← Фикх общий

Фикх общий · id 14272

النكت العلمية على الروضة الندية

عبد الله العبيلان

Полный текст (356 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

النكت العلمية على الروضة الندية تأليف عبد الله بن صالح العبيلان دار غراس

стр. 2

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لـ دَار غراس - الكويت الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م الناشر غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان مؤسسة غراس للنشر والتوزيع الكويت - شَارِع الصحافة - مقابل مطابع الرَّأْي الْعَام التجارية هَاتِف: ٤٨١٩٠٢٧ - فاكس: ٤٨٣٨٤٩٥ - هَاتِف وفاكس: ٤٥٧٨٨٦٨ الجهراء: ص. ب: ٢٨٨٨ - الرَّمْز البريدي: ١٠٣٠. website: www.gheras.com E-mail: info@gheras.com

стр. 3

النّكَتُ العلمِيَّة عَلى الرَّوضَةِ النَّدِيَّةِ

стр. 4

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أمَّا بعد: فقد كنت أتساءل عن الأسباب التي جعلت بعض العلماء يكونون محلّ ثقة وقبول عند كافة أهل العلم على اختلاف مذاهبهم؛ وأتعجّب من قلّتهم وكثرة الفقهاء والّذين لا يكادون يعرفون إلا من خلال كتب التراجم مع صلاحهم واستقامتهم وربما جهادهم فتبينّت لي الأسباب التالية: أولًا: التجرّد لله ﵎ وهذا أخص من الإخلاص في العبادة. الثاني: التجرد في متابعة النبي ﷺ . الثالث: تعظيم آثار الصحابة ﵃ قولًا وعملًا في فهم الكتاب والسنة. الرابع: الاطلاع الواسع على السنن النبوية والقدرة على معرفة صحيحها من سقيمها. الخامس: المعرفة التامة بآثار الصحابة وفتاواهم وقرنها بالحديث النبوي لمعرفة المراد منه.

стр. 5

السادس: العلم بقواعد الشريعة ومقاصدها. السابع: الإلمام بأقوال أهل العلم على اختلاف مذاهبهم. الثامن: القدرة على التوفيق بين ما يظن فيه التعارض عند غيرهم. التاسع: معرفة الناس على اختلاف طبائعهم. وإليك بعض الأسباب التفصيلية التي ذكرها شيخ الإسلام وكانت سببًا في الإعراض عن النصوص والآثار: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قلت: لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمّة -كالشافعي، وأحمد وأبي عبيد، وإسحاق وغيرهم- سواء؛ لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك. بل المجمل ما لا يكفي -وحده- في العمل به، وإن كان ظاهره حقًّا، كما في قوله -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليست ممّا لا يفهم المراد به؛ بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل، فإنّ المأمور به صدقة تكون مطهّرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول ﷺ . ولهذا قال أحمد: "يحذر المتكلّم في الفقه هذين الأصلين: -المجمل والقياس-"، وقال: "أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل، والقياس" يريد بذلك أن لا يحكم بما يدلّ عليه العام والمطلق، قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص؛ هل تدفعه؟ فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس، فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثًا يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك وهذا هو واقع المتمسكين بالظواهر والأقيسة؛ ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع؛ وله في ذلك مصنف كبير وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن

стр. 6

النصوص والآثار، طريق أهل البدع؛ ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولًا فاسدًا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان" (١). ثمَّ إن ابن القيم ﵀ بيّن في "أعلام الموقعين" أخطاء أهل الظاهر: فيقول: "فنفاة القياس لما سدُّوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح -وهو من الميزان والقسط الّذي أنزله الله- احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوها فوق الحاجة ووسّعوهما أكثر ممّا يسعانه، فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس، أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه، ولكن أخطأوا من أربعة أوجه: أحدهما: رد القياس الصحيح، ولا سيّما المنصوص على علّته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أنّ قول النبي ﷺ لما لعن عبد الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: "لا تلعنه؛ فإنّه يحب الله ورسوله" بمنزلة قوله: "لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله"، وفي أن قوله: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنَّها رجس" بمنزلة قوله: "ينهيانكم عن كل رجس"، وفي أن قوله -تعالى-: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ نهى عن كل رجس، وفي أنّ قوله في الهر: "ليست بنجس؛ إنّها من الطوّافين عليكم والطوافات" بمنزلة قوله: "كل ما هو من الطوّافين عليكم والطوافات؛ فإنَه ليس بنجس، ولا يستريب أحد في أنّ من قال لغيره: "لا

стр. 7

تأكل من هذا الطعام؛ فإنّه مسموم" نهى له عن كل طعام كذلك، وإذ قال: "لا تشرب هذا الشراب فإنّه مسكر"، نهى له عن كل مسكر، و"لا تتزوّج هذه المرأة؛ فإنها فاجرة" وأمثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دلّ عليه النّص ولم يفهموا دلالته عليه وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ضربًا ولا سبًّا ولا إهانة غير لفظة أف، فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان. الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه؛ لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علمًا بالعدم. الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحّة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحّة شرط أو عقدٍ أو معاملة استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأنَّ الأصل في العقود والشروط الصحة إلَّا ما أبطله الشارع أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح، فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم ومعلوم أنَّه لا حرام إلَّا ما حرّمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلَّا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنَّه لا واجب إلَّا ما أوجبه الله، ولا حرام إلَّا ما حرّمه الله، ولا دين إلَّا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم وبين أخطاء أصحاب الرأي والقياس فقال: "وأمَّا أصحاب الرأي والقياس: فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها؛ وغلاتهم على أنها لم تف بعشر معشارها فوسعوا طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشبه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أنّ الشارع علّقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أن

стр. 8

عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا: فتارة يقدّمون القياس، وتارة يقدمون النص، وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس، فكان خطأهم من خمسة أوجه: أحدها ظنّهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان هو العدل فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا لم يعلم اعتبار الشَّارع لها وإلغاؤهم عللًا وأوصافًا اعتبرها الشَّارع -كما تقدَّم بيانه-. الخامس: تناقضهم في نفس القياس -كما تقدَّم أيضًا-" (١). ثمَّ قال في بيان فضل الصحابة في العلم على من بعدهم: "هذا فيما انفردوا به عنّا، أمَّا المدارك التي شاركناهم فيها -من دلالات الألفاظ والأقيسة-؛ فلا ريب أنهم كانوا أبرَّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقلَّ تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفّق له نحن، لما خصهم الله -تعالى- به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلّة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرّب -تعالى-، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصولين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلّا أمران: أحدهما: قال الله -تعالى- كذا، وقال رسوله كذا ..

стр. 9

والثاني: معناه كذا وكذا وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمّة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما وأما المتأخرون فقواهم تفرقة، وهممهم متشعّبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص، وإن كان لهم همم تسافر إليها وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلّت من السير في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها. والمقصود أنّ الصحابة أغناهم الله -تعالى- عن ذلك كلّه، فاجتمعت قواهم على تينك المقدّمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفاتها، وصحتها وقوة إدراكها وكمالها، وكثرة المعاون وقلّة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب فمنهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدّث نفسه بهذا فيعزلها من الدين والعلم والله المستعان (١). ولعلّ انتساب كثير من أهل العلم إلى المذاهب الأربعة ومذهب أهل الظّاهر ساعد في ضعف الأخذ بآثار الصحابة والعناية بها كالعناية بالحديث النبوي رواية ودراية وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ (٢). ولا يعني هذا أن أتباع الأئمة جانبوا الصواب في معرفة الأحكام فأصول مذاهبهم معتمدة على الحديث والأثر، وبهذا كان ينادي الأئمة فما كان من تقريراتهم على منهاج الأئمة فهو الحق وبهذا حصل اتفاق الأتباع؛ لأنَّ المشكاة واحدة وما كان سوى ذلك فهو مكمن الخلاف بين الأتباع وبهذا يتبين أن أعلم الناس بالحديث والأثر سندًا ومتنًا أسعد بالصواب في كافة أبواب العلم.

