إليه: «لا أفعل حتى تخبرني أحلال أم حرام، وما أردت بذلك؟».
فكتب إليه عمر: «لا، بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، وإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم».
فقال حذيفة: الآن! وطلقها.
هذا حكم الرجل العظيم، عمر، وقد حكم به في المدينة منذ ألف وثلاثمائة سنة.
وأما الثاني فحكم موسوليني، حكم به المؤتمر الفاشي في روما في هذا الأسبوع حين كان من مقرراته منع الإيطاليين من الزواج بالأجنبيات.
فمن لم يعظه قول عمر، فليعظه حكم موسوليني!
***
стр. 177
المشكلة الكبرى (٢)
سقت إليك في الفصل الماضي طرفاً من حديث المشكلة، وانتهيت بك إلى الكلام على المشاكلة بين الزوجين، وأنها ركن كبير من أركان السعادة الزوجية، فإذا لم تكن مشاكلة، وكان بينهما اختلاف لا الغنى أو العلم أو الجاه كانت الحياة الزوجية موتاً بطيئاً. على أنه لا بأس أن يكون الزوج هو الأعلى في جاهه أعماله أو علمه، ولكن البأس كل البأس حين يكون الأدنى لأن الغنى والعلم والجاه من وسائل السلطان، فإذا كان ذلك للمرأة زاحمت الرجل على سلطانه، ونازعته رياسته ففسد الأمر، واضطرب حبل الودّ. وأحسب أن مبدأ الكفاءة في الزواج (في الفقه الإسلامي) هو الدواء لهذا الداء.
وأنا متحدث إليك ما هذا الفصل عن سائر أسباب الخلاف بين الزوجين، ولست أزعم أني متقصيها كلها أو محيط بها، فذلك ما لا أقدر عليه، ولكني ذاكر منها ما انتهى إليَّ خبره.
موقف أهله وأهلها:
فمن ذلك موقف أهله وأهلها، فإنه من أظهر أسباب الخلاف بين الزوجين وأكثرها انتشاراً بين ظهرانينا، حتى إنه ليبلغ منا العجب حين نسمع أن داراً تجمع بين الكَنَّة والحماة، ولا تجمع إليهما النكد والشقاق والبلاء تصبّه على الزوج صباً ... فلا يكاد يروح إلى داره ليجد فيها الراحة بعد تعب النهار، والهدوء بعد الكدح المضني، والكدّ المميت، حتى تستقبله المعارك والشكايات والدسائس، وما أكثر القراء به عالمون ... فيحار في أمره: لا يدري أيسوء أمه وهي التي حملته جنيناً، وربّته صغيراً، وأحبّته وجعلته أملها في حياتها، أم يسوء
стр. 178
زوجه وهي التي هجرت أهلها وفارقت عشها لتجعله أهلها من دون أهلها وأمنها ومفزعها، ثم إنها قد تكون بريئة لا ذنب لها ويجد أن أمّه لا ترضي عنه حتى يفارق زوجه، وييتّم أولاده، وزوجه لا ترضى عنه حتى يطرد أمه ويعصي ربّه، وهما خُطّتان أهونهما أصعب الصعاب، وخيرهما من شرّ الأمور وليس إلى إقناع إحداهما من سبيل، لأن للمرأة منطقاً خاصاً، يجعل بينها وبين الرجل هوة لا يلتقيان معها أبداً، ويدع الرجل وإقناع ألف رجل أسهل عليه من إقناع امرأة واحدة ...
والخلاف بينهما باق لا يزول، معروف لا يتبدل. فالأم تري أنها هي سيدة الدار لأنها الكبرى، ولأنها الأصل، وأن على الكنة التي أحضرتها بيدها واختارتها برأيها، أن تطيعها، وتعمل بإشارتها؛ والزوجة ترى أن الأم عجوز قد مضى زمانها، وذهبت أيامها، وأصبحت كالموظف التقاعد، له مرتب وليس له أمر ولا نهي، وأنها هي السيدة في الدار، وأن لها الرأي في إدارتها .. ثم إنهما تختلفان على قلب الرجل، فالأم التي عرفته وليداً، وربته طفلاً ويافعاً، وكان في وحدها، لا تطيق أن تراه وقد صار لغيرها، ولا تقدر أن تبصر نفسها فريدة في غرف الدار، كأنما أيكن لها ولد لأن ولدها خال بزوجته ... والزوجة التي أعطت زوجها قلبها كله وحبها وحياتها، ولم تجعل له شريكاً فيها، لا تستطيع احتمال هذه الشركة بينها وبين هذه العجوز، ولا يقنعها إلا أن يكون الزوج خالصاً لها ...
وما يقال في الأم يقال مثله مع الأخت، بل إن الأخت إذا كانت عانساً لم تتزوج، وإذا كانت على بقية من شباب، تكون أشد على الرجل من أمه، لأنها أقل منها حباً له وحناناً عليه، وأكثر منها غيرة لمكان الصبوة من نفسها، والأنها ترى امرأة غريبة تستمتع بالزواج الذي حرمت هي منه، ويكون هذا الزوج أخاها، غلبتها هذه الغريبة عليه، وحرمتها عطفه وحبه، فيكون حرمانها مضاعفاً ...
هذا وليس ينفرد أهل الزوج بإدخال الأب عليه، وتنغيص حياته الزوجية، بل يشارك في ذلك أهل الزوجة، يكرهون فتاتهم على الزواج بمن لا تريده، لعلو سنه عن سنها، أو قبحه وجمالها، فلا يحفلون إرادتها ولا يبالونها لأنهم يرونه غنياً،
стр. 179
فهم يبيعونها منه بيعاً، أو صاحب جاه فهم يجعلونها وسيلة إلى الانتفاع بجاهه، بل ربما زوجوا الفتاة بنت خمس عشرة، بالشيخ أبي الستين، ولم يستأمروها ولم يروا رأيها، وربما زوجوها من الرجل القبيح. ولقد قال عمر (الرجل الملهم) فيما أحفظ من قوله: (لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنهن يحببن ما تحبون) ... فتدخل الزوجة دار زوجها وهي له كارهة، فلا يأتي منها إلا مساءته وإتعابه، إن لم يسقها صباها وعجزه إلى أن تتصل بغيره من الفتيان.
هذا طريق، ولأهل الزوجة طريق آخر إلى إفساد الحياة الزوجية، هو التقصير في تربية فتاتهم أولاً، وعجزهم عن ضبطها وتأديبها ثانياً. فإذا كانت الزوجة سيئة الخلق رعناء، فإنها تدع دار زوجها لأتفه الأسباب، وتذهب مغاضبة تشكو إلى أهلها وتستعديهم، فإذا كان أهلها عقلاء ردوها إليه، وأصلحوا ذات بينهما، ولاموها على خلوة بها، كما يلومونه على خلوة به، فيؤلف الله بهم بين القلبين، وتعلم الزوجة أنه لا ملجأ لها إلا دار زوجها، ولا منجى لها إلا حسن خلقها فترضى وتستقيم، وأما إذا كان أهلها جاهلين يغضبون لها غضبة الجاهلية فيعينونها على طلاقها ويزيدون في عنادها فيخربون بيوتهم بأيديهم، ويسوقون الشقاء إلى فتاتهم، ويكونون شراً عليها وعلى زوجها ووبالاً ...
ودواء هذا الداء أن يبحث الرجل عن أخلاق الأسرة، وأسلوبها في تربية بناتها، وحال أمها مع زوجها ومبلغ طاعتها له ورضاه عنها، قبل الإقدام على الزواج، فإذا اطمأن إلى ذلك وصاهر عاقلاً حازماً، وكان الزواج برأي الفتاة ورضاها، من غير احتيال عليها ولا إكراه لها، فقد أمن جانب أهلها، وبقي عليه جانب أهله ... والمصيبة بهم أشد ... والعلاج أن يتفرد عنهم بزوجته. فإذا لم يستطع ذلك، فعليه بالحزم في الأيام الأولى، وأن يعرف لأمه حقها، فإن زوجه تطيعه وتتخرج به وتتربى على ما يربّيها عليه، أما أمه فلا سلطان له عليها ... وعليه بعد ذلك أن يرضي زوجته فيما بينه وبينها، ويعوضها بما فقدت من السيطرة في الدار، بما يدخل السرور على قلبها ويملؤه رضى وأملاً والسبل إلى ذلك شتى.
