وروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي". وأخرجاه في الصحيحين أيضاً١.
وفي ذلك أحاديث أُخر أيضاً كلها دالَّةٌ على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل النار وأهل الجنة٢ ...
وأما الإشهاد عليهم هناك، فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃. ومن ثَمَّ قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه٣.
ومعنى قوله "شهدنا": أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. وهذا قول ابن عباس٤ وأبي بن كعب٥. وقال ابن عباس أيضاً: أشهد بعضهم على بعض٦.
стр. 72
وقيل: "شهدنا" من قول الملائكة، والوقف على قوله "بلى". وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي١. وقال السدي أيضاً: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم٢.والأول أظهر، وما عداه احتمال لا دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول٣.
واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كالثعلبي والبغوي٤ وغيرهما.
стр. 73
ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري١ وغيره.
ومنهم من ذكر القولين، كالواحدي والرازي والقرطبي٢ وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة، والثاني إلى المعتزلة٣. ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم٤، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة، وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إيّاهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وابن عمرو٥،
стр. 74
بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه١.
وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، الذي فيه: "قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي" ٢.
ولكن قد رُوي من طريق أُخرى: "قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار" ٣. وليس فيه (في ظهر آدم) وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين:
أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ، وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة.
والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه:
أحدها: أنه قال: ﴿من بني آدم﴾ ، ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قال: ﴿من ظهورهم﴾ ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال٤، وهو أحسن.
الثالث: أنه قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته.
الرابع: أنه قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ أي جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار، كما تأتي الإشارة إلى ذلك، لا يذكر شهادة قبله.
стр. 75
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فُطروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ ١.
السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ ، ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم، وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم.
السابع: قوله تعالى: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾ ٢ فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: ألا يدعوا الغفلة، أو يدعوا التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.
الثامن: قوله: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ ٣ أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل، لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه٤ أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.
стр. 76
التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ١، فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ ٢.
العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول، وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين، مستلزمة للعلم به فقال تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون﴾ ٣، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يُولد على الفطرة، لا يولد مولود على غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. والله أعلم.
وقد تفطن لهذا ابن عطية٤ وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم. وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات، ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه٥.
стр. 77
_________
الأحاديث بالنقد. وهذه الاعتراضات العشرة أكثرها من كلام المعتزلة، كما في نقل الرازي عنهم في التفسير الكبير (١٥/٣٩-٤١) ومن قبله نقل أبو الليث في بحر العلوم (١/٥٨٠) إلا أنه لم يصرح أن المخالف هم المعتزلة.
والحق في تفسير الآية هو ما ذهب إليه أهل الأثر؛ للأسباب التالية:
١- أن هذا التفسير قد ثبت عن رسول الله ﷺ ، ومن طعن في رواية ابن عباس المرفوعة فقوله مرجوح، كما ذُكر ذلك عند تخريج الحديث، بل قد قال ابن عطية: "تواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي ﷺ من طريق عمر ﵁، وعبد الله بن عباس وغيرهما" المحرر الوجيز (٧/١٩٨، ١٩٩) . وقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٣/١٠١) : "أحسن ما قيل في هذا ما تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ (إن الله جل وعز مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق") . وقد أشار إلى تواتر الحديث تواتراً معنوياً العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٦٢) ولهذا هاب ابن عطية مخالفة الأحاديث، وليت الإمام ابن القيم فعل مثله، لا سيما وأنه من شيوخ أهل الأثر المتأخرين.
٢- أن التفسير بما ثبت عن رسول الله ﷺ هو مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم، كما نقل ذلك ابن القيم في كتاب الروح، ص (١٦٣) ، بل هو قول جمهور المفسرين. انظر النكت والعيون (٢/٢٧٨) ، والوسيط (٢/٤٢٥) ، ولباب التأويل (٢/٣١٠) ، والروح، ص (١٦٣) .
٣- لا تعارض ببن آية أخذ الميثاق وبين الحديث الثابت في تفسيرها، وما قد يظهر فيه من تعارض أجاب عنه العلماء، كما نقل ذلك ابن القيم نفسه عن ابن الأنباري وغيره في كتاب الروح، ص (١٦٣) ، وكذلك أجاب الرازي عن بعض الإشكالات في التفسير الكبير (١٥/٤٢، ٤٣) ، والشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٦١-١٦٣) .
٤- تتابعت أقوال العلماء في الرد على من رد هذا التفسير، ومنهم أبو الليث في تفسير القرآن (١/٥٨٠-٥٨٢) ، والرازي في التفسير الكبير (١٥/٤٢-٤٣) ، والخازن في لباب التأويل (٢/٣١٠) ، والشوكاني في فتح القدير (٢/٢٧٦) ، والهندي في فتح البيان
(٣/٤٥٢-٤٥٤) .
стр. 78
... قوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ ١ قال ليث عن مجاهد: "هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله فيدعه"٢.
والشهوة والغضب٣ مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ ٤ أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي، ثم لا يقصرون٥.
قال ابن عباس ﵄: "لا الإنس تُقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم"٦.
стр. 79
سورة الأعراف
...
سورة الأنفال
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ١ ... الاستغفار تارة يُذكر وحده، وتارة يقرن بالتوبة، فإذا ذكر وحده دخل معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار، فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله٢.
стр. 80
سورة التوبة
... قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٣ كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفراً وربيع الأول وعشرين من ربيع الآخر. وهذا قول زفر حكاه عنه أبو بكر الرازي في أحكام القرآن٤.
стр. 81
..قوله تعالى ... ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ ... أهل مكة كانت معايشهم من التجارات، وكان المشركون يأتونهم بالطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقراً وفاقة ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٢.
[قوله تعالى:] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٣ رُوي عن حذيفة ﵀ وغيره أنه قال: "لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم، وحرموا عليهم فاتبعوهم"٤. وهذا المعنى قاله رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم، وحديثه في المسند والترمذي مطولاً٥.
стр. 82
[قوله تعالى:] ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ ١ الآيتين ... أخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة فلما كرهه منهم، ثبطهم عنه٢، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي: فساداً وشراً٣ ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أي: سعوا بينكم بالفساد والشر٤ ﴿يبغونكم الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: قابلون منهم، مستجيبون لهم٥، فيتولد من سعي هؤلاء، وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم
стр. 83
من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه١.
... قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢ الخلاق: النصيب، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣، أي استمتعتم بنصيبكم من الدنيا، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم٤، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ، أي: كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج، أو الصنف، أو الجيل الذي خاضوا٥. وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إمَّا في العمل، وإمَّا في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات. والثاني من جهة الشبهات٦.
وروى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لتأخُذَنَّ أمتي مآخذ القرون قبلها شبراً بشبر، وذراعاً بذراع" قالوا: فارس والروم؟ قال: "فمن الناس إلا أولئك" ٧.
стр. 84
... قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١ ... والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم٢، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة٣.
... قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ...﴾ ٤ وأمّا ما٥ رواه الفقيه أبو
стр. 85
الليث السمرقندي ﵀، في تفسيره عند هذه الآية، فقال: حدثنا الفقيه، قال: حدثنا محمد بن الفضل، وأبو القاسم السَّاباذي١، قالا: حدثنا فارس ابن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن العابد٢، قال: حدثنا يحيي بن عيسى، قال: حدثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة عن ابن المحزَّم٣، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: "لا، الإيمان مكمل في القلب، زيادته ونقصانه كفر"٤. فقد سُئل شيخنا عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الحديث؟ فأجاب: بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يُعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة، وأما أبو مطيع، فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبَّان البُستي، والعُقيلي، وابن عَدي، والدارقطني، وغيرهم٥. وأما أبو المُهزِّم، الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على الكاتب واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعَّفه
стр. 86
أيضاً، غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً١.
стр. 87
سورة يونس
.... قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢ فالحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" ٣. ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أُخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل٤. وكذلك فسرها الصحابة ﵃ روى ابن
стр. 88
جرير عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، رضي الله عنهم١.
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ... ﴾ ٢ الولي: من الولاية بفتح الواو التي هي ضد العداوة٣. وقد قرأ حمزة: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وِلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ بكسر الواو، والباقون بفتحها٥. فقيل: هما لغتان، وقيل: بالفتح النصرة،
стр. 89
وبالكسر الإمارة١. قال الزجاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكُلُّ ما كان كذلك مكسورٌ، مثل الخياطة ونحوها٢.
والولي: خلاف العدو، وهو مشتق من الولي، وهو الدنو والتقرب٣، فولي الله: هو مَنْ والى الله بموافقته في محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٤. قال أبو ذر ﵁: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "يا أبا ذر لو عمل الناس بهذه الآية لكفتهم"٥.
стр. 90
.. فـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١ منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار "أمدح"، أو مرفوع بإضمار "هم"، أو خبر ثان لإن، وأجيز فيه الجر، بدلاً من ضمير عليهم٢. وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تمزق٣، ولا رياضة. وقيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ٤ وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية٥.
стр. 91
سورة هود
... قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ١ أي: يتقدمهم٢، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعدياً٣، كما يُقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه، ومنه سُمِّيت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان٤.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٥ أي: غير مقطوع٦، ولا يُنافي ذلك قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ .
واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أُخرج منها، لا لكلِّهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه.
стр. 92
وقيل: "إلا" بمعنى (الواو) ، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف١. وسيبويه يجعل "إلا" بمعنى "لكن"، فيكون الاستثناء منقطعاً٢، ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خُلْف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله:
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ . قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، أولكن ما شئت من الزيادة عليه٣.
وقيل: الاستثناء لإعلامهم، بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ٥، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ٦ ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وقيل: إن "ما" بمعنى "من" أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك٧. وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه،
стр. 93
وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ١. وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ٣. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ٤ وهذا الاستثناء منقطع٥، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ تبين لك المراد من الآيتين. واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.٦
стр. 94
سورة يوسف
قال تعالى: ... ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ١ أي: بمصدق لنا٢.
... قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٣ فإن كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفاً على الضمير في "أدعو" فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفاً على الضمير المنفصل فهو صريح في أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق٤.
стр. 95
سورة هود
...
سورة الرعد
... قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٥ ... في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟. فيقولون: أتيناهم وهم
стр. 96
يصلون، وفارقناهم وهم يصلون"١.
وفي الحديث الآخر: "إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم" ٢.
جاء في التفسير اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال. صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلاً، حافظان وكاتبان٣. وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلَّوا عنه٤.
стр. 97
ومعنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: حفظهم له من أمر الله١، أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٣ ... السماء العلو٤، وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن٥، والمزن السحاب، وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات٦.
... قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمّ ُ
стр. 98
الْكِتَابِ﴾ ١ ... المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة٢ ... وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اللوح المحفوظ٣، ويدل على هذا الوجه٤ سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: من ذلك الكتاب ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه٥، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما
стр. 99
يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال أُخرى١، والله أعلم بالصواب٢.
стр. 100
سورة النحل
... قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٣
... اختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى٤. ووفق بين أقوالهم بعض من وفقه الله وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن الصفة العُليا، وعلم العالمين بها،
стр. 101
ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم والمعرفة، القائمة بقلوب عابديه وذاكريه.
فهاهنا أمور أربعة:
الأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، سواء علمها العباد أو لا، وهذا معنى قول من فسَّرها بالصفة.
الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف-: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته وذكره، ومحبته وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلاً، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته. وهذا معنى قول مَنْ قال من المفسرين: إن معناه أهل السماوات يُعظِّمونه ويُحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظِّمون له، مجلون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ١.
الثالث: ذِكرُ صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى.
فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة٢.
(للبحث بقية)
стр. 102
تفسير ابن أبي العز جمعا ودراسة
القسم الثّاني
هذا هو القسم الثّاني؛ من هذا البحث؛ الّذي استخرج فيه الباحثُ (تفسيرَ ابن أبي العزّ) من خلال مؤلّفاته، وجَمَعَه وعَلَّقَ حواشيَه. وكان القسم الأوّل منه نُشر في العدد الماضي (١٢٠) وكان يتضمّن تفسير الإمام ابن أبي العزّ؛ من أوّل سورة الفاتحة إلى آخر سورة النّحل، وسبق ذلك تقديمٌ تناول التّعريفَ بموضوع البحث، وأسباب اختياره، وخطّته، والتّعريف بابن أبي العزّ
سورة الإسراء
قوله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق﴾ ١ خص هذه الصورة بالنهي؛ لأنها هي الواقعة، لا لأن التحريم يختص بها٢.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ٣. فيها - للمتأخرين - قولان٤. أحدهما: لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته. والثاني: - وهو الصحيح المنقول عن السلف، كقتادة٥ وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير لم يذكر غيره٦ -: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ٧؛ وذلك أنه قال: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُون﴾ وهم
стр. 103
لم يقولوا: إن العالَم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ الاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ الاّ خَسَاراً﴾ ٢ و (من) في قوله: ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض٣.
سورة مريم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ١ اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط٢، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٣. وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة" قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ الاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ فقال:"ألم تسمعيه" قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٤. أشار ﷺ إلى أن ورود
стр. 106
النار لا يستلزم دخولها١، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ ٢ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ ٣ ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ ٤ ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة، لأصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الواردين النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيّاً، فقد بيّن ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو المرور على الصراط.
وروى الحافظ أبو نصر الوائلي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "علِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك". أورده القرطبي٥.
وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجاد، عن يعلى بن منية، عن رسول الله ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن - يوم القيامة -: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" ٦.
стр. 107
سورة طه
قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ ١ قد فسره السلف بأن الظلم أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم أن ينقص من حسناته٢، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣.
سورة المؤمنون
قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ١معنى الآية: أحسن المصوِّرين المقدرين، والخلق يذكر ويُراد به التقدير٢، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم (كل) ٤.
قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٥ (زبراً) أي: كتباً٦.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ٧ في المسند والترمذي، عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو
الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟
стр. 110
قال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ١.
قال الحسن ﵁: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً٢.