في سبيل الإصلاح
تأليف
علي الطنطاوي
دار المنارة للنشر والتوزيع
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم اجعل عملي هذا خالصاً لك، اللهم إني أسألك أن تنفع به، وأن تثيبني عليه، وصل اللهم على سيّدنا محمد معلّم الخير وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 4
مقدمة الطبعة الثالثة
بسم الله أقدم الطبعة الثالثة من كتاب (في سبيل الإصلاح) سائلا الله أن يجعل كل الكتب في سبيل الإصلاح، وفي طاعة الله وابتغاء ثوابه، لي وللناشر وللقراء أن ينفعهم به ويلهمهم دعوة صالحة يدعونها لي بظهر الغيب.
مكة المكرمة: غرة رمضان ١٤١٠
علي الطنطاوي
стр. 5
مقدمة الطبعة الثانية
السطور الأولى من هذه المقدمة كتبت في (مكتبة القدسي) في سوق الحميدية في دمشق، ووضعت في صدر الطبعة الأولى من رسائل (في سبيل الإصلاح) التي صدرت سنة ١٣٤٨هـ، وتتمتها أكتبها الآن في دار صهري -زوج بنتي- الأستاذ زياد الطباع في جدة سنة ١٤٠٧هـ، لأضعها في أول هذه الطبعة من كتابي (في سبيل الِإصلاح). وبينهما مدى واسع في المكان هو بُعد ما بين دمشق وتهامة الحجاز، وبينهما مدى في الزمان مقداره تسع وخمسون سنة.
زمان طويل طويل، تبدل فيه كل شيء يقبل التبديل: غاب العالم الذي عرف صباي وتبدلت معالمه ومضى أكثر أهله، الناس الذين كانوا هم ناسي، وكانوا أهلي وصحبتي، لم يبق في كل ألف منهم بضعة آحاد يعدون على الأصابع. فلا البلد اليوم هو البلد، ولا أهله هم الأهل، ولا العادات والأوضاع هي العادات والأوضاع، حتى لو أنَّ الله بعث جدي الشيخ أحمد الذي مات سنة ١٣٣٢هـ، لما عرف من دمشق إلا جامع التوبة والجامع الأموي وجبل قاسيون، حتى الجبل الذي خلَّفه عارياً أجرد، لن يميزه اليوم وقد لَبِس الشوارع والبيوت فسترت شعابه وغطت ترابه، بل لن يعرف في هذا الشيخ الذي جاوز الثمانين حفيده الذي تركه ولم يتعد الخمس السنين (١) ولوطنه بعث ووصف ما رآه وما أحسَّ به في كتاب، لجاء أطرف من (حديث عيسى بن هشام)، وقصة (حاجي بابا في انكلترا) التي نشر الزيات ترجمتها في مجلة (الرواية) من قديم.
стр. 6
لأن هذا التبدل الذي تمَّ في ثلاثة أرباع القرن التي عشتها لا يقع مثله في ثلاثة قرون.
والمجتمعات (تتطور) دائماً، ولكن (تطورها) إن أسرع يمشي مشية الخيل التي بالغ الشاعر مبالغة جاوزت حد المعقول حين وصفها فقال:
وأجل علم البرق عنها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون
فصارت هذه المبالغة حقيقة، وغير المعقول معقولاً واقعاً، وصرنا ونحن في مكة نسمع الخطيب يخطب في أميركا قبل أن يسمعه من هو قاعد أمامه في النادي، لا مجازاً بل حقيقة لأن الصوت يصل إلى من في النادي من طريق الهواء، ويبلغنا بالموجات الكهرطيسية (أي الكهربائية المغناطيسية)، ولو صرخ النذير من فوق الجبل يحذرنا طيارة معادية قادمة علينا لوصلت الطيارة قبل أن نسمع الصوت، لأنَّ من الطيارات ما هو أسرع من الصوت، وإذا كان الشاعر قد مدح بطلاً بأنه (ينظم فارسين بطعنة) أو أنه يقتل من الأعداء مئة في غارة، فلقد رأينا غارة من المتمدنين أهل الحضارة، تقتل مئة ألف في هيروشيما في لحظة واحدة، جلهم من غير المحاربين وإنما هم من الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين.
جدّ جديد في العلم لو خُبِّر به أعلم علماء الطبيعة من مئة وخمسين سنة لجنّ أو لحسب المُخبِر مجنوناً: صرنا نسمع المغنّي يغني لنا، وقد مات واستحال جسدُه إلا رفات.
كان الشعراء يصفون القمر، ويشبهون به الغيد الحسان فوصلنا إلى القمر ووطئناه بنعالنا، وإذا هو كالأرض: صخر ورمل وتراب.
...
وهذه كلها آيات لمن كان له قلب، ومن كان يفكر فيما يرى وما يسمع، آيات وشواهد تقوي الإيمان في القلب المؤمن، أما من كان كالأنعام همُّه الطعام والشراب والزواج فيمر عليها وهو غافل عنها، يقف عند الصنعة وينسى
стр. 7
الصانع، يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وينسى قول الله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ملء كوب من ماء البحر فما الكوب من البحر.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: علمنا قوانين الله التي وضعها للجاذبية، ولكن هل عرفنا ما الجاذبية؟ ما حقيقتها؟ وعرفنا الكهرباء، وكثيراً من سنن الله فيها وجعلنا لها علماً، وألّفنا فيها كتباً، وفتحنا لها في الجامعة أقساماً، وأقمنا لهذه الأقسام أساتذةً، ولكن هل عرفنا ما هي حقيقة الكهرباء؟
ودرسنا المخَّ وخلاياه وأقسامه، ولكن هل عرفنا ما علاقة المخ بالفكر؟ لقد نبذنا المقالة الحمقاء التي قالها بعض الماديين في القرن التاسع عشر (هيكل أو استرنر): أن المخ (يفرز الفكر كما تفرز الكبد الصفراء) منذ قضى (هنري بركسون) وصحبه على هذا المذهب، ولكنا بقينا على جهلنا بعلاقة المخ بالتفكير، وأكثر منه جهلنا بعلاقة القلب بالإيمان والعواطف، وهل المراد بالقلوب (التي في الصدور) هذا العضو الذي لم نعرف عنه إلا أنه مضخة للدم، ولا نتساءل لم تسرع ضرباته عند الغضب، وتبطيء عند الحزن، فيحمر الوجه أو يصفر، وتظهر عليه تلك الأعراض إن لم يكن إلا مضخة تضخُّ الدم؟
أم المراد بالقلب شيء آخر، لم نعرفه بعد، وأننا حين نقول (القلب) نريد به اللب. كما نميز في الفاكهة قشرتها من لبها ولونها وشكلها، اللذين لا يدلان على العناصر التي تتألف منها، ولا على ما أودع من النفع والضر فيها.
إن اختلت خلايا المخ اضطرب التفكير، كما ينقطع تيار الكهرباء إن انقطعت الأسلاك، ويبطل عمل الرائي (التلفزيون) إن نقص شيء من أجزاء الجهاز. ولكن هل الأسلاك والمصابيح هي الكهرباء؟ إنَّ الذي يعرفه الأطباء عن الدماغ كالذي يعرفه (مصلح التلفزيون) عن جهازه، يكمل نقصه، أو يقوم اعوجاجه ولكن ما أثر ذلك فيما يعرض فيه من ندوات ومسلسلات، وما فيها من الخير أو من الشر؟
إن هذه الكشوف العلمية، وهذه المخترعات الحضارية تقوي الإيمان عند
стр. 8
من في قلبه إيمان، كما تشحن الذاخرة (أي البطارية) بالكهرباء إن كان لا يزال فيها بقية من كهرباء.
لقد كان في قريش عقلاء، وكان فيهم أولو فهي، ولكن لما قال لهم رسول الله ﷺ : أنه ذهب إلى القدس ورجع من ليلته لم يستطع أكثرهم أن يصدق، وكاد يتزعزع إيمان بعض من قد آمن، ولو أنت قلت اليوم لأقل الناس علماً وأكثرهم جهلاً: لقد ذهبت أمس من جدة إلى عمان ورجعت، لما عجب، ولما رأى في ذلك شيئاً يتعجب منه.
إني حين أفكر فيما كانت عليه الدنيا وأنا في صدر حياتي ومطلع صباي، وما هي عليه الآن أحسُّ كأني صعدت إلى رأس المئذنة ووقفت عند الهلال، لا أستند إلى شيء، أنظر من تحتي إلى ما حولي فأحسُّ أنَّ الدنيا تدور بي، حتى أكاد أسقط على رأسي.
لقد كان تبدلاً يكبر عن التصديق، ولكن هل كان خيراً كله؟ الجواب: لا. هل كان شراً كله؟ الجواب: لا. إن فيه خيراً من الواجب علينا أن نتمسك به، وفساداً علينا أن نصلحه، ومن هنا حاولت، وأنا أكتب وأؤلف وأخطب وأحاضر (من ستين سنة) أن أجعل حظاً من عملي هذا في سبيل الله ثم (في سبيل الإصلاح).
فكيف نسلك هذا السبيل؟
إن ما وصلنا إليه فيه الطيب وفيه الخبيث، فكيف نميز الخبيث من الطيب؟
وإن ذلك كله يتبدل ويتغير، فأين الثابت الذي لا يعتريه تغيير ولا تبديل لنتخذه مقياساً يكون به هذا التميز؟ أين الطيب الذي لا خبيث فيه، والحق الذي لا باطل معه؟
الجواب واضح بين لمن أعمل فيه فكره، وكان فكره مجرداً عن الهوى.
هو أن البشر يخطئون ويصيبون، فلنرجع إلى من لا يخطىء أبداً، والذي
стр. 9
يقول الحق وهو يهدي السبيل، لندع ما اختلف فيه البشر إلى ما شرعه خالق البشر، وأنزله علينا، ولم يكل حفظه إلينا كما وكل ذلك إلى أهل الكتب من قبلنا، فبدلوا فيها وغيَّروا، بل تولى هو حفظه ﷻ ، وتقدست أسماؤه. فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فالمقياس هو شرع الله، هو الكتاب الذي لم يستطع أعدى عدو لنا، وأعتى ظالم مخاكم أن يثبت (بل لم يجرؤ أن يدعي مجرد دعوى) أنه قد بدَّل أو غيَّر، أو أنه قد صحَّف أو حرَّف، أو أنَّ القرآن الذي هو في المصاحف بين أيدينا غير الذي أنزله الله. الذي بلَّغه جبريل سيد الملائكة محمداً سيد المرسلين، وإن كان بعض الفرق التي تنتسب زوراً إلى الإسلام تدَّعي كذباً وجهلاً، مالم يدعه هؤلاء الأعداء من أن المصاحف التي نقرأ فيها كلها قرآن ولكن ليست كل القرآن، وهي دعوى لا أدري أيُّهما أظهر: سخافتها أم وقاحتها.
ولكن الشيطان حين عجز عن تحريف تنزيله، دخل علينا من باب تأويله، حتى صار من الناس من يصرف الكلام عن معناه ويوجهه إلى غير الوجه الذي أراده الله، وحتى أنه كان عندي كتاب اسمه (حجج القرآن) لرجل اسمه الرازي (نسبة إلى مدينة الري قرب طهران الآن) جمع فيه ما احتجت به الطوائف كلها المسلمة والمرتدة عن الإسلام التي تُدعَى في الاصطلاح (الفرق الإسلامية) باعتبار ما كانت في الأصل عليه، هذا الكتاب فيه العجب العجاب، من صرف الآيات عن مدلولها في لسان العرب الذي نزل به القرآن، وعمَّا صحَّ في تفسيرها عن رسول الله الذي هو المبينِّ للقرآن.
ودخل علينا من باب صرفنا عن تدبر آياته، وتفهِّم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه إلى تصريف الصوت في تلاوته بالأنغام، وطرب الناس لسماع الصوت بدل الخشوع عند فهم المعاني وكان معنى كلمة (القرَّاء) حين نقرؤها في حروب الردة مثلاً وذكر من استشهد منهم في معركة -اليمامة- كان معناها الذي يقرأ القرآن متدبراً واعياً، عاملاً بما قرأ معلماً إياه من لا يعلم. فصار معناها البصير بالألحان والمقامات، الخبير بالمحطات والتصرف بالنغمات، وصار
стр. 10
السامعون يتصايحون من الطرب كأنهم يسمعون مغنياً في ملهى، لا يزيد إيمانهم بتلاوة القرآن، كما خبَّر الله عن أهل الإيمان، وصرنا نفتح به ونختم به الإذاعات والحفلات، ويكون بين تلاوة الافتتاح وتلاوة الختام ما لا يرضي الله من المخالفات والذنوب والآثام.
...
من هنا، ومن الأحاديث الموضوعة التي كشفها العلماء وما زال يرددها بعض الجهلة من الوعاظ والخطباء، وممن يبتدع في الدين مالم يأذن به الله ولا أرشد إليه رسول الله، ومن سوء فهم بعض الفقهاء لكلام الله وسنة رسول الله، ومما دخل علينا من شبه وضلالات على أيدي المنضِّرين المكفّرين الذين يتسمَّون كذباً بالمبشرين، وأيدي المستشرقين الذين يتكلمون في العربية وفي الدين، وقليل منهم من المخلصين، الذين يؤتون من ضعف العلم بالدين، وفقد مَلَكةِ العربية التي لا تحصل بالتعليم والتلقين، وأكثرهم بين عدو للإسلام يدسُّ ويفتري ويلبّس دسَّه وافتراءه ثوب التحقيق العلمي، كما كان يفعل كجولد زيهير ولامنس وشاخت وأمثالهم وتلاميذهم الذين قرؤوا عليهم، ونشؤوا على أيديهم كـ (فيليب حتي) الذي جعلناه المرجع في التاريخ.
...
إن سبيل الإصلاح بيِّن ظاهر، إن شئنا سلوكه فليتفق الدعاة إليه على منهج واحد، نرتب فيه المقاصد التي ندعو إليها، نقدِّم الأهم منها على المهم، لا ندع الأصول ونتنازع في الفروع، وقد وضَّح الرسول ﷺ هذا المنهج لمعاذ لما بعثه إلى اليمن داعياً إلى الله، ومبشراً بالإسلام ومعلماً ومرشداً للراغبين فيه فقال له: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، إلى تصحيحٍ العقيدة لأن العقيدة هي الأصل، هي الأساس فإن ارتفع البناء عشرين طبقةً في الهواء بغير أساس لم ينفعه الارتفاع، ومن قام الليل كله وصام الدهر كله، وفي إيمانه شرك، كان كالتلميذ الذي أخذ أسئلة الامتحان وقعد في داره فأجاب عليها كلها، ولكنه سحب أوراقه من المدرسة، ومحي اسمه من سجلاتها.
درسٌ واحد أمره أن يعلمه الناس هو صدق التوحيد، وصحة العقيدة،
стр. 11
فإن هم وعوه واستقرَّ في قلوبهم، انتقل إلى الدرس الثاني وهو الصلاة ثم الزكاة. منهج مرتب، فما بالنا في غفلة عن منهج رسول الله ﷺ ، ما بال كل داع يخترع منهجاً غيره يبدأ الطريق من وسطه أو من آخره، ويأخذ المسألة من ذنبها، حتى صارت الدعوة فوضى، والطرق فيها متداخلة ومتقاطعة.
وإذا كان شياطين اليهود قد وضعوا مخططات لإفساد بني الإنسان، تستمر على زعمهم أكثر من مئة عام، فلم لا يجتمع حكماء المسلمين من أهل الإصلاح، فيضعون مخططات للدعوة يدعونها: (مخططات حكماء حراء)، ليقوم لأهل الحق مقام (مخططات حكماء صهيون) لأهل الباطل.
إن الدعاة منا كثر، والمسلمون حاضرون ليستجيبوا لهؤلاء الدعاة، فإن لبثوا على خلافهم وتنازعهم، وتضارب مناهجهم، كان عليهم إثم أنفسهم، وإثم هذه الأمة التي تمشي وراءهم، وتقتدي بهم.
وبعد فهل كنت أنا في عملي كله، في هذه السنين الستين، أعمل لوجه الله وحده، لا أبتغي غير ذلك شيئاً، ولا أخلط به دنيا؟ ألم يكن يسرُّني أن يقول لي الصالحون: أحسنت، ويسؤوني أن يقال: أسأت؟ ألم أكن أفرح إن جاءتني كتاباتي وأحاديثي بالمال الحلال؟.
إني اللآن وأنا في آخر العمر وعلى مقربة من القبر، أسال نفسي، أقول: يا نفس أليس بالواقع؟ فتقول: بلى. فيقول: لما يا نفس خلطت قصداً صالحاً بقصدٍ شيء؟ فتقول: إنها طبيعتي التي طبعني الله عليها، والتي لا تقوى على التخلص منها إلا النادر من عباد الله المخلصين.
فأقول: فما جوابك عند سؤال ربِّ العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فتقول، أجيب: غرَّني يا رب ما وصفت به هنا نفسك، لتذكّرنا به بعفوك، غَرَّني بك أنك الكريم، فإن عاملتني بعدلك خسرت وضعت، لأني ظلمت نفسي وأسرفت عليها، فأنا أخاف عقوبتك، ولكني لا أقنط من مغفرتك، فاغفر لي وارحمني، وارحم من يقرأ هذا الكلام فيقول: آمين.
стр. 12
اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، واغفر لي، فإنَّ الصلاة على رسولك تقبلها لا تردها، وقد قرنتها بطلبِ المغفرة لي فلا تفرق اللهم بينهما.
رب اغفر لي ولوالدي ولذريتي، واغفر اللهم لكل من مات مؤمناً بك وبملائكتك وكتبك كلها ورسلك جميعاً.
اللهم إنَّ رحمتك لا تضيق بالمسلمين وقد وسعت كل شيء.
علي الطّنطاوي
стр. 13
مقدمة الطبعة الأولى
(في غرة رجب سنة ١٣٤٨) نشرت أول كتاب لي وهو «رسائل في سبيل الإصلاح»، وقد قلت في مقدمته إننا «إن لم نجد في عصرنا من المصلحين، كالذين كانوا في الصدر الأول، فلا أقل من أن نتشبَّه بهم، ونسلك سبيلهم، فنصيح بالناس بقدر ما في حناجرنا من قوة، ندعوهم إلى الإصلاح، وندلّهم على طريقه، وإذا جاءت أصواتنا خافتة فضاعت في جَلَبة المجتمع فلم تُسمع، فإن حسبنا أن فعلنا ما استطعنا.
وهذه الفصول صيحتي، وإنها لضعيفة، بل هي أشبه بالهمس، ولكنها غاية جهدي، ولم أرد أن أدلّ بها على علم عندي فإن كل ما قلته يعرفه القراء، ولكن أردت أن أذكّر بها من نسي، وأُنبِّه من غفل».
واليوم (في غرة رجب ١٣٧٨)، أنشر كتابي هذا «في سبيل الإصلاح»، فلا أجد ما أقدم له به، إلا هذا الكلام الذي قلته قبل ثلاثين سنة كوامل.
هذه هي كلمتي أقدمها (بين يدي الكتاب)، وهذا هو الكتاب أضعه (بين أيدي القراء).
علي الطّنطاوي
стр. 14
أين الأقلام ؟
نشرت في مصر سنة ١٩٤٦
نحن اليوم في معركة مع الاستعمار، قد اندلعت نارها، وطار في كل أرض من أرض الإسلام شرارها، فهل رأيت جيشاً في معركة يدع مدافعه فلا يطلقها، وينسى دباباته فلا يسيّرها، ويلقي بنادقه فلا يحملها؟ وهذا ما نفعله نحن حين نهمل أقلامنا فلا نسخرها في هذا النضال، وإن من أمضى أسلحتنا وأنفذها وأبقاها على الزمان وأثبتها للغِيَر، لَهذه الأقلام؛ فما لِهذه الأقلام نائمة لا تفيق، جامدة لا تتحرك؟ وما لبعضها لا يزال يلهو ويلعب، كانه مدفع العيد يتفجر بالبارود الكاذب وسط المعمعة المدلهمّة التي جُنّ فيها الموت؟!
...
إنها معركة الاستعمار: استعمار البلاد بالجيوش، والأسواق بالشركات، والرؤوس بالمذاهب، والقلوب بالشهوات، فجنود العدو تخطر على أرضنا (١)، وشركاته تتحكم في أسواقنا، ومذاهبه الخبيثة تملأ رؤوسنا، وتقليده في إباحته وشهوته وسفوره وحسوره، وتكشفه في نسائه وفي أدبه، يفسد قلوبنا؛ فأين تلك الأقلام تنبه القوم النيام، وتطهر الرؤوس والقلوب، وتحمل نور الحق لتبدد به ظلمة الباطل؟!
أين تلك الأقلام تعرّف هذا الشعب بنفسه، وتتلو عليه أمجاد أمسه، وتذكره أنه لم يخلق ليذل ويخنع، وإنما خلق ليعز ويحكم، وأن الله ما برأه من طينة العبيد، بل سوّاه من جِذْم الصيد الأماجيد، وأنه أثبت من هؤلاء المستعمرين أصلاً في الأرض، وأعلى فرعاً في السماء، وأكرم نفساً، وأشرف
стр. 15
عنصراً، وأنقى جوهراً، وأنها إذا أفقرت الأيام الغني، وأذلت العزيز، فإن الفلك دوار، والدهر دولاب، فلا يغتر الفقير بالغنى الحادث، ولا يأسَ الغنيّ على اليسار الذاهب، فإن كل شيء يعود إلى أصله، وإن كل حال إلى زوال.
أين الفوهرر الذي نطح النجم كبرياء؟ وأين الدوتشي؟ فاعتبروا يا فهاررة اليوم ... فما أنتم بأمنع من الموت، وما أنتم بأعصى على القدر، وإن لهذا الكون دياناً جباراً ما شاركه أحد كبرياءه إلا قصمه ... وما أنتم حتى تشاركوا الجبار كبرياءه؟!
...
وأين تلك الأقلام تفهم الشعب أن المستعمرين ما زهدوه في قرآنه، وصرفوه عن دينه، وشغلوه عن تاريخه، إلا ليسلبوه أحدَّ أسلحته، ويجردوه من أمتن أدراعه، حتى إذا قابلوه أعزل عارياً، هان عليهم اصطياده، وسهل استعباده، فكان إليهم قياده؛ وأنه آن لنا أن ننتبه لمكرهم بنا، وأن نفيق من غفلتنا، ولا نمشي إلى الهوان بأرجلنا، ونمكن عدونا منا بِملْكنا.
وأين تلك الأقلام تعلن للناس أن هذه القوانين الأجنبية في محاكمنا، أثر من آثار الاستعمار الذي نحاربه، وأن لنا شرعاً هو أفضل من قانونهم، وديناً هو أحسن من نُظمهم، وأننا نستطيع أن نأخذ القانون المدني والجزائي من ديننا وفقهنا، وأن نحكم في محاكمنا بما أنزل ربنا، وأن من العار علينا أن نفتقر إلى قوانين عدونا. وما قوانينه؟ إن كانت من فكره فلنا أفكار، وإن كانت من تجاربه فلنا تجارب، وإن كانت من دينه ... وأنّى؟ وما في الوجود دين تستمد منه القوانين كلها إلا الإسلام؟
فهل رأيت غنياً موسراً، أورثه أبوه صناديق الذهب، ثم يتكاسل عن القيام إليها، ومعالجة قفلها، ثم يذهب فـ (يشحد) ذليلاً الملاليم والقروش من أكف أعدائه ليتبلغ بها؟
هذا مثالنا حين نترك ديننا ونأخذ قوانين المستعمرين!
***
стр. 16
أين تلك الأقلام تقول للناس: إن الإسلام جاء يكسر الأصنام وأنتم رجعتم تعبدون أصناماً من لحم ودم، تأكل الخبز والحلوى والذهب وورق النقد (البنكنوت)، وتأكل كل شيء وتهضمه معدها، أصناماً تسمونها زعماء الأحزاب تجدّون وتتعبون ليستريحوا هم، وتَشْقَون. لينعموا، وتنخفضون. ليرتفعوا، وتدفعون إليهم ما كسبتموه بأيديكم الخشنة من العمل، وأنتم تقبّلون أيديهم الناعمة من الكسل، وتمنحونهم كل نعمة، ولا يمنحونكم شيئاً. وإن من بقايا الاستعمار هذه الأحزاب التي لا تتقاتل إلا على أكل لحمكم، وامتصاص دمكم وحكمكم ...
وهذا الأسلوب الأحمق الذي يشترط في معلم المدرسة الابتدائية وكاتب المحكمة الجزئية، شروطاً في نفسه ودرسه، وامتحاناً وتجربة، ولا يشترط في الوزير شرطاً، فكل من أراد الوزارة وسلك سبيلها نالها، ومن نالها يوماً لصقت به (معاليها) إلى آخر أيامه.
ستقولون: وماذا نعمل وهذه سنة المتمدينين في كل بلاد الله؟ نعم هذه سنة المستعمرين، ولكن في بلادهم علماء فلا تلقى وزيراً جاهلاً، وإن فيها شعباً يقظاً وصحافة ساهرة وانتخابات صحيحة وإدراكاً شعبياً، أما الأحزاب، ففي بلد واحد من بلادنا (كمصر مثلاً) أكل مما فيها كلها، وهل في أميركة إلا حزبان: الجمهوريون والديمقراطيون؟ وهل في إنكلترا إلا ثلاثة: الأحرار والعمال والمحافظون؟ فكم حزباً في مصر يا أيها المصريون؟
فإذا كرهتم الاجتهاد، وأبيتم إلا أن تكونوا مقلدين، فقلدوا في المذهب كله، ودعوا التلفيق!
...
وأين هذه الأقلام، تقول للناس: إن ثكنات قصر النيل في القاهرة، ومطار المزة في دمشق، ومعسكر الربانية في العراق، حصون العدو وقلاع المستعمر ما في ذلك خلاف (١)، ولكن للاستعمار قلاعاً أخرى، إن تكن أخفى
стр. 17
فقد تكون أخطر، وهذه القلاع هي بيوتنا التي انتشر فيها (التحرر) في الشباب والشابات، و (التجدد) في الصلات بينهما، فقلل الزواج وزهد فيه الشبان، وكسد البنات، ونشر الأمراض، وشغل بالهزل عن الجد، وبالسعي للشهوة عن العمل للوطن. ولقد قلت إنها أخطر، لأن ثكنات قصر النيل قتلت عشرين مصرياً في عشرين سنة، وهذه تقتل كل سنة مليوناً من أهل مصر، كان يكون منهم العبقري النابغ، والقائد البارع، والأديب الملهم، والعامل النافع، ويكون منهم حماة الحمى، ودرع الوطن، خسرناهم لانصراف الشبان عن الزواج وزهدهم فيه، ولولا هذا التحرر، وهذا التجدد، ولو عادت بنا الأيام كما كنا من خمسين سنة، إذ لا تلقى شاباً في العشرين إلا متزوجاً، ولا فتاة في الثامنة عشرة إلا ذات بعل، لزادت مصر مليون إنسان في كل سنة، أفرأيتم كيف قتل استعمار البيوت هذا المليون؟
...
أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وترد أفظع كذبة جازت علينا، وهي دعواهم أن من الخير لنا أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ما جاء من أوروبة فهو خير ورشاد، وكل ما بقي لدينا من الشرق فهو شر وفساد!
وهذا من أقبح ما خلَّفه فينا الاستعمار.
فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، وتقيم لهم الميزان العادل، وتحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين، يعرفون ما يأخذون وما يدعون!
...
وبعد، فهذه هي المعركة، وها هم أولاء المسلمون في كل بقاع الأرض يكتبون بدمائهم على جبين الزمان أروع قصائد المجد، وأبلغ آيات البطولة والبذل. ها هم أولاء يردون بأيديهم وبإيمانهم وبحقهم الجيوش التي لم يستطع ردها هتلر بحديده وناره. لا يرونها أكبر من أن تُغلب، ولا يرون نفوسهم أصغر من أن تَغلب. ها هي ذي المعجزات تظهر كل يوم على أيدي أتباع محمد: في ميدان الإسماعيلية، وفي شوارع الإسكندرية، وفي بلاد الشام، وفي مدن
стр. 18
فلسطين، وفي الهند، وفي جاوة، وفي إيران، فأين تلك الأقلام تدوّن خبرها وتخلد ذكرها؟
أين الشعراء وأين ملاحمهم فيها، وهناك شيء ينطق الجماد بالشعر؟ أين القصصيون وأين ما وضعوا فيها من القصص، وقد جلس الزمان يقص من أفعال هذا الشعب أعجب الأقاصيص؟ أين من في نفوسهم قرائح، أفلا تفيض اليوم بالبينات هذا القرائح؟ أين من بين أصابعهم أقلام، ألا تلتهب اليوم بالحماسة هذه الأقلام؟
أين كتاب العربية وشعراؤها وبلغاؤها؟
يا خجلتاه غداً من كتاب التاريخ إذا جاؤوا يترجمون لأديب فيقولون: لقد رأى أعظم بطولة بدت من بشر، وشاهد أجل الأحداث التي رآها الناس، ثم لم يكتب فيها حرفاً. لقد شغلته عنها شواغل الأيام، ومباهج الأحلام، وملذات الغرام!
***
стр. 19
إن هذا العلم دين
نشرت في مصر سنة ١٩٤٧
أنا لم أتشرف بالانتساب إلى الأزهر ولا إلى غيره من المعاهد الشرعية، لأني تعلمت في المدارس الأميرية من دار الحضانة إلى كلية الحقوق، ولكني نشأت من صغري بين كتب العربية والدين، وربيت في مجالس العلم والأدب، لأن والدي ﵀ كان من كبار علماء دمشق، وكانت دارنا من الدور العريقة في العلم، فلم تكن تخلو يوماً من مراجعات أو مناقشات، ونظر في الكتب ومقارعات بالحجج، ومن عامة يستفتون وطلبة يقرؤون وعلماء يبحثون فلما توفي والدي (١) لزمت عالماً أزهرياً متفنناً، فكنت أنصرف من المدرسة فأراجع دروسها على عجل، ثم أتعشى (وكان العشاء في تلك الأيام بعد العصر) وأصلي المغرب وأمضي إليه في مسجده، فأقعد مع الطلبة ننتظره حتى يفرغ من صلاته، وكنا نحو الخمسين طالباً، منا تلميذ المدرسة ومنا التاجر ومنا الموظف ومنا الشاب ومنا الكهل. وما يبتغي أحد منا بالعلم دنيا، ما نبتغي إلا العلم وحده لنعرف به الحلال من الحرام، نرى طلبه علينا فرضاً، وتحصيله عبادة، فكنا نجد في المطالعة لذة، وفي الحفظ مسرة، وفي التعب راحة، فنطالع الدرس قبل أن نقرأه، ونطالعه بعد أن نقرأه، ونحقق مسائله ونحفظ شواهده ونفتش عن الشروح له والحواشي عليه ...
فإذا قضى الشيخ صلاته أقبل علينا فسلم فرددنا ﵇، لا نقوم له لأنه أدبنا بأدب الإسلام، وليس منه هذا القيام، ولكن تثب لمقدمه قلوبنا، وتخشع لمحضره جوارحنا، وتنبض بحبه وإجلاله كل ذرَة فينا، فيقعد ونحن من حوله، فيسمي الله ويحمده ويشرع في درس النحو، فيقرأ المعيد ويشرح هو، ويقيم أحدنا إلى لوح أسود كالذي يكون في المدارس، فيملي عليه الشاهد
стр. 20
ليوضح عليه القاعدة الجديدة ويذكر بالقواعد القديمة، وكان أحب شيء إليه أن نستعيده ونستوضحه ونناقشه، فيعيد ويوضح ويجيب باسم الثغر، طلق المحيا، مشرق الشيبة محبوباً مهيباً، فيملك بخلقه قلوبنا، وبعلمه عقولنا، ثم يختم الدرس بحمد الله كما بدأه بحمد الله، ويؤذن المؤذن فنقوم إلى الصلاة، فنرى السكينة قد حفّت المجلس، والرحمة قد نزلت عليه، ونحس بالملائكة قد حضرته، ويؤمنا الشيخ فيقرأ قراءة إخال من روعتها كأن القرآن قد هبط به الوحي آنفاً، ولقد سمعت قراءة أحلى صوتاً، وأصح نغماً، فما سمعت مثلها أبداً. فإذا قضيت الصلاة قعدنا نذكر الله بقلوب حاضرة، وألسنة رطبة، وجوارح خاشعة، ثم من شاء منا قبل يد الشيخ (ولا يكاد يسمح بتقبيلها) وانصرف، ومن شاء بقي يستمع إلى حديث الشيخ، وكان حديثها أعذب في آذاننا من همسات الحب، وأشجى من عبقريات الأغاني، ثم ينظر الشيخ فيقول: إن فلاناً لم يحضر وقد بلغني أنه مريض، فعودوه وساعدوه. فنسرع إليه نعوده ونؤنسه ونأتيه بالطبيب وبالدواء. وإن فلاناً في ضيق فأعينوه، فنسد خلته ونفرج ضيقته. وربما استبقى الواحد منا، فانفرد به فنصحه ووعظه أو أنبَّه على زيّ (لا يليق بطالب العلم) اتَّخَذَه، أو محل (لا يحسن به) حَلَّه، أو صاحب (لا يدلّه على الله) صاحَبَه، فيبلغه منا تأنيبه ما لا يبلغه السيف، وندع ما كرهه ولا نعود إليه، ثم ننصرف جميعاً إلى بيوتنا: الكبار إلى زوجاتهم وأولادهم والصغار إلى أمهاتهم وأخواتهم، ننام من أذان العشاء على فرش التوبة والاستغفار، ثم نقوم في بواكر الأسحار، عندما يفيق الديك والمؤذن والنور، فنتوضأ فنطهر بالماء أجسادنا، ونصلي فنطهر بالصلاة أرواحنا، ثم نمضي إلى المسجد فنؤدي الغداة مع الجماعة، ثم نجلس في حلقة الشيخ، لنقرأ عليه الفقه والحديث والتفسير في الصباح، كما قرأنا النحو أولاً والبلاغة ثانياً في المساء وكما يقرأ عليه غيرنا غير هذا وذاك النهار كله، فلا تلقى في حياة الشيخ إلا العلم والدرس، والمراجعة والبحث، يتخللها وعظُةُ العامةَ (١)، وتوجيهُهُ الناسَ، فهو المرجع في كل شيء: في الانتخابات يسألونه فيأمرهم بأهل الدين والورع
стр. 21
من أي حزب كانوا، وفي الخصومات يرفعونها إليه، فيزيلها بالصلح، أو يفصلها بالحق، وفي الأحداث كلها يبين فيها حكم الله. وكان كل نائب أو وزير يؤم داره خاشعاً متواضعاً كانه يمشي إلى حرم، فيريه عزة العلم، وجلال الحق، ولطف المؤمن، وتواضع العظيم، ويعظه ويأمره وينهاه، ولا يرزؤه شيئاً من دنياه. وكان أيام الثورات على الفرنسيين من الدعاة إلى الجهاد، أرهبه الفرنسيون فلم يخف، ورغَّبوه فلم يطمع، وأزعجوه فما لان، فتركوه لم يجرؤوا عليه ودونه أهل البلد يفدّونه بأنفسهم وأهليهم.
أما الدنيا فلم يكن يسأل عنها أقبلت أو أدبرت، ولم يكن يفكر فيها ضاقت أو اتسعت، فإن حضره الطعام حلالاً أكل، وإن دعاه محب أو فقير أجاب، وإن أهدى إليه قبل، فإن كانت الدعوة أو الهديّة من فاسق أو متكبر أبى. يلبس ما وجد فربما كانت عليه الجبة من الجوخ الثمين فمر به فقير مقرور فدفعها إليه، ولبس عباءة مرقعة، أو خرج بالإزار وحده. تدخل الدنيا داره فيكون كأنعم الناس، ويدخل المال كيسه فيكون كأغنى الناس، ثم يضيق ويفتقر، فيتنكر ويقصد القرى فيشتغل فيها بالطين واللبن، ويعود بما كسبه من كدّ يده، لا يطغى في الأولى ولا يقنط في الثانية، ولا يذيق قلبه حلاوة الدنيا، فيلين لأبنائها حرصاً عليها، وخوفاً من زوالها.
وكنا نخرج معه كل ثلاثاء (وهو يوم الراحة عند العلماء) إلى القرى والأرباض، فإذا جاوزنا رحبة دمشق، قال: قد وضعنا المشيخة هنا، ونحن من الآن إخوان. فنمازحه ويمازحنا ونغني أمامه ونثب ونلعب، ونسبح ونركب الخيل ونصطاد، وكان يرغبنا في السباحة والفروسية والرمي، وسائر أنواع الرياضة، لأن ذلك من سنة الإسلام، ويود أن يكون معنا فيه ولكن السن تمنعه والضعف والكبر، ثم نعود من الغد إلى الدرس، ونحن أصفى الناس ذهناً، وأطيبهم نفساً، وأشدهم نشاطاً.
...
ولازمت من بعده مشايخ كثيرين كانت حالهم كحال الشيخ أو قريباً منها، وكانت حياتهم علماً وعملاً، ومنطقاً وخلقاً، وكانوا كلهم يحدثوننا عن الأزهر
стр. 22
وما فيه، حتى حبّب إلينا الأزهر القديم من أحاديثهم، وتخيلناه جنة الروح، ونعيم القلب، وتوهمنا أن ما رأيناه من أحوال مشايخنا وردة من تلك الجنة، وطرف من ذلك النعيم، وبتنا نتشوق إلى الأزهر، ونتمنى أن نزور مصر لنراه، فلما قدمت مصر سنة ١٩٢٨ رأيت الأزهر قد تغير عما وصفوه لنا، وحال عن حاله التي حدثونا عنها، فتركته ودخلت دار العلوم العليا (١). ثم لما عدت سنة ١٩٤٥، لم أجد الأزهر وإنما وجدت مسجداً خالياً، وكليات تنتسب إليه ليست إلا مدارس كما عرفنا من المدارس، فبكيته لما فقدته، وحننت إليه، لا إلى سراج الزيت، وحصير الرواق، بل إلى ذاك التقى وتلك الأخلاق. بكيت فيه شيخي، وبكيت فيه عهد الشيخ الذي مضى عليه اليوم أكثر من ربع قرن، ولا تزال ذكراه غذاء لروحي، وفرحة لقلبي، وأنَيسة لي في وحشة الحياة، أفكر فيه كما يفكر العاشق المهجور في ليالي الوصال، والسجين في أيام الحرية، والمفلس في زمان الغنى، بل إنه لأحب إليَّ من عهود الحب، وليالي الوصال، لأن فيه حلاوة الإيمان وما فيها إلا لذة الهوى، ولأن ذكراه فخري الذي لا يفنى، ومفزعي كلما دهمتني خطوب هذه الحياة المادية التي تختنق فيها الروح، ومَعين اليقين لي في بوادي الشكوك.
...
رحمة الله على أولئك المشايخ الذين كانوا ينابيع العلم، ومنارات الهدى، وأئمة الخير. وما كل المشايخ الأولين كانت لهم هذه الخلال، وما كل علماء اليوم تجردوا عنها، ولكن الأعمال بالنيات، والأمور بالمقاصد، وأولئك كانوا يقصدون العلم والدين، فكان الأصل أن يكونوا أهل علم ودين إلا من شذ منهم، والكمال لله وحده، وهؤلاء الطلاب يقصدون الشهادة والمنصب فكان الأصل أن يكونوا أصحاب منصب وشهادة إلا من شذ منهم والخير لا ينقطع في هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وما أنا بالمحامي عن عهد بذاته، ولا عن أشخاص بأعيانهم، لكنما أدافع عن تقوى العالم وأمانة العلم، والعلم إذا لم يكن معه أمانة كان الجهل خيراً
стр. 23
منه، كالطبيب الفاجر، يغشّ المريض ويماطل في العلاج، ابتغاء دوام الحاجة إليه، وتدفق المال عليه، بل ربما بالغ في الفجور فلم يمنعه علمه (إن لم يكن أميناً) أن يقتل المريض بالسم، بدلاً من شفائه بالدواء.
...
إن هذا العلم دين فعلينا أن ننظر عمّن نأخذ ديننا، وألّا نأخذ العلم إلا عن رجل نثق بدينه كما نثق بعلمه، ونطمئن إلى إيمانه كما نطمئن إلى منطقه، فإن لم يكن إلا العلم والمنطق، لم ينفعاه عند الله شيئاً.
وأنا لا أقيس الأزهر على الجامعات، فالجامعات فيها العلم والفن، وفيها الكفر والإلحاد، لا يمنع منه عندهم أنه كفر ما دام يسمى باسم الفلسفة أو العلم، ذلك لأن أسلوب الجامعات أسلوب عقلي لا يبالي بالدين، ولا يتقيد بالوحي؛ وديننا لا يعارض قضايا العقل المسلَّمة وأحكامه الثابتة، ولا ينافيها، ولكن أين هذه القضايا؟ وهل يكون منها كل حكم يوصل الباحث إليه عقله؟ ففيم إذن تختلف العقول، ويتناظر الفحول؟ أفنبني ديننا على آراء الرجال فكلما جاء واحد منهم ببدعة في الدين قلدناه فيها، وأقمناه بيننا وبين ربنا، وجعلنا ما جاء به من شرعنا؟ ومن يكون إمامنا في ديننا إذا لم يبق في الأزهر أئمة دين؟
ألا يكون ذلك تحقيقاً للحديث، ومعجزة للرسول ﵊، إذ قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس أئمة جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا؟
نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان
...
ألا إن ديننا يقوم على أدلة معروفة هي الكتاب والسنة الثابتة، والإجماع الصحيح والقياس الجلي، لا عمل للعقل فيها، إلا الاستنباط والاجتهاد، على (الأصول) المعروفة، والسبيل المسلوكة، واتباع البيضاء النقية، والاقتداء بالسلف الصالح، فإن جاوز هذا الحد، لم يجز لمسلم أن يعوّل في دينه عليه، أو يرجع في الحكم إليه.
стр. 24
ونحن نريد علماء من أمثال هذا الشيخة ﵀، يعلمون ويعملون، ويتبعون ولا يبتدعون، ويتقون الله سراً وعلناً، ويحكمون الشرع في خاصة نفوسهم وعامة أمورهم، لا تذلهم الدنيا، ولا يفسدهم الفقر، ولا يطغيهم الغنى، فإن كانوا كذلك كان سواء لديّ أن يخرّجهم أساتذة الجامعات، أو وعاظ الجوامع، وليكونوا بعدُ فلاسفة فالإسلام لا يعادي الفلسفة ما لم تكن كفراً، وليكونوا باحثين فالإسلام يحب البحث، وليكونوا مجددين بالاجتهاد في الفروع ما داموا متبعين في أصول الدين. وليجلسوا على البساط أو على الطنافس، وليقرؤوا على السراج أو على الكهرباء، وليسكنوا الأكواخ أو القصور، ولينقطعوا إلى العلم أو ليكونوا أصحاب المناصب وأعضاء المجالس وأولياء الأمر.
...
لكن هل ينتظر أن تخرج هذه الجامعة الأزهرية أمثال أولئك العلماء؟
هذه هي المسألة!
وأنا لا أحب أن أجيب عنها، لأني إن أجبت قلت مرّة ثانية:
«ردُّوا علينا الجامع الأزهر، لا نريد هذه الجامعة الأزهرية!».
***
стр. 25
بطون جائعة وأموال ضائعة
نشرت سنة ١٩٤٦
ولد لي في هذا الأسبوع مولود جديد (١)، فأهدي إلى أمّه أكثر من عشرين علبة (شكلاطة)، من هذه العلب التي جدّت في دمشق، وصارت (موضة) الوقت، كل علبة منها لعبة كبيرة بأشكال وألوان، ما عرفناها قبل الآن، منها ما هو على صورة طيارة بأجنحتها وذنبها ومحركاتها ودواليبها، ومنها ما هو على شكل عربة بخيولها ولجمها وسائقها، كل ذلك مصوّر مشكّل دقيق الصنعة؛ ومنها ما هو على هيئة سرير فيه فراش ووسادة من الحرير، وفي كل منها قبضة من السكر والشكلاطة وهي ملفوفة بالورق الصقيل الشفاف، معقود عليها شريط من خالص القزّ، لا نقلّ ثمن إحداها عن عشرين ليرة سورية. فلما ذهبنا نفتحها تقطع الشريط وتمزّق الورق. ثم تسلمها منا أولاد الدار، وأبناء الضيوف، لأنها لعب خلقت لهم لا للكبار، فلم تكن إلا أيام حتى تكسرت في أيديهم، وكيف لا تتكسر وهي مصنوعة من قطع الخشب الملون، لا تحتمل صدمة ولا نقرة، وعادت حطباً انتهى به الطريق إلى المدفأة، فاحترقت أربعمائة ليرة كان يمكن أن يشترى بها من (خبز البلدية) عشرون ألف رغيف (٢)، ومن الثياب النسائية المستعملة (التي توزعها وزارة التموين) أربعمائة ثوب، ويمكن أن يتزوج بها من الفقراء أربعة رجال. هذا وأنا رجل معتزل الناس لا أديم مواصلتهم، ولا أؤدي حقوقهم، خارج على مواضعاتهم، ثائر على عاداتهم،
стр. 26
لا أصنع إلا ما أجده نافعاً معقولاً، ولي من جرأة جناني، ومضاء لساني عاصم من لومهم وتعنيفهم، وهذا هو المولود الثالث لا الأول، فكيف تكون الحال لو كنت من الأثرياء الذين يخالطون الناس، ويقومون بحقوقهم؟ وكيف لو كان المولود صبياً بكراً؟
ففكروا كم ننفق من الأموال في أشياء لا يأتي منها خير، وما في تركها ضرر، ونحن نشكو الفقر والمرض والجهل؟
أعرف رجلاً تزوج فأهدي إليه يوم زفافه، من أصدقائه وصديقاته وأقربائه وقريباته، مائة وست عشرة باقة زهر، ثمن أدناها خمس ليرات، وقد يبلغ ثمن أعلاها العشرين، فحار أولاً أين يضعها، ومن أين يأتي لها بالكؤوس والأواني، ثم بدا له فجعلها حول سرير العروسين، فكان لها منظر رائع خلاب، ثم مرت الأيام ففسدت وجفت فاستأجر رجلاً يحملها ليلقيها في إحدى المزابل!
ألف ليرة تلقى على مزبلة، ونصف الأمة يتضوّر جوعاً!
وأعرف آخر من التجار أبى له سفهه وتبذيره وكفره بنعم الله إلا أن يوزع السكر على نحو خمسمائة مدعوّ لحضور عقد ولده في علب من الفضة في كل منها صحن من البلور، لا أدري من أين جاء بها فما في بلدنا منها، قالوا، إن ثمن الواحدة منها خمس عشرة ليرة، فهذه سبعة آلاف وخمسمائة ليرة، دون باقي المصروفات، في الفرش والزينة والثياب. وإن من نساء هؤلاء النفر من التجار الفجار الأشرار (١) من تشتري المعطف الواحد بألف ليرة، وإذا لم تصدقوا فاسألوا تجار الفرو!
والتبذير في أتراح هؤلاء الأغنياء لا يقل عنه في أفراحهم، فلا تخرج جنازة أحدهم حتى يمشي معها رجال المولوية بقلانسهم التي تشبه علب اللبن، وثيابهم التي تحكي إذا داروا المخاليط الناقصة التي وصفوها لنا في درس الهندسة أيام المدرسة (٢)، ولا يمشون حتى يقبض شيخهم الرسم المقرر، خمسمائة ليرة. وأمام
стр. 27
الجنازة الآس والحناء، وبعدها حفلة (التنزيلة)، ثم (الصباحية) و (العصرية) وللنساء فيها كسوة خاصية تشترى من أجلها، فلا يصك الميت إلى القبر حتى ينفق عليه إن كان من الموسرين خمسة آلاف ليرة، ما أنفق قرش واحد منها في طاعة الله!
وإن حول كل دار من هذه الدور التي تهدر فيها الأموال لمَساكن فيها ناس مثلنا، من بني آدم، من إخواننا في الدين وفي الوطن وفي اللسان، يشتهون عشر معشارها، أو أقلّ منه، ليشتروا به طعاماً يملأ بطون أولادهم، وثياباً تستر أجسادهم، وإن لهؤلاء الناس (لو عرف الأغنياء!) عيوناً تنظر كعيوننا، وقلوباً تتألم كقلوبنا، ولهم بنون وبنات هم قطع أكبادهم، وهم (على هلهلة ثيابهم ووساخة أبدانهم) أحبّةٌ إليهم أعزة عليهم كعزة أولادنا علينا، وربما كانوا أزكى من أولادنا نفوساً وأطهر، وأذكى عقولاً وأمهر، وكانوا أرضى لله وأنفع للوطن منا، ولكن الفقر عطل قرائحهم، وكفَّ أيديهم، وكبل أرجلهم. إن هؤلاء وإن لم يكن في أعراسهم طاقات الزهر، ولم يكن في جنائزهم مولوية ولا آس، ولم يعرفوا طريق المدارس والملاهي، ولم يزهوا بغالي الثياب، ولم يتمددوا على أرائك السيارات، ولم يعرفوا المشيخة التي يأكلون بها الدنيا بالدين، ولا الزعامة التي يجمعون بها المال بالوطنية، إنهم هم عماد هذا الوطن، وهم جمهرة أهله، هم يزرعون القمح ويقدمونه إلينا ثم يعيشون على الذرة والشعير، وهم يبنون لنا القصور ثم يقيمون في الأكواخ مع البقر والحمير، وهم يصنعون بأيديهم (الشكلاطة) التي لا يذوقونها، ويحيكون الثياب التي لا يلبسونها، وهم يسهرون في الطرقات ليحرسونا ونحن نيام، وهم يمشون إلى الميادين ليدافعوا عن أوطاننا ونحن آمنون، وهم قد دفعوا ثمن الاستقلال مهجهم وأرواحهم، ثم لم يتخذوا من خيراته شيئاً.
إن هؤلاء هم ركن الوطن وعماده، وهم أهله وقطانه، فحرام علينا أن ننساهم ونهملهم! حرام أن تبقى هذه الأموال ضائعة، وهذه البطون جائعة! حرام في دين الله، وفي شرعة الإنسانية، وفي قانون الشرف! فأين المصلحون؟ أين المصلحون؟ أين رجال الجمعيات؟ أين أرباب الأقلام؟
стр. 28
لقد كنت أصْفَح (أعداداً) عتيقة من مجلة الهلال، فوجدت في (عدد) منها أن في بلاد السويد جمعية اسمها (جمعية أمناء الأزهار) عملها جمعُ الأموال التي يشتري بها أهل الميت وأصدقاؤه طاقات الزهور التي تحمل مع الجنازة ثم توضع على القبر، وإنفاقها في بناء مساكن صحية للعمال والفقراء، يسكنون فيها بأجر يسير، وأنها أنشأت (إلى تاريخ ذلك الخبر) نحواً من ألف مسكن.
فلماذا لا يكون فينا رجال مثل رجال هذه الجمعية، يأخذون المال من هنا، فيضعونه هناك، فيصلحون به أخلاق الأمة بإنقاذها من داء التبذير والأثرة والمفاخرة بالباطل، ويدفعون عن أغنيائها حسد فقرائها وبغضاءهم، ويعودون عليها بالخير لها في أجسادها وعقولها وصناعاتها وحضارتها إذ ينفقون هذا المال فيما هو أولى به من وجوه الإصلاح؟
لماذا نأخذ عن الأوروبيين السم وندع الترياق؟
كم ينفق في الشام ومصر والعراق وسائر بلدان هذا الشرق الإسلامي في الزفاف وحفلاته، والمأتم وملحقاته، والأعياد والمواسم وأيام الولادة والختان، فيما لا ينفع أحداً البتة، ولا يعود عليه بعائدة، ولا تناله منه فائدة؟
حتام تهدر الأموال ويراق الذهب، اتباعاً لعادات قبيحة وتقليداً كتقليد القردة، وجمهور هذا الشعب يشكو الفقر والمرض والجهل؟
هل تذهب بشاشة العيد ويمحَّى رواؤه، لو اصطلح الناس فيه على تقديم السكر الملبَّس الوطني بدلاً من الشكولاتة وصرفوا فرق الأثمان في بناء مدرسة أو مستشفى في كل بلد؟
هل يبطل أنس العرس، وتضيع بهجته إذا لم يكن فيه إلا طاقتان من الزهر؟
هل يكتب على العروسين الشقاء الدائم إذا وزعت الحلوى على المدعوّين في قراطيس بدلاً من العلب؟
هل يحرم الميت التقي من نعيم الجنة، ويضاعف على الشقي العذاب إذا
стр. 29
لم يمش في جنازته رجال الطريقة المولوية التي لا يقول بها عقل ولا نقل، ولا يقرّها شرع ولا طبع؟
فإلى متى نضيع أموالاً نحن اليوم أحوج إليها من كل يوم مضى لأننا في عهد تجديد وبنيان، ولأننا في أول طريق الاستقلال؟
فيا أيها الأغنياء لا تغتروا فإن النعم لا تدور، وإن مع اليوم غداً، وإن بعد الحياة موتاً، وإن بعد الموت لحساباً عسيراً، أمام رب الأرباب الذي خلقكم وخلق الفقراء من طينة واحدة، لم يخلقهم من التراب ويخلقكم من الاسمنت المسلح، ولم يميزكم عنهم إلا بمال أعاركموه ليكون محنة لكم وليطول عليه حسابكم.
ويا أيها المصلحون هذا باب من أوسع أبواب الإصلاح فلجوه بارك الله فيكم إن فعلتم، وأيّدكم.
ويا رب منك أنت التوفيق، فأعط المخلصين مقدرة، وأعط القادرين إخلاصاً، فإننا نشكو إليك شكاة عمر: ضعف التقي وفجور القويّ!
***
стр. 30
مستقبل الأدب
نشرت سنة ١٩٤٧
تزدحم المساجد قبيل الامتحان بجماعات الطلاب، يتحلقون فيها حلقاً، يطالعون ويقرؤون، وقد مررت مرة بحلقة فيها نفر فهمت من كلامهم أنهم من طلبة العربية والأدب، في المدارس العالية، فقعدت قريباً منهم أستمع إليهم، وكان واحد منهم يقرأ في كتاب، فما رأيته سلمتْ له خمسةُ أسطر متتابعات، وما مرّ على خمسة أسطر إلا رفع فيها منخفضاً، وخفض مرتفعاً وحرف الكلم عن مواضعها، وأزالها عن منازلها، ولم يدع لغوياً ولا نحوياً ولا عالماً بالعربية من لَدُنْ أبي عمرو إلى الأشموني، إلا نبش قبره وبعثر عظمه، ولعن بجهله أباه وأمه، أما الطلاب الحاضرون فكان منهم من يتنبه لِلحنة الظاهرة، فيردّه عنها، ويغفل عن الخفية، وسائرهم (١) في عمى عن ظاهرها وخفيها، ودقيقها وجليلها، فضاق صدري، حتى خفت أن يتفجر بغضبة للعربية، لا أدري ما عاقبتها فحملت نعلي وخرجت هارباً أسعى.
وذهبت فسألت المدرسين فعلمت أن هذا القارىء ليس بدعاً في الطلاب وليس المتفرد في هذه (العبقرية) في الجهل، وهذا (التبريز ...) فيه، وإنما هو النموذج الصادق لأكثر طلاب المدارس في هذه الأيام، واجتمعت بعد ذلك بكثير من طلاب المدارس العالية، فما كدت أجد في أكثرهم من يشبه أو يداني أصحابنا يوم كنا في أوائل الدراسة الثانوية، لا أقول هذا فخراً بأصحابنا، ولكن تذكرة لهؤلاء، وحثاً لهم على الجد في طلب العلم، وبياناً لما هبطوا إليه، وما رضوه لأنفسهم من ترك العلم اعتماداً على شهادات ينالونها، أو كراسي يركبونها،
стр. 31
أو وظائف (١) يقبضونها، حتى صارت الشكوى من الضعف في العربية عامة في مصر والشام والعراق، وحتى صار من أبواب التسلية للأدباء، أن يفكروا في (تيسير) تعلم العربية، بقلب قواعدها وتنكيس أوضاعها، وابتداع البدع في نحوها وصرفها، أو بهدم بنيانها، وصرم نظامها، بـ (تسكين أواخر كلماتها)، و (ترك إعرابها)، أو بنسفها من أساسها، وقلعها من جذورها، باستعمال الحروف اللاتينية أولاً، والكلمات العامية ثانياً، وما لا يعرفه إلا الله ثالثاً. وما إلى شيء من ذلك حاجة، ولا له فائدة، وما باللغة تعسير حتى نبتغي لها أوجه التيسير، ولكنْ في العزائم خور، وفي الهمم ضعف، وفي الشباب انصراف عن العلم!
هذه هي الحقيقة، وإلا فهل صلحت اللغة برسمها (٢) وعلومها هذه القرون الأربعة عشر، وصبرت على حكم الأتراك أولاً ثم الفرس، ثم المغول، ثم المماليك العبيد، ثم الأتراك أخيراً، ورأت عصور الانحطاط، وعهود التخلف وكانت في كل ذلك طاهرة ظافرة، حتى لم يخل عصر من مؤلفين في النحو والصرف والبلاغة والأدب، وحتى وضع القاموس أشهر معاجمنا في عهد العثمانيين، وألف شرحه الجليل بعد الألف للهجرة، وحتى كان طلبة العلم في الدهور كلها عاكفين على النحو والصرف والبلاغة، إن لم ينالوا ثمرتها فقد حفظوا قواعدها، وإن لم يحصلوا سليقة العرب، فقد أحاطوا بعلوم الأدب. هل صلحت اللغة في هذه القرون وبدا الآن فسادها؟ وهل استسهلها الفرس والروم والأتراك والهنود حتى ظهر منهم علماء أجلاء فيها، ولم تصعب إلا على أبناء العرب الأقحاح، بعد ما طلع فجر النهضة، وبدا النور؟ وما لشبابنا وحدهم دون شباب العرب في كل العصور، هم الذين عجزوا عن تعلمها والتمكن منها؟ أهم أقلّ ذكاء، وأضعف عقلاً، منهم جميعاً ومنا لما كنا في مثل أسنانهم قبل عشرين سنة؟ لا، بل هم أذكى منا، ووسائل التعلم في هذه الأيام أكثر،
стр. 32
وطريقته أسهل، وربَّ بحث كنا نتصيد مسائله من متفرقات الكتب يرى الآن مجموعاً في كتاب واحد، ينادي: من يقرأ فيَّ؟ فما لهم يستصعبون العربية؟
وهل العربية أصعب عليهم من الكيمياء والجبر والهندسة، وهذه الألسن التي يزحم بعضها في رأس الطالب بعضاً من تعددها وما لأكثرها من فائدة تلمس، أو عائدة تحس: اللاتينية (١) التي أخذناها تقليداً بلا علم، والسريانية والعبرية والفارسية والتركية، ثم الفرنسية والإنكليزية وما لست أدري ماذا أيضاً؟ أهذه العلوم وهذه الألسن كلها سهلة جميلة، كأنها قصة من قصص الغرام، يشربها الطالب مع الماء، ويأكلها مع الحلوى، والصعوبة كلها في العربية؟
وإذا كانت هذه العلوم وهذه الألسن صعبة كلها فما هو السهل الذي يذهب الطالب إلى المدرسة ليتعلمه؟ ولماذا نفتح المدارس ونرهق الأمة بنفقاتها، ونحمل خريجيها على أعناق الناس حملاً، بما حصلوا من العلم، وما نالوا من الشهادة؟
لا، ليس في العربية صعوبة، ولا في كتابتها وعلومها تعسير، هذه ضلالة يجب أن ينتهي حديثها، وأن لا نعود إلى إضاعة الوقت، وإفساد النشء، في الكلام فيها. ويجب أن نحببها إلى الطلاب، ونرغبهم في مطالعة كتبها، حتى يألفوها، ويسهل عليهم فهمها، ولقد كنا في المدارس الابتدائية نقرأ الكتب العلمية الكبيرة حتى إني قرأت (حياة الحيوان للدميري) -وقد وقع في يدي اتفاقاً- قبل أن آخذ شهادتها، وقرأت (الأغاني) كله -متخطياً إسناده، وما لا أفهم منه- في صيف السنة الثانوية الأولى، وكنا يومئذ نحسن المراجعة في الخضري وفي المغنى، وكان فينا من ينظم ويكتب، وعندي مقالات كتبتها في تلك الأيام، قد لا ترضيني أفكارها ولكن أسلوبها يرضيني اليوم.
وكنا نختلف إلى بعض العلماء، نسمع دروسهم العامة في المساجد، ودروسهم الخاصة في البيوت فما أكملنا الدراسة الثانوية حتى قرأنا مع علومها،
стр. 33
النحو على المشايخ والبلاغة والفقه والأصول والحديث، وحضرنا كتباً في التفسير والكلام والتصوف، وعرفنا عشرات من أمّات (١) كتب العلم، قرأنا فيها أو تصفحناها أو رجعنا إليها، وحفظنا أسماء مئات من أعلام الإسلام من الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين والمفسرين والفلاسفة والقواد والأدباء والشعراء، حتى صارت أسناد الحديث والأدب مألوفة لنا، لكثرة من عرفنا من رجالها، ومن لا نعرفه نرجع إلى ترجمته، وكنا في الثانوي نرجع إلى الإصابة وأسد الغابة والاستيعاب، وتهذيب التهذيب، وتهذيب الأسماء واللغات وابن خلكان والفوات ومعجم الأدباء، وطبقات السبكي وتاريخ الخطيب، وابن عساكر، والديباج المذهب، وطبقات الحنفية والبغية، وتاريخ الخلفاء والقفطي وابن أبي أصيبعة، وكانت هذه الكتب كلها -وأخرى نسيتها- في مكتبة أبي وكانت تحت يدي من تلك الأيام.
وقد نبغ في صفنا (فصلنا) جماعة من الأعلام، كسعيد الأفغاني، وجمال الفرا، ووجيه السمان، وأنور الشلاح، ومحمود البحري، وقد نبغ في الصف الذي أمامنا طائفة أخرى من الأعلام كأسعد الكوراني، وأنور العطار، وجميل سلطان، وزكي المحاسبي، وعبدالكريم الكرمي. وفي الصف الذي بعدنا محمود مهدي الاسطنبولي، وظافر القاسمي، وأحمد مظهر العظمة، ومحمد كمال الخطيب.
وما كانت تمر سنة لا ينبغ فيها نابغون في الأدب والعلم، وممن نبغ في صفنا في كلية الحقوق، مصطفى الزرقا ويونس السبعاوي وصديق شنشل وبدرالدين الكاتب وعادل العدواني.
ثم شح الينبوع، ثم جفَّ أو كاد، حتى ما نجد في السنين الطوال كاتباً ينبغ في الشام، أو شاعراً يظهر، أو محققاً يرى، وما زال الأمر إلى تخلّف ولقد اشتغلت بالتعليم دهراً في الشام والعراق ولبنان فما فارقت فوجاً من الطلاب إلا استقبلت أضعف منه، حتى انتهى بي الأمر، أن دعيت (من سنتين) إلى تدريس الأدب لطلاب السنة الأخيرة من مدرسة ثانوية، فدخلت فوجدت
стр. 34
رجالاً كباراً، لهم طول وعرض، وأناقة في الثياب، ولباقة في الخطاب، وسمت ووقار، فهبتهم وأعددت العدة لتعليمهم، وحشدت كل ما أعطيت من قوة وعلم، على ضعف قوتي وقلة علمي، ومضيت على سنني حتى جاء موعد سؤالهم، فإذا هم من أئمة الجاهلين، وإذا هم لا يحسنون قراءة بيت ولا فهمه ولا إعرابه، ففررت منهم لما عرفتهم، ووجدت أني إن كلمت ثيابهم وهيئاتهم منعتني جهالتهم، وإن خاطبت جهالتهم منعتني هيئاتهم.
فالحكاية ليست حكاية كتابة تسهل، ولا قواعد تيسَّر، ولا أغراض خبيثة تحقق من وراء هذه السُتُر اللماعة، ولا سموم تقدم في هذه الكأس البراقة، ولكنها مشكلة المعلم أولاً، والتلميذ ثانياً.
وما دام في معلمي العربية من هم أصحاب شهادات لا أصحاب علم، خطفوا مسائله في المدارس خطفاً، وحفظوها حفظاً، ومنهم من تعلمها في ديار الغرب، وجاء منها بدكتورات حرب (١) وما دامت دروس العربية تلقى بالعامية، وما دام مدرس الأدب يتكلم ساعة عن أبي تمام وأدبه وما قيل فيه، ولكنه لا يفهم بيتين من شعره، ولا يحسن شرحهما، ويعلم الأدب وما هو بأديب، وما دام يتصدر للامامة في (فن القول) (٢) من لا يدري ما يقول - فمن أين يتلقى الطالب العربية؟
فهاتوا المعلم القوي في علوم اللغة، صاحب الاطلاع فيها، والذوق في فهمها، يصلح هو فساد المناهج، ويقوم اعوجاج الكتب، وييسر عسر اللغة، (إن كان فيها من عسر!) وهذا المعلم لا يوزن بميزان الشهادات وحدها، إلا إذا جاء وقت لا تعطى فيه الشهادات إلا لأربابها، وتكون شهادة حق لا شهادة زور، ففتشوا أنتم الآن عن ميزان آخر!
أما التلميذ فيجب أن نحبب إليه المطالعة، ونعرفه قيمة العلم ونذيقه
стр. 35
لذته، ولا يكون ذلك ما دامت المجلات والمطابع مفتحة أبوابها، لكل هذيان وعبث صبيان.
وبيان ذلك أن في نفس كل ناشىء في الأدب حباً للظهور، وهوى للنشر، فلا يجدّ إن جدّ إلا ليلقى اسمه على رأس مقالة في مجلة، أو على غلاف كتاب، ولقد كان الواحد من أصحابنا يتمنى أن ينشر ما يكتبه بعد طول الكد، ومتابعة السهر، في جريدة محلية، ثم يرتقي إلى المجلة الصغيرة، ثم يتدرج حتى يصل إلى مثل الرسالة أو الثقافة. هكذا كنا، وهكذا كانت لهذه المجلات هيبة في نفوسنا، فلا نقدم عليها إلا بعد الاستعداد، ولا نقدم لها إلا ما نعتقد أنه جيِّد، فتبدلت الحال؟ وعلا الشباب (بالغرور)، وهبطت هذه المجلات، حتى صرنا نرى الغلام المبتدئ، يكتب مقالته الأولى فلا يراها أقل من أن تنشر في الرسالة مثلاً، مع مقالة العقاد والزيات، ولا يعدم بعد إدمان القرع للأبواب من يفتح له باب مجلة من هذه المجلات.
هذا الشاب الذي يرى أنه وصل إلى الغاية بلا تعب، ونال ما يطلب بلا مشقة، لا يجد بعد ذلك ما يدفعه إلى سهر الليالي، وتقريح الجفون، في مسامرة الكتب، والازدياد من العلم.
فليس الخطب في ضعف الطلاب وعجز المعلمين ولكنه خطب الأدب. إنها إن استمرت هذا الحال، ومات هؤلاء الكتاب البلغاء، وكل حي إلى ممات ولو طال به الأجل، فإنكم ستتلفتون تفتشون عن كاتب بليغ، أو شاعر مفلق، فلا تجدون. فأعدُّوا من الآن شباباً تدخرونهم لذلك اليوم العصيب، وإلا فعلى اللغة والأدب والبيان السلام!
***
стр. 36
رجل في ملابس النساء
نُشرت في مصر سنة ١٩٤٧
قرأت في (أخبار اليوم) آن الشرطة عثرت على (فلان) قتيلاً في داره. وقالت عن هذا القتيل أنه كان يلبس ملابس النساء، ويفضلها على ملابس الرجال، لأن أمه لما ولدته كانت ترجو أن يكون بنتاً لذلك دعته (فلانة) وألبسته ملابس البنات ونشأته على ذلك، وقالت الجريدة أنه كان غنياً واسع الثروة فأراد يوماً أن يؤلف لجنة في (حزب سياسي) للسيدات يكون هو رئيسها فأوفدت إليه الشرطة من يهدده بالاعتقال والنفي إلى الطور إن هو فعل.
...
قرأت هذا فوقفت عنده وفكرت فيه، فوجدت الجريدة قد ساقت هذا الخبر لتعجّب الناس من أمرين هما: لبس الرجل لباس المرأة، ودخوله في لجنة السيدات - وما في واحد منهما عجب، ولا أدري ماذا وجدت فيه الجريدة حتى عجّبت منه الناس! وما دمنا لا ننكر على المرأة أن تلبس لباس الرجل وتستعير سراويلاته (بنطالونه)، وتجزّ شعرها تشبهاً به، وتتخذ مثل قميصه وردائه؛ فلماذا ننكر على الرجل أن يلبس ثيابها مرة واحدة؟.
ولماذا ننكر عليه دخوله مرة واحدة في لجنة السيدات، ولا ننكر على السيدات دخولهن في لجان الرجال ومشاركتهم في أعمالهم، من سوق السيارة إلى تدريس الجامعة؟ وأيهما أعجب وأغرب، وأبعد عن سنن الله ومألوف الناس أأن يرأس رجل لجنة السيدات في حزب من الأحزاب، أم أن تقعد آنسة جميلة على منبر التدريس مثلاً؛ تعلم شباباً كباراً، علماً لم تختص هي به، ولم تنفرد بحمله، ولم ينقرض الرجال حتى لم يبق لتدريسه إلا هي، وليست أصلح له ولا أقدر عليه من رجال هم مستعدون للقيام به، راغبون في أدائه؟.
стр. 37
فلماذا نستضعف الرجل فنحمل عليه، ونظلمه هذا الظلم البينّ، ونهاب الجنس (المخيف) أن نقول لأهله كلمة أو نشير إشارة؟.
وأين المساواة بين الجنسين التي ندعو إليها دائماً، ونتجمل بترديدها، ونتباهى بها، ونحن لا نفهم معناها، ولا ندري علام تدل وإلام توصل؟.
...
وهل أنفرد هذا الرجل وحده بلبسه غير لباسه، وتزيّيه بغير زيّه؟ ألسنا نرى كل يوم أناساً يتزيّون بزيّ الصالحين، ويحملون سبحات المسبحين، ويقومون في المساجد مع المصلين، ثم لا تعاملهم إلا غشّوك، ولا تَخْبُرهم إلا وجدتهم طلاب مراتب ورواتب، أو باغي (١) منافع، ولا تراهم إلا متزلفّين لكل صاحب سلطان، خاضعين له، يؤثرون رضاه على رضا الله، ويخافون غضبه أكثر من غضب الله. إذا رأوا الحرام منه خرسوا عنه، وإن رأوا المكروه من غيره أقاموا الدنيا عليه.
ومشايخ طرق ظاهرهم مع مريديهم ظاهر الفقراء الزاهدين، وحقائقهم مع أهليهم وإخوانهم، حقائق الفساق الذين ينتهكون كل حرمة، ويبتغون كل لذة، ويعيشون حياة ليس فيها شيء لله ولا للشرف.
أولسنا نرى كل يوم عملاء للأجانب، يدرسون على حساب الأجنبي في مدارسه، ويتربون على يديه، ويسبِّحون بحمده، يتوجهون أنّى وجههم، ويعملون له فيما استعملهم، ويعرفهم الناس صنائعه وعبيده، يلبسون فجأة ثياب الوطنيين المخلصين، أو دعاة الدين الصالحين، ثم يدخلون (بأمر الأجنبي) الحزب أو الجمعية، فلا يلبثون أن يكونوا هم أربابها، وأن يقصوا عنها أصحابها ثم يصرِّفوها لمصلحة الأجنبي، يخدمونه وهم يسبّونه، قلوبهم وأيديهم معه وألسنتهم عليه، وعملهم لمصلحته وإن كانت ظواهرهم لمحاربته؟.
стр. 38
أولسنا نرى أغبياء جهلاء يلبسون ثياب العلماء الأذكياء، وأدنياء يزهون بحلل الأعلياء، وأعداء يرتدون أردية الأصدقاء؟.
فلماذا نفرد هذا القتيل المسكين بالملامة، ونخصه بالنقد؟
...
وهل كل من حمل شارب الرجل، ولبس لباسه، كان رجلاً؟ لو كان هؤلاء كلهم رجالاً فهل كان يمكن أن تبقى بلاد العرب إلى اليوم مجزأة مقطعة، تفصل بينها حدود، يطؤها الأجنبي ويتحكم فيها، ويستغلها ويستعبد أبناءها؟ إن الرجال حقاً هم الأربعون الذين كانوا مستخفين في دار الأرقم في أصل الصفا، فلم تمر عليهم ثلاثون سنة حتى فتحوا نصف الدنيا، لا هؤلاء (الخمسمائة مليون) (١) الذين ناموا منذ ثلاثمائة سنة حتى تجرأت عليهم نصف شعوب الدنيا؟ لسكان هؤلاء رجالاً حقاً واجتمعوا على الأسطول الإنكليزي لحملوه حملاً على أكتافهم، ولو نفخوا كلهم نفخة واحدة لطيّروا الجيش الإنكليزي المرابط عند القناة (٢).
ولكنه أشباه الرجال؛ ولبسهم لباس الرجال لا يقل عجباً وغرابة، عن لبس هذا القتيل لباس النساء
...
ولماذا ننكر عليه أن يكون رئيس لجنة السيدات الـ (حزبيات) ولا ننكر على السيدات أن يؤلفن هذه اللجنة؟ وما للسيدات وأعمال الأحزاب؟ إنه إن دخل فيها فهذا عمله، وهذا مكانه، ليس هو الطارئ عليه الواغل فيه، ولكن السيدات المحترمات! فهن أولى بالإنكار، وأحق بالمنع، لا احتقاراً لهن وزراية عليهن بل إكراماً لهن، وترفعاً بهن أن ينزلن إلى هذه المنزلة، وينحططن إلى هذه الدركة، وهل جنى الرجال من الحزبيات في بلادنا خيراً حتى يجنيه منها للنساء؟ هل رأينا فيها إلا التفرقة والانقسام، واستغلال نفر منا إخلاص المخلصين، واندفاع المندفعين، وطمع الطامعين، للوصول إلى كراسي الحكم، والتمتع
стр. 39
بأموال الدولة؟ وماذا يرى المراقب البعيد، من تبدل الحكومات في هذا الشرق العربي، وتعاقب الأحزاب عليها، إلا تبدل الوجوه، وتغيّر الأشخاص، أما الأسلوب فهو واحد، والسياسة واحدة، يتبدل الوزَّان ويبقى الميزان؟ والميزان مختل، والقبّ مائل، والصنجات ضائعات
...
أولسنا جميعاً مثل هذا القتيل نلبس لباساً لم يفصّل لنا، ولم يقس علينا، ولكنه خيط لغيرنا، فأخذناه كما هو بلا إصلاح، ومشينا فيه كما يمشي الطفل بحلة أبيه يتعز بها فيسقط، فيُضحك أهلَه عليه، ويسليّهم بفعله.
لقد أخذنا هذه المدنية كما هي، لم نحكم فيها عقولنا وشرائعنا وطبائع بلادنا ولوازم معيشتنا كما تفعل كل أمة في الدنيا، إذ تستوي الأمم في أصول الحضارات، وأسس المدنيات، ولكنها تختلف في التفاصيل، فلا تبني البيوت وتخاط الثياب في البلاد الباردة كما تبني وتخاط في البلاد الحارة، ولا تخطط المدن في شعاب الجبال كما تخطط في السهول أو على سواحل البحار، ولا تكون الأطعمة في حدود القطب كما تكون في خط الاستواء، وما يسوغ ويقبل في بلد قد ينكر ويردّ في بلد، وما يحسن في لسان من أساليب البيان يقبح في لسان، وما يجمل في أذن من ألحان الغناء يبشع في أذن، ليس في الدنيا بَلَدان متحضران تستوي فيهما هذه الدقائق كلها، وإلا لما كان معنى لاختلاف الحضارات، وتعدد الثقافات، وتكلف مشاق الرحلات، ولكان السائح الذي يرى فرنسا كأنه رأى ألمانيا، والذي يبصر أميركا كأنه أبصر روسيا، وليس في الدنيا حضارة أصلية إلا ولها طابع خاص بها، فما هو طابعنا نحن في حضارتنا الجديدة؟ ما هو الثوب الذي نلبسه؟
ادخل أي دار من الدور، وسر في أي شارع من الشوارع، في مصر أو الشام أو العراق، نجد الجواب، تجد في الدار الواحدة غرفة مفروشة بالبساط والوسادة وفيها فراش على الأرض، وغرفة فيها أحدث ما صنع من الأرائك والكراسي والمناضد، ودقق في هذه الغرفة تجد فيها خليطاً من الذوق الفرنسي والإنكليزي، وفي صدرها مرآة من أسلوب عهد لويس الرابع عشر، وأمامها نضد على الطريقة الأميركية، وتجد بين الأم وبنتها في اللباس والعادات والأفكار
стр. 40
قرناً كاملاً، وتجد بين الدار وأختها فرقاً هائلاً، في العمارة والفرش والذوق والترتيب، مع أنك تدخل بيوت عمارة يسكنها إنكليز أو فرنسيون فتحسّ على اختلاف الغنى والذوق، أن لها طابعاً عاماً يبدو على كل منها، وإن تفاوتت درجات ظهوره وخفائه؛ وتجد في الشارع ألواناً من الألبسة والأزياء، يحسبها الغريب أزياء عيد المساخر (الكرنفال). وادخل المدارس تجد في المناهج، وفي المبادئ العلمية والسياسية والاجتماعية التي تعرض على التلميذ، وفي آراء المدرسين ومذاهبهم (كرنفالاً) آخر؟ ولكنه أغرب وأشد اختلافاً، وأكبر ضرراً. وفي المبادئ الحقوقية في التشريع، وفي المذاهب البيانية في الأدب، وفي الصحافة وفي السينما وفي كل شيء (كرنفال) ضخم، ليس له يوم واحد ينقضي بانقضائه، ولكنه دائم باق ما له انقضاء.
وأنا لا أدعو لنبذ الحضارة الغربية، بل أدعو إلى أخذ ما ينفعنا منها، وأن لا نأخذها أخذ العامي للرادّ (الراديو)، لا يفهم منه إلا أنه يأتيه بالأصوات فيفتحه على مصراعيه، ويزعج به الجيران، ويكرّه إليهم الحياة بجواره، بل أخذ العالم الذي يعرف وجوه استعماله، ويدرك تركيبه، فيصلحه إذا فسد، ويكمله إذا وجده ناقصاً، ويصنع مثله أو يخترع أحسن منه، أي أن نتعلم علومهم، ونتقن فنونهم، وندرس أخلاقهم، ثم نرى ما يزيدنا منها قوة وسعادة، للفرد منا والجماعة، وسهولة في العمل، ولذة في المعيشة، فنأخذه كما هو أو نعدله حتى يصلح لنا، وأن ننقله إلينا، ونجعله ملكاً لنا، لا أن ننتقل به إلى أمة غير أمتنا، وطبيعة غير طبيعتنا، وأن ننظر ما فعله أجدادنا في أول العهد العباسي، مع الحضارة الفارسية مثلاً فنصنع مثله، إنهم أخذوا كل نافع في الطعام والشراب واللباس والمسكن وفنون القول وطرائق الفكر، ولكنهم لم يصيروا به فرساً، بل جعلوا به الفرس عرباً، أما أن نأخذ النافع والضار، والجليل والحقير، بلا فهم ولا علم، فهذا تقليد كتقليد القردة.
...
وبعد، فلماذا ننكر على هذا الرجل أنه فقد عزة الرجولة، واتخذ لباس لمرأة، ولا ننكر على الكثرة الكاثرة من هذه الأمة أنها فقدت عزتها، واعتدادها