← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14265

في سبيل الإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

دفاع عن الأدب نشرت في سنة ١٩٤٥ لقد كانت معركة (عين جالوت) أجل خطراً، وأعظم أثراً، وأبرك على الحضارة، وأجدى على الإنسانية، من موقعة (الحدث)، ولكنها لم تجد الشاعر العبقريّ الذي ينهض بها، ويرفعها بيمينه يلوح بها في طريق التاريخ، ليراها الناس أبداً، أمة بعد أمة، وجيلاً عقب جيل، كما صنع المتنبي بموقعة (الحدث) حين فتح لها في الشعر فتحاً لم يفتح مثله (سيف الدولة) في بلاد الروم، وبنى لها في الأدب قلعة باقية، على حين قد خرب الدهر تلك القلعة التي بناها سيف الدولة، فكان من معجزات الشعر (وإن في الشعر لإعجازاً) أن خلدت هذه الموقعة، وجلت وملأت الأسماع والأفواه والقلوب، ونسيت مواقع أعظم منها، ولولا قصيدة ابن الحسين ما عرفت طريق الخلود. ولقد كان فتح عمورية عظيماً في الفتوح، ولكن فتح حبيب في بائيته أعظم منه. ومن قبل خلدت بلاغة هوميروس بطولة القوم في طروادة، ولولاه لضاعت في ظلام ما قبل التاريخ. وإني لأكرم القراء أن أسيء بهم ظني فأرى بهم حاجة إلى سرد الأمثلة، وإقامة البينات، على أمر ما بِهم جهْله ولا نكرانُه، فلولا الأدب ما خلدت المكرمات، ولا ذكرت البطولات. ورب قصيدة تجيش بها نفس شاعر منكر مجهول، قد شغل الناس عنه سناء الأمير ورواؤه، أبقى على الدهر من هذا السناء وهذا الدواء. وربما جاء زمان نسي الناس فيه الأمير نفسه، فغاص في هذا القهر البشري الذي يجري أبداً من المهد إلى اللحد، يولد أهله ويعيشون ويموتون ولا يدري بهم أحد لا يذكرهم إنسان ولم يمسسه من الخلود إلا النفحة التي ينفحه بها الشاعر. هذا حق لا يجهله أحد إلا ذوو السلطان منا، وكانوا هم أولى بمعرفته

стр. 72

والاستفادة منه، والأحداث تدعوهم إلى ذلك ولكنهم لا يجيبون. وها هو ذا حادث العدوان (١)، أحبوا أن يدونوا تاريخه، ويعرضوا صوره، ويعرفوا به البعيد النائي، ويذكروا به القريب الرائي، فأجمعوا أمرهم على إخراج (الكتاب الأسود) في وصف هذا الحادث، وسموا له رجالاً، طيبين ممتازين، غير أنهم ليسوا من ذوي الأقلام، ولا من الأدباء، وإن في دمشق (لو كانوا يعلمون) أقلاماً حداداً، إذا اقتضتها الحكومة قطّت بها وقدّت وفَرَت، فإلام تدخر هذه الأقلام إن لم تستلَّ في هذا اليوم الأسود؟ ومن يعرض على الدنيا كلها حديث (الحادث) إذا أهملت هذه الأقلام، ونسيت وتركت تصدأ في أغمادها؟ سيعرضه صحفي بمقالة تعيش ما عاش (العدد) الذي تنتشر فيه، أم موظف بتقرير أسلوبه لعنة للبلاغة في عليائها؟. ثم استلمنا الجيش وعرضه رئيسنا فكان يوماً أغرّ محجلاً في عمر الشام، فمن يمسك هذا اليوم ألَّا يهوى في وادي النسيان؟ من يحفظ له جلاله وجماله وعظمته غير الأدباء؟ فما لأولي الأمر دعوا له كل قاص ودان إلا أهل الأدب الحق؟ أهل البلاغة، ما دعوهم ولا سألوا عن مكانهم ولا ذكروهم، ولو دعوا أديباً لصنع لهم بمقالة واحدة شيئاً يبقى إذا ذهب كل هذا الذي أعدوه. وفي كل يوم تنبت أقلام غضة فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية فتجف وتموت. وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها أقلاماً متينة كأشجار السنديان طالما أظلت وبسقت فلا يبكي عليها أحد. وتزهر أقلام ثم تؤتي أكلها ثمراً ناضجاً حلواً نافعاً فلا يستبشر بها أحد، ويقولون بعد ذلك: لماذا لا ينتج الأدباء؟ لماذا لا يخلدون أيام الوطن؟ يا ويحكم! إننا والله لا نعرف أيام الوطن إلا على السماع والفضل لنا إذا استطعنا أن نكتب عنها سطراً واحداً. لقد أردت أن أدخل القلعة غداة يوم الحادث، وأن أجول خلال الحرائق وألج البرلمان، فمنعني جنود لا يعرفونني ولا يفهمون عني بلساني، ولو تركت ألج ورأيت بعيني ما وصفته على السماع لكتبت لكم شيئاً يبكي

стр. 73

المحب ساعة الوصال، والعروس ليلة الزفاف، ويرقق قلب الموتور يوم الانتقام ولو أشهدت هذا العرض لكتبت لكم سطور مجد تكون للأعصاب ناراً تشعلها حماسة، وللقلوب خمراً تميلها طرباً، ولهذا الجيش جيشاً آخر. ولو أحضرت حفلة رفع العلم على الثكنة الحميدية لكتبت غير ما كان نشر في الرسالة (١)، لأن الذي يتخيل ويكتب بارد الدم هادئ الأعصاب، غير الذي تمشي الكهرباء في أعصابه فتهزها هزاً، فيمسك قلمه ويدع روحه تملي عليه. ولست -علم الله- أريد مالاً من أولي الأمر أو عطاء، ولا أبتغي من مجالستهم شرفاً، فعندي من المال ما يسد حاجتي، ومن الشرف ما يكفيني، وإنما آسف على قوة فيّ، وفي أمثالي من حملة الأقلام، تذهب هدراً، وتضمحل والوطن يحتاج إليها، وهي تستطيع أن تكسبه مجداً لا ينال بغيرها. ... فيا أيها الحاكمون! اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء ليكسبوكم الخلود وليفيضوا على أمجادكم الحياة، أما هم فلا يحتاجون إليكم، لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكاً وأبطالاً، وينشئوا عالماً، ويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا، إن تكن من الوهم، فرب وهم أفعل في نفس صاحبه من الحقيقة، وأثبت من الواقع. ورب شخص (روائي) خرج من خيال أديب، أحيا حياة، وأظهر وجوداً من أشخاص اللحم والدم، أسمعتم بعطيل ودون جوان وآرباجون؟ والحارث بن همام وعيسى بن هشام؟. وبعد فهذا دفاع عن الأدب، لا عن الأدباء، فأقبلوه أو لاتقبلوه إنما علينا أن نقول، وقد قلنا. ...

стр. 74

إلى علماء الأزهر نشرت في مصر سنة ١٩٤٧ ما عرفنا من عرفنا من علماء الأزهر إلا ملوكاً، لا أمر فوق أمرهم، ولا كلمة بعد كلمتهم، إذا قال واحدهم لبّت الأمة، وإذا دعا هبّ الشعب، وإذا أنكر على الحكومة منكراً أزالت الحكومة المنكر، وإذا أمرها بمعروف أطاعت بالمعروف، فكانوا هم السادة وهم القادة، وهم أولو الأمر: هذي حكومة مصطفى فهمي باشا تستجيب سنة ١٨٩٩ لرغبة الإنكليز في إضعاف القضاء الشرعي، فتضع مشروعها المشهور، لتعديل اللائحة الشرعية، وضم اثنين من أعضاء الاستئناف الأهلي إلى المحكمة الشرعية العليا، ويبلغ من ثقتها بقوتها، وتأييد مجلس الشورى لها أن لا تبالي باحتجاج الحكومة العثمانية على المشروع، وتعرضه على المجلس، وكان من أعضائه الشيخ حسونة النواوي (الذي جمعت له مشيخة الأزهر وفتوى الديار المصرية) فيقول كلمة موجزة في إنكار المشروع، وينسحب من المجلس ويتبعه القاضي التركي، فتكون هذه الكلمة كافية لقتل المشروع، فيردّه المجلس كله، وتحاول الحكومة إنفاذه على رغمه فلا تجد عضواً استئنافياً واحداً يقبل الانضمام إلى المحكمة العليا، عرضت ذلك على الشيخ محمد عبده وكان من أعضاء الاستئناف الأهلي وسعد زغلول وأحمد عفيفي ويوسف شوقي ويحيى إبراهيم. فأبوا جميعاً. وتمشي كل من الشيخ في الناس مشي النار في يابس الحطب، فتهبّ الأمة كلها وتؤيده حتى ترضى الحكومة بالهزيمة وتسترد مشروعها (١). ولم يكونوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون غضبة ملك جبار: هذا

стр. 75

حسين باشا الجزائري، يصل مصر فيفر منه أمراؤها إلى الوجه القبلي، فيأخذ أموالهم كلها ولا يرضيه في عتوه وجبروته أن يستولي على عروضهم حتى يسطو على أعراضهم، فيقبض على نسائهم وأولادهم، ويسوقهم إلى السوق ليبيعهم زاعماً أنهم أرقاء لبيت المال، وكانت الأحكام عرفية، وسيوف الظلم مصلتة، ولواء البغي مرفوعاً، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأزهر من إنكار هذا المنكر، ولم يرهبوا بطش الباشا وهم يرون أن أفضل الشهداء رجل قال كلمة حق عند إمام جائر فقتله بها، فمضوا إليه وتكلم الشيخ محمد أبو الأنوار فقال له: «أنت أتيت إلى هذه البلدة وأرسلك السلطان لإقامة العدل ورفع الظلم كما تقول، أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم؟»، فقال: «هؤلاء أرقاء لبيت المال». قال: «هذا لا يجوز ولم يقل به أحد» فغضب أشد الغضب وطلب كاتب ديوانه، وقال: «اكتب أسماء هؤلاء وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره» فقال له الشيخ محمود البنوفري: «اكتب ما تريد بل نحن نكتب أسماءنا بخطنا» (١)، وكانت النصرة لهم عليه، فأحقوا الحق وأبطلوا الباطل، ووضع الله في قلبه هيبتهم، لأن من خاف الله خافه كل شيء. فكانوا بذلك (أجل من الملوك جلالة) (٢)، وكانت إشارتهم للحكام أمراً، وطاعتهم عليهم فرضاً، حيث الشيخ محمد سليمان (٣) أن أباه قدم لطلب العلم في الأزهر، أواخر أيام الشيخ إبراهيم البيجوري، فشكا إليه ظلم تلك الأيام، وما كان فيها من السخرة والمعونة فكتب له ورقة بمساحة إصبعين هذا نص ما كان فيها: «ولدنا مدير الدقهلية. رافعه من طلبة العلم يجب إكرامه، خادم العلم والفقراء. الخاتم (إبراهيم البيجوري)» فدفعها إلى المدير، فقبلها ووضعها على رأسه، ودفعت عنه هذه الورقة كل مظلمة، وأنالته كل مكرمة، ورفعت قدره عند المدير وعند الناس. وكان الشيخ الأزهري موقراً في الجامع وفي البيت وفي السوق، ومبجلاً عند الطلبة والعامة والحكام، وكان أقصى أمل الطالب أن يخدم الشيخ وأن

стр. 76

يحمل له نعله، وإذا سبَّه عدّ سبه إكراماً، وتحمله مسروراً، ورآه من أسباب الفتوح. وكان الطالب الأزهري المجاور، يذهب إلى بلده في العيد أو في الإجازة، فيقبل البلد كله عليه يقبل يده، ويتبرك به، ويشم فيه عبق الأزهر، ويكون المرجع لأهله في الجليل من شؤونهم والحقير، ويكون فقيههم والحاكم بينهم، لا مردَّ لحكمه ولا اعتراض عليه، لأنه يحكم بشرع الله، ويبين حكمه في فتواه. هذا ما عرفناه. فما الذي جرى حتى تبدلت الحال، ووقع حادث الشيخ أبي العيون؟ (١). ما الذي نزع هيبة المشايخ من القلوب وأنزلهم من مكانتهم عند الحكام؟ أأقول؟ أنتم أيها الأزهريون فعلتم هذا كله! أنتم تنكبتم سبيل أسلافكم، فما الشيخ اليوم شيخ مسلِّك ولكنه موظف محاضر، وما التلميذ مريد طيّع ولكنه مشاكس مشاغب، وما يطلب علماً ولكن يبتغي شهادة. أنتم ثرتم على مشايخكم وعلمتم الناس الثورة عليهم. أنتم أيها الطلاب. أنتم مددتم أيديكم إلى مدرسيكم، فجرأتم هؤلاء أن يمدوا أيديهم إلى أبي العيون. أنتم أطلقتم ألسنتكم فيهم فشجعتم هذه الصحف أن تتطاول حزبية إلى الكلام على شيخ الأزهر. أنتم أيها الأزهريون جميعاً جعلتموها جامعة فكان فيها ما يكون في الجامعات، وقد كانت جامعاً لا يكون فيه إلا ما يكون في الجامع. لقد كان الأزهر لله فصار للناس، وكان للآخرة فغدا للدنيا، وكان يجيئه الطالب يبتغي العلم وحده، وتبلغ بخبز الجراية، وينام على حصير الرواق، ويقرأ على سراج الزيت، ولكنه لا ينقطع عن الدرس والتحصيل من مطلع الفجر إلى ما بعد العشاء، ينتقل من شيخ إلى شيخ، ففي كل ساعة درس، ولكل درس كتاب، ولكل كتاب ساعة للتحضير والمراجعة، لا يدع الدرس إلا للصلاة في المسجد صلاة خشوع وتبتل، أو للأكل فيه أكل قناعة وتقشف، أو لشرب العرقسوس

стр. 77

أو الخرنوب. هذه ملذاتهم من دنياهم، لا يخرجون من المسجد إلا عصر الخميس، يؤمون الرياض والحياض، للاستجمام والاستحمام، لا يأملون من العلم مالاً وقد كان أقصى مرتب الشيخ الأزهري إلى عهد قريب ثلاثة جنيهات في الشهر، ولا يبلغها إلا نفر قليل، فراضوا نفوسهم على القناعة، وعودوها الصبر وألزموها الرضا. هذا المرصفي يحدّث عنه الأستاذ محمود حسن زناتي أنه كان في دار بالية في حي قديم وقد جلس على حصير ألقى عليه كتبه وأوراقه، ومن حوله خيط من عسل القصب مرشوش على البلاط يدرأ عنه هجوم البق () لم يمنعه هذا الحصير الخلق في هذه الدار البالية من أن يشرح عليه الكامل. وأورثهم هذا الفقر عزة في نفوسهم: أورثهم كبر العلم، وكل كبر مذموم إلا كبر العلم، فلم يكونوا يحفلون أحداً من أبناء الدنيا، لأنهم لم يتذوقوا لذتها حتى يداجوا فيها، ولم يميلوا إليها حتى يتزلفوا إليهم من أجلها. كسروا قيودها وتخلصوا من رقها، وهانت عليهم وهان أهلها. هذا هو اللورد كرومر، وما أدراك ما اللورد كرومر؟! يدخل على الشيخ محمد الأنبابي شيخ الأزهر، ويسلم عليه، فيرد الشيخ التحية وهو قاعد، فيعظم اللورد قعوده ويقعد إلى جنبه فيقول له مغضباً: «يا سيدنا الشيخ ألست تقوم للخديو؟»، قال: «نعم». قال: «فلم لم تقم لي؟»، قال: «إن الخديو ولي الأمر وأما أنت فلست منا». فيزيد ذلك اللورد إجلالاً له، ويكتبه في أحد تقريراته لحكومته (١). وهذا هو رياض باشا وكان رئيس الحكومة وناظر المالية (٢) يزور مدرسة دار العلوم، وكان الشيخ حسن الطويل مدرساً فيها، فلا يسلم الرئيس ويدخل حتى يبتدره الشيخ من آخر القاعة، فيقول له: «يا باشا أما آن لكم أن تجعلوني معكم ناظراً؟». فيدهش الباشا ويقول: «ما هذا يا شيخ حسن؟»، فيقول: «ما تسمع يا باشا»، قال: «فأي نظارة تريد؟»، قال: «المالية»، قال: «لماذا؟»، قال: «لأستبيح أموالها!» (٣) فذعر الباشا وخرج يرتجف، وقال لعلي مبارك باشا ناظر

стр. 78

المعارف: «لا بد أن تخرج هذا الرجل من خدمة الحكومة» قال: «كيف؟ وماذا أصنع مع علماء الأرض، وهو عالم عالمي؟» (). كذلك كانوا. زهدوا في الدنيا فجاءتهم الدنيا، وأعرضوا عنها فأقبلت عليهم، وهابوا الله فهابهم الناس، فكيف حالكم اليوم يا إخواننا الأزهريين؟ ... يا إخواننا، إن هذا الأزهر المعمور، لبث خمسمائة سنة من عمره، وهو منار العلم المفرد في الدنيا لولاه لتاهت في ظلمات الجهل، وهو حارس الدين واللغة، فأدركوه لا ينطفئ المنار، ويهجع الحارس، وتترك الدنيا للظلام وللّصوص. يا إخواننا، ما عاش الأزهر ولا عزَّ بالعلم وحده، وما العلم بلا عمل؟ ولكن عزَّ بالتقوى وبالعمل وبالخلق المتين. لقد كانت لعلماء الأزهر أخلاق لا أقول ضاعت ولكن اختفت عن الناس تلك الأخلاق، كانوا يجلُّون مشايخهم فيجلهم الناس كلهم. هذا هو الشيخ الباجوري شيخ الجامع كان يجلس بعد المغرب في الصحن فيقبل عليه العلماء والطلبة يقبلون يده، وكان الشيخ مصطفى المبلط وهو أكبر منه، ناظره في طلب المشيخة ولم ينلها، يندس فيهم ويقبل يد الشيخ، فانتبه إليه مرة فأمسك به وبكى وقال: «حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا. لا»، فقال الشيخ مصطفى: «نعم. وأنا! لقد خصَّك الله بفضل وجب أن نقره. وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك» (١)، وكانوا يقدمون العلم على المنصب، ويعرفون لأهله حقهم. هذا هو الشيخ الشربيني شيخ الجامع الأزهر يدخل مع الطلبة على الشيخ الأشموني حتى يلثم يده. وكان الأشموني ربما قال له: «إزّيك يا عبدالرحمن؟» فيكون الشيخ كأنما حيّته من فرحته بذلك الملائكة (١)، ولم يكونوا يدعون للعدو ثغرة يدخل منها إليهم، ويجعلون خلافهم إذا اختلفوا، بينهم. هذا هو الشيخ الأمير كانت بينه وبين الشيخ القويسني جفوة بلغت الحاكم، وزاره الأمير فسأله عنها، وأوهمه أن القويسني أخبره بها وكان

стр. 79

يريد معرفة حقيقتها ليزيلها. فقال الشيخ الأمير: «ليس بيننا إلا الخير، وما أظن الشيخ القويسني حدثك بشيء من هذا» وأثنى عليه ومدحه ونزل من عند الحاكم فمر به على ما كان بينهما وأنبأه بما كان، فقال القويسني: «صدقت في ظنك ما قلت للحاكم شيئاً» قال الشيخ الأمير: «هكذا أهل العلم يسوون أمورهم بينهم، أما مظهرهم فيجب أن يكون قدوة في التآلف إمساكاً على عروة الِإسلام، وحفظاً لكرامة العلم وزال بذلك ما كان بينهما" (١). ... فيا إخواننا الأزهريين، سألتكم بالغة، إرجعوا بالأزهر إلى سبيله التي درج عليها. أعيدوه سنته الأولى. أفيضوا عليه الدين والتقوى. والتقوى روح العلم، فإن فارقته كان جسماً بلا روح. أحيوا فيه أخلاق الأسلاف ليكن لكم تقاهم وزهدهم، فتكون لكم عزتهم ومكانتهم. يا إخواننا، لم نجد والله خيراً في الجامعة الأزهرية، فردوا علينا الجامع الأزهر (٢)! ...

стр. 80

الأمانة نشرت سنة ١٩٤٦ جعل النبي ﷺ للمنافق آية يعرف بها بين الناس، ومن آياته أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. وهذه الثلاث (الصدق والوفاء والأمانة) أركان الحياة الخلقية الاجتماعية، وقد تضافرت الآثار على ذم الكذب وأهله، ومدح الصدق وأهله، وبيان خطر الأمانة وأنها عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها (١)، وهنّ كنّ أقوى عليها، وحملها على ضعفه الإنسان؛ وأن المسلم ربما ألمّ ببعض الذنوب ولكنه لا يكذب أبداً كما جاء في الحديث. ثم إنك مع ذلك كله تجد المنتسبين إلى الإسلام اليوم، من أرباب الصناعات وأهل السوق، أكذب لهجة، وأخلف وعداً، وأضيع لأمانة من كثير ممن ليسوا مسلمين، حتى صار المثل يضرب بالوعد الشرقي في خلفه وإضاعته والتأخر عنه، وصار من يريد أن يؤكد وعداً يصفه بأنه (وعد أوروبي)! اللهم إن هذا لمن العجب العجاب!! ... إن الله بيّن خطر الأمانة، وأنزلها هذه المنزلة، وخوّف من حملها لأنها جماع الأخلاق، وسلْكة (٢) عقد الفضائل، وعمادها، فما من شعبة من شعب الأخلاق والخير الاجتماعي إلا إليها مردّها، وما خصلة من خصال الشر إلا والخيانة

стр. 81

أساسها وحقيقتها، وليست الأمانة هي أن تحفظ الوديعة حتى تؤديها إلى أصحابها (فقط)، فإن هذه صورة من صورها، وشكل من أشكالها، وإن السلطان في يد الموظف أمانة، فإن وضعه في غير وضعه، أو اتخذه وسيلة إلى جلب منفعة له أو لأسرته أو لأصحابه فقد خان أمانته، والدرجات أمانة في يد الأستاذ الممتحن يوم الامتحان، فإن أعطى منها واحدة لغير مستحقيها أو منع واحدة من يستحقها أو راعى في منحها شفاعة أو صداقة أو بغضاً أو موجدة فقد خان أمانته، والقدرة على الحكم أمانة في يد القاضي فإن زاغ عن الحق شعرة فقد خان، والعمل أمانة في يد الأجير المستصنع، فإن قصَّر في تجويده أو أفسد فيه شيئاً ولو كان الفساد خفياً لا يظهر فقد خان، واعتقاد الناس بك الصلاح والتقى أمانة في يدك، فإن اتخذت هذا الاعتقاد سبباً إلى جمع المال، وعملت من لحيتك العريضة وعمامتك المنيفة شبكة لاصطياد الدنيا، أو كتمت الحق ابتغاء الحظوة عند العامة أو الزلفى إلى الحاكم فهي خيانة، إلى غير ذلك من الصور والأشكال. بل إنك إذا دققت وتلطفت وجدت هذه الجوارح التي أعطاكها الله أمانة في يدك، فإذا نظرت بعينيك إلى حرام أو حركت به لسانك أو خطوت إليه برجلك، أو مددت إليه يدك، فقد خنت أمانتك، بل إن عمرك كله أمانة لديك، فلا تنفق ساعة منه إلا فيما يرضى (صاحب الأمانة)! فأين المسلمون اليوم من هذا؟ لقد رأيت من قلة الأمانة، عند الصناع والتجار والعلماء والجهلاء ومن يظنّ به المغفلون الولاية ويرونه قطب الوقت (١) ما لا ينتهي حديثه ولا العجب منه، وما خوفني الناس أن أعاملهم، حتى جعلني أحمل هماً كالجبل ثقلاً كلما عرضت لي حاجة لابد فيها من معاملة الناس، ولا والله لا أتألم من اللص يتسور عليّ الجدار ويسرق الدار، كما أتألم من الرجل يظهر لي المودة ويعلن التقى، فإذا كانت بيني وبينه معاملة، وتمكن مني أكلني بغير ملح وتعرَّق عظامي!

стр. 82

تذهب إلى الخياط الحاذق الذي ألفته وألفك واستمررت على معاملته عمرك، والخياط من شرور المدنية لا يستغنى اليوم عنه، وقد انقضى زمان كان الرجل فيه يخيط لنفسه أو يخيط له أهله، وكان الثوب يتخذ فيه لمجرد الستر والدفء، ولم يبق لك منجى أن تؤم الخياط تحمل إليه (الجوخ) الثمين، وتسأله أن يضرب موعداً لا يخلفه ينجز لك فيه ثوبك الذي تريده للعيد أو للزفاف أو للسفر، ولكل واحد من أولئك وقت لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فالعيد لا ينسأ لك في أيامه، والزفاف إن أعلنته لا يؤجل، فيعدك ويؤكد الوعد، فإذا جئت في اليوم الموعود وجدته لم يمس بعد قماشك، فإذا زجرته أو أنبته أخذك باللين وراغ منك وحلف لك مائة يمين غموس أنه نسي أو مرض، أو أنه لم يعدك في هذا اليوم ولكن كان (سوء تفاهم)، وأنك راجع في يوم كذا فواجد ثوبك معداً، وتعود ويعود إلى كذبه، حتى يمضي العيد أو الزفاف ولا يبقى للثوب فائدة، وربما جعله قصيراً أو ضيقاً أو (معتلاً) أو (مضاعفاً) أو (مجوفاً) ... أو على خلاف ما استصنعته عليه ولا حيلة لك فيه، ولا سبيل إلى إصلاح ما فسد، فتلبسه مكرهاً أو تلقيه في دارك حتى تأكله (العثة) والأرَضة. وهذه الحال من إخلاء المواعيد، واختلاق الأكاذيب، عامة في أرباب الصناعات في بلادنا لم ينج منها إلا الأقل الأقل ممن عصم ربك. ولقد وقع لي أني كنت على جناح سفر إلى العراق، وقد أعددت له كل شيء، واتخذت له مكاناً في السيارة ولم يبق إلا يوم واحد فخطر لي أن أبعث إلى الكواء (١) بحلتي الجديدة لكيّها حتى إذا نزلت بغداد لبستها صالحة، وبيَّنت له استعجالي ونفضت إليه قصة حالي، ونهيته أشد النهي عن غسلها، لأنه يفسدها ويؤخرني عن غايتي فما كان منه إلا أن غسلها، طمعاً بفضل أجرة ينالها، فأفسدها وجعلني أسافر وأدعها. وآخر من الكوائين غسل معطفي بصابون له مثل رائحة الخنازير الوحشية؛ فلم أستطع لبسه وحملته إليه ووبخته، فما كان منه إلا أن أنكر أن

стр. 83

يكون له تلك الرائحة (وإنها لتشم من مسافة فرسخ)، وقلت: شمّها أليس لك أنف؟ فشمها بمثل خرطوم فيل. وقال: ما بها شيء! فكدت أنشق من غيظي وقلت لجماعة عنده: شموا بالله عليكم. فمدوا أنوفهم إليها وعيونهم إليه، وقالوا بلسان واحد مثل مقالته؛ فاضطررت إلى أن أخرج فأدفع الثوب إلى فقير وإني لفقير إلى مثله! واحتجت مرة إلى عامل يصلح لي طائفة من المقاعد، أستقبل عليها ضيفي وأكرم بها زواري، وهي وحدها التي أخشى اللصوص عليها، لأنها خير ما في الدار، حاشا الكتب، فدلوني على رجل له دكان ظاهر في شارع كبير، وفوقه لوحة كتب عليها اسمه وصناعته ووصف براعته وأمانته، فأنست به وكان كهلاً مشقوق اللسان، وأخذته فأريته المقاعد واستأجرته لإصلاحها، ودفعت إليه أكثر الأجرة مقدماً، وتركته ووكلت أخاً لي صغيراً به، وذهبت إلى عملي لم أرجع إلا المساء، فوجدت الرجل قد بعج بطون الكراسي وأخرج أحشاءها وكسر عظامها وأرجلها، ولم يقدر على إعادتها سيرتها الأولى لأنه جاهل بالصناعة، فهرب وذهبت أفتش عنه حتى قبضت عليه، وأعدته إلى الدار، فاجتهد جهده، فكانت غاية ما استطاعه أنه جعل من مقاعدي المريحة آلات للتعذيب، ومقاعد للأذى، إن لم يشق ثوب القاعد عليها مسمار ظاهر منها، ثقبت ظهره خشبة بارزة، أو كان مجلسه على أحدّ من شوك القتاد، وقبض الأجرة كاملة غير منقوصة. ولو شئت أو لو شاء القراء لسردت ثلاثين واقعة، ما هذا الذي ذكرت بأشدَّ منها ولا أعجب، فأين تقع الأمانة من نفوس هؤلاء الذين يدعون أنهم من المسلمين. ... وكيف أصنع إذا كان هؤلاء (المسلمون) لا يوثق بهم، ولا يطمأن إليهم أأعامل الفرنسي والرومي والصهيوني وأقاطع بني ديني ووطني؟ أما إنه لخطب جسيم؛ فماذا تصنع المدارس ومعلموها والمساجد وواعظوها والصحف وكاتبوها، إذا لم يعلنوا على الخيانة حرباً لا هوادة فيها

стр. 84

ولا مسالمة حتى يكون النصر عليها؟ وكيف لعمر الحق يكمل لنا استقلال، أو تتم سيادة أو نجاري شعوب المدنية ونسابقها، إذا لم تسد الأمانة فينا، وإذا كان الواحد منا لا يستطيع أن يطمئن إلى أخيه ولا يعتمد على أمانته؟ وإذا كنا نقلد الغربيين في الشرور فلماذا لا نقلدهم في الصدق في المعاملة والوفاء بالوعد والاستقامة في العمل؟ أما إن من أشكال الأمانة وصورها، أن القلم المتين، واللسان البليغ، أمانة في يد الكاتب والخطيب، فإذا لم يستعملاهما في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الإصلاح، كانا ممن خان أمانته، وأضاعها، وفرَّط فيها؛ فلينظر لنفسه كل كاتب وشاعر وصحفي وخطيب! ***

стр. 85

دفاع عن الفضيلة نشرت في مصر سنة ١٩٤٦ هال بعض المصلحين منذ سنتين ما رأوا من فشوّ التبرج والاختلاط في دمشق البلد العربي المسلم، فقاموا يدافعون عن الفضيلة المغلوبة ويردّون الرذيلة الغالبة، وانقاد إليهم الناس، لأن الكثرة الكاثرة من أهل دمشق لا تزال متمسكة بدينها، ولا تزال نساؤها في الحجاب الساتر، ومشت الأمور في طريقها وكادت تصل إلى غايتها، ودعاة الفجور ينظرون ويتحرقون ... لولا أن دفعت الغيرة على الأخلاق الإسلامية والسلائق العربية بعض العامة إلى الدخول على النساء في السينما وإخراجهن منها وترويعهنّ، وإلى التجوال في البلد ونصح كل متبرّجة ووعظها وزجرها ... وقد أنكر العلماء وعقلاء البلد ذلك عليهم فكفوا عنه وأقلعوا، ولكن دعاة الفجور لم يرضهم أن تنتصر دمشق للفضيلة وأن تهدم عليهم عملهم على رفع الحجاب وإباحة الاختلاط، فاستغلوا عمل هؤلاء العوام وأعلنوا إنكاره وكّبروه وبالغوا في روايته، وذهبوا يقيمون الدنيا ويبرقون البرقيات ويُرعدون بالخطب، وما أهون الإبراق والإرعاد، وما أسهل إثارة الشبان الفاسقين على الستر والحجاب، باسم (الحرية الشخصية) التي تمتع عيونهم بما وراء الحجاب من جمال، وتُنيلهم ما بعد حدود الفضيلة من لذائذ! أيخرجون النساء من السينما؟ أيعرضون بالنصح للمتبرجات الكاشفات؟ يا للحدث الأكبر، يا للعدوان على الحرية الشخصية التي ضمنها الدستور! أليست المرأة حرة ولو خرجت عارية؟ أليس الناس أحراراً ولو فسقوا وفجروا؟ أليس كل امرئ حراً ولو نقب مكانه في السفينة (١) فأدخل إليها الماء فأغرقها وأهلها؟!

стр. 86

كذلك فهم الحرية هؤلاء الجاهلون ... أو كذلك أراد لهم هواهم، وشاءت لهم رغباتهم الجنسية وميولهم النفسية أن يفهموها، ودفعوا الصحفيين فلبثوا أياماً طوالاً لا كلام لهم إلا في الدفاع عن (الحرية ...)، وهاجوا (١) بعض النواب، فجرب كل واحد منهم أن يتعلم الخطابة في تقديسها، ثم عمدوا إلى فئة من خطباء المساجد حاموا عن الفضيلة، فساقوهم إلى المحاكم سوق المجرمين، وأدخلوهم السجون، وجرعوهم كؤوس المهانة، حتى صار من يذكر السفور بسوء، أو يدعو إلى الفضيلة والستر كمن يدعو إلى الخيانة العظمى، وصار النساء إذا رأين شيخاً في الطريق شتَمْنَه وسخرن منه، وتوارى أنصار الفضيلة من وجه هذه العاصفة الفاجرة الهوجاء، وهم جمهرة أهل الشام وعلماؤهم وأفاضلهم وعقلاؤهم، وحسب أولئك أن الظفر قد تم لهم، وأن أهل الدين قد انكسروا كسرة لا تجبر، فكشفوا القناع وانطلقوا يسرحون وحدهم في الساحة ويمرحون ... وكانت النتيجة أن انْحَطَم السدّ فطغى سيل الرذيلة وعم، وامتد في هاتين السنتين أضعاف ما امتد أيام حكم الفرنسيين الذين هم أفسق الناس، وهذه حقيقة نثبتها بأسف وخجل ... وكانت النتيجة أن ازدادت جرائم التعدي على العفاف واستفحلت حتى رأيت المحاكم من يتعدى على عفاف بنته وأخته، ومن يفجرُ بطفل رضيع، وماذا يصنع هذا الوحش الذي أثارت (الحرية الشخصية) غرائزه فلم يجد إلا البنت والأخت أو الطفل الرضيع؟ وكانت النتيجة أن دمشق التي تستر بالملاءة البنت من سنتها العاشرة شهدت في يوم عيد من أعياد الوطن، بنات في السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن، ترتج نهودهن في صدورهن، تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة. وشهدت بنتاً جميلة زينت بأبهى الحلل، وألبست لباس عروس، وركبت السيارة وسط الشباب -قالوا إنها رمز الوحدة العربية-. ولم يدر الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها، ومشى الموكب أمام الناس وفيهم والد هذه البنت لا يستحي ولا يخجل، وأخرى قالوا إنها رمز سورية الأسيرة قد فكت قيودها ... وأمثال

стр. 87

هذا الهذيان الذي لا معنى له إلا استغلال العيد الوطني في هدم أركان الفضيلة وتمزيق حجابها ... وأخذت صور هذا كله فنشرت في الجرائد وعرضت في السينمات، ثم ازدادت جرأة الناس على نقض عرى الأخلاق حتى رأينا صور رجال منا مع نسائهم على (بلاج) الإسكندرية منشورة في مجلة من المجلات التي لا تدع فرصة فيها تشهير بنا وفضح لنقائصنا إلا استغلتها، ثم ازدادت الجرأة حتى صارت مجلات دمشق تنشر صور العرايا فيشتريها الشباب لهذه الصور، لأنه ليس فيها ما تُشترى له. ثم ... ثم ماذا؟ الله وحده الذي يعلم ماذا يكون أيضاً، وإلى أين يبلغ بنا المسير ... وقد نزلت هذه الضربات على وجه الفضيلة متلاحقة متتابعة لا تصحو من واحدة حتى تحس بالأخرى، وهم يريدون منا مع ذلك أن نسكت وألا نقول شيئاً، لئلا نشوّه (زعموا) جمال العهد الوطني. كلا. إن العهد الوطني هو الذي تنتصر فيه الفضيلة ويسود الحق ويحفظ العفاف ... كلا، ولا كرامة، إنها أعراض بناتنا وأخواتنا، ولو غير الأعراض لهاوَدْناكم عليها، ولكن لا هوادة في العِرْض!. إنها حياة هذه الأمة: لا تحيا أمة بلا أخلاق، أفئن قامت فئة من العامة بما لا نرضى عنه، وانتهكت حرمة هذا الحرم الأقدس: السينما، وتجاوزت على حريات الفاضلات المطهرات: النساء المتبرجات ... نسكت كلنا عن نصرة الفضيلة إلى يوم القيامة؟. إن الأمور ما يتفق عليه أبناء الملل كلها، وما يلتقي فيه أتباع الأديان جميعاً كما يلتقي سالكو شوارع مختلفة في ساحة من الساحات، ومن ذلك الدعوة إلى العفاف، إنها دعوة لا بد منها، فإذا لم يريدوها عن طريق الجمعية الغراء والمشايخ، فلتكن عن طريق غيرهم، المهم أن يجهر بها جاهر ونحن معه مؤيدون له ومحاربون لمن يحاربه، ونحن نريد الجوهر لا المظهر.

стр. 88

ثم ما هذه الحرية التي طبّلتم لها وزورتم، وهوّلتم وعظمتم، وجعلتم الاعتداء عليها كفراً بدين الحضارة والديمقراطية، أهي حرية المرأة أن تكشف ما تريد من جسمها متى أرادت وأين شاءت؟ أهي حرية ناظر المدرسة في أن يحوّل مدرسته إلى مرقص؟ أهي حرية الفسوق والعصيان؟. أهذه هي الحرية المقدسة؟. إنكم -أيها السادة- بين أمرين: إما أنكم تقولون ما لا تفهمون، وإما أنكم تسترون بهذه الأسماء الحلوة أغراض نفوسكم ورغبات أجسادكم؟ وإلا فخبروني أي أمة في الدنيا تصنع هذا الصنيع: العرب؟ إن العرب أغير الناس على الأعراض، وإن كلمة العرض في لسانهم لا يقابلها كلمة في ألسنة الأمم تترجم بها!. المسلمون؟ إن الإسلام أمر بغض البصر وستر العروة، ولعن الناظر إليها والمنظور! الفرنسيون؟ إن الفرنسيين يكشفون أفخاذ الشباب في الملعب فعلام تكشفونها أنتم في سوق الحميدية وهو للبيع والشراء، وفيه الرجال والنساء وهو كالموسكي في مصر والشورجة في بغداد، ما كان قط ملعباً ولا ميدان كرة، وإن الفرنسيين ينشؤون بيوتاً للهو واللذة، وبيوتاً للعلم، وأنتم جعلتم بيوت العلم بيوت لذة ولهو، وإن الفرنسيين كانوا يسترون سيقان الجند، فلما استلمتم أنتم أمرهم كشفتم عن أفخاذهم (١). الروس؟ إن الروس فصلوا بين الجنسين في المدارس لما رأوا بالتجربة أن الاختلاط لا يأتي بخير، وأنتم تسعون الآن بكل طريق لجمع الجنسين في المدارس. العفاريت؟ الجن؟ فمن إذن؟ أنكون نحن بدعاً في الأمم نأخذ من كل واحدة شر ما عندها، ونريد أن نبدأ حياتنا الاستقلالية بهذا الخليط من الشرور

стр. 89

مركباً تركيباً مزجياً، كحضرموت ... إنه والله طريق الموت الحاضر لا طريق الحياة!. لا. لم أرد أن أنحو في هذا الحديث نحو الخطابيات، ولم أنشئه لأخاطب به العواطف وحدها، ولكن نحوت فيه نحو التدليل والتعليل، وقررت حقائق بأدلتها، وأنا أدعو إلى مناظرتي فيه كل مخالف في رأسه عقل، وفي يده قلم، وفي فمه لسان ... ولم أوجه للمسلم وحده، بل لكل من قال أنا عربي، لا أخص مسلماً ولا مسيحياً، لأن من صفات العربي التي تقوم عليها عروبته الشهامة والغيرة على الأعراض، ومن ادعى العربية ولم تكن له على العرض غيرة، ولم يغضب لحرمة فهو كذاب دعي ليس بعربي. وسيقول ناس من القراء: هذا رجل معروف بالدعوة إلى الرجعية فلا تسمعوا له إنه يريد أن يعود بنا إلى الوراء، ونحن نريد أن نتقدم. وهذا كلام لا يناقش ولا يرد عليه، إنما يناقش كلام مؤيد بحجة، إنما يدفع اعتراض قائم على منطق، إنما يقرع الدليل، فهل في هذا الكلام حجة أو منطق أو دليل؟. إنهم حفظوا كلمات فهم يرددونها لا يحاولون فهم معناها، يقولون: رجعية. وما الرجعية؟ هي الرجوع إلى الماضي، أي إلى أخلاقه وعاداته، فما يمكن أن يرجع إلى زمان مضى، فهل الرجوع إلى مثل أخلاق المسلمين الأولين نفع أو ضرر؟ وهل يكون الداعي إلى تلك الأخلاق مصلحاً أو مفسداً؟. هذه هي الرجعية!. هي رجوع إلى الدين، أفترجع فرنسا إلى دينها، أي إلى كاثوليكيتها، ويظفر الحزب الديني فيها بارز مقاعد المجلس النيابي، فلا ينكر عليها أحد، ولا يتهمها بالتأخر، ولا يصمها بالجمود. ونطلب نحن العودة إلى ديننا الحق، فيقول السفهاء أنا متأخرون جامدون؟.

стр. 90

لا. هذا كثير! هذا كفر بالمنطق، وتعطيل للفكر، وإلحاد في المدينة. هذا شيء نستحي من الأمم أن يكون فينا من يقوله!. ونحن إذ ننتقد شيئاً نبين أضراره، فبينوا أنتم منافعه، حتى إذا وجدنا المنافع أكثر أخذنا به، ولو حملنا معه شيئاً من الضرر، ونحن نعلم أنه ليس في الدنيا خير محض ولا شر محض، وإن الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما، فلذلك حرما. فتعالوا نتناظر!. إنه لا بد في كل مناظرة من مبادئ يتفق عليها الطرفان ليعودا إليها، ويرتكزا عليها، وما المنطق إلا رد الفروع إلى هذه الأصول، فإذا كان المتناظران مختلفين في كل شيء، يرى هذا أن العفاف نافع فيقول الآخر بل هو ضار، ويدعي هذا أن اتباع الدين واجب فينكر الآخر هذه الدعوى، ويرى هذا العمل على منع الفجور، ويرى ذاك العمل على نشره ... فلا يمكن أن يكون بينهما كلام؟. فلنتفق أولاً على الأصول: هل العفاف وقصر الاتصال الجنسي على المشروع منه خير أم شر؟. هل قيام المرأة على تربية أولادها بنفسها وإخلاصها لزوجها وبيتها خير أم شر؟. هل مراقبة الله وخوفه وتمسك كل امراء بفضائل دينه خير أم شر؟ هذه ثلاث مسائل أطلب الجواب عليها. وإنه ليكون غروراً مني وازدراء للخصوم وللقراء، إذا افترضت أنهم يرون هذه الأمور شراً، وحاولت إقامة البراهين على أنها خير وأتعبت نفسي والقراء في إثبات هذا الأمر الذي أظنه ثابتاً عند العقلاء جميعاً، وإني أؤجل هذا الإثبات إلى حين الحاجة إليه وأبني المناظرة على هذه الأسس الثلاثة.

стр. 91

فتفضلوا قولوا، هل هذا الذي نحن فيه يحفظ علينا عفافنا أم هو مضيعه علينا؟ هل يعمر بيوتنا أم يقوضها على رؤوسنا؟ هل يرضي ربنا أم يسخطه علينا؟ هل يجعلنا أمة قوية أم هو يذهب بقوتنا؟. وإذا سلمنا جدلاً بأن من الخير مشاركة الطالبات الطلاب في أفراح الجلاء، فهل يشترط في هذه المشاركة أن يكشفن سيقانهن وأفخاذهن، وأن ينتخب لها الجميلات منهن لا النابغات ولا المجدات ولو كن قبيحات. وإذا لبسن الجوارب الساترة والثياب الطويلة أيبطل رواء العيد وتذهب بهجته؟ أم أنتم تريدون النظر إلى أفخاذهن بحجة المشاركة في أعياد الجلاء؟. وإذا حسُن أن نقوي بالرياضة أجساد الطالبات، فهل يشترط في هذه التقوية أن يختلطن بالرجال؟. لا والله، أحلفها يميناً غموساً وأضعها في عنقي ... إنكم لا تريدون الصحة ولا الرياضة ولا المشاركة بالعيد إنما تريدون التلذذ بمرأى بناتنا باسم العيد والرياضة والصحة، إنكم لصوص أعراض ... ولكن ليس الحق عليكم، الحق علينا نحن آباء الطالبات والطلاب، فنحن عميان لا نبصر، خرسان لا ننطق، حمير لا نغار، وإذا استمرت هذه الحال فليس أمامنا إلا اللعنة التي نزلت على بني إسرائيل، على لسان داود وعيسى بن مريم. اللهم لقد بلغت، اللهم لقد أنكرت المنكر. اللهم لا تنزل علينا لعنتك، ولا تحلل بنا غضبك. ***

стр. 92

من أخلاقنا نشرت سنة ١٩٤٧ أعرف رجلاً أنعم الله عليه بسعة المال، وفطره على صدق الود وبسط اليد فأباح إخوانه ماله، يغترقون منه اغتراقاً، ويأخذون منه علاً ونهلاً، قرضاً حسناً لا يطالبون برده، وهدية لا يسألون المقابلة بمثلها، وهبة لا يُرتقب منهم عوض عنها، ولا يسمعون كلمة منّ أو تذكير بها. وفَتَح لهؤلاء (الإخوان) -وما كان أكثرهم- داره، وأفرد لهم جناحاً فيها لا يدخله أحد من حرمه وأهله، وأقام عليهم خادماً وطاهياً، وانقطع فيه لاستقبالهم قادمين بالبشاشة والترحيب، وإيناسهم مقيمين وخدمتهم، وتوديعهم راحلين مشيعاً إياهم بالكرامة، شاكرهم على (تفضلهم) بالزيارة، سائلهم (التكرم) بالعودة. ولبث هذا الرجل على ذلك حتى أضاع ماله كله، فباع الدار وأثاثها، وغدا فقيراً يحتاج إلى (الورقة السورية)، فلا يجد في كل أولئك (الإخوان) من يدفعها إليه، لا وفاء دين، ولا مقابل هدية، ولا عوضاً من هبة، ولا قرضاً حسناً إلى أيام السعة، اللهم إلا قرضاً بربا، ولا يرضى المرابون أن يقرضوا مفلساً. ... ولعلّ الرجل أخطأ حين عمد إلى هذا (الكرم الجاهلي) فأخذ به، وترك التأدب بأدب القرآن الذي يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾؛ والذي جعل المبذرين إخوان الشياطين. ولعله لقي جزاءه ... فما سقت القصة للحكم عليه، وإنما قصصتها لأنها ذكرتني بطائفة «من أخلاقنا»، هي كالداء في جسم الأمة، لا يجمل بالكتَّاب وحملة الأقلام السكوت عنها والرضا بها، وهم أطباؤها وأساتها، وعندهم دواؤها.

стр. 93

ذكرتني بما نكاد نراه كل يوم من الحوادث وما يكاد يعرف له كل قارئ شبيهاً ومثيلاً، حين يأتيك الرجل من أصدقائك أو جيرانك متذللاً متواضعاً، مظهراً للتقى والأمانة، يسألك أن تقرضه مالاً قد تكون أنت في حاجة إليه في يومك أوغدك ويذكرك الكرم والثواب؛ وربما استعان عليك بمن لا يرد طلبه عندك فتعطيه ما يريد، تضعه في كفه خالياً به، تستحيي أن تشهد عليه شاهداً، أو تأخذ به كتاباً، مع أن الله أمر بكتابة الدين إلى الأجل المسمى أمر ندب واستحباب، لا أمر إيجاب وافتراض، فيأخذه منك ويذهب شاكراً فضلك، مثنياً عليك ثناء يخجلك ويضايقك؛ ثم لا تراه بعد ذلك ولا تبصر له وجهاً فتفتش عنه لتسأله رد المال وقد انقضت مدة الدين، وتجددت حاجتك إليه، فيروغ منك، وينأى عنك ... فتطرق بابه، فيقال لك هو غائب عن الدار، فتعود إليه في الصباح فيقال هو نائم، فترجع بعد ساعة فيقال خرج ... فتبتغي إليه الوسائل وتتشفع إليه بالأصدقاء ... فيلقاك شامخ الأنف مصعّراً خده، يقول: (يا أخي، أزعجتنا بهذا الدين ... ما هذا الإلحاح الغريب؟ أتخاف أن آكله ... !) وينتهرك وأنت تداريه ... ثم إن كان (رجلاً طيباً) دفع إليك الدين، ولكن قرشاً بعد قرش، و (ورقة) (١) بعد (ورقة) فتريق في استيفاء دينك ماء وجهك، وتنفق فيه الثمين من وقتك، ثم لا تنتفع منه بشيء. وإن لم يكن (صاحب ذمة) أكل الدين كله، وصرخ فيك حيثما لقيك: (ما لك عندي شيء. اشتك للمحاكم!)، وهو يعلم أنه لا سند في يدك، ولا بينة لك عليه ... وهبك أخذت منه كتاباً بدينك، أفتصبر على طول المحاكمة ومتابعتها وتأجيلها وتسويفها، و (رسومها ومصارفها) .. إن ضياع المال أهون من إقامة الدعوى به (٢). ومثل هؤلاء المقترضين (الأفاضل) مستعيرو الكتب، أولئك الذين تركوا في قلبي غصصاً حلفت بعدها بموثقات الأيمان أني لا أعير أحداً كتاباً. ولم أنج

стр. 94

مع ذلك منهم، ولم يردّ لي إلى الآن كتاب «كشف الظنون» الذي نسيت من استعاره مني منذ إحدى عشرة سنة ... ولهؤلاء المستعيرين نوادر شهدت منها العجب، منها أن أستاذاً محترماً في قومه جاءني مرة يلتمس إعارته جزءاً من تفسير الخازن من خزانة كتبي، ليراجع فيه مسألة ويرده إليّ عاجلاً، ففعلت؛ وانتظرت أربع ... أربع سنوات والله ثم ذكرته به؛ فغضب وقال: «لإيش العجلة يا أستاذ، لم أراجع المسألة بعد ...»! والذي يذكر منهم صاحب الكتاب ويتنازل فيرده إليه، يرده مخلوع الجلد ممزق الأوصال. وأنكى منه المستعير المحقق المدقق الذي يرى في الكتاب موطناً يحتاج إلى تعليق، فيكتب التعليقة التي يفتح الله بها عليه، على هامش كتابك بالحبر الصيني الذي لا يمحى ولا يكشط، ويذيّلها باسمه الكريم!! وشر من هؤلاء جميعاً الثقيل الذي يتظرف ويتخفف، فيرى أن من الظرف سرقة الكتب، فإذا زارك وتركته في المكتبة وخرجت لتأتيه بالقهوة أو الشاي أخذ كتاباً فدسّه تحت إبطه، أو وضعه في جيبه ثم ذهب به وأنت لا تدري (١) .. ... وربما كان هذا المدين المماطل، وذلك الذي يأكل الدين وينكره، والذي يستعير الكتاب ويمسكه، ربما كانوا عند العامة من أقطاب الوقت وأولياء الله الكبار؛ ذلك لأن الناس جهلوا حقيقة التقى وبدلوا معناه، فكان التقي في صدر الإسلام هو الذي يتقي المحارم والمظالم ما ظهر منها وما بطن، ولا يدخل جوفه ولا جيبه إلا طيباً حلالاً، ويفر من مواطن الشبهات، ولا يطلب المال إلا لإمساك الرمق ونيل القوام، والعيش عيش القناعة والرضا، ولا يأخذه إلا من حلّه. ولم يكن الرجل ليشهد للرجل بالتقوى إلا إن صحبه في سفر، أو عامله في

стр. 95

مال؛ فصار التقي اليوم من يكبّر عمامته، ويطّول لحيته، ويوسع كمه، ولا تفارق يده سبحته، ولا يقف لسانه عن ذكر؛ ومن يتوقر ويطيل المكث في المساجد. وهذا كله حسن لا اعتراض عليه، غير أن حسنه ينقلب قبحاً أبشع القبح إذا اتخذه صاحبه أحبولة يصطاد بها الدنيا، كذلك الذي كان وصياً على أيتام ضعاف لا يملكون حيلة، اغتر أبوهم بلحيته وسبحته فوصى بهم إليه، فجرعهم كؤوس المذلَّة والجُوع، ونشأهم في الأزقة نشأة اللصوص، وأكل أموالهم وهو يقرأ كل يوم بصوته الجميل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وهو مع ذلك لا ينقطع عن الأذكار وحلقاتها، ويجهر بالبكاء إذا سمع الموعظة ... وينكر أشد الإنكار على من يهمل السنن فيشرب بشماله أو يحلق لحيته، والناس يتبركون بلثم يده. فكيف السبيل إلى إفهام هؤلاء الناس ما هي حقيقة التقى كيلا يعظموا اللص ويجعلوه ولياً مباركاً، ولا يغتروا بالصلاح المجاني الذي لا يكلف صاحبه مالاً، بل يجمع به المال، ويعلموا أن الله الذي وضع في نفوس الشباب شهوة الجسد وضع في نفوس (هؤلاء) المشايخ (لست أعني المشايخ كلهم) شهوة المال، وأنه لا فضل لأحدهما على صاحبه؛ وأن الشيخ التقي هو الذي لا يقيم للمال وزناً، ولا عبرة بغضه البصر عن النساء واتباعه سبيل العفاف؛ وأن الشاب الصالح هو الذي لا تغلبه على نفسه تلك الشهوة ولا عبرة ببذله المال ... ... لقد انحدرت أخلاقنا حتى صار الشاب منا حين يخوض خضم الحياة، ويرى الاختلاف بين ما علموه من الأخلاق في المدرسة، وما تواضع عليه الناس في الحياة، يقف حائراً مدهوشاً لا يدري ما يأخذ وما يدع؛ فلا هو يرتضي لنفسه التفريط في أخلاقه: صدقه وأمانته وعزة نفسه، ولا هو يرتضي الحرمان من المتع واللذائذ والمناصب العالية والمرتبات الكبيرة يناله جزاء تمسكه بما علّموه من الأخلاق. حدثني صديق لي أنه انتسب في شبابه إلى الشرطة، فجعلوه رئيس مصلحة السير في بلدة من بلاد الشام، وكان ذلك منذ خمس وعشرين سنة أو أوفى من ذلك، وكان مقره في (مخفر) في ظاهر البلد، فمر عليه رتل من

стр. 96

السيارات فيه حجاج آيبون، وكان نظام تلك الأيام أن سيارة لا تجتاز على مخفره إلا بوثيقة وإذن، لا أدري ما صفتهما فقد نسيت دقائق حديثه، ولم يكن معهم ذلك (الإذن) فوقفهم ومنعهم من المرور إلا به. (قال) فغاب السائق هنيهة ثم عاد وفي يده صرة وضعها على مكتبي فيها أربعون ريالاً مجيدياً، وقال هؤلاء حجاج آيبون يريدون التعجيل بالوصول ... وهذه الصرة ثمن (فنجان قهوة) رجاء السماح لهم ... إلخ. قال: فلما سمعت ذلك قفَّ شعري وصحت به: أتريد أن ترشوني يا كذا وكذا، وأمرت به فوقف، واستلمت الهاتف (التلفون) أهتف بمدير الشرطة أرفع إليه الأمر وأنا أرى أنه سينزل به أشد الجزاء، فإذا به بأمر بإطلاقه، ويأذن للسيارات بأن تسافر على خلاف النظام، وأن يبعث إليه بالمال ليجري التحقيق. (قال صديقي) وذهب المال ولم يعد، وتركت العمل. ولو أني بقيت لطرحت عن عاتقي ثقل الأخلاق التي تجعلني غريباً بين زملائي، وتحرمني الغنى، وتكسبني غضب الرؤساء فلا يصيبني ترفيع، ولا يصل إلي خير. وليست هذه القصة فريدة في بابها، ولا هي نادرة من النوادر، بل هي قصة كل يوم، وهي الداء الذي يزداد ويسيطر والأسرة عنه غافلون. وأين أسرته وأهل السياسة مشغولون بالقتال على كراسي الحكم، هي الدنيا لهم وهي الأخرى، وأهل الأدب بين نائم يستمتع بشهي الأحلام، ومستيقظ قد ألهاه هواه، فهو يملأ الدنيا بكاء ونحيباً لأن صاحبته أسهرته بعدّ النجوم ولم تأته ... أو أنها قد وعدته بقبلة ثم وجدت أجمل منه أو أفسق فأعطته إياها. وأهل العلم يعيش أكثرهم على هامش الحياة لا همَّ له إلا مرتبه يقبضه من (دائرة الأوقاف) في مطلع كل شهر، ثم لا تراه ولا يراه أحد إلى الشهر الذي بعده، أو (حاشية) يقرؤها ويعيدها على من حضر مجلسه قراءة تبرك لا قراءة تحقيق، فلا يرجع ولا ينتقد ولا يقابل قانوناً على قاعدة فقهية، ولا ينظر مشكلة من مشاكل العصر ليرى حكمها. ومن اشتغل منهم بالمسائل العامة أخذ نفسه بالاهتمام بأمر لا يقدم في الدين ولا يؤخر، ولا يتوقف عليه إيمان ولا كفر. والشباب الناشئون لجهلهم حقائق الإسلام، وبعد ما بينهم وبين المشايخ، وقصر أيديهم وأفهامهم عن نيل الكتب (ذات الشروح والحواشي) قد زهدوا في كل ما هو شرقي واستهانوا به،

стр. 97

وعظموا ما يقابله من كل حماقة دعيت مذهباً اجتماعياً، وكل سفسطة سميت فلسفة، وكل كفر بالدين والعرض دعي أدباً، وأعانهم على ذلك أن أكثر المدرسين من الذين لم يقدر لهم فهم علوم الإسلام والغوص على كنوز كتبه، ولست أطلق القول وأجنح إلى التعميم، فإن في كل فئة من هؤلاء الطيبين والمصلحين، ولكن الكثرة على نحو ما ذكرت. فمن أين يرجى إصلاح أخلاقنا وأوضاعنا؟ ومن أين يرجى لأخلاقنا صلاح، ولم نتفق بعد على (الأخلاق) التي ينبغي أن نتخلق بها، فمنا من يرى المثل الأعلى في أخلاق الجاهلية: كرم إلى حد التبذير، وشجاعة إلى حد التهور، كصاحبنا الذي استهللت بحديثه هذا المقال، وعامة طائفة (الزكرت) في الشام، (وهي أشبه بالفتوة في مصر) وأكثر البدو، ومنا من يميل إلى التخلق بأخلاق أجدادنا في القرن الماضي على ما كانت عليه بلا زيادة عليها ولا نقصان منها، ومن يخالفهم مخالفة الضد للضد فيرى أن نقتبس الأخلاق الغربية برمتها. ويتشعب بهؤلاء الرأي فيميل كل إلى الأمة التي تعلم في مدارسها أو رحل إلى أرضها؛ ومن يرى اقتباس الجيد النافع من كل أمة من غير أن يحدد أو يعين. ولا دواء لهذه الفوضى في رأيي، ولا صلاح لأخلاقنا، إلا بالرجوع إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به سيدنا وسيد العالم محمد ﷺ ، لا الإسلام الذي يفهمه الحشويون والمتاجرون بالدين، ولا الذي نفهمه العامة. فإذا فعلنا فثمة كل خير، ولا يكون ذلك إلا إذا شمر العلماء وحققوا المسائل، ودرسوا المشكلات، وألقوا عن المصنفين الأولين رداء التقديس، واستمدوا الأحكام من موردها ثم ترجموا هذه الكتب القديمة إلى لغة العصر. ***

стр. 98

داء الشباب نشرت سنة ١٩٣٨ وهل داء الشباب إلا الميل الجنسي الذي يملأ نفوسهم، ويسيطر على أرواحهم، ويتراءى لهم في كل جميل في الكون، شيطاناً لعيناً يقود إلى الهاوية وإبليساً (١) من أبالسة الرذيلة، يدعو إلى دين الهوى، وشرع الشهوات، ويحدر عقل من يستجيب له فينزل به من مكانه في الرأس إلى غير مكانه، ويجعل صاحبه عبداً للجسم، مؤتماً بالشيطان؟ وهل يأتي ممن كان إمامه إبليس، وشرعه هواه، إلا قطّ في شهر شباط؟ بل ما يبلغ والله أن يكونه، فإن القط تشغله الشهوة شهراً في العام وسائر أيامه للصيد والوثب والسعي للرزق وما خلق الله له القطط، وعبد الشهوة من الناس تتعبده الشهوة في كل حين ... وللقط طريق واحد إلى بلوغ شهوته هو (الطريق) الذي (شقه) الله لبقاء الجنس، تبعاً للسنة التي سنها، أما عبيد الشهوة من البشر فلهم مائة طريق، تسعة وتسعون منها تخالف سنة الله، وقوانين الحياة، وتأباها العجماوات، ويترفع عنها الحمير، ولا يرتضيها لنفسه (صاحب اللعنات) إبليس ... والقط في شهر الشهوة، لا ينسى قِطّيته (٢) ولا يدع صيد الفار، ولا السعي للعيش، والرجل إذا تعبدته الشهوة ينسى إنسانيته، ويهمل الواجب عليه، ويقعد عن المشي في مناكب الأرض في طلب الرزق، بل لقد تبلغ به السفاهة والجهالة أن يفرَّ من الحياة منتحراً جباناً ذليلاً لأن ... لأن امرأة لم تعطه من نفسها الذي يريد، ولو عقلَ عقل القط لتركها إلى غيرها، وليس

стр. 99

يبالي القط ما دام قد قام بقسطه من حفظ النسل، أكانت صاحبته بيضاء مبرقشة أو سوداء حالكة، ولم نعهد قطاً قطع نفسه بأسنانه، أو ألقى بها في البركة، حزناً على حبيبته (القطة) ... والقط (بعد ذلك) يبقى عزيزاً يطارد القطة مرفوع الرأس، مشدود العضل، بادي القوة، والرجل إذا استعبدته الشهوة يصبح ذليلاً حقيراً، كافراً بالرجولة، فيهمل درسه إذا كان طالباً لأن صاحبته (أو شيطانته) لم تدع له وقتاً ولا عقلاً للدرس؛ وإذا كان موظفاً أنسته عيناها أمانة العمل، وحرمة المصلحة، وواجب الشرف، وقدسية العدل؛ وإذا كانت صاحبة سره (سكرتيرته) في تجارته، نسي التجارة، وأضاع الأمانة والربح، وأهمل السعي والعمل ... فلا يكون من وراء الشهوة إلا ذل النفس، وموت الشرف، والضعة والتسفل: المعلم سيد تلميذته، والمدير أمير سكرتيرته، والطالب عزيز حيال رفيقته، فإذا جاءت الشهوة، ذل المعلم فكان هو التلميذ وهي السيدة، وذل المدير فكان هو الأجير وهي الآمرة، وذل الطالب فكان من رفيقته بمثابة كلبها ... يتبعها ويبصبص لها! أو ليس من الذل أن تكون حياتك معلقة بغيرك، وسعادتك بيد سواك، فأنت مضطر إليه، وأنت لعبة في يديه، إن أقبل عليك سعدت، وإن أعرض شقيت، وإن مال إلى غيرك اسودت أيامك، وتمنيت الموت؟ هذا والله الذل الذي لا ينفع معه المال الكثير، ولا الجاه العريض، ولا ... «ملك إنكلترا وتوابعها ...» (١)، وهذه هي حقيقة الحب، الحب الذي ألهه الشعراء!. ... على أن الحب في الأصل جميل، وعلى الحب قام الوجود كله وائتلف وسار إلى غايته، والشهوة نافعة لازمة لم تخلق عبثاً، ولا أداة للشر، بل خلقت حياة للجنس وعصمة من أن يمحي أو ينقرض، ولسنا نحقر الحب ولا نذم الشهوة،

стр. 100

وإنما نذم الغلو فيهما، وولوجهما من غير بابهما، وأخذهما على غير الوجه الذي خلقه الله لهما ... نذم منطق الشهوة، وللشهوة منطقها الذي يسلب الدّين دينه والحكيم لبَّه، ويريه أن له الحق في كل النساء، وأنه لم تخلق امرأة إلا للذته (هو) ومتعته، ويصنع له إبليس أدلة هذه الدعوى فيقبلها بعقله الذي انحدر من رأسه، ويتلقاها بأعصابه الهائجة المجنونة، ثم يدله إبليس على سبل تحقيقها، فيسلكها لا يبالي الدين ولا العرف ولا المروءة ولا شيئاً مما تواضع على إجلاله الناس ويتم إبليس عمله، فيدخل في رؤوس نفر من الأدباء، ثم ينطق بلسانهم، ويخط بأقلامهم، هذا الأدب الوقح البذيء، أدب أبي نواس من الأولين، وآباء نواس من العصريين، الأدب الذي يستقر في أدمغة الشباب استقرار صناديق البارود في أصول البيوت، فلا يلبث أن يتفجر عند الشرارة الأولى، تخرج من عين امرأة، فينسف عقل صاحبه ودينه، وأخلاق الأمة وصيانتها، ولا نعدم مع ذلك من الناس من يعجب بهذا الأدب ويكبره ويسمي صاحبه بأسماء الجهابذة الأعلام من أرباب البيان وحملة الأقلام ... وهل في الأدب المكشوف، إلا كشف سوأة من سوءات الفكر، وعورة من عورات الضمائر، يحرص العقلاء على سترها كما يسترون عورات الجسم؟ أستغفر الله ماذا أقول؟ إن الناس قد كشفوا عورات الجسم على السواحل وفي المصايف، وأبدوا كل سوأة، وافتخروا بها؛ وسموها جمالاً وكمالاً، وصوروها وملأوا بها جرائدهم ومجلاتهم، أفيلام الشباب إن جن جنونه، واشتعلت في أعصابه النيران؟ أخطبوا أيها المدرسون ما وسعكم الجهد، واهْرَؤوا ما انفسح لكم سبيل الهراء؛ وقولوا للشباب كن صيناً عفيفاً. إنها لن تجدي عليه خطبكم، ولا يستقر في نفسه هراؤكم؛ إنه يخرج فيسمع إبليس يخطب بلغة الطبيعة الثائرة في السوق على لسان (حال) المرأة المتبرجة، وفي الساحل على لسان الأجساد العارية المغرية، وفي السينما على لسان المناظر المتهتكة المثيرة، وفي المكتبة على لسان الجرائد المصورة والروايات الخليعة الماجنة، وفي المدرسة على لسان أصحابه

стр. 101

الفساق المستهترين ... ولسان المدرسين حين يدرسون شعر أبي نواس المقرر رسمياً في المنهِج! إن الشاب تتعبده الشهوة فيخضع لها، لأن سهامها تنصب عليه من كل جانب، فلا يطيق أن يتقيها، فيصورها له خياله عالماً مسحوراً عجيباً، وجنة فينانة غريبة، فيتمنى دخولها، فلا يجد من دونها حجاباً، بل يجد من يسوقه إليها ويحفزه عليها، فلا يخرج منها أبداً، ولا عليه إن ماتت الأمة أو عاشت، فهل فكر أحد من أطباء الأخلاق في هذا الداء؟ بناء الأخلاق ينهار، وسوق الزواج يبور، ونسل الأمة ينقطع، والمخازي والرذائل تعم وتنتشر، والقادة والمصلحون وأرباب الأمر يرون ذلك كله، فلا يبالونه ولا يفكرون فيه، ولا يفتشون له عن علاج ... مع أن العلاج هين ميسور والعقاقير دانية قريبة، لا ينقصها إلا يد تمتد إليها فتأخذها لتجرعها المريض؛ وأين تلك اليد؟ ... إن الله الذي وضع الشهوة في النفوس جعل دواءها الزواج، فإذا تعذر الزواج فهناك طرق للوقاية من الفاحشة، وهنالك السدود من دونها والحجب: هنالك الدين، فإذا علمتم الشاب دينه، وعرفتموه بربه، ونشأتموه على التوحيد الخالص، والإيمان الصحيح حتى يعلم أن الله مطلع عليه، لاستحيا من الله أن يأتي الفاحشة بسمعه وبصره، كما يستحي أن يأتيها على مشهد من أبيه الذي يجله، أو أستاذه الذي يحترمه، ويعلم أن من حق الله عليه، وقد أعطاه هذه الأعضاء وأنعم بها عليه ألا يستعملها إلا في طاعته ... هذا أول سلاح تدرأ به المعصية، وهذا معنى قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، أي لا يستطيع أن يزني وهو مؤمن أن الله مطلع عليه، ناظر إليه، ولمنعه الحياء من الله إن لم يمنعه الخوف من العقاب. وهنالك الشرف، فإذا ربيتم الشاب عليه، وجعلتموه يحس به ويقدره قدره، وأفهمتموه معنى المروءة وقيمة العرض، لمنعه من الفاحشة ما كان يمنع الجاهلي الشريف، من أن ينظر إلى جارته حتى يواري جارته مأواها.

стр. 102

وهنالك الصحة، فلو عودتموه الرياضة، وعرفتموه قيمتها، وأنبأتموه أن الله جعل مع العفاف الصحة والسلامة، ومع الفاحشة الضعف والمرض والمصائب السود لاقتصد في اتباع الشهوة، إن لم يكف عنها، ولم ينظر إليها إلا من سبيلها، وسبيلها الزواج. وهنالك طيب السمعة، وحسن الذكر في الناس، وهنالك الكثير من الأسلحة والحجب. ... والعلاج كله في يد وزارة المعارف وآباء الفتيات. أما وزارة المعارف، فتستطيع أن تعنى بالأخلاق العامة، فتبذل جهدها في مراقبة الجرائد والمجلات والروايات، وتبث الوعاظ ينشرون في الناس الفضيلة ويرغبونهم عن التهتك والعري. وتستطيع قبل ذلك كله أن تهتم بأخلاق التلاميذ، فتوكل بهم من يفهمهم (قبل سن البلوغ) حقائق الحياة الجنسية بأسلوب علمي يضرب فيه المدرس المثل بتلاقح الأزهار، واجتماع الحشرات والطيور، ويبين لهم بشاعة الفاحشة على مقدار ما يتسع له القول وإضرار (العادات السرية السيئة) (١) ويكون حكيماً في بيانه، فلرب مثل هذا، يخلو من الحكمة، فيقود إلى الرذيلة بدلاً من أن يصرف عنها. وتستطيع وزارة المعارف أن تعلي من شأن درس الدين، وتختار له من المدرسين من يكون قدوة في سمته وخلقه وسيرته، فإن المدرس يفعل بسيرته في نفسية الطلاب ما لا يفعل بمحاضراته، وتدخل هذا الدرس في الفحوص والامتحانات العامة، وتجعل الطلاب (يرسبون) إذا قصروا فيه، لأن الطلاب

стр. 103

لا يمكن أن يعنوا بدرس لا (يرسبون) إن قصروا فيه. وتستطيع وزارة المعارف أن تلزم الدرسين بأن يكونوا مثالاً كاملاً للاستقامة والعفة والمروءة، وأن يكونوا قدوة للطلاب صالحة، فإنا قد رأينا من ليس كذلك، رأينا من يصحب طلابه إلى دور اللهو والفسوق!. وتستطيع وزارة المعارف أن تضع القوانين الصارمة لحماية عفاف الطلاب والطالبات من أنفسهم ومن غيرهم. أما آباء الفتيات الذين لا يزوجوها إلا بيعاً، فهم رأس البلاء، ولكنه لا ينفع معهم الكلام. ... أما أنتم يا إخوتي الذين يقرؤون هذا الفصل من الشباب، فإني أنصح لكم (وأنا شاب مثلكم) (١)، بأن تصرفوا ميولكم إلى جهة علوية، فإن الميل كالبخار المتصعّد من القدر قد يجد سبيله فيدير الآلة، ويسيّر القاطرة، وقد يحتبس فينفجر به القدر، وقد يسيل على الأرض هدراً، فأنا لا أحب أن تسيل ميولكم هدراً، ولا أن تضيق بها نفوسكم حتى تنفجر، بل أحب أن (تتساموا) بها فتسوقوها في طريق الفن والإبداع. إن من يفكر في المرأة، ويزداد به الشوق إليها، ولا يجدها زوجة لأن الآباء يضنون ببناتهم حليلات ويبذلونهن للناس خليلات، يستطيع أن يصب شوقه في القطعة من الشعر أو القصة من القصص، أو أن يصور شوقه نغمة جديدة، أو صورة بارعة يشعر إذا صنعها بمثل ما يشعر به من بلغ ما كان يريد، ويجد الاطمئنان، ويمشي في طريق النبوغ. وإن الشاب إذا دأب على المطالعة والبحث، ورغب في التفوق على رفاقه في المدرسة، أو الفوز على خصومه في الجري أو الملاكمة، أو استغرق في تجارة فشغلته، أو صناعة فملأت حياته لا يحد في نفسه بقية للشهوة، إنما تستعبد

стр. 104

الشهوة من كان فارغ الرأس واليد والوقت. إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة! ... وبعد فهذا داء عضال فتاك، فأين أطباؤه، وأين من يتنبه إليه؟ أين الكتاب الباحثون فيه؟ أين أولو الأمر المَعْنيون به؟ أين الغُيُر على الدين والأخلاق؟ ألم يبق منهم أحد؟!. ***

стр. 105

أخلاقنا نشرت سنة ١٩٣٨ نحن اليوم (في أكثر بلدان الشرق الإسلامي) في دور يقظة، ومطلع نهضة، ولكل نهضة جسم وروح؛ أما الجسم فهذه السياسة وما يتصل بها، وهذه الدواوين الحكومية وما يكون فيها، وهذه القوانين والأنظمة وما ينشأ عنها؛ وأما الروح فهو الأخلاق والعقائد والمثل العليا. فروح الحكم الإخلاص والقناعة والعدل بين الناس، وروح الوظيفة الاستقامة ومعرفة الواجب، وروح الديمقراطية الإرادة المشركة وضمان المصلحة العامة، وروح المدرسة تنشئة جيل المستقبل على المثل العليا، وروح الصحافة نشر الحق والفضيلة والخير ... فهل امتدت نهضتنا إلى الروح، أم هي قد اقتصرت على الجسم وحده، لم نُعن إلا به، شأننا في كل أمر من أمورنا حين نهتم بالقشور ونقف عند الظواهر؟. الجواب عند القراء، لا حاجة إلى إثباته في هذا المقال. ولكن الحاجة ماسة إلى كتَّاب ومربين وعلماء، يَسْتَقْرون أخلاقنا التي نحن عليها، ويصنّفونها ويقوّمونها، ويرون ما يجب أن يبقى فيعملون على تثبيته ونشره، وينظرون ما ينبغي أن يبدّل أو يعدّل، فيسخّرون المدرسة والصحافة والقوانين لتبديله وتعديله، لتنشأ أمة المستقبل على الأخلاق الصالحة التي تستطيع أن تبلغ بها ما تريد من مجد وعلاء، وتتبوّأ المكان اللائق بها بين الأمم، وتلقي هذه الأخلاق التي ورثناها من الحكم التركي الطويل، وبلغت بنا قعر الهاوية التي نحاول اليوم النجاة منها، ونعود إلى أخلاقنا الإسلامية التي قبسها منا الغربيون فأفلحوا بها ونجحوا ... ***

стр. 106

من هذه الأخلاق التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نقدر أن نعمل مجتمعين. فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة، ومن نظر إلى انتشار الشركات في الغرب على اختلاف أنواعها، والجمعيات على تنوع غاياتها، والأحزاب والنوادي، ورأى ما عندنا من ذلك رأى أنه ليس إلى المفاضلة من سبيل ... وعلة ذلك (الأنانية) المفرطة، والأثرة الجامحة، وحب الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس، أو ناموسها (سكرتيرها) إن لم يكن رئيس، وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أخذت الآراء ... بل إنا نرى كلاما يعطل أعمال الآخرين ويبطلها، ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمناً بلزومها، معتقداً بالحاجة إليها، ساعياً إلى القيام بمثلها، فهو يعرف الحاجة إلى ناد أدبي ولكنه يحارب النادي لأنك أنشأته أنت؛ وهو يعلم الحاجة إلى مدرسة دينية ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فتحت ونالت قسطاً من النجاح أصلاها حرباً حامية، وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك إن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها، خان المصلحة وعصى الله ليرضي أثرته ويستجيب لأنانيته ... وهو شاعر بالحاجة إلى جمعية خيرية يسعى إلى تأليفها بحماسة وجد ودأب قد ملأت فكرتها نفسه وحياته فهو لا يتحدث إلا بحديثها، ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس أو هو الناموس انفصل عنها وحاربها حرباً لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده ... هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فشت جرثومته في جسم الأمة، فشلّت أعضاءها وعطلت أعمالها: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ وأين هو الإخلاص، وأين هو الصدق، فيمن يدعو إلى الخير أو الدين

стр. 107

أو الفضيلة، وغايته استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟. ... ومن هذه الأخلاق أننا لا نعرف قيمة الوقت، وأنا نضيع أوقاتنا سدى، ونذهب أعمارنا عبثاً لا نعرف لها قيمة وهي أثمن ما نملك. وإذا كان فينا من يحسن الاستفادة من وقته، وينفقه في علم أو أدب أو شيء مما ينفع الناس، لم يعدم من الثقلاء من يضيع عليه وقته، ويسرق عمره ولا يتوهم أنه أساء، وما أظن أن في القراء من لا يذكر حادثة في هذا الباب ... كنت ذاهباً إلى المدرسة ذات مرة، وكان عليّ محاضرة لم يبق دون موعدها إلا مسافة الطريق، وكنت مسرعاً لا أكاد أبصر طريقي فاعترضني رجل كبير كان ناظر المدرسة الثانوية التي كنت فيها وله في البلد حرمة ومقام، فأقبلت عليه أحييه وأفهمته برفق أن عليّ محاضرة قد حان موعدها فقال: طيب ... لحظة. وانطلق يتكلم، فلا والله ما سكت إلا بعد ما مضت نصف ساعة ألقى هو فيها المحاضرة عليّ، وأنا أتململ وأتحرك ويربدّ وجهي وأحس النار تشتعل في عروقي. فلما انتهى قال: - أظن أننا وقفناك ... عدم المؤاخذة!. ... هذه علة أخرى من عللنا الأخلاقية ... لا شك في أنها من أشدها وأدواها لأن حفظ الوقت آكد وسيلة إلى النجاح، وخير طريقة لرفعة الفرد والمجموع. أذكر أن الدكتور نمر تحدث إلى قراء المقتطف في العدد الخاص بعيد المقتطف بين لهم أن أثمن ما استفاده من الأمريكان في كليتهم هو تقدير الوقت، وأن ذلك هو الذي أعانه وزميله الدكتور صروف على النجاح وأتاح لهما تحقيق هذا المشروع العظيم، والأمريكان خاصة والغربيون على التعميم يعرفون كيف يستفيدون من أوقاتهم، فيقوم أحدهم في اليوم بأعمال لا تقوم بمثلها الجماعة منا في أسبوع. وكذلك كان أجدادنا الذين تركوا هذه الآثار العلمية الضخمة، وكان فيهم من بلغت تصانيفه الثلاثمئة فما فوقها .. كانوا يحسنون الاستفادة من

стр. 108

أوقاتهم، ولا يدعون دقيقة واحدة تمرّ إلا في عمل مفيد، أو راحة واجبة، أو قضاء حق لله أو للجسم أو للعيال .. والوقت لا يضيق بعمل إذا عرفنا طريق استغلاله والانتفاع به. ولو أحصى الواحد منا ما يذهب من عمره هدراً في (المقاهي) أو دور اللهو، وفي الأحاديث الفارغة، ومطالعة الصحف الجوفاء، والمجلات المؤذية، وقدر ما يمكن أن يعمل في مثل هذا الوقت من جليل الأعمال ونافعها لهاله الأمر ورأى شيئاً عظيماً. وانظر إلى التلميذ إذا دهمه الامتحان كيف يقرأ الكتاب في ليال ويحفظه كله، والموظف إذا اضطر إلى العمل، أو الصحفي إذا كان موسم من مواسم الصحافة، والمؤلف إذا طمع في الجائزة الكبرى؛ انظر إلى هؤلاء كلهم، وانظر إلى هؤلاء الأفراد الممتازين الذين يشتغلون بالسياسة ويبرزون فيها، ويؤلفون في الأدب وينبغون فيه، ويطالعون كثيراً من الكتب، ولا يقصرون في حقوق أنفسهم وأهليهم، وحقوق الناس، تعلم أن الوقت واسع جداً، ولكن الجاهل المهمل يضيقه على نفسه. ... ومن الأخلاق التي يجب أن نتعلمها تقدير المصلحة العامة وإهمالنا هذه المصلحة باب آخر من أبواب الأثرة (الأنانية) منشؤه أن أكثر الحكومات التي تتالت على بلدان الشرق الإسلامي في هذه القرون الأخيرة لم تكن من الشعب ولا إلى الشعب، ولم تكن تحرص على مصلحته، فزالت ثقته بها، ونظر إليها نظره إلى عدو مقاتل، وغدا يرى كل أذى يلحقه بها، أو مال يستلبها إياه، أو حق لها يضيعه، يرى كل ذلك بطولة وفخراً، وغدا كل واحد منا يسعى جهده ليفرَّ من الخدمة العسكرية أو يحتال بحيلة تنجيه من دفع الضرائب، أو يتوسل بوسيلة إلى اختلاس مال الخزينة. ولعل له في ذلك عذراً، هو أن الخدمة العسكرية كانت لحماية الحكومة دون الشعب، والضرائب لحياتها هي؛ وكان مال الخزينة مالها ينفق على أفرادها. ولا تزال الموازنة عندنا إلى الآن مصروفاً ثلثاها على الموظفين رواتب لهم وأجوراً، والثلث أو ما دونه على المصلحة التي أنشئت من أجلها الحكومة.

стр. 109

ونحن في حاجة إلى التخلص من هذا المرض. نحن في حاجة إلى الإيمان بأن مصلحة الفرد في مصلحة المجموع وأن رفعته في رفعة الأمة ... يجب أن تسأل الأم ابنها كل ليلة: ماذا عملت لأمتك؟ بماذا خدمت اليوم دينك؟ هل راقبت ربك في عملك؟ هل أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر؟ هل أحسنت إلى سائل؟ هل تبرعت بقرش لجمعية خيرية؟ هل تعلمت مسألة نافعة؟ هل كنت مهذباً مع رفاقك؟ ويجب أن يسأل كل منا نفسه هذا السؤال عندما يضع رأسه على الوسادة قبل أن يستسلم إلى النوم. ... ومن هذا الباب إطاعة القوانين واحترام النظام، ذلك الذي لم نتعلمه بعد ولا نعرفه أبداً لأن زماناً غبر (ولم يتبدل بعد) كانت القوانين والأنظمة توضع فيه لغير مصلحتنا وتفرض علينا فرضاً فتعودنا ألا نطيعها وألا نحترمها، ولكنا دخلنا اليوم في طريق الاستقلال (أو كأن قد) وصرنا نضع قوانيننا (إلى حد ما) بأنفسنا فيجب أن يتبدل ذلك كله وأن يرسخ في نفوسنا احترام القوانين وإطاعتها ما دام فيها طاعة الله ومصلحة الناس. ... ومن هذا الباب أو ما هو شبيه به احترام الراحة العامة. نمت ليلة في فندق كبير في بيروت، فنزل في الغرفة اللاصقة بغرفتي جماعة من أكابر حلب حلّوا بعد نصف الليل فبعثوا أحدهم بحاجة لهم إلى السوق، فلما بلغ الشارع ذكروا حاجة أخرى يأمرونه بقضائها فأطل أحدهم من شرفة الطبقة الخامسة وناداه وكلمه بصوت يوقظ الموتى، فلم يبق حيّ في الفندق إلا قام. ولما عاتبوه ولاموه لم يستطع أبداً أن يفهم أو يتصوّر أنه أتى أمراً نكراً. وانحدرت مرة من الأعظمية إلى بغداد في سيارة عامة من هذه السيارات التي يسمونها هناك (الباص) فركب معنا جزار معه خروف مسلوخ وضعه على ركبته وألقى برقبته على ثيابي، ورأيت الناس ينظرون إليه نظر المقرّ الموافق فاضطررت إلى النزول من غير أن أشتبك معه بقتال. وكثيراً ما نسمع رجلاً أو جماعة يمرون في الشارع قبيل الصبح فيأخذهم

стр. 110

الطرب فيغنون بمثل الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب، ولا يقدّرون أو يتصورون أنهم يسيئون إلى أحد. ولا يمضي على الواحد منا يوم لا يرى فيه ما يسوء ويزعج من بصاق في الترام أو المقهى، أو حديث في المكتبة العامة، أو خصومة في المسجد، أو غير ذلك من المزعجات المنغصات التي لا يزيلها إلا عناية المدرسة بتعليم الطلاب احترام الراحة العامة، وحث الصحف الشعب على ذلك. ... ومن الأخلاق التي يجب أن نسرع إلى تعلمها احترام الواجب والاستقامة والإصغاء إلى صوت الضمير. إن المعلم لا يتورع إذا أمره رئيس أو رجاه صديق أو نالته منفعة، أن ينجح التلميذ الذي يستحق السقوط في الامتحان وأن يزيد في الدرجات وأن يفعل كل شيء؛ والقاضي لا يمتنع محن تبرئة الظالم وعقاب المظلوم؛ والوزير لا يتقاعس عن إيثار الشفاعات والوساطات على الكفايات والشهادات؛ والطبيب لا يبالي بأن يجهض أو يأتي كل أمر يستطيعه ما دام في ذلك لذة له أو فائدة؛ والموظفون يقبلون الرشوة والناس يعطونها ولا تكاد تجد من عرف الواجب عليه وأكبره إكباراً، وضحى في سبيل القيام به بكل شيء ولا أعني أن كل المعلمين أو القضاة أو الوزراء أو الأطباء متنكبون سبيل الشرف مضيعون للواجب، ولكن الذي أعنيه أن فيهم من هذا شأنه، وأن احترام الواجب لم يذع فينا ولم يصبح شعاراً دائماً لنا، وأن المدرسة والصحافة والقانون وواضعه، كل أولئك مقصّرون لا يولون هذا الأمر ما يستحق من العناية والاهتمام في حين أنه من الأسس الثابتة والدعائم الكبرى في بناء الأمم. ونحن في حاجة إلى تعلم الصدق، لأن الكذب قد فشا فينا وعم وأصبح أسهل شيء علينا، فنحن نكذب في الأمور الهينة ونكذب في الجليلة، ونعلم أولادنا الكذب. من منا لا يقرع بابه فيقول لابنه: قل له إن أبى ليس هنا! ومن منا يلقى رفيقاً له أو رجلاً يعرفه فيقول له: كيف حالك أو زيك؟ فلا يقول له: بغاية الشوق، وهو لا يشتاقه ولا يفكر فيه، وقد يكون مبغضاً له يرى البعد عنه غنيمة ... فمجاملاتنا وحياتنا الاجتماعية كلها قائمة على الكذب. ومن
следующие страницы →