стр. 180
المشاكل المالية:
أولها هذا (الجهاز) فكم ثار من أجله من خلاف، وكم هد من أسر، وكم أصاب من بلايا ... يتنافس القوم من أجله في إغلاء المهور حتى تبلغ المئات من الجنيهات، فتبور سوق الزواج، وتكسد البنات، ثم إذا كتب الله على الزوج أن يدفع هذا المهر الفاحش، لم يكن دفعه غنماً للأب ولا لفتاته، لأن عليه أن يدفع مثل ما دفع الزوج أو قريباً منه، ثم يشتري بذلك كله أثاثاً ومتاعاً وما شئت من الخُرْثي (١) الذي لا ينفع في دنيا ولا آخرة، فمن خزانة محفورة منزّل فيها أدق الأصداف ثمنها سبعون جنيهاً، ومن مقاعد وأرائك على نحوها ثمنها مائتان لكنها لا تقيم على الاستعمال عاماً واحداً، ومن ستائر للنوافذ ثمن إحداهنَّ عشرة جنيهات؛ ومن أوان فضية وقوارير (كولونية) تصف على المناضد صفاً، كصف الجند ثم لا تفتح أبداً، والمناضد (نسيت المناضد) وثمن إحداهنَّ عشرات الجنيهات، وغير ذلك مما لا أعرفه ولا أذكر اسمه وإن كنت قد رأيته في دور الحمقى والمغفلين ...
ولقد عرفت شاباً مستور الحال أراد الزواج فطلبوا منه أربعمائة دينار ذهبي، فباع داراً كانت لأبيه، وأعدَّ لمهر، فسلمه إلى أم الزوجة، وضمت إليه أمها ثلاثمائة من عندها لتشتري بها جميعاً (جهازاً) لابنتها، فلما بلغه ذلك طار عقله وذهب يقنع أم الفتاة أن تشتري لها بذلك داراً (عمارة) يكون لها ملكها وريعها وتبقى على الدهر، فقبلت ومرت أيام فبلغه أنها قد عدلت عن ذلك وأنفقت المال كله في الجهاز ... فسألها عن السبب فإذا السبب أن البنت بكت وقالت: هل أنا دون ابنة فلان، وقد جهزوها بكذا .. ؟؟ قالت الأم: «فقطع قلبي بكاؤها، فلم يسعني إلا أن أفعل ما تريد ...».
وتم العقد واستأجر الزوج داراً فخمة (على نسبة الجهاز) فلم تمض إلا شهور حتى ركبه الدين، فاضطر إلى استئجار دار تليق به، ويحتملها مرتبه،
стр. 181
فلم يلق فيها مكاناً لهذا (الجهاز) فذهبوا يبيعونه؛ فلم يأتهم بأكثر من مائة وعشرين، وقد كان ثمنه سبعمائة ...
ومن مشاكل الجهاز أن الزوجة تجده رأس مالها، وقنيتها في حياتها، فتحافظ عليه محافظتها على روحها، وتكره أن يدعى إلى الجلوس على مقاعده ضيوف زوجها، أو أن يدخل غرفته زوار أهله، وقد لا يكون ما الدار غرفة للاستقبال سواها، لأن الناس يجعلونها أبداً للاستقبال. فتبدأ المشاكل ... وقد تنتهي بالطلاق ... رأينا ذلك مراراً.
وعندي أن الدواء إبطال الجهاز بالمرة، وأن يفرش الرجل داره كما يريد ويستطيع (١)، ويُشترى بالمهر القليل الذي يدفعه الزوج عقار تملكه الزوجة ويسجل باسمها، أو حلية ذهب تبقى لها محتفظة بثمنها.
...
والمشكلة المالية الأخرى نفقات المرأة وكسوتها. أقص عليك قصة امرأة واحدة. فيها وصف لنساء كثيرات، تلك هي امرأة موظف كبير مرتبه ثلاثمائة ليرة سورية، وهو مبلغ في دمشق ضخم (٢)، تخرج من دارها كل يوم ما عربة أو سيارة لا تستطيع لثقلها أن تمشي، فتطوف على بيوت الناس، فأصبحت تعرف عشرات من الأسر الغنية المبذرة. فلا يمر أسبوع لا تدعى فيه إلى عرس أو حفلة إلا كلفت زوجها كسوة جديدة. لأن من العار عليها أن ترى بثياب قد سبق فرئيت فيها من قبل. فتشتري الإزار والرداء (أو ما يقابله ما الاصطلاح النسائي فما أعرف ماذا أقول ...) والحذاء والجوارب، ويتراوح ثمن ذلك (كما حدثني المسكين وحلف لي) ما بين ستين وتسعين ليرة سورية فلا يقوم مرتبه كله بكسوتها، فيستدين ليتم لها ما تريد وينفق على نفسه وأولاده حتى هدّه الدين وأصبح مضطراً إلى بيع أملاكه المرهونة ...
стр. 182
ومن النساء من لا تبلغ في الإسراف هذا المبلغ، فتكتفي بنصفه أو ثلثه ولكن مرتب الموظف المتوسط نصف مرتب صاحبنا أو ثلثه، وتبقى النسبة على حالها؛ أما الموظفون الصغار كالمدرسين الذين يأخذون خمسين ورقة في الشهر وأربعين وثلاثين والصناع وصغار التجار، فتصور أنت موقفهم من نسائهم، فما يبلغ القول تقرير الحقيقة ووصف الواقع.
ولست أزعم أن النساء كلهن عمياوات لا يبصرن حالة أزواجهن، وأن قلوبهن قد قدت من حجر فلا تشفق ولا تحزن، بل إن في النساء عاطفة وحسّاً ولكنهن يألفن حالة، فلا يطقن أن يراهن أحد على حالة دونها، ويستحيين من صاحباتهن ورفيقاتهن ... ووراء هذه المشكلة الحزم في الأيام الأولى من الزواج (وهو رأس الأدوية كلها) وتقليل الاختلاط، والاقتصاد في زيارة الناس ومصاحبتهم، وليس من بأس بعد ذلك أن يخصص الزوج لزوجته مبلغاً من المال لكسوتها يدفعها إليها مشاهرة، ويدعها تفعل فيه ما تشاء، على أن تقنع به، ولا تسأله من بعده درهماً واحداً لكسوة أو ثياب. ولقد جرب هذه الطريقة كثير من الرجال فوجدها صالحة مؤدية إلى الراحة والاطمئنان.
مشاكل أخرى:
إن من طبيعة المرحلة التي تجتازها اليوم أمم هذا الشرق الإسلامي: مرحلة الانتقال، أنه يلتقي فيها عصران، ولكنهما لا يأتلفان فيتحدان، ولا يختلفان فيتباينان، فينشأ عن ذلك هذا الازدواج في الحياة، فيعيش قوم في عصر مضى وقوم في عصر لم يأت، فكيف يلتقي الزوجان وبينهما عصر مديد ... هو يعيش محافظاً، وهي تريد التجرد مما يحافظ عليه، وهو متدين وهي رقيقة الدين! إن كل شيء يحتمل: ضياع المال والتعب والشقاء، ويجد الإنسان عزاءه عنه في انتظار ثواب الله، في الآخرة، يجد عزاءه في الدين، فإذا ضاع الدين فأين يجد العوض منه والعزاء فيه؟
لذلك كان أول ما يجب محلى الزوج أن يفكر فيه، هو أن يختار زوجه من طبقته ورأيه، محافظة أو تجديداً، وإلا كان الزواج شراً كله.
стр. 183
هذا أصل يتفرع عنه فروع كثيرة، أولها: تأدية حق الله في العبادة، والمحافظة على الصلوات، والرجوع إلى أحكام الدين فيما يختلف فيه من أمور الحياة، إلى غير ذلك مما يراه المسلم رأس الأمر وملاكه ويسميه المجددون (المتجردون) رجعية وجموداً.
وثانيهما: خروج المرأة من دارها، وحالها عند الخروج وزيها وزينتها، وتبرجها في الأسواق وتيممها السينمات ودور اللهو، وعرض مفاتنها على الرجال وما إلى ذلك مما يسميه المسلم وقاحة ورذيلة وقلة حياء ... ويدعوه المتجردون مدنية وتقدماً ...
وثالثها: الاتصال بالناس، وتخصيص الأيام الكثيرة لاستقبالهم، وإضاعة الأموال في إكرامهم وتعطيل أعمال الدار وتربية الأولاد في سبيلهم وما يجره هذا الاختلاط الشديد الذي ينفر منه العقلاء، ويرونه فساداً لا خير فيه، وباباً لا يلج منه إلا كل ضرر، لأن النساء لا يقبسن من النساء إلا السيئ المكروه، ويراه أهل التجديد واجباً لا بد منه، وفرضاً لا تكون المرأة متمدنة محترمة ... إلا به!
ورابعها: اتباع (الموضة) والإيمان بها إيماناً لا شك فيه، والخضوع لها خضوعاً أعمى، والتعامي عما تجر على الأسرة والأمة من ضرر. وهذه ثمرة من ثمرات الاختلاط المرة، يراها العقلاء سخافة وحماقة، ويعدها أهل التجرد والتجدد من فروض العين!
...
ومن هذه المشاكل الفرعية الخلاف على تربية الأولاد حين تحكم المرأة عاطفتها فتأبى على الأب أن يؤدب ابنه أو يأخذه بالحزم، وهذا فضول من المرأة لامعنى له.
على أنها قد تثور الثائرة بين الزوجين لغير ما سبب واضح، كأن يكون الزوج متألماً في نهاره أو مصاباً بمصيبة لا يحب أن يسوء بها أهله، فيدخل مقطباً من حيث لا يشعر فتحسب الزوجة أن ذلك موجه إليها، فتغضب وتعرض، فيألم الزوج في نفسه، ويظن أنها رأته في مصيبة فأعرضت عنه بدلاً من أن
стр. 184
تعطف عليه وتواسيه، وينأى كل واحد منهما عن الآخر، ويوسوس له الشيطان حتى يصبحا متنافرين حقاً، وهذا مشهور يتكرر تمثيله دائماً، وداء يعتاد الأزواج في كل حين ودواؤه الناجع كلمة يقولها أحدهما يشرح بها حاله، وقهر لهذه الكبرياء الخبيثة التي تمنعه من هذه الكلمة.
كلمة الختام:
وبعد، فهذا كله سهل يُتداوى منه بشيء من الحكمة والحزم فما دواء حماقة الآباء في إغلائهم المهور، وتمسكهم بهذه العادات الباطلة، حتى أدى ذلك إلى «أزمة الزواج» التي اشتدت وعمّت؟
ومتى نجد الأب الذي يملك في نفسه من الجرأة، وفي رأسه من العقل، وفي صدره من الدّين، ما يكسر به هذا السدّ الذي يمنع عن الأمة كل خير وسعادة؟
***
стр. 185
إلى علماء مصر
نشرت سنة ١٩٤٤
كنت أصفح (١) الرسالة فوقع بصري على المقالة البارعة التي كتبها الأستاذ الزيات عن شواطئ مصر وما فيها، فقرأتها حتى بلغت قوله فيها (... جرجر البحر إحدى موجاته الضخام إلى أعلى الساحل، فجريت إلى فوق، أتقي هذا المد الفاجئ، فإذا بي واقف إزاء مظلة جميلة منعزلة، قد انبطحت تحتها فتاة ناهد، لم تقع العين منذ الصباح على أكمل منها صورة، وكان ذعر السائرين من هجمة البحر قد لفتها لتنظر، فلما وقع بصرها عليّ، نهضت نهضة الظبي الفزع تحيي بالعربية أستاذها القديم.
- أوه ... فلانة؟!
نعم، ويسرني أن أراك بعد خمس سنين.
- هل أنت وحدك هنا؟
- كلا، بل معي أخي ... وقد أتعبه صراع الأمواج الثائرة، فذهب إلى «الكابين».
- وكيف حال البك؟
- الحمد لله خير حال، وما أكثر سؤاله عنك، وأشد شوقه إليك، لقد كان جالساً في الكازينو، ثم انصرف إلى البيت منذ قليل.
قالت ذلك تلميذتي الأرستوقراطية المسلمة، وهي تنصب كرسياً طويلاً من
стр. 186
القماش دعتني إلى الجلوس عليه، ثم جلست هي على كرسي آخر، وكانت كأمها حواء لا يستر جسمها العاري إلا «ورقتان» خصفتهما عليه من أمام ومن خلف، فسرعان ما ذكرت ذلك المكتب الفخم الذي كانت تجلس قبالتي عليه لتستعد لامتحان البكالوريا، وهي ملففة بثوبها الأزرق الأنيق المسبل، وعيناها الساجيتان لا تفارقان الصحيفة حياء وخفراً، وثغرها الحيي الدقيق، لا يرسل سهل الكلام إلا في تلعثم وبطء ...).
...
لما بلغت في المقالة هذه الصورة، كنت متمدداً في فراشي أهم بإدارة مفتاح النور والاستسلام للنوم، فطار النوم من مقلتي، وتوقدت في أعصابي نيران الغضب للفضيلة المجنيّ عليها والعرض المُزدرَى، ودار في نفسي كلام، لو أنا أطعت النفس وبعثت به للنشر لبعثت عاصفاً يعصف بهذا البك الذي ارتضى لفتاته ما لا ترتضيه البهائم لإناثها من غيرتها عليها، وهذا الشاب الذي صارع الأمواج ليثبت رجولته المزورة، ثم انصرف إلى هذا «الكابين» الذي لا أعرف أي شيء هو، وقد صُرع شرفه وسلم عرضه، ولأرسلت شواظاً من نار على هذه (المجلات) المستهترة التي سخرها إبليس لهدم الأخلاف ونسف الفضائل والدعوة إلى شرع الشهوات بما تنشر من الصور العارية، وما تحبذ من السفور والحسور والاختلاط، وما تنال من أصحاب الشرف والفضيلة كالشيخ الجليل أبي العيون ...
ثم رددت القلم إلى قرابه، وأطفأت بكأس اليأس وقدة الغضب، ورجعت على نفسي باللوم فقلت: يا نفس ويحك! هل تظنين أنك وحدك المحقة، وهؤلاء الناس كلهم من المبطلين، وكلهم يخطئ وأنت تصيبين؟ أو لا ترين للناس عيوناً يبصرون بها هذا كله كما يبصره (أبو العيون) ثم يسكتون؟ فلو كان محرماً أو ممنوعاً أكانت مصر تقرّه؟ أو كان علماؤها يكفون عن إنكاره؟ أوَ كان كبراؤها وعظماؤها يرضونه لبناتهم وأخواتهم؟ كُفِّي يا نفس فقد مضى زمنك وغبرت أيامك، وصرت في آرائك وأفكارك من آثار الأولين. وهل تريدين أن يعود الناس إلى عصر الجهالة والظلام يوم كان الأب ربَّ بيته،
стр. 187
والزوج قوّاماً على امرأته، والمرأة لا تعرف الفسيولوجيا والجيولوجيا، وإنما تعرف الطبْخـ ... لوجيا والكنْسَـ ... لوجيا، وكان جمال المرأة لزوجها وحده قد حُرمت من عَرضه على الناس، ومُلْكها البيت وحده لا الشارع ولا الساحل. هل تريدين أن يعود الناس إلى تلك العهود حيث القيود أنواع: فمن قيد الدين، إلى قيد الخلق، إلى قيد الآداب؟ ...
لا، إن العصر عصر الحرية، حرية المجنون الذي يفعل كل ما يشاء، فيخلع اليوم ثوبه، وغداً دينه وعقله، ولا يستطيع أحد أن يقول له: دَعْ! حرية راكب السفينة الذي يخرق مكانه ليدخل عليه الماء فيستنقع فيه، يقول: هو مكاني أفعل به ما أشاء، فما لكم ولمكاني، يقول: هي امرأتي ألبسها ما أشاء فما لكم ولامرأتي، هي ابنتي أجردها كما أشاء فما لكم ولابنتي، «فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا»؛ لأن السفينة إن ملأها الماء لا يغرق من خرقها وحده وإنما يغرق الجميع، والنار إن شبت في البيت لا تحرق من أضرمها وحده وإنما تحرق الجميع، والفجور إن انتشر لا يهلك الفاجر وحده وإنما يهلك الجميع.
فيا أيها المصريون، بل أيها المسلمون انتبهوا، إنها النار شبّت في ستانلي باي، وأقبلت تضربها الرياح الأربع وتهيجها تحرق كل ما تمسه، واندفعت مندلعاً لسانها تمتد شرقاً وغرباً وإلى الجنوب، إنها النار ... النار وهاتيكم المجلات تنفخ فيها وتضرمها، وتحمل إليها الوقود لحوماً بشرية وأعراضاً وأمجاداً؟
...
يا قوم إن الله خلق الشهوة، وأمر بكفّ شِرّتها وكسر حِدّتها. وشرع لها طريقاً مرسوماً كيلا تطغى كما يطغى النهر إذا خرج عن سبيله، وجاوز مجراه، وهذا الطريق هو الزواج. وأقام لها الحواجز والسدود، فخوف المرض سدّ، فعطلتم حدود الله فلا تقام على زانٍ، ووضعتم قوانين تكاد تبيح ثلاثة أرباع الزنا، ولا تعاقب إلّا على الربع الباقي، ومنعتم الفضيحة حين جعلتم هذا المنكر معروفاً، وأعلنتموه وقد كان شراً مستتراً، وجعلتموه تمدناً وقد كان وحشية وخزياً وعاراً، وأنسيتم أولادكم خوف الله حين أقللتم من دروس الدين في
стр. 188
المدارس، ولم تدخلوها في الامتحانات العامة، واستعنتم بالطبّ على تجنب المرض، فأدخلتم الذئب على غنمكم ...
