ساعة ثم يقبل هو على كتابه أو جريدته وهي على خياطتها وحياكتها.
وخير من ذلك، وأجدى، أن يختار الرجل كتاباً من كتب الحديث كرياض الصالحين للنووي أو كتب السيرة أو الأخلاق أو التاريخ، فيقرأ لزوجته وأولاده كل يوم صفحة ويفسّرها لهم، وكلما مرّ أمر بخير تواصوا بالعمل به، وكلما مر نهي عن شرّ تواصوا بالامتناع عنه، فيجتمع لهم من ذلك العلم والعمل والبيان والألفة والسلام.
- قال: يا أستاذ، أنت في واد، ونحن في واد، إنك تتكلم بالخيالات كأنك لا تعرف الواقع، ولا تدري ما حال الناس، وهل تظن أن نساءنا عاقلات عالمات يخاطبن بالمنطق، ويقدرن النكتة واللطف، إني أكلمها من الشرق فتجيبني من الغرب، وأسوق إليها النادرة اللطيفة فأرى منها الهجمة العنيفة، قلت لامرأتي إذا قرب موعد رجوعي فاتركي شغل الدار على حاله، فإن شغل الدار لا ينتهي وأكثر الرجال لا يهمهم نظافة أرض الدار بقدر ما تهمهم نظافة وجه المرأة ونظافة لسانها، ولا يبالون بحسن الطبخ قدر ما يبالون بحسن الخلق، والبسي خير ثيابك وألبسة الأولاد، وأعدي لزوجك ما يريد، هيئي المائدة ورتبي له المكان على النحو الذي يعجبه ويرضاه، واستقبليه بالبشر والعناية، والابتسام والرضا فيلقاك بمثل ذلك، ولو كان الرجل أغلظ الناس، لما استطاع أن يقابل هذا الخير إلا بخير منه أو بمثله.
ولتثق المرأة أن الرجل إذا استراح في بيته لم يفكر في قهوة ولا ملهى ولو أن كل رجل وجد في بيته الراحة والأنس لأقفرت القهوات وأغلقت أبوابها فالذنب كله ذنب المرأة، هي التي تكرّه الدار إلى الزوج، وتحبب إليه السهر فتجني عليه وعلى نفسها.
- قلت: أما أنا فأرى أن الصلاح من الرجل، والفساد من الرجل، ونساؤنا خاصة من خير نساء الأمم، وأطوعهن وأخلصهن، ولكن الرجال لا يعرفون كيف يستفيدون من طبيعة الخير فيهن، الرجل هو المسؤول، الأب أولاً والزوج ثانياً، وعليه أن يبدأ هو بإصلاح ما أفسد.
стр. 142
- قال: إنك تظلم الرجال، إن البلاء كله من النساء.
...
وبعد فلقد دخلت كثيراً من بلاد الله، فلم أجد في بلد ما نراه في بلادنا العربية، من هذه القهوات، التي يجتمعن فيها الآلاف المؤلفة من البشر يقعدون يمضون الساعات الطوال لا يعملون شيئاً، لا يستفيدون ولا يفيدون، يسيئون إلى صحة أجسادهم، وإلى عواطف زوجاتهم، وإلى تربية أولادهم، ويسيئون إلى أمتهم وبلادهم، هذه الأمة التي هبت اليوم تجدد بناء مجدها، وتستعيد في الأرض مكانها، ولها في عنق كل ابن من أبنائها ألّا يضيع ساعة من وقته، ولا ذرة من جهده، إلا في العمل لها.
فمن المسؤول عن خراب البيوت، وإضاعة الأوقات، وإفساد الأولاد، النساء كما يقول صاحبي، أم الرجال؟
فكّروا أيها القراء!
***
стр. 143
أسئلة
نشرت سنة ١٩٤٧
كان حديثَ الناس في الأسبوع الذي مضى، وحديثَ الصحف، هذه الـ (أربعون ألف جنيه) التي تبرع بها البدراوي باشا وشهد عليه بها الشهود، وجاءته عليها رسائل الشكر وبرقيات التهاني، حتى إذا شبع من الثناء، وروي من المدح، وانتشى من الفخر، ونال ما كان يريده من تبرعه، ولم يبق من ورائه غنم يناله، ما بقي إلا الغرم بالـ (أربعين ألف جنيه) عاد فجحد قوله، وأنكر هبته، وطعن على الشهود، وكذب الناقلين، فعاد المهنئون له يعزونه، والمادحون إياه يهجونه، وانطلقت الألسنة بالوقيعة فيه، والنيل منه، وأذهب هذا القدح لذة المدح الأول، اشتاق إليه لما فقده، ولكن عزّ عليه أن يشتريه بـ (أربعين ألف جنيه)، وأن يؤديها كاملة فيكذب نفسه، ويثبت قول من شهد عليه، فافتداها بعشرة آلاف رفعها إلى السدة الملكية، فردتها عليه، ولم تقبلها منه. وقالوا، إنه سيدعى الشعب إلى اكتتاب عام يشترك فيه الغني والفقير، يحقق به ما كان التبرع له، وهو إنشاء معمل للّقاح، يقي الناس من هذا الوباء الذي يحصد بمنجله النفوس، ويقطع الأعناق، ويودي بالأسر.
...
انتهيت من قراءة هذا الخبر، فنشأت في نفسي أسئلة كثيرة، أحببت إذاعتها لأني أتمنى أن أجد مجيباً عليها:
أولها: السؤال عن هذا التفاوت العجيب بين الناس الذي صار شعار الحياة المصرية، وآيتها ... من أين جاء؟ وكيف تركه العلماء والمصلحون وأصحاب الرأي، وذوو السلطان، ينمو ويمتد حتى يصير كالدوحة العظيمة، ولم يقطعوه وهو بعد غصن طري؟
стр. 144
وكيف انتهت الحال إلى أن يكون في مصر نفر من المصريين والأجانب اجتمعت في أيديهم الملايين، وملايين من المصريين دون الأجانب فرغت أيديهم من كل شيء.
وكيف امتد هذا التفاوت إلى غير المال؛ فكان في مصر نفر هم أكابر أدباء العربية، ونفر هم أئمة علماء الإسلام، ونفر هم أعلام الفلسفة والحقوق وعلوم الطبيعة، وجماهير لا تحصى، (إلا في دفاتر الإحصاء عند الحكومة)، لا تعرف من العربية ولا من الإسلام ولا من هذه العلوم شيئاً، بل هي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وصارت مصر بحيث لو ذهب منها مئتا رجل فقط، من عشرين مليوناً صارت زعامة مصر الثقافية، بين الأقطار العربية، خبراً بعد عين.
وكان في مصر، بل في القاهرة نفسها العمارة التي تشتمل على خمس عشرة طبقة، والأكواخ التي لا شباك لها ولا ماء فيها ولا مرحاض، وفيها أفخم السيارات تسير بجانب عربات الكارو، تحمل أهل القاهرة من حي إلى حي، وفيها شارع فؤاد وشارع سليمان، وفيها الزمالك وجاردن سيتي، وفيها مقابل ذلك زين العابدين والدراسة وبولاق، وفيها فندق شبرد ووراء حديقته أزقة مسدودة لا تراها الشمس، ولا يمر منها الهواء، ولا ينيرها الكهرباء، ولا تعرف الطريق إليها مصلحة التنظيم ..
إن الناس يتفاوتون في بلدنا، وفي بلاد الناس كلها، ففيهم الغني والفقير، والعالم والجاهل، وعندنا العمارات الكبيرة، والدور الحقيرة، ولكن المسافة بين عالينا ونازلنا قصيرة متحملة فليس في دمشق كلها عمارة كالـ (ايموبليا) ولا كنصفها، إن أعلى عمارة فيها في ست طبقات، ولكن ليس في دمشق أيضاً، بيوت كبيوت مصر القديمة أو عشش الترجمان ..
وعندنا فقراء، ولكن فقراءنا لهم ثياب نظيفة تسترهم، وأحذية تحملهم، وبيوت تكنهم، وعندنا مالكون للأرض، ولكن الناس يملكون معهم، ليسوا عبيداً لهم، ولا أجراء عندهم، ما عندنا هذه (الإقطاعية ...) إلا في حماة وأمثالها، وهي مناطق محدودة، وسائر الأرض مقسمة بين الناس، يملك الواحد
стр. 145
منهم ربع الفدان فما فوقه، ولا يرى نفسه دون مالك الآلاف، ولا يذر له ولا يرى له عليه فضلاً.
لذلك يعجب الشامي عندما يقدم مصر، ويرى هذا التفاوت فيها، ويسأل من أين جاء؟
وثانيها: السؤال عن الكتاب والعلماء، لماذا لا يدعون إلى تخليص البلد من هذا الداء العياء، وتعديل كفتي الميزان وتحقيق طبيعة العرب في المساواة، ومقصد الإسلام في العدالة لا أريد المساواة المطلقة التي لا تبقي غنياً ولا فقيراً، فهذا ما لا يكون ولا ترضاه سنن الكون، ولا طبائع الأشياء. لا يكون إلا في أذهان الفلاسفة والشعراء، وأصحاب الأغراض من الدعاة، يشعبذون به على الناس، ويتخذونه سلماً إلى غاياتهم، ووسيلة إلى أغراضهم، ولكن أريد المساواة المعقولة، التي لا ينزل بها إنسان إلى منزلة البهيمية في طعامه وشرابه ومسكنه، ولا يرتقي إنسان إلى الألوهية، يدعيها كذباً وبهتاناً كما ادعاها فرعون من قبل وأن يكفل لكل مصري (مهما كانت مهنته، وكان عمله) طعامه وشرابه وكسوته ومسكنه، كما يليق بالإنسان أن يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، وأن لا يترك في مصر رجل واحد، يعيش كما تعيش السائمة، يأكل قريباً من طعامها، وينام مثل منامها، في الطرقات، والحقول، وعلى الأرصفة، وفي الأكواخ؛ وأناس يطعمون كلابهم الشكولاتة، وينفقون أموالهم في المراقص، ويذيبون ذهبهم في الكؤوس.
فماذا يصنع العلماء والكتاب؟
وثالثها: السؤال ... إذا كان يجوز لمثلي السؤال، عن الحكومة ما لها تقر هذه الحال، في كثير من قوانينها وأنظمتها، فتجعل المدارس الأولية متفاوتة الدرجات، ولا تسوق ابن الغني وابن الفقير بعصا واحدة، وتحشرهم في مدرسة واحدة، كما تفعل وزارة معارفنا في الشام؛ وما لها تعنى بالمشروعات الضخمة الكمالية، قبل إتمام الضروري كأن القصد تنويع الحلوى للأغنياء، قبل تقديم الخبز للفقراء؟!
стр. 146
وما لها لا تضع، ثانياً، القوانين التي تؤدي إلى إبطال هذا التفاوت، وإلى رفع المنخفض وخفض المرتفع، حتى تقترب الدرجتان، وتتدانى كفّتا الميزان، فتعمل بالإسلام في أخذ الزكاة من الأغنياء وردها على الفقراء، وحينئذ تأخذ هذه الـ (أربعين ألف جنيه) قسراً بلا رجاء ولا شكر، أو تعمل عمل الأمم الغربية، فتكثر الضرائب على الدخل وعلى المواريث وتشرف على المعامل والشركات والمصارف، ويكون لها الرأي في كل ما يمس المصلحة العامة وهذه (اشتراكية) ليست من مبادئ الإسلام، ولكنه لا يمنعها إن دعت إليها ضرورة، والضرورات لها أحكام، وتعريف الضرورة وأحكامها، مبين في كتب الفقه ليس هذا موضع بيانه.
ورابعها: سؤال عقلاء مصر وقادتها، ألا تخافون أن تأتيكم هذه الحال بالشيوعية؟ ألا ترون بوادرها؟ ألا تعرفون أخطارها؟ ألا تقدرون أضرارها؟ فلماذا تلبثون نائمين ولهيب النار يقترب من منازلكم، فلا يلبث أن يشعلها عليكم، فيجعلكم فيها كالمجوس في الجحيم؟
إن الناس لا يقبلون على الشيوعية عن معرفة بها، ولا عن حب لها، ولكن دعاتها رأوا ما هم فيه، وعلموا أنهم يتمنون أن يجدوا الخلاص منه ولو على يد الشيطان فأوهموهم أن الشيوعية هي سبيل الخلاص، وأنها طريق السعادة وأنهم إن كانوا دعاتها ملكوا بها قصور الأغنياء، وحقولهم وسياراتهم، فلذلك تعصبوا لها ولا يدرون ماذا فيها، فهم منا كما قال عبدالله بن عمر، لمن لامه على ترك مؤازرة ابن الزبير في دعوته إلى الإصلاح: أرأيت بغلات معاوية الشهب اللائي يحج عليهن؟
قال: نعم. قال: ذلك ما يريد ابن الزبيري!
إنهم يئسوا منكم ومن دينكم، فأروهم أنكم معنيّون بهم، وأن دينكم لا يرضى ما هم فيه. إن الإسلام دين العدالة، دين المساواة، دين الخير، أفنرضى أن يستعبد بعض الناس بعضاً في قرن العشرين الميلادي، وقد أنكر ذلك عمر في القرن الأول الهجري؟
стр. 147
فلماذا لا تأتونهم بحق الإسلام، لتخلصوهم به من باطل الشيوعية؟
أما والله إذا صار هذا البلد (لا سمح الله ولن يسمح) شيوعياً، فأنتم يا أيها العقلاء، ويا قادة الرأي، المذنبون، لا العامة ولا الدهماء ولا الأغرار من الشباب!
وخامسها: سؤال المصريين جميعاً، ألم يروا هؤلاء الأجانب، أصحاب المتاجر والمعامل والمصارف لم تمتد يد منهم بقرش لرد هذا الوباء، ومساعدة المنكوبين به، ورفع البيوت التي هدمها، وإطعام الأطفال التي يتمها، والنساء اللاتي أيّمها؟ ألم يئن لهم أن يتنبهوا إلى أنهم أحق بخيرات بلادهم؟ لا بالنهب والسلب والثورة وأخذ المال من أصحابه، لا، ما ذلك أردت، ولا يريد هذا عاقل، بل بأن تطرحوا عنكم ثوب الكسل، وتشمروا عن ساق العمل وتنزلوا للميدان؛ وتتعلموا حب المال، والرغبة في الأسفار، وتتقنوا فن الاقتصاد، وصيد الدراهم، والتعاون على الكسب. بذلك تخلص إخوانكم الشاميون من سيطرة الأجانب، وأنقذوا بلادهم منهم، ثم ذهبوا فغزوهم في بلادهم، وانتزعوا أموالهم من أكفهم، وزاحموهم، في مانشستر ونيويورك وبونس ايرس والكونغو وبومباي وطوكيو، وكل بلد في الدنيا، ما خلت مدينة من تجار الشام.
إن بعض العراقيين يقولون مازحين: إن الشاميين يهود العرب
يهود العرب .. طيب والله! .. وهل نقاوم اليهود إلا بهذا؟ بارك الله في تجار الشام - وإن كنت (أشهد الله) أكره نفراً منهم، لما رأيت من طمعهم وجشع نفوسهم. وأتمنى أن أشد أصابعي على أعناق أغنياء الحرب منهم، ولكن الحق أحق أن يقال، ولا تنجح أمة إلا بأمثال هؤلاء التجار.
هؤلاء الذين يشيدون مجدها، ويثبتون بناءها، ويحفظون مالها. فمتى يكون المصريون مثل هؤلاء؟ ومتى أجيء مصر، فلا أرى فيها إلا لوحة عربية باسم عربي، على مؤسسة عربية؟!
يا مصر، هذا هو الطريق! وهذا والله كلام صديق!
***
стр. 148
أسلوب جديد في التعليم
نشرت سنة ١٩٤٦
لي أخ (١) كان كلما غشي المدرسة الثانوية رق جسمه ونحل، وعراه ذبول، فأعفيته منها وأبقيته في الدار سنوات ثلاثاً لم ألزمه فيها مطالعة شيء من دروس المدرسة وإنما كنت أدله على بعض كتب الأدب والتاريخ مما لا يثقل عليه ولا ينال من صحته، وما تجزل فائدته وتعظم المنفعة به، فقرأ فيما قرأ تاريخ الطبري كله والأغاني ... فلما أزف موعد امتحان الكفاءة منذ سنتين قلت له: لو دخلت هذا الامتحان معه رفاقك فلعل الله يكتب لك النجاح. فأطاعني واستعد للامتحان شهراً واحداً ثم دخله فكان من الناجحين، على رغم أن الناجحين في تلك السنة كانوا دون الثلث، وعاد إلى مثل ما كان عليه، حتى كان امتحان الشهادة الثانوية (البكالوريا) هذه السنة، فدخله كما دخل الأول ونجح فيه أيضاً.
هذا النجاح الغريب دفعني إلى التفكير في الموضوع الذي أكتبه اليوم، وجعلني أسال نفسي فأطيل سؤالها: ألا يمكن أن نسهل للطلاب هذه الدراسة؟ وإذا كانت هذه الغاية وهي شهادة الكفاءة (والصحيح أن تسمى شهادة الكفاية) تدرك بمسيرة شهر واحد في طريق سهل لاحبٍ، فعلام نمشي إليها ثلاث سنين في طرق صعبة معوجة من ينقطع فيها أكثر ممن يبلغ آخرها؟ أليس لنا بدّ من أن نضيع زهرة شباب أبنائنا في المدرسة لنعلمهم ما لا يكاد ينفعهم في حَيَواتهم، إذا هم خرجوا منها، ولم يقدروا أن يشتغلوا بعده بما يشتغل به العامي الجاهل من أعمال اليد، وأشغال السوق؟ ألا يمكن أن نعلم كل طالب ما ينتفع به ويميل إليه ونعفيه من علوم يكرهها ولا يعتقد فائدتها له في حياته؟
فقالت النفس: لقد أقمت بناءك على غير أساس، وجعلت من هذه
стр. 149
الشاذة قاعدة، وأصّلت عليها أصلاً. إن أخاك هذا وإن أخذ الشهادة فليس له علم من درس يوماً بيوم، وسار على الجادة خطوة فخطوة، ولم يقفز من فوق الأسطحة ولم يتسور الجدران، وهذه العلوم كلها لازمة لا استغناء عنها، وأسلوب التعليم صالح لا داعي لتبديله.
فرجعتني والله إلى الشك وكدت أدع الموضوع. ثم فكرت فرأيت أن لكل عمل نتيجة، ولكل مسير غاية، والغاية من المدرسة إما أن تكون الشهادة أو العلم أو الإعداد لخوض لجَّة الحياة والنضال عليها. أما الشهادة فلا بحث فيها لأنها عرض لا جوهر، ووسيلة إلى غيرها لا يصح الوقوف عليها، ولا القناعة بها؛ وهي بعد كاسمها (شهادة) قد كون مزكاة عادلة، وقد تكون شهادة زور تعطى لغير أهلها، وتمنح من ليس من مستحقيها. وما ينفع الفقير المفلس أن يشهد له الناس جميعاً بأنه الغني ذو القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؟ أما العلم فاسألوا المتعلمين ماذا بقي لهم من دروس الثانوية، بل تعالوا أحدثكم ما جربته بنفسي وما شاهدت عليه تلاميذي، ولقد كنت في دراستي الثانوية مجلياً دائماً أو مصلياً، ولم أكن فسكلاً (١)، ولقد اشتغلت بالتعليم الأولي والابتدائي والثانوي، الأهلي والرسمي والديني، أربع عشرة سنة، قبل أن أليَ القضاء، في مدارس الشام والعراق ولبنان، وعرفت الآلاف من الطلاب. وأقل ما أستفيده من هذا أني إذا تكلمت أتكلم عن خبرة واطلاع. أقول: إني وجدت بالتجربة أنه لم يبق عندي الآن مما أمضيت في تعلمه السنين الطوال، إلا ما كان طبعي منصرفاً إليه من علوم الدين واللسان والتاريخ والفلسفة، وما عدا ذلك من العلوم الرياضية والطبيعية (لا الطَّبَعية كما يقول بعضهم ...) فلا أكاد أعرف منه الآن إلا أشياء عامة جداً. أما التفاصيل والدقائق وأعيان المسائل فقد نسيتها كلها. ولو سئلت عما أعرفه من المثلثات (مثلاً) لأجَبْت صادقاً أني لا أعرف إلا شيئاً اسمه الجيب والتجيب (تمام الجيب) والمماس. لا أعرف ما هو على التحقيق، حتى موضوع العلم على وجه التحديد فقد نسيته، مع أن علامتي في السنة التي قرأنا فيها
стр. 150
المثلثات كانت تسعاً من عشر وكنت المجلّى (الأول) في صفِّي (أي فصْلي). أما الكيمياء العضوية فلا أعرف منها إلا أن فيها شيئاً اسمه (الميتان) وتركيبه جزء من الفحم وأربعة من مولد الماء، أي الهيدروجين، وقد درست جغرافية بلاد الدنيا الطبيعية والسياسية والاقتصادية، وكنت مع ذلك كلما سمعت باسم مدينة جديدة يأتي في أخبار الحرب أجدني أجهل مكانها، وأذهب فأسأل عنها الكتب والمصورات أستوي في ذلك أنا ومن لم يقرأ الجغرافية قط (١). وكل من عرفت من الطلاب هذه حالهم لا يستقرّ في رؤوسهم إلا ما يختصون به أنفسهم، وإلّا خلاصات موجزة، أفما كان خيراً لهم لو أقرأناهم هذه الخلاصات من الأصل؟
ولست أقول، دعوا هذه العلوم لا تقرئوها التلاميذ، ولكن أقول إن هذا الخلط بين العلوم الكثيرة يؤدي إلى إضاعتها كلها، وهذا سرّ ما نشكوه من ضعف الطلاب في مصر والشام والعراق في اللغة وهي أداة العلم كله، وما نلمسه من عقم القرائح، وفقد المخترع والباحث. ولو أنا رجعنا إلى طريقة أجدادنا الذين كانوا يتعلمون علمين أو ثلاثة فإذا أحسنوها شرعوا بغيرها لكان أجدى علينا. فمدارسنا إذاً لا توصل إلى الغاية العلمية النظرية، فلننظر إلى الغاية العملية هل تبلغنا إياها؟ هل تعد مدارسنا التلاميذ إعداداً جيداً للنجاح في الحياة وضمان الكسب الطيب والعيش الرغد، مع الخلق القويم والإيمان الديني والقومي؟ الجواب مشاهد ملموس هو أن مدارسنا لا (تكاد) تخرج اليوم إلا أطباء أو محامين أو موظفين. أما الوظائف فعددها محدود لا يمكن أن يتسع لكل المتعلمين ولا ينبغي أن يتسع لهم. أما الأطباء والمحامون في دمشق فقد صاروا من الآن أكثر من اللازم بكثير، وغدا جلّهم يقتنع بالكسب القليل. أما التجارة والزراعة وسائر طرق الرزق فإن أكثر أهلها أو كلهم ... ممن لم تخرجهم المدارس بل خرَّجوا أنفسهم في مدرسة الحياة الكبرى، ولا نستطيع أن نَغْلُوَ فنقول بأن خريجي المدارس يمتازون من الناس بأخلاقهم الشخصية
стр. 151
والاجتماعية، أو أن المدارس جعلتهم طبقة مختارة ممتازة من طبقات الشعب، بل إنهم كغيرهم من الناس، منهم الصالح ومنهم الفاسد ومنهم من هو بين ذلك!
والسبب في هذا كله أن نظام التعليم في بلادنا كالبيت العتيق الخرب، المختل الهندسة، الذي لا يفتأ أصحابه يتعهدونه بالترميم والإصلاح ولكنهم لا يجرؤون على هدمه من أساسه وبنائه من جديد على هندسة صالحة، ونمط صحّي نافع. إننا نحبس التلاميذ ست سنين للدراسة الثانوية، ونحشو رؤوسهم بمعلومات أكثرها لا ينفع في الحياة. وماذا لعمري استفدت أنا من دراسة المثلثات والهندسة النظرية و (حفظ) معادلات الكيمياء وقوانين الفيزياء في القضاء أو في تدريس الأدب أوفي فن الكتابة، وتلك هي أعمالي في حياتي؟ سيقول قائل، ومن كان يدري أنك ستكون أديباً أو قاضياً، فأما كان في الإمكان أن تكون مهندساً أو صيدلياً؟ بلى، ولكن الدراسة العالية حددت طريقي في الحياة، فلماذا لم أحدده قبل ذلك بسنوات؟
هذه هي المسالة، كما يقول شكسبير. إن الدراسة العالية هي المقصودة بالذات، وما قبلها ثقافة عامة هي بمكان المقدمة إليها والتمهيد لها، أفلا يستطيع الشاب الواعي دراسة الحقوق مثلاً، من غير إحاطة بدقائق الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟ أو لا يجزئه ويكفيه أن يعرف عنها الشيء المجمل المختصر؟ وطالب الطب هل يستحيل عليه تحصيله من غير معرفته بعلل الشعر واختلافات الكوفيين والبصريين؟ لقد شاهدنا محامين بارعين وقضاة لا يعرفون شيئاً من المشتقات ولا تحول التابع ولا صفات البروم، وشاهدنا أطباء كباراً استطاعوا أن يعملوا عمليات في شق البطن وفتح الجمجمة، على جهلهم الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وشروط عمل اسم الفاعل.
...
فما العمل؟ أنا أرى، إذا كان في الدنيا من يسمع رأيي، أن نجعل مدة الدراسة الابتدائية والثانوية معاً سبع سنين على الأكثر يتمكن فيها الطالب من العربية بالمران والتطبيق وتنبيه السليقة لا بحشو رأسه بالقواعد وقتل وقته بمعرفة أوجه الإعراب حتى يقيم لسانه ويتنزه عن الخطأ الفاحش، ويبصر مرامي الكلام
стр. 152
ودقائق معانيه، ويتعلم من دينه ما يمسك عليه إيمانه وخلقه ويرغبه في الخير ويصرفه عن الشر، ويمنعه عن الحرام؛ ويعرف من الرياضيات الشيء العملي الذي لا يستغنى عنه من غير اشتغال بالنظريات المجردة، وما لا بد من معرفته من علوم الطبيعة وقوانينها الأساسية وأسرار المخترعات، وأن يدرس الصحة والجغرافية والتاريخ العربي (١) وأن يعرف مبادئ لغة من اللغات الغربية وأمثال ذلك فما أردت الاستقصاء بل التمثيل.
فإذا تخرج الطالب منها عرضنا عليه فروع الجامعة، فإذا اختار فرعاً منها حضرناه له في سنتين أو ثلاث، علمناه فيها ما يتصل به، فيكون في كل كلية قسم تحضيري فيه من العلوم ما يحتاجه طالبها، فيتلقاها الطالب برغبة فيها وحب لها لأنه هو الذي اختارها، ووافقت هواه، وظهر له النفع منها، وينجو بذلك من خلق شاعراً من حفظ طلاسم الرياضيات، أو الرسوب دونها والانقطاع عن المدرسة وحرمانه التحصيل من أجلها، وهو من بعد لا يحتاج إليها أبداً، ولا يتعلم كل طالب إلا ما يحتاج إليه مع اختصار مدة الدراسة وتقوية الاختصاص، وكسب الوقت الذي يستطاع الاستفادة منه في تقوية الأجسام بالرياضة، ومعرفة الوطن بالسياحات، والعناية بالتربية الخلقية والوطنية ... ومن شاء بعدُ الاكتفاء بالدراسة الثانوية ودخول معركة الحياة لم نسلبه وقته
стр. 153
وسلحناه بثقافة عامة يعلو بها مستوى السوقة وأصحاب المهن، ومن أراد التخصص فتحنا له بابه، وعجلنا له دخوله وقويناه فيه. وهذا إيجاز للاقتراح والشرح حاضر إن احتاج إليه القراء.
أما التعليم الديني فلنعد فيه إلى مثل الطريقة الأزهرية الأولى مع إصلاح يسير فيها، فقد ثبت أنها أنفع وأجدى، دنيا وأخرى، وأن تلك الثورة عليها حتى تم العدول عنها، والقضاء على الجامعة الأزهرية، كان فيها إغراق أدركناه الآن. وأنا أعرف الأزهر الجديد وأعرف كليات ثلاثاً أنشئت على غراره في دمشق وبغداد وبيروت علَّمت فيها كلها، وأشهد لله شهادة حق أن الأزهر القديم كان في الجملة خيراً منها، إذ كان أهله يطلبون العلم لله وللعلم فصار أهلها يطلبونه للشهادات والوظائف، وكانوا يصبرون على تلك الحواشي المطولات وإن تكن عقيمات، فصار هؤلاء لا يقرؤون إلا خلاصات يجوزون بها الامتحانات. وكانوا علماء عاملين لدينهم أهل تقى وورع في سمتهم وسلوكهم، وسرهم وعلنهم، فصار بعض المدرسين وأكثر التلاميذ ... صاروا على حال من عرفها فقد عرفها ومن جهلها فلا يسأل عن الخبر.
وأنا لا أعمم ولا أطلق القول، وإنما أعني الكثرة ممن أعرف، ولعل فيمن لم أتشرف بمعرفته خيراً لم يصل إليّ علمه ولا بلغني خبره - هذا على أن تكون المدارس الدينية بمثابة مدارس الاختصاص لا يدخلها الطالب إلا بعد أن يدرس هذه الدراسة الثانوية ويفهم علومها ويأخذ شهادتها. لأنها ثقافة عامة يحتاج إليها عالم الدين وعالم الدنيا والموظف وصاحب العمل الحرّ.
...
ولا بأس بعدُ بارتياد مناهل العلم في غير بلادنا! على أن يطلب فيها العلم المبني على المشاهدة. أما علوم الرواية وما أصوله عندنا، كعلوم العربية فلا، وهذه الحماقة التي كان أتاها الفرنسيون إذ أرسلوا شبابنا يتعلمون العربية في باريس لا يجوز أن تعاد، وحسبنا أن صلينا نحن نارها، وتجرعنا صابها، (ولا نزال نتجرعه ...) وأن أضحكنا الناس علينا، وزدنا طلابنا على ضعفهم
стр. 154
في لغتنا ضعفاً. وعلى أن نختار الطلاب الموفدين من ذوي الدين والخلق المتين، وأن نرسل معهم من الأساتذة الكهول المتزوجين، مراقبين ومرشدين.
...
هذه كلمة صغيرة في موضوع كبير، أعرف أنها تثير مناقشات وتحتمل جدالاً، وأنها لم تلم بأطراف الموضوع ولم تستوف البحث فيه وإنما هي تنبيه إلى فساد، ودعوة إلى إصلاح.
***
стр. 155
مناظرة هادئة
نشرت سنة ٦٤١٩
نحن معشر الرجعيين ... لا نرى قتال المرأة ولا نزالها، ونجد ذلك قادحاً بالرجولة، ونعد ذنب المرأة مغفوراً وجنايتها جُباراً، ولكن آراء الرجعيين الجامدين من أمثالي ... صارت أثراً عتيقاً من آثار القرن الماضي لا تصلح إلا لدار الآثار ... وقد تغيرت الدنيا وأهلها، وأصبح من أشد ما تأباه المرأة (أو السيدة، إذا شئت الأدب في الخطاب) وتنكره وتراه هواناً لها ونزولاً بها عن منزلتها أن تترفق بها لأنها امرأة وغدت تريد أن تكافح الرجل وتنازله لا ترى نفسها أصغر من أن تغلبه، ولا تجده أكبر من أن ينهزم أمامها، فعلى هذا، وإكراماً للسيدة الجديدة، ومجاراة في مذهبها، ووفاء بحق هذه الأمانة، أمانة (القلم) الذي منّ الله به عليّ وجعلني من أهله لأضرب به في كل ميدان إصلاح، وأقرع به كل معالم الفساد، لا تمنعني من ذلك رهبة عدوّ، ولا رغبة في مودة صديق ... لهذا كله أعرض اليوم عرضاً إلى هذه (النهضة النسائية) التي أصبح الكلام فيها واجباً وجوب عين، فعفوَكنٌ -يا سيداتي- فأنتن أردتنٌ هذا، وإنه لا يزعجكن -فيما أظن- الكلام في هذه النهضة، لأنها ليست من الضعف (في رأيكن) ومن الوهن بحيث تنهدم من ضربة، وتطير من نفخة، ثم إني كتبت مجيباً لا مبتدئاً، ومنتصفاً ولا معتدياً ...
ولا بدّ لي قبلُ من ذكر مقالتي (دفاع عن الفضيلة) (١)، لأن هذا الفصل كالتعليق عليها، ولولا الحياء وخوفي من أن أوصف بالغرور، وبأني ممن يحرص على (صيد) الفرص، لينوّه باسم نفسه ويزكيها، لقلت: إنه قلما تصيب مقالة
стр. 156
من النجاح الصحفي ما أصابت هذه المقالة (في بلاد الشام)، فقد نفدَتْ نسخ «الرسالة» كلها في ساعات من نهار، حتى صارت النسخة تطلب بأضعاف ثمنها فلا توجد، وقرأ كل نسخة -فيما أقدِّر- أكثر من خمسة، ومن القراء من أخبرني أنه كان يعقد لها المجالس ليتلوها فيها كما تتلى المحاضرات، وسُرَّ بالمقالة جمهور من الناس ودعا لي من أجلها وأثنى عليّ وهنأني، وغضب منها جمهور من الناس ودعا عليّ وشتمني ولعنني، ورأى فيها إخواننا الرجعيون الخيّرون أنصار الفضيلة ترجمة آرائهم ولسان أفكارهم، ورأى فيها المجددون تجديد الباطل، المجردون أنفسهم وأهليهم من ثياب الستر، المبددون تراث الأجداد الماجد الثمين، سدّاً في طريقهم إلى غايتهم التي يدعون إليها، وبلاء صبّه الله عليهم، وخزياً لهم وغيظاً لقلوبهم، فقالوا: رجعي؛ وقالوا: مُشْتَه محروم ينفّس بهذا عن نفسه؛ وقالوا: فاجر يتستر بالدفاع عن الفضيلة، وما باليت كل ما قالوا ... لأني ما كتبت هذا المقال، وما قبله، ولا ألححت هذا الإلحاح على محاربة تلك المفاسد، ابتغاء رضا الناس، فأنا أعلم أن من تغضبه هذه الكتابات أطول يداً، وأشدّ سلطاناً، وأخذ لساناً، وأقدر (ولا يقدر إلا الله) على نفعي وضري، ولكني كتبتها، غضباً لله ولدينه ولمحارمه، وتنبيهاً لهذه الأمة الغافلة، أن يفتك بها ذلك الداء، وتحرقها تلك النار، ووطنت نفسي على حمل ما (قد) تأتيني به من الأذى، لا حمل الضعيف العاجز، بل المحارب المقاتل الذي لا تصيبه الضربة حتى يردها بعون الله عشراً. على أني إذا ذكرت الحكومات ورجالها، فلا أبرئ العلماء ولا الأدباء، فهم أولى باللوم، وأحمل للتبعة، إذ يسكتون عن إنكار المنكر، ولا يسخرون له ألسنتهم وأقلامهم، ولو أنهم أدّوا زكاة بيانهم دفاعاً عن الفضائل والأعراض وأثاروها داحسيّة بسوسيّة على الإباحية والفجور، لما حقت هذه اللعنة علينا حتى صار يقود ناشئتنا في دورنا وأسواقنا نفر من الفجار عباد إبليس، سموا أنفسهم كتاباً وصحفيين، وصارت لهم كتب تقرأ ومجلات، وما كتبهم ولا مجلاتهم إلا الترجمة الفنية لحديث المراقص والمواخير، وبيوت الخنا والزنا، وما يكون فيها من مشاهد وصور، تحملها كل يد إلى كل دار، فيقرؤها الشاب في المدرسة، والفتاة في الخدر، فتكون هادياً لهم إلى تلك البيوت وإماماً!
стр. 157
ولكن المسؤول قبل الحكومات وأرباب البيان، والمجرم الأول، ومنبع الشر ورأس البلاء، إنما هو الأب، الأب الذي يرضى لبنته أن تتكشف وتتعرى، وتحتك بالشبان في الترام، وتشرب القهوة عند البياع في سوق الحرير، ويرسلها إلى مدارس يعلم فيها أدب بشار وأبي نواس شباب في أعصابهم مثل النار التي في أعصابها، ويبعثها في رحلاتهم التي تمتد أياماً وليالي، تنزل معهم في الفنادق، وتركب معهم في السيارات، وتؤم معهم المتنزهات، وتسمع (وكيف لا تسمع؟) الفاحش من نكاتهم، والبذيء من أغانيهم؟ وما أغانيهم إلا غزل في مثلها وتشوّق إليها، وهي في السن التي تصرخ فيها غريزتها، وتغلي دماؤها، ويتفتح للحب قلبها!
ولا يدري هذا الأب المغفل القَرْنان أن لست عاقبة هذا إلا فضيحة تقصم الظهر أو مرضاً يحمل إلى القبر، ثم إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى!
أقول: إن هذه المقالة شغلت الناس، واختلفت فيها آراؤهم، وكان من أعجب ما سمعت من التعليق عليها، أني كنت في الترام، وكان الترام في تلك الساعة خالياً، فسمعت حديثاً بين امرأتين في غرفة النساء، لا أراهما ولا تريانني، موضوعه التعليق على هذه المقالة، ولست أروي من هذا الحديث إلا كلمتين اثنين تدلان عليه، قالت الأولى:
- يُهْ! ما تردّي عليه؟ ينزل عليه الدم إن شاء الله، وعلى هالمشايخ كلهم!
- قالت الثانية: وانت ليش مهتمة فيه، مين رادد عليه؟ يبعث له الحمَّى يعني بدّو نرجع للورا، ونضيع النهضة النسائية ونرجع جاهلات متحجبات يتحكم فينا الرجال؟ فشر! إننا سنكسر راسه!
وليصدقني القراء إذا قلت لهم إن هذا كلامهما بالحرف الواحد! وأنا لا أحب أن أردّ هذه الشتائم ولا أحسن مثلها مع الأسف الشديد، إنما أحب أن أبحث في أصل الموضوع، أما رأسي فقد عجزت عن كسره أقلام كتاب فحول
стр. 158
حاولته من قبل، وألسنة خطباء مقاول، وعصيّ حكام جبابرة، فلن تكسره أقلام طرية، في أيدٍ ذات سوار، رخصة البنان، محمرة الأظافر، لا يا سيدتي، إن الله قد صنعه من مواد غير قابلة للكسر، فدَعْنَ رأسي وتعالين نتناظر (مناظرة هادئة) في هذه النهضة النسائية، فذلك أجدى عليكن من كسر رأس لا تستفدن من كسره شيئاً ... لأن رؤوس (الرجعيين) لا تزال كثيرة جداً!
ما هي هذه النهضة النسائية؟ بماذا تختلف نساء اليوم عن نساء الأمس؟ أنا ألخص الاختلاف في كلمات:
كانت نساؤنا تقيات جاهلات متحجبات مقصورات في البيوت، فرق دينهن وتعلمن وسفرن وخالطن الرجال، ولننظر في كل خصلة من هذه الخصال، أكانت خيراً أم كانت شراً.
أما الدين (على إطلاقه) وخوف الله في السر والعلن، وما يكون معه من الاطمئنان والرضا، والإحسان إلى الناس، والبعد عن الفواحش، وترك الكذب والغش والحسد والمكر، وهذه خلائق يوحي بها كل دين من الأديان (١) فلا يشك عاقل في أنه خير، وإن تركه شرّ، وأن هذه النهضة بإبعادها النساء عن شرعة الدين، قد أضرّت ولم تنفع، وكان ضررها مضاعفاً مكرراً، لأنه إن جاز أن يمنع الرجلَ من الفاحشة خلقُه وإرادته، فقد ثبت أن المرأة لا يمنعها منها إلا دينها!
وأما العلم، فهو خير للمرأة بشرط أن تتعلم ما يصلحها ويصلح لها، وألا يوجب تعلمها اختلاطها بالرجال، لأننا إن قدرنا العلم قدره، وعرفنا له فضله فلا نستطيع أن نفرط من أجله بالشرف ولا نضيع العرض، وهما أكبر قدراً وأكثر فضلاً، وليس معنى هذا أن كل اختلاط يؤدي حتماً إلى إضاعة العرض لا، ولكن الغرائز موجودة، والشهوات مستقرة في النفس، إنْ منعها إذ فقد تطغى فتحطم السدّ أو تعلو عليه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، والعبرة بالشائع الغالب، لا الأقل النادر، وعلى ذلك نزلت الشرائع ووضعت
стр. 159
القوانين، ولو كان احتمال سقوط المرأة في هذا الاختلاط واحداً في الألف لوجب منعه وتحريمه، لأن أمة في كل ألف من نسائها واحدة ساقطة لأمة فاجرة ليست بذات خلق قويم، ولا تستحق أن تعيش ...
ونحن لا نكره أن نرى في نسائنا أمثال باحثة البادية، ووردة اليازجي وميّ، وماري عجمي، ووداد سكاكيني، ونهاد العطار، ومريم خشّة، ولكن أين السبيل إلى أن نوجد أمثالهنّ؟ وهل توصل إلى ذلك مدارسنا؟ إننا نبصر فتيات يتجاوز عددهن الآلاف المؤلفة، يقطعن الطرقات كل يوم إلى المدارس، غدوّاً إليها ورواحاً منها وهنّ بأبهى زينة وأبهج منظر، يقرأن كل ما يقرؤه الشبان من هندسة وجبر ومثلثات وكيمياء وفيزياء وأدب غَزلِ ويتعلمن الرسم والرياضة والغناء، ويدخلن مع الشباب في الامتحانات العامة ويحملن مثلهم البكالوريات والدبلومات، ثم يجمعهن مجلس (بعد هذا كله) بالعاميات الجاهليات، فلا تجدهن أصح منهن فكراً، ولا أبعد نظراً، ولا ترى لهذا الحشد من المعلومات الذي جمع في رؤوسهن من أثر في المحاكمة ولا في النظر إلى الأشياء، فكأن هذه المعلومات الأغاني التي تصب في أسطوانات الحاكي (الفونوغراف) إن أدرتها سمعت لهجة فصيحة، وكلاماً بيناً، ونغماً حلواً فتقول إنها تنطق، فإذا سألتها وكلمتها رأيتها جماداً أخرس، ليس فيها إلا ما استودعته من الكلام الملحّن ... !
وهذا حق، ما أردت بسرده الانتقاص، ولكن بيان الواقع.
ثم إن تزوجن لم يمتزن إلا بإهمال الولد، وتركه للخادمات والمراضع والانصراف عن الدار وأعمالها، والترفع عن الزوج، ثم إنه لا يعجب إحداهن إلا أن تلقى في زوجها حماراً (ولا مؤاخذة) تركبه إلى غايتها، لا رجلاً تحبه وتطيعه ويحبها ويرفق بها.
وإن هي اشتغلت معلمة أو محامية أو طبيبة، لم تكن إلا (دون الوسط) في المعلمين والمحامين والأطباء، فما هذا العلم؟ ولماذا لا تتعلم ما ينفعها امرأةً وزوجةً وأماً وربةَ بيت؟ ولماذا لا تتعلم مع ذلك التحرر من عبادة (الموضات)
стр. 160
والأزياء، ومن حبّ تقليد النساء الغربيات حتى فيما هو ضرر محض، وأن يجعل لها العلم استقلالاً في فكرها، تتبع كل ما تجده صالحاً ولو كان مخالفاً لـ (الموضة)، مبايناً لما عليه أهلها؟
وأما الحجاب، وأعني به ستر الأعضاء التي تثير غرائز الشر في نفوس الرجال، حتى تبقى الفتاة كالجوهرة في صدفتها، لا تصل إليها سارق ولا غاصب، فأنا أفهم سبب ثورة الفساق من الرجال عليه، إنهم يريدون أن يستمتعوا بالجمال المحرّم عليهم، ولكني لا أفهم أبداً لماذا يقلدهم النساء في هذه الثورة، وما وضع الحجاب إلا لصيانتهن وإكرامهن؟ وماذا يضر السيدة الفاضلة المتعلمة إذا لبست اللباس المحتشم الساتر، وهي ترى الرجل الذي تحاول التشبه به لا يكشف إلا وجهه وكفيه، مع أنها هي التي ينبغي ألا يظهر منها إلا وجهها (عند أمن الفتنة) وكفاها؟ أفانعكستْ الحال، وانقلبت الأمور، حتى احتجب الرجال وتكشف النساء؟ وما الذي ربحناه من السفور؟ ليجب من كان عنده جواب مقنع، أما أنا فأدعي أننا لم نربح منه إلا الشرور والفجور، والدلائل حاضرات.
أما الاختلاط، واشتغال المرأة بأعمال الرجل، فأنا أعجب من مطالبة المرأة به، ولا أفهم من منا يريد لها الخير، ومن الصديق لها ومن العدو!
نحن نريد لها أن تكون سيدة حقاً مخدومة لا خادمة، تأتيها حاجتها من غير أن تسعى إليها، وهم يريدون أن تسعى وتزاحم الرجال حتى تصل إلى خبزها ولو اشتغلت بأخسّ الصناعات وأحطّ المهن، ويدعون مع ذلك أنهم أنصار المساواة.
أين المساواة إذا حملت على ظهرها مثل حمل الرجل وهي تحمل في بطنها ولده، وأخذت مثل وظيفته وهو يغذي نفسه وهي تغذي نفسها وتغذي من ثديها ابنه؟
ثم إنكن تقلدن أوروبة، معه أن المرأة تشتغل في أوروبة عن عجز وحاجة وكريمات السيدات لا يشتغلن شيئاً، إنما تعمل البائسات الفقيرات ويتمنين زوجاً
стр. 161
يخلصهن من جهد العمل، وإن عقلاء أوروبة يصيحون شاكين من مزاحمة المرأة الرجل، فقد عطلت بيتها، وشغلت الرجل بـ (غير العمل ...) فقللت إنتاجه، ورضيت بالأجر الخسيس، فنزلت الأجور، فاضطر العامل أن يبعث بامرأته إلى العمل، فجاءت قضية الدور التي زعم المناطقة أنها من المستحيل!
أفنبدأ نحن من حيث أراد الغرب أن ينتهي؟ ونلحق ما يريدون هم الفرار منه؟!
وهذه هي الصناعات، فأيها تصلح له المرأة العادية وتعدل فيه الرجل؟ إعرضنها كلها، من تكسير الحطب وتنظيف المجاري وكنس الطرق (١) إلى المحاماة والقضاء والنيابة والوزارة، وأخبرنني عما تختزن منها ...
نعم إن الدهر يجود أحياناً بنساء نابغات يصلحن لبعض أعمال الرجال، ولكن الكلام على سواد الرجال والنساء لا على النادر، فكم نسبة الصالحين لكل من هذه الأعمال من الجنسين؟ وإذا صلح لها النساء فهل يصلح الرجال (بالمقابلة) للطبخ وإدارة المنزل وتربية الطفل؟ إن هذا ينتهي بنا إلى إعلان (مساواة الجنسين)، وأنه لم يبق مجال للتفريق بين رجل وامرأة؛ وإذن يجب على الحكومة أن تسنّ قانوناً يجعل الحبلَ على كل منهما سنة، فهي تحبل مرة وهو مرة، وهي ترضع ولداً وهو يرضع ولداً، وأن ينص هذا القانون على أن من يستعمل (نون النسوة) يعاقب بغرامة قدرها عشرة جنيهات!
يا سيداتي، إنكن تعودتن منا التشجيع والتصفيق والهتاف، ولكن المسألة خرجت عن المجاملات وصارت مسألة موت لهذه الأمة أو حياة، فأعدن التفكير في أسس هذه النهضة، واجعلن مصلحة الأمة هي الميزان فيها!
يا سيداتي، لقد كنا نرجو منكن أن تدفعن عنكن هؤلاء السفلة من الرجال وأن تَصفعنَهم على وجوههم النجسة، كما تصفع المرأة العفيفة أحد هؤلاء الكلاب إذا حاول الاعتداء على عفافها، وأن تقاطعن هذه المجلات الداعرة
стр. 162
الخبيثة التي تؤذي شرفكن باسم الصحافة والفن، وأن تَثُرنَ على هذه الأفلام السينمائية الداعرة، وأن تخرجن معلمات حاذقات وتنادين بمنع كل شاب مهما كان شأنه معلماً أو مفتشاً أو ناظراً، من تجاوز عتبة مدرسة من مدارس الإناث، فهل تحققن هذا الرجاء، هل تقمن هذه النهضة على أساس الدين والخلق والعلم النافع؟!
***
стр. 163
لو أقر المجمع
نشرت سنة ١٩٤٧
أديت أمس حسابي في المطعم وتهيأت للخروج، فسمعت من ورائي لهجة غريبة ... فتلفت فرأيت على مائدة قريبة مني، عراقياً بسيدارة، ومعه شامي بعمامة مطرّزة، ونادل المطعم قائم أمامهما، والعراقي يقول له:
- ماعون باجيلا على تِمَّنْ، وصَمّونَهْ.
والنادل مبهوت، يقول:
- إيه؟! إيه؟!
فيقول الشامي: العمى، شو ما بْتِفهم عربي؟ بدُّو ماعون ما بتعرف الماعون؟ يعني طبق غسيل، وصابونِهْ.
- النادل: ليه بَأَه؟
- الشامي: ليش؟! بَرْكي بدّو يتغسل!
(ويضحك من نكتته)
- النادل: يتغسل! بعيد الشرّ، عاوز تؤول يشَّطَّف.
- الشامي (مغرقاً في الضحك): يشَّطَّفْ! يا عيب الشوم، شو ما بتستحي انْتِهْ؟
- العراقي: والله، مادا افْتَهِم، حشّى غريب هْوايَهْ، يابَهْ، ما تِحْشى عربي؟!
- النادل: ما تحكي عربي، يا خويا؟!
стр. 164
- الشامي: لكان عَمْ يحكي أرناؤوطي؟! هذا عربي!
- النادل: أمّال بؤول إيه؟
- الشامي: بؤول بدُّو كوسا محشي ومهوايه، يعني مروحة.
...
ولم أستطع أن أتقاعس أكثر من ذلك، وخفت أن يفضحني الضحك، فخرجت وأنا أسائل نفسي: ماذا يكون لو أقر مجمع اللغة (العربية ...) اقتراح الأستاذ فريد أبو حديد بك، الذي يدرسه الآن أعضاؤه؟
والذي يقول فيه «فلو كانت العامية لا تزيد على أنها استخدمت أداة للتعامل في الأسواق والحياة اليومية لكان أمرها هيناً، ولكنها منذ برهنت على صلاحها للتعبير الأدبي صار من الممكن أن تنطلق في سبيلها متباعدة عن الفصحى حتى ينتهي بها الأمر إلى الاستغناء عنها. بل إن جمال أساليب التعبير العامي إذا بلغ مداه كان أجدر أن يسترق القلوب لأن تلك الأساليب أقرب إلى النفوس والأفهام من الفصحى لشدة اتصالها بحياة الكافة.
ولقد كان من أكبر ما عمل على تقويض أركان اللاتينية ظهور كتاب مبدعين في اللغات القومية الأوروبية، وقد كانت تلك اللغات عامية في وقت من الأوقات بالنسبة للّغة اللاتينية، فقد ظهر دانتي في إيطاليا، وكتب روائع قومه بلغته (إلى أن قال) ولكنا لا نخشى على العربية الفصحى أن يكون مآلها هو مآل اللاتينية لعدة أسباب:
١ - إن العامية لم تستطع إلى الآن (تأمل) أن تتسامى إلى آفاق الفكر العليا، فإنها لم تزد بعد (تأمل) على أن تكون وسيلة للتعبير الساذج والأحاسيس الابتدائية، ولم يظهر فيها بعد (تأمل) أمثال النوابغ الذين أنتجوا روائعهم الخالدة، بلغاتهم الأوروبية الحديثة الدارجة.
٢ - إن الفارق بين العامية والفصحى لم يبلغ شيئاً يقرب من الفارق بين اللغات الأوروبية الدارجة وبين اللاتينية، فما زال التفاهم ممكناً في سهولة بين المثقف وغير المثقف بلغة سليمة بسيطة فصحى.
стр. 165
غير أننا لا ينبغي أن نتجاهل الخطر الماثل في لباقة اللغة العامية، وصلاحيتها كأداة للتعبير الأدبي فهو إن كان اليوم محدوداً فقد يكون غداً أقوى وقد تصبح أقدر على الأداء الأدبي السامي من الفصحى إذا فتن الشباب المثقف بالإنتاج الفكري باللغة العامية، وعملت أجيال منهم على الارتفاع بها إلى المستوى الأدبي الذي يجعلها لغة فكر وتعبير صحيح». اهـ.
وأفكر ماذا يكون لو فتن الشباب المثقف هذه الفتنة (نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن)، وصار في الدنيا لغة شامية ولغة مصرية ولغة عراقية، ونشأ في كل واحدة منها أدباء وشعراء، كما هي الحال في الفرنسية والإيطالية والإسبانية، وإن بقيت اللغة الفصحى (كما يريد الأستاذ) لغة القرآن والعلماء والمساجد والمعاهد العالية. وماذا يصنع إذن صاحب المطعم الذي كنت آكل فيه أنفاً؟
إنه لا بدّ له من ترجمان، عارف بهذه اللغات، وأقف عليها، متخصص فيها، عالم بدقائقها وسنن أهلها في كلامهم، ليفهم النادل أن الماعون في بغداد هو الطبق في مصر (١)، والصحن في الشام، وأن التشطيف في مصر غسل الوجه واليدين، ولكنه في الشام غسل الـ ... أعني الاستنجاء، وأن الصمّوية في بغداد هي رغيف الخبز الإفرنجي، ويسمى في دمشق الإفرنجوني، ولكنها في تونس اسم لشيء يستحيا من ذكره ولقد حدثني الأستاذ القليبي، ﵀، أنه قال لغلام الفندق لما كان في بغداد: هات لي خبزاً طرياً لأني بلا أسنان. فقال له: أجيب لك صمونة؟ فغضب الأستاذ غضبة مغربية وقال: ما تستحي تمزح معي وأنا بقدر جدك. والباجيلّا الفول والتمّن الرز، وأن الـ (هْواية) في العراق، صفة للشيء الكثير، وهي في غوطة دمشق الصفعة على الوجه، وأنك إذا (بسطت) رجلاً في الشام ومصر فقد سررته، وإذا (بسطته) في العراق فقد ضربته، والمبسوط المضروب (عْلقة)، وهي في الشام (فَلَقة)، والتقليع في الشام
стр. 166
الطرد من الدار ونحوها وفي مصر نزع الثياب وأن التقفيل في مصر إغلاق الباب وله في الشام معنى هو أخبث من أن يشار إليه، و (هُون) في الشام هنا، وفي العراق (هنانا)، والهون في مصر هو الهاوون الذي يدق به واسمه في الشام الهاون، هذا عدا عن الكنايات السائرة والمجازات المشتهرة، وهي كثيرة في كل بلد لا يعرفها إلا أهلها يلحنون بها في أحاديثهم، ويسخرون بها من الغريب؛ وعندك بعدُ اختلاف النطق وما ينشأ عنه من اختلاف المعنى، فمن المصريين من يميل بالسين إلى مخرج الزاي، ومن هنا سارت النكتة في دمشق عن مدرس مصري جيء به إلى مدرسة بنات، فقال لإحداهن مؤنباً:
- إيه الأسباب التي منعتك من إعداد الدرس؟
وفي العراق يجعلون القاف جيماً معطشة، وقد سألت حوذياً يوم وصلت بغداد، أن يأخذني إلى ضاحية نزهة. فقال:
- تروي باب شرجي؟
فكدت أبطش به، وما يريد إلا (الباب الشرقي) وهو من منتزهات بغداد.
ومن ذلك أن أديباً مصرياً زارني في إدارة الرسالة، وكان الحديث عن الفساد في مصر، فقال لي إن في دمشق ما هو أفظع وأشنع، إعلانات على أبواب الدكاكين فيها طلب صريح للخنا، فأنكرت واستوضحت، قال: لقد رأيتها بعيني، لوحات فيها (يلزمنا آنسات للخياطة)، والخياطة في عامية مصر كناية عن الزنا. فتأمل!
نعم إنه لا بد من ترجمان؟
وليس يجيء هذا الترجمان إلا من مدرسة، فلا بدَّ لنا إن أقر المجمع اللغوي هذا الاقتراح من أن ندرّس هذه اللغات الشرقية الحية في مدارسنا الثانوية، وننشئ لها قسماً في كلية الآداب، أو أقساماً لأن اللسان الشامي سيكون فيه لغات متعددات، فلغة دمشق ليست لغة حلب، تخالفها في معاني
стр. 167
المفردات، وفي تركيب الجمل، وفي طريقة النطق، ولغة حلب غير لغة حمص، ولغة حمص غير لغة حماة، وكلها تخالف لغة دير الزور، وهذه تخالف لغة البادية، فصار عندنا في الشام لغات في كل منها لهجات، فلهجة أهل دمشق غير لهجة أهل الغوطة، ولهجة هؤلاء ليست لهجة جبل القلمون، وفي القلمون عشرون لهجة تختلف اختلافاً بيناً، وفي كل منها شعر ... وأدب ... إي والله وموسيقى ... وقس على ذلك ألسنة لبنان وفلسطين والعراق ومصر والسودان والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش، واجمع هذه الألسنة بما فيها من اللغات واللهجات، تجدها تحتاج إلى عشرة أساتذة لهم كراسي في الجامعة، وتحتمل عشرة دبلومات، يكتب صاحبها على بطاقته (فلان، دبلوم اللغات العراقية) أو (دبلوم اللهجات اللبنانية) ... ودبلوم في أصول هذه اللغات ومصادرها، ودبلوم في نحوها وصرفها المقارن.
وعندئذ يكون شكوكو من أمراء الشعر الذين تدرس آثارهم في الجامعة، وإسماعيل ياسين من أمراء النثر، ويكون من تعبيرات النقد الجديد، أن نقول للكاتب المعقد الذي لا يفهم «إنه يكتب بالعربي» كما يقال في أوروبة عن الكاتب الفرنسي المحدث إذا أغرب وعقّد، أنه يكتب باللاتيني.
وعندئذ ينشأ في كل لسان، تراجمة يترجمون إليه الآثار العربية لتحفظ في المدارس، ويربى بها النشء على البلاغة كما ترجمت إلى الفرنسية آثار دانتي وفرجيل، فنحفظ الطلاب في دمشق قول المتنبي، مترجماً هكذا:
على أدّ أهل العَزْمِ بتجي العزايمْ ... وبِتْجي على أدّ الكرامْ المكارمْ
وقول شوقي في الأزهر، يصير:
أوم يتمّ الدنْيِه وسلّم عَ الأزهر ... ورشّ على ادْن الزمان الجُوهر (١)
بدلاً من:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
стр. 168
و:
قم في فم الدنيا وحيّ الأزهرا ... وانثر على سمع الزمان الجوهرا
ولا شك أن هذه الترجمة (أجدر أن تسترق القلوب) - كما قال الأستاذ أبو حديد بك في تقريره.
وعندئذ تطبع الرسالة أربعة آلاف فقط، وأخبار اليوم عشرة آلاف، وينشأ في كل بلدة جريدة صغيرة تنطق بلسان أهلها، ولا يبعد أن تشتد الحماسة لهذه اللغات كما اشتدت بتركيا الجديدة الحماسة للسانها، فيؤذن بها على المنائر، ويخطب بها على المنابر، ويترجم القرآن إلى كل واحدة منها.
وعندئذ لا تستطيع الدول العربية أن تجتمع في جامعة، ولا أن تتحد في شعور، ولا أن تسوق جيوشها إلى فلسطين موحدة القيادة، لأن الصلة الوحيدة بينها هي هذه العربية، فإن انقطعت لم يصل بينها شيء، ولا الدين، لأنها إن ذهبت العربية ذهب معها القرآن فلم يبق دين.
وبعد فلن يكون شيء من هذا. ولو قال به المجمع (ولن يفعل) لما سمع منه أحد، لمكان القرآن من هذه العربية، ولأن الله تكفل بحفظ القرآن، ولكنا أردنا أن نسلّي القراء في أيام العيد التي لا عمل فيها يشغلهم كما أراد الأستاذ أبو حديد أن يسلّي أعضاء المجتمع، الذين جعل الله أيامهم كلها أعياداً ...
***
стр. 169
المشكلة الكبرى (١)
نشرت سنة ١٩٣٨
صورة المشكلة:
آلاف مؤلفة من الشبان يبيتون مسهدين ينتظرون أزواجهم اللائي خلقهن الله لهم، وآلاف مؤلفة من الشابات يبتن الليل مؤرقات ينتظرن أزواجهن الذين برأهم الله لهن، والذراري تطل من شرفة الغيب ترقب تعارف أبويها، لتأخذ بإذن الله، طريقها إلى عالم الوجود، فيكون منها عباد لله صالحون، وجنود للوطن مخلصون، وأنصار للحق ثابتون.
ثم إذا قدر الله وكان زواج، كان الزواج (أكثر ما يكون) همّاً ونكداً وخلافاً مستمراً، وآض البيت من بعده جحيماً محرقاً، وسجناً مظلماً، ونشأ الأولاد على غير تهذيب، ومن غير أخلاق ولا دين ...
هذه هي صورة المشكلة: انتظار أليم يسلم إلى الجنون أو إلى الفسوق أو إلى اليأس، ونقص في الأولاد، وضعف في الأمة، وخراب للبيوت، وضياع للأسر، وفقد للسعادة ...
سبيل العلاج:
هذه هي صورة المشكلة، فما هي أسبابها؟ وما نتائجها؟ وما علاجها؟ بل وما نفع الكتابة فيها؟
لقد كُتب فيها وكُتب (حتى لو أن محصياً أحصى المكتوب فيها لجاء معه كتاب ضخم) فلم يُغن المكتوب شيئاً، ذلك أن المشكلة تحتاج إلى حل عملي يقوم به الآباء، لا إلى نظريات وفلسفات يدلي بها الكتاب والأدباء، من أجل
стр. 170
ذلك نحوت في هذا البحث نحو العمل فلم أتعمق ولم أتفلسف! ومن أجل ذلك ضربت من الواقع أمثلة، وأخذت من الحياة شواهد وصوراً ... على أنها لا تغني المباحث، ولا تجدي الشواهد ولا الصور، ولا المقترحات ولا الآراء ما لم يحققها عقلاء الآباء، أو من لهم في الأمة أمر أو نهي، من أرباب الحكم وأصحاب السلطان!
موانع الزواج:
لو سألت أكثر العزّاب من الشبان: «ما منعكم من الزواج؟» لكان جواب الأكثرين إن لم أقل جوابهم أجمعين: «المهر، وما يتصل بالمهر من تكاليف وبلايا»، ولست أذهب بالقارئ إلى بعيد، بل أضرب له المثل من نفسي ...
أنا أريد الزواج، وأنا امرؤ في رأسه أشياء وليس في كيسه شيء ... أما الذي في رأسي، فقد أفنيت في تحصيله شبابي، وبيضت في طلبه لياليّ وسوّدت نُهُري، وخدعني عن حقيقته معلّمي فحسبته أثمن شيء في الوجود، وصدقت أن العلم خير من المال ... فرأيت من بعد أن المال خير من كل شيء ... وأما كيسي فما فيه وفر، ولكن فيه مرتباً يكفيني ويكفي بحمد الله أربع زوجات معي، لو أن الزوجة بقيت إلى اليوم شريكة الحياة وربة البيت، تطلب حياة هنيئة وزوجاً صالحاً، بيد أن هذا كله قد ذهب ... وصارت الزوجة (يا أسفي!) متاعاً يشري، ولا بد للمتاع من ثمن، فإذا أخذ الأب الثمن لم يبال بعده شيئاً، ومتى كان يبالي التاجر إذا استوفى الثمن بأخلاق الشاري أو سيرته في أهله؟ وثمن الزوجة (أقل ما يكون) خمسون أو مائة (ليرة) ذهبية، فتصور يا صديقي القارئ متى تجتمع لرجل مثلي مكساب متلاف لا يستطيع أن يمسك شيئاً، أو لا يفضل عن نفقته شيء؟ وليست هذه المصيبة كلها. إن بعدها نفقات العقد (الكتاب) وقبل العقد خاتم الخطبة، وما يكون إلا من الذهب، و (الشبكة) وما يصلح لها إلا حلية لها قيمة ... وبعد العقد الهدايا واللُّطَف يحملها إلى دار (الزوجة العتيدة) كلما زارها، ولا بد له من أن يزورها؛ ثم تأتي بلايا العرس، وما أدراك ما بلايا العرس: كسوة أهله وأقربائه ممن تجب عليه
стр. 171
نفقتهم (وكسوة النساء) أقبح التبذير، لأنهن يشترين قماشاً لا يدفئ ولا يستر، ويدفعن ثمنه غالياً، ثم إذا مرت شهور بطل طرازه (موضته) فأصبح لا يصلح لشيء ... وبعد الكسوة نفقات حفلة الزفاف. ثم إذا دخل على زوجته، وانفرد بها، لا تكلمه حتى يدفع إليها (ثمن شعرها) وهي جملة من المال لا تقل عن (بضع ليرات ذهبية) ولا حد لزيادتها، وما أدري والله كيف تنزل الفتاة للمقص عن شعرها يجزّه ويلقيه على الأرض، ثم تطلب (ثمنه) من زوجها؟
ثم إذا أصبح أعطاها (وجوباً) عطية أكبر من (ثمن الشعر) هي (الضُّبْحة)، فإذا زال النهار أهدى إليها هدية، لا بدّ أن يكون فيها إزار للحمام ثمين وقد يكون منسوجاً بخيوط الفضة، ومناديل (مناشف) ... إلخ، ثم تأتي نفقات (السبعة الأيام) يقيم فيها الأقارب والأهلون في داره، تولم لهم كل يوم الولائم، ويُطرفون بأنواع الطرف، فإذا انتهت دعوا جميعاً إلى الحمام وقد قلّ ذلك في هذه الأيام منذ كثرت الحمامات في الدور، وأهملت الحمامات العامة أو كادت، ثم يدعو أهلها (أي أهل الزوجة) جميعاً وأهله إلى وليمة كبيرة تسمى (التعريفة) يعرَّف فيها بعضهم ببعض - وقد يبلغ المدعوون إليها المئات في بعض الأسر الكبيرة ...
فأنى لمثلى الطاقة على هذه المصروفات التي تخرب بيوت الأغنياء؟ وإني لأعرف قاضياً شرعياً زوّج ابنه، فتكاثرت عليه النفقات، فلم يقدر عليها حتى باع بيته لينفق ثمنه في ليالي العرس! هذا أول موانع الزواج وأظهرها ...
الحجاب:
وهب أني قد وقعت على كنز، أو أصبت إرثاً فأصبحت غنياً وتوفر لي ما أبتغي من المال فكيف أختار زوجتي؟ أما الحاسرات المتبرجات اللائي يعرف الرجال كلهن: صدورهن ونحورهن وأيديهن وسوقهنَّ، فأنا (بحمد الله) أعقل من أن أتخذ زوجة منهن، ولو كانت ابنة ماء السماء، وأعلم العلماء، وما أحسب ذا دين ومروءة، يرضى أن يتزوج بمن رضيت لنفسها إهمال الدين وإسقاط المروءة، بتعرّضها في زينتها وفتنتها للرجال، تستهويهم وتأخذ بأيديهم إلى
стр. 172
النار ... بقي عليَّ المتحجبة من بنات الأسر، وهي التي لا سبيل إلى رؤيتها إلا ليلة الزفاف، بعد أن يكون الغلُّ قد استدار حول عنقي، والقيد قد أحكم إقفاله على يدي ورجلي، ولم يبق لي إلا أن أقبل بها ولو كان لها وجه قرد وأخلاق الشيطان!
أفهذا من المعقول؟
يريد المرء سفراً، فيتحرى عن أخلاق رفيقه أياماً، ليعلم أيوافقه أم يخالفه ويبتغي أجيراً فيراه ويبحث عن أصله وفصله، ويجرِّبه أياماً؛ ويعزم على أن يتزوج، فلا يرى رفيقة حياته ومهوى قلبه، وموضع حبه، إلا بعد أن يتمَّ كل شيء؟
مع أن الشرع أباح له أن يراها ويجالسها (١) ... ومع أنها تخرج إلى السوق فيراها (على خلاف الشرع) البائع ومن كان عنده، ويقدّم إليها القهوة ويحادثها ويراها عمال السينما، ويراها ... ويراها ... فما الذي حاق بالآباء حتى هان عليهم كل محرّم، وصعب عليهم ما أحلَّ الله؟
هذا هو المانع الثاني من موانع الزواج، بل إن هذا الوضع هو الذي سبب ما نرى من تبرج النساء وحسورهن، وعريهن على السواحل ... ولا علاج له إلا بحجاب شامل (وذلك ما لا يستطاع) أو بسفور شرعي، كالذي سماه صديقي الأستاذ عز الدين التنوخي بسفور الراهبات، وذكر أن الحشويين الجامدين، يقابلون من يفتى به بالسباب والشتائم، وذلك هو الواقع، فإن هؤلاء قائمون بالمرصاد لكل من يعرض رأياً في إصلاح حال المرأة الذي كاد يصل إلى حدّ العري المطلق، بل لقد بلغه فعلاً ... ولكنهم لا يأتون بأي رأي من عند أنفسهم، ولا يهتمون بما يرون، فهم هادمون ولا يبنون، وهم مفسدون لعمل كل مصلح ولا يصلحون ... ولله الحمد على أن ضعفت مُنّتهم، وخفتت أصواتهم، وبادت جماعتهم، ونسأل الله أن يبدلنا بهم علماء يفهمون روح الإسلام ويعرفون حقائقه، ويفهمون روح العصر ويعرفون حاجات أهله.
стр. 173
الخلاف العائلي:
فإذا يسر الله لامرئ سبيل الزواج، وأنجاه من هذه الموانع، عرضت له مشاكل، ورأى من المتاعب ما يندم معه على ما أتى، ولو ذهبت تتقصى أحوال المتزوجين ودخائلهم في بيوتهم لوجدت أكثرهم متألماً شقياً، ولهذا الألم أسباب يمكن تلافيها لو فكر فيها الزوج، وعزم على التلافي.
أول أسباب الخلاف:
أعرف أخوين: أما أحدهما فشيخ محافظ توفي، ﵀، من سنين طويلة، وأما الثاني فأديب موسيقي على الطراز الجديد. تزوج الأول، ولبث مع زوجه ستة عشر عاماً حتى توفي عنها ولم يكلمها على مسمع أهله كلمة، وإنما كان يوجه الكلام إلى أخته سائلاً حاجته، أو يأمر أخته أن تقول لها ما يريد، وألفت ذلك منه ورضيت به أو صبرت عليه. وكانت تخشاه كخشيتها الله أو هي أشد له خشية .. وأما الثاني .. لا، بل أكثر من عرفنا من الأزواج (المجددين) تتحكم بهم نساؤهم، فيأمرنهم وينهينهم، ويشتمنهم وقد يضربنهم! وهم يخافونهن ولا يجرؤون عليهن ..
أي أن الأزواج بين رجلين، رجل أعمل سلطته، وأهمل عاطفته، فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم الحب، ولا عرف السعادة الزوجية، ورجل تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها، فعاش في داره عبداً، وتفصيل ذلك أن الزوج هو الذي يحكم على نفسه، ويختار طريقه، فإذا دلل زوجه في الأيام الأولى، ومثَّل لها (دور العاشق في الروايات الخيالية)، ومنحها قياده، وأراها أنها حياته، وأنها الآمرة الناهية عليه، وتذلل لها وخضع، (ولذة الحب في التذلل والخضوع) ألفت ذلك منه، وتعودته .. فإذا طارت من رأسه سكرة الحب، وأحب أن يحكم في الدار، كما يحكم رب الدار، وجد الأمر قد أفلت من يده، فيبدأ الخلاف، ثم لا ينتهي أبداً. وإذا هو ضبط نفسه في الأيام الأولى، ولم يعط إلا بمقدار واستعمل عقله وسلطانه، ألِفت منه الزوجة ذلك، فوجدت كل عطف منه بعد ذلك غنماً كبيراً ..
стр. 174
فالزوج العاقل الحازم من لم تلهه حلاوة العسل التي تدوم له شهراً، عن مرارة العلقم التي ستبقى دهراً طويلاً. ومن لم تشغله اللذة الجسمية العاجلة، عن السعادة الروحية الآجلة. فليتنبه لهذا الأزواج، فمن هنا منشأ الخطر ..
حقوق الزوجين:
ومن أسباب النكد البيتي، والشقاء الدائم، الخلاف على حقوق كل واحد من الزوجين، فمن الرجال من يأخذ أكثر من حقه، ومن النساء من تقيم نفسها مقام الرجل، وتفرض عليه سلطانها، حتى إن الرعناء لتسأله: أين كنت؟ ومن كلمت؟ بل إن من النساء الحمقاوات التحذلقات ممن يحسبن أنهن متعلمات من تحاسب زوجها على زيارته أهله، وصلته رحمه، وتغار عليه إذا كلم عمته أوزارها .. حتى أصبح الأمر فوضى لا ناظم له وظلمة لا نور فيها: مع أن الشرع الإسلامي (الذي أيغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا بين وجه الحق فيها) قد حدد حقوق الزوجين، فجعل «من حقوق الزوج على زوجته أن تطيعه فيما لا معصية فيه، وأن تصون عفافها، وألا تخرج إلا بإذن منه أو لضرورة، وأن تحرص على إدخال السرور عليه، وألا تكلفه ما لا يطيق ولا تطالبه بالزائد من حاجة نفسها، وأن تبذل جهدها في أداء واجباتها الدينية، وأن تعطيه زمام الرياسة المنزلية. ومن حقها عليه أداء مهرها كاملاً إليها والإنفاق عليها بالمعروف وأن يجتهد في تعليمها واجباتها الدينية وأن يكتم سرها ولا يتحدث به وحسن خلقه معها واحتمال بعض الأذى منها وممازحتها ومداعبتها» (١)، أي أن على الجملة رياسة المنزل (حين لم يكن بد لكل شركة أو جماعة من رئيس) وله السيادة فيه، وحفظ كرامته، وإدارة شؤونه الخارجية والإشراف على أموره كلها، وله الحكم وكسوة المرأة وخروجها، وله تأديبها بالعدل، ومن غير أن يخرج على ما أحل الله وذكر في كتابه، وللمرأة حق التصرف بأموالها، وإدارة شؤون المنزل الداخلية، والنفقة عليها وضمان حاجاتها اللازمة؛ ولها عليه أن يحرصن على سعادتها وسرورها، ويعاملها بالخلق الحسن، والقول اللين، ويتغاضى
стр. 175
خطيئاتها ما أمكن التغاضي، ويعلم أنها شريكة حياته، وأدنى الناس إليه فلا يستأثر دونها بطعام أو شراب، ولا يدعها في المنزل وحيدة متألمة ويسهر في المقاهي والملاهي، ولا يقدم نفسه عليها في كسوة أو متعة من متع العيش.
المشكلة بين الزوجين:
وإن من أظهر الخلاف بين الزوجين، ألا يكون بينهما مشاكلة ومماثلة، كأن يكون فقيراً وتكون هي غنية، فتعيره بفقره، وتترفع عليه بمالها، أو أن يكون من رجال الأعمال، وتكون متعلمة، على أن المتعلمة العالمة حقاً لا ينتظر منها إلا كل خير، ولكن البلاء في هؤلاء اللائي يحسبن أنفسهن متعلمات لأنهن كن قبل الزواج معلمات في مدرسة أو مديرات، وإن كن لا يفتحن في السنة كتاباً، ولا يفهمن شيئاً، ولا يعرفن إلا تنكيد حياة الزوج، وإضاعة ماله في الولائم والاستقبالات، والكسوة والزينة، هؤلاء هن البلاء الأزرق، وخير منهن الأمية الجاهلة.
ومن أشنع أشكال الاختلاف بين الزوجين حال من يتزوجون بالأجنبيات، فيرون منهن (على الغالب) ما يتمنون معه الموت الأحمر. وإني لأعرف من الناس رجلاً درس في فرنسا وجاء معه بفتاة زعم أنها من أكرم الأسر الفرنسية وأعرقها، فتزوج بها، فكان من أيسر ما تصنع أنها تذهب إلى السينما فترى الضباط الفرنسيين فتحن إليهم بصلة الدم فتكلمهم وتصادقهم ثم تدعوهم إلى دارها فلا يروع صاحبنا إلا الضباط قد ملأوا بيته. ثم انتهى أمرها بالفرار مع واحد منهم!
ومن العجب أن دماغين كبيرين تواردت خواطرهما على مسألة واحدة، وبينهما الدهر الأطول، وبينهما ما بين المشرق والمغرب فوقعا فيها على الصواب الذي نعرفه ولا نريد أن نتبعه:
لما كانت القادسية، ولم يجد الناس نساء مسلمات، تزوجوا نساء أهل الكتاب فلما كثر المسلمات بعث عمر بن الخطاب إلى حذيفة بن اليمان بعد ما ولاه المدائن «بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل الكتاب فطلقها»، فكتب
стр. 176
إليه: «لا أفعل حتى تخبرني أحلال أم حرام، وما أردت بذلك؟».
فكتب إليه عمر: «لا، بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، وإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم».
فقال حذيفة: الآن! وطلقها.
هذا حكم الرجل العظيم، عمر، وقد حكم به في المدينة منذ ألف وثلاثمائة سنة.
وأما الثاني فحكم موسوليني، حكم به المؤتمر الفاشي في روما في هذا الأسبوع حين كان من مقرراته منع الإيطاليين من الزواج بالأجنبيات.
فمن لم يعظه قول عمر، فليعظه حكم موسوليني!
***
стр. 177
المشكلة الكبرى (٢)
سقت إليك في الفصل الماضي طرفاً من حديث المشكلة، وانتهيت بك إلى الكلام على المشاكلة بين الزوجين، وأنها ركن كبير من أركان السعادة الزوجية، فإذا لم تكن مشاكلة، وكان بينهما اختلاف لا الغنى أو العلم أو الجاه كانت الحياة الزوجية موتاً بطيئاً. على أنه لا بأس أن يكون الزوج هو الأعلى في جاهه أعماله أو علمه، ولكن البأس كل البأس حين يكون الأدنى لأن الغنى والعلم والجاه من وسائل السلطان، فإذا كان ذلك للمرأة زاحمت الرجل على سلطانه، ونازعته رياسته ففسد الأمر، واضطرب حبل الودّ. وأحسب أن مبدأ الكفاءة في الزواج (في الفقه الإسلامي) هو الدواء لهذا الداء.
وأنا متحدث إليك ما هذا الفصل عن سائر أسباب الخلاف بين الزوجين، ولست أزعم أني متقصيها كلها أو محيط بها، فذلك ما لا أقدر عليه، ولكني ذاكر منها ما انتهى إليَّ خبره.
موقف أهله وأهلها:
فمن ذلك موقف أهله وأهلها، فإنه من أظهر أسباب الخلاف بين الزوجين وأكثرها انتشاراً بين ظهرانينا، حتى إنه ليبلغ منا العجب حين نسمع أن داراً تجمع بين الكَنَّة والحماة، ولا تجمع إليهما النكد والشقاق والبلاء تصبّه على الزوج صباً ... فلا يكاد يروح إلى داره ليجد فيها الراحة بعد تعب النهار، والهدوء بعد الكدح المضني، والكدّ المميت، حتى تستقبله المعارك والشكايات والدسائس، وما أكثر القراء به عالمون ... فيحار في أمره: لا يدري أيسوء أمه وهي التي حملته جنيناً، وربّته صغيراً، وأحبّته وجعلته أملها في حياتها، أم يسوء
стр. 178
زوجه وهي التي هجرت أهلها وفارقت عشها لتجعله أهلها من دون أهلها وأمنها ومفزعها، ثم إنها قد تكون بريئة لا ذنب لها ويجد أن أمّه لا ترضي عنه حتى يفارق زوجه، وييتّم أولاده، وزوجه لا ترضى عنه حتى يطرد أمه ويعصي ربّه، وهما خُطّتان أهونهما أصعب الصعاب، وخيرهما من شرّ الأمور وليس إلى إقناع إحداهما من سبيل، لأن للمرأة منطقاً خاصاً، يجعل بينها وبين الرجل هوة لا يلتقيان معها أبداً، ويدع الرجل وإقناع ألف رجل أسهل عليه من إقناع امرأة واحدة ...
والخلاف بينهما باق لا يزول، معروف لا يتبدل. فالأم تري أنها هي سيدة الدار لأنها الكبرى، ولأنها الأصل، وأن على الكنة التي أحضرتها بيدها واختارتها برأيها، أن تطيعها، وتعمل بإشارتها؛ والزوجة ترى أن الأم عجوز قد مضى زمانها، وذهبت أيامها، وأصبحت كالموظف التقاعد، له مرتب وليس له أمر ولا نهي، وأنها هي السيدة في الدار، وأن لها الرأي في إدارتها .. ثم إنهما تختلفان على قلب الرجل، فالأم التي عرفته وليداً، وربته طفلاً ويافعاً، وكان في وحدها، لا تطيق أن تراه وقد صار لغيرها، ولا تقدر أن تبصر نفسها فريدة في غرف الدار، كأنما أيكن لها ولد لأن ولدها خال بزوجته ... والزوجة التي أعطت زوجها قلبها كله وحبها وحياتها، ولم تجعل له شريكاً فيها، لا تستطيع احتمال هذه الشركة بينها وبين هذه العجوز، ولا يقنعها إلا أن يكون الزوج خالصاً لها ...
وما يقال في الأم يقال مثله مع الأخت، بل إن الأخت إذا كانت عانساً لم تتزوج، وإذا كانت على بقية من شباب، تكون أشد على الرجل من أمه، لأنها أقل منها حباً له وحناناً عليه، وأكثر منها غيرة لمكان الصبوة من نفسها، والأنها ترى امرأة غريبة تستمتع بالزواج الذي حرمت هي منه، ويكون هذا الزوج أخاها، غلبتها هذه الغريبة عليه، وحرمتها عطفه وحبه، فيكون حرمانها مضاعفاً ...
هذا وليس ينفرد أهل الزوج بإدخال الأب عليه، وتنغيص حياته الزوجية، بل يشارك في ذلك أهل الزوجة، يكرهون فتاتهم على الزواج بمن لا تريده، لعلو سنه عن سنها، أو قبحه وجمالها، فلا يحفلون إرادتها ولا يبالونها لأنهم يرونه غنياً،
стр. 179
فهم يبيعونها منه بيعاً، أو صاحب جاه فهم يجعلونها وسيلة إلى الانتفاع بجاهه، بل ربما زوجوا الفتاة بنت خمس عشرة، بالشيخ أبي الستين، ولم يستأمروها ولم يروا رأيها، وربما زوجوها من الرجل القبيح. ولقد قال عمر (الرجل الملهم) فيما أحفظ من قوله: (لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنهن يحببن ما تحبون) ... فتدخل الزوجة دار زوجها وهي له كارهة، فلا يأتي منها إلا مساءته وإتعابه، إن لم يسقها صباها وعجزه إلى أن تتصل بغيره من الفتيان.
هذا طريق، ولأهل الزوجة طريق آخر إلى إفساد الحياة الزوجية، هو التقصير في تربية فتاتهم أولاً، وعجزهم عن ضبطها وتأديبها ثانياً. فإذا كانت الزوجة سيئة الخلق رعناء، فإنها تدع دار زوجها لأتفه الأسباب، وتذهب مغاضبة تشكو إلى أهلها وتستعديهم، فإذا كان أهلها عقلاء ردوها إليه، وأصلحوا ذات بينهما، ولاموها على خلوة بها، كما يلومونه على خلوة به، فيؤلف الله بهم بين القلبين، وتعلم الزوجة أنه لا ملجأ لها إلا دار زوجها، ولا منجى لها إلا حسن خلقها فترضى وتستقيم، وأما إذا كان أهلها جاهلين يغضبون لها غضبة الجاهلية فيعينونها على طلاقها ويزيدون في عنادها فيخربون بيوتهم بأيديهم، ويسوقون الشقاء إلى فتاتهم، ويكونون شراً عليها وعلى زوجها ووبالاً ...
ودواء هذا الداء أن يبحث الرجل عن أخلاق الأسرة، وأسلوبها في تربية بناتها، وحال أمها مع زوجها ومبلغ طاعتها له ورضاه عنها، قبل الإقدام على الزواج، فإذا اطمأن إلى ذلك وصاهر عاقلاً حازماً، وكان الزواج برأي الفتاة ورضاها، من غير احتيال عليها ولا إكراه لها، فقد أمن جانب أهلها، وبقي عليه جانب أهله ... والمصيبة بهم أشد ... والعلاج أن يتفرد عنهم بزوجته. فإذا لم يستطع ذلك، فعليه بالحزم في الأيام الأولى، وأن يعرف لأمه حقها، فإن زوجه تطيعه وتتخرج به وتتربى على ما يربّيها عليه، أما أمه فلا سلطان له عليها ... وعليه بعد ذلك أن يرضي زوجته فيما بينه وبينها، ويعوضها بما فقدت من السيطرة في الدار، بما يدخل السرور على قلبها ويملؤه رضى وأملاً والسبل إلى ذلك شتى.
стр. 180
المشاكل المالية:
أولها هذا (الجهاز) فكم ثار من أجله من خلاف، وكم هد من أسر، وكم أصاب من بلايا ... يتنافس القوم من أجله في إغلاء المهور حتى تبلغ المئات من الجنيهات، فتبور سوق الزواج، وتكسد البنات، ثم إذا كتب الله على الزوج أن يدفع هذا المهر الفاحش، لم يكن دفعه غنماً للأب ولا لفتاته، لأن عليه أن يدفع مثل ما دفع الزوج أو قريباً منه، ثم يشتري بذلك كله أثاثاً ومتاعاً وما شئت من الخُرْثي (١) الذي لا ينفع في دنيا ولا آخرة، فمن خزانة محفورة منزّل فيها أدق الأصداف ثمنها سبعون جنيهاً، ومن مقاعد وأرائك على نحوها ثمنها مائتان لكنها لا تقيم على الاستعمال عاماً واحداً، ومن ستائر للنوافذ ثمن إحداهنَّ عشرة جنيهات؛ ومن أوان فضية وقوارير (كولونية) تصف على المناضد صفاً، كصف الجند ثم لا تفتح أبداً، والمناضد (نسيت المناضد) وثمن إحداهنَّ عشرات الجنيهات، وغير ذلك مما لا أعرفه ولا أذكر اسمه وإن كنت قد رأيته في دور الحمقى والمغفلين ...
ولقد عرفت شاباً مستور الحال أراد الزواج فطلبوا منه أربعمائة دينار ذهبي، فباع داراً كانت لأبيه، وأعدَّ لمهر، فسلمه إلى أم الزوجة، وضمت إليه أمها ثلاثمائة من عندها لتشتري بها جميعاً (جهازاً) لابنتها، فلما بلغه ذلك طار عقله وذهب يقنع أم الفتاة أن تشتري لها بذلك داراً (عمارة) يكون لها ملكها وريعها وتبقى على الدهر، فقبلت ومرت أيام فبلغه أنها قد عدلت عن ذلك وأنفقت المال كله في الجهاز ... فسألها عن السبب فإذا السبب أن البنت بكت وقالت: هل أنا دون ابنة فلان، وقد جهزوها بكذا .. ؟؟ قالت الأم: «فقطع قلبي بكاؤها، فلم يسعني إلا أن أفعل ما تريد ...».
وتم العقد واستأجر الزوج داراً فخمة (على نسبة الجهاز) فلم تمض إلا شهور حتى ركبه الدين، فاضطر إلى استئجار دار تليق به، ويحتملها مرتبه،