رجل في ملابس النساء
نُشرت في مصر سنة ١٩٤٧
قرأت في (أخبار اليوم) آن الشرطة عثرت على (فلان) قتيلاً في داره. وقالت عن هذا القتيل أنه كان يلبس ملابس النساء، ويفضلها على ملابس الرجال، لأن أمه لما ولدته كانت ترجو أن يكون بنتاً لذلك دعته (فلانة) وألبسته ملابس البنات ونشأته على ذلك، وقالت الجريدة أنه كان غنياً واسع الثروة فأراد يوماً أن يؤلف لجنة في (حزب سياسي) للسيدات يكون هو رئيسها فأوفدت إليه الشرطة من يهدده بالاعتقال والنفي إلى الطور إن هو فعل.
...
قرأت هذا فوقفت عنده وفكرت فيه، فوجدت الجريدة قد ساقت هذا الخبر لتعجّب الناس من أمرين هما: لبس الرجل لباس المرأة، ودخوله في لجنة السيدات - وما في واحد منهما عجب، ولا أدري ماذا وجدت فيه الجريدة حتى عجّبت منه الناس! وما دمنا لا ننكر على المرأة أن تلبس لباس الرجل وتستعير سراويلاته (بنطالونه)، وتجزّ شعرها تشبهاً به، وتتخذ مثل قميصه وردائه؛ فلماذا ننكر على الرجل أن يلبس ثيابها مرة واحدة؟.
ولماذا ننكر عليه دخوله مرة واحدة في لجنة السيدات، ولا ننكر على السيدات دخولهن في لجان الرجال ومشاركتهم في أعمالهم، من سوق السيارة إلى تدريس الجامعة؟ وأيهما أعجب وأغرب، وأبعد عن سنن الله ومألوف الناس أأن يرأس رجل لجنة السيدات في حزب من الأحزاب، أم أن تقعد آنسة جميلة على منبر التدريس مثلاً؛ تعلم شباباً كباراً، علماً لم تختص هي به، ولم تنفرد بحمله، ولم ينقرض الرجال حتى لم يبق لتدريسه إلا هي، وليست أصلح له ولا أقدر عليه من رجال هم مستعدون للقيام به، راغبون في أدائه؟.
стр. 37
فلماذا نستضعف الرجل فنحمل عليه، ونظلمه هذا الظلم البينّ، ونهاب الجنس (المخيف) أن نقول لأهله كلمة أو نشير إشارة؟.
وأين المساواة بين الجنسين التي ندعو إليها دائماً، ونتجمل بترديدها، ونتباهى بها، ونحن لا نفهم معناها، ولا ندري علام تدل وإلام توصل؟.
...
وهل أنفرد هذا الرجل وحده بلبسه غير لباسه، وتزيّيه بغير زيّه؟ ألسنا نرى كل يوم أناساً يتزيّون بزيّ الصالحين، ويحملون سبحات المسبحين، ويقومون في المساجد مع المصلين، ثم لا تعاملهم إلا غشّوك، ولا تَخْبُرهم إلا وجدتهم طلاب مراتب ورواتب، أو باغي (١) منافع، ولا تراهم إلا متزلفّين لكل صاحب سلطان، خاضعين له، يؤثرون رضاه على رضا الله، ويخافون غضبه أكثر من غضب الله. إذا رأوا الحرام منه خرسوا عنه، وإن رأوا المكروه من غيره أقاموا الدنيا عليه.
ومشايخ طرق ظاهرهم مع مريديهم ظاهر الفقراء الزاهدين، وحقائقهم مع أهليهم وإخوانهم، حقائق الفساق الذين ينتهكون كل حرمة، ويبتغون كل لذة، ويعيشون حياة ليس فيها شيء لله ولا للشرف.
أولسنا نرى كل يوم عملاء للأجانب، يدرسون على حساب الأجنبي في مدارسه، ويتربون على يديه، ويسبِّحون بحمده، يتوجهون أنّى وجههم، ويعملون له فيما استعملهم، ويعرفهم الناس صنائعه وعبيده، يلبسون فجأة ثياب الوطنيين المخلصين، أو دعاة الدين الصالحين، ثم يدخلون (بأمر الأجنبي) الحزب أو الجمعية، فلا يلبثون أن يكونوا هم أربابها، وأن يقصوا عنها أصحابها ثم يصرِّفوها لمصلحة الأجنبي، يخدمونه وهم يسبّونه، قلوبهم وأيديهم معه وألسنتهم عليه، وعملهم لمصلحته وإن كانت ظواهرهم لمحاربته؟.
стр. 38
أولسنا نرى أغبياء جهلاء يلبسون ثياب العلماء الأذكياء، وأدنياء يزهون بحلل الأعلياء، وأعداء يرتدون أردية الأصدقاء؟.
فلماذا نفرد هذا القتيل المسكين بالملامة، ونخصه بالنقد؟
...
وهل كل من حمل شارب الرجل، ولبس لباسه، كان رجلاً؟ لو كان هؤلاء كلهم رجالاً فهل كان يمكن أن تبقى بلاد العرب إلى اليوم مجزأة مقطعة، تفصل بينها حدود، يطؤها الأجنبي ويتحكم فيها، ويستغلها ويستعبد أبناءها؟ إن الرجال حقاً هم الأربعون الذين كانوا مستخفين في دار الأرقم في أصل الصفا، فلم تمر عليهم ثلاثون سنة حتى فتحوا نصف الدنيا، لا هؤلاء (الخمسمائة مليون) (١) الذين ناموا منذ ثلاثمائة سنة حتى تجرأت عليهم نصف شعوب الدنيا؟ لسكان هؤلاء رجالاً حقاً واجتمعوا على الأسطول الإنكليزي لحملوه حملاً على أكتافهم، ولو نفخوا كلهم نفخة واحدة لطيّروا الجيش الإنكليزي المرابط عند القناة (٢).
ولكنه أشباه الرجال؛ ولبسهم لباس الرجال لا يقل عجباً وغرابة، عن لبس هذا القتيل لباس النساء
...
ولماذا ننكر عليه أن يكون رئيس لجنة السيدات الـ (حزبيات) ولا ننكر على السيدات أن يؤلفن هذه اللجنة؟ وما للسيدات وأعمال الأحزاب؟ إنه إن دخل فيها فهذا عمله، وهذا مكانه، ليس هو الطارئ عليه الواغل فيه، ولكن السيدات المحترمات! فهن أولى بالإنكار، وأحق بالمنع، لا احتقاراً لهن وزراية عليهن بل إكراماً لهن، وترفعاً بهن أن ينزلن إلى هذه المنزلة، وينحططن إلى هذه الدركة، وهل جنى الرجال من الحزبيات في بلادنا خيراً حتى يجنيه منها للنساء؟ هل رأينا فيها إلا التفرقة والانقسام، واستغلال نفر منا إخلاص المخلصين، واندفاع المندفعين، وطمع الطامعين، للوصول إلى كراسي الحكم، والتمتع
стр. 39
بأموال الدولة؟ وماذا يرى المراقب البعيد، من تبدل الحكومات في هذا الشرق العربي، وتعاقب الأحزاب عليها، إلا تبدل الوجوه، وتغيّر الأشخاص، أما الأسلوب فهو واحد، والسياسة واحدة، يتبدل الوزَّان ويبقى الميزان؟ والميزان مختل، والقبّ مائل، والصنجات ضائعات
...
أولسنا جميعاً مثل هذا القتيل نلبس لباساً لم يفصّل لنا، ولم يقس علينا، ولكنه خيط لغيرنا، فأخذناه كما هو بلا إصلاح، ومشينا فيه كما يمشي الطفل بحلة أبيه يتعز بها فيسقط، فيُضحك أهلَه عليه، ويسليّهم بفعله.
لقد أخذنا هذه المدنية كما هي، لم نحكم فيها عقولنا وشرائعنا وطبائع بلادنا ولوازم معيشتنا كما تفعل كل أمة في الدنيا، إذ تستوي الأمم في أصول الحضارات، وأسس المدنيات، ولكنها تختلف في التفاصيل، فلا تبني البيوت وتخاط الثياب في البلاد الباردة كما تبني وتخاط في البلاد الحارة، ولا تخطط المدن في شعاب الجبال كما تخطط في السهول أو على سواحل البحار، ولا تكون الأطعمة في حدود القطب كما تكون في خط الاستواء، وما يسوغ ويقبل في بلد قد ينكر ويردّ في بلد، وما يحسن في لسان من أساليب البيان يقبح في لسان، وما يجمل في أذن من ألحان الغناء يبشع في أذن، ليس في الدنيا بَلَدان متحضران تستوي فيهما هذه الدقائق كلها، وإلا لما كان معنى لاختلاف الحضارات، وتعدد الثقافات، وتكلف مشاق الرحلات، ولكان السائح الذي يرى فرنسا كأنه رأى ألمانيا، والذي يبصر أميركا كأنه أبصر روسيا، وليس في الدنيا حضارة أصلية إلا ولها طابع خاص بها، فما هو طابعنا نحن في حضارتنا الجديدة؟ ما هو الثوب الذي نلبسه؟
ادخل أي دار من الدور، وسر في أي شارع من الشوارع، في مصر أو الشام أو العراق، نجد الجواب، تجد في الدار الواحدة غرفة مفروشة بالبساط والوسادة وفيها فراش على الأرض، وغرفة فيها أحدث ما صنع من الأرائك والكراسي والمناضد، ودقق في هذه الغرفة تجد فيها خليطاً من الذوق الفرنسي والإنكليزي، وفي صدرها مرآة من أسلوب عهد لويس الرابع عشر، وأمامها نضد على الطريقة الأميركية، وتجد بين الأم وبنتها في اللباس والعادات والأفكار
стр. 40
قرناً كاملاً، وتجد بين الدار وأختها فرقاً هائلاً، في العمارة والفرش والذوق والترتيب، مع أنك تدخل بيوت عمارة يسكنها إنكليز أو فرنسيون فتحسّ على اختلاف الغنى والذوق، أن لها طابعاً عاماً يبدو على كل منها، وإن تفاوتت درجات ظهوره وخفائه؛ وتجد في الشارع ألواناً من الألبسة والأزياء، يحسبها الغريب أزياء عيد المساخر (الكرنفال). وادخل المدارس تجد في المناهج، وفي المبادئ العلمية والسياسية والاجتماعية التي تعرض على التلميذ، وفي آراء المدرسين ومذاهبهم (كرنفالاً) آخر؟ ولكنه أغرب وأشد اختلافاً، وأكبر ضرراً. وفي المبادئ الحقوقية في التشريع، وفي المذاهب البيانية في الأدب، وفي الصحافة وفي السينما وفي كل شيء (كرنفال) ضخم، ليس له يوم واحد ينقضي بانقضائه، ولكنه دائم باق ما له انقضاء.
وأنا لا أدعو لنبذ الحضارة الغربية، بل أدعو إلى أخذ ما ينفعنا منها، وأن لا نأخذها أخذ العامي للرادّ (الراديو)، لا يفهم منه إلا أنه يأتيه بالأصوات فيفتحه على مصراعيه، ويزعج به الجيران، ويكرّه إليهم الحياة بجواره، بل أخذ العالم الذي يعرف وجوه استعماله، ويدرك تركيبه، فيصلحه إذا فسد، ويكمله إذا وجده ناقصاً، ويصنع مثله أو يخترع أحسن منه، أي أن نتعلم علومهم، ونتقن فنونهم، وندرس أخلاقهم، ثم نرى ما يزيدنا منها قوة وسعادة، للفرد منا والجماعة، وسهولة في العمل، ولذة في المعيشة، فنأخذه كما هو أو نعدله حتى يصلح لنا، وأن ننقله إلينا، ونجعله ملكاً لنا، لا أن ننتقل به إلى أمة غير أمتنا، وطبيعة غير طبيعتنا، وأن ننظر ما فعله أجدادنا في أول العهد العباسي، مع الحضارة الفارسية مثلاً فنصنع مثله، إنهم أخذوا كل نافع في الطعام والشراب واللباس والمسكن وفنون القول وطرائق الفكر، ولكنهم لم يصيروا به فرساً، بل جعلوا به الفرس عرباً، أما أن نأخذ النافع والضار، والجليل والحقير، بلا فهم ولا علم، فهذا تقليد كتقليد القردة.
...
وبعد، فلماذا ننكر على هذا الرجل أنه فقد عزة الرجولة، واتخذ لباس لمرأة، ولا ننكر على الكثرة الكاثرة من هذه الأمة أنها فقدت عزتها، واعتدادها
стр. 41
بنفسها، وكبرياءها القومية، وشعورها أنها أمة هي أعظم الأمم في الجاهلية وفي الإسلام، وأنها إن قدر عليها أن تذل حيناً، فما من أمة إلا وقد ذلت مرة، ولكنها لن تذل مرة أخرى، ولن تعود إلى الغفلة والمنام.
إن رأس أدوائنا هو هذا اللطف، والحرص على أن نكون مؤدبين، لا نؤذي محدثنا أو جليسنا. هذا اللطف، وهذا الإكرام للضيف، هو الذي جرّأ علينا الأجانب، جنوداً وتجاراً، حتى ملكونا بجيوشهم ومعاملهم وشركاتهم ومتاجرهم، ولا خلاص لنا، أعني لا خلاص لمصر من هذا كله إلا بأربع خلائق يجب على كتابها وصحفييها ومدرسيها وصانعي أفلامها أن يعلموها الناس وأن يخلقّوهم بها، هي حب المال أولاً، وحب المال إن زاد كان مذمة للفرد ونقيصة، ولكنه لا يكون للشعب إلا خيراً، وما أفلح شعب لا يحب في مجموعه المال. وحب الأسفار ثانياً؛ كونو كإخوانكم الشاميين (١)، هل طلع كوكب إلا على نفر منهم؟ اقتحَموا البحر والصحراء، إلى أميركا شماليها وجنوبيها، وأفريقية أدناها وأقصاها، والهند واليابان وأوروبة، وما نزلوا بلداً إلا كانوا من كبار تجاره، ومن وجوه سراته، عاشوا تحت كل نجم، وجابوا كل أرض، وخالطوا كل أمة.
وترك هذا اللطف ثالثاً، وتعوّد الشدة في الحق، والثقل على العدو، والمزاحمة على العيش، وأن يحس كل مصري بعد هذا كله، بل قبل هذا كله إن البلد بلده وأنه أحق به من كل خواجة وكل دخيل، وأن له هو طيباته وخيراته، وأنه أكرم في هذا الدخيل (كائناً من كان هذا الدخيل) أصلاً، وأعز نسباً، وأبين لساناً، وأقوم ديناً، وأجل أثراً في الدنيا، فلا يطأطئ رأسه لأحد، ولا يحني هامته لإنسان، ولا يرضي بالدنيّة من مخلوق في الدنيا.
بهذه الأخلاق ننقلب أمة أخرى، ويرى هؤلاء الأجانب ماذا يصنع الأسد الجريح (إذا برئ) بالثعالب التي كانت تلعق من دمه.
والويل يومئذ للثعالب!!.
...
стр. 42
وكم في مصر من بنات أمبان (*)
نشرت في مصر سنة ١٩٤٧
إجلاء هذه البنت عما تسميّه ملك أبيها، أعظم عندي من إجلاء الإنكليز عن مدن مصر.
لأنها تحتل بحق (التملك) وأولئك يحتلون بسيف الغصب.
ولأنها توشك أن تصير (كما صار غيرها) مصرية، في سجلات الإحصاء، على حين أنها لا تزال أجنبية الدم والهوى واللسان، وأولئك يبقون إنكليز غرباء، غاصبين أعداء، ويبقون قذى في عين كل مصري، وغصّة في حلقه، وثقلاً على قلبه، حتى يخرجوا، وما من خروجهم بدّ، لأن الباطل إلى اضمحلال وإن كانت له جولة، والحق إلى ظفر وإن كانت له كبوة، وقد (طالما) بغي باغون، وظلم ظالمون، ولكن لم يدم باغٍ ولا خلد ظالم!.
هذه البنت وأمثالها شر من الإنكليز، وسند التمليك في يدها أقطع في رقابنا من السيوف في أيديهم، وفندقها في مصر الجديدة أخطر على استقلال مصر من ثكنات قصر النيل، لأن المصيبة في هؤلاء أنهم يعدون (في جنسيتهم الرسمية) منا، وهم في حقيقتهم من غيرنا، فيدخلون في الأمة دخول السم في الجسم، وصندوق الديناميت بين أحجار البناء، ويكونون منا كالشيطان من
стр. 43
الإنسان يجري منه مجرى الدم، فلا يستطيع الخلاص من شره، ولا النجاة من أذاه. ثم أن أصحاب كل بلدٍ هم ملّاك أرضه، وأصحاب عماراته، هم سادته، وهم الحاكمون فيه، فإن شاؤوا عطلوا هذه الأرض وتركوها مواتاً فجعلوا البلد مقفراً، وردّوه فقيراً، وإن شاؤوا أخلوا عماراتهم لليوم والعناكب أو هدموها، وإن شاؤوا أدخلوا الناس إليها وأسكنوهم فيها، وإن شاؤوا أخرجوهم منها وأغلقوا دونهم أبوابها، فمن هو الذي مكّن لهذه البنت وأمثالها أن يكونوا هم ملاك هذا البلد، وترك الكثير من أهله حفاة عراة جائعين، يدورون يسألون هذه (الخواجاية) صدقة وإحساناً، فتزورّ عنهم وتنال بجنبها، وتصعِّر خدها، وترميهم بكل قبيحة من فمها (الجميل).
من الذي أجرم هذه الجريمة الكبيرة، أو غفل هذه الغفلة العجيبة، حتى أصبحنا اليوم والمتاجر الكبرى في مصر للخواجات، والفنادق للخواجات، والقهوات للخواجات، وأكبر العمارات يملكه الخواجات، وأفخم السيارات يركبه الخواجات، حتى أن شارعاً عظيماً هو شارع قصر النيل، لا يملك فيه المصريون، كما أخبرني الثقة، إلا ثلاث عمارات فقط، بقيت مصرية لأنها موقوفة، وسائره للخواجات. فماذا ينفعك أنك مصري مستقل، وأن الوادي وادي أبيك وجدك وواديك، إذا كان الخواجة يستطيع أن يطردك من مأواك، فلا تلقى إلا بإذنه سقفاً يكنك، وأن يعريك فلا تجد إلا بإذنه ثوباً يسترك، وأن يسيرك فلا تصل إلا بإذنه إلى ترام يحملك؟.
ما الاستقلال وأنت محتاج إليه في كل شيء؟ ما العزة؟ وأنت تأكل الخبز الأسود وهو يأكل لباب البر من أرض مصر؟ وأنت تسكن الكوخ المهدم وهو يملك الصرح الضخم على أرض مصر؟ وأنت تشرب الماء العكر وهو يشرب الرحيق المصفّى من خير مصر؟ وأنت تمشي حافياً وهو يختال بسيارته على ثرى مصر؟ وأنت تلبس الجلباب الخَلِق وهو يتخذ الثياب الرقاق من قطن مصر؟ أيصير الغريب صاحبَ البلد، وابن مصر يصير غريباً في مصر؟ هذا فظيع! هذا (عهد المماليك) يعود بثوب جديد!.
لما كنت في العراق كنت أرى بعض العراقيين يظهرون الكراهية للمدرسين السوريين، وينفسون عليهم رواتبهم التي يأخذونها، ويقولون لهم،
стр. 44
أنتم آتون (لتقشْمِرونا) (١)، ويبغضون السوري الذي يزاحمهم على مورد الكسب في التجارة، ومنبع الربح في العمل، فكنت أتألم من ذلك وأقول، ليتهم تعلموا اللطف ومحبة الغريب. فلما جئت مصر، ورأيت هذا اللطف وما جر إليه من الضعف، وحب الغريب وما أوصل إليه من الخراب عرفت أن الخير فيما يفعل العراق.
وأنا لا أدعو العرب ليكره بعضهم بعضاً، ولكن أدعو إلى شيء معقول: هو أن العرب اليوم في أقطار العربية كلها، كجيش في مصافّه، على كل فرقة أن تدفع العدو عن حماها، ولا تدع الجيش يؤتى من قبلها، ونحن نحارب (فيما نحارب) الفقر والإفلاس، فعلى كل قطر ألا يدع في أبنائه فقيراً، وألّا يترك فيه رجلاً بلا عمل، وأن يمنع الغرباء عنه من مزاحمة أهله في زراعته وتجارته وصناعته، حتى إذا اشتغلوا جميعاً، وبذلوا قواهم كلها، وبقي فيه بعد ذلك فراغ لأيد غير أيديهم، وأموال غير أموالهم، استعانوا بأبناء الأقطار العربية الأخرى، ولم يفتحوا لهم الباب إلا بمقدار الحاجة، أما أن يجيء السوري ليعمل في مصر، ويجيء المصري ليشتغل في الشام، ويترك أهل البلد بلا مال ولا عمل، فتفسد البطالة أخلاقهم، ويذلّ الفقر نفوسهم، ويعلّمهم هذا وذاك كره أخيهم العربي، فليس من مصلحة العرب أن يكون. هذا رأيي أعلنه بلا جمجمة ولا مداراة.
وهذا للعرب. أما (الخواجات) فأجلوهم عن بلادكم إجلاءً تاماً فلا يأتوها إلا سياحاً أو زوَّار آثار. وارفعوا أيديهم عن مرافقها فلا يملكوا منها إلا ما يملك مثله الأجنبي في بلادهم. وكل بلاد الدنيا، تمنع الأجنبي أن يملك فيها أرضاً أو عقاراً إلا بمرسوم فما بال مصر مائدة ممدودة لكل طاعم، وكنزاً مفتوحاً لكل آخذ؟ وما بال الخواجة يجيء مصر فقيراً مفلساً، لا يبتغي إلا القوت يمسك رمقه أن يموت، ولا يتمنى إلا قرشين يعود بهما إلى بلاده، فلا تمر السنون حتى يصير الفقير غنياً، والواغل على البلد مالكاً له، ويغدو (الشحاد) صاحب
стр. 45
المنزل؟ ويجيء معه بالغانية راقصة أو بغياً، فيقدمها للمصري بيد ويأخذ منه الإسناد على موسم القطن بيد، ثم تتجمع الأسناد فتأكل الموسم، ثم تعجز المواسم عن سداد الدين، فيملك الأرض، ثم تتبدل الدنيا غير الدنيا، وينقلب الفلك، فيصير السيد عبداً، والعبد سيداً.
هذا احتلال شر من احتلال الجيوش الإنكليزية، لأنه احتلال المومسات: راقصات وأرتيستات، واللصوص: أصحاب متاجر وأعضاء شركات والخلاص منه أصعب وأشق، لأنه لا يكون بالرصاص والبارود، ولا يكون بالمظاهرات والثورات، بل يكون بإعلان (النفير العام) في الكتاب أولاً، وتجنيد القوى الأدبية كلها، للعمل على إعلاء همة هذا الشعب، وأن نعيد إليه ثقته بنفسه، وأن نردّ عليه عزّته وكبرياءه، حتى ترتفع هامته، وتشتد عضلاته، ويشمخ أنفه، ويعلم أنه لا يكون حقيقاً بملك مصر، ولا أهلاً للاستقلال، ولا سليل من ملكوا بالإسلام الدنيا، إن لم يكن عزيزاً في نفسه سيّداً في بلده.
ثم نعمل على أن نصب فيه روح المغامرة، وندفعه إلى اقتحام المخاطر، وركوب الأسفار، ونعلمه حب المال، فما يفلح شعب لا يحب المال، ولا يعرف قيمته، ولا يفلح شعب لا يريد فراق وطنه، ولا النأي عن عشه.
ثم نعلمه بغض الأجنبي، حتى يكون له ديناً، ويغدو له طبعاً، نعم! البغض؛ لماذا تنفرون من سماع هذه الكلمة؟ ألأنها منافية للّطف والمجاملة والكرم؟ يا ناس لقد قتلنا اللطف، لقد ضيعتنا المجاملة، لقد أودى بنا الكرم. الكرم صيّرنا شحادين، والتواضع جعلنا عبيداً، فلنتعلم الاقتصاد، والعزة، أو فلنعلمهما أولادنا إذا لم يمكن أن نأخذ بهما نفوسنا.
ثم لنفهم هذا الشعب أن الأوروبي يضحك علينا بالأرتستات والخمور والأزياء، كما يضحك على زنوج أفريقية بالخرز والأجراس، فلنره أننا عقلنا وشببنا عن الطوق، وأننا لم نعد نرضى أن يضحك أحد علينا، وما لنا ولأرتستاته وعندنا نساؤنا أزكى وأطهر وأجمل وأكمل؟ وما لنا ولأزيائه ولنا أزياؤنا؟ وما لنا ولخموره ولنا ... شرائعنا التي تحرم علينا الخمرة، وأخلاقنا؟.
стр. 46
فإذا استكملنا عدة الهجوم، شرعنا الرماح وهجمنا، وخضنا المعركة نحاربه بمثل سلاحه، بالعلم والجد والدأب والتعاون حتى نلقي عنا هذه القيود التي كبلنا بها، حلقة بعد حلقة، كما شدها من حولنا حلقة بعد حلقة، على أن المعركة قد بدأت من زمان، وما معامل المحلة الكبرى، ومصانع الطرابيس والزجاج (١) إلا أعلام النصر في معركة الوطن، فلنمض فيها، ولنؤلف لكل ميدان فرقة: شركة اقتصادية، فيكون لكل مرفق من المرافق شركة، حتى إدارة الفنادق، وتسيير الترام وبناء المنازل.
لقد أعلنتم المعركة، بإجلائكم هذه البنت عن أرض مصر، وعقد لكم اللواء، ورفع العلم فامشوا تحته أدباء واقتصاديين وعلماء، فإن الميدان يتسع لكم جميعاً، ويحتاج إليكم جميعاً، واعلموا أن الاستقلال الحقيقي لا يكون إلا عندما يلتفت المصري فلا يرى حوله شركة أجنبية، ولا مدرسة أجنبية، ولا متجراً لأجنبي، ولا عقاراً يملكه أجنبي، وتكون كل خيرات مصر لأبناء مصر!.
هذا هو الاستقلال، فعلى كل مصري أن يعمل له ما يستطيع!.
...
стр. 47
تاجر حرب
نشرت سنة ١٩٤٥
أكتب هذه الكلمة والمطر يهطل منذ ثلاث ليال، ما انقطع خيطه، ولا سكت صوته، أقبل بعد سنة مضت، شحت فيها السماء، وضنّت السحب، ففرح به الناس واستبشروا، وارتقبوا عاماً خيّراً مباركاً، يغاث فيه الناس، ويأتيهم بالفرج بعد الشدة؛ غير أن الخير إن زاد عن حده، كاد ينقلب إلى ضده، وكذلك المطر لما استمر صار الناس يسألون الله الجفاف، ويتمنون لو تطلع الشمس، والشمس ما تطلع، والمطر ما ينقطع.
ووكفت السقوف، ونزّت الجدران، واسَّاقطت غرف، وسالت طرق الجبل أودية، فامتلأت بالحصى والحجارة، وغدت أباطح، ووقف (١) سيلها الدفّاعُ السيارات وحافلات الترام، واختبأ الناس في البيوت، وما تكاد البيوت تمنع برداً ولا بللاً، ونال حي المهاجرين (على سفح جبل قاسيون) ما لم ينل مثلهُ حياً في دمشق، وحي المهاجرين نصفه قصور من الصخر شامخات، ذات طبقات كُثْر وشرفات، ونصفه دور لمساكين، هي أكواخ من اللبن والطين، وما في بلدنا مكان يلتقي فيه الفقر المدقع المتجمل الصابر، والغنى السفيه الوقح المبذر، كما يلتقيان وجهاً لوجه في المهاجرين. أما بيوت الأغنياء فما أحسّت المطر ولا درت به، ونام من فيها على فخم الأسِرَّة ووثير الفراش، لايعنيهم من خبر السماء وخبر الأرض إلا أن تشبع بطونهم، وتمتلئ صناديقهم ويسلم لهم أولادهم وأهلوهم، وأما أكواخ الفقراء، فقد صبرت على المطر صبر الكريم، واحتملت ليلة وليلتين، فلما جاوز الحمل الطاقة، خرت في المعركة كما يخر البطل الشهيد، وخرج
стр. 48
من بقي من ساكنيها فراراً منها حين لم تعد دوراً وإنما صارت بركاً ومستنقعات.
سقوف بيوتي صرن أرضاً أدوسها ... وحيطان داري ركّع وسجود
وسمعت في الليل رجّة، اهتزت لها الدور، ورجفت منها القلوب، فقمت أستقرئ الخبر، فإذا دار جيراننا قد هوت.
ومضت ساعة، وأهل الحمية من الناس يعملون في الوحل والمطر والبرد، ليواسوا أسرة نزل بها القضاء، وينقذوا ما يستطيعون إنقاذه، من فرشها، ومواعينها، وذلك القصر ينظر إلينا ثم يعرض عنا، قد شغلته حفلة أقامها تلك الليلة لا أدري فيم أقامها، ولا تزال أنواره ساطعة في عيوننا، ونساؤه الكاشفات يتراءين لنا من وراء الزجاج في الحرير والذهب، وأصوات الغناء والمرح في آذاننا، يهزأ بالفقر وأهله، وتضحك وقحة في مآتمهم، وترقص فاجرة في مقابرهم، والسيارات تقف في بابه تنزل منها طاقات الزهر، وثمن كل طاقة يحيي الأسرة من هذه الأسر أياماً، والهدايا التي تذهب بالمال ولا تأتي بالنفع لوحات مصورة، وكؤوس منقوشة مذهبة، وتماثيل للناس وللبهائم، ولو وزعت أثمانها على فقراء الحي لم تدع فيه فقراء، والفضيلة قد توارت خجلاً في زاوية الطريق، وإبليس واقف يضحك مسروراً بأن سلب نفراً من أمة محمد فضائل دينها، ومروءتها، وأنْ ثأَر من آدم فجرد بعض بنيه من بشريتهم، وأحالهم شياطين في أجسام بشر، أو ذئاباً قد استخفت في الثياب، ولم أقل كلاباً لئلا أشتم الكلاب!.
ونعجب بعد هذا من إبراهيم بن أدهم لما أخرجوه ليستسقي لهم، وقالوا له قد استبطأنا المطر، فادع الله لنا، فقال: تستبطئون المطر؟ أنا والله أستبطئ الحجارة.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
***
стр. 49
وما هذا القصر لملك ولا أمير، ولكنه لتاجر من هؤلاء التجار الذين يحيون في أيام الحروب التي يموت فيها الناس، ويغنون حين يفتقرون، وينسون أن لهذا الكون إلهاً قادراً عادلاً جباراً، ما استقال ولا أحيل على المعاش، ولا يزال لهم بالمرصاد، وينسون أن الموت آت لامفر لهم منه، وأن قبل الموت المصائب والرزايا؛ الفقر والثكل والمرض؛ وأن بعد الموت الحساب، وبعد الحساب جهنم أو الجنة، أفبلغ بالتجار أن يعلنوا الحرب على الله؟.
إننا نعيش بحمد الله في منجاة من القتال وأهواله، والحرب وبلاياها، وما لنا عدو يحاربنا، وما عدونا إلا هؤلاء المحتكرون أعداء الله وأعداء البشر الذين حبسوا أقواتنا وأخفوا أرزاقنا، وارتضوا لنا أن نجوع وأن نعرى ليكنزوا الذهب والفضة ويطيفوا بها إضافة الوثني بصنمه، وليريقوا فيض ما لهم على أرجل بنات إبليس: (الأرتستات) الراقصات، وفي معابد الشهوة (المَلْهَيَات) ونوادي القمار، وفي كؤوس الحميم التي اسمها الشمبانيا والويسكي يحارون ماذا يشترون بمالهم من اللذاذات المحرمة، وفي أي يطرح من مطارح التبذير يلقونه، والموظفون والعمال لا يكادون يجدون ثمن الغذاء والكساء إلا موظفاً خان أو عاملاً سرق، فما حال الأرملة المفردة واليتيم الضائع، والشيخ الذي لا سناد له من مال أو ولد، وعندنا في دمشق من الأرزاق والبضائع ما لو أخرج لكفانا الحاجة سنين أخرى، بل إن عندنا كما أكد لي من يوثق به، بضائع لا تزال مخازنها منذ الحرب الماضية، والناس يحتاجون إليها والتجار يخفونها يرتقبون بها يوماً أشد، وضائقة أحكم، لا يدرون أن كل من أخفى بضاعة أو حبسها ينتظر بها ارتفاع الأسعار، وحرمها من هو في حاجة إليها فهو محتكر قَلَّ ما حبسه أو كثر، وهو عدو مؤذ، ولص سارق، وليس بتاجر، لأن التجارة كما يفهمها عقلي القاصر إنما تكون بنقل البضاعة من بلد تكثر فيه إلى بلد هي فيه قليلة، أو بجمعها في موسمها لبيعها في غير موسمها أو بشرائها جملة وبيعها تفاريق، ويأخذ التاجر الربح المعقول على ما بذل في ذلك من ماله ومن عمله، أما ما نراه اليوم من اجتماع النفر من التجار حول مائدة من الرخام في (قهوة الكمال) مثلاً، وفي أيديهم أقلامهم وفي أفواههم دخائنهم أو أنابيب نراجيلهم، يبيع أحدهم (بالة الخام) أو (كيس
стр. 50
السكر) عشرين مرة بأسعار مختلفة، ويشتريها، وما باع على التحقيق ولا اشترى، ولا قام من مكانه، ولا أخذ ولا أعطى. ثم ينفض الاجتماع ويلقي الستار على من ربح منهم عشرة آلاف ليرة، أو من خسر مثلها. أما هذا وأشباهه -وما أكد أشباهه- فما هو لعمر الحق إلا القمار بعينه وأنفه وذنبه.
وإذا كان حقاً (١) ما اعتمده (رينان)، من أن الدولة تقوم على (الإرادة المشتركة)، لا على الأرض وحدها ولا اللغة منفردة، إلى آخر ما في «نظريته» المعروفة، فليس التجار منا ولا نحن من التجار، لأنهم يريدون غير ما نريد ولا إرادة مشتركة بيننا وبينهم، فنحن نرجو الرخص وهم يتمنون الغلاء، ونحن نحب أن تنتهي الحرب، وهم يحبون أن تدوم، ونحن نطلب من الحكومة أن تسعِّر وتراقب، وهم يطلبون لأنفسهم حرية إذاعتنا وتعريتنا، ونحن لا نجد مالاً نشتري به لوازمنا، وهم لا يجدون لذة جديدة يصرفون فيها أموالهم، فأي جامعة بيننا وبينهم؟.
...
وإذا كانت الرسالة جردت قبل الحرب (٢) قلمها البليغ، لنصرة أكرم مبدأ، مبدأ الإحسان، والدفاع عن الفقراء والمحتاجين، وإثارة الحمية في نفوس الأغنياء القادرين، ذلك والدنيا في رخاء والحياة سهلة، والسلام قائم، فأولى أن تستل هذا القلم العضب اليوم، حين اشتد الخطب، واتسعت بين الفريقين الشقة، وازداد الأغنياء غنى، والفقراء فقراً، ونشأت هذه الطبقة المحدثة النعمة التي شبعت من المال ولا تزال في جوع إلى الرفاهية والبلهنية واللذائذ: طبقة «أغنياء الحرب».
...
إن أهل القصر لا يزالون في لهوهم وقصفهم، وأهل الكوخ لا يزالون في كدهم وجدهم، والمطر دائب ما ينقطع، والبرد قارس ما يخف، والليل موحش مخيف، فمن لهؤلاء المساكين، إن لم تجرد لنصرتهم الأقلام من أغمادها وتشرع
стр. 51
حتى تصدّع على هؤلاء الأغنياء حجارة القصر الذي اعتصموا فيه، ليروا ما بالناس ويسمعوا ما خَطْب المساكين، من إخوانهم في الوطن واللغة والدين. إنهم في سكرة الذهب، فاصرخوا فيهم حتى يصحوا منها، قبل أن يذهب السكر ويأتي «الأمر»، فيروا أن أمر الله إذا جاء لا يرد. أفهموهم -وكيف السبيل إلى إفهامهم- إننا رأينا رأي العين، ما قرأنا في الكتب، ولا سمعنا من الناس، من غني في الحرب الماضية أكثر مما غنوا، وبذر أضعاف ما بذروا، ثم ذهب المال والأهل، وغدا يسأل الناس على أبواب المساجد ولولا أنه يحرم التصريح بعد التلميح، لصرحت بأسماء أقوام عرفناهم، وإن جهلهم من قصرت سنه عن أسناننا.
...
على أنني ما أعمم القول، ولا أطلقه إطلاقاً، وإن في الموسرين لمحسنين، وفي التجار لمنصفين، وما تخلو طبقة من خير ولا من شر، ولكن في الموسرين من يريد الإحسان ولا يعرف المستحق له، ومن المستحقين من لا يعرف المحسنين، ومنهم من يعرف ولا يسأل، أولئك الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وإن من أوجب ما يجب علينا في هذه الحرب أن ننشئ جمعيات موثوقاً برجالها، بأمانتهم ودينهم، تكون في كل حي كالوسيط بين الغني المحسن والفقير المحتاج، تتخذ من الأول وتعطي «بعد التحقّيق من حاجته» الثاني، ومن عرفت أنه اتخذ السؤال حرفة -على مقدرة منه على العمل، أو على مال له قد خبأه، فعلَ أكثر هؤلاء المكدين -رفعت أمره إلى الحكومة لتعاقبه عقاب المتشردين، ويا ليت هذه الجمعيات الإسلامية الكثيرة في مصر والشام والعراق: الإخوان والشبان والهداية والتمدن وأمثالها، تجعل ذلك المطلب من بعض مطالبها.
ثم إن من أهم ما ينبغي لهذه الجمعيات أن تصنعه هو أن تختار للإحسان أسلوباً يهون به العطاء على المعطي، وتجزل به المنفعة للآخذ. ولقد وجدت أنا واحداً من مائة أسلوب تخطر على البال، حين كنت «من نحو ثلاث سنوات» قاضياً في القلمون، وضاقت الأقوات وقلَّ الخبز، فدعوت إلى ما سميته «مشروع الرغيف»، وأعانني عليه القائم بأمر المنطقة يومئذ ففرضنا على أهل كل بيت من
стр. 52
القادرين رغيفاً واحداً في اليوم ووكّلنا من يجمعه، ووزعنا ما جمعناه على المحتاجين، وتركنا من هم بين ذلك فلم نأخذ منهم ولم نعطهم، وهذا الرغيف الذي لا يصعب إعطاؤه على أحد، ولا تشعر به الأسرة أحيا الله به أهل القلمون -وهم أكثر من سبعين ألفاً- في سنة القحط والضيق، وما ذكرت ذلك لأفخر به، ولا لأنه الأسلوب البديع الذي لا نظير له، بل لأمثِّل به على ما أريد، والعبرة بالأعمال لا بالأقوال.
نسأل الله أن يوفقنا حتى نعمل، ويرزقنا الإخلاص في عملنا حتى يقبل، وألا يجعل هذه المقالة كالصرخة في البيداء.
***
стр. 53
إنذار
نشرت في مصر سنة ١٩٤٧
ركبت مع زميلي في البعثة القضائية السورية الأستاذ نهاد القاسم (١)، زورقاً في النيل حملنا من (جسر إسماعيل) إلى (مصر العتيقة) بأجرة فاحشة قبضها منا صاحب الزورق، وبعث معنا شاباً في نحو التاسعة عشرة، قوي الجسم وديع النفس، فأعمل المجاديف ساعة كاملة، حتى هبط الليل وغسله العرق، ونحن لم نصل، فأشفقنا عليه وجربنا أن نسعده (٢) فما أفلحنا، وكدنا نقلب الزورق به وبنا، فيسبح فينجو ونلقى نحن حتفنا، فكففنا، واكتفينا من الترفيه عنه بعمل بألسنتنا، والمواساة باللسان أقل الإحسان، حتى دنا الحديث من أجرته، فسألناه:
- كم تأخذ؟.
- قال: أربعين قرشاً.
- قلنا: في اليوم؟.
- فصاح مستغرباً: في اليوم؟ كل ثمانية أيام!.
- قلنا: أوليس لك أسرة؟.
- قال: أمّ أعولها.
- قلنا: أو تكفيك؟.
- قال: تكفيني؟! أبداً.
стр. 54
- قلنا: فلماذا لا تطلب زيادة؟.
- قال: يضربني عمي (١) أحمد ويطردني، ويخبر زملاءه فلا يشغلوني وأنا لا أعرف إلا هذه المهنة.
- قلنا: وكم يحصل هو؟.
- قال: هُوْ هُوْ ... كثير ... كثير ... عنده عشرة زوارق تمشي النهار كله، كل ساعة أجرتها من عشرة إلى عشرين قرشاً.
وتركناه وصعدنا إلى البر، ونحن لا نزال نفكر فيه: شاب طويل عريض، كيف يعيش مع أمه بخمسة قروش في اليوم؟ والفرّاش والآذن؟ كيف يعيشان بثلاثة جنيهات في الشهر؟ والمؤذن؟ والإمام؟ والشرطي؟ والعسكري؟ ماذا يصنع هؤلاء؟ هل فكر فيهم أحد ممن ولاهّم الله أمر هذه الأمة، وائتمنهم على مالها، وجعل إليهم المنح والمنع، والرفع والوضع؟.
هل ساءل واحدهم نفسه وهو يتخير أطايب الطعام من فوق مائدته ماذا يأكل هؤلاء المفلسون؟.
هل فكر وهو ينتقي بَهيَّ الحلل من خزانة ثيابه ماذا يلبسون؟.
هل خطر على باله وهو يفسد أخلاق أولاده بالترف، ويتلف صحتهم بالسرف، أن لهؤلاء بنين وبنات لا تكفي رواتبهم لسد جوعهم بالخبز القفار، وستر عوراتهم بالخام (٢)؟ رواتبهم لا تكفي للطعام والثياب فكيف إذا ولدت المرأة وجاءت نفقات الولادة؟ فكيف إذا مرض الصبي وأقبلت مصروفات العيادة؟ فكيف إذا خطبت البنت وكانت تكاليف الزواج؟ فكيف إذا دخل الأولاد المدرسة وطالبتهم بثمن العلم؟ فكيف إذا اشتهوا أن يتشبهوا بأبناء الناس يوماً، فأرادوا أن يأكلوا الحلوى الحلال أو يطلبوا الملهى المباح؟ أم قد حرمت هذه المتع على الفقراء، وكتب عليهم أن تكون حظوظهم من دنياهم كحظوظ البهائم:
стр. 55
ملء المعدة بأرخص الطعام، وستر الجسم بأيسر الثياب، والاستكنان بشر المساكن؟ وأن تكون معيشتهم أقل من معيشة كلاب الأغنياء؟.
قرأت العدد ٦٧٣ من مجلة الإثنين أن (روى) كلب الوجيه الأمثل، فلان بك، يفطر كل يوم بكيلو من الحليب ورغيفين من خبز (الفينو) و (باكيت) من (الشكلاطة) ثمنه بين ثمانية قروش وخمسة عشر قرشاً ويتغذى برطل ونصف رطل من اللحم المسلوق مع طبق مترع بالثريد، وأن له طبيباً خاصاً؟ وخادماً أجرته عشرة جنيهات في الشهر عمله أن يصحبه في سيارته الخاصة به؟ في نزهتيه اليوميتين وأشياء أخرى من هذه البابة، يمتع بها هذا الوجيه الأمثل، كلبه المدلل، لا يصل إلى مثلها واحد في كل عشرة آلاف ممن يقطن هذا الوادي من بني آدم؛ فلم أجد في العربية على سعتها، وعلى طول اشتغالي بها، كلمة تليق بهذا السفيه المبذر الكافر بالنعمة وبالإنسانية وبالوطن، لأقولها له؛ ولم أدرِ كيف أخاطب هذا المجتمع الذي بلغ الفساد فيه، والانتكاس في أوضاعه إن صارت الكلاب تأكل (العيش الفينو) وكثير من الناس يتمنون الخبز الأسود؛ وتركب السيارات وهم يمشون حفاة؛ وتنام على الحرير وهم يهجعون على التراب؛ ويقوم عليها طبيب خاص وهم غرقى في الأمراض؛ لا يجدون الطبيب.
هذه حال لا يرضى بها الله، ولا العقل، ولا الشرف، وأنا أخاف والله أن تفتح علينا باباً من الشر لا يسد وتأتينا إن لم ننتبه لعلاجها بالداهية الدهياء، بالشيوعية المدمرة، التي تأكل أخضرنا ويابسنا، وتمحق غنينا وفقيرنا، فتكون لنا الراحة التي لا ألم بعدها: راحة الموت.
هذه حال لا يمكن أن يحتملها بشر، فإن كان من بيدهم الأمر لا يمشون في الطرقات، ولا يخاطبون الناس، ولا يعرفون من الدنيا إلا القصر والسيارة والملاهي والرحلات، فليسألوا: ما بال الفقراء؟ ماذا يصنعون؟ وما شأن صغار العمال والموظفين وكيف يعيشون؟ وليعلموا أن عمر بن الخطاب كان يخاف أن تضيع شاة على شاطئ الفرات فيحاسبه الله عليها، أفلا يخافون أن يسألهم الله عن أمة بقضها وقضيضها ستضيع على شاطئ النيل؛ سيقتلها الجوع في
стр. 56
أخصب أرض، والمرض تحت أصفى سماء، والجهل في أول دار للعلم والحضارة؟.
لقد كانت مصر طبقات يستعبد بعضها بعضاً، فسوى بينها عمرو بن العاص باسم الإسلام وقطع هذا النظام الذي وصلته يد الدهر من عهد الفراعنة الأولين، إلى عهد الاسكندر، إلى أيام البطالسة والرومانيين، وأفاض على الناس الهدى والعدل والنور، فأحبوا لفعله هذا الدين ودخلوا فيه وتركوا له ديناً كان لهم، وأقبلوا عليه علماً وعملاً، حتى كانت مصر مثابة الإسلام، ومشرق أنواره، ومورد علومه أفقدر عليها أن تعود القهقري إلى عهد الجاهلية الأولى؟ أترجع نظامَ الطبقات الذىِ مات؟ أيكون فيها سادة وعبيد؟ ويعلو بعض أهلها على بعض كأنما لم يفتح مصر عمرو، ولم يركز فيها راية محمد، ولم تكن مصر أم دنيا الإسلام؟.
أنا لا أدعو إلى المساواة المطلقة بين الناس فذلك ما لا يكون ولا يزال في الناس غني وفقير ما دام فيهم عامل وخامل، وذكي وبليد، لن يكونوا أبداً سواء في أرزاقهم ومعايشهم إلا إذا استوى الجنسان وتحقق حلم المدافعين عن (حقوق) المرأة فانقلبت رجلاً، ونبت لها شاربان و ... لحية!.
ولكن أدعو إلى تقريب المسافة بين طبقات الناس، عاليها ودانيها، وأن تضمن الحكومة لكل إنسان حقه الطبيعي في الطعام واللباس والمسكن، وألا تقر في موازنتها راتباً لموظف مهما نزلت درجته، لا يكفل هذا الحق له ولأسرته، ولو كان كناس الطريق، أو ناطور المراحيض، وأن تسوي بين الناس (المساواة الممكنة) إليَ حققها الإسلام في أول الدهر في عهد الشيخين، والشيوعية في ذَنَب الزمان في أيام ستالين، وإن اختلف نوعهما، فكانت تلك مساواة في السعادة، وهذه المساواة في الشقاء!.
لقد نشأتُ في الشام، وسِحْتُ في البلاد، فرأيت في كل بلد أغنياء وفقراء، وسعداء وأشقياء، ولكن لم أر أبداً مثل الذي رأيت في مصر!.
فما هذا التفاوت بين البشر في مصر؟ ما هذا الوضع الذي يجعل من
стр. 57
الناس واحداً يملك مليوناً ومليوناً لا يملكون الواحد؟ وألفاً يشتغلون لرجل، والرجل لا يعمل عملاً؟ وإنساناً يظن نفسه من الغنى والكبر إلهاً، وأناسيَّ تحسب أنها من الفقر والضعة بهائم؟.
متى كان هذا في طبع العربي؟ متى كان في شرع المسلم؟.
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟.
يا ناس. راقبوا الله، فإن هذا ظلم، والله لا يرضى لعباده الظلم ولا يقرهم عليه، ولكنه يمد للظالم ثم يأخذه، فاتقوا إخذة الله.
يا ناس. اعقلوا، فإن هذا باب الشيوعية فإن لم تغلقوه دخلت عليكم فأهلكتكم.
يا ناس. ارحموا، فإن هؤلاء ناس مثلكم، لا تحسبوهم بهائم لئلا يصنعوا فيكم صنيع البهائم، فيثوروا عليكم رفساً ونطحاً وعضاً ولدغاً، فلا تملكوا دفعهم، ولا النجاة منهم.
لا، لا تحقروهم، فإن الدجاجة إذا هبت تحمي فراخها استماتت فانقلبت صقراً، والقطة إذا ضويقت وغضبت صارت نمراً، والماء إذا اندفع كان سيلاً مدمراً، والهواء إذا انفجر كان إعصاراً مخرباً، ولولا الضغط ما ثقب المسمار الخشب، ولا أطلق المدفع القنبلة، ولا زلزلت الأرض، ولا انفتحت البراكين، ولا ثارت الشعوب.
فارحموهم ترحموا أنفسكم! واعدلوا فيهم تدفعوا عنكم يوماً أسود لا تعلمون إذا حلَّ (١) عَمَّ ينجلي سواده! وقوا مصر إن كنتم تحبون مصر، جائحة مهلكة وداهية مكفهرة، أولها الشيوعية وآخرها ما لا يعلمه إلا الله! وهذا إنذار!
...
стр. 58
إلى القرية يا شباب
نشرت في بغداد سنة ١٩٣٧
أنا أجلس كل عشية على سطح منزلنا في (الأعظمية) أشرف على الحقول التي تمتد إلى غير ما حدّ، أرقب الشمس وهي ترجع إلى خدرها، والفلاحين وهم يؤوبون إلى منازلهم في خط طويل متسلسل كأنه نهر جار، نهر يجري منذ عصور مديدة لا يقف ولا ينقطع ولا يبلغ مصبَّه، يسوقون دوابهم التي أنهكها العمل، وأضناها الكد، كما أضنى أصحابها الشغل المتواصل في الحقول، الشغل السرمديّ الذي يبدأ مع الفلاح حين تبدأ حياته، ولا ينتهي حتى تنتهي، يشتغلون وهم أطفال، ويشتغلون وهم شباب، ويشتغلون وهم شيوخ، لا يستريحون ولا ينالون على تعبهم إلا لقمة من خبز الشعير.
فيا لروعة الواقع!
هؤلاء الذين يشتغلون هم ونساؤهم وأطفالهم ودوابهم ليقدموا للناس القمح لا يأكلون خبز القمح! هؤلاء الذين يرفعون عماد الدولة لا تدري بهم الدولة، ولا تهتم بهم! هؤلاء الذين يملؤون بالذهب صناديق السادة الكسالى يحتقرهم السادة، ولا يدعون في جيوبهم قرشاً يشترون به ثوباً نظيفاً لطفلهم الذي يتبع طفل السيد، كأنه الكلب الجائع يسأله قطعة من (العيش) الأبيض الذي يزرعه أبوه هو، فلا يعطيه إلا الحجر الذي يرجمه به، إنه يستنكف عن أن يمسه بيده الناعمة الرَّخْصة البنان.
كنت أرى ذلك فيذهب بي الفكر إلى عشرات من المشاهد رأيتها في قرى الشام وفيما زرت من قرى مصر.
يذهب بي الفكر إلى حوران يوم زرت رفيقاً لي كان معلماً في إحدى
стр. 59
قراها، فرأيته يسكن عند الفلاح في داره المبنيَّة من الأحجار السود المكدسات، بعضها فوق بعض، لا يمسكها أسمنت ولا طين، ولا يدري الساكن تحتها متى تهبط عليه فترديه قتيلاً. وفي هذه الدار غرف متعددات، في الأولى البقر، وفي الثانية الحمير، وفي الثالثة الخرفان، وفي الرابعة الفلاح وأسرته، يعيشون كما تعيش تلك البهائم. ولقد أمسكت بأنفي لما دخلت الغرفة ... لأن الرائحة كادت تقتلني: رائحة الدواب التي تأتي من هناك، ورائحة (الجلّة (١) ...) التي يوقدونها في وسط الغرفة، في حفرة حفروها فيها، لأنهم لا يملكون ثمن الحطب ولا الموقد، ولكني صبرت وولجت متوكلاً على الله. ولما صافحني الفلاح بيده المتشققة الخشنة شعرت كأني ألمس مبرداً، ولكني صبرت (أيضاً) لعلمي بأن هذه اليد الخشنة هي التي تقدم إليَّ الخبز الذي أعيش به، والمال الذي آخذ منه راتبي، وأشتري منه هذه الثياب التي أفتخر بها على الفلاح، وأخشى أن يدنسها بيته. ثم رأيت أطفاله وأردت نفسي على مداعبتهم، فإذا هم يحملون الأقذار على ثيابهم، والذباب على أفواههم، والقذى في عيونهم، والمرض في أجسامهم، وليس في القرية طبيب، وليس فيها دائرة صحة، وليس عند الفلاح مال، وليس عنده علم.
إن السادة الذين أخذوا ماله وثمرة كدّه لم يعلموه، ولم يعطوه أجرة الطبيب ... ثم جاء الفلاح بالأكل وأعقبه بالشاي، وإني أعفي القارئ من وصف هذا الأكل وهذا الشاي ... أخشى أن يصيبه الغثيان!.
ويعود بي الفكر إلى حوران، وقد زرت تلك القرية مرة ثانية، وكان ذلك في الحصاد، يوم حق لهذا الفلاح أن يتمتع بتعبه بعد سعي موسم كامل، يوم نال مكافأته على هذا التعب الطويل، والشغل المضني، فإذا الدائنون المرابون والجابي، ينتظرون على باب المنزل. فلما رجع الفلاح إلى منزله هاشاً باشاً مبتسماً، يحمل المال الذي حصل عليه بجدّ يمينه وعرق جبينه، اعترضوا طريقه قبل أن يصل إلى أولاده، فأخذوا المال كله فلم يف بالذي يطلبونه وبقي عليه للحكومة أربع وثلاثون ليرة ...
стр. 60
يا للقانون! يا لحق الخزينة ...
يا أيها الجابي شدّ ركابك! يا أيها الجندي أعدّ سوطك وسلاحك! يا أيها الناس أقيموا القيامة على هذا اللص الذي أكل أموال الدولة ...
حلّ البلاء بساحة الفلاح المسكين، ونزل عليه جنود الدرك يقيمون حتى يؤدي المال، يتشهون عليه المآكل، ولا يرضون بغير الدجاج والخرفان، وهم في بيوتهم لا يأكلون إلا الزيتون والجبن، ويأخذون شعيره ليطعموه دوابهم ويضربون وجهه وظهره ... إنهم يطلبون بقية الضريبة ...
ولكن لم يبق عنده شيء.
إذن فلتبع أمتعته.
ولم يجدوا عنده إلا الفراش القذر، واللحاف الخلق، والبساط المخرق، والقدر الأسود، فباعوها بالمزاد العلني وتركوه على الأرض.
ولما رجع الجباة كلهم إلى العاصمة؛ وجمعوا ما ملأ الخزانة تبسم ولي الأمر، وقال لأعوانه:
- لقد اجتمع مال يكفي السنة كلها، وإننا لا نستطيع أن نرد هاتيك الوسائط كلها والشفاعات، فأعدوا مرسوماً بإعفاء فلان بك من الضرائب المتراكمة عليه من سبع سنين، وهي تسعة وعشرون ألف ليرة وسبعة وخمسون قرشاً.
أعفوه، ولكن تسعة عشر ألف فلاخ صاروا ينامون على الأرض، لم يبق لهم فراش!
...
كنت أذكر ذلك وأنا أنظر إلى خط الفلاحين الذين يعودون إلى دورهم، وقد غاب أوله خلال الظلام، فأفكر في هؤلاء الفلاحين إلى متى يمشون؟ أما لممشاهم نهاية؟ أما لطريقهم آخر؟ أكتب عليهم أن يشاركوا البقر والحمير في عملهم وطعامهم وسكناهم؟ أكان لزاماً عليهم أن يعملوا أبداً ليستريح الـ (بك) أو (الباشا)؟ ويجوعوا ليأكل؟ ويفنوا جسومهم ونفوسهم ليأخذ هو الذهب فينفقه على موائد الخمور؟
стр. 61
أيبقى هؤلاء الناس جاهلين، يعيشون بمعزل عن الحياة، يترفع الشاب المتعلم عن الجلوس إليهم ومصافحتهم والسلام عليهم، وإذا بعثوه ليكونوا معلماً لهم، أو موظفاً فيهم، أقام الأرض وأقعدها ولم يدع وسيلة للتخلص من هذا (النفي) إلا توسل بها؟
إن الفلاحين في بلاد العرب، هم جمهرة السكان، هم حياة البلاد، هم الشعب فإلى متى يبقون محرومين من العلم والصحة والنظافة والإنصاف والمدنية؟
فكروا في هذا أيها الشباب.
يا أيها الشباب الذين يعرفون القرية ومعيشتها وحالة أهلها.
يا أيها الشباب الذين يحبون بلادهم، ويريدون صلاحها.
إن الشاب النافع هو الذي يخدم ويعمل ويدع أثراً صالحاً، أما صاحب الجعجعة والكلام الفارغ فلا ينفع أحداً، إن ميدان القرية أحوج الميادين إلى همم الشباب، وذكائهم، ومعرفتهم ونشاطهم، لا أريد أن يترك الطلاب مدارسهم ليزرعوا الأرض، ويعيشوا في الحقل، ولكن أريد أن يفكروا بمثل (مشروع إنعاش القرى) الذي قام به في صيف سنة ١٩٣٣ نفر من طلاب الكلية الأميركية في بيروت، فانتخبوا من المتطوعين للعمل في القرية فريقاً بحثوا أسبوعاً في (مؤتمر) عقدوه، ودرسوا أحوال القرية اللبنانية، وعرفوا داءها، وفتشوا عن دوائها، وكان يعاونهم بعض الأساتذة والخبراء الفنيين، ثم ألفوا أربع بعثات وأرسلوها إلى القرى، فدرست الحال عن كثب، ورأت أن العمل في قرية واحدة يقيمون فيها الصيف كله أسهل وأنفع، وأنه يجب على أعضاء البعثة أن يحملوا خياماً يبيتون فيها، وطعاماً لهم وشراباً، ليخففوا عن الفلاح ولا يرزؤوه شيئاً، وليروه لوناً من الحياة جديداً ويحببوه إليه، وكان من أهم أغراض أصحاب ذلك المشروع:
١ - الصحة، فيكون في البعثة الصحية قسم للدرس والإحصاء والتعليم، وقسم للتطبيب.
стр. 62
٢ - النظافة، بتعليم الناس ومحاضرتهم، وبالعمل على إصلاح مجاري الماء الطيب والخبيث وتنظيف الطرق وتجفيف البرك.
٣ - الزراعة، بإرشاد الفلاح إلى طرقها الجديدة، وآلاتها الحديثة، وأصول مكافحة الحشرات والأمراض.
٤ - تعليم الأميين من الفلاحين، والعمل على إنشاء المدارس لأولادهم (١).
...
إننا اليوم على أبواب العطلة الصيفية، وسيبقى أكد الطلاب في المدن، يرتادون القهوات، ويؤمون السينمات، ولا ينفعون خلالها ولا ينتفعون. فهل يعمل فريق من الطلاب في كل بلد على (إنعاش القرى) على نحو ما ذكرنا، فيكون لهم من ذلك صحة في أجسامهم، وقوة في نفوسهم، وخبرة ببلادهم، وخدمة لإخوانهم، ومأثرة باقية عند الناس وعند الله، ونجاة من ملل الصيف وحرّة، ويكون لهم من هذه الإقامة في القرية تحت الخيام، وهذا التعاون مع إخوانهم على هذا العمل الصالح سعادة تمر الأيام ويذهب الشباب، ولا تمحي من النفس ذكراها، ويكون ذلك هو الدواء الشافي لهذا الداء المثلث الذي استعصى على الأساة، داء الفقر والجهل والضعف؟
وهل يعمل هؤلاء الشباب على إنشاء (أدب القرية)؟ ذلك بأن يدعوا الكتاب والشعراء إلى وصف حياة القرية، وأن يكتبوا فيها القصص، والمباحث ويختلطوا بالفلاحين، ويترجموا لنا آمالهم وآلامهم. وهذا اللون من ألوان الأدب موجود في كل الألسنة واللغات إلا اللسان العربي، فإنه قليل فيه أو هو نادر، وعلة ذلك احتقارنا الفلاح، وإهمالنا شأنه، ونسياننا أن الفلاحين ناس مثلنا، يبذلون في سبيلنا كل شيء دون أن تصل إليهم مكافأة، أو ينالوا ربحاً، أو يسمعوا شكراً؛ بل إنهم ليتمنون أن ينظر إليهم الـ (بك) كما ينظر إلى كلبه العزيز عليه، الأثير لديه.
فيا لهؤلاء المساكين!
стр. 63
إن المروءة والشرف والواجب الوطني، والدين والإنسانية، وكل مبدأ مقدس يدعوكم إلى مساعدة الفلاح، يا أيها الشباب.
فيا أيها الشباب: إلى القرية ... إلى القرية!
...
لا. لست شيوعياً، ولا اشتراكياً، ولكني إنسان، وإني مسلم!
***
стр. 64
في منظار الخفيف
نشرت في مصر سنة ١٩٤٧
لم يعلم أحد لِمَ لَمْ يكتب الصديق النبيل الأستاذ محمود الخفيف في العدد الماضي من «الرسالة»، ولم يعلم هو من الأمر إلا أنه فقد منظاره فجأة، ثم وجده كما فقده فجأة، لم يدر أين ذهب ولا كيف أتى، ولم يعرف سرّ المسألة إلا أنا، لأني سرقت «المنظار» من جيبه لما زارني في «الرسالة» في الأسبوع الماضي، ورددته إلى جيبه لما مرّ بي أمس، وقد كان عرض عليّ أن يعيرنيه لما رأى رغبتي فيه، ولكني خشيت (وسوء الظن عصمة) أن يفسده أو يصنع به شيئا يمنعني من الاستمتاع به، كيلا أعود إلى طلبه منه، فآثرت أن آخذه على حين غفلة منه لأستعمله صحيحاً غير فاسد، ثم إن السرقة أخت الاغتصاب؛ وقد نص (الشاعر) على أن:
من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا
والشعراء أئمة الأدب، ولا يستطيع «مقلد» مثلي مخالفة نصوص «الأئمة»؛ لذلك سرقت «المنظار»، ولكني لم أرَ به مثل تلك الصور الفنية الكاملة التي كان يراها الأستاذ محمود، وإنما رأيت ... إسمعوا ماذا رأيت.
...
وضعت «المنظار» على عيني، وخرجت به من الدار، وكنت على موعد مع صديق أزور معه جامع محمد علي، وسرت أنظر إلى بعيد، فلم أخط خطوات حتى أحسست برجّة في جسدي، وألم في ركبتي وقدمي، وإذا أنا قد سقطت في حفرة لم أنتبه لها في هذا الطريق الملئ بالحفر عند جسر الملك الصالح.
وأقبل المارة يخرجونني ويسألونني كيف وقعت؟!
стр. 65
قلت: كما وقع الفلكي الذي كان ينظر في النجوم ومسالكها، ويدقّق في حركاتها وسكناتها، ويعمى عما تحت قدميه، وكما (يسقط) الكاتب الذي يتكلم في الفلسفات العليا، ويغفل عن أدواء أمته وأمراضها، والشاعر الذي يحلّق في سماوات الخيال، ويدع أمته تتمرغ في حضيض الشقاء.
وتركتهم يعجبون من هذا الكلام الذي حسبوه كلام مجنون؛ وسرت حذراً؛ أنظر حولي كيلا ألدغ مرتين من جحر واحد، فأكون شرّاً من الحمار، لأن الحمار إن سقط في حفرة مرة، يجتنبها فلا يسقط فيها أخرى، والإنسان (الذي يؤمن به أخونا الأستاذ خلاف (١)) يسقط في الحفرة الواحدة خمسين مرة، ثم لا يجتنبها ولا يبتعد عنها.
ونظرت في «المنظار» فلم أرَ؛ إلا سوءات مكشوفة و «أوساخاً» ظاهرة، وبلايا من هذه البلايا؛ فكدت من غضبي أكسر هذا «المنظار» المسحور الذي ينظر فيه الأستاذ محمود فيرى كل جميل وعظيم؛ وأنظر أنا فلا أرى إلا الأوساخ والسوءات، ورفعته عن عيني، وأنعمت النظر؛ فإذا الذي أراه حقيقةٌ كنت أمر بها فلا أتنبه إليها، لتعودي عليها، وتنبهت الآن لما ركبت على عيني «المنظار»، وهي أن الطريق الذي أسلكه كل يوم من داري في آخر الروضة إلى جسر الملك الصالح وأحسبه نزهة جميلة، قد فاض بالأقذار من الجانبين، فمن هنا هؤلاء الناس من الرجال: الشيب والشبان، والأولاد: البنات والصبيان، والنساء أحياناً؛ (حتى النساء!) يدعون جميعاً بيوت الطهارة وهي أمامهم: فيها الماء، وعليها الحارس، وفيها الستر والنظافة، و «يقضون حاجاتهم» على طول «الشطّ» أمام الناس، ومن هناك البنات المصريات في آخر الشارع، والأولاد المصريون في أوله، يدعون جميعاً المدارس المصرية الطاهرة النظيفة، ويقصدون هاتين المدرستين الإنكليزيتين، يفتحون أدمغتهم للإنكليز وصنائعهم من أصحاب الأغراض والحاجات، ليحققوا فيها أغراضهم، و «يقضوا حاجاتهم» ويجعلوها عشّاً لكل وباء وكل مرض، يضعف الوطنية، ويؤذي الدين. وإذا طهر الشطَّ
стр. 66
من أقذاره الكناسُ، فلن يطهر البلد من أقذار هذه المدارس، إلا أن تكنسها الحكومة من أرض مصر وتلقيها وأهلها في البحر.
وركبت الترام وأنا مغيظ مما رأيت محنق، فرأيت و «المنظار» على عيني ما سلاني وسرَّى عني، رأيت أمامي وجهاً حلواً، دقيق القسمات، نظيفاً لم تنزل ساحته الأصباغ، ولامسته يد التجميل، ولكن جمَّله ربه، وصبغه بصبغته ومن أحسن من الله صبغة؟ فيه عينان زرقاوان، وفم متجمع مستدير ناضج الشفتين، فوقه شعر أشقر، لا هو بالطويل المسترسل، ولا هو بالقصير المحلوق وسوالف ليست مقطوعة كسوالف الرجال، ولا مطلقة كسوالف النساء، على جسم قد غطته سراويل سابغة، ورداء له أكمام طويلة، تبرز منها يد بضَّة ملفوفة، ما تعرف أهي يد بنت مدلَّلة، أم يد غلام مترف، والعمر في نحو الخامسة عشرة، فجعلت أتساءل حائراً: هل هذا شاب أم فتاة؟ وحاولت أن أجد علامة دالَّة، أو أمارة ظاهرة، فعدمتُ العلامات، وخفيت عني الأمارات وطالت حيرتي حتى لقد هممت أن أمدّ يدي فأتلمَّس؛ ومنعني أن أفعل أني استحييت وخفت العواقب، وأن الشاب قام، أو أن الفتاة قامت، فنزل، أو نزلت، وكل راكب في الترام يتساءل مثل تساؤلي، ويحار مثل حيرتي!
وركب مكانها (أو مكانه)، امرأة إفرنجية كأنها من لطافتها؛ (سيد قشطة) (١) تجر وراءها ثلاثة: (ولدين) كالخنزيرين السمينين، لا يعرف طولهما من عرضهما إلا بالقياس، (وعجيزة) مثل كيس التبن؟ ثم جلست بين الرجلين على طرف المقعد، وهي تلهث كأنها قاطرة حلوان؛ ثم اندفعت في المقعد فضغطت الرجلين، فأدخلت واحداً في الزاوية من هنا، وواحداً من هناك، وأقعدت الخنزيرين (أي الولدين) على الركبتين، وتنفست الصعداء بعد هذا الجهد، فكانت نفخة مفاجئة أطارت جريدة كانت في يد الراكب أمامها.
стр. 67
وأقبل الجابي (الكمساري) وهو رجل أسمر طويل، عبوس الوجه، متين البناء، له شاربان كساريتي مركب، فقال لها:
- فلوس!
فمدت إليه يدها بثمانية مليمات، كأنها تمدها إلى سائل، فقال لها:
- هنا بريمو، خمسة عشر مليماً.
فرفعت إليه هذه الكرة المفلطحة التي تسمى في جغرافية جسمها (رأساً)، وصعَّرت خدها، ومدت شفتها، حتى صار وجهها مثل القرعة اليابسة، وقالت:
- أنا ما بْياطي، أنا مش آهِد كوشي.
- خمسة عشر مليماً يا مدام.
فغضبت، وصاحت:
- انتي مِسْريينْ ما بِسِيرلَتِيف أبداً، بِيتَمْ متْوَهش!.
فأسرعت أنزع «المنظار» لألعن أباها، ومن جاء بها إلى مصر، ولكني وجدت (الكمساري) قد سبقني إلى هذه المكرمة، ورأيته قد انقلبت عيناه في أمّ رأسه، واصفر وجهه حتى صار كقشرة الليمونة، وارتجفت شواربه، ولكنه تماسك وتثبت، وصفّر فوقف (١) الترامَ وقال لها:
- لو كنت رجلاً لرأيت، ولكنك امرأة، ونحن لا نمد أيدينا إلى النساء فقومي انزلي.
وأكبرت فعله، وقمت أهنئه وأصافحه، ولولا خشونة خدّه، وأنها لا تطيب قبلته، لوثبت عليه فقبلته، وتمنيت أن يكون كل مصريّ مثله، وحمدت للمنظار ما أرانيه، ولكن الفرصة لم تطل، فقد فتح الباب ودخل منه سائل (٢) كأنه في جسمه وفي عينيه بشار بن برد، عليه ثياب لو أن للقذارة (جائزة) عالمية،
стр. 68
لنال بها الجائزة، يغني بصوت تخاله -والعياذ بالله- صوت ثلاثة حمير تنهق معاً، على نغمة (الجازبند) نهيقاً مقلوباً، كأنه صواخ الجن في الأودية المسحورة، أو نواح المَرَدة في قعر الجحيم، أو هو شيء أفظع من ذلك كله: هو الغناء الإفرنجي! وهو ينشد شعراً لا تفهم له وزناً ولا قافية ولا معنى ولا تجد فيه طرباً ولا متعة ولا لذة، فكأنه شعر بشر فارس (١).
فلما اقترب مني لم أجد أحسن من الفرار، فنزلت من الترام عند الشارع الذي كان اسمه أيام الاحتلال «شارع مستشفى اللادي كرومر»، وكنت أنا المصري الأصل، الدمشقي المولد والبلد، أتكلم وأقول ماذا يكون لهذه التسمية من ألم في نفوس المصريين أصلاً ومولداً وبلداً، وهي تذكرهم بأعدى عدو لهم، وتمنّ عليهم بمستشفى أنشأته زوجته ببعض ما سرقت من مال مصر، مع ما أصيبت به مصر على يد زوجها وقومه، من ذهاب الأنفس والأموال، ومن ضياع الحرية وهي أعز على الأبيِّ من النفس والمال، وأنا أوثر أن أموت في العراء (إن لم يكن إلا هذا المستشفى)، على أن أشفى فيه، لأن شفاء أجسامنا فيه، يمرض وطنيتنا، بمحبة هذه (اللادي) وذكرها بالخير، وعرفان الجميل لها. فلما تنبهت مصر، وذهبت تخطب أهل الأرض من فوق منبر مجلس الأمن، تعرفهم ظلم الإنكليز إياها، وعدوانهم عليها، رفع الشباب هذه اللوحة ووضعوا مكانها لوحة سمَّوه فيها «شارع دنشواي»، وأشهد لقد كانت تسمية عبقرية، وكان ردّاً بارعاً، وكان جواباً لا يصدر إلا عن إلهام.
ووجهت «المنظار» إلى هذه اللوحة الجديدة، أمتع بها روحي، وأنعش نفسي، فلم أجدها، ووجدت اللوحة القديمة قد جددت، فمسحت «المنظار» ونظرت فلم أر غيرها، فرفعته عن عيني ونظرت، فإذا أنا أجد اللوحة القديمة قد جددت حقاً.
стр. 69
لماذا؟ هل عادت أيام الاحتلال؟!.
ورفعت «المنظار» عن عيني لئلا أسقط في حفرة، أو أصدم أحداً، حتى دخلنا المسجد، فقلت أضعه لحظة، علِّي أرى في المسجد ما يسر ويفرح بعد تلك المحزنات، وكانت الصلاة قد اقتربت، والمسجد لبعده، ولازدحام المساجد من حوله، كأنه خالٍ فما فيه إلا أربعة صفوف، ونظرت فرأيت ثلاث فتيات سوافر كسائر نساء مصر، شعرهن يموج على أكتافهن، وأذرعهن بارزات كلها من الكم الياباني (الجابونيز) الذي يبدي ما تحت الإبط لكل ذي عينين، والسيقان مكشوفات للجوارب تصعد لسترها، ولا ثوب ينزل لتغطيتها، ومعهن أمهن ترتدي هذه الملاءة ذات البرقع الذي لا يستر على الوجه إلا مداخل النفس من الأنف فقط، ويظهر الباقي كله؛ وأسرعت الأم وبناتها إلى حوض الماء يتوضآن، ويمددن أرجلهن لغسلها، فلا يبقى مستوراً إلا ... الذي لم يكشف (١) ... ثم يقفن هكذا للصلاة ... وفي المسجد مشايخ، رأوهن فلم يكلمهن أحد منهم، والخطيب رآهن فلم يعرض لهن، فنزعت «المنظار» وأغمضت عينيَّ، وحاولت أن أنساهن وأتوجه إلى الصلاة، فلم أستطع، لأن صورتهن لا تزال (أقول الحق) أمام عيني، فإذا كن يلحقننا حتى إلى المسجد فكيف نفرُّ يا قوم منهن؟ وكيف يصنع الشاب العزَب ليتقي إغراءهنّ؟.
ألم يخطر على بال أحد من العلماء والآباء، هذا السؤال؟!.
ورجعنا و «المنظار» على عيني، ولكنه أخذ يكذب ويشوِّه الحقائق، فيريني خياماً من القماش في أول شارع الخديوي إسماعيل، وعليها لوحة تقول: إن هذه الخيام (إدارة تنظيم عمارة المدن).
فأقول: ينظمون عمارة المدن، ولا يستطيعون عمارة حجرتين من اللبن والخشب؟ هذا لا يمكن؛ وأهمُّ بطرح المنظار، ثم أذكر أن هذا ممكن جداً في الشرق!.
стр. 70
أليس يأمر الناس بالتقوى من ليس تقياً، ويدرِّس البلاغة من ليس بليغاً، ويقود الأمة من يحتاج إلى من يقوده، يعطي الأشياء فاقدها، ويولى الأمور غير أهلها؟!.
وتابع «المنظار» الكذب، حتى إذا وصل إلى دار المفوضية السورية، وهي أفخم من زميلتيها الأمريكية والروسية! زاغ «المنظار» عن كل ما في الدار واستقر على «عقد الإيجار» فأراني فيه رقم (٣٠٠) جنيه في الشهر، ثم ذهب بي إلى دمشق؛ فبصًرني بآلاف التلاميذ يزدحمون كل سنة على أبواب المدارس؛ ثم يرتدون عنها لأنها لا تتسع لهم، وليس عند الوزارة ما تستأجر به دوراً جديدة، لأن أجرة الدار (١٥٠) جنيهاً في السنة! ثم دار بي على المفوضيات السورية في آفاق الأرض ليريني ...
ولكني أغمضت عيني فلم أنظر، لأن هذا كذب ظاهر، ونحن أعقل من أن نؤثر المظاهر على الجواهر، والتزاويق على الحقائق، والخارجية على المعارف وثوب العرس على العروس! ونحن أعقل من أن نشتري (كرافتة) بخمسة جنيهات، ونمشي بلا سراويل!.
...
وصحت بالأستاذ محمود الخفيف، أن تعال خذ «منظارك» يا أستاذ محمود حسبي ما رأيت!.
***
стр. 71
دفاع عن الأدب
نشرت في سنة ١٩٤٥
لقد كانت معركة (عين جالوت) أجل خطراً، وأعظم أثراً، وأبرك على الحضارة، وأجدى على الإنسانية، من موقعة (الحدث)، ولكنها لم تجد الشاعر العبقريّ الذي ينهض بها، ويرفعها بيمينه يلوح بها في طريق التاريخ، ليراها الناس أبداً، أمة بعد أمة، وجيلاً عقب جيل، كما صنع المتنبي بموقعة (الحدث) حين فتح لها في الشعر فتحاً لم يفتح مثله (سيف الدولة) في بلاد الروم، وبنى لها في الأدب قلعة باقية، على حين قد خرب الدهر تلك القلعة التي بناها سيف الدولة، فكان من معجزات الشعر (وإن في الشعر لإعجازاً) أن خلدت هذه الموقعة، وجلت وملأت الأسماع والأفواه والقلوب، ونسيت مواقع أعظم منها، ولولا قصيدة ابن الحسين ما عرفت طريق الخلود.
ولقد كان فتح عمورية عظيماً في الفتوح، ولكن فتح حبيب في بائيته أعظم منه. ومن قبل خلدت بلاغة هوميروس بطولة القوم في طروادة، ولولاه لضاعت في ظلام ما قبل التاريخ. وإني لأكرم القراء أن أسيء بهم ظني فأرى بهم حاجة إلى سرد الأمثلة، وإقامة البينات، على أمر ما بِهم جهْله ولا نكرانُه، فلولا الأدب ما خلدت المكرمات، ولا ذكرت البطولات. ورب قصيدة تجيش بها نفس شاعر منكر مجهول، قد شغل الناس عنه سناء الأمير ورواؤه، أبقى على الدهر من هذا السناء وهذا الدواء. وربما جاء زمان نسي الناس فيه الأمير نفسه، فغاص في هذا القهر البشري الذي يجري أبداً من المهد إلى اللحد، يولد أهله ويعيشون ويموتون ولا يدري بهم أحد لا يذكرهم إنسان ولم يمسسه من الخلود إلا النفحة التي ينفحه بها الشاعر.
هذا حق لا يجهله أحد إلا ذوو السلطان منا، وكانوا هم أولى بمعرفته
стр. 72
والاستفادة منه، والأحداث تدعوهم إلى ذلك ولكنهم لا يجيبون. وها هو ذا حادث العدوان (١)، أحبوا أن يدونوا تاريخه، ويعرضوا صوره، ويعرفوا به البعيد النائي، ويذكروا به القريب الرائي، فأجمعوا أمرهم على إخراج (الكتاب الأسود) في وصف هذا الحادث، وسموا له رجالاً، طيبين ممتازين، غير أنهم ليسوا من ذوي الأقلام، ولا من الأدباء، وإن في دمشق (لو كانوا يعلمون) أقلاماً حداداً، إذا اقتضتها الحكومة قطّت بها وقدّت وفَرَت، فإلام تدخر هذه الأقلام إن لم تستلَّ في هذا اليوم الأسود؟ ومن يعرض على الدنيا كلها حديث (الحادث) إذا أهملت هذه الأقلام، ونسيت وتركت تصدأ في أغمادها؟ سيعرضه صحفي بمقالة تعيش ما عاش (العدد) الذي تنتشر فيه، أم موظف بتقرير أسلوبه لعنة للبلاغة في عليائها؟.
ثم استلمنا الجيش وعرضه رئيسنا فكان يوماً أغرّ محجلاً في عمر الشام، فمن يمسك هذا اليوم ألَّا يهوى في وادي النسيان؟ من يحفظ له جلاله وجماله وعظمته غير الأدباء؟ فما لأولي الأمر دعوا له كل قاص ودان إلا أهل الأدب الحق؟ أهل البلاغة، ما دعوهم ولا سألوا عن مكانهم ولا ذكروهم، ولو دعوا أديباً لصنع لهم بمقالة واحدة شيئاً يبقى إذا ذهب كل هذا الذي أعدوه.
وفي كل يوم تنبت أقلام غضة فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية فتجف وتموت. وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها أقلاماً متينة كأشجار السنديان طالما أظلت وبسقت فلا يبكي عليها أحد. وتزهر أقلام ثم تؤتي أكلها ثمراً ناضجاً حلواً نافعاً فلا يستبشر بها أحد، ويقولون بعد ذلك: لماذا لا ينتج الأدباء؟ لماذا لا يخلدون أيام الوطن؟ يا ويحكم! إننا والله لا نعرف أيام الوطن إلا على السماع والفضل لنا إذا استطعنا أن نكتب عنها سطراً واحداً.
لقد أردت أن أدخل القلعة غداة يوم الحادث، وأن أجول خلال الحرائق وألج البرلمان، فمنعني جنود لا يعرفونني ولا يفهمون عني بلساني، ولو تركت ألج ورأيت بعيني ما وصفته على السماع لكتبت لكم شيئاً يبكي
стр. 73
المحب ساعة الوصال، والعروس ليلة الزفاف، ويرقق قلب الموتور يوم الانتقام ولو أشهدت هذا العرض لكتبت لكم سطور مجد تكون للأعصاب ناراً تشعلها حماسة، وللقلوب خمراً تميلها طرباً، ولهذا الجيش جيشاً آخر. ولو أحضرت حفلة رفع العلم على الثكنة الحميدية لكتبت غير ما كان نشر في الرسالة (١)، لأن الذي يتخيل ويكتب بارد الدم هادئ الأعصاب، غير الذي تمشي الكهرباء في أعصابه فتهزها هزاً، فيمسك قلمه ويدع روحه تملي عليه.
ولست -علم الله- أريد مالاً من أولي الأمر أو عطاء، ولا أبتغي من مجالستهم شرفاً، فعندي من المال ما يسد حاجتي، ومن الشرف ما يكفيني، وإنما آسف على قوة فيّ، وفي أمثالي من حملة الأقلام، تذهب هدراً، وتضمحل والوطن يحتاج إليها، وهي تستطيع أن تكسبه مجداً لا ينال بغيرها.
...
فيا أيها الحاكمون! اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء ليكسبوكم الخلود وليفيضوا على أمجادكم الحياة، أما هم فلا يحتاجون إليكم، لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكاً وأبطالاً، وينشئوا عالماً، ويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا، إن تكن من الوهم، فرب وهم أفعل في نفس صاحبه من الحقيقة، وأثبت من الواقع. ورب شخص (روائي) خرج من خيال أديب، أحيا حياة، وأظهر وجوداً من أشخاص اللحم والدم، أسمعتم بعطيل ودون جوان وآرباجون؟ والحارث بن همام وعيسى بن هشام؟.
وبعد فهذا دفاع عن الأدب، لا عن الأدباء، فأقبلوه أو لاتقبلوه إنما علينا أن نقول، وقد قلنا.
...
стр. 74
إلى علماء الأزهر
نشرت في مصر سنة ١٩٤٧
ما عرفنا من عرفنا من علماء الأزهر إلا ملوكاً، لا أمر فوق أمرهم، ولا كلمة بعد كلمتهم، إذا قال واحدهم لبّت الأمة، وإذا دعا هبّ الشعب، وإذا أنكر على الحكومة منكراً أزالت الحكومة المنكر، وإذا أمرها بمعروف أطاعت بالمعروف، فكانوا هم السادة وهم القادة، وهم أولو الأمر: هذي حكومة مصطفى فهمي باشا تستجيب سنة ١٨٩٩ لرغبة الإنكليز في إضعاف القضاء الشرعي، فتضع مشروعها المشهور، لتعديل اللائحة الشرعية، وضم اثنين من أعضاء الاستئناف الأهلي إلى المحكمة الشرعية العليا، ويبلغ من ثقتها بقوتها، وتأييد مجلس الشورى لها أن لا تبالي باحتجاج الحكومة العثمانية على المشروع، وتعرضه على المجلس، وكان من أعضائه الشيخ حسونة النواوي (الذي جمعت له مشيخة الأزهر وفتوى الديار المصرية) فيقول كلمة موجزة في إنكار المشروع، وينسحب من المجلس ويتبعه القاضي التركي، فتكون هذه الكلمة كافية لقتل المشروع، فيردّه المجلس كله، وتحاول الحكومة إنفاذه على رغمه فلا تجد عضواً استئنافياً واحداً يقبل الانضمام إلى المحكمة العليا، عرضت ذلك على الشيخ محمد عبده وكان من أعضاء الاستئناف الأهلي وسعد زغلول وأحمد عفيفي ويوسف شوقي ويحيى إبراهيم. فأبوا جميعاً. وتمشي كل من الشيخ في الناس مشي النار في يابس الحطب، فتهبّ الأمة كلها وتؤيده حتى ترضى الحكومة بالهزيمة وتسترد مشروعها (١).
ولم يكونوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون غضبة ملك جبار: هذا
стр. 75
حسين باشا الجزائري، يصل مصر فيفر منه أمراؤها إلى الوجه القبلي، فيأخذ أموالهم كلها ولا يرضيه في عتوه وجبروته أن يستولي على عروضهم حتى يسطو على أعراضهم، فيقبض على نسائهم وأولادهم، ويسوقهم إلى السوق ليبيعهم زاعماً أنهم أرقاء لبيت المال، وكانت الأحكام عرفية، وسيوف الظلم مصلتة، ولواء البغي مرفوعاً، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأزهر من إنكار هذا المنكر، ولم يرهبوا بطش الباشا وهم يرون أن أفضل الشهداء رجل قال كلمة حق عند إمام جائر فقتله بها، فمضوا إليه وتكلم الشيخ محمد أبو الأنوار فقال له: «أنت أتيت إلى هذه البلدة وأرسلك السلطان لإقامة العدل ورفع الظلم كما تقول، أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم؟»، فقال: «هؤلاء أرقاء لبيت المال». قال: «هذا لا يجوز ولم يقل به أحد» فغضب أشد الغضب وطلب كاتب ديوانه، وقال: «اكتب أسماء هؤلاء وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره» فقال له الشيخ محمود البنوفري: «اكتب ما تريد بل نحن نكتب أسماءنا بخطنا» (١)، وكانت النصرة لهم عليه، فأحقوا الحق وأبطلوا الباطل، ووضع الله في قلبه هيبتهم، لأن من خاف الله خافه كل شيء. فكانوا بذلك (أجل من الملوك جلالة) (٢)، وكانت إشارتهم للحكام أمراً، وطاعتهم عليهم فرضاً، حيث الشيخ محمد سليمان (٣) أن أباه قدم لطلب العلم في الأزهر، أواخر أيام الشيخ إبراهيم البيجوري، فشكا إليه ظلم تلك الأيام، وما كان فيها من السخرة والمعونة فكتب له ورقة بمساحة إصبعين هذا نص ما كان فيها: «ولدنا مدير الدقهلية. رافعه من طلبة العلم يجب إكرامه، خادم العلم والفقراء. الخاتم (إبراهيم البيجوري)» فدفعها إلى المدير، فقبلها ووضعها على رأسه، ودفعت عنه هذه الورقة كل مظلمة، وأنالته كل مكرمة، ورفعت قدره عند المدير وعند الناس.
وكان الشيخ الأزهري موقراً في الجامع وفي البيت وفي السوق، ومبجلاً عند الطلبة والعامة والحكام، وكان أقصى أمل الطالب أن يخدم الشيخ وأن