إن الشهوة ذئب كاسر فلا تطلقوه عليكم، فلا تدرون ماذا يفعل ببناتكم وأولادكم. إنه يفسدهم ويفسدهن، وما للعرض الذاهب من رجعة، إن الشهوة إن أطيعت في الحرام بطل الزواج، وهذا ما حلّ بنا أوكاد، وإن بطل النكاح حلَّ السفاح، وإن حلَّ السفاح صار البشر كالخنازير والعياذ بالله!
فما لكم كيف تحكمون؟
...
إنكم تشكون تقصير الطلاب، وخَوَر العزائم، وضياع الأمانة، وسبب ذلك كله السفور (١) والاختلاط والحسور والتكشف، وكيف ينصرف تلميذ إلى درس، ويقبل معلم على علم، وتاجر على تجارة، وموظف على عمل إن شغلته شهوته، وسيّرته أعصابه، وركبه إبليس وألجمه بلجام.
خبروني هل في الدنيا دين من الأديان أو خلق من الأخلاق يبيح هذا الذي في ستانلي باي وسيدي بشر؟ فماذا لا يُحارب المنكر؟ لماذا لا يقوم عليه القائمون على الأخلاق؟ لماذا لا ينفر منه الأدباء؟ لماذا لا تحمل عليه جمعيات الهداية والشبان والإخوان والأنصار، وخطباء الجمعة؟ هل تريدون كلمة الحق: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾؟ إنّكم منذ خالفتم فطرة الله فقلتم المرأة مثل الرجل سواء بسواء، ونسيتم أنها لاتتم المساواة حتى تسنوا قانوناً يجبر الزوج أن يحبل سنة والمرأة سنة، ويرضع شهراً وترضع شهراً، ويحلق لحيته مرة وتركّب لها لحية مرة أخرى ... ومنذ عكستم حكمة الخالق فجعلتم المرأة قوامة على الرجل وجعلتم طاعتها تمدناً ورقيّاً وإن كانت تطيع الشيطان، ومذ علمتموها ما لا ينفعها من العلوم، وما لم تخلق له ولا يصلح لها فتحتم الطريق التي تذهب إلى جهنم مارة بستانلي باي! وطارت شرارة منها فأضرمت هذه النار ...
стр. 189
إنها النار ... وإني نذير لكم! فهل تطفئوها قبل أن تستفحل؟
يا كتاب مصر! يا علماء مصر! يا رجال مصر! إنها النار ... وإنها لن تحرقكم وحدكم، ولكن تحرقنا معكم لأنا اتخذنا مصر إماماً وائتَمَمْنا بها. إنا جعلناكم قادتنا وتبعناكم، فاللَّهَ اللَّهَ أن تقودونا إلى الدمار والعار وإضاعة الذمار ... وأن نصلى في الدنيا ناراً وفي الآخرة (النار)! ...
***
стр. 190
الأدباء الرسميّون
نشرت سنة ١٩٣٩
ما كان لي أن أعرض إلى هذا الموضوع بعد ما تكلم فيه الأستاذان العقاد والزيات، لولا أن في النفس منه أشياء، وأن آراء العامة فيه يعمها الضلال البين، ويعوزها التقويم، وأن من الناس من يدعي الأدب ثم يزن أهله بميزان الحكومة، فيضع قيمتهم الأدبية في كفة، ويضع في الكفة الأخرى درجتهم في (الوظيفة) ومبلغ ما يقبضون من مرتب. فالشاعر الذي يعلم في مدرسة ابتدائية، لا يساوَى بالشاعر المدرس في الثانوية؛ والأديب الذي يعمل في تفتيش اللغة العربية أكبر من الأديب الذي يشتغل بالتدريس. أما الشاعر الذي جعلته الوزارة أو أصارته الأيام أول المفتشين، فواجب وجوباً أن يكون شاعر الشرق كله، أو شاعر العرب على الأقل الأدنى .. ويدللون على هذا المنطق السقيم بأن الحكومة لو لم تجده أعلم العلماء وأبرع الأدباء ما أحلته هذه المنزلة؛ فالطعن في تقدمه طعن في الحكومة ونفي لحسن التقدير عنها ... وامتد هذا الجهل إلى الصحف، فصارت تقدم من الأدباء من قدمته الحكومة وتكتب في رأس المقالة كما يكتب صاحبها في ذنبها، مرتبته ودرجة الوظيفة الحكومية التي يقوم بها، كأنها هي الشهادة له بتمكنه في الأدب وعلو كعبه فيه، وغدا من المستحيل أن يقدم شاعر مجوّد محسن ولكنه مدرس عادي، على شاعر مفتش أو رئيس ديوان ولو كان دونه إحساناً وتجويداً، كأن شعر الوزير في الشعر كشخص الوزير في الناس، يتقدمهم ويعلوهم ولا يوزنون به ولا يتقدمون عليه. ومشى هذا المنطق السقيم وهذا الجهل البين في الناس، حتى صار هو القاعدة المقررة والأصل الثابت، وصار غيره هو الفرع الذي يحتاج إلى دليل ...
وما من أحد يدرك هذه العلة إدراك الأديب الموهوب الذي اضطرته
стр. 191
الحاجة إلى (الوظيفة) وأجبره الكدح للعيش على أن يفكر برؤوس رؤسائه الفارغة لا برأسه هو، فلا يكتب إلا ما يشتهون، ولا يقول إلا ما يريدون وعلى أن يضع أدبه وذكاءه ومواهبة بين يدي مفتش قد يكون جاهلاً أو يكون مخطئاً أو يكون لئيماً ينتقم لغباوته وجهله من الأذكياء العلماء. والمدرس على ذلك كله ملزم باتباع رأيه والصدور عن مشورته .. وإذا كتب ينقده في صحيفة أو يسمّع به في مجلس، قامت عليه القيامة ونفي إلى أقصى الأرض، أو أخرج من الوظيفة إخراجاً، ثم لا ينصره عليه أحد لأن الناس قد استقر في أفهامهم أن المفتش أعلم وأبرع من المدرس، ولا سيما إن كان دكتوراً أو كان أستاذاً في جامعة، فإن مثله لا يأتيه الخطأ من بين يديه الامن خلفه، ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا من فوقه ولا من تحته ... والمدرس يركبه الخطأ من جهاته الست لا لشيء إلا لأن مرتبه أقل، ووظيفته أصغر ... ثم إن عندك الموظفين الجاهلين المتزلفين الذين يتقربون إلى المفتش الشاعر أو الرئيس الأديب بإذاعة فضله، والثناء عليه، ومنحه الألقاب جزافاً، ويستمرون على ذلك ما استمر قاعداً على كرسيه لأنهم عباد صاحب الكرسي ... فتؤثر هذه (الدعاية) -على بطلانها- في نفوس الأخلياء، وينال هذا المفتش الشاعر شهرة ومنزلة لم تقم على أدبه وإنتاجه، وإنما قامت على أرجل كرسيه الأربع وألسنة أتباعه التي تشبه أرجل الكرسي ... وربما خدع التاريخ بهذه الشهرة -والتاريخ يخدع أحياناً- فانطمس الحق وعمت البلية ...
فما هو سبيل الخلاص من هؤلاء (الأدباء الرسميين) الذين يستغلّون هذه الشهرة الزائفة وهذه المنزلة الكاذبة فيقيمون أنفسهم أو تقيمهم الحكومة مقام الأئمة من أهل الأدب، فيرسمون للناشئين خططه ويضعون مناهجه ويملكون تحويله من وجهة إلى وجهة، ويستطيعون أن يؤثروا في مستقبل الأدب بما أوتوا من السلطان، وأن المدارس في أيديهم، وأموال الدولة تحت إمرتهم، تأثيراً لا يقدر على بعضه الأدباء غير الرسميين الذين لا يملكون إلا أقلامهم وعقولهم، بل إن الأدباء الرسميين قد يستطيعون والحكومة من ورائهم أن يسخروا بعض الصحف لغاياتهم ومقاصدهم. ولو كان هؤلاء (الأدباء الرسميون) الذين
стр. 192
تعتمدهم الحكومة وتثق بهم يُختارون دائماً من ذوي المنزلة الرفيعة في الأدب وممن لهم فيه تمكن ورسوخ لهان الخطب؛ ولكنهم قد يكونون على الضدّ ممّا قلت؛ بل قد يسيّر الأدب في وزارات المعارف من ليس بينه وبين الأدب رحم ولا قرابة ... فإلى أين يسير الأدب في حالة مثل هذه الحال؟ وكيف ندفع عن الأدب ذلك المصير المحزن؟
...