стр. 10

وقد رغبت وحرصت على إحياء هذا المنهاج من خلال مذاكرة أهل العلم الكبار أمثال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز والشيخ المحدّث ناصر الدين الألباني -رحمهما الله- وغيرهما من أهل العلم ومن خلال الدروس والدورات العلمية فحصل -بفضل الله ﵎ اهتمام من طلبة العلم وعودة إلى فقه السلف الصالح، ثم إني رأيت من المناسب تطبيق هذا المنهاج عن طريق التعليق على أحد الكتب الفقهيّة فاخترت "الروضة الندية" للعلامة صديق حسن خان ﵀ لأمور منها: ١ - لعنايته بالحديث. ٢ - ولأنّه يتدارس كثيرًا في عدد من أقطار العالم الإسلامي. ٣ - ولأنه أيضًا لا يعني كثيرًا بآثار الصحابة ولا يرى أنّها حجّة في الأحكام سيرًا على أصول الظاهريّة ولعلّ هذا التأصيل تسبب في ظهور بعض الآراء الفقية الغريبة والتي لا سند لها من فقه السلف الصالح. ومنهجي في الاستدراك على "الروضة" هو في ما يلي: ١ - دراسة وتحقيق الأحاديث والآثار دراسة علمية. ٢ - العناية بفقه الصحابة ونقل ما أجده ثابتًا عنهم في كل مسألة. ٣ - نقل أجود ما أجد من كلام أهل العلم الذين عرفوا بالعناية بالأحاديث والآثار في تعقب المصنف. ٤ - دراسة تقريرات أهل العلم ومن ثم مناقشتها. ٥ - لا تخرج التقريرات التي أسوقها مرجحًا لها عمّا في المذاهب المعروفة أو قال بها أحد الأئمّة وله سلف من الصحابة. وقد رأيت أن أقتصر على العبادات على أن يكون التعليق الواسع على مورد المؤلّف في كتابه وهو "نيل الأوطار" للعلامة الشوكاني -يسّر الله البدء به وإتمامه- وسمّيت هذا الكتاب "النكت العليّة على الروضة الندية"، ولا

стр. 11

يفوتني في الختام أن أشكر تلميذىِ الوفي خلف بن سعود الدهيم، والَّذي قام بتوثيق العزو من مصادره جزاه الله خيرًا، والله أسأل أن يجعله كتابًا مباركًا على من كتبه وقرأه وسمعه وأن يجعله حجة لي لا علي إنّه نعم المولى ونعم النصير. وصلَّى الله وبارك على نبينا محمَّد وآله وصحبه. وكتبه الفقير إلى عفو ربه أبو عبد الرحمن عبد الله بن صالح بن عبد العزيز العُبيلان المدينة النبوية ٢٢ محرم / ١٤٢٢ هـ

стр. 12

الطهارة أَوّلًا: بابُ الْمِياه ١ - قال الْمُصَنِّف (١): "الأُولى: الماءُ طاهرٌ ومطهرٌ ولا خلاف في ذلك، وقد نطق بذلك الكتاب والسُّنة، وكما دلَّ الدّليل على كونه طاهرًا مطهرًا، وقام على ذلك الإجماعُ، كذلك يدلُّ على ذلك الأَصل، والظّاهر، والبراءَةُ؛ فإنَ أَصل عنصر الماء طاهر مُطَهّر بلا نزاع، وكذلك الطهور يفيد ذلك، والبراءَةُ عن مخالَطَةِ النجاسةِ له مُسْتَصحَبةٌ". قال الفقير إلى عفو ربه: وأَصلُه في كتاب الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (٢). وقال ﷺ : "اللهم اغْسلْني مِنْ خَطايايَ؛ بالْماء، والثلْجِ، والْبَرَد" (٣). ٢ - قال الْمُصَنِّف (٤): "هذه المسأَلةُ الثالثة من مسائل الباب:

стр. 13

ووجه ذلك: أَنّ الماء الّذي شرع لنا التطهير به هو الماء المطلق الذي لم يُضف إلى شيء من الأُمور التي تخالطُه، فإنْ خالطه شيءٌ أَوجب إضافتَه إليه -كما يقال: ماء ورد، ونحوُه-؛ فليس هذا الماء المقيدُ بنسبَتِه إلى الورود -مثلًا- هو الماءَ المطلقَ الموصوفَ بأَنه طَهور في الكتاب العزيز؛ بقوله -سبحانه-: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (١)، وفي السُّنةِ المُطهَّرة بقوله ﷺ : "الماء طَهور"؛ فخرجِ بذلك عن كونه مطهرًا، ولم يخرج به عن كونه طاهرًا؛ لأَن الفرض أن الذي خالطه طاهر، واجتماعُ الطاهِرَيْن؛ لا يوجِبُ خُروجَهما عن الوصفِ الذي كان مستحَقا لكلّ واحدٍ منهُما قبل الاجتِماع". قال الفقير إلى عفو ربه: ثبت في "الصَّحيح" من حديثِ ابن عبّاسِ ﵄ في الرَّجل الذي وقَصَتْهُ راحِلَتُه: "أَنَّ الرَّسولَ ﷺ أَمَرَهم بغَسْله بماءٍ وسِدْرِ" (٢). ولا ريبَ أَن السِّدْرَ سوفَ يُغَيِّرُ لونَ الماء. وثبت -أَيضًا- في "الصَّحيح": "أَن الرّسولَ ﷺ أَمَرَ اللاتي يَغْسِلْنَ ابْنَتَه؛ أَن يَغْسِلْنَها بماءٍ وسِدر، ويجْعَلْنَ في آخِرِهنَّ كافورًا -أَو شيئًا من الكافور-" (٣). وثبتَ عند النَّسائِي (٤) وغيرِه: أَن النبِي ﷺ اغْتَسَل هو وبعضُ أَزواجِه من قَصعةٍ فيها أَثرُ عَجِينٍ. وثبتَ عندَ الترمذي (٥) وغيرِه؛ مِنْ حديث قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ: "أَن النبي ﷺ أَمَرَه أَنْ يغْتَسِلَ بماءٍ وسِدر".

стр. 14

قال الفقير إلى عفو ربه: وكل هذِه الأَحاديثِ؛ فيها ماءٌ مُتغيرٌ بطاهرٍ؛ قد صحَّتِ الطهارةُ به. فالماءُ الْمُتَغَيّرُ لا يخلُو من إحدى صورَتَيْنِ: الأُولى: أَنّه يمكِنُ أَنْ يُطلَقَ عليه اسمُ (الماءِ المُطْلَقِ)؛ بحيثُ يكونُ هو الغالبَ على ما خالَطه؛ كما دلت عليه الأَحاديثُ السابقةُ؛ فهذا تجوزُ الطهارةُ به. الثانية: ألّا يُمْكِنَ أَنْ يُطْلَقَ عليه اسمُ (الماءِ الْمُطلَقِ): كالنبيذ -مثلًا-، و (الشاي)، و (القَهوَة)، ونحوِها؛ فهذا لا تصحُّ الطهارَةُ بهِ -قطعًا-. ٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "وقد أَطالَ القومُ في فروع موتِ الحيَوان في البئر، والعشر في العشر، والماء الجاري، وليس في كل ذلك حديث عن النبي ﷺ ألْبَتَّةَ! ". قال الفقير إلى عفو ربه: هذا الْكَلامُ لا يَتعلَّقُ بمسأَلَةِ الباب، فتنبَّهْ -حَفِظَكَ الله-! ٤ - قال الْمُصَنِّف (٢): "واحتجَّ أَهلُ هذا الْمَذَهب بمِثْل قوله -تعالى-: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ وبخبرِ الاستيقاظ، وخبرِ الولوغ، وأَحاديثِ النهي عن البول في الماء الدّائم، وهي جميعُها في "الصححيح"؛ ولكنها لا تدل على المطلوب، ولو فرضنا أَنَّ لشيء منها دلالةً بوجه ما؛ كان ما أَفادته تلك الدلالةُ مقيدًا بما تقدَّم؛ لأن التّعبد إنما هو بالظُّنون الواقعة على الوجه المطابق للشرع، على أَنه لا يَبْعُدُ أَن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النّجاسة باستعمال الماء إلا

стр. 15

إذا خالطتِ الماء -بجرمِها، أَو بريحها، أَو بلونها، أَو بطعمها- مخالطةً ظاهرة توجب ذلك الظّنَّ. ولا شك ولا ريب أَنّ ما كان من الماء على هذه الصفة يَنْجُس؛ لأَن المخالطة إن كانت بالجِرم؛ فالمتوضئ مُستَعمِل لِعَيْنِ النّجاسة، وإن كانت المخالطة بالريح، أَو اللّون، أَو الطعم؛ فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجّحناه. والحاصلُ: أنّهم إدن أَرادوا -بقولهم: إنْ ظُنَّ استعمالُ النّجاسة باستعماله؛ فهو القليل، وإدن لم يُظَن؛ فهو الكثير -ما هو أَعمُّ من عين النّجاسة، وريحها، ولونها، وطعمها: فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجّحناه؛ إلَّا من جهة أَنّ هؤلاء اعتبروا الْمَظِنّة، وأَهلَ المذهب الأَوّل اعتبروا المَئِنّة؛ ولكن لا يخفى أَن المظَنَّة إذا كانت هي الصادرةَ من غير أَهل الوسوسة والشكوك؛ فهي لا تكاد تخالف المَئِنَّة في مثل هذا الموضع، وإن أَرادوا استعمال العين فقط، أَو عدمَ استعمال العين فقط؛ فهو مذهب مستقلّ غير ذلك المذهب، ولكن الظاهر أَنهم أرادوا المعنى الأَوّل، ويدلُّ على ذلك: أنَّه قد وقع الإجماع على أنّ ما غيرَ لون الماءِ، أَو ريحَه، أَو طعمَه من النّجاسات؛ أَوجب تنجيسه. -كما تقدَّم تقريرُه-، فأَهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك؛ لدخولهم في الإجماع، بل هو مصرح لحكاية الإجماع في "البحر". فتقرر بهذا؛ أَنهم يريدودن المعنى الأوّل -أعني: الأَعمَّ من العين، والريحِ، واللّون، والطعم-؛ ثبوتًا وانتفاءً، وحينئذ؛ فلا مخالفة بين المذهبَيْن؛ لأَن أهل المذهب الأَوّل لا يخالفون في أَنّ استعمال المطهّر لعين النجاسة مع الماء؛ موجب لخروج الماء عن الطهوريّة؛ خروجًا زائدًا على خروجه عند استعمال ما فيه مجرّد الريح، أَوِ اللون، أوِ الطعم؛ فتأَملْ هذا؛ فهو مفيد. بل مجموع ما اشتمل عليه هذا البحث في الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء، وبين الأَدلة الدالّة عليها على هذه الصورة التي لخصتها ممّا لم أَقف عليه لأَحد من أَهل العلم، وهذِه المسأَلةُ هي من المضايِقِ التي

стр. 16

يتعَثَّرُ في ساحَتِها كلُّ مُحَقق، ويَتَبَلَّدُ عِندَ تشعّب طرائِقِها كلُّ مُدَقِّق". قال الفقير إلى عفو ربه: لكنْ ينبغِي أن يقالَ: إن الماءَ إذا كانَ قليلًا؛ ووقَعَتْ فيه نجاسة؛ فإنَّه لا يُتَوَضئُ به؛ لأن الذي يغلِبُ على الظنِّ في مثْلِ هذهِ الصُّورةِ تأَثُرُه بهذه النّجاسة؛ وإن لم يَظْهَر ذلك؛ وعليه يَدُل حَديثُ ولوغِ الْكَلْبِ في الإناءِ. ٥ - قال الْمصَنِّف (١): (وما فوق القلتين وما دونهما): قدَّر الشافعي الماء الذي لا ينجس بوقوع النجاسة ما لم يتغير بالقلتين وقدَّرهما بخمس قرب، وفسرها أصحابه بخمس مئة رطل. . . ثمَّ قال: ويدفع ذلك ما مرَّ من عدم الفرق بين ما دون القلتين وما فوقهما مع الدليل عليه. قال الفقير إلى عفو ربِّه: فقد ضَعَّفَه [أي حديث القلتين، ابنُ القَيِّم ﵀ منْ خَمسَةَ عَشَرَ وجهًا (٢). والْحق: أنَّه حدِيثٌ حَسَنٌ مِنْ حيثُ الصِّناعَةُ؛ كما قرَّر ذلك شيخُ الإِسلامِ، والحافِظُ ابنُ حجَرِ، وغيرُهُما (٣). ٦ - قال الْمصَنِّف (٤): "ومُتَحركٌ وساكِنٌ؛ وجْهُ ذلكَ: أَن سكُونَه -وإن كان قد ورد النهي عن التطهير به حالة-؛ فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طَهورًا؛ لأَنه يعود إلى وصف كونه طهورًا بمجرّد تحرّكه. وقد دلَّتِ الأَحاديث على أنَّه لا يجوز التطهير بالماء السّاكن ما دام ساكنًا؛ كحديث أَبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عند مسلم وغيره: أَنّ

стр. 17

النبي ﷺ قال: "لا يغتسلَن أَحدُكم في الماء الدّائم وهو جنب"، فقالوا: يا أَبا هريرة! كيف يفعل؟ قال: يتناوَلُه تناوُلًا. وفي لفظ لأَحمدَ وأَبي داودَ: "لا يبولنَّ أَحدُكم في الماء الدائم، ولا يغْتَسِلْ فيه من جنابة". وفي لفظ للبخاري: "لا يبولَن أَحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثمّ يغتسل فيه". وفي لفظ الترمذي: "ثمّ يتوضأ منه". وغير هذه الروايات الّتي يفيد مجموعُها: النّهيَ عن البول في الماء الدائم على انفراده، والنّهيَ عن الاغتسال فيه على انفراده، والنّهيَ عن مجموع الأَمرَيْن. ولا يصحُّ أَنْ يقالَ: إن رِوايتَي الانفراد مقيدَتان بالاجتماع؛ لأَنّ البولَ في الماء على انفراده لا يجوز، فأَفاد هذا: أَن الاغتسال والوضوءَ في الماء الدّائم من دون بول فيه غير جائز، فمن لم يجد إلَّا ماءً ساكنًا، وأراد أَنْ يتطهَّر منه؛ فعليه أَنْ يحتال قبل ذلك بأْن يحرِّكَه، حتى يَخْرُجَ عن وصفِ كونِه ساكِنًا، ثمَّ يُتَوَضأُ مِنْهُ. وأَمّا أَبو هريرة؛ فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم؛ ولهذا لما سُئل: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا". قال الفقير إلى عفو ربه: هذا الفَهمُ الَّذي ذَهبَ إليه ﵀؛ إنما دفَعَه إليهِ حِرصهُ عَلَى الأَخْذِ بظاهرِ النَّص؛ كما هي عادَتُه ﵀! والْحَق أَنَّه أَخطأ من عدَّةِ وجوه: الأوَّلُ: عدَمُ دِلالَةِ ظاهر النصوصِ على تحريم الوُضوءِ -أَوِ الاغْتِسالِ- بالماءِ السّاكِن؛ فإن النَّهي لم يأتِ إلَّا مقرونًا: إمّا بغُسلِ -الْجنابة، أَوِ البَولِ. الثاني: أَن النصوصَ يَجِبُ أَنْ تُفْهَمَ على ضَوْءِ فَهْمِ الصحابَةِ

стр. 18

-﵃، وَلم يُنقَلْ عن واحدٍ منهُمْ أَنه أَمَرَ بِتحرِيك الماءِ السّاكِن قَبْلَ الْوُضوءِ!! الثالث: أَن هذا الوَصفَ -وَهُوَ كونُه ساكِنًا- لَيْسَ هُو مَناطَ الحُكْم؛ بدليلِ أَن الشارعَ لمْ يَنْهَ كل أَحدٍ عَنِ استِعمالِه؛ وإنما خَصَّهُ بالْجُنُب ومَنْ يبُولُ، فدَل على أَن العِلَّةَ الْمُؤَثِّرَةَ (سَدُّ ذَرِيعَةِ فَسادِ الْماء)، وهذا هوَ الذي فهِمَه أَبو هريرةَ ﵁. ٧ - قال المصَنِّف (١): "وَمُسْتَعْمَلٍ وغيرِ مُسْتَعملٍ: هذِه المسأَلةُ السادسةُ من مسائِل الْباب، وقد وقع الاختلاف بين أَهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات؛ وهل يخرج بذلك عن كونه مطَهِّرًا أَمْ لا؟ فحكي عن أَحمد بن حنبل، والليث، والأَوزاعي، والشافعيُّ ومالك -في إحدى الرّوايتين عنهما-، وأَبي حنيفة- في رواية عنه -: أَنّ الماء المستعمل غير مطهر، واستدلّوا بما تقدَّم من حديث النّهي عن الاغتسال في الماء الدّائم. ولا دلالة له على ذلك؛ لأَنّ علَّة الثهي عن التطهير به ليست كون ذلك الماء مستعملًا؛ بل كونه ساكنًا، وعلةُ السُّكونِ؛ لا مُلازَمَةَ بيْنَها وبَيْنَ الاستِعمال". قال الفقير إلى عفو ربه: نَهْيُه ﷺ عنِ اغْتِسالِ الْجُنُب فِيه: لا يدلُّ على أَنّه نَجسٌ بِمُجَرَّدِ الاغْتِسالِ؛ إذْ ليس في اللفْظِ ما يدُل على ذلك؛ بل نَهْيُه ﷺ سَدٌّ للذرِيعَةِ، أَوْ يقال: إنَّه مكروهٌ بمجَرَدِ الطبعِ؛ لا لأَجلِ أنَّه ينجسُهُ. ٨ - قال الْمصَنِّف (٢): "فالحَق: أَن الْمُستَعْمَلَ طاهِرٌ وَمُطهرٌ؛ عملًا بالأَصل وبالأَدِلَّةِ الدّالةِ على أنّ الماءَ طَهُورٌ".

стр. 19

قال الفقير إلى عفو ربه: لم يقُم دَليلٌ من الْكِتاب والسُّنَّة والأَثَر على أَن المياهَ تَنْقَسِمُ إلى ثلاثَةِ أَقسامٍ -طَهُورٍ، وطاهِر، وَنَجس- كما يُقَررُه كثِيرٌ من الفقهاء-! بَلِ الْحَق -كما هُو الدليلُ- أَن الْمياهَ قِسمانِ: طَهورٌ، وَنَجِسٌ. والماءُ المستعمل؛ لا ريبَ أنه ليس بِنَجِسٍ؛ لأَن غايةَ ما فِيه: أنَّه ماءٌ طاهِرٌ؛ لاقَى أَعضاءً طاهِرَةً؛ فما الذي يُخْرِجُه عن كوْنِه طَهُورًا؟! قال الله -تعالى-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)؛ فلا يَحلُّ الْعُدُولُ عَنه إلى التَّيَمُم؛ لأنه داخل في عُمومِ الآية -قطعًا-. وقال ﷺ : "إن الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ" (٢). وقال ﷺ : "إن الماءَ لا يَجْنُبُ" (٣). * * * ثانِيًا: بابُ النَّجاسات ٩ - قال الْمصَنِّف (٤): "فالحق الْحَقِيقُ بالْقَبُولِ: الْحُكم بنجاسة ما ثبَتت نجاستُه بالضرورة الدينِية -وهُو بولُ الآدَمِي وغائِطُه، وأمَّا ما عداهما؛ فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته -كالروثة-؛ وجب الحكم بذلك من دون إلحاق، وإن لم يرد؛ فالبراءة الأَصلية كافيةٌ في نفي التعبّد يكون الشيء نجسًا من دون دليل؛

стр. 20

فإن الأَصل في جميع الأَشياء الطهارةُ، والحكم بنجاستها حكمٌ تكليفيّ؛ تعمُّ بها البلوى، ولا يَحلُّ إلا بعد قيام الحُجة. قال الماتن -رحمه الله تعالى-: ولا يخفى عليك أَن الأَصل في كل شيء أنَّه طاهر؛ لأَنّ القول بنجاسته يستلزم تعبُّدَ العباد بحكم من الأَحكام، والأَصل عدم ذلك، والبراءة قاضية بأَنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبتَ ثبوتًا يَنْقِلُ عن ذلك، وليس مَنْ أَثبَتَ الأَحكام المنسوبة إلى الشّرع بدون دليل بأَقَلَ إثمًا ممَّن أَبطل ما قد ثبت دليله من الأَحكام، فالكلُّ إمّا من التقوّل على الله -تعالى- بما لم يقل، أَو مِنْ إبطال ما قدْ شَرَعَه لِعبادِه بلا حُجة". قال الفقير إلى عفو ربه: غاية ما اعتمَدُوا عليه -رحمهمُ الله تعالى-: هو قولُه ﷺ : "عامَّةُ عَذاب الْقَبْرِ مِنَ البَوْلِ؛ فَتَنَزهُوا مِنَ الْبَوْلِ" (١)؛ فَظَنُّوا أَن هذا عامٌّ في جَمِيعِ الأَبوالَ! والْحَق أنَّه ليسَ كذَلِكَ؛ فإن اللام لِتَعْريف الْعَهد، والبَولُ المعْهود: هو بولُ الآدَمي؛ فَفي حدِيثِ ابنِ عبّاسِ ﵄: "كانَ أَحَدُهما لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" (٢)، وهذا صَريحٌ في أَن الْمُرادَ: بولُ الآدَمِي. ١٠ - قال الْمُصَنِّف (٣): "إلَّا الذكر الرَّضِيع؛ لحديث: "يُغسَلُ من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام": أخرجه أبو داود -رحمه الله تعالى-، والنسائيُّ -رحمه الله تعالى-، وابن ماجه، والبزار، وابن خزيمة، من حديث أبي السمح -خادم رسول الله ﷺ ، وصححه الحاكم. وأَخرج أَحمد والترمذي- وحسّنه-، من حديث عليّ ﵁، أَن النبي ﷺ قال:

стр. 21

"بولُ الغلام الرَّضيعِ ينضحُ، وبولُ الجارية يُغْسَلُ". وأَخرج -أَيضا- ابْنُ ماجه، وَأَبو داود بإسنادِ صحيح عن عليّ؛ موقوفًا. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والطبراني، من حديث أُمّ الفضل -لُبابة بنت الحارث-، قالت: بال الحسين بن علي في حِجر النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أعطني ثوبك والبس ثوبًا غيره حتى أغسله، فقال: "إنما يُنْضَحُ من بول الذكَر، ويُغْسَل من بول الأُنثى". وثبت في "الصحيحين"، وغيرهما من حديث أم قيس بنت مِحصن: أنّها أتت بابنِ لها صغير -لم يأكل الطعام- إلى رسول الله ﷺ ، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله. وفي "صحيح البخاريّ" من حديث عائشةَ، قالت: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بَصَبى يُحَنكُه، فَبال عليه، فأَتبَعَه الماء. وفي "صحيح مسلم" عنها، قالت: كان يؤْتَى بالصبيان، فَيُبرك عليهم، ويحنكُهم، فأتي بصبي، فبال عليه، فدعا بماءٍ، فأَتبَعه بولَه ولم يغْسِله. فهذا تصريح بأَنه لم يغسِلْه، فيكون إتباعُه الماءَ مجرّد النّضح، كما وقع في الحديثين الآخرين، أَو مجرّد صبّ الماء عليه من دون غسل. وبالجُملة: فالتَّصرِيح منه ﷺ بالقولِ بما هو الواجِبُ في ذلك؛ هو الأَولَى بالاتباع؛ لكَونِه كلامًا مَعَ أُمَّتِه، فلا يُعارِضُه ما وقع من فِعْلِه؛ على فَرَضِ أنّه مُخالِفٌ للقَوْل". قال الفقير إلى عفو ربه: وَهنا لا يَظْهَرُ -مُطْلَقًا- أَدنَى تعارُض بينَ قولِه ﷺ وَفعلِهِ؛ فإنّه يجِبُ حَمْلُ الْمُجمَلِ -في قولِها: "فأَتبَعَهُ الْماءَ" -علَى الْمُبَينِ- في رِوايَةِ: "وَلَمْ يَغْسِلْهُ"-؛ والْفِقه إنما يُؤخَذُ من مَجْمُوع النُّصوصِ والطُّرُقِ.

стр. 22

١١ - قال الْمصَنِّف (١): "وهذا فيه مخالَفة لِما وقع في هذه الأَحاديث الصحيحة من التَّفرقة بين الغلام والجارية". قال الفقير إلى عفو ربه: وسبب هذه المُخالَفةِ؛ عدمُ النظرِ إلى النّصوصِ الواردة في هذه الْمسأَلة، وَمِنْ ثَمَّ جَمْعُها؛ لِيَتَبَيَّنَ فِقْهُها. وهذِه إحدَى المآخِذِ الكَبيرَةِ على بعضِ الفُقهاءِ؛ الَّذين يأْخُذون الفِقْهَ مِن نصّ واحد ويدَعُون باقِيها؛ فإن الفقه الْمُحَقَّقَ هو قدرَةُ العالِم على التَّوفِيق بين الأَدلَّة؛ كما قال -تعالى- بعد أَنْ ذَمّ أَهلَ الكتابِ بأَخذِهِمْ بعضَ العِلمِ، وَتركِهِم بعضَهُ-: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ (٢). ١٢ - قال الْمُصَنِّف (٣): "وليتَ أَنّ المَشْغُوفِينَ بِمَحَبة مذاهب الأَسلافِ جَعَلُوهُ كَأَسلافِهم، فسلكوا فيما بين كلامِهِ وكلامهم طريقةَ الَإنصاف؛ ولكنَّهم في كثير من المواطن يجعلون الحظ لأَسلافهم، فيردُّون كلامه ﷺ إلى كلامِهم، فإن وافقهم فبها ونعمت، وإنْ لم يوافقهم؛ فالقول ما قالت حَذامِ. فإنْ أَنكرتَ هذا؛ فهاتِ؛ أَبِنْ ليَ ما الَّذي اقتَضى هذه التّأوِيلاتِ المتعسفَةَ، وردّ أَحاديثَ التخصِيصِ الصَحِيحَةَ؟! مع تسليمهم أَن الخاصَّ مقدَّمٌ على العام، وأنّه يُبْنَى الْعامُّ على الخاص! وهذا مُشْتَهِرٌ في الأُصولِ اشْتِهار النهار". قال الفقير إلى عفو ربه: وسَبَب هذا -والله أَعلم-؛ هُو التقليد المَذْمومُ في الكِتاب والسُّنة، ودافِعُه الأَكْبَرُ هو تعظِيمُ الرِّجال؛ فمُجَرّد التَقليد لأَحدِ القائِلين بغير حجةٍ؛ لا يَسُوغُ في عَقْل ولا دِين.

стр. 23

١٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "ولُعابُ الْكلْب: قد ثبَت في "الصَّحِيحَين" وغيرهما من حديث أَبي هريرة ﵁: أَن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناءِ أَحدِكُمْ؛ فليَغْمِسه سبعًا". وثبت -أَيضًا- عندهما وغيرِهما مثلُه من حديث عبد الله بن مُغَفلِ؛ فدَلَّ ذلك على نَجاسَةِ لُعابِ الْكلْب -وهُو الْمُطْلوبُ هُنا-". قال الفقير إلى عفو ربه: وَلِلعُلماءِ في حُكْم بَدَن الْكلْب وَعَرَقِهِ؛ ثَلاثةُ أَقوالٍ. الأَوّل: أَن الكلبَ طاهِرٌ، وليس بِنَجِسٍ، حتى ريقُه، وقَرَّروا ذلك؛ بأَن الأَمر في تطهير الإناء الذي ولَغَ فيه الكَلبُ: تَعَبدِيٌّ. الثاني: أَنّ الكلب -كُلَّهُ- نَجِسٌ؛ وإنما نُصَّ على وجوب تطهير ما وَلغَ فِيه الْكَلبُ؛ لأَنّه هو الغالب، والْبَلْوَى بِه أَعَمُّ. الثالث: أَنَّ الرّيقَ نَجِسٌ، والبَدَنَ طاهِرٌ؛ وهذا أَسْعدُ الأَقوال بالدَّليلِ العال؛ وذلك أَن الشَّرعَ الْمُطَهَّرَ قد أَباحَ الصَّيْدَ بالْكَلْب، ومِنَ المَعلوم أنَّه لا بُد مِنْ مخالَطَتِه لصاحِبِه، فَلو كانَ بدَنُه وَعَرَقُه مِما يجِبُ اتقاؤُهُ لَبَينَه الشَّرعُ. قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٢). فإن قِيل: فما حُكْمُ بوله؟ قِيل: قام الإجماعُ على نجاسَتِه. ١٤ - قال الْمُصَنِّف (٣): "والحاصل: أَن الحق ما قَضَى به رسول الله ﷺ مِنَ التسبيع

стр. 24

والترتيب، وليس من شرط التعبدِ الاطلاعُ على علل الأَحكام التي تعَبَدَنا اللهُ بها -على ما هو الرَّاجح-، وقد صحّ لنا الأَمر منه ﷺ بالغُسْل على الصّفة المذكورة بالأَحاديث "الصحيحة" ولم نجد عنه ما يدلُّنا على خلاف هذا الحكم، فلا يحلُّ تحويلُ الشرع المتقرّر بأَقوال علماء الأُمّة، سواءٌ كان القول المخالف منسوبًا إلى جميعهم، أَو إلى بعضهم، وقد حَفِظَ اللهُ هذه السُّنّة بأَقوالِ جماعةٍ من عُلماءِ الأُمّةِ؛ كما هو معروفٌ في كتب الخلاف؛ والفقه، وشروح السنَّة". قال الفقير إلى عفو ربّه: فالفَضْلُ في هذا يعودُ -أوّلًا- إلى الله ﵎، ثمَّ إلى رسوله ﷺ ، ثمّ إلى أَصحابِه ﵃، ثمّ إلى حمَلَة السُّنة والآثارِ مِنَ أَهل العلم ﵏. ١٥ - قال المصَنِّف (١): "وقد قدَّمْنا كلامَ التَّيمِي في تخصيص ذلك بِرَوثِ الخَيل، والبغِال، والحَمِير". قال الفقير إلى عفو ربه: قِياسُ الخَيلِ علَى الحَمير والبِغالِ ليسَ صوابًا؛ فإن الله -تعالى- قد أَحل أَكْلَ لُحوم الخيل -كما هُو ثابِتٌ في السُّنَّة-، وحَرَّمَ أَكْلَ لحوم الحَمِيرِ، والْبِغال؛ فَتَفَطَّنْ! ١٦ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وأَما سائِرُ الدّماءِ؛ فالأَدلَةُ فيها مختلفةٌ مضْطربةٌ، والبراءَة الأَصلية مُسْتصحَبَةٌ، حتى يأتيَ الدليل الخالص عن المعارضة الرّاجحة، أَوِ المساوِيَة". قال الفقير إلى عفو ربِّه: دَمُ الإنسانِ؛ ينقَسمُ إلى ثلاثةِ أَقسامٍ:

стр. 25

الأولُ: دمُ الْحَيض؛ وهذا نجِسٌ باتفاق الصحابَة، إلا اليَسِيرَ؛ فقد روَى ابنُ أَبي شَيْبَةَ (١): ثَنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن أَبي هاشم، عن سعيد بنِ جُبير، قال: "إنْ كانَ بعضُ أُمَّهاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَتَقْرُصُ الدَّمَ عن ثوبِها بِرِيقِها". الثاني: دَمُ العِرقِ الكَثيرُ؛ ولا نِزاعَ بينَ الصحابة في نجاسته؛ وإليك ذلك: ١ - ابن عُمر: أ- روى ابن أَبي شَيْبة (٢)، قال: حدَثنا ابن نُمَير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنَّه رأى في ثوبه دمًا؛ فَغَسَله، فبقي أَثرُه أَسودَ، ودَعَى بِمِقَصّ فَقصَّه فقَرَضَه". ٢ - ابن عباسِ: روَى ابنُ المُنذر (٣)، قال: حدَثنا يحيى بن محمد: نا أَحمد بن حنبلٍ: نا أَبو عبد الصَّمد العميّ: نا سليمان عن التيْمي، عن عمَّار، عن ابنِ عباس ﵁، قال: إذا كانَ الدَّم فاحشًا؛ فعليه الإعادة، ولو كان قليلًا فلا إعادة عليه". ب- رَوَى ابنُ الْمُنذر (٤)، قال: حدَّثنا سليمانُ بن شعيب الكَيساني: نا بشر بن بكر: نا الأوَزاعي: أَخبرني ابن شهاب: أَخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، عن أَبيه: "أَنه كان إذا رأى في ثوبه دمًا؛ وهُو في الصّلاة؛ انْصَرف حتّى يغْسِلَه، ثمّ يُصلّي ما بقي من صلاتِه".

стр. 26

جـ- روى ابن أَبي شَيْبَة (١)، قال: ثنا ابن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أَنّه كان إذا احتَجَم غسَّل أَثر مَحاجِمِه". الثالث: الدَّمُ اليسير؛ وهذا طاهرٌ، والآثار عن الصحابة متواترة في ذلك: ١ - ابن عمر: روى ابن أَبي شيبة (٢)، قال: حدَّثنا عبد الوهاب، عن التَّيْمِي، عن بكر، قال: "رأَيتُ ابن عمر عَصَر بَثْرَةً في وجْهِه، فخرج منها شيء مِنْ دَمٍ؛ فحكَّه بينَ أصبَعَيْه، ثمّ صلى ولم يتوضأ". ٢ - أَبو هريرة: روى عبد الرَّزاق (٣) عن معمر، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: "رأَيتُ أَبا هريرة أَدخل أُصبَعه في أَنفه، فخرَج فيها دمٌ ففته بأَصابعه، ثمّ صلى ولم يتوضأ". ٣ - عبدُ الله بن أَبي أَوفَى: روى عبد الرَّزاق (٤)، عن الثوري وابنِ عُيينَة، عن عطاءِ بن السائب، قال: "رأَيت عبد الله بن أَبي أَوفى بصَقَ دمًا، ثمّ صلّى ولم يتوضأْ". ٤ - جابر بن عبد الله: روى ابنُ أَبي شَيبة (٥)، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن حبيب بنِ أَبي ثابت، عن أَبي الزُبير، عن جابر: "أنَّه أَدخل أُصبَعَه في أَنفه فَخَرجَ عليها دَمٌ؛ فمسحه بالأَرض -أَو بالتُّراب- ثمّ صلى".

стр. 27

ولم يعارضْ ما تقدَّم -مِنْ أَن دمَ الإنسان الكثِيرَ نَجِسٌ- إلَّا أَحدُ دَليلَين؛ وهما في حالةٍ خاصة: الأَوّل: ما ورد عن عمر ﵁، "أنَّه صلى وجُرحُه يَثْعَب دمًا" (١). أما أَثرُ عمر: فمن المعلوم أنَّه لا يمكِنُه الصلاةُ بغير هذه الحال؛ فهذه حالة ضرورة، ونظيرُها خروجُ الدّم من المستحاضة. الثاني: قول الحسن البصريّ: "ما زال المسلمون يصلُّون في جِراحاتِهم" (٢). وأَما أَثر الحسن؛ فإنَّه في الجهاد، ومن المعلوم أَن الله خفف أَحكام هذه العبادة بمثل هذه الحال: فقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣). وقال -تعالى-: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ (٢٣٩)﴾ (٤). ثمّ إنه قال -سبحانَه- في آيةٍ أُخرى -مِنْ سورة النساء-: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥)؛ فهذا يعني: أَن الله ﵎ رخص للمجاهِدين تركَ بعض أَركان الصلاة في حالة الضرورة، ثمَّ أَمرهم عند زوالِها بإقامة الصلاة بجميع أَركانها وشروطها. وهكذا الحال فِيمن صلى بجراحاتِه؛ فإنّه يجب أَن يحمل على ما تقدَّم، ثمَّ إن الماءَ لا يكون متوفرًا -غالبًا- في تلك الأَحوال؛ فهو مأْمور -والحالة هذه- أَن يصلّيَ بجراحاتِه. الثالث: حديث عباد بن بشر الذي علقه البخاري -ويذكر عن جابر-:

стр. 28

"أَن النبيّ ﷺ كان في غزوة ذات الرّقاع، فَرُمِي رجلٌ بسهم فنزَفَه الدّم، فركع وسجد، ومضى في صلاته". قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا قد ذكره البخاري معلّقًا بصيغة التمريض (١)، ووصلَه غيره بسندٍ ضعيف (٢). ثمّ على فرض أنّه صحيح، فليس فيه حجّة؛ لأُمور: الأوَّل: أنها قضية عَيْن لا عموم لها. الثاني: أَن آثار الصحابة متَّفقة على خلافه. "ومِمّن يرى نقضَ الوضوء بالدّم الخارج من غيِر السبيلين: -الخلفاءُ الأَربعة. - وقيل: باقِي العشرة المبشرين بالجنة. - وابن مسعود، وابن عباس، وثوبان، وأَبو الدرداءِ، وزيدُ بن ثابت، وأَبو موسى الأَشعري، وابن عُمر" (٣). الثالث: أَن يقال: إن ذلك كان على الأَصل، وآثار الصحابة ناقلة عنه. وقد اتفق أَهل العلم على نجاسة الدّم؛ منهم:

стр. 29

١ - قال الإمام أَحمد "الدّم لم يختلِفِ الناس فيه، والقيح قدِ اختلف النَّاس فيه" (١). ٢ - قال ابن المُنذر: "فغَسل دم الحيض يجب؛ لأَمر النّبي ﷺ بغَسله، وحكمُ سائر الدماءِ كَحكْم دم الحيض، لا فرق بين قليل ذلك وكثيره" (٢). ٣ - قال ابن حزم: "واتفقوا على أَن الكثير من أَيّ دمٍ كان -حاشا دمَ السّمك وما لا يسيل دمُه- نَجِس" (٣). ٤ - قال ابن عبد البَر: "وهذا إجماع من المسلمين؛ أنّ الدّم المسفوحَ رِجس نَجِس؛ إلَّا أَن المسفوح وإن كان في أَصله الجاري في اللغة؛ فإنّ المعنى فيه -في الشريعة-: الكثيرُ؛ إذِ القَليلُ لا يكون مسفوحًا، فإذا سقطت من الدّم الجاري نقطة في ثوب أَو بدن: لم يكن حكمُها حكمَ المسفوح الكثيرِ، وكان حكمُها القليلَ، ولم يُلتَفت إلى أَصلها في اللغة" (٤). ٥ - قال الإمام ابن العَرَبي: "اتفق العلماء على أَنّ الدّم حرام نجس لا يؤْكل، ولا ينتفع به، وقد عيّنه الله -تعالى- ها هنا - مطلَقًا، وعينه في سورة الأَنعام مُقيدًا بالمسفوح، وحمَلَ العلماء -ها هنا - المطلقَ على المقيد؛ إجماعًا" (٥). ٦ - قال ابن قُدامة: " ... يعني: ما خرج من السبِيلَين؛ كالبول، والغائط، والمذي، والوَدي، والدّم، وغيره؛ فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا" (٦).

стр. 30

٧ - قال النووي: "والحديث فيه دِلالة على أَن الدّم نجس؛ وهو بإجماع لمسلمين " (١). ٨ - قال ابن الملقن: "الدّم نجس بالإجماع إلا من شذ" (٢). ٩ - قال ابن حجر: " .. لأَن جميع النّجاساتِ بمثابة الدَّم لا فرق بينه وبينها إجماعًا" (٣). أما دم الحيوان؛ فللصحابة فيه قوْلان: الأوّل: طهارته؛ وهو ما ذَهب إليه ابن مسعود ﵁ فيما روى يحيى بن الجزار، قال: "صلى ابن مسعود- وعلى بطنه فَرث، ودم من جزور نحرها -ولم يتوضأْ" (٤). الثاني: نجاستُه؛ وهو ما ذهب إليه أَبو موسى الأَشعريُّ ﵁ عن ابن علية، عن حُميْد؛ فيما جاءَ عن أَبي العالية: "أَن أَبا موسى نحر جزورًا، فأَطعم أَصحابه، ثمّ قاموا يصلُّون بغير طهور، فنهاهم عن ذلك، وقال: ما أُبالي؛ مشيْتُ في فَرثِها ودَمها، ولم أَتوضأْ- أَو أَكلت من لحمها ولم أَتوضأْ؟! " (٥)؛ هذا كلُّه إذا كان كثيرًا، أما القليل؛ فطاهر بالإجماع. ١٧ - قال الْمُصَنِّف (٦): "وفيما عدا ذلك خلاف، وأَما المني؛ فاحتجّوا على نجاسته بأُمور: الأوّلُ: حديث عمَّار، وقد سلف عدمُ صلاحيته للاحتجاج.

стр. 31

والثاني: بما ورد عن جماعة من الصحابة؛ وذلك لا تقوم به الحجة؛ لأنّه لم يكن إجماعًا ولا مرفوعًا. والثالث: بما ورد في المَذْيِ مِنَ الأَمر بغَسْل الفرج والأُنْثَيَيْنِ. ويجابُ عنه: أنَّه إثباتٌ لنجاسة المنى بقياس؛ لأنهما متغايران، على أَنه يمكِن أَنْ يكون التغليظُ في المذْي؛ إمّا لكونه يخرج غالبًا مختلطًا بالبول؛ أَو لأَنه ليس بأَصلٍ للنّسل". قال الفقير إلى عفو ربّه: لا يعرف عن أَحد من الصحابة أنَّه قال بنجاسة المني؛ بلِ الثابت عنِ ابن عبّاس، وسعدِ، وعائشةَ ﵃ القولُ بطهارة المنى؛ ولعلّه اختلط على الشارح ﵀ ما ورد عنهم من آثارِ بنجاسة المَذْي، وما ورد من أَحاديثَ مرفوعة في نجاسته؛ فهي لا تخلوا: ١ - إمّا أَنْ تكونَ صريحة وليست صحيحة؛ كحديث عمّار: "يا عمّارُ! إنما يُغْسَل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيئ، والدّم، والمني ... "، أَخرجه الدَّارقطني (١)، وأَبو يعلى (٢)، والبيهقيُّ (٣)، وقال: "هذا حديث باطل لا أَصل له". ٢ - وإمّا أَن تكون صحيحة؛ ولكنّها ليست بصريحة؛ كحديث عائشة في غَسْلِها المني من ثوبه ﷺ ؛ الّذي رواه البخاري ومسلم (٤)؛ فإن هذا على الاختيار؛ جمعًا بين الأَدلة، واقتفاءً لفَهم الصحابة ﵃. ١٨ - قال الْمُصَنِّف (٥): "وبيْن الفريقين -القائلِين بالنجاسة والقائلين بالطّهارة -مجادلاتٌ،

стр. 32

ومناظراتٌ، واستدلالاتٌ طويلة؛ استوفيناها في حواشي "شرح العمدة". انتهى.". قال الفقير إلى عفو ربه: انظز "بدائع الفوائد" (١)، لابن القيم ﵀. ١٩ - قال الْمُصَنّف (٢): "وهذا الزّعم من أَبطل الباطلات؛ فالتحريم للشيء لا يدلّ على نجاسته بمطابقة؛ ولا تضمُّن، ولا التزام، فتحريم الخمر، والميتة، والدّم؛ لا يدلّ على نجاسة ذلك، وكأَن الشَّارع قد علِم وقوع مثلِ هذا الغلط لبعض أُمَّته؛ فأَرشدهم إلى ما يدفعه قائلًا: "إنما حرّم من الميتة أَكلُّها، ولو كان مجردُ تحريم شيء مستلزمًا لنجاسته؛ لكان مثلُ قوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ -إلى آخره- دليلًا على نجاسة النّساء المذكورات في الآية!! ". قال الفقير إلى عفو ربه: للعلماء في حُكم الميْتة أَقوال ثلاثة: الأوّل: ما ذَكَره المؤلف؛ وهو طهارتها؛ تمسكًا بالأَصل. الثاني: نجاستها؛ وعدمُ جواز الانتفاع بشيء من أَجزائها؛ حتّى الجِلدُ لا يطهر بعد الدَّبغ. الثالث -وهُو الحق-: نجاسة ما دلّ الدّليل على نجاسته منها؛ كاللحم، والجلد: أما اللّحم؛ فأَمر مُجْمَع عليه، وأَما الجلد؛ فلقوله ﷺ : "يطهرها الماء والقَرظ" (٣)؛ فدلّ على نجاسته قبل الدّبغ. وأَمّا سائر أَجزائها -كالعظم-؛ فالأَصل فيه الطهارة.

стр. 33

٢٠ - قال الْمصَنِّف (١): "والمسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا؛ كما ثبت ذلك عنه ﷺ في "الصحيح"، وهكذا يلزم نجاسة أَعيانِ وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق؛ كالأَنصاب، والأَزلام، وما يُسكر من النّبات والثمرات بأَصل الخِلقة. فإن قلتَ: إذا كان التصريح بنجاسة شيءِ -أَو رِجْسِيتِه، أَوْ رِكْسِيتِه- يدلُّ على أنَّه نجِسٌ -كما قلتَ في نجاسة الرّوثة ولحم الخنزير -فكيف لم تحكمْ بنجاسة الخمر لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾؟! قلتُ: لمّا وقع الخمر -ها هنا- مقترنًا بالأَنصاب والأَزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرّجسية إلى غير النجاسة الشرعيّة". قال الفقير إلى عفو ربه: وآخر الآيةِ - وهي قولُه ﵎: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ -يدلُّ على صحة وصدق ما ذهب إليه ﵀، فالنجاسة -هنا- عملية معنوية، وليس حسّية؛ ومثله قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢)، وقوله -تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٣). وقد ذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر، وبالغ بعضهم ونقل الإجماع! وهو اختيار شيخِ الإِسلام وتلميذِه ابنِ القيم -رحمهما الله تعالى- (٤). ٢١ - قال الْمصَنِّف (٥): "ثمّ ترى أَحدَهم يلعب به الشيطانُ، حتى يصيرَ ما هو فيه نوعًا من

стр. 34

الجنون! فيغْسِل يده أَوْ وجهه مرّةً بعد مرة -حتّى يبلغَ العددُ إلى حدّ يَضِيقُ عنه الحصر- مع دلك شديد، وكلفة عظيمة، واستغراق للفكر، وهو يعلم بأنّ ذلك العُضوَ لم تُصبْه نجاسة مُغَلظَةٌ، ولا مخفَّفة، فلا يزال في تعب، ونصب، ومزاولة؛ لا يشك من رآه أَنّه لم يَبْق عنده من العقل بقيَّة، ثمَّ إذا فرغ من العضو الأَوّل بعد جهد جهيد؛ شرع في العُضو الثّاني، ثمّ كذلك، وكثير منهم من يَدخُلُ مَحَلَّ الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يَخرُجُ إلا بعد طلوع الشمس فما بلغ الشيطان هذا المبلغَ من أحدِ من العصاة؛ لأَنه عذب نفسه في معصية لا لَذةَ فيها للنّفس، ولا رِفعةَ للقَدر، وصار بمجرّد مجاوزة الثلاث الغُسْلات -كما قال رسول الله ﷺ فيمن تجاوزها-: " ... فقد أَساءَ، وتعدّى، وظَلَم"، فجمع له ﷺ بين هذه الثلاثة أَنواع، ثمّ لم يقنع منه بهذا، حتّى صيرَه تاركًا للفريضة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلَّا تركُها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن جابرٍ بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر تركُ الصلاة"، أخرجه مسلم، وأَحمدُ، وأَبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه. وأَخرج أَهل "السُّنَن" وأَحمدُ من حديث بُريدةَ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهدُ الذي بينَنا وبينَهمُ الصلاة، فمن تركَها؛ فقد كفر". وأَخرج الترمذيُّ عن عبد الله بن شَقِيقِ الْعُقَيلِيِّ قال: "كان أَصحابُ محمد ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من الأَعمال تركُه كفر؛ غيرَ الصلاة". فانظر كيف صار هذا الموَسْوِسُ -بنصّ رسول الله ﷺ -: مُسيئًا، متعديًا، ظالمًا، كافرًا؛ إنْ بلغ إلى الحدّ الذي ذكَرناه، فهذا باعتبار ما لَه عند ربه". قال الفقير إلى عفو ربه: تارك الصلاة كسلًا فيه نِزاعٌ بينَ السَّلف والخَلَف؛ أَدناه: أَن عمله كُفرٌ.

стр. 35

وأَما المُوَسوِسُ؛ فلا يصحُّ أَنْ يوصفَ بالكفر، وإن تركَ الصلاةَ حتى خرجَ وقتُها؛ لأَجل التأويل والشُّبهة. ٢٢ - قال الْمصَنِّف (١): "وأمَّا باعتبار ما لَه عند الخلق؛ فأَقلُّ الأَحوال أَنْ يقالَ: مجنونٌ يلعب به الشيطان؛ في مخالفة شريعة الرحمَن فـ ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾، ومع هذا؛ فهو يعذب نفسه بأشد العذاب، وكثيرًا ما يُفضي به ذلك إلى علة كبيرة تكون سببًا لهلاكه، فيلقى ربه قاتلًا لنفسه في معصية، فلا يَراحُ رائحة الجنة، كما ثبت عنه ﷺ فيمن قتل نفسه، وهذه المحنة يقع فيها العالم والجاهل. فمن كان جاهلًا؛ اعتذر لنفسه بأعذار شيطانية قد استزله الشيطان بها؛ فمنهم من يقول: لم أتيقن كمال الثلاث الغسلات في كل عضو! وهو قد غسل ذلك العضو مئات!! ومنهم من يقول: أريد أن اغسل غسلًا مشروعًا، لا تبقى شعرة ولا بشرة إلَّا وقد شملها الغسل والدّلك! فتراه يقلّب يديه ورجليه ويدلُكُ كل موضع منه في مقدار الجُثَة دلكًا فظيعًا، فيشرع بالأنملة، ثمَّ يدلك جزءًا بعد جزء، حتى يفرغ من الأصبع، ثمَّ يأخذ في الأخرى، ثمَّ كذلك؛ فلا يفرغ من غسل يده؛ إلَّا بعد مدّة طويلة، ثمَّ يلعب به الشيطان، فيشككه فيما قد غسله أنَّه لم يغسله، فيعود إليه، ثمَّ كذلك، فلا يكمل الثلاث الغسلات في زعمه؛ إلَّا بعد أن يبلغ بنفسه إلى حدّ يرحمه من رآه. ومن كان عالِمًا؛ يعترف بأن هذا الفعل مخالف للشريعة، وأنه وسوسة شيطانية، وهو أقبح الرجلين؛ فإنّه ممن أضلَّه الله على علم، ونادى على نفسه بأنّه منقاد لطاعة شيطانه في مخالفة خالقه، مستغرق بعباده عدو الله إبليس، لم يبق فيه بقية تزجره عن معصيته، فلم يَسْتَحيِ من الله؛ فيحمله

стр. 36

الحياء على إيثار الرحمن على الشيطان، ولم يَستَحي من النّاس؛ فيردعه حياؤه عن التحدّث لعباد الله بأنّه قد اشتغل عن ربه بَطاعته للشيطان! وفي مثل هذا قال رسول الله ﷺ : "إذا لم تَسْتَحيِ فاصنع ما شئت". والحاصل: أن هذه المحنة قد عمّت وطمَّت؛ عند كل فرد من أفراد العباد منها جزء من الأجزاء وإن قل! والكل من طاعة الشيطان ومخالفة الرحمن، والنّاجي من ذلك هو الكبريت الأحمر وعَنْقاءُ مُغرِبة، والغراب الأبقع. ومن أنكر هذا فليُجَرِّب نفسه، ويعمل بمثل هذا النّص الثابت عنه ﷺ في مسح الأذى الذي يعلق بالنّعل في الأرض ثمَّ يصلي فيه، وينظر عند ذلك كيف يجد نفسه؟! مع أن ذلك هو المهيَعُ الذِي لا يُرجحُ المجتهد سواه، إن أنصف من نفسه فليُصَدق فعلُه قولَه، وإن كان مقلدًا فله بالأئمة الأسلاف قدوة، وهم الأقل من القائلين بذلك، وهيهات ذاك؛ فإنّ الشكوك والخيالاتِ قد جعلها الشيطان ذريعة يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة المستهترين بمحبتها؛ لأنه وجد قومًا لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب الفجور، فحفر لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة؛ فهم أشقى أتباعه. اللَّهمّ أَعِذنا من نزعات الشَّيطان، وأَجرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة". قال الفقير إلى عفو ربه: ومحصّل كلامه ﵀ أَن للوسواس سبَبين: أَحدُهما: ضعف العلم. ثانِيهما: ضعف العقل. ٢٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "والاستحالة مطهّرة؛ أَي: إذا استحال الشيء إلى شيء آخر، حتى

стр. 37

كان ذلك الشيء الآخر مخالفًا للشيء الأوّؤل -لونًا، وطَعمًا، وريحًا- كاستحالة العَذِرَةِ رمادًا. وقد أوضحت ذلك في كتابي "دليل الطالب" فليراجع، وحققه الماتن في "ويل الغمام"، و"السيل الجرار"، وغيرهما. (لعدم وجود الوصف المحكوم عليه)؛ يعني: فَقَدْ فَقَدَ الوصفَ الذي وقع الحكم من الشَّارع بالنّجاسة عليه، وهذا هو الحق. والخلاف في ذلك معروف". قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن القيم ﵀: "طهارة الخمر بالاستحالة على وَفْق القياس؛ فإنها نجسة؛ لوصف الخبث، فإذا زال الْمُوجِب زال الْمُوجَب، وهذا أَصل الشريعة في مصادرها ومواردها؛ بل وأَصل الثواب والعقاب. وعلى هذا؛ فالقياس الصحيح تعديةُ ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نبش النبي ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقُلِ التراب، وقد أَخبر الله -سبحانه- عن اللَّبَن أَنّه يخرج من بين فرَث ودم، وقد أَجمع المسلمون على أنّ الدّابة إذا عُلِفت بالنّجاسة ثمَّ حُبست، وعلِفَت بالطاهرات؛ حلَّ لبنُها ولحمُها، وكذلك الزرعُ والثمار إذا سُقِيَتْ بالماءِ النّجس، ثمّ سُقِيَتْ بالطاهر؛ حلّت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدّلِه بالطيّب، وعكس هذا؛ أَن الطّيب إذا استحال خبيثًا، صار نجسًا؛ كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعَذِرَةَ، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبِيثًا، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا؟! والله -تعالى- يخرج الطيِب من الخبيث، والخبيثَ من الطَّيِّب، ولا عبرة بالأَصل؛ بل بوصف الشَّيءِ في نفْسِه، ومن الممتنع بقاءُ حكم الْخَبَث، وقد زال اسمُه ووصفْه، والحكم تابع للاسم، والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا، فالنّصوص المتناولةُ لتحريم المَيْتَة، والدّم، ولحم الخِنزير والخمر؛ لا تتناول: الزروع والثمار، والرَّماد والملح، والتراب والخلّ؛ لا لفظًا ولا معنى، ولا نصًّا ولا قياسًا.

стр. 38

والمُفرّقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نَجِست بالاستحالة؛ فطهُرت بالاستحالة. فيقال لهم: وهكذا الدّم، والبول، والعَذِرَةُ؛ إنّما نجست بالاستحالة؛ فتطهر بالاستحالة؛ فظهر أَن القياس معَ النصوص، وإنّما مخالفةُ القياس في الأَقوال التي تخالف النصوص" (١). ٢٤ - قال المصَنِّف (٢): في "الْمُسَوَّى": "قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: إذا أَصاب الأَرضَ بولٌ -أَو غيرُه من النجاسة المائعة، فصبّ عليها الماء حتى غلبها؛ طهرت، والغُسالة طاهرة إذا لم يكن فيها تغيّر، ولكنّها لا تُطَهر". قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا من فقهِ الإمام الشّافعيّ ﵀. قال ابن القيم ﵀: "قاعدة: في المسائل التّي يتعلق بها الاحتياط الواجب، وترك ما لا بأْس به؛ حذَرًا ممّا به بأْس. ومدارُها على ثلاثِ قواعدَ: الأُولى: في اختلاط المباح بالمحذور حسًّا. الثانية: اشتباهُ أَحدِهما بالآخَر والتباسُه به على المكلَّف. الثالثة: في الشكّ في الْعَيْن الواحدة؛ هل هي من قسم المباح، أَمْ من قسم المحذور؟ فأَمّا القاعدةُ الأُولى: في اختلاط المباح بالمحذور حِسًّا؛ فهي قِسمان: أَحدُهما: أَن يكونَ المحذورُ محرَّما لِعَينِه؛ كالدّم، والبول، والخمر، والْمَيتَة. الثانية: أَنْ يكونَ محرَّمًا لِكَسبِه" (٣).

стр. 39

قال الفقير إلى عفو ربه: وعند قولِ ابن القيم: "أَحدهما: أَن يكون المحذورُ محرَّما لعينه؛ كالدّم، والبول، والخمر، والمَيتَة" يندرج تحتها كلامُ الشافعي ﵀، وليس من هذا استعمالُ الماء الطاهر في الطهارة. ٢٥ - قال الْمُصَنف (١): "قال الشافعي ﵀: "وفرقٌ بين ورود النّجاسة على الماءِ، وورود الماءِ على النّجاسة". قال الفقير إلى عفو ربه: قَالَ الصَّنعانِي ﵀: "فَدَفَعَتهُ الشافعيةُ بالفرق بين ورود الماء على النّجاسة، وورودِها عليه، فقالوا: إذا وردت على الماء نجّسَتْه -كما في حديث الاستيقاظ-، وإذا ورد عليها الماء لم تضرَّه -كما في خبر بول الأَعرابي-. وفيه بحثٌ حققناه في حواشي "شرح العمدة"، وحواشي "ضَوْء النّهار"، وحاصلُه: أَنهم حكَموا أنَّه إذا وردتِ النجاسة على الماء القليل؛ نجَّسَته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجُسْ، فجعلوا علَّة عدم تنجِيس الماءِ: الورودَ على النّجاسة، وليس كذلك؛ بلِ التَّحقيقُ: أنّه حين يرد الماءُ على النّجاسة؛ يرِدُ عليها شيئًا فشيئًا؛ حتى يفنى عينها، وتذهبَ قبل فنائه؛ فلا يأْتي آخِرُ جزءٍ من الماء الوارد على النّجاسة؛ إلا وقد طَهُر المحلّ الذي اتَّصلت به، أو بقي فيه جزءٌ منها يفنى ويتلاشى عند ملاقاة آخر جزءٍ منها يَرِدُ عليها من الماء؛ كما تَفْنَى النّجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع. فلا فرق بين هذا وبين الماء الكثير في إفناء الكُل للنّجاسة؛ فإن الجزء الأَخير من الوارد على النّجاسة يُحِيلُ عينَها لكثرته؛ بالنسبة إلى ما بقي من النّجاسة، فالعلّة في عدم تنجِيسه بوروده عليها؛ هي كثرتُه بالنّسبة إليها لا الورودُ؛ فإنّه لا يُعقل التفرقة بين الورودين: بأَنَ أَحدَهما يُنَجّسُه دونَ الآخر" (٢).

стр. 40

٢٦ - قال الْمُصَنف (١): "وعند الحنفية -رحمَهُمُ الله تعالى- الغُسالةُ نَجِسة، والأَرضُ لا تطهُرُ بصبّ الماء حتي تزولَ عنها الْغُسالة. انتهى". قال الفقير إلى عفو ربه: استدلّوا على ذلك بقولِه ﷺ لبني هاشم: "إن الله كره لكم غسالة أَيدي الناس"، رواه ابنُ سعد (٢)، والجواب على هذا من وجوه: الأَوّل: أَنّ الحديث وارد في تحريم الصَدقة، وخاصٌّ ببني هاشم. الثاني: أَن قياس الماءِ المستعمل على الصدقة لا وجه له؛ فلا يصحُّ القياسُ في هذا الباب بالإجماع. الثالث: أنّ قياس الماء المستعمل على الثوب المستعمل في عبادة أَولى من قياس على الصّدقة؛ إن كان العلم ضَربًا من الرّأي!؟ ٢٧ - قال الْمُصَنِّف (٣): "والماء هو الأَصل في التطهير، فلا يقُوم غيرُه مقامَه إلا بإذنِ مِنَ الشَّارع: لأنَّ كون الأصل في التطهير هو الماء، وقد وُصف بذلك في الكتاب والسنّة وصفًا مطلقًا غير مقيد، بل قوله ﷺ : "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشادًا تشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول، فإذا ثبت عن الشَّارع أن تطهير شيء من النجاسات يكون بغير الماء -كمسح النّعل بالأرض ونحو ذلك-؛ كان الماء غير متعيّن في تطهير تلك النجاسة بخصوصها، بل نقتصر عليه هناك، ويتعين الماء فيما عداها، وهذا هو الحق. وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات،
следующие страницы →