← Указатели

Указатели · id 14269

المنهج العلمي لطلاب العلم الشرعي

ذياب الغامدي

Полный текст (157 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المنهج العلمي لطلاب العلم الشرعي «وبعض الفوائد والنكات العلمية» تأليف ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي راجعه وقرظه فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِطُلَّابِ العِلْمِ الشّرْعيّ «وَبَعْضُ الفَوَائِدِ والنُّكَاتِ العِلمِيَّةِ»

стр. 4

حقوقُ الطبْع مَحفوظة لِلمؤلّف الطَّبْعَةُ الرَّابِعَةُ ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م للمراسلة على البريد الإلكتروني: turki_١٤٢٨@hotmail.com

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ وَحْدَه، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَه مُحَمَّدٍ وآلَهِ وصَحْبِه. وبَعْدُ؛ فَقَدْ قَرَأتُ هَذِه الرِّسَالَةَ الَّتِي ألَّفَها أخُوْنا الشَّيْخُ: ذِيَابُ بنُ سَعْدٍ الغَامِدِيُّ حَفِظَه اللهُ تَعَالَى ووَفَّقَه! والَّتِي نَصَحَ فيها طَلبَةَ العِلْمِ الصَّحِيْحِ، وبَيَّنَ طُرُقَ التَّعَلُّمِ، وفَصَّلَ العِلْمَ، ووَسَائِلَه، وأسْبَابَ تَحْصِيْلِه، وذَكَرَ بَعْضَ الكُتُبِ الَّتِي يَهِمُّ الطَّالِبُ أنْ يَقْرَأها، وحَذَّرَ الطَّالِبَ مِنَ العَوَائِقِ الَّتِي تَشْغُلُه عَنِ التَّحْصِيْلِ، وفَصَّلَ في ذَلِكَ. فَجَزَاهُ اللهُ أحْسَنَ الجَزَاءِ، وأكْثَرَ في الأمَّةِ مِنْ حَمَلَةِ العِلْمِ الَّذِيْنَ يَهْتَمُّوْنَ بالطَّلَبِ، ويَحْرِصُوْنَ عَلَى التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيْمِ والتَّطْبِيْقِ، واللهُ أعْلَمُ. وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِه وسَلَّمَ (٢٦/ ٥ / ١٤٢٥ هـ) عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ الجِبْرين * * *

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيْرًا، طَيِّبًا مُبَارَكًا فيه، القَائِلِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، والقَائِلِ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِه المَبْعُوْثِ رَحْمَةً للعَالمَيْن، القَائِلِ: "طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (١)، والقَائِلِ: "مَنْ يُرِدِ الله بِه خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّيْنِ" (٢)! أمَّا بَعْدُ: فإنَّ أوْلَى مَا يَتَنَافَسُ فيه المُتَنافِسُوْنَ، وأحْرَى مَا يَتَسابَقُ في حَلَبَتِهِ المُتَسابِقُوْنَ: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ، فَهُوَ الكَفيلُ الضَّامِنُ بالِسَّعَادَةِ البَاطِنَةِ والظَّاهِرَةِ، والدَّلِيْلُ الآمِنُ إلى خَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأدَلُّ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ؛ أنَّ اللهَ قَدِ اخْتَصَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ أحَبَّ، فَهَدَاهُم للإيمَانِ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ سَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ مَنْ أحَبَّ؛ فتفَضَّلَ عَلَيْهِم فَعَلَّمَهُم الكِتَابَ والحِكْمَةَ، وفَقَّهَهُم في الدِّيْنِ، وعَلَّمَهُم التَّأوِيْلَ،

стр. 7

وفَضَّلَهُم عَلَى سَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ، وذَلِكَ في كُلِّ زَمَانٍ واوَانٍ؛ رَفَعَهُم بالعِلْمِ، وزَيَّنَهُم بالحِلْمِ، بِهِمْ يُعْرَفُ الحلالُ مِنَ الحرَامِ، والحَقُّ مِنَ البَاطِلِ، والضَّارُ مِنَ النَّافِعِ، والحسَنُ مِنَ القَبِيْحِ (١). إنَّه العِلْمُ النَّافِعُ والعَمَلُ الصَّالِحُ اللَّذَانِ لا سَعَادَةَ للعَبْدِ إلَّا بِهِما، ولا نَجَاةَ لَهُ إلَّا بسَبَبِهِما، فَمَنْ رُزِقْهُما فَقَدْ فَازَ وغَنِمَ، ومَنْ حُرِمْهُما فَقَدْ خَسِرَ وغَرِمَ، وهُمَا مَوْرِدُ انْقِسَامِ العِبَادِ إلى مَرْحُوْمٍ ومَحْروْمٍ، وبِهِما يَتَمَيَّزُ البَرُّ مِنَ الفَاجِرِ، والتَّقِيُّ مِنَ الغَوِيِّ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنَافِقِ، والظَّالِمُ مِنَ المَظْلُوْمِ، وهَاكَ حَقًّا: "خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ في مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، ولا فِقْهٌ في الدِّينِ" (٢)! نَاهِيْكَ؛ أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ ما قَامَتَا إلَّا بالعِلْمِ، بَلْ مَا بُعِثَ الرُّسُلُ، وما أُنْزِلَتِ الكُتُبُ، ومَا فُضِّلَ الإسْلامُ عَلَى غَيْرِه إلَّا بِهِ، وفَوْقَ ذَلِكَ؛ ما عُبِدَ اللهُ، ولا عُرِفَ الإيْمَانُ مِنَ الكُفْرِ إلَّا بِهِ! * * * فَشَمِّرْ يا طَالِبَ العِلْمِ، سَائِلًا اللهَ تَعَالَى: الإرَادَةَ الصَّادِقَةَ، والعِلْمَ النَّافِعَ، واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُم بالعِلْمِ والإيمَانِ.

стр. 8

فإنَّه لا يُسْتَطَاعُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ، ولا يُطْلَبُ بالتَّمَنِّي والتَّحَلِّي، وقَدْ قِيْلَ: مَنْ طَلَبَ الرَّاحَةَ تَرَكَ الرَّاحَةَ؛ إنَّها العَزِيْمَةُ الصَّادِقَةُ، والهِمَّةُ العَالِيَةُ، ولا يَحْزُنْكَ فَاتِرُ العَزِيْمَةِ، ودَعِيُّ العِلْمِ، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَيْهِم أسَفًا؟! فَقَدْ رَأيْنا كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ زَمَانِنا قَدِ اسْتَطَابُوا الدَّعَةَ، واسْتَوْطَؤُوا مَرْكَبَ العَجْزِ، وأعْفَوْا أنْفُسَهُم مِنْ كَدِّ النَّظَرِ، وقُلُوْبَهُم مِنْ تَعَبِ الفِكْرِ ... فلَعَمْرِي أيْنَ مَنَالُ الدَّرَكِ بغَيْرِ سَبَبٍ، وأيْنَ نَوَالُ البِغْيَةِ بغَيْرِ آلَةٍ؟ فإنَّ دُوْنَ مَا يَشْتَهُوْنَ خَرْطُ القَتَادِ، وبَيْنَ مَا يَتَمَنَّوْنَ بَرْكُ الغِمَادِ! * * * فاعْلَمْ رَعَاكَ الله؛ أنَّ جَمْهرةً مِنْ أهْلِ العِلْمِ قَدْ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ في خِدْمَةِ هَذِه الجادَّةِ العَليَّةِ، ورَسْمِ بَصائِرِها لشَادِي العِلْمِ مِنْ خِلالِ تَوَالِيْفَ عِلْمِيَّةٍ، ومُصَنَّفاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ ... غَيْرَ أَنَّنِي لمَّا رَأيْتُ شَأنَهَا بَيْنَ أهْلِ زَمَانِنا في نُقْصَانٍ، ومُدَارَسَتَها في نِسْيَانٍ، وكَادَ يَذْهَبُ رَسْمُها، ويَعْفُو أثَرُها؛ عِنْدها أحْبَبْتُ أنَّ أرْمِيَ بِسَهْمٍ في رِيَاضِ العِلْمِ، مُسَاهَمَةً مِنِّي في رَسْمِ (المَنْهجِ العِلْمِيِّ) لِطُلَّابِ العلمِ؛ يَوْمَ نَادَى كَثِيرٌ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْنا إجَابَتُهُم في إحْيَاءِ

стр. 9

هَذِه الجَادَّةِ، وتَبْصِيرِ مَنَارَاتِها ... فعَسَانِي آخُذُ بَيَدِ مَنْ رَامَ إرْثَ الأنْبِيَاءِ إلى بَابِ العِلْمِ، بِسَبِيلٍ قَرِيبٍ، ونَظَرٍ أرِيبٍ، مِمَّا سَيقرِّبُ الطَّرِيقَ للمُبْتَدِي، ويُبَصِّرُ السَّبِيلَ للمُنْتَهِي، والعَاقِبَةُ للتَّقْوَى (١). ومَا كُنْتُ مُسْتَنْكِفًا في هَذِه الطَّبْعَةِ الثَّالِثَةِ لكِتَابِ (المَنْهجِ العِلْمِيِّ) مِنْ تَوْرِيدِ بَعْضِ الزِّيَادَاتِ العِلْمِيَّةِ والتَّصْحِيحَاتِ القَيِّمَةِ الَّتِي قَضَاها مَمْحُوْضُ النَّصِيحَةِ، ومَمْحُوْصُ الأمَانَةِ، فَإلى المَوْعُوْدِ، وإلى الله تُرْجَعُ الأمُوْرُ (٢)!

стр. 10

وذَلِكَ مِنْ خِلالِ ثَلاثَةِ مَدَاخِلَ، وأرْبَعَةِ أبْوَابٍ مختصَرَةٍ، كَمَا يَلي: المَدْخَلُ الأوَّلُ: أهَمِيَّةُ طَلَبِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ. المَدْخَلُ الثَّانِي: فَضْلُ عُلُوْمِ الغَايَةِ عَلَى عُلُوْمِ الآلَةِ. المَدْخَلُ الثَّالثُ: وفيه أرْبَعُ طَلائِعَ. البَابُ الأوَّلُ: وفيهِ أرْبَعُ مَرَاحِلَ عِلْمِيَّةٍ. البَابُ الثَّانِي: وفيهِ خَمْسُ تَنَابِيه. البَابُ الثَّالِثُ: وفيهِ ثَلاثُ عَزَائِمَ. البَابُ الرَّابِعُ: وفيهِ خَمْسةُ عَوَائِقَ. والحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِه الأمِينِ وكَتَبَهُ ذِيَاب بن سَعْد آل حَمْدَان الغَامدِيّ في لَيلَةِ الأحَدِ لعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ لِعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمَائَةٍ وخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ الِهجْرَةِ النَّبوِيَّةِ، حُرِّرَ في (٢٠/ ٢ / ١٤٢٥) * * *

стр. 11

المَدَاخِلُ العِلْمِيَّةُ وفيه ثَلاثةُ مَدَاخِلَ المَدْخَلُ الأوَّلُ: أَهَمِيَّةُ طَلَبِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ المَدْخَلُ الثَّانِي: فَضْلُ عُلُوْمِ الغَايَةِ عَلَى عُلُوْمِ الآلَةِ المَدْخَلُ الثَّالثُ: وفيه أرْبَعُ طَلاِئِعَ

стр. 12

المَدْخَلُ الأوَّلُ أهَمِّيَةُ طَلَبِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ نَعَمْ؛ فإنَّ النَّاسَ أحْوَجُ إلى العِلْمِ مِنْهُم إلى الطَّعَامِ والشَّرَابِ، لا سِيَّمَا هَذِه الأيَّامَ الَّتِي نَطَقَ فيها الرُّوَيبِضَةُ، ونَعَقَ بَينَها غُرَابُ الصَّحَافَةِ، مَعَ نَفَثَاتِ المُرْجِفينَ، وتَخْذِيلِ المُتَعَالمِينَ! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. * * * وعَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله لَه طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الَملاِئكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وإنَّ العَالِمَ ليَسْتَغْفِرُ لَه مَنْ في السَّمَواتِ ومَنْ في الأرْضِ حَتَّى الحِيتَانَ في الماءِ، وفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، إنَّ الأنْبِيَاءَ لَم

стр. 13

يُوَرِّثُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا إنَّمَا ورَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" (١) أحمَدُ وغَيرهُ. وقَالَ أيضًا ﷺ : "مَنْ يُرِدِ الله بِه خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. قَالَ عَلَيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ ﵁ (٣): النَّاسُ في جِهَةِ التَّمْثِيلِ أكْفَاءُ ... أبُوْهُمُ آدَمُ والأُمُّ حَوَّاءُ نَفْسٌ كَنَفْسٍ وأرْوَاحٌ مُشَاكِلَةٌ ... وأعْظُمٌ خُلِقَتْ فيهِم وأعْضَاءُ فإنْ يَكُنْ لهم مِنْ أصْلِهِم حَسَبٌ ... يُفَاخِرُوْنَ بِه فالطِّينُ والمَاءُ

стр. 14

مَا الفَضْلُ إلَّا لأهْلِ العِلْمِ إنَّهُم ... عَلَى الهُدَى لمِنِ اسْتَهْدَى أدِلاءُ وقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُه ... وللرِّجَالِ عَلَى الأفْعَالِ أسْمَاءُ * * * قَالَ الزُّهْرِيُّ ﵀: "العِلْمُ ذَكَرٌ، يُحِبُّهُ ذُكُوْرَةُ الرِّجَالِ، ويَكْرَهُهُ مُؤنَّثوْهُم" (١) أرَادَ الزُّهْرِيُّ ﵀: أنَّ العِلْمَ أرْفَعُ المَطَالِبِ وأجَلُّهَا، كَمَا أنَّ الذُّكُوْرَ أفْضَلُ مِنَ الإنَاثِ، فألِبَّاءُ الرِّجَالِ وأهْلُ التَّمْيِيزِ مِنْهُم يُحِبُّوْنَ العِلْمَ، ولَيسَ كالرَّأيِّ السَّخِيفِ الَّذِي يُحِبُّه سخَفَاءُ الرِّجَالِ، فَضَرَبَ التَّذْكِيرَ والتَّأنِيثَ مَثَلًا (٢). * * *

стр. 15

فَعِنْدَها عَلَيكَ يا هَذَا: بِمُرَافَقَةِ الأمْوَاتِ الَّذِينَ هُم في العَالَمِ أحْيَاءٌ؛ فإنَّهُم يَدُلُّوْكَ السَّبِيلَ، واحْذَرْ مِنْ مُرَافَقَةِ الأحْيَاءِ الَّذِينَ هُمْ في النَّاسِ أمْوَاتٌ؛ فإنَّهُم يُضِلُّوْكَ الطَّرِيقَ! ولا تَنْسَ قَوْلَ ابنِ مَسْعُوْدٍ ﵀: "مَنْ كَانَ مُسَّتَنًّا؛ فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فإنَّ الحَيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيه الفِتْنَةُ"! ومِنْ مُسْتَجَادِ مَا قِيلِ في فَضْلِ أهْلِ العِلْمِ، مَا خَطَّتْهُ يَدُ الآجُريِّ ﵀؛ في كِتَابِهِ "أخْلاقِ العُلَمَاءِ" (١٤)، إذْ يَقُوْلُ عَنْهُم: "فَضْلُهُم عَظِيمٌ، وخَطَرُهُم جَزِيلٌ، وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وقُرَّةُ عَينِ الأوْلِيَاءِ، الحِيتَانُ في البِحَارِ لَهُم تَسْتَغْفِرُ، والمَلائِكَةُ بأجْنِحَتِها لهم تَخْضَعُ، والعُلَمَاءُ في القِيَامَةِ بَعْدَ الأنْبِيَاءِ تَشْفَعُ، مَجَالِسُهُم تُفيدُ الحِكْمَةَ، وبأعْمَالهِم يَنْزَجِرُ أهْلُ الغَفْلَةِ. هُمْ أفْضَلُ مِنَ العُبَّادِ، وأعْلَى دَرَجَةً مِنَ الزُّهَّادِ، حَيَاتُهُم غَنِيمَةٌ، ومَوْتُهُم مُصِيبَةٌ، يُذَكِّرُوْنَ الغَافِلَ، ويُعَلِّمُوْنَ الجَاهِلَ، لا يُتَوَقَّعُ لَهُم بائِقَةٌ، ولا يُخَافُ مِنْهُم غَائِلَةٌ، بِحُسْنِ تَأدِيبِهِم يَتَنَازَعُ المُطِيعُوْنَ، وبِجَمِيلِ مَوْعِظَتِهِم يَرْجِعُ المُقَصِّرُوْنَ ... ! فَهُم سِرَاجُ العِبَادِ، ومَنَارُ البِلادِ، وقِوَامُ الأمَّةِ، ويَنَابِيعُ الحِكْمَةِ، هُمْ

стр. 16

غَيظُ الشَّيطَانِ، بِهِم تَحْيَا قُلُوْبُ أهْلِ الحَقِّ، وتَمُوْتُ قُلُوْبُ أهْلِ الزَّيغِ، مَثَلُهُم في الأرْضِ كَمَثَلِ النُّجُوْمِ في السَّمَاءِ، يُهْتَدَى بِها في ظُلُمْاتِ البَرِّ والبَحْرِ، إذا انْطْمَسَتِ النُّجُوْمُ تَحَيَّرُوا، وإذا أسْفَرَ عَنْها الظَّلامُ أبْصَرُوا" انْتَهَى. * * * ومَهْمَا يَكُنْ؛ فَلا تَحْزَنْ يا طَالِبَ العِلْمِ، عَلَى ظُهُوْرِ الجَهْلِ، وقِلَّةِ العِلْمِ، وقَبْضِ العُلَمَاءِ، واتِّخَاذِ النَّاسِ رُؤوْسًا جُهَّالًا فَضَلُّوا وأضَلُّوا ... فَيَا هَذَا عَلَيكَ بِزَادَ الأنْبِيَاءِ، وغِذَاءِ العُقَلاءِ: عِلْمٌ يَنْفَعُ، وعَمَلٌ يُرْفَعُ. كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وكَذَا: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. * * * وبَعْدُ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَكَ يا طَالِبَ العِلْمِ مَخْرَجًا، فَكُنْ رَابَعَ أرْبَعَةٍ: عَالِمًا، أو مُتَعَلَّمًا، أو مُسْتَمِعًا، أو مُحِبًّا. وأُعِيذُكَ باللهِ أنْ تَكُنَ الخَامِسَ فَتَهْلَكَ: وهُوَ مُعَادَاةُ أهْلِ العِلْمِ، أو بُغضُهُم!

стр. 17

وهَاكَ مِنْ شَذَاتِ العِلْمِ وفَضَائِلِه، مَا قَالَهُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ ﵁: "تَعَلَّمُوا العِلْمَ فإنَ تَعَلُّمَه للهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، ومُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَه لمِنْ لا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لأهْلِهِ قُرْبَةٌ! لأنَّه مَعَالِمُ الحَلالِ والحَرَامِ، والأنِيسُ في الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ في الخَلْوَةِ، والدَّليلُ عَلَى السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، والزَّينُ عِنْدَ الأخِلَّاءِ، والقُرْبُ عِنْدَ الغُرَبَاءِ. يَرْفَعُ اللهُ بِه أقْوَامًا فَيَجْعَلَهُم في الخَلْقِ قُدَاةً يُقْتَدَى بِهِم، وأئِمَّةً في الخَلْقِ تُقْتَصُّ آثَارُهُم، ويُنتهَى إلى رَأيِهِم، وتَرْغَبُ المَلائِكَةُ في حُبِّهِم؛ بأجْنِحَتِهِم تَمْسَحُهُم، حَتَّى كُلُّ رَطِبٍ ويَابِسٍ لَهُم مُسْتَغْفِرٌ، حَتَّى حِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُه، وسِبَاعُ البَرِّ وأنْعَامُه، والسَّمَاءُ ونُجُوْمُها؛ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوْبِ مِنَ العَمَى، ونُوْرُ الأبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، وقُوَّةُ الأبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ. يَبْلُغُ بِه العَبْدُ مَنَازِلَ الأحْرَارِ ومُجَالَسَةَ المُلُوْكِ، والدَّرَجَاتِ العُلَى في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، والفِكْرُ بِه يُعْدَلُ بالصِّيَامِ، ومُدَارَسَتُه بالقِيَامِ، بِه يُطَاعُ اللهُ ، وبِه يُعْبَدُ اللهُ ! وبِه تُوْصَلُ الأرْحَامُ، وبِه يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرَامِ، إمَامُ العَمَلِ، والعَمَلُ

стр. 18

تَابِعُه، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، ويُحْرَمُهُ الأشْقِيَاءُ" (١) انْتَهَى. * * * فَلأجْلِ هَذَا؛ أحْبَبْتُ أنْ أطْرُقَ هَذِه الجادَّةَ العِلْمِيَّةَ؛ عَسَانِي أدُلُّ السَّالِكَ، وأحُثُّ الهِمَمَ إلى طَرْقِ بَابِ العِلْمِ، دُوْنَمَا إعْيَاءٍ وكِلالٍ، وطُوْلٍ ومِلالٍ، قَدْ لا يُحَصِّلُ شَادِي العِلْمِ فيه كَبِيرَ فَائِدَةٍ، أو عَظِيمَ عَائِدَةٍ، أو غَيرَه مِنْ مَبَاغِي العِلْمِ ومَنَارَاتِه؛ مِمَّا نَدَّتْ عَنْهُ أكْثر أطَاريحِ أهْلِ زَمانِنَا؛ لِجَهْلِهِم بطَرَائِقِ الطَّلَبِ ومَدَارِجِهِ الآخِذَةِ برِقَابِ العِلْمِ؛ فَنًّا بَعْدَ فَنٍّ، وبَابًا قَبْلَ بَابٍ، وهَكَذا دَوَالَيكَ مِمَّا هُوَ طَوْعُ يَدَيكَ! * * * وهَذَا مَا ذَكَرَه ابنُ القَيِّمِ ﵀ بِقَوْلِه في كِتَابِهِ "الفَوَائِدِ" (٣٠٤): "الجَهْلُ بالطَّرِيقِ وآفَاتِهِا والمَقْصُوْدِ: يُوْجِبُ التَّعَبَ الكَثِيرَ مَعَ الفَائِدَةِ القَلِيلَةِ". وقَدْ قِيلَ: "مَنْ لَمْ يُتْقِنِ الأُصُوْلَ؛ حُرِمَ الوُصُوْلَ".

стр. 19

وكَذَا "مَنْ حُرِمَ الدَّلِيلَ، ضَلَّ السَّبِيلَ"! * * * وعَنْ يُوْنُسَ بنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لي ابْنُ شِهَابٍ: "يا يُوْنُسُ! لا تُكَابِرَ العِلْمَ، فإنَّمَا هُوَ أوْدِيَةٌ، فأيُّها أخَذَتْ فيه قَبْلَ أنْ تَبْلُغَهُ قُطِعَ بِكَ، ولَكِنْ خُذْهُ مَعَ اللَّيَالِي والأيَّامِ" (١). ورَحِمَ اللهُ الزَّرْنُوجِيَّ حَيثُ قَطَعَ عَنِّي حَبَائِلَ الرَّهْبَةِ، ورَفَعَ عِنْدِي آمَالَ الرَّغْبةِ، بقَوْلِه في "تَعْلِيمِ المتعَلِّمِ" (٥٣): "فلَمّا رَأيتُ كَثِيرًا مِنْ طُلابِ العِلْمِ في زَمَانِنا يَجِدُّوْنَ إلى العِلْمِ ولا يَصِلُوْنَ، ومِنْ مَنَافِعِه وثَمَرَاتِهِ يُحْرَمُوْنَ، لمِا أنَّهُم أخْطَئُوا طَرَائِقَه، وتَرَكُوا شَرَائِطَه، وكُلُّ مَنْ أخْطأ الطَّرِيقَ ضَلَّ، ولا يَنَالُ المَقْصُوْدَ قَلَّ أو جَلَّ" انْتَهَى. وكَذَا مَا هُنَاكَ مِنْ تَنَابِيهَ تَدْفَعُ بِمِثلي، في صُنع هَذَا المَنْهَجِ، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيخُ الحَنَابِلَةِ في عَصْرِه ابنُ بَدْرَانَ ﵀ بقَوْلِه في "المَدْخَلِ" (٤٨٥): "اعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْضُوْنَ السِّنِينَ الطِّوَالَ في تَعَلُّمِ العِلْمَ، بَلْ في عِلْمٍ وَاحِدٍ، ولا يحصِّلُوْنَ مِنْه عَلَى طَائِلٍ، ورُبَّمَا قَضَوْا أعْمَارَهُم فيه، ولَمْ

стр. 20

يَرْتَقُوا عَنْ دَرَجَةِ المُبْتَدِئِينَ، وإنَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ لأحَدِ أمْرَينِ: أحَدُهُما: عَدَمُ الذَّكَاءِ الفِطْرِيِّ، وانْتِفَاءُ الإدْرَاكِ التَّصَوُّرِي، وهَذَا لا كَلامَ لَنَا فيه، ولا في عِلاجِه، والثَّانِي: الجَهْلُ بِطُرُقِ التَّعْلِيمِ". انْتَهَى. قَالَ ابْنُ أغْنَسَ (١): مَا أكْثَرَ العِلْمُ ومَا أوْسَعَه ... مَنَ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَجْمَعَه إنْ كُنْتَ لا بُدَّ لَهُ طَالِبًا ... مُحَاوِلًا فالْتَمِسْ أنْفَعَه * * * ومَعَ هَذَا؛ فإنَّنا لَمْ نَزَلْ (للأسَفِ!)، نرَى كَثِيرًا مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا مِمَّنْ تَصَدَّرَ للعِلْمِ والتَّعْلِيمِ؛ لا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَةً في تَعْسِيرِ العِلْمِ عَلَى المُبْتَدِئِينَ، وتَنْفيرِ المُقْبِلِينَ عَلَيه، وذَلِكَ بتَفْرِيعِ أُصُوْلِه، وتَشْقِيقِ فُرُوْعِه، مَا يَقْضِي بِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ، وحِرْمَانِ الكَثِيرِ مِنْ دُرُوْسِ العِلْمِ. فَتَارَةً نَجِدُهُم يَتَوَسَّعُوْنَ لَهُم في المُخْتَصَرَاتِ، وتَارَةً يَتكلَّفُوْنَ لَهُم في الكَلِمَاتِ، فلَكُمُ اللهُ يا طُلابَ العِلْمِ مِنْ زَبَدِ المُدَرِّسينَ، وسوَالِبِ المتفَيقِهِينَ! * * *

стр. 21

يَقُوْلُ اللهُ تَعَالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَالَ أيضًا عَنْ نَبِيِّهِ ﵊: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]. وقَالَ ﵊: "إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فسَدِّدُوا وقَارِبُوا وأبْشِرُوا واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" (١)! البُخَارِيُّ. وقَالَ الإمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀: "إنَّمَا العِلْمُ عِنْدَنا الرُّخْصَةُ مِنْ ثِقَةٍ، فأمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُه كُلُّ أحَدٍ" (٢). * * * وهَذَا مَا نَصَّ عَلَيه ابنُ بَدْرَانَ في "المَدْخَلِ" (٤٨٥) عِنْدَ قَوْلِهِ: "وهَذَا (الجهْلُ بِطُرُقِ التَّعْلِيمِ) وَقَعَ فيه غَالِبُ المُعَلِّمِينَ، فَتَرَاهُم يَأتِي إلَيهِم الطَّالِبُ المُبْتَدِئ ليَتَعَلَّمَ النَّحْوَ مَثَلًا فيُشْغِلُوْنَه بالكَلامِ عَلَى البَسْمَلَةِ، ثُمَّ عَلَى الحَمْدَلَةِ أيَّامًا بَلْ شُهُوْرًا، لِيُوْهِمُوْهُ سِعَةَ مَدَارِكِهِم، وغَزَارَةَ عِلْمِهِم، ثُمَّ إذا

стр. 22

قُدِّرَ لَهُ الخَلاصُ مِنْ ذَلِكَ، أخَذُوا يُلَقِّنُوْهُ مَتْنًا أو شرْحًا بِحَوَاشِيهِ وحَوَاشِي حَوَاشِيه، ويَحْشُرُوْنَ لَه خِلافَ العُلَمَاءِ، ويُشْغِلُوْنَه بكَلامِ مَنْ رَدَّ عَلَى القَائِلِ، ومَا أُجِيبَ بِه عَنِ الرَّدِّ! ولا يَزَالُوْنَ يَضْرِبُوْنَ لَه عَلَى ذَلِكَ الوَتَرِ، حَتَّى يَرْتَكِزَ في ذِهْنِه أنَّ نَوَالَ هَذَا الفَنِّ مِنْ قَبِيلَ الصَّعْبِ الَّذِي لا يَصِلُ عَلَيه إلَّا مَنْ أُوْتِي الوَلايَةَ، وحَضَرَ مَجْلِسَ القُرَبِ والاخْتِصَاصِ، هَذَا إذَا كَانَ المُلَقِّنُ يَفْهَمُ ظَاهِرًا مِنْ عِبَارَاتِ المُصَنِّفينَ! " انْتَهَى. * * * فَلا يَضِيقُ صَدْرَكُ يا طَالِبَ العِلْمِ بِمَا هُنَا؛ فَكُلُّ مَا رَسَمْنَاهُ في (المَنْهَجِ العِلْمِي)، لَمْ يَكُنْ زَبَدًا يَقْذِفُه طَيشُ الفِكْرِ، أو رَذَاذَاتٍ يَلْفِظُها رَأسُ القَلَمِ ... بَلْ إنَّها مَعَالِمُ سَلَفيةٌ، وتجَارُبُ عِلْمِيَّة، قَدَ فَرَضَتْها الأمَانَةُ العِلْمِيَّةُ والنَّصِيحَةُ الأخَوِيَّةُ! كَمَا قَالَه ابنُ بَدْرَانَ ﵀ في "المَدْخَلِ" (٤٩١): "طُرُقُ التَّعْلِيمِ أمْر ذَوْقِيٌّ، وأمَانَةٌ مُوْدَعَةٌ عِنْدَ الأسَاتِذَةِ، فَمَنْ أدَّاهَا أُثِيبَ عَلَى أدَائِها، ومَنْ جَحَدَها كَانَ مُطَالَبًا بِهَا" انْتَهَى.

стр. 23

قَالَ ابنُ القَيَّمِ ﵀ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (١/ ٢٦٢): "وفيهِ تَنْبِيهٌ للعُلَماءِ عَلى سُلُوْكِ هَدْي الأنْبِيَاءِ وطَرِيقَتِهِم في التَّبْلِيغِ؛ مِنَ الصَّبْرِ والاحْتِمَالِ، ومُقَابَلَةِ إسَاءةِ النَّاسِ بالإحْسَانِ، والرِّفْقِ بِهِم، واسْتِجْلابِهِم إلى اللهِ بأحْسَنِ الطُّرُقِ، وبَذْلِ مَا يُمْكِنُ مِنَ النَّصِيحَةِ لَهُم؛ فإنَّهُ بذَلِكَ يَحْصُلُ لَهْم نَصِيبُهُم مِنَ هَذا الميرَاثِ العَظِيمِ قَدْرُهُ، الجَلِيلِ خَطَرُهُ" انْتَهَى. * * * ومَا أحْسَنَ مَا قَالَهُ الزَّرْنُوجِيَّ رَحِمَه اللهُ تَعَالَى في كِتَابِ "تَعْلِيمِ المُتَعَلِّمِ" (٧٩): "ويَنْبَغِي لطَالِبِ العِلْمِ أنْ لا يَخْتَارَ نَوْعَ العِلْمِ بنَفْسِهِ؛ بَلْ يفوِّضُ أمْرَه عَلى الأُسْتَاذِ، فإنَّ الأُسْتَاذَ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّجَارُبُ في ذَلِكَ فَكَانَ أعْرَفَ بِمَا يَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ ومَا يَلِيقُ بِطَبِيعَتِه. وكَانَ الشَّيخُ بُرْهَانُ الدِّينِ يَقُوْلُ ﵀: كَانَ طَلَبَةُ العِلْمِ في الزَّمَنِ الأوَّلِ يُفَوِّضُوْنَ أمْرَهُم في التَّعَلُّمِ إلى أُسْتَاذِهِم، وكَانُوا يَصِلُوْنَ إلى مَقْصُوْدِهِم ومُرَادِهِم، والآنَ يَخْتَارُوْنَ بأنْفُسِهِم، فَلا يَحْصُلُ مَقْصُوْدُهُم مِنَ العِلْمِ والفِقْهِ" انْتَهَى. * * *

стр. 24

وقَدْ قِيلَ: ألا لَنْ تَنَالَ العِلْمَ إلَّا بسِتَّةٍ ... سَأُنبِّئُكَ عَنْ مَجْمُوْعِها ببَيَانِ ذَكَاءٌ وحِرْصٌ واجْتِهَادٌ وبُلْغَةٌ ... وإرْشَادُ أُستَاذٍ وطُوْلُ زَمَانِ (١) نَعَم؛ فإنَّه لا يَهْتَزُّ للعِلْمِ إلَّا نُفُوْسٌ أبِيَّةٌ، قَدِ ارْتَاضَتْ عَلَى الأنَفَةِ والعِزِّةِ، وعُلُوِّ الهِمَّةِ والقَدْرِ، وأنِفَتْ مِنْ مَعَرَّةِ الجَهْلِ، ومَرَاتِعِ الذُّلِّ والهَوَانِ، وسَئِمَتْ تِيهَ الحَيرَةِ والتَّبعِيَّةِ المَقِيتَةِ! * * *

стр. 25

المَدْخَلُ الثَّانِي فَضْلُ عُلُوْمِ الغَايَةِ عَلَى عُلُوْمِ الآلَة (١) اعْلَمْ (رَحِمَنِي اللهُ وإيَّاكَ!)، إنَّ بَعْضَ المُتصَدِّرِينَ للتَّعْلِيمِ والتَّصْنِيفِ، قَدْ تَوَسَّعُوا كَثِيرًا في دُرُوْسِهِم العِلْمِيَّةِ مِنَ العُلُوْمِ الآليَّةِ تَوَسُّعًا مَشِينًا؛ مِمَّا كَانَ لَهُ أثَرٌ وتَأثِيرٌ بَالِغَانِ عَلَى عُلُوْمِ الغَايَةِ، مَا جَعَلَ بَعْضَ طُلابِ العِلْمِ يَقِفُوْنَ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، لا عِلْمًا حَصَّلُوا، ولا فَنًّا أصَّلُوا ... ! لأجْلِ هَذَا؛ فاعْلَمْ يَا طَالِبَ العِلْمِ أنَّني لَمْ أفْتَحْ عَلَيكَ بَابًا وَاسِعًا مِنَ العِلْمِ، بِحَسْبِكَ مِنْه البُلْغَةُ، ولَمْ أُضَيِّقْ عَلَيكَ وَاسِعًا بِحَسْبِكَ مِنه الغَايَةُ، وذَلِكَ عِنْدَ اقْتِصَارِنا: عَلَى بَعْضِ عُلُوْمِ الآلَةِ الَّتِي فيها الكِفَايَةُ والمَقْنَعُ، أمَّا عُلُوْمُ الغَايَةِ فَلا حَدَّ فيها ولا نِهَايِةً! * * * ومَا أحْسَنَ مَا ذَكَرَهُ العَلامَةُ ابنُ خُلْدُونٍ ﵀ فيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ؛ إذْ يَقُوْلُ في "المُقَدِّمةِ" (١/ ٦٢٢): "فأمَّا العُلُوْمُ الَّتِي هِيَ مَقَاصِدُ فَلا حَرَجَ في تَوَسُّعِهِ الكلامَ فيها، وتَفْرِيعِ المَسَائِلِ، واسْتِكْشَافِ الأدِلَّةِ والأنْظَارِ، فإنَّ

стр. 26

ذَلِكَ يَزِيدُ طَالِبَها تمَكُّنًا في مَلَكَتِه وإيضَاحًا لمِعانِيها المَقْصُوْدَةِ، وأمَّا العُلُوْمُ الَّتِي هِيَ آلَةٌ لِغَيرِها: مِثْلُ العَرَبِيَّةِ والمَنْطِقِ وأمْثَالهِما؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ فيها إلَّا مِنْ حَيثُ هِي آلَةٌ لِذَلِكَ الغَيرِ فَقَطُ، ولا يُوَسَّعُ فيها الكَلامُ، ولا تُفَرَّعُ المَسَائِلُ؛ لأنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ بها عَنِ المَقْصُوْدِ، إذِ المَقْصُوْدُ مِنْها مَا هِي آلةٌ لَهُ لا غَيرُ، فكُلَّمَا خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ؛ خَرَجَتْ عَنِ المَقْصُوْدِ، وصَارَ الاشْتِغَالُ بِهَا لَغْوًا، مَعَ مَا فيه مِنْ صُعُوْبَةِ الحُصُوْلِ عَلَى مَلَكَتِها بِطُوْلهِا وكَثْرَةِ فُرُوْعِها، ورُبَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ عَائِقًا عَنْ تَحْصِيلِ العُلُوْمِ المَقْصُوْدَةِ بالذَّاتِ لِطُوْلِ وَسَائِلِها؛ مَعَ أنَّ شَأنَها أهَمُّ، والعُمُرُ يَقْصُرُ عَنْ تَحْصِيلِ الجمِيعِ عَلَى هَذِه الصُّوْرة، فَيَكُوْنُ الاشْتِغَالُ بِهَذِه العُلُوْمِ الآلِيَّةِ تَضْيِيعًا للعُمُرِ وشُغُلًا بِمَا لا يُغْنِي! وهَذَا كَمَا فَعَلَهُ المُتَأخِّرُوْنَ في صِنَاعَةِ النَّحْوِ، وصِنَاعَةِ المَنْطِقِ، لا بَلْ وأصُوْلِ الفِقْهِ، لأنَّهُم أوْسَعُوا دَائِرَةَ الكَلامِ فيها نَقْلًا واسْتِدْلالًا، وأكْثَرُوا مِنَ التَّفَارِيعِ والمَسَائِلِ بِمَا أخْرَجَها عَنْ كُوْنِها آلَةً، وصَيَّرَها مَقْصُوْدَةً بذَاتِها، ورُبَّما يَقَعُ فيها لذَلِكَ أنْظَارٌ ومَسَائِلُ لا حَاجَةَ بِها في العُلُوْمِ المَقْصُوْدَةِ بالذَّاتِ، فتكُوْنَ لأجْلِ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ اللَّغْوِ، وهِيَ أيضًا مُضِرَّةٌ بالمُتَعَلِّمِينَ عَلَى الإطْلاقِ، لأنَّ المُتَعَلِّمِينَ اهْتِمَامَهُم بالعُلُوْمِ المَقْصُوْدَةِ أكْثَرُ مِنِ اهْتِمَامِهِم

стр. 27

بِهَذِه الآلاتِ والوَسَائِلِ؛ فإذَا قَطَعُوا العُمُرَ في تَحْصيلِ الوَسَائِلِ فَمَتَى يَظْفَرُوْنَ بالمَقَاصِدِ؟، فلِهَذَا يَجِبُ عَلَى المُعَلِّمِينَ لِهَذِه العُلُوْمِ الآلِيَّةِ أنْ لا يَسْتَبْحِرُوا في شأنِهَا، ولا يَسْتكثِرُوا مِنْ مَسَائِلِها، ويُنبِّهُ المتعَلِّمَ عَلَى الغَرَضِ مِنْها، ويَقِفُ بِهِ عِنْدَهُ، فَمَنْ نَزَعَتْ بِهِ هِمَّتُه بَعْدَ ذَلِكَ إلى شَيءٍ مِنْ التَّوَغُّلِ ورَأى مِنْ نَفْسِه قِيَامًا بِذَلِكَ وكِفَايَةً بِه؛ فلْيَخْتَرْ لنَفْسِهِ مَا شَاءَ مِنَ المَرَاقِي، صَعْبًا أو سَهْلًا، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ" انْتَهَى. * * * وبَعْدَ هَذَا؛ فيُرْجَى مِنْ طُلابِ العِلْمِ الأفَاضِلِ العِنَايَةُ بِهَذا البَرْنَامِجِ عِنَايَةً كَبِيرَةً؛ لأنَّ العُمُرَ قَصِيرٌ, والعِلْمَ كَثِيرٌ، والزَّمنَ يَسِيرٌ؛ وأنْ يَتَقيَّدُوا به لِحُصُولِ الفَائِدَةِ المرْجُوَّةِ؛ كَمَا أنَّنا وَضَعْنَا بَرْنَامِجْنَا (المَنْهَجَ العِلْمِيَّ) عَلَى مَرَاحلَ أرْبَعٍ مُوَافِقَةً للقُدُراتِ العِلْمِيَّةِ إنْ شَاءَ اللهُ، مَعَ بَعْضِ الأضَامِيمِ العِلْمِيَّةِ، وقَدْ قِيلَ: ازْدِحَامُ العُلُوْمِ مَضَلَّةُ الفُهُوْمِ؛ لِذَا لَزِمَ الاعْتِكَافُ عَلَيه مَا أمْكَنَ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا. * * * يَقُوْلُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ في "جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِه" (٢/ ١٦٦): "طَلَبُ العِلْمِ دَرَجَاتٌ ومَنَاقِلُ ورُتَبٌ، لا يَنْبَغِي تَعَدِّيها، ومَنْ

стр. 28

تَعَدَّاها جُمْلَةً؛ فَقَدْ تَعَدَّى سَبِيلَ السَّلَفِ ﵏، ومَنْ تَعَدَّى سبِيلَهُم عَامِدًا ضَلَّ، ومَنْ تَعَدَّاهُ مُجْتهِدًا زَلَّ"! وبمِثْلِه يَقُوْلُ الإمَامُ الزَّبِيدِيُّ ﵀ في "شَرْحِ الإحْيَاءِ" (١/ ٣٤٤): "يَجِبُ أنْ لا يَخُوْضَ (طَالِبُ العِلْمِ) في فَنٍّ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مِنَ الفَنِّ الَّذِي قَبْلَه عَلَى التَّرْتيبِ بُلْغَتَه، ويَقْضِي مِنْهُ حَاجَتَه، فازْدِحَامُ العِلْمِ في السَّمْعِ مَضَلَّةُ الفَهْمِ. قَالَ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، أي: لا يَتَجَاوَزَوْن فَنًّا حَتَّى يُحْكِمُوْهُ عِلْمًا وعَمَلًا، فَيَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ الأهَمَّ فالأهَمَّ مِنْ غيرِ إخْلالٍ في التَّرتِيبِ. وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مُنِعُوْا الوُصُوْلَ لَتَرْكِهِم الأُصُوْلَ؛ وحَقُّهُ أنْ يَكُوْنَ قَصْدُه مِنْ كُلِّ عِلْمٍ يَتَحَرَّاهُ التَّبَلُّغَ بِهِ إلِى مَا فَوْقَه حَتَّى يَبْلُغَ النِّهَايَةَ" انْتَهَى. وقَالَ أيضًا ابنُ القَيَّمِ ﵀ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (١/ ٢٦٢): "وفيهِ أيضًا تَنْبِيهٌ لأهْلِ العِلْمِ عَلى تَرْبِيَةِ الأمَّةِ كَما يُرَبِّي الوَالِدُ وَلَدَه؛ فَيُرَبُّوْنَهم بالتَّدْريجِ والتَّرَقِي مِنْ صِغَارِ العِلْمِ إلى كِبَارِهِ، وتَحْمِيلِهم مِنْه مَا يُطِيقُوْنَ، كَما يَفْعَلُ الأبُ بوَلَدِهِ الطِّفْلِ في إيصَالِه الغِذَاءَ إلَيه؛ فَإنَّ أرْوَاحَ البَشَرِ إلى الأنْبِيَاءِ والرُّسُلِ كالأطْفَالِ بالنِّسْبَةِ إلى آبائِهِم، بَلْ دُوْنَ هَذِه النِّسْبَةِ بكَثِيرٍ" انْتَهَى.

стр. 29

وقَالَ الزَّرْنُوْجِيُّ ﵀ في "تَعْلِيمِ المُتَعَلِّمِ" (٧٩): "ويَنْبَغِي أنْ يَبْتَدِئ بِشَيءٍ يَكُوْنُ أقْرَبَ إلى فَهْمِهِ، وكَانَ الشَّيخُ الأُسْتَاذُ شَرَفُ الدِّينِ العُقَيليُّ ﵀ يَقُوْلُ: الصوَابُ عِنْدِي في هَذا مَا فَعَلَه مَشَايُخُنَا ﵏، فإنَّهم كَانُوا يَخْتَارُوْنَ للمُبْتَدِئ صِغَارَاتِ المَبْسُوْطِ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى الفَهْمِ والضَّبْطِ، وأبْعَدُ مِنَ المَلالَةِ، وأكْثَرُ وُقُوْعًا بَينَ النَّاسِ" انْتَهَى. وقَدْ قِيلَ: حِفْظُ حَرْفَينِ خَيرٌ مِنْ سمَاعِ وِقْرَينِ، وفَهْمُ حَرْفَينِ خَيرٌ مِنْ حِفْظِ وِقْرَينِ! والوِقْرُ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ. * * *

стр. 30

المَدْخَلُ الثَّالِثُ طَلائِعُ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) هُنَاكَ بَعْضُ الطَّلائِعِ العِلْمِيَّةِ، نَسُوْقُها بَينَ يَدَي كُلِّ مَنْ رَامَ السَّعْيَ حَثِيثًا وَرَاءَ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ)، وحَسْبُكَ أنَّها مُقَدِّمَاتٌ وتَنَابِيهُ سَابِقَةٌ، وبَصائِرُ سَائِقَةٌ للطَّالِبِ قَبْلَ الشُّرُوْعِ في مُتَابَعَةِ ما هُنَا مِنْ تَرَاتِيبَ تَنْظِيمِيَّةٍ، ومَسَالِكَ تَوْضِيحِيَّةٍ. لِذَا؛ يُسْتَحْسَنُ بطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَعِيرَها اهْتِمَامًا، وأنْ يَجْعَلَها لِـ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) إمَامًا، كُلُّ ذَلِكَ كَي يَسْهُلَ عَلَيه السَّيرُ، ويَقْرُبَ مِنْه الخَيرُ، واللهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ! ثُمَّ لا تَنْسَ قَوْلَ القَائِلِ: ألَا لَنْ تَنَالَ العِلْمَ إلَّا بسِتَّةٍ ... سَأُنَبِّئُكَ عَنْ مَجْمُوْعِها ببَيَانِ ذَكَاءٌ وحِرْصٌ واجْتِهَادٌ وبُلْغَةٌ ... وإرْشَادُ أُسْتَاذٍ وطُوْلُ زَمَانِ (١) * * *

стр. 31

* الطَّلِيعَةُ الأوْلَى: عَلَى طَالِبِ العِلْمِ؛ أنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ هَذِه المَرَاحِلِ: سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ رَجَاءَ أنْ يُتِمَّ (المَنْهَجَ العِلْمِيَّ) كَامِلًا في سَنَتَينِ إنْ شَاءَ اللهُ! ولَهُ أنْ يُتِمَّهُ في أقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لمِنْ أُتِيَ هِمَّةً عَالِيَةً، وعَزِيمَةً صَادِقَةً، ومِنْ قَبْلُ قَطْعُ العَوَائِقِ، ومَنع الصَّوَارِفِ! وقَدْ قِيلَ: عَلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ ... وتَأتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ وتَعْظُمُ في عَينِ الصَّغِيرِ صِغَارُها ... وتَصْغُرُ في عَينِ العَظِيمِ العَظَائِمُ (١) ومَنْ ضَاقَ بِه الزَّمَنُ، فَلَه أنْ يَمُدَّ حَبْلًا مِنَ الوَقْتِ مَا يُحِيطُ بِه (المَنْهَجَ العِلْمِيَّ). ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، "ومَا أمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ؛ فَأْتُوا مِنْه ما اسْتَطَعتُمْ" (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيه. * * *

стр. 32

* الطَّلِيعَةُ الثَّانِيَةُ: كَمَا عَلَيه؛ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبِ مُطالَعَةِ ودَرْسِ هَذِه الفُنُوْنِ بِحَسَبِ الرُّقُوْمَاتِ التَّسَلْسُلِيَّةِ ... اللَّهُمَّ إذَا كَانَتْ ثَمَّتُ مَصْلَحَةٌ يَرَاهَا طَالِبُ العلْمِ، مِمَّا تَعُوْدُ عَلَيه بِفَائِدَةٍ مَرْجُوَّةٍ، أو تَنْشِيطِ هِمَّةٍ؛ فَلَهُ أنْ يُقَدِّمَ مَا يَشَاءُ، ويُؤَخِّرَ مَا يَشَاءُ. * * * * الطَّلِيعَةُ الثَّالِثَةُ: كَمَا عَلَيه؛ أنْ يَعْلَمَ أنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا حَوْلَ الكُتُبِ الَّتِي في (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) مِنْ أسْمَاءِ المُحَقِّقِينَ، وأسْمَاءِ دُوْرِ النَّشْرِ والمَطَابِعِ؛ لَيسَ هُوَ مِنْ بَابِ الإلْزَامِ والالْتِزَامِ؛ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الاخْتِيَارِ والانْتِقَاءِ، بَعْدَ عِلْمِنا أنَّها مِنْ أحْسَنِ وأجْوَدِ مَا هُوَ مَوْجُوْدٌ ومُتَدَاوَلٌ بَينَ طُلابِ العِلْمِ الآنَ، وهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ النَّصِيحَةُ الإيمَانِيَّةُ، والمَحَبَّةُ الأُخَوِيَّةُ. ومَا لَمْ نَذْكُرْ لَهُ تَحْقِيقًا أو دَارًا؛ فَحَسْبُنا أَنَّه لَمْ تَنَلْهُ يَدُ تَحْقِيقٍ مِمَّا هِيَ عَلَى شَرْطِ النَّصِيحَةِ. لِذَا؛ فَأنْتَ يَا طَالِبَ العِلْمِ في حِلٍّ فيما تَخْتَارُه وتَرْضَاه مِنْ مُحَقِّقِينَ وطَبَعَاتٍ، واللهُ المُوِفِّقُ والهَادِي إلِى سَوَاءِ السَّبِيلِ. * * *

стр. 33

* الطلِيعَةُ الرَّابِعَةُ: كَمَا عَلَيه؛ أنْ يَسْتَعِينَ باللهِ تَعَالَى في شَرْحِ كُتُبِ (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ) مِنْ خِلالِ إحْدَى الطُّرُقِ الأرْبَعِ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ: الأولَى: أنْ يَأخُذَ شَرْحَهَا عَلَى أيدِي أهْلِ العِلْمِ السَّلَفِيِّينَ. الثَّانِيَةُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلْيَأخُذْ شَرْحَهَا عَلَى أيدِي طُلابِ العِلْمِ النَّابِغِينَ. الثَّالِثَةُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلْيَأخُذْ شَرْحَهَا مِنْ خِلالِ تَفْرِيغِ الأشْرِطَةِ الشَّارِحَةِ لَهَا إنْ وُجِدَ، وأخُصُّ مِنْها شُرُوْحَاتِ شَيخِنا العَلامَةِ مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ ﵀. الرَّابِعَةُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلْيَأخُذْ شَرْحَهَا عَنْ طَرِيقِ القِرَاءةِ المُتَأنِيَّةِ، وسُؤالِ أهْلِ العِلْمِ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيه. لا سِيَّما أنَّ بَعْضَ البِلادِ قَدْ عَزَّ فيها الشَّيخُ الرَّبَّانِيُّ، واللهُ المُسْتَعَانُ! وهَذِه تَسْلِيَةٌ لطَالِبِ العِلْمِ ممَّنْ قَلَّ في أرْضِهِ أو بَلْدَتِهِ: أهْلُ العِلْمِ الكِبَارِ، أو تَغَيَّبِتْ مَجَالِسُ العِلْمِ بَينَهُم، أنْ يَتَذَكَّرَ والحَالَةُ هَذِه أنَّ عِلْمَ السَّلَفِ كَانَ: بقَلْبٍ عَقُوْلٍ، ولِسَانٍ سَؤُوْلٍ! * * *

стр. 34

وأخِيرًا؛ فَهَاكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ (المَنْهَجَ العِلْمِيَّ) مَعَ مَا كَتَبْنَاهُ لَكَ مِنْ مُقَدِّمَةٍ عِلْمِيَّةٍ، تُبَصِّرُكَ عَلَى سوَاءٍ في خِطَّةٍ تَوْضِيحِيَّةٍ؛ عَسَاهَا تَجِدُ لَدَيكَ قَلْبًا وَاعِيًا، وأُذُنًا صَاغِيَةً، ومِنْ قَبْلُ هِمَّةً عَاليَةً، وما التَّوْفيقُ إلَّا بالله تَعَالَى. * * *

стр. 35

البَابُ الأوَّلُ المَرَاحِلُ العِلْمِيَّةُ وفيه أرْبَعُ مَرَاحِلَ عِلْمِيَّةٍ

стр. 36

المَرْحَلَةُ الأُوْلَى ١ - حِفْظُ جُزْأينِ "عَمَّ وتَبَارَكَ" مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ (١). ٢ - حِفْظُ "الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيِّةِ"، مَعَ زَيادَاتِ ابنْ رَجَبٍ الحَنْبَلي. ٣ - قِرَاءةُ "حَاشِيَةِ ثَلَاثةِ الأُصُوْلِ" للشِّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَاسِمِ. ٤ - قِرَاءةُ "شَرْح كَشْفِ الشُّبُهَاتِ" لشَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ. ٥ - قِرَاءةُ "قُرَّةُ عُيُوْنِ المُوَحِّدِينَ" شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ للشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ حَسَنَ آلِ الشَّيخِ، طَبْعَةُ دَارِ المُغْنِي، تَحْقِيقُ المَجْلِسِ العِلْمِيِّ بالدَّارِ. ٦ - قِرَاءةُ "العُبُوْدِيَّةِ" لابْنِ تَيمِيَةَ، تَحْقِيقُ عَلَيِّ بنِ حَسَنَ الحَلَبِيِّ. ٧ - قِرَاءةُ "المُقَدِّمَةِ الآجُرُّوْمِيَّةِ" مِنْ خِلالِ شَرْحِ شَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ عَبْرَ الأشْرِطَةِ (٢)، مَعَ مَلْحُوظةِ تَفْرِيغِ مَا يَحْتَاجُه طَالِبُ العِلْمِ (٣).

стр. 37

٨ - قِرَاءةُ "الأُصُوْلِ مِنْ عِلْمِ الأُصُوْلِ" مِنْ خِلالِ شَرْحِ شَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ عَبْرَ الأشْرِطَةِ، مَعَ مَلْحُوظةِ: حِفْظِ التَّعْرِيفَاتِ حِفْظًا تَامًّا، وتَفْرِيغِ مَا يَحْتَاجُه طَالِبُ العِلْمِ. ٩ - قِرَاءةُ "مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ" لشَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ مَعَ مَلْحُوظةِ: حِفْظِ التَّعْرِيفَاتِ حِفْظًا تَامًّا. ١٠ - قِرَاءةُ "أُصُوْلِ التَّفْسِيرِ" لشَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ مَعَ مَلْحُوظةِ: حِفْظِ التَّعْرِيفَاتِ حِفْظًا تَامًّا. ١١ - قِرَاءةُ المُجَلَّدِينِ الأوَّلِ والثَّانِي مِنْ كِتَابِ "الشَّرْحِ المُخْتَصَرِ عَلَى مَتْنِ زَادِ المُسْتَقْنِع" للشِّيخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ، وهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ رُبْعِ العِبَادَاتِ، طَبْعَةُ دَارِ العَاصِمَةِ. ١٢ - قِرَاءةُ "تَيسِيرِ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ" للشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ. ١٣ - قِرَاءةُ "حِلْيَةِ طَالِبِ العِلْمِ" لبَكْرٍ أَبُو زيدٍ. * * *

стр. 38

المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ ١ - حِفْظُ خَمْسَةِ أجْزَاءٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ. ٢ - قِرَاءةُ "الصَّحِيحَينِ" للبُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، مِنْ خِلالِ كِتَابِ "التَّوْشِيحِ شَرْحِ الجَامِع الصَّحِيح" للسِّيُوْطِيّ، تَحْقِيقُ رِضْوَانَ بنِ جَامِعٍ، و"الدِّيبَاج عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاج" للسِّيُوْطِيِّ، تَحْقِيقُ أبِي إسْحَاقِ الحُوَينِيِّ. ٣ - حِفْظُ "عُمْدَةِ الأحْكَامِ" للحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدَسِيِّ الحَنْبَليِّ، تَحْقِيقُ مَحْمُوْدِ الأرْنَاؤُوْطِ، أو تِكْرَارُ قِرَاءتِه مِرَارًا. ٤ - قِرَاءةُ "فَتْح المَجِيدِ"، للشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ حَسَنَ آلِ الشَّيخِ، تَحْقِيقُ الوَلِيدِ آلِ فُرَيَّانَ. ٥ - قِرَاءةُ "شَرْح العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ" للشَّيخِ مُحَمَّدِ بنِ خَلِيلٍ الهَرَّاسِ، تَحْقِيقُ عَلَوِي السَقَّاف. ٦ - قِرَاءةُ "القَوَاعِدِ المُثْلَى" تَحْقِيقُ أشْرَفِ بنِ عَبْدِ المَقْصُوْدِ، مِنْ خِلالِ شَرْحِ شَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ عَبْرَ الأشْرِطَةِ، مَعَ مَلْحُوظةِ: حِفْظِ القَوَاعِدِ حِفْظًا تَامًّا، وتَفْرِيغِ مَا يَحْتَاجُه طَالِبُ العِلْمِ. ٧ - قِرَاءةُ "الفُرْقَانِ بَينَ أوْلِياءِ الزحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيطَانِ" لابنِ تَيمِيَّةَ، تَحْقِيقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اليَحْيَ.

стр. 39

٨ - قِرَاءةُ "مُتمِّمَةِ الآجُرُّوْمِيَّةِ" للحَطَّابِ، مَعَ شرْحِها "الدُّرَرُ البهيَّةُ شَرْحُ مُتمِّمَةِ الآجُرُّوْمِيَّةِ" (١) لرَاقِمِه. ٩ - قِرَاءةُ "دُرُوْسِ البَلاغَةِ" لحَفْنِي نَاصِفَ وآخَرِينَ، مِنْ خِلالِ شرْحِ شَيخِنا مُحَمَّدٍ العُثَيمِينِ عَبْرَ الأشرِطَةِ، مَعَ مَلْحُوظةِ تَفْرِيغِ مَا يَحْتَاجُه طَالِبُ العِلْمِ (٢). ١٠ - قِرَاءةُ "القَوَاعِدِ والأُصُوْلِ الجَامِعَةِ" للشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ، تَحْقِيقُ الشَّيخِ خَالِدِ بنِ عَليٍّ المُشَيقِحِ. ١١ - قِرَاءةُ "قَوَاعِدِ الأُصُوْلِ ومَعَاقِدِ الفُصُوْلِ" لصَفي الدِّينِ عَبْدِ المُؤْمِنِ الحَنْبَليِّ، مَعَ شَرْحِهِ "تَيسِيرِ الوُصُوْلِ إلى قَوَاعِدِ الأُصُوْلِ" للشَّيخِ عَبْدِ اللهِ الفُوْزَانِ. ١٢ - قِرَاءةُ "تَيسِيرِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ" للشَّيخِ مَحْمُوْدٍ الطَّحَّانِ. ١٣ - قِرَاءةُ "حَاشِيَةِ مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ" للشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدٍ القَاسِمِ.

стр. 40

١٤ - قِرَاءةُ المُجَلَّدِينِ الثَّالِثِ والرَّابعِ مِنْ كِتَابِ "الشَّرْحِ المُخْتَصَرِ عَلَى مَتْنِ زَادِ المُسْتَقْنِعِ" للشَّيخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ، وهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ رُبْعِ المُعَامَلاتِ، ورُبْعِ الجِنَايَاتِ، ورُبْعِ الشَّهَادَاتِ، طَبْعَةُ دَارِ العَاصِمَةِ. ١٥ - قِرَاءةُ "مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ" للإمَامِ البَغَوِيِّ، تَحْقِيقُ عُثْمَانَ ضُمِيرِيَّةِ، وآخَرِينَ، مَعَ مَلْحُوْظَةِ: عَدَمِ الوُقُوْفِ مَعَ الإسْرَائِيلِيَّاتِ، واخْتِلافِ القِرَاءاتِ، والمَسَائِلِ النَّحْوِيَّةِ. ١٦ - قِرَاءةُ "الكَلِمِ الطيِّبِ" لابنِ تَيمِيَّةَ، تَحْقِيقُ نَاصِرِ الدِّينِ الألْبَانِيِّ ﵀، مَعَ مَلْحُوظةِ: حِفْظِ مَا يُمْكِنُ حِفْظُه مِنَ الأحَادِيثِ لاسِيَّمَا أذْكَارُ اليَوْمِ واللَّيلَةِ. ١٧ - قِرَاءةُ "الفُصُوْلِ في سِيرَةِ الرَّسُوْلِ" لابنِ كَثِيرٍ، تَحْقِيقُ مَحَمَّدٍ الخَطْرَاوِيِّ، ومُحْيي الدِّينِ مُسْتُو. ١٨ - قِرَاءةُ "بَيَانِ فَضْلِ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الخَلَفِ" لابنِ رَجَبٍ، تَحْقِيقُ أخِينا الشَّيخِ محُمَّدٍ العَجْمِيِّ. ١٩ - قِرَاءةُ "تَصْنِيفِ النَّاسِ بَينَ الظَّنِّ واليَقِينِ" لبَكْرٍ أبُو زَيدٍ. * * *
следующие страницы →