← Фикх общий

Фикх общий · id 14272

النكت العلمية على الروضة الندية

عبد الله العبيلان

Полный текст (356 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحياء على إيثار الرحمن على الشيطان، ولم يَستَحي من النّاس؛ فيردعه حياؤه عن التحدّث لعباد الله بأنّه قد اشتغل عن ربه بَطاعته للشيطان! وفي مثل هذا قال رسول الله ﷺ : "إذا لم تَسْتَحيِ فاصنع ما شئت". والحاصل: أن هذه المحنة قد عمّت وطمَّت؛ عند كل فرد من أفراد العباد منها جزء من الأجزاء وإن قل! والكل من طاعة الشيطان ومخالفة الرحمن، والنّاجي من ذلك هو الكبريت الأحمر وعَنْقاءُ مُغرِبة، والغراب الأبقع. ومن أنكر هذا فليُجَرِّب نفسه، ويعمل بمثل هذا النّص الثابت عنه ﷺ في مسح الأذى الذي يعلق بالنّعل في الأرض ثمَّ يصلي فيه، وينظر عند ذلك كيف يجد نفسه؟! مع أن ذلك هو المهيَعُ الذِي لا يُرجحُ المجتهد سواه، إن أنصف من نفسه فليُصَدق فعلُه قولَه، وإن كان مقلدًا فله بالأئمة الأسلاف قدوة، وهم الأقل من القائلين بذلك، وهيهات ذاك؛ فإنّ الشكوك والخيالاتِ قد جعلها الشيطان ذريعة يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة المستهترين بمحبتها؛ لأنه وجد قومًا لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب الفجور، فحفر لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة؛ فهم أشقى أتباعه. اللَّهمّ أَعِذنا من نزعات الشَّيطان، وأَجرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة". قال الفقير إلى عفو ربه: ومحصّل كلامه ﵀ أَن للوسواس سبَبين: أَحدُهما: ضعف العلم. ثانِيهما: ضعف العقل. ٢٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "والاستحالة مطهّرة؛ أَي: إذا استحال الشيء إلى شيء آخر، حتى

стр. 37

كان ذلك الشيء الآخر مخالفًا للشيء الأوّؤل -لونًا، وطَعمًا، وريحًا- كاستحالة العَذِرَةِ رمادًا. وقد أوضحت ذلك في كتابي "دليل الطالب" فليراجع، وحققه الماتن في "ويل الغمام"، و"السيل الجرار"، وغيرهما. (لعدم وجود الوصف المحكوم عليه)؛ يعني: فَقَدْ فَقَدَ الوصفَ الذي وقع الحكم من الشَّارع بالنّجاسة عليه، وهذا هو الحق. والخلاف في ذلك معروف". قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن القيم ﵀: "طهارة الخمر بالاستحالة على وَفْق القياس؛ فإنها نجسة؛ لوصف الخبث، فإذا زال الْمُوجِب زال الْمُوجَب، وهذا أَصل الشريعة في مصادرها ومواردها؛ بل وأَصل الثواب والعقاب. وعلى هذا؛ فالقياس الصحيح تعديةُ ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نبش النبي ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقُلِ التراب، وقد أَخبر الله -سبحانه- عن اللَّبَن أَنّه يخرج من بين فرَث ودم، وقد أَجمع المسلمون على أنّ الدّابة إذا عُلِفت بالنّجاسة ثمَّ حُبست، وعلِفَت بالطاهرات؛ حلَّ لبنُها ولحمُها، وكذلك الزرعُ والثمار إذا سُقِيَتْ بالماءِ النّجس، ثمّ سُقِيَتْ بالطاهر؛ حلّت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدّلِه بالطيّب، وعكس هذا؛ أَن الطّيب إذا استحال خبيثًا، صار نجسًا؛ كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعَذِرَةَ، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبِيثًا، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا؟! والله -تعالى- يخرج الطيِب من الخبيث، والخبيثَ من الطَّيِّب، ولا عبرة بالأَصل؛ بل بوصف الشَّيءِ في نفْسِه، ومن الممتنع بقاءُ حكم الْخَبَث، وقد زال اسمُه ووصفْه، والحكم تابع للاسم، والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا، فالنّصوص المتناولةُ لتحريم المَيْتَة، والدّم، ولحم الخِنزير والخمر؛ لا تتناول: الزروع والثمار، والرَّماد والملح، والتراب والخلّ؛ لا لفظًا ولا معنى، ولا نصًّا ولا قياسًا.

стр. 38

والمُفرّقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نَجِست بالاستحالة؛ فطهُرت بالاستحالة. فيقال لهم: وهكذا الدّم، والبول، والعَذِرَةُ؛ إنّما نجست بالاستحالة؛ فتطهر بالاستحالة؛ فظهر أَن القياس معَ النصوص، وإنّما مخالفةُ القياس في الأَقوال التي تخالف النصوص" (١). ٢٤ - قال المصَنِّف (٢): في "الْمُسَوَّى": "قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: إذا أَصاب الأَرضَ بولٌ -أَو غيرُه من النجاسة المائعة، فصبّ عليها الماء حتى غلبها؛ طهرت، والغُسالة طاهرة إذا لم يكن فيها تغيّر، ولكنّها لا تُطَهر". قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا من فقهِ الإمام الشّافعيّ ﵀. قال ابن القيم ﵀: "قاعدة: في المسائل التّي يتعلق بها الاحتياط الواجب، وترك ما لا بأْس به؛ حذَرًا ممّا به بأْس. ومدارُها على ثلاثِ قواعدَ: الأُولى: في اختلاط المباح بالمحذور حسًّا. الثانية: اشتباهُ أَحدِهما بالآخَر والتباسُه به على المكلَّف. الثالثة: في الشكّ في الْعَيْن الواحدة؛ هل هي من قسم المباح، أَمْ من قسم المحذور؟ فأَمّا القاعدةُ الأُولى: في اختلاط المباح بالمحذور حِسًّا؛ فهي قِسمان: أَحدُهما: أَن يكونَ المحذورُ محرَّما لِعَينِه؛ كالدّم، والبول، والخمر، والْمَيتَة. الثانية: أَنْ يكونَ محرَّمًا لِكَسبِه" (٣).

стр. 39

قال الفقير إلى عفو ربه: وعند قولِ ابن القيم: "أَحدهما: أَن يكون المحذورُ محرَّما لعينه؛ كالدّم، والبول، والخمر، والمَيتَة" يندرج تحتها كلامُ الشافعي ﵀، وليس من هذا استعمالُ الماء الطاهر في الطهارة. ٢٥ - قال الْمُصَنف (١): "قال الشافعي ﵀: "وفرقٌ بين ورود النّجاسة على الماءِ، وورود الماءِ على النّجاسة". قال الفقير إلى عفو ربه: قَالَ الصَّنعانِي ﵀: "فَدَفَعَتهُ الشافعيةُ بالفرق بين ورود الماء على النّجاسة، وورودِها عليه، فقالوا: إذا وردت على الماء نجّسَتْه -كما في حديث الاستيقاظ-، وإذا ورد عليها الماء لم تضرَّه -كما في خبر بول الأَعرابي-. وفيه بحثٌ حققناه في حواشي "شرح العمدة"، وحواشي "ضَوْء النّهار"، وحاصلُه: أَنهم حكَموا أنَّه إذا وردتِ النجاسة على الماء القليل؛ نجَّسَته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجُسْ، فجعلوا علَّة عدم تنجِيس الماءِ: الورودَ على النّجاسة، وليس كذلك؛ بلِ التَّحقيقُ: أنّه حين يرد الماءُ على النّجاسة؛ يرِدُ عليها شيئًا فشيئًا؛ حتى يفنى عينها، وتذهبَ قبل فنائه؛ فلا يأْتي آخِرُ جزءٍ من الماء الوارد على النّجاسة؛ إلا وقد طَهُر المحلّ الذي اتَّصلت به، أو بقي فيه جزءٌ منها يفنى ويتلاشى عند ملاقاة آخر جزءٍ منها يَرِدُ عليها من الماء؛ كما تَفْنَى النّجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع. فلا فرق بين هذا وبين الماء الكثير في إفناء الكُل للنّجاسة؛ فإن الجزء الأَخير من الوارد على النّجاسة يُحِيلُ عينَها لكثرته؛ بالنسبة إلى ما بقي من النّجاسة، فالعلّة في عدم تنجِيسه بوروده عليها؛ هي كثرتُه بالنّسبة إليها لا الورودُ؛ فإنّه لا يُعقل التفرقة بين الورودين: بأَنَ أَحدَهما يُنَجّسُه دونَ الآخر" (٢).

стр. 40

٢٦ - قال الْمُصَنف (١): "وعند الحنفية -رحمَهُمُ الله تعالى- الغُسالةُ نَجِسة، والأَرضُ لا تطهُرُ بصبّ الماء حتي تزولَ عنها الْغُسالة. انتهى". قال الفقير إلى عفو ربه: استدلّوا على ذلك بقولِه ﷺ لبني هاشم: "إن الله كره لكم غسالة أَيدي الناس"، رواه ابنُ سعد (٢)، والجواب على هذا من وجوه: الأَوّل: أَنّ الحديث وارد في تحريم الصَدقة، وخاصٌّ ببني هاشم. الثاني: أَن قياس الماءِ المستعمل على الصدقة لا وجه له؛ فلا يصحُّ القياسُ في هذا الباب بالإجماع. الثالث: أنّ قياس الماء المستعمل على الثوب المستعمل في عبادة أَولى من قياس على الصّدقة؛ إن كان العلم ضَربًا من الرّأي!؟ ٢٧ - قال الْمُصَنِّف (٣): "والماء هو الأَصل في التطهير، فلا يقُوم غيرُه مقامَه إلا بإذنِ مِنَ الشَّارع: لأنَّ كون الأصل في التطهير هو الماء، وقد وُصف بذلك في الكتاب والسنّة وصفًا مطلقًا غير مقيد، بل قوله ﷺ : "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشادًا تشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول، فإذا ثبت عن الشَّارع أن تطهير شيء من النجاسات يكون بغير الماء -كمسح النّعل بالأرض ونحو ذلك-؛ كان الماء غير متعيّن في تطهير تلك النجاسة بخصوصها، بل نقتصر عليه هناك، ويتعين الماء فيما عداها، وهذا هو الحق. وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات،

стр. 41

وذهب أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وأبو يوسف -رحمه الله تعالى- إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر. وَيُرَدُّ على الجمهور بما ثبت عن الشَّارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون: إنّ الماء يتعين في مثل ذلك". قال الفقير إلى عفو ربه: ولكن عند أبي حنيفة ﵀: يصلّي عليها ولا يتيمّم بها، قال شيخ الإسلام ﵀: "والصّحيح أنَّه يصلّي عليها، ويتيمم بها، وهذا هو الصواب" (١). ٢٨ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وَيُرَدُّ على أَبي حنيفة -رحمه الله تعالى- ومن معه: بأَن إثبات مطَهر لم يَرِدْ عنِ الشَّارع، أَو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع". قال الفقير إلى عفو ربه: والأَظهر هو ما ذهب إليه أَبو حنيفة واختاره شيخُ الإِسلام؛ لوجهين: الأول: ما ثبت في "صحيح البخاري" (٣)، عن ابن عمر: "كانتِ الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد؛ في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرُشّون شيئًا من ذلك". ومن المعلوم: أَن النّجاسة لو كانت باقيةً لوجب غَسلُها، وهذا لا ينافي ما ثبت من: أنَّه ﷺ أَمرهم أَن يصبّوا على بول الأَعرابي -الذي بال في المسجد -ذَنوبًا من ماء -كما في "الصحيحين" - (٤)؛ فإن المقصود به تعجيلُ تطهير الأَرض، ويدلّ عليه -أيضًا- ما ورد عند أَبي داود (٥)،

стр. 42

وأَحمد (١) من دلك النّعلين، وذيل المرأَة؛ حيث قال ﷺ : "يطهرُه ما بعدَه" (٢). الثاني: أَن إزالة النّجاسة من باب التُروك؛ أَي: أَنّ الشَّارع يريد من المُكَلَّف التخلُّص منها، ولا غرض له في كيفيّة ذلك؛ فالنّبي ﷺ جعل التراب يطَهِّر أَسفل النَّعل وأَسفل الذيل، وسماه طَهورًا، فلأن يطهر نفسَه بطريق الأَولى والأَحرى، فالنّجاسة إذا استحالت في التُّراب فصارت ترابًا لن تبقى نجاسة. ثمّ إن أهل العلم متفقون على أنَّه لو عُلق ثوبٌ متنجس على حبل، فنزل مطر؛ فطهَّره؛ أنَّه يطْهُر، وهذا يدلّ على عدم اشتراط النية في تطهير النجاسات، ومن ثَمَّ عدمُ اشتراط كيفية تطهِيرِها. * * * ثالثًا: باب قضاء الحاجة ٢٩ - قال الْمُصَنف (٣): "ولا يرفع ثوبَه حتى يدنُوَ من الأَرض عند قضاء الحاجة، ويستتر بمثل حائش نخل ممّا يواري أَسفلَ بدنه"، ... فمَن لم يجد إلا أَن يَجْمَعَ كَثِيبًا من رمل؛ فليستدبره؛ فإنّ الشيطانَ يلعب بمقاعد بني آدم". قال الفقير إلى عفو ربه: هذا الحديث- "ولا يرفع ثوبَه حتى يدنوَ من الأَرض"-: رواه أَبو داود (٤)، والتّرمذي (٥)، من طريق: الأعَمش عن أَنس،

стр. 43

ولم يَسمع منه، ولا من أَحد من الصّحابة؛ ولكن رواه البيهقيّ (١) من طريق الأَعمش، عن قاسم بن محمد، عن ابن عُمَر؛ فصحّ بذلك. ٣٠ - قال الْمَصنِّف (٢): " ... فَلِحديث: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشِفَيْن عورتَهما يتحدثان؛ فإن الله يَمْقت على ذلك". قال الفقير إلى عفو ربه: هو ضعيف؛ وفيه ثلاثُ عِلل: الأُولى: أنّه من رواية عكرمة بن عمّار عن يحيى بن كثير؛ وهي مضطربة. الثانية: أَنّ في سنده هلالَ بنَ عياض -ويقال: عياض بن هلال-؛ وهو مجهول. الثالثة: الاضطراب؛ حيث إنه مرّة: يرويه عن أبي سعيد، ومرّة: يرويه عن جابر (٣). ٣١ - قال الْمصَنِّف (٤): "ولم يأْت مَن ضعّفَه بما تقوم به الحجّة في التضعيف". قال الفقير إلى عفو ربه: بل هو معلول، فقد قال أَبو داود: "هذا حديث منكر، وإنما يعرف: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهريّ، عن أَنس: "أَنّ النبي ﷺ اتخذ خاتَمًا من وَرِق ثمّ أَلقاه"، والوهم فيه من همّام، ولم يروِه إلَّا همام" (٥).

стр. 44

قال ابن القيمِ: "قيل: هذه الرّوايات -كلُّها- تدل على غلط همام؛ فإنّها مُجمِعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتَم ولُبسِه، وليس في شيء منها: نزَعه إذا دخل الخلاء؛ فهذا هو الذي حَكَم لأَجلِه هؤلاءِ الحفّاظُ بنكارة الحديث وشذوذه، والمصحّح له لمّا لم يُمكنْهُ دفعُ هذه العلةِ؛ حكَم بغرابته لأَجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذكر فما وجه غرابته؟ ولعلّ الترمذيَ موافق للجماعة؛ فإنّه صحّحه من جهة السند لثقة الرّواة، واستغربه لهذه العلَّة، وهي التي منعت أَبا داوادَ من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف؛ لكنه معلول، والله أَعلم" (١). ٣٢ - قال الْمصَنِّف (٢): "وقد أُعل بأَنه من رواية أَبي سعيد الحِميَريّ عن معاذ -ولم يسمع منه-". قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ: "وصحَّحه ابن السكن والحاكم، وفيه نظر؛ لأَنّ أَبا سعيد لم يسمع من معاذ، ولا يعرف هذا الحديثُ بغير هذا الإسناد؛ قاله ابن القطان" (٣). وقال -أَيضًا-: "مجهول، من الثالثة، وروايتُه عن معاذ بن جبل مرسلة" (٤). ٣٣ - قال المصَنِّف (٥): "وقد أُعلّ بأَنه من رواية قَتادَةَ عنه -ولم يسمع منه-؛ ولكنّه قد صحّح سماعه منه عليّ بن المديني، وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السّكن". قال الفقير إلى عفو ربه: هذا الحديث أُعلَّ بعلْتين:

стр. 45

الأُولى: أنَّه من رواية قتادةَ عن عبد الله بن سرجس، ولم يسمع منه؛ كما قال الإمام أَحمد وغيره. الثانية: على فرَض سماعه؛ فإنّ قتادة مدلّس وقد رواه بالعنعنة. وفي نظري؛ أَن كلا العلتين مردودة: أمّا الأُولى: فقد أَثبت عدد من الحفّاظ المتقنين سماعَ قتادة من ابن سرجس -ومنهم ابن المديني-. وأَمّا الثانية: فطريقتنا؛ أَنّنا لا نُعل الحديث بعنعنة مدلّس، إلَّا إذا كان في المتن نكارة، أَو كان التّدليس -عنده- شديدًا، أَو مضعّفًا من جهة أُخرى، ولو تأَملنا "الصحيحين" لوجدنا أَن فيها أَحاديثَ كثيرة؛ رواها قتادةُ بالعنعنة؛ ولذا فإنّ الأَظهرَ اتصالُ سنده، والله أَعلم. ٣٤ - قال الْمُصَنِّف (١): "ومنها: ما أَخرجه أَحمد -رحمه الله تعالى-، وأَهل السنن من حديث عبد الله بن مُغفل، عن النبي ﷺ قال: "لا يبولَن أَحدُكم في مستحَمِّه، ثمّ يتوضأْ فيه؛ فإنّ عامّة الوسواس منه". قال الفقير إلى عفو ربه: ورواه ابن الجارود (٢): حدثنا محمد بن يحيى، وأَحمد بن يوسف، قالا: ثنا عبد الرَّزاق، قال: ثنا معمر، عن أَشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل؛ الحديث؛ وهذا الحديث إسناده صحيح، وله شاهد عند أَبي داود (٣): حدَّثنا أَحمد بن يونس: ثنا زُهير، عن داود بن عبد الله، عن حميدِ الحميريّ -وهو ابن عبد الرحمن-، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة، قال:

стр. 46

"نهى رسول الله ﷺ أَن يمتشط أَحدُنا كلَّ يوم، أَو يبول في مغتسله. وأُعلّ حديثُ ابن مغفل؛ بأَنه من رواية الحسن عن عبد الله بن مغفّل، والحسن مدلّس، وقد رواه بالعنعنة، وَرُدّت هذه العلّةُ: بأَنّه قد ثبت سماع الحسن من عبد الله من مغفل، وما نخشاه من تدليس الحسن قد أَمنّاه في ذلك الشّاهد؛ الذي رواه أَبو داود عن بعض أَصحاب النبي ﷺ ، وسنده صحيح. ٣٥ - قال الْمصَنِّف (١): "ومن جملة ما استدلّوا به: حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند أَحمد -رحمه الله تعالى-، وأَبي داودَ -رحمه الله تعالى-، والترمذي -رحمه الله تعالى؛ وحسنه-، وابن ماجه -رحمه الله تعالى-، والبزار- رحمه الله تعالى-، وابن الجارود -رحمه الله تعالى-، وابن خزيمة- رحمه الله تعالى-، وابن حِبان -رحمه الله تعالى-، والحاكم -رحمه الله تعالى-، والدّارقطني -رحمه الله تعالى-، قال: "نهى النبي ﷺ أَن نستقبلَ القِبلة ببول، فرأَيتُه قبل أَن يُقبَض بعام يستقبلها"، قد نقَل الترمذي عن البخاري ﵀ تصحيحَه، وصحَّحه -أَيضًا- ابنُ السكن، وحسّنه- أَيضًا - البزار". قال الفقير إلى عفو ربه: وقد قيل: بأَنه لا يصحُّ، وأُجيب عنه بأَجوبة: الأَوّل: ما قاله ابن عبد البَر وابن حزم؛ أَنّ في سنده أبان بن صالح؛ وهو مجهول، وأُجيب عن هذا: بأَنه ليس مجهولًا؛ بل هو معروف. الثّاني: أَن في سنده محمَّد بن إسحاق؛ وهو مدلّس، وقد عنعن في هذا الحديث.

стр. 47

وأُجيب عن هذا: بأَنّه صرّح بالتّحديث في رواية أَحمد (١)، وأَبي داود (٢)، وابن الجارود (٣). الثالث: أَن محمد بن إسحاق قد خالف في هذا الحديث مَن هو أَوثقُ منه؛ فالحديث شاذ، والشاذ من أَقسام الضعيف، ومن تأَمّل ترجمة ابن إسحاق وجَدَ الذهبي يقول عنه: "له شذوذات"، وهذا من شذوذاته، ومنها: أنّ النَّاس يقولون: "إن يد السّارق تقطع في ثلاثة دراهمَ"، وهذا ثابت في "الصحيحين" من حديث ابن عمر، وعائشة، وغيرهما، ثم جاء ابن إسحاق وقال: "تقطع في عشرة دراهمَ". ومن شذوذاتِه: "أَن المحرِم إذا لم يَطُف قبل مغيب الشّمس عاد كهيئته حرمًا". فهذا الحديث ضعيف -وإن صحّحه البخاري-؛ لمخالفتِه أَحاديثَ الثقات الأَعلام. ٣٦ - قال الْمُصَنّف (٤): "ولا يخفى أنَّه قد تقرّر في الأُصول: أَن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاصّ بالأُمّة، فما وقع منه ﷺ لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقِبلة". قال الفقير إلى عفو ربه: والحق أَنْ لا تعارض بين قوله ﷺ وفعله، وقد أُمرنا بالأَخذ بكلّ منهما، وما ظُنّ فيه التعارض؛ فيجب أَن يحمل على العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد؛ هذا إذا أَمكن الجمع، أما إذا لم يُمْكِنِ الجمع بأيّ وجه من وجوه التوفيق؛ فإن القول يُقدَّم على الفعل؛ لأَنه مُحكَم، والفعل محتمل؛ ولأَنه ناقل عن الأَصل، والفعلُ على الأَصل،

стр. 48

وإنما يؤخذ بالأَحدث من الأَحكام، وهذا ما يُعرف بالنّسخ، وإنما يمكِنُ للباحث معرفة ذلك من خلال النظر في آثار الصحابة؛ فهمًا وعملًا. ٣٧ - قال الْمُصَنِّف (١): "فإن قلتَ: حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - عند أحمد- رحمه الله تعالى-، وابن ماجه -رحمه الله تعالى- قالت: ذُكر لرسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القِبلة بفروجهم؟ فقال: "أَوَ قد فعلوها؟! حولوا مِقعدتي قِبَل القبلة" قلتُ: لو صحَّ هذا لكان صالحًا للنسخ؛ لأنَّ النبي ﷺ فعله لقصد التشريع للأُمّة؛ ولمخالفة من كان يكره الاستقبال. ولكنه لم يصح؛ فإنّ في إسناده خالدَ بنَ أَبي الصّلت، قال ابن حزم: "هو مجهول"، وقال الذهبي في "الميزان"- في ترجمة خالد بن أَبي الصّلت-: "إن هذا الحديث منكر". قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن القيم ﵀: "هذا حديث لا يصحُّ، وإنما هو موقوف على عائشة؛ حكاه التّرمذي في كتاب "العلل" عن البخاري، وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علّة لا يدركها إلا المعتنون بالصّناعة، المعانون عليها؛ وذلك أَن خالد بن أَبي الصلت، لم يَحفظ متْنَه، ولا أَقام إسناده؛ خالف فيه الثقةَ المثبت صاحبَ عراك بن مالك -المختصّ به الضّابط لحديثه -جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك. فبين أَن الحديث لعراك عن عروة ولم يرفعه، ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك؛ مع صحة الأَحاديث عن النبي ﷺ وشهرتِها بخلاف ذلك.

стр. 49

وقال عبد الرحمن بن أَبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن الأَثرم، قال: سمعت أَبا عبد الله -وذكر حديث خالد بن أَبي الصّلت-، عن عراك بن مالك، عن عائشة، عن النبي ﷺ هذا الحديث؛ فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة؟! فأَنكره، وقال: عراك بن مالك من أَين سمع من عائشة؟! ما لَهُ ولعائشة؟!! إنما يرويه عن عروة؛ هذا خطأٌ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حمّاد بن سلمة، عن خالد الحذاء؟ قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه: سمعتُ، وقال غير واحد -أَيضا عن حماد بن سلمة-: ليس فيه: سمعتُ. فإن قيل: قد روى مسلم في "صحيحه" حديثًا عن عراك عن عائشة؟ قيل: الجواب: إن أَحمد وغيرَه خالفه في ذلك، وبَينوا أنّه لم يسمع منها" (١). ٣٨ - قال الْمُصَنِّف (٢): وقد استَدلّ من خصّص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما أَخرجه أبو داود -رحمه الله تعالى-، والحاكم -رحمه الله تعالى-، عن مروانَ الأَصفر ﵁، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته؛ مستقبلَ القبلة يبول إليها، فقلت: يا أَبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن ذلك؟! فقال: بلى، إنما نُهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يستبرك؛ فلا بأُس. "وقد حسّن الحافظ في "الفتح" إسنادَه". قال الفقير إلى عفو ربه: هذا الأَثر ضعيف (٣)، ولا يصحُّ؛ فإن في

стр. 50

إسناده الحسنَ بنَ ذكوان، وهو مطعون في عدالته، ويدلس تدليسًا شديدًا، ضعَّفه أَحمد، وابنُ المديني، والنَّسائيّ، وابنُ عدي. قال الذَّهبيُّ: "قال ابن عديّ: يروي أَحاديثَ لا يروِيها غيرُه، وقال ابن معين: كان صاحبَ أَوابد" (١). فهو - إذن- ضعيفٌ، وإن أَخرج له البخاريّ في "صحيحه"؛ لأنّ البُخاريّ ينتقي من أَحاديث الرجل، ولا يأْخذُ إلَّا الصَّحيح. والمقصود: أَنّ الحديث إسنادُه ضعيف؛ لِعِلَّتين: الأُولى: ضعف الحسن بن ذكوان. الثَّانية: تدليسه الشَّديد وقد عنعنه، وما رأَيتُ أَحدًا مِنَ المُتