النار لا يستلزم دخولها١، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ ٢ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ ٣ ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ ٤ ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة، لأصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الواردين النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيّاً، فقد بيّن ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو المرور على الصراط.
وروى الحافظ أبو نصر الوائلي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "علِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين الله حدثاً برأيك". أورده القرطبي٥.
وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجاد، عن يعلى بن منية، عن رسول الله ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن - يوم القيامة -: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" ٦.
стр. 107
سورة طه
قوله: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ ١ قد فسره السلف بأن الظلم أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم أن ينقص من حسناته٢، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣.
سورة المؤمنون
قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ١معنى الآية: أحسن المصوِّرين المقدرين، والخلق يذكر ويُراد به التقدير٢، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم (كل) ٤.
قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٥ (زبراً) أي: كتباً٦.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ٧ في المسند والترمذي، عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو
الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟
стр. 110
قال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ١.
قال الحسن ﵁: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً٢.
стр. 111
سورة النور
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٣ قدم الزانية في الذكر؛ لأنها هي المادة التي نشأت منها الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل، ولم تومض له، ولم تمكنه، لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بدئ بذكرها، وبدئ بذكر الزاني في قول-هـ تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ الاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا الاّ
стр. 112
زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ١ لأن هذه الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل أصل فيه؛ لأن-هـ هو الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب غالباً٢، وأما الآية الأولى فسيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة أصل فيها٣.
قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ ٤ الخبيثات الزواني٥.
سورة الشعراء
قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ ٨أي: أصدقتموه. والضمير يعود إلى موسى قولاً واحداً. وأما ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ٩
فالضمير (به) يعود إلى رب العالمين؛ فإن
стр. 115
السحرة لما قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ١ قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ٢أي آمنتم برب العالمين. وقيل: إن الضمير في (به) يعود إلى موسى كما في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ ٣ ولكن ليس معناها واحداً، بل في الإيمان به معنى زائد على الإيمان له٤، وهو الطاعة والانقياد والإقرار، وكلا المعنيين يصح هنا؛ لأن موسى ﵇ ادعى الرسالة لنفسه وهو صادق في دعواه فصح أن يقال: أصدقتموه في قوله؟، وأن يقال: أصدقتموه وأطعتموه وأقررتم به؟. بخلاف من يدعى الرسالة لغيره كمن قال: موسى رسول الله، صح أن يقال آمنت لمن قال هذا، ولا يقال: آمنت بمن قال هذا من المؤمنين. ففرق بين المتعدَّى بالباء، والمتعدّى باللام، فالأول يقال للمخبَر به والثاني يقال للمخبِر؛ ولهذا قال: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ وقال تعالي - عن إخوة يوسف -: ﴿ُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ٦ وفي هاتين الآيتين لا يصلح دخول الباء عوضاً عن اللام، فلا يقال: (ويؤمن بالمؤمنين) ولا (بمؤمن بنا) ؛ لأنه لا يصح أن يكون فيه
معنى زائد على التصديق من الطاعة والانقياد والإقرار. والأصل أن كل حرف من حروف الجر
стр. 116
يستعمل بمعنى يخصه١.
قوله - عن القرآن -: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الاوَّلِينَ﴾ ٢ أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه٣، كما أن محمداً مكتوب عندهم٤. إذ القرآن أنزله الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلاً؛ ولهذا قال (في الزبر) ، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن الزَّبر جمع زبور، والزبر هو الكتابة والجمع٥، فقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الاوَّلِينَ﴾ أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبيّن المعنى المراد، ويبيّن كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ﴾ ٦، أي: ذكره٧، بخلاف قول-هـ. ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ٨ أو ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٩ أو ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ١٠؛ لأن العامل في الظرف إما أن
стр. 117
يكون من الأفعال العامة مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في كتاب، أو في رق. والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب، ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه؛ فإن تلك١ إنما يُكتب ذكرها، وكلما تدبر الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق٢.
стр. 118
سورة النمل
قول-هـ تعالى - حكاية عن بلقيس -: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك٤، وهذا القيد يُفهم من قرائن الكلام؛ إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها٥.
والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك٦ وليس هو فلكاً،
٤ انظر جامع البيان (١٩/٤٤٦) ، ومعاني القرآن وإعرابه (٤/١١٥) ، ومعاني القرآن الكريم (٥/١٢٥) فقد فسر مؤلفوها بهذا.
٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٨١) .
٦ انظر معاني القرآن وإعرابه (٤/١١٥) ، وتفسير غريب القرآن للسجستاني، ص (١١٩) ، وتهذيب اللغة (١/٤١٣) (عرش) .
стр. 119
ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب١.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ يقول الله تعالى أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار٣، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم٤؛ لأن هذا المعنى لا يُناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أُخرى، كما قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ ٥، وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٦. ولكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهاً ﴿جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ ٧ بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات٨.
стр. 120
سورة القصص
[قوله تعالى:] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ ١ النداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي، ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة٢، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون (من البيت) لابتداء الغاية٣، لا أن البيت هو المتكلم، ولو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة٤ لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَه﴾ ٦ فمن كلامهم أن المراد كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك٧،والجنة والنار خلقتا للبقاء
стр. 121
لا للفناء١، وكذلك العرش فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا ملكه٢. وقيل: إلا ما أريد به وجهه٣. وقيل: إن الله تعالى أنزل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ٤ فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَه﴾ ؛ لأنه حي لا يموت،
فأيقنت الملائكة - عند ذلك - بالموت٥. وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين
стр. 122
النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضاً١.
стр. 123
سورة السجدة
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٢ لا تعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٣.وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٤؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب، ويتولّونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه٦,٥.
стр. 124
سورة الأحزاب
قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ٧ هذا مرض
стр. 125
الشهوة١.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢ الإسلام والإيمان إذا قرن أحدهما بالآخر كان المراد من أحدهما غير المراد من الآخر قال ﷺ : "الإسلام علانية والإيمان في القلب" ٣. وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه وقد قيل: لرسول الله ﷺ مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً؟. قال:"أو مسلماً"٤ قالها ثلاثاً، فأثبت له اسم الإسلام، وتوقف في اسم الإيمان، فمن قال: هما سواء كان مخالفاً٥.
стр. 126
سورة سبأ
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ١ لم تستعمل (كافة) في كلام العرب إلا حالاً، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها حال من الكاف في أرسلناك وهي اسم فاعل، والتاء فيها للمبالغة، أي: إلا كافاً للناس عن الباطل، وقيل: هي مصدر (كفَّ) فهي بمعنى كفّاً، أي: إلا أن تكفَّ الناس كفّاً، ووقوع المصدر حالاً كثير.
الثاني: أنها حال من الناس، واعتُرض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأُجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيراً، فوجب قبوله، وهو اختيار ابن مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: رسالة كافة، واعتُرض بما تقدم أنها لم تستعمل إلا حالاً٢.
стр. 127
سورة فاطر
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ﴾ ٣ قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ عُمُرِه﴾ إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا يُنقص من
стр. 128
عمر معمر آخر١.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٣ والأُجاج هو الذي مع كونه ملحاً مر٤.
стр. 129
سورة يس
قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٥ العرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم٦.
стр. 130
قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ١ عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا أبصارهم فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قال: فينظر إليهم، وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره عليهم في ديارهم". رواه ابن ماجة وغيره٢.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٣ جمع الأيدي ل-مَّا أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان اللفظيان للدلالة على الملك والعظمة، ولم يقل (أيدِيَّ) مضاف إلى ضمير المفرد، ولا (يَدَيْنا) بتثنية اليد مضافة إلى ضمير الجمع، فلم يكن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ نظير قوله: ﴿َ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤.
стр. 131
سورة الصافات
قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ ١ ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله الفِرَق والطوائف والجماعات، التي مفردها فرقة، وطائفة، وجماعة٢.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. لا نقول: أن (ما) مصدرية، أي: خلقكم وعملكم؛ إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى، لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير٤.
стр. 132
قوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ نزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين؛ لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد٢.
стр. 133
سورة ص
قال تعالى: ﴿إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٣ الإخلاص خلوص القلب من تأله ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم يتمكن منه الشيطان. وأما إذا صادفه فارغاً من ذلك تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله
стр. 134
مذنباً مسيئاً - في هذه الحال - عقوبة له على عدم هذا الإخلاص، وهي١ محض العدل٢.
стр. 135
سورة الزمر
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ٣ يحتمل قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ وجهين. أحدهما: أن تكون (من) لبيان الجنس. الثاني: أن تكون (من) لابتداء الغاية. وهذان الوجهان يحتملان في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً ً﴾ ٤.
قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَاد الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٥ القول هنا المراد به القول المنزل من عند الله؛ يدل على ذلك ما قبل الآية وما بعدها؛ ولأنه ليس كل قول يجوز استماعه كالكذب والزور والباطل والكفر ونحوه٦.
стр. 136
سورة غافر
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١قد فُسِّر قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب٢، وقول-هـ بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يؤيد المعنى الأول٣.
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ الباء باء السبب٥، أي: بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته٦.
стр. 137
سورة فصلت
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ١ فهو - وإن كان هدى وشفاء مطلقاً - لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنين، خُصوا بالذكر٢.
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٣ أي: القرآن ٤، فإن-هـ هو المتقدم في قول-هـ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٥ ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فشهد - سبحانه - لرسوله بقوله: إن ما جاء به حق، ووعد أن يُري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته - سبحانه - على كل شيء، فإن من أسمائه (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له، عليم بتفاصيله٦.
стр. 138
سورة الشورى
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١
في إعراب (كمثله) وجوه. أحدها: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد، قال أوس بن حجر٢:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل
وقال آخر٣:
..... ..... ..... ..... ... ما إن كمثلهم في الناس من بشر
وقال آخر٤:
وقتلى كمثل جذوع النخيل ... ..... ..... ..... .....
فيكون (مثله) خبر ليس، واسمها (شيء) وهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب معناه في لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جاء عن العرب أيضا زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم٥:
стр. 139
وصَالياتٍ ككما يُؤَثْفَينْ ...
وقول الآخر١:
فأصبحت مثل كعصف مأكولْ ...
الوجه الثاني: أن الزائد (مثل) أي: ليس كهو شيء. وهذا القول بعيد؛ لأن (مثل) اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.
الوجه الثالث: أنه ليس ثَمَّ زيادة أصلاً، بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، أي: أنت لا تفعله، وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا - في معنى المبالغة هنا - أي: ليس لمثله مثلٌ، لو فُرض المثل، فكيف ولا مثل له.
وقيل غير ذلك، والأول أظهر٢.
قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٣ الاستثناء
стр. 140
هنا منقطع، أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة شيئاً ما، لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم. وقيل يجوز أن يكون متصلاً، أي: إلا هذا القدر وهو مودتي للقرابة التي بيني وبينكم١. قال ابن عباس ﵄: مامن بطن من بطون قريش إلاَّ ولرسول الله ﷺ فيه قرابة٢.
стр. 141
سورة الزخرف
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ٣ جعل إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ ٤، وقول-هـ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي الارْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ٥. وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ
سورة الجاثية
قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤ إنكار على مَنْ حَسِبَ أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو مما ينزه الربُّ عنه٥.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٦ أي: عبد ما تهواه نفسه٧.
стр. 144
سورة الأحقاف
قال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ١ أي: متقدم في الزمان٢.
قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى الاّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٣ مساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؛ وذلك لأن المراد: تدمر كل شيء يقبل التدميرَ بالريح عادة، وما يستحق التدمير٤.
стр. 145
سورة الفتح
أجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٥ بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت.
وفي كلا الجوابين نظر٦، فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين - مع علمه بذلك - فلا شك في الدخول، ولا في الأمن، ولا في دخول الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه