُمُ القُضا ... ةُ الحاكمونَ بِما يكونُ ببابِهِ
دامَتْ فضيلَةُ ذا المسيحِ لميِّتِ الْـ ... عِلْمِ السَّنِي وعَليلِهِ ومُصاَبِهِ
وأَثابَهُ التوفيقَ في أَعْمالِهِ ... وكذا رضىً يومَ الجَزًا وحِساَبِهِ
ثُم الصَّلاةُ على النَّبيِّ مُحَمَّدٍ ... وعلى الأُلى شَرُفُوا بوَسْمِ صِحَابِهِ
وبعد أنْ ودَّعْنا شيخَنا إلى رحمة الله؛ مسلِّمين لقدر الله؛ راجين له أن يعمَّه اللَّه بفائض رحمته، وأَنْ يجمعنا به في مستقرِّ رحمته، ويغمرنا نحن طلبته الذين لازمناه ردحًا من الزَّمن، وتعوَّدنا سماع عباراته وبيانها الماذي، ونأسف على أنَّنا ما بقينا نرضى عن عبارات وبيانات من عالِمٍ كائنًا منْ يكون بعد عباراته وبياناته، وأعتقد أن زملائي من طلبته يصدقونني في ذلك، واللَّه المستعان، وهو خَلَفٌ من كل شيءٍ، هو حسبُنا ونعم الوكيل.
стр. 259
وبعدما مضتْ ثمانية أشهر على وفاة شيخنا فاجأتنا مجلَّةُ التَّضامن الإسلامي في عَدَديْ رجب وشعبان ١٣٩٤ هـ بمقالٍ لفضيلة الشَّيخ أحمد محمَّد جمال يردُّ به على كتاب دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وعلى كتاب العزِّ بن عبد السلام المسمَّى المفيد في مشكل القرآن.
فرأيتُ من واجبي وعملا بقول مَنْ يقول: "وعند اهْتِضاَمِ الشَّيخِ يُسْتَقْبحُ الصَّبْرُ" رأيتُ أنْ أرُدَّ على الشَّيخ أحمد جمال، فنشرتْ لي جريدة المدينة في عَدَدِها [٣١٨٥]، بتاريخ ٤ رمضان ١٣٩٤ هـ مقالًا بعنوان: (بين المرحوم الشَّيخ الشَّنقيطي والأستاذ أحمد جمال)، هذا نصُّهُ:
"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] صدق الله العظيم.
الحمدُ لله الذي عَلّم بالقلم، عَلَّم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الأميِّ القائل: "المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثَوبَيْ زُور"، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتَّبَعهم إلى يوم الدِّين، وبعدُ؛ فقد نَشَرَتْ مجلَّةُ التضامن الإسلامي في عَدَدَي رجب وشعبان مقالًا بعنوان: دفع توهُّم الاضطراب عن آي الكتاب للأستاذ أحمد محمَّد جمال.
стр. 260
والمقالُ في ظاهره ردُّ على كتاب ألَّفَهُ المرحوم العلامة الشَّيخ محمَّد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.
ولقد قال أحمد جمال في العلامة المرحوم مديحًا لا يزيدُه قليلًا ولا كثيرًا فوق ما وَصَلَ إليه في حياته الحافلة بتكريس جهوده للعلوم القرآنية مُدَرِّسًا بالجامعة الإسلامية، ومحاضرًا كلَّ عامٍ في هذه الأيام المباركة (رمضان) في حَصْوة الحرم المدني الشَّريف في القرآن الكريم وآي الأحكام، في دروسٍ يجتمع لسماعها من طلاَّب العلم الكثير والكثير.
واللَّهُ وحدَهُ يِعلم ما الذي دفع الأستاذ أحمد جمال بعد ثمانية أشهر من وفاة الشَّيخ (﵀) في مكة المكرَّمة ليكتبَ مقالًا لا نخرج من الاستنتاج منه إلَّا أن الشَّيخ (﵀) رأى في القرآن الكريم -أعوذ بالله- توهُّمًا واضطرابًا.
وهناك حقائق يحتاج الأستاذ أحمد محمَّد جمال إلى معرفتها، وأولُ هذه الحقائق أن ما توهمه مقالاتٍ نَشَرها الشَّيخ الشَّنقيطي في مجلَّة الجامعة الإسلامية لم يكن كذلك!! .. إذ إنَّ تلك المقالات هي صفحات من كتاب ألَّفه الشَّيخ الشَّنقيطي قبل تسعة عشر عامًا بالتَّمام
стр. 261
والكمال في الرِّياض عام ١٣٧٥ هـ لطلاب تفسير القرآن.
فإذا كان أحمد جمال من المهتمِّينَ بعلوم القرآن، فإنَّهُ من المحزن أن لا يكون عَرَف عن هذا الكتاب إلا بعد تسعة عشر عامًا، وأن يتأخر ردُّهُ عليه إلى بعد وفاة مؤلِّفه الشَّيخ الشَّنقيطي عليه رحمةُ الله.