لقد أشار الأستاذ الزيات إلى هذه المشكلة وإلى دوائها؛ فرأى أن دواءها العدول عن (السياسة التقليدية التي اتخذتها الوزارة إلى اليوم في نظام التأليف وطريقة التفتيش واختيار المدرس) وتطهير التعليم (من المفتش الذي يعاقب على نسيان الهمزة وذكر الغزل، والمؤلف الذي يؤلف بسر الجاه ونباهة الاسم). وأنا أزيد أنه لا بد بعد ذلك من تصحيح مقاييس الناس وإفهامهم أن قيمة الأديب بإنتاجه ومواهبه، لا بوظيفته ومرتبه، وأن الأدب لا يقاس بهذه المقاييس الجامدة، ولا بد من التفريق بين شخصية المفتش والوزير الرسمية وبين شخصيته الأدبية؛ فأنا أرعى للوزير حق مكانته، وأعطيه كل ما ينص القانون على أنه حق له من الطاعة والاحترام. أما الوزير الأديب، والمفتش الشاعر، فإنهما عاطلان من هذه الحصانة، معرضان للنقد، أستطيع أن أدرس أدبهما وشعرهما كما أدرس أدب أي أديب وشعر أي شاعر، وأستطيع أن أحكم لهما أو عليهما، ولا يدخل في حساب النقد وظيفة عالية ولا مرتب ضخم. وإذا اقترح الوزير اقتراحاً في تعديل خطط التعليم، أو رأى رأياً يتبعه أذى للأدب أو خوف على مستقبله، فإنني أستطيع أن أناقشه وأرد عليه. وبغير ذلك لا تنمو المواهب ولا تثمر ثمرها، ولا يزدهر الأدب ولا يعطي أكله. بقي أمر واحد وهو حماية هذا الموظف الأديب الذي ينقد ويبحث، ويقوم بحق الأدب من غير أن يقعد عن حق الوظيفة، حمايته من انتقام الرئيس وتشفي المفتش، ولا يكون ذلك إلا بقانون ينظم علاقة الرئيس بالمرؤوس ويوضح لكل منهما ماله (بالضبط) وما عليه، أما إذا بقي أمر المدرس بيد المفتش والرئيس، وترفيعه وتنزيله تابع لرأيهما و (تقريرهما)، فلا حرية في البحث، ولا ازدهار في الأدب، ولا استثمار
стр. 193
للمواهب، لأن المدرس لا يستطيع أن يضحي بوظيفة هي سبيل حياته ومورد رزقه من أجل بحث أو فصل أدبي فيسكت على مضض، ويتوالى سكوته، فتموت قريحته، وتذهب ملكته، ولا يبقى فيه بقية لإنتاج. وإذا ذكرنا أن وضعنا الاجتماعي الشاذ ساق أكثر الشباب طوعاً أوكرهاً إلى وظائف الحكومة قدرنا مبلغ الخسارة الأدبية التي يُمنى بها الأدب، ومبلغ الأذى الذي يصيبه به (الأدباء الرسميون) الذين يعملون عمداً وبغير قصد على تقييد حرية الأدباء، وقتل المواهب، وسد الطريق على الناشئين المتأدبين ...
هذا وإن الأديب لا ينتج ولا يعمل إلا معتداً بنفسه واثقاً بها، وهذه العزة وهذه الكبرياء الأدبية هما عدة الأديب، فإذا خسرهما لم يصلح بعدهما لشيء. ومن نظر في حياة الموظف الصغير نظر مدقق ناقد، رأى أنه لا يستطيع أن يجمع بين إرضاء رؤسائه وبين الشعور بهذه العزة الأدبية، وما له من فقد إحداهما بدّ، وهو يؤثر (على الغالب) أن يفقد عزته الأدبية على أن يخسر وظيفته. وكم من موظف أديب نابغ معتد بنفسه، رأى ألوان الإيذاء، واتهم بالشذوذ والعناد، وعاداه صحبه ورؤساؤه، لأنه لم يبع كرامة نفسه وعزتها بهذا المرتب القليل؛ وربما كان هذا الموظف المغضوب عليه، المنسى المهمل، من خير الموظفين علماً وكفاية وقياماً بعمله، وحرصاً على الواجب عليه ... ولكنهم الرؤساء، أولئكم (الأدباء الرسميون) ...
***
стр. 194
بين الزوجين
أذيعت سنة ١٩٤٨ (١)
يا سادتي ويا سيداتي. قعدت لأكتب هذا الحديث، فما بدأت به حتى هبت العاصفة في بيت الجيران، وعلت الأصوات، وزمجر الرجل وصخب، وولولت المرأة وعيّطت (٢)، وقام الشيطان يهيج للشر ويضحك، ثم هدأت العاصفة فجأة كما هبت فجأة، وأعقبها سكون ثقيل، سمعت له دوياً في أذنيّ شغلني عن الكتابة، فقمت أنظر من شباكي الذي يكشف مكانهم ويبدي كلّ ما فيه (٣). انظر ماذا جرى. فإذا الزوج قاعد في ركن المنزل ينظر في جريدته عابساً، ولا أظنه يفقه منها حرفاً، والمرأة في الركن الآخر تطرز ولا أحسبها تلقي لتطريزها بالاً، وهو يندب حظه يحسب أنه وحده الخائب في زواجه، وهي تبكي جدّها تحسب أنها وحدها التي فقدت سعادتها، ورأيت الولد قد ملّ هذا السكون ... فمشى إلى أبيه خائفاً يترقب، فقال له:
- بابا. أعطني شُكلاطة.
فصرخ به زاجراً: قل لأمك. أتريد أن أخدمكم في السوق وفي البيت، وأن أعمل عمل الرجل والمرأة؟!
فابتعد عنه الولد، ونظر إلى أمه، فصاحت به من غير أن ترفع رأسها عن شغلها:
- ابتعد عني وإلا كسرت رأسك، أنت أصل السبب، يا ضيعة تعبي،
стр. 195
أشقى من الصباح إلى المساء فلا أجد من يقول لي: الله يعطيك العافية!
فهمّ الرجل بالانفجار، ثم تماسك وتجلد، وسكت على غيظ ومضض، ومشى الولد إلى الأريكة فتكوّم عليها، ودس وجهه في وسادتها، وراح يبكي بكاء خافتاً متصلاً موجعاً!
وعاد البيت ساكناً كما كان، ومرت دقائق، لمحت فيها على وجه المرأة ظلال نزاع عنيف في نفسها، بين شفقتها على ولدها، وغيظها من زوجها، ثم رأيتها تثب فُجاءة؟ فتمضي إلى غرفتها فتنبطح على سريرها وتنشج ... ويرفع الرجل رأسه، متعجباً منها، ويضيق صبره على هذه المسرحيات (تمثل) في بيته وهو يريده بيتاً فيه الهدوء والمحبة ولا يفهم سر بكائها وهي -عنده- الظالمة، فيمضي إليها بعد تردد، حتى يقوم أمام السرير منتصباً مربد الوجه، كأنه القائد العسكري في جنده، أو النائب العام في مقعده، ويقول لها بصوت بارد كالثلج متماسك كالجليد:
- وما آخرة هذه المساخر؟
وكانت تظنه قد جاء يواسيها في كربتها، ويعطف عليها، ويحاول أن يفهم ألمها، ويزيح همها، فلما سمعت ذلك منه، فقدت عقلها، فصاحت:
- مساخر؟ أنتم الرجال ليس عندكم وفاء، ليس لكم قلوب، إنكم ...
فنسي أنه أمام امرأة، وأنه أمام زوجة، وحسب أن الذي يقول له هذا الكلام قرن له أو خصم، فأجابها جواب الأقران، وكلمها كلام الخصوم، ولم يبق بينها وبين الطلاق إلا شعرة واحدة.
فذهبت إليهما فصحت بهما: بسّ، انتظروا، قولوا ما هي الحكاية؟
فنظرا إليّ، وحسباني (وأنا قريبهما) عفريتاً قد نبع من الأب ففزعا منه، ثم اطمأنا إليّ وعرفاني، وانطلقا يتكلمان بصوت واحد كلاماً متواصلاً متداخلاً، تتلاحق كلماته، كأنه السيل انهدم سدّه فاندفع، أو لسان النار غفلت عنه فاندلع، وما فهمت الحكاية حتى كادت نفسي تزهق ...
و (الحكاية) التي سببت هذه النكبة، وكادت تهدّ بيت الزوجية، وتطلق
стр. 196
الزوجة وتشرد الولد، أنه جاء من عمله فوجد الصبي على الباب، والباب مفتوحاً، وليس عنده أحد يمنعه أن يمشي فيضل في الحارة، أو تدعسه (١) سيارة أو تلفحه الشمس، أو يصيبه المرض، وتخيل ألف مصيبة قد حاقت بالصبي ونزلت به فاستحال حبه له حنقاً على أمه التي أهملته، وتركته على شفا الهلاك، ودخل مغضباً محققاً، وبدأها باللوم قبل السلام، وكانت قد نظفت الدار وأعدت الطعام، و (لبست ...) تنتظر وصوله، لتسعد بقربه، وتجد مكافأتها في شكره إياها ومسرته منها، فلما رأته مخاصماً تبدد أملها، وخاب ظنها، وسيطر عليها الغضب، حتى أعماها عن حادثة (الباب المفتوح) والخطر المرتقب، فلم تر فيها إلا حادثة تافهة، لم ينشأ عنها شيء ولم يأت منها ضرر.
وبدأ من هنا الخلاف، وتطاير الشرر.
يا سادتي ويا سيداتي: هذه صورة ترون كل يوم أمثالها، فاسمحوا لي أن أجعل حديثي هذه العشية تعليقاً عليها، وبياناً لها، وليست صورة غريبة عنكم ولا نادرة، بل الغريب النادر أن تخلو دار منها؛ وأنا قاض شرعي عملي أن أرى دائماً دخائل البيوت، وأن أطلع على أسرار الأسر، فصدقوني إذا قلت لكم، إني لا أعرف زوجين لا يختلفان، ولكن خلاف الأزواج كحريق في كومة من القش ملقاة في رحبة الدار، إذا أطفأته أو تركته وينطفئ همد بعد لحظة، وحمل الريح رماده، فلم يرزأك رزءاً، ولم يعقبك أذى، وإن هجته أو أدنيت منه ثوبك، أو قربته من بيتك، أحرق الثوب وخرب البيت، ولقد كان بيني وبين زوجتي اليوم خلاف كهذا، فقلت لها:
- تعاليْ أعينيني على كتابة مقالة؟
وكانت هذه المقالات ضرَّتها، فحسبتني أسخر منها، واندفعت تريد أن (تقول) ... فما زلت بها أكلمها بجد، حتى بدا عليها الاهتمام وقالت:
- وكيف أعينك؟
стр. 197
قلت: لقولين لي كيف يختلف الأزواج؟
ومضينا نستعرض حوادث الاختلاف بيننا ونحلِّل أسبابها فانتهينا إلى الضحك منها.
يا سادة ويا سيدات: إنه قد يكون بين الزوجين اختلاف مفهوم على مال أو عقار، ولكنه نادر وأكثر الخلاف تافه مضحك، ليس له إلا عندهما قيمة أو خطر، وأنا أفهم أن تهتم المرأة بهذا، وما دامت تريد أن تشغل عقلها كما تشغل يدها، وما دامت لا تجد مشكلة علمية أو أدبية تبحث فيها وليس لها إلا مشاكل البيت -ولكن ما بال الرجل يهتم بها ويبالغ في تقديرها؟
تقولون: كيف نصنع ليسود البيت السلام ويشمله الهدوء؟
أنا أقول لكم؛ مقالة مجرب حكيم، فاستفيدوا إن شئتم من حكمتي وتجربتي.
هذه (أقراص) سهلة البلع، عظيمة النفع، فيها شفاؤكم من هذا الداء:
أولها: أن الزواج يبدأ بالحب والعاطفة، والحب أوله حلاوة وآخره مرارة، فهو يعمي البصر، ويصمّ الأذن، ويغطي العيوب، فإذا زال الغطاء، ولا بد يوماً أن يزول الغطاء، وبدا المحجوب من العيوب، وظهر المستور من الأمور وافتقد الزوجان لذة الحب فلم يجداها، انتهى شهر العسل، وبدأت سنوات العلقم، فتجرعا العمر كله مرها، وقاسيا ضرّها. والدواء ألا يرقب الزوجان المحبة والعشق، فالحب عمره كعمر الورد، لا يعيش إلا أمداً قصيراً، ومن طلبه بعد عشر سنين من الزواج كان كمن يطلب من وسط القبر من العظام والرمم الغادة الحسناء والفاتنة الهيفاء. لا، ولكن مودة وإخلاص وحب كحب الأصدقاء والإخوان.
وثانيها: أن الرجل يغتفر لصديقه ما لا يغتفر لزوجته، ويحمل منه ما لا يحمل منها، ويتسامح معه فيما لا يتسامح فيه معها، وما ذلك إلا لأنه يصدق هذه الخرافة التي تقول إن الرجل والمرأة كليهما مخلوق واحد، فهو يريد منها أن تفكر
стр. 198
برأسه، وهي تريد منه أن يحبس بقلبها، مع أن الناس كخطوط مستطيلة وفيها اعوجاج يسير، فإذا كانت متباعدة بدت للعين متوازية متوافقة تضيع من البعد هذه الفوارق الصغيرة بينها، فإذا تدانت وتقاربت، بانت الفجوات، فأنت تصحب الصديق عشرين سنة، فلا ترى بينك وبينه اختلافاً ثم ترافقه أسبوعاً في سفر، تنام معه وتأكل وتشرب فترى في هذا الأسبوع مالم تره في السنين العشرين، فتشنؤه وتبغضه وقد كنت تحبه وتؤثره.
والله لم يخلق اثنين بطباع واحدة، لا الصديقين ولا الزوجين، فليكن الزوجان متباعدين قليلاً، حتى لا يظهر الاختلاف بينهما وليكن بينهما شيء من الكلفة والرسميات ... كما يكون في عهد الخطبة وأوائل الزواج، ولتكتم عنه بعض ما في نفسها، فإنه ما تكاشف اثنان إلا اختلفا. وما زالت الكلفة إلا زالت معها الألفة، لأن المرء يتظرف ليظرف، ويتلطف ليلطف، ويساير الناس ليحبه الناس، فإن لم يفعل ثقل عليهم، وأنا أعرف رجالاً من أهل النكتة والظرف، يحرص الناس عليهم في مجالسهم لخفة أرواحهم، وحلاوة أحاديثهم إذا دخلوا بيوتهم كانوا أجهل الناس وجهاً، وأيبسهم لساناً، وأثقلهم نفساً وما ذاك إلا لإسقاط الكلفة، وإذهاب المجاملة.
وثالثها: أن الرجل يمشي في الطريق فلا يرى إلا نساء في أحسن حالاتهن قد طلين وجوههن، وجمَّلن ثيابهن، ثم يدخل داره، فيرى زوجه على شرّ هيئة، وأقبح صورة: مصفرة الوجه، قذرة الثوب، منغمسة في أوضاع المطبخ أو غارقة في غبار الكنس، فيظن أن نساء الطريق من طينة غير طينتها، وأن عندهن ما ليس عندها، فيميل إليهن وينصرف عنها، والدواء أن تكون المرأة عاقلة، فلا تجعله يراها إلا في الهيئة التي تخرج فيها من بيتها، وتستقبل عليها ضيفها، ولا تدعه يبصرها نائمة (١) ولا يراها بغير زينة، ولا يطلع عليها في مباذلها وأعمالها.
ورابعها: أنه لا بد لكل شركة أو جماعة من رئيس، فإن كان في المركب
стр. 199
رئيسان غرق المركب، ولو كان في السماء والأرض إلهان فسدت السماء والأرض فلا بد من ترئيس أحد الزوجين والرجوع عند الاختلاف إلى رأيه، واعتراف الثاني برياسته وعلى الرئيس بعد أن يكون حاكماً بعدل ورفق، وعلى المرؤوس أن يكون طيّعاً بفهم واحترام.
وخامسها: أنه لا بد لدوام المودة من اغتنام الفرصة لإظهار العاطفة المكنونة بحديث حلو، أو مفاجأة منه: هدية ولو صغرت، وطرفة ولو قلّت، واهتمام منها بصحته وراحة نفسه ومطعمه وملبسه وكتبه، وأن يصبر كل منهما على غضب الآخر وتعتبه.
يا سادة: إن مشكلات البيت هيّنة سخيفة، ولكنها إن استفحلت نغّصت العيش وسودت وجه الدنيا، ولم ينفع معها ملك ولا مال، فلقد كان الإمبراطور نابليون الثالث يجد من مكارهها مالم ينجه منه ملكه، وكان الرئيس لنكولن يلقى من متاعبها ما لم يخلصه منه سلطانه، وإني لأستأذن السيدات المستمعات بأن أختم هذا الحديث بكلمة لامرأة مثلهن هي (آن شرر). قالت:
«إن بين كل عشر نساء تسعاً يحرصن على مضايقة الرجل، وتنكيد عيشه ولهن إلى ذلك وسائل لا تحصى، وهن يعتقدن أنه لا عمل للرجل إلا الثناء على جمالهن يومه كله، وامتثال أوامرهن، وإجابة رغباتهن، وإذا رأينه مقبلاً على قراءة أو كتابة أو عمل له، اقتحمن عليه مكتبه، ونفضن في وجهه من المنغصات ما يحيل عزلته سجناً، وحياته جحيماً».
فيا سيداتي المستمعات: أرجو أن لا تكون فيكن واحدة من هؤلاء!
***
стр. 200
صديقي رمضان
نشرت سنة ١٩٣٩
صديق عزيز، لقيته، وأنا طفل في دمشق، ثم افتقدته وأنا شاب أذرع الأرض وأضرب في بلاد الله، وفرحت بلقائه وأحببته، وألمت لفقده وازداد حنيني إليه، فأين أنت يا صديقي رمضان؟
كنت أرقب قدومه، وأحسب له الأيام والليالي على مقدار ما يحسن طفل من الحساب، فإذا جاء فرحت به وضحكت له روحي لأني كنت أرى الدنيا تضحك له وتفرح بقدومه.
كنت أبصره في المدرسة، فالمدرسة في رمضان مسجد، ودرسها تلاوة وذكر، وأهلوها أحبة، ما فيهم مدرّس يقسو على طلاب، وطلاب يكرهون المدرس، لأن رمضان وصل النفوس بالله فأشرق عليها من لدنه النور فذاقت حلاوة الإيمان، ومن ذاق حلاوة الإيمان، لم يعرف البغض ولا الشرّ ولا العُدوان.
كنت أراه في الأسواق، فالأسواق تعرض بضاعة رمضان وتفيض عليها روح رمضان فتمحو الغش من نفوس أهلها محواً ويملؤها خوف الله ورجاؤه، وتقف ألسنتهم عن الكذب لأنها جرت بذكر الله واستغفاره، وهانت عليهم الدنيا حين أرادوا الله والدار الآخرة، فغدا الناس آمنين أن يغشهم تاجر، أو يخدعهم في مال أو متاع، ويمضي النهار كله على ذلك، فإذا كان الأصيل ودنا الغروب تجلى رمضان على الأسواق بوجهه فهشت له وجوه الناس، وهتفت باسمه ألسنة الباعة، فلا تسمع إلا أمثال قولهم: «الصايم في البيت بركة» - «الله وليك يا صايم» - «الله وليك ومحمد نبيك»، ثم لا ترى إلا مسرعاً إلى داره حاملاً
стр. 201
طبق «الفول المدمس (١)» أو «المسبحة» أو سلال الفاكهة أو قطع «الجرادق» (٢)، ثم لا تبصر إلا مراقباً المنارة في دمشق ذات الثمانين منارة كبيرة، أو منتظراً المدفع، فإذا سمع صيحة المؤذن أو طلقة المدفع دخل داره، والأطفال يجتمعون في كل رحبة في دمشق ليسمعوها فيصيحوا: أذن ... أذن ... أذن ... ثم يطيروا إلى منازلهم كالظباء النافرة.
وكنت أبصر رمضان يؤلف بين القلوب المتباينة، ويجلو الأخوة الإسلامية رابطة (المسلم أخو المسلم) فتبدو في أكمل صورها، فيتقابل الناس عند الغروب تقابل الأصدقاء على غير معرفة متقدمة فيتساءلون ويتحدثون ثم يتبادلون التمر والزبيب ويقدمون الفطور لمن أدركه المغرب على الطريق فلم يجد ما يفطر عليه، تمرات أو حبات من زبيب، هينة في ذاتها، تافهة في ثمنها، ولكنها تنشئ صداقة وتدل على عاطفة، وتشير إلى معنى كبير.
وكنت أنظر إلى رمضان وقد سكَّن الدنيا ساعة الإفطار وأراح أهلها من التكالب على الدنيا والازدحام على الشهوات، وضم الرجل إلى أهله، وجمع الأسرة على أحلى مائدة وأجمل مجلس وأنفع مدرسة. فواشوقاه إلى موائد رمضان وأنا الغريب المنفرد (٣) في مطعم أجنبي لا أجد فيه صائماً ولا أسمع فيه أذاناً ولا أرى فيه ظلاً لرمضان.
فإذا انتهت ساعة الإفطار، بدأ رمضان يظهر في جلاله وجماله وعظمته في المسجد الأموي أجل مساجد الأرض اليوم وأجملها وأعظمها، حاشا الحرمين وثالثهما، وكنت أذهب إلى المسجد بعد المغرب وأنا طفل فأراه عامراً بالناس ممتلئاً بحلق العلم كما كان عامراً بهم ممتلئاً بها النهار بطوله، فأجول فيه مع صديقي سعيد الأفغاني خلال الحلقات نستمع ما يقول المدرسون والوعاظ، وأشهد ثريّاته وأضواءه وجماعاته
стр. 202
ومن صنع الله لهذا المسجد أن صلاة الجماعة لا تنقطع فيه خمس دقائق من الظهر إلى العشاء الآخرة في أيام السنة كلها وقد بقي ذلك إلى اليوم على ضعف الدين في النفوس وفساد الزمان (١) .. وإن أنسى لا أنسى تلك الثريا الضخمة ولم يكن قد مدّ إليها الكهرباء، فكانت توقد مصابيحها (وهي أكثر من ألف) بالزيت واحداً بعد واحد يشعلها الحسكيون (٢) وهم يطيفون بها على سلاليم قصيرة من الخشب فيكون لذلك المشهد أثر في النفس واضح، ثم يكون العشاء وتقوم من بعده التراويح ولها في الأموي منظر ما رأيت أجلّ منه ولا أعظم إلا الصلاة حول الكعبة في مسجد الله الحرام فإن ذلك يفوق الوصف، ولا يعرف قدره إلا بالعيان. وليس يقلّ من يصلي التراويح في الأموي عن خمسة آلاف أصلاً، وقد يبلغون في الليالي الأواخر الخمسة عشر والعشرين ألفاً (٣)، وهو عدد يكاد يشكّ فيه من لم يكن عارفاً بحقيقته ولكنه الواقع، يعرف ذلك الدماشقة ومن رأى الأموي من غيرهم. وحدّث عن الليالي الأواخر (في دمشق) ولا حرج، وبالغ ولا تخشى كذباً، فإن الحقيقة توشك أن تسبقك مبالغة، تلك هي ليالي الوداع يجلس فيها الناس صفوفاً حول السدّة بعد التراويح، ويقوم المؤذنون والمنشدون فينشدون الأشعار في وداع رمضان بأشجى نغمة وأحزنها ثم يردّد الناس كلهم: يا شهرنا ودعتنا عليك السلام! يا شهرنا هذا عليك السلام، ويتزلزل المسجد من البكاء حزناً على رمضان (٤).
...
وسَحَر رمضان! إنه السِّحر الحلال. إنه جنة النفس ونعيمها في هذه
стр. 203
الدنيا، وإني لأقنع من جنات الفردوس أن تكون مثل سَحر رمضان، فأين ذهب رمضان؟ وأنّى لي بأن تعود أيامي التي وصفت لأعود إليه؟
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
إني لا أشتهي شيئاً إلا أن أعود طفلاً صغيراً لأستمتع بجوّ المسجد في رمضان وأنشق هواءه وأتذوق نعيمه. لم أعد أجد هذا النعيم، وما تغيَّرت أنا أفتغيرت الدنيا؟
إني لأتلفت أفتش في غربتي عن رمضان فلا ألقاه لا في المسجد ولا في السوق ولا في المدرسة، فهل مات رمضان (١)؟
إذن فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد فقدت أنس قلبي يوم فقدت أمّي، وأضعت راحة روحي يوم افتقدت رمضان، فعلى قلبي وأمي ورمضان وروحي رحمة الله وسلامه!
...
стр. 204
النشيد السوري (١)
نشرت سنة ١٩٤٦
كانت نشأتنا الأولى في عهد العثمانيين، وكانت لهم أناشيد يلقونها علينا باللسان التركي، إذ لم نكن نفهم معانيها الضخمة إلا بالترجمة، والترجمة لا تحمل دائماً لمعنى كله، فلقد كانت تهزنا ألحانها القوية المثيرة التي وضعت لتكون لمشاة الجيش قوة وعوناً. وكنا إذا أنشدناها سائرين لا نستطيع أن نقف، وإذا تلوناها واقفين سرنا، وإن قرأناها قاعدين حركنا، من غير قصد منا، أيدينا وأرجلنا - وأنها لتحرك الحجر! ثم جاء عهد فيصل، وكان عهد ازدهار وحياة ونشاط بدا في كل شيء، فنشطت فيه الأناشيد العربية من عقالها. فترجمت أكثر الأناشيد التركية. فكان منها نشيد:
أنا أمي لم تلدني ... إلا للحرب العوان
بنغمته القوية، ولحنه العاصف - وكان أسْيَرَ أناشيد ذلك الزمان وأشهرها نشيد: (أيها المولى العظيم)، الذي اعتبر النشيد الوطني السوري بل العربي، على هلهلة أسلوبه، وضعف معانيه، يليه في الشهرة والذيوع نشيد:
أنت سوريا بلادي ... أنت عنوان الفخامه
كل من يأتيك يوماً ... طامعاً يلقى حمامه
стр. 205
لفخري بك البارودي، وهو نشيد ضعيف النسج، متهافت البناء، لكن معانيه في الذروة، واشتهرت أناشيد أخرى منها نشيد: (سيروا للمجد طراً سيروا للحرب، واستعيدوا بالمواضي دولة العرب)؛ ونشيد طلاب المدرسة الحربية: (نحن جند الله شبان البلاد)، وهو من خيرها لفظاً ومعنى، وقد جمعها (الفلاح العربي) في رسالتيه المعروفتين في تلك الأيام.
ثم لما قضى الله قضاءه فينا في (ميسلون)، ووقعت الواقعة، ودخل العدو ديارنا، منعت هذه الأناشيد كلها، إلا أن تردد همساً، واشتهر يومئذ نشيد الأستاذ أديب التقى، ﵀: (في كل صوب حشدت عساكر مدججون)، الذي يصور فيه موقعة ميسلون، فكان ينشد وراء الأبواب، وحيث لا يسمعه الغاصبون، وهو نشيد جيّد، لحنه حزين مؤثر.
وانقطع بعد ذلك سيل الأناشيد الوطنية، حتى قدم علينا من العراق الكشافين في العهد الوطني الأول (سنة ١٩٣٦)، فأخذنا منهم نشيدين اشتهرا فينا وسارا بيننا، حتى كان الطفل الذي لم يتعلم بعد الكلام يدير في حلقه كلمات منهما، وهما (هذا الوطن حق له أن يفتدى بالدما والمهج) و (نحن كشاف العراق)، والشعر فيهما ليس بذاك، واللحن فظيع هو أشبه بصراخ لا دلالة له، منه باللحن الذي يؤثر في الأعصاب ويحرك القلب، ولكنهما مع ذلك نشيدان قويان.
ووضعت على أثر ذلك أناشيد جيدة منها (نحن الشباب لنا الغد)، ولكن يعيب لحنه هذه الصيحة المؤنثة في آخر البيت، عند تكرار (نحن الشباب)، فهي صيحة عجوز ثاكل كان لها الأمس، لا صيحة شباب لهم الغد، والنشيد العظيم حقاً في نظمه ولحنه، ولفظه ومعناه، نشيد: (موطني) لفقيد الشعر إبراهيم طوقان ﵀ ومن أجودها لحناً نشيد الأستاذ حسني كنعان: (أيها الكشاف بادر وارتق أوج العلا)؛ ولحنه نموذج للألحان الحماسية - نسجل هذا للتاريخ!
وصحت النية على وضع نشيد للجمهورية السورية، وكانت مسابقة،
стр. 206
ولجنة، وجاهزة، ثم عدل عن ذلك واختير النشيد الذي قدمه هذا الأديب الكبير، فلما قرأناه علمنا أنه لوحظ باختياره اسم الشاعر ومنزلته، وأنه لهما لا لبراعة الشعر فرض علينا هذا النشيد، واحتملناه سنين، غير أنه لا يصح أن نحتمله الآن، وقد تم استقلالنا، أو هو قد أشرف على التمام، واستقبلنا عهداً من حياتنا جديداً، ولا بد من بيان عيب هذا النشيد لنستبدل به.
...
الأصل في النشيد الوطني أن يكون على لسان المتكلم، لأن الأمة هي التي تردده وتنطق به، وهذا النشيد موجه إلى حماة الديار، مطلعه:
حماة الديار ... عليكم سلام
أبت أن تذل ... النفوس الكرام
فمن الذي يقول هذا الكلام، ومن المخاطب به؟ إن كان ينطق به الشباب وهم حماة الديار، لم يعقل أن ينادوا أنفسهم، ويسلموا عليها، وليس هذا من (التجريد) الذي كان يألفه شعراء العرب؛ وإن كان يقوله غير الشعب لم يكن مقبولاً لأن النشيد يوضع ليقوله الشعب ويترجم به عن آماله ومطامحه.
وهذا السلام أليس أشبه بلهجة أروام الإسكندرية وأرناؤوط الشام، منه بأسلوب الشعراء الأبيناء (١)؟
ثم يقول بعد هذا:
عرين العروبة ... بيت حرام
وعرش الشموس ... حمى لا يضام
فلا يعرف السامع ما عرين العروبة هذا، أهو الجزيرة أم مصر أم الشام أم العراق؟ ولا يعرف المسلم (بيتاً حراماً) إنما يعرف البيت الحرام، لا ثاني له، فهذا التنكير أولاً، وابتذال اسم البيت الحرام في كل مكان ثانياً، كلاهما قبيح. وما هو هذا العرش، والنشيد نشيد جمهورية؟ أفنظمه ليكون النشيد الرسمي
стр. 207
لبني أميّة، وأي شموس هذه؟ وما هذا الإبهام حيث لا يحسن إلا التصريح والتوضيح؟ يأتي بعد ذلك هذا المقطع العجيب:
ربوع الشام ... بروج العلاء
تحاكي السماء ... بعالي السناء
وأرض زهت ... بالشموس الوضاء
سماء لعمرك ... أو كالسماء
أما (بروج العلاء) هذه فتصح في كل أرض يريد أن يبالغ في مدحها القائل، ولا تدل على ميزة للشام ولا تصفها بصفة فيها ولا تعرّف بها الغريب عنها، ولا تحببها إلى أبنائها، فهي كمراثي الأستاذ علي الجارم التي تصلح لغازي وللإسكندر المكدوني وللشيخ المراغي، لأنها تهد الجبال وتبكي السماء، وتقيم القيامة، أو ترسل على الدنيا قنبلة ذرية، لا بحجم البيضة، بل بحجم الفيل، ثم لا تذكر المرثيّ بشيء مما كان عليه. وهذا استطراد نعتذر إلى الشاعر الكبير علي الجارم بك منه، فقد جرته المناسبة.
وما دامت الشام بروج العلاء، وكان ذلك قد تقرر لدى السامع فما معنى كونها تحاكي السماء، وبروج العلاء هي السماء في أفهام الناس كلهم، وهل السماء أسنى سناً من البروج؟ المسألة تحتاج إلى خبير فلكي.
ثم إن الضياء هو السنا بالقصر، أما السناء بالمد فهو الارتفاع، ومن هنا أطلق على المجد مجازاً، فصار معنى قوله: (بعالي السناء) برفيع الارتفاع، وهو الحشو نفسه وهو إذا قبل في القصيدة لا يقبل في النشيد، لأن النشيد كلمات معدودة وألفاظ محدودة، لا يجوز أن يذهب لفظ واحد منها من غير أن يدل على شيء.
وهو بعد أن جعلها بروج العلاء التي تحاكي السماء، عاد فهبط بها فجعلها (أرضاً زهت) ولكن بالشموس الوضاء! وما فهمت إلى اليوم ما يريد بهذه الشموس التي يرددها ولا يشبع من ذكرها، إن كان يريد الحقيقة فهي شمس
стр. 208
واحدة ما خلق الله سواها؛ وإن كان يقصد المجاز؛ فليذكر ما يدل عليه ويصرف الفكر إليه، وما كل سامع للنشيد أو تالٍ يستطيع أن يجد له التأويل، هذا إذا كان لهذا الكلام العجيب تخريج أو تأويل.
وأعجب العجب، وأقبح القبح، أن يعود بعد كل ما مر، فيجعلها سماء لم ينزل بها فيجعلها كالسماء، وهذا ضدّ ما عليه البلغاء في كل عصر، وفي كل أمة، ولا أحسب ذوقاً في الدنيا يسيغه، عدِّ عن هذا الحشو في كلمة (لعمرك) وعمر من هذا الذي يحلف به؟ ولمن هذا الخطاب؟ والمفروض في النشيد كما بينت أن ينطق به الشعب كله؟!
وما هو مغزى هذا كله، وما دلالته، وأي مجد للشام يذكر، وأي عاطفة تثير؟ لا شيء، إلا هذه المناقشة المزعجة في الشام: هل هي بروج العلاء تشابه السماء برفيع الارتفاع؟ أم هي أرض ولكن زهت بالشموس!؟ أم هي سماء (وحياة عمرك ...) أم هي كالسماء؟ هذه هي المشكلة الوطنية الكبرى، ملأ النشيد بذكرها، وهذه هي آمال الوطن ومطامحه، والله المستعان!
...
وباقي النشيد لا يختلف كثيراً عما ذكرت منه، على حين أن النشيد يجب أن يكون موضوعاً على لسان الشعب، وأن يكون قويّ العبارة، خالياً من الحشو، واضحاً كل الوضوح، صالحاً لكل زمان، معبراً عن آمال الشعب وآلامه ومطامحه، مثيراً نخوته وحماسته، مشيراً إلى ماضيه، وجمال أرضه ودياره، إلى غير ذلك مما يوصل إلى الغاية من وضع النشيد، وهي إثارة العزة الوطنية في النفوس، وأن يختار له النغم القويّ من غير خشونة، العاطفي بلا ضعف. وحياة النشيد بلحنه وما يهز هذا اللحن من أوتار القلوب، ويحرك من أعصاب السامعين، فإذا كان لنا نشيد يشتمل على هذا كله ... وإلا فلا تقولوا: لنا نشيد (١)!!
...