ولا نظن الأستاذ أحمد جمال تصوَّر نفسه كما يقول الرَّاجز:
خلا لَكِ الجوُّ فبيضي واصْفِري ... ونَقِّري ما شئتِ أَنْ تُنَقِّري
ولا تعنينا نواياهُ كثيرًا ولا أهدافه، فكل الذي يعنينا أن الأستاذ أحمد جمال نَصَّبَ من نفسه مُصحِّحًا لما يمكن أن تكون أخطاءً تصوَّرها من الاستنتاج والاستخراج، توصَّل إليها الشَّيخ الشَّنقيطي في دفاعه المجيد عن القرآن الكريم!!
وإذا كان الأستاذ أحمد جمال اتَّخذ لنفسه ذلك المسار، فلا شكَّ في كونِه ارتقى مرتقىً صعبًا.
ونحن نظلمُ المرحوم الشَّيخ الشَّنقيطي لَوْ حاولنا أَنْ نجد أيَّ علاقة بينه وبين الأستاذ أحمد جمال في مَبْلَغِ ما بلغاهُ من علوم القرآن واللُّغة، وأظن أنَّ الأستاذ أحمد جمال لا يرضى لنفسه مع الشَّيخ وضعًا غير وَضْعِ التَّلميذ، يتلقَّى من أستاذِهِ حذْقَ صناعةِ فَهْم القرآن؛ مستفيدًا ذلك من تضلُّع الشَّيخ الشنقيطي ﵀ في علوم
стр. 262
اللُّغة والبلاغة والأصول، وهذه بعض أسلحة فهم القرآن، وتفهيمه، وتفهُّمه، وإيضاحه، وتوضيحه.
وما كتبه الأستاذ أحمد جمال فيه غلطاتٌ كثيرة قد يُمِلُّ القارئَ تتبُّعُها، ولكنْ سنختار نماذج من هذه الأغلاط في اللُّغة والتفسير والأصول.
يقول الأستاذ أحمد جَمال في فقرةٍ من مقاله: "قلتُ: لا حاجة إلى هذا التَّحليل والتعليل الكثير، لأنَّ العطف لا يقتضي المغايرة دائمًا، فقد يكون عطفَ بيان".
ومن المؤكَّد أنَّ المقرَّر في فن المعاني من البلاغة في باب الفَصْل والوَصل، أنَّ العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأنَّ الشيء لا يمكن بحال من الأحوال أن يُعطَف على نفسه.
قال الخطيب القزويني في ص ١١١ من الإيضاح بالحرف الواحد: "فإنْ كان بين الجملتين كمال الانقطاع، وليس في الفصل إيهامُ خلافِ المقصود كما سيأتي، أو كمال الاتِّصال، أو كانت الثَّانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، أو بمنزلة المتَّصلة بها، فكذلك يتعين الفَصْل. . . . أمَّا الصُّورة الأولى: فلأنَّ الواو للجمع، والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبةً بينهما كما مَرَّ، وأمَّا
стр. 263
الثّانية: فلأنَّ العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه مع أنَّ العطفَ يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"، انتهى منه بلفظه.
وقال السُّيوطي في شرحه على نظم عقود الجمان جـ ١ / ص ٢٠٧ من المرشدي، والسُّيوطي في الهامش، قال ما نصُّه: "الحال الثّاني كمال الاتِّصال، بأن تكون الثَّانية مؤكَّدة للأولى، أو بدلًا منها، أو عطف بيان، وإنما وجب الفَصْل فيها لكونها توابع، والتَّابع عَيْنُ المتبوع، والعطف يقتضي المغايرة" اهـ منه.
وقال المرشدي على عقود الجمان (١) ما نصُّهُ: "أمّا كمال الاتَّصال بين الجملتين فيكون لأمور ثلاثة، أحدها: التَّوكيد، والثَّاني: البدل، والثَّالث: البيان، وأمَّا النَّعت فلم يتميَّز عن عطف البيان إلا بأنّه يدلُّ على بعض أحوال المتبوع لا عليه والبيان بالعكس، وهذا المعنى لا تحقّق له بالجمل التي لم تنزل الثانية من الأولى بمنزلة النَّعت بالمنعوت، فلم يتأتَّ فيها أن تكون نعتًا للأولى، وإنّما وجب الفصل فيها لكونها توابع، والتابع عين المتبوع في الماصَدَق وإن كان غيره في المفهوم، والوَصْل الذي هو العطف يقتضي المغايرة" اهـ منه.
стр. 264
وإذًا، فهناك فِعلًا حاجةٌ إلى تحليلٍ وتعليلٍ كثيرَيْنِ؛ لأن العطف يقتضي المغايرة كما يقوله فطاحلة اللغة العربية، وهم الذين نعتمد عليهم، وليس الأستاذ أحمد جمال في وضع ينازعُ هؤلاء مكانتَهم بغيرِ دليل من قرآن أو سنَّة أو لغة، أو ينسف ما ذهبوا إليه من غير حجَّة.
إنَّ الأستاذ أحمد جمال فيما ذهب إليه كان يحاول الردَّ على شيخنا في كتابه دفع إيهام الاضطراب، في محاولة الشَّيخ الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١]، وبين ما جاء في آيات أُخَر مِمَّا يوهمُ أنَّ أهل الكتاب ليسوا مشركين، مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، وأمثالها من الآيات مما جاء فيه لفظ المشركين معطوفًا على أهل الكتاب.
قال شيخُنا في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، صفحة ١٢٨: "والذي يظهر لمقيِّدهِ -عفا اللَّه عنه- أنَّ وجه الجمع بين الآيات أنَّ الشركَ الأكبر المقتضي للخروج عن الملة أنواع، وأنَّ أهل الكتاب متَّصفون ببعضها، وغير متَّصفين ببعض آخر منها.
стр. 265
أما البعض الذي هم غير متَّصفين به فهو ما اتَّصف به كفَّار قريش من عبادة الأوثان، وهذه المغايرة هي التي سوَّغَت العطف، فلا ينافي أنْ يكون أهل الكتاب متَّصفين بنوعٍ آخر من أنواع الشَّرك الأكبر، وهو طاعة الشَّيطان والأَحْبار. . . إلخ.
وقال شيخنا في معرض قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ [يونس: ٨٨]: "إنَّ الله ذكر في هذه الآية أنَّ هذا دعاء موسى، ولم يذكر معه أحدًا، فيشكل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].
قال شيخنا: "والجواب هو أن موسى لمَّا دعا أمَّن هارون على دعائه، والمؤمِّنْ أَحَدُ الدَّاعيَيْن، وهذا الجَمْع نقله ابنُ كثير عن أبي العالية، وأبي صالح، وعكرمة، ومحمد ابن كعب القرظي، والرَّبيع بن أنس" اهـ.
والأستاذ أحمد جمال لا يعجبه هذا الجمع، ويعلِّل بأنَّه لا حاجة إلى الجمع بين الآيتين؛ وقال الأستاذ أحمد جمال مبرهنًا على أن هذا أسلوبٌ من أساليب العرب معروف فلا يحتاج إلى تبيين، حتَّى استدلَّ على ذلك بقوله تعالى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ الآية [طه: ١١٧]، على أن شمول الآية التي ذكر فيها موسى وحده ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾
стр. 266
لهارون، هو عَيْنُ شمول قوله تعالى: ﴿فَتَشْقَى﴾ لحواء.
ونحن نقول: إن بين الآيتين بونًا كبيرًا، فإن علاقة هارون بموسى علاقةٌ تبعد كلَّ البعد عن علاقة آدم بحواء.
فهارون وموسى رجلان أخوان اشتركا في الرِّسالة، وليس بينهما علاقة أخصّ من ذلك تشبه ما بين آدم وحواء.
وإنَّ مدلول قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ هو: فلا تقبلا منه فيكون سببًا لخروجكما من الجنَّة فتشقى يعني أنت وزوجك، وخصَّهُ بالخطاب لأنه هو العائل لها، وإنما خصَّه بذكر الشَّقاء ولم يقل فتشقيان لعلمنا أنَّ نفقة الزوجة هي على زوجها.
فإذا علمنا أن المغايرة بين علاقة هارون وموسى، وعلاقة آدم وحواء موجودة، فليس هنا ما يجعل من الجمع بين الآيتين أمرًا غير وجيه، راجع تفسير القرطبي جـ ٨/ ص ٣٧٥، وراجع تفسير أبي حيَّان المجلد الرَّابع عند هذه الآية، وراجع تفسير الشَّوكاني عند قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الآية [يونس: ٨٩].
وبذلك يتبيَّن لك وللقارئ أنَّ شيخنا -عليه رحمةُ اللَّه- فيما ذهب إليه كان يستند على أجلَّة العلماء والمفسِّرين، فما الذي يستند عليه الأستاذ أحمد جمال؟؟.
стр. 267
ومضى أحمد جمال يُقرِّر: لا نسخ في النّفرة ولا نسخ في العدد قائلًا: "والذي أفهمه من الآيتين وهما متتاليتان من سورة الأنفال، مترابطتان لفظًا ومعنىً، ولا نسخ في الآية الأولى بل هناك تفريق وتمييزٌ بين حالتين. . . ." -إلخ كلامه بشأن آيات المصابرة من سورة الأنفال-.
فما هو رأي الأستاذ أحمد جمال فيما قاله طائفةٌ من المفسِّرين الذين يؤيدون ما ذهب إليه شيخنا ﵀؟؟.
أأذكر قول أبي حيان في البحر المحيط في أنَّ آية المصابرة باثنين ناسخة للمصابرة بعشرة جـ ٤/ ص ٥١٦ عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
قال أبو حيَّان: "الجملتان شرطيتان، فيهما الأمر بصبر عشرين للمائتين وبصبر مائة للألف، ولذلك دخلهما النَّسخ إذ لو كان خبرًا لم يكن فيه النَّسخ، وهذا من ذلك، ولذلك نسخ بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، الآية اهـ منه.
وفي القرطبي ما نصُّهُ: "وروى أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فشَقَّ ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرَّ واحدٌ عن عشرة، ثم إنَّه
стр. 268
جاء التَّخفيف، فقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية وقال ابن العربي: "قال قومٌ: كان هذا يوم بَدْر ونُسِخَ. . . . إلى أنْ قال: وذكر القاضي ابن الطيب أنَّ الحكم إذا نُسخ بعضُه أو بعضُ أوصافه أو غُيِّرَ عدَدُهُ فجائزٌ أنْ يُقال: إنهُ نُسِخَ؛ لأنهُ حينئذٍ ليس بالأَوَّل بل هو غيره.
وفيما يلي ما قاله بعض المفسرين في تناسخ الآيتين الأُخرَيَيْن: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]، مع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١].
قال القرطبي: "اختُلفَ في هذه الآية، فقيل: إنّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية [التوبة: ٩١]، وقيل: النَّاسخ لها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢].
وقال القرطبي أيضًا: "قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، فيه أنَّ الجهاد ليس على الأعيان، وأنه فرضُ كفاية كما تقدَّم إذ لو نَفَر الكُّل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريقٌ منهم للجهاد، وليقم فريقٌ يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، حتَّى إذا عاد النَّافرون عَلَّمهم المقيمون ما تعلموا من أحكام الشَّرع، وما تجدد نزوله على النبيِّ
стр. 269
- ﷺ ، وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩]، وللآية قبلها على قول مجاهد وابن زيد".
ثم قال: "الثانية: هذه الآيةُ أصلٌ في طلب العلم؛ لأنَّ المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا والنبي ﷺ مقيمٌ فيتركوه وحده، فلولا نفر -بعد أَنْ عرفوا أَنَّ النَّفير لا يسعهم جميعًا- من كل فرقة طائفة، وتبقى بقيَّتُها مع النبى ﷺ ليحملوا عنه الدِّين ويتفقهوا. . . .
هذا هو التَّحقيق في تفسير الآية؛ أي: جعْلها في الجهاد وطلب العلم معًا، فكيف يخصِّصها أحمد جمال بالعلم فقط؟؟
والأستاذ أحمد جمال يستدلُّ على عدم النسخ بأن الآيتين متتاليتان، وكأنَّه لم ير قط آيتين في صفحة واحدة إحداهما ناسخة للأخرى؛ فهذه آية الصَّوم وإلزامه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٤]، وهذه آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ناسخة لآية الاعتداد بالحول، والمنسوخة بعد النَّاسخة في ترتيب المصحف.
وأتطرَّق أخيرًا إلى سقطاتِ الأستاذ أحمد جمال في مبادئ الأصول الفقهية. . . .
стр. 270
فقد قال: "أما الآيات الأخرى حول المصابرة فهي بيانٌ لأعذار المعتذرين بمرضٍ مقعدٍ أو ضعفٍ معجز. . . . إلى أَنْ قال: "فقد أمرنا بالوضوء من الماء وبالصلاة قيامًا، وليس معنى التَّرخيص بالقعود في الصلاة وبالتيمُّم لأصحاب الأعذار ناسخًا للأمر، وإنَّما هو استثناء لحالات الضَّرورة. . . ." إلخ.
وظاهرُ كلام الأستاذ أحمد جمال يتبيَّن منهُ أنَّه لا يعرف كيف يكون النَّسخ، وأنَّه لا يميِّز بين الرُّخصة والعزيمة.
ويمكن أن نحيله في هذا إلى مراقي السُّعود عند تعريف النَّسخ حيث يقول:
رفعٌ لحكمٍ أو بيانُ الزَّمن ... بمُحكمِ القرآنِ أو بالسُّننِ
ويمكنه أَنْ يقرأ ما قاله شيخُنا في شرح مراقي السُّعود حيث قال في السِّياق: "فخرج بقوله: (رفع لحكم) رفع البراءة الأصلية، وبقوله: (بخطاب شرعي) رفع الحكم بارتفاع محلِّه، أو بانتهاء غايته إن كان مغيًّا، وخرج بقوله: (متراخٍ عنه) ما يرفعه المخصِّص المتَّصل كالاستثناء من الأفراد المشمولة للحكم لولا الاستثناء".
ومن هنا يتبيَّن أنَّه لا مانع من النَّسخ بتاتًا، وأنَّ رفع البراءة الأصليَّة
стр. 271
ليس من النَّسخ في شئ، ومن هنا تدرك أيُّها القارئ أن استدلال أحمد جمال بفرض التيمُّم بعد أَنْ لم يكن مفروضًا رفعٌ للبراءة الأصليَّة، وهي الحالة الأصلية قبل نزول الحكم، وهي ما يعبِّر عنه الفقهاء باستصحاب العدم الأصلي، بل هو عزيمةٌ فُرِضَتْ برفع البراءة الأصليَّة.
والذي يريد أَنْ يعرف ما هي البَراءة الأصلية، عليه مراجعة شرح مراقي السُّعود لشيخنا عليه رحمةُ الله.
وما مَثَّل به الأستاذ أحمد جمال للاستدلال به على عدم النَّسخ إنما هو رُخْصَةٌ، أعني صلاة المريض جالسًا، وهناك فرقٌ بين العزيمة والرُّخصة.
والتَّفصيل في هذا يفيد بجلاء الموقف في التأكُّد أن استنتاجات الأستاذ أحمد جمال ليست صائبة، ويبدو أنَّ الأستاذ الفاضل تورَّط في أمور لا قبل له بها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله نسأل أَنْ يهدينا جميعنا للصَّواب إنّه سميع مجيب" اهـ.
وردَّ الأستاذ أحمد جمال على ما نشرناه - فى جريدة المدينة تعقيبًا
стр. 272
على ما كتبه في مجلَّة التَّضامن الإسلامي غير أن ردَّهُ ظهر في جريدة النَّدوة ليضمن عدم قبولها لأيِّ ردِّ على ما يكتبه فيها، وكان الردُّ منه بتاريخ ٩ رمضان سنة ١٣٩٤ هـ وفي عددها: [٤٧٥٠]، وهذا نصُّ ما كتبه عليه رحمةُ الله:
"قضيَّتنا الكبرى وموضوعنا الأساسي هو توهُّم الاضطراب في آيات الكتاب".
كتب أحمد أحمد الشَّنقيطي في جريدة المدينة مقالًا يردُّ فيه على ملاحظاتي التي نشرتُها في مجلة التَّضامن الإسلامي؛ حول مقالات فضيلة الشَّيخ محمَّد الأمين الشنقيطي في مجلة الجامعة الإسلامية تحت عنوان: (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، وثُلُثُ المقال هراءٌ، وبَذاءٌ، وطعنٌ شخصي بعيدٌ كلَّ البعد عن النَّقد الموضوعي، والحوار العلمي المؤدَّب! وسوف أضرب عنه الذِّكر صفحًا حرصًا على وقت القُرَّاء الثمين، وأبدأ مباشرةً في الردِّ الموضوعي مستعينًا بالله العزيز الحكيم، متأدبًا بأدب القرآن في قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥].
أولًا: إنَّ فضيلة الشَّيخ مُحمَّد الأمين ﵀ على عَيْني ورأسي،
стр. 273
وهو في مقام أساتذتي، وأنا في مقام تلامذته بطوعي واختياري لا رغمًا عني ولا إكراهًا لي كما توهَّم المعقِّب المتعصِّب.
ثانيًا: أنا لم أقرأ مقالاتِ فضيلته إلا في مجلَّة الجامعة الإسلامية، وكونها قد نُشرت في كتابٍ قبل تسعة عشر عامًا لا تأثير له في النَّقد أو التَّعقيب، وليس مفروضًا فيَّ أو في غيري من الكُتَّاب أو النُّقاد أن يقرأوا كلِّ ما صَدَرَ من الكتب والمؤلفات في العالم شَرْقه وغَرْبه، فهذا أمْرٌ فوق طاقة البَشَر، ولا يوجد بل لن يوجدَ الإنسانُ الذي يَزْعُم هو نفسه أو يَزعُم له المتعصِّبون أنَّهُ أعلمُ النَّاسِ وأفقه النَّاس، ولا يجوز بحال من الأحوال أَنْ يتطاول إلى مقامه متطاولٌ أو يلاحظ على مقاله ملاحظٌ كما زعم الأخ أحمد الشَّنقيطي! وكلُّ عالم أو فقيه يؤخذ من مقاله ويرد عليه إلا الأنبياء المعصومين، وحسبنا أدبُ القرآن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، و ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وأنا طالبُ علمٍ أبدأ من المَهْد إلى اللَّحد، وسواء قرأت مقالات الشَّيخ في الكتاب أم في المجلة، فالمهم هو ما لاحظتُهُ عليها: هل هو حقٌّ وصواب أم خطأ وباطل؟ فإنْ كانت الأولى فالحمد للَّه على ما وفَّق وأعان، وإنْ كانت الأخرى فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
стр. 274
ثالثًا: كنت قد كتبتُ مقالاتي قبل وفاة الشَّيخ ﵀ ثم بعثتها إلى مجلة الجامعة الإسلامية، لكن المجلَّة لم تنشرها.
رابعًا: إن الجوَّ ليس كما زعمه المعقِّب خاليًا، وليس هناك بَيْضٌ ولا صَفيرٌ ولا نَقْرٌ، فالعلماء موجودون في السُّعودية بل في العالم الإسلامي كله، وما كتبته نُشر في مجلَّة عالمية، وسوف يظهر في كتابي مع المفسِّرين والكتاب الطبعة الثَّانية قريبًا.
وإلى جوار ملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي ملاحظاتي على سلطان العلماء العز بن عبد السَّلام ﵀ في كتابه: المفيد في مشكل القرآن، إذ إنَّ موضوعهما واحد هو افتعال المشكلات والاضطرابات في نظم الآيات، ثم محاولة حل الإشكال، ودفع الاضطراب!!.
ابتعادُ المعقِّب عن الموضوع الأساسي:
وتعقيبُ الشَّيخ أحمد على طوله ابتعد عن الموضوع الأساسي لملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي، وهو (توهُّم الاضطراب في آيات الكتاب)، وقد قلتُ في فاتحة تعليقاتي إنَّني أثبتها هنا لعل فيها ما يُعين على فهم كتاب الله، دون توهم للاضطراب أو ظنٍّ للاستشكال؛ لأنَّ الله يكرَّر في القرآن أنَّه جاء بلسان
стр. 275
عربيٍّ مبين، وأنَّه لا اختلاف في ألفاظه، ولا تناقض في أهدافه، ولا اضطراب في معانيه كما قلتُ في المقدمة: "لو أنَّا ربطنا بين الآيات ذات الموضوع الواحد والقضيَّة الواحدة، ولو كانت موزَّعةً على سُوَرٍ متعدِّدة لما اختلفتْ معانيها ومقاصدها، ولما توهَّمَ متوهِّمٌ اضطرابًا أو تناقضًا فيها".
وقلتُ في الخاتمة: "إنَّ الشَّيخ توهَّم التَّناقض والاختلاف بين بعض ألفاظ القرآن ومعانيه، وحاول دفعها بما هو موجودٌ في الآيات نفسها، أو بما هو معروفٌ ومعلومٌ من قواعد اللُّغة العربية، ومبادئ بلاغتها، وكلام العرب الفصحاء منْ نَثْرٍ وشعر".
كما قلتُ في الخاتمة أيضًا: "لقد كنتُ أَوَدُّ أنَّ الشَّيخ -عفا اللهُ عنه- قد وَجَد أمامه زعمات لأشخاص معادين للقرآن، أو جاهلين لفصاحته وبلاغته عن اضطراب أو إشكال في آيات القرآن، فرَدَّ عليهم، وأوضح لهم ما غمض عليهم، أو كَذَّبَ ما افتروه على القرآن، إذًا لكان له عذرٌ، بل لكان له شكرٌ على دفاعه عن القرآن، أمَّا أنْ يتوهَّمَ هو أو يفتعل الاضطراب في آيات الكتاب، وبالتَّالي يتوهَّمها للمعادين له أو الجاهلين به؛ فهذا ما استنكرتُهُ وما خفتُ عواقبهُ السَّيئة على عقولِ قُرَّاءِ هذه المقالات من الشَّباب، والطلاب، وضِعاف الإيمان، وقليلي البحث في علوم القرآن ومجالات فهمه وتفسيره.
стр. 276
هذا هو أساس تعليقاتي على مقالات الشَّيخ الشَّنقيطي قبل وفاته ﵀، وهو نفسُ أساس ملاحظاتي على كتاب العزِّ بن عبد السلام (المفيد في مشكل القرآن)، فأنا كدارس للقرآن، وباحثٍ في علومه خلال ثلاثين عامًا، ومؤلفٍ فيه سلسلة: (على مائدة القرآن) قبل أكثر من عشر سنوات، أنا طالب العلم، والباحثُ عن الحقيقة!! أرى أنَّهُ لا اضطراب ولا إشكال في القرآن، وأنَّه جاء بلسانٍ عربي مبين كما أنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلْفَهْمِ والتفهيم".
стр. 277
الموضوعات التي حاوَرْتُ الشَّيخ حولها
والشِّيخ أحمد كما ابتعد عن أساس ملاحظاتي لم يُورد عباراتي واستدلالاتي كاملةً في قضية النَّسخ، ولا في قضية واو العطف، ولا في موضوع دعاء موسى وهارون.
وإنَّما أشار إليها ثَّم ردَّ عليها بما يَحْلو له، وكان عليه أَنْ يورد النَّصَّ كاملًا بحججه واستدلالاته ثَم يعقب عليه؛ ليميِّز القارئ بين الخطأ والصَّواب، وبين الباطل والحق.
كما أن المعقِّب ذكر موضوعات جانبية، ولم يذكر القضايا المهمَّة التي رَدَدْت فيها على شَيخه ﵀، منها:
الاستثناء في المشيئة الإلهيَّة - مواقفُ الكفَّار يوم القيامة اختلافًا وتعددًا - قلوبُ المؤمنين بين الوَجَلِ والاطمِئنان - ليس الكفار كلُّهم يجحدون الآخرة - أهليَّة النَّسب، وأهليَّة الدِّين في قضية نوح وابنه - تأكيد الذم بما يشبه المدح في تعبيرات القرآن - الرُّسل لا يعلمون الغيب بإطلاق - المقابلة والمشاكلة في عبارات القرآن - التَّدَرُّج في تحريم الخَمر - حولَ قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]،
стр. 278
وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]- حولَ ما وَرَد في القرآن من أقسام التَّوكيد حول قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]- إلخ .. إلخ .. إلخ.
وفي كل هذه القضايا يقول الشَّيخ ﵀: "جاءت آياتٌ تدلُّ على خلاف ذلك، أو ذكر اللهُ ما يدل على خلاف ذلك، أو التنافي بين التركيبَيْن ظاهرٌ، أو هذه الآية توهم أن الإنسانَ ينكرُ أنَّ ربَّهُ خلقه، أو المنافاة بين وَجَلِ القُلوب والطمأنينة ظاهرة إلخ. إلخ. إلخ.
فالقضية الكبرى التي بيني وبين الشَّيخ الشَّنقيطي من جهةٍ، والعزِّ ابن عبد السلام من جهة أخرى: هي افتعالُ المشكلات، وتوهُّم الاضطراب في آيات الكتاب، ثم قياس القرآن الكريم على قواعد اللُّغة، والنَّحو، والصَّرف، والبلاغة، وكان الواجبُ قياس هذه القواعد على القرآن؛ لأنَّه الذروة في الفصاحة، والبلاغة، وسلامة العبارة، وسلامة التَّركيب؛ ولأن هذه القواعد اللُّغوية والبلاغية إنَّما وُضِعَتْ بعدَهُ وعلى أساس فصاحته وبلاغته اللَّتَيْنِ دونهما فصاحةُ الفُصَحاء، وبلاغَةُ البُلَغاء.
ولولا خشية الإطالة لأتيتُ بنموذجٍ أو نموذجين من أقوال الشَّيخ الشَّنقيطي ليرى القارئ سلامة موقفي وقُوَّة حُجَّتي في الرَّدِّ على
стр. 279
مفتعلي الإشكال، ومتوهِّمي الاضطراب في آيات الكتاب الحكيم، ولكن ملاحظاتي موجودة وميسَّرة كما قلتُ!! نَشَرَتْها مجلةُ التَّضامن الإسلامي، وسوف تظهرُ في كتابي مع المفسِّرين والكتاب قريبًا بإذن الله وعونه.
وأنا أُرَحِّبُ بأيِّ رَدٍّ، أو تعقيب، أو تَصحيحٍ علمى نزيهٍ، ذلك أنِّي -كَما أسلفتُ- طالبُ علم!! وناشدُ حَقِّ من المَهْدِ إلى اللَّحْدِ، كما أنِّي دائمًا متأدِّبٌ بآداب القرآن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وفي الوقت نفسه لا أعترف بالعصمة إلا للأنبياء، فكلُّ العلماء، والمفسِّرين، والمُحَدِّثين في القديم والحديث بَشَرٌ يؤخذ منهم وُيرَدُّ عليهم، كما لا أعرف التَّعَصُّب الذَّميم لأستاذٍ، أو شيخ، أو قريب، أو صديقٍ تأدُّبًا بأدب القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
واوُ العطْفِ ليستْ للمُغايَرَةِ دائمًا
وأنا مازلتُ عند رأيي أن وَاوَ العَطْفِ لا تقتضي المغايرة دائمًا، والآياتُ القرآنيةُ التي تَدُلُّ على ذلك كثيرةٌ منها: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾
стр. 280
[النور: ٢]، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣]، فالسَّارقةُ ليست غير السَّارق نفسًا وفعلًا وعقوبة، والزَّاني ليسَ غير الزَّانية نفسًا وفعلًا وعقوبةً، والنُّورُ والكتاب المبين شيء، وطاعة الرَّسول هي طاعة الله كما أكدتْها آيةٌ أخرى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وإنَّما جاءَ العَطفُ في هذه الآيات لبيان الجنس أو النوع كما أنَّ عطف الكتاب المبين على النُّور كانَ لأنَّ النُّورَ معنىً غيرُ ملموس ولا محسوس، فكان العطفُ للتَّنصيص أو التَّخصيص لئلا يجدَ الكفار حجَّةً لهم لإنكار النور، أمّا الكتَاب فلا يستطيعون إنكارَهُ، فالعطف إذًا لا يقتضي المغايرة دائمًا، ولو قال النُّحاة وقالوا، فالنُّحاةُ ليسوا حجةً على القرآن، بل القرآن حجةٌ عليهم، ثم هل اتَّفق النُّحاةُ على قاعدة واحدة في النَّواصبِ، والرَّوافع، والجوازم، والعواطف، والضمائر، والظَّواهر؟!
الإسراف في ادِّعاءِ النَّسخ
من الملاحَظ أن كثيرًا من المفسِّرينَ القُدامى وبعض المُحْدَثين قد أسرفوا في ادِّعاء النَّسخ لكثير من آيات القرآن، حتَى ذهبَ بعضهم إلى زَعْم النَّسخ للأخبار، وهذا باطلٌ بل كفر؛ لأنَّه يعني التَّكذيب
стр. 281
لأخبار القرآن، وأحيلُ القارئ إلى كتاب (مع المفسِّرين والكتاب) ففيه أبحاثٌ ودراساتٌ طوال حولَ هذه القضيَّة، قضيةِ الإسراف في ادِّعاءِ النَّسخ.
ووجهةُ نظري في ملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي ﵀ في قوله بنسخ هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لأن اللهَ -كما قال الشَّيخ- ذكَرَ ما يدلُّ على خلافِ ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أنَّهُ لا نسخ في الآية الأولى، بل هناك تفريقٌ وتمييزٌ بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان المؤمنون أقوياء فالواحد منهم يغلب عشرة من الكفار، والحالة الثانية: إذا كان المؤمنونَ ضعافًا فالواحد منهم يغلب اثنين من أعدائهم، وهذه ميزة المسلم بإيمانه على الكافر بكفره، إذا تساويا قوةً وسلاحًا.
ومثل هاتين الآيتين أو هذين الموقفين ما جاء في سورة آل عمران من الوعد أولًا بإمداد المسلمين بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، ثم الإمداد بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، فإنما هي حالات، أو مراحل، أو ظروف مختلفة، أو متتابعة، لأنَّ أمثال هذه المواقف وما نزل فيها من آيات ليس فيها تشريع أو حكم حتى يُقال بالنَّسخ للسَّابق باللاحق، بل هذه الآيات القرآنية أشبه بالأخبار والوعود التي لا يجوز عليها القول بالنَّسخ.
стр. 282
وإنَّما يقال إنها نافذةٌ وقائمةٌ وَفْقًا للأحوال والظُّروف، فإنْ كان المسلمون أقوياء فالعشرون منهم يغلبوا مائتين، وإن كانوا ضعفاء فالمائة منهم يغلبوا مائتين، وكذلك الوَعْدُ بإمدادهم بثلاثة آلاف من الملائكة أولًا، ثَّم جاءَ الوَعْدُ الثَّاني: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
ولقد ذَهَب بعض الباحثين في علوم القرآن والمتدَبِّرينَ لأحكامه وأخباره إلى أنه لا نَسْخ في القرآن إطلاقًا! وإنما هي أحكامٌ نزلت على مراحل وظروف متدرِّجة وفقًا لأحوال المسلمين، وحاجاتهم، وقدراتهم.
ومن أمثلة الإسراف في ادِّعاء النَّسخ قول الشَّيخ ﵀ إن هذه الآية: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، قال: إنَّها نُسِخَتْ بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، ووجْهَةُ نَظَري أنَّهُ لا نَسْخ في الآية الأولى؛ لأنَّها من قبيل الأخبار، ومعناها قائمٌ أبدًا، فثمراتُ النَّخيلِ والأعناب ما تزالُ إلى يوم القيامة يأكلها فريقٌ من النَّاسِ طعامًا أو فاكهةً حلالًا ورزقًا حَسَنًا، وفريقٌ آخر يتخذها خمرًا وسَكَرًا، فمضمونها حقيقةٌ
стр. 283
وواقعٌ لا يقبل النَّسخَ لأنَّها خبر لا يجوز عليه الإبطال.
ولو جارَيْنا الشَّيخ ﵀ ومَنْ يذهب مذهبه في الإسراف في ادِّعاء النسخ في آيات القرآن، لقلنا: إن آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، منسوخةٌ أيضًا بالآية الأخيرة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومعنى ذلك أنَّه يجوز للسكارى أن يقربوا الصَّلاة، وهو باطلٌ لا يقبل جَدَلًا.
ومن هنا لا أرى رأيَ الذين يتسرَّعون بالقول بالنَّسخ في آيات القرآن، وأقف هنا لأحيل القرَّاء والعلماء الفاقهين على ملاحظاتي، ليروا هَلْ أنا على صواب أم خطأ. . . . بعيدًا عن التَّعَصُّب الذميم، بعيدًا عن الهُراء والبَذاء، والطَّعن الشَّخصي ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والسَّلام على من اتَّبع الهُدى، ولا عصمة إلا لنبيٍّ.
أحمد مُحمَّد جَمال
стр. 284
الردُّ على ما نَشَّرتهُ جريدة النَّدوة بقلم الأستاذ أحمد محمَّد جَمال
لقد كنت أعددتُ ردًّا على كثير ممَّا نشرتْهُ جريدةُ النَّدوة بقلم الأستاذ أحمد محمَّد جمال تعقيبًا على ما نشرتْهُ جريدة المدينة ردًّا عليه، ولقد تركتُ الردَّ على بعض فقراتِ ممَّا كتبه لتناقضها ولما يلوح عليها من أن صاحبها لا يَعي ما يقول، وإنَّ نَبْرَةَ الهسْتيريا لتَلوحُ عليها لكلِّ ذي عَيْن.
ولقد قام بعض إخواني بحذف كل عبارة من مقالي يَرون أنَّها لا تصلح لِلُغة الصَّحافة اليوم، حتى إنَّه لم يبقَ مما كتبته إلا القليل.
ولقد جَلَبَ خصمُنا -عليه رحمة الله- بخيله ورجله ليقفلَ وسائل النَّشر بالمنطقة الغربيَّة أمامي، وفعلًا حَصَلَ له ذلك، وكيف لا؟! وهو من أثرياء مكة المكرَّمة، وأخوه صالح مُحمَّد جمال عضو المجلس البلدي بها؟!
فالتجأتُ إلى مجلَّة التَّضامن الإسلامي لأنها مجلة حكومية، وهي التي نشرتْ تعقيبه أولًا؛ فنشرتْ المقالَ متفاوتا وبعد اللَّتي واللتيا.
стр. 285
وهذا نَصُّ الردِّ وبالله التَّوفيق:
بين الشَّيخ الشَّنقيِطي والأستاذ أحمد مُحَمَّد جمال يكتبه أحمد بن أحمد الشنقيطي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦]. صدق الله العظيم.
الحمد لله الذي لا معقِّب لحكمه، ولا علم إلا ما هو مستمدٌّ من علمه، اللَّهم صلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّكَ محمَّدٍ الأمين القائل: "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرا يُفَقِّهْه في الدِّين"، وعلى آله وَصَحْبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد:
فإن الأخ الأستاذ أحمد محمَّد جمال قد نَشَرَ في جريدة النَّدوة يوم الأربعاء ٩ رمضان سنة ١٣٩٤ هـ تعقيبًا على تعقيبٍ كنتُ تابعتُ فيه تعليقاته على كتاب العلَّامة المرحوم شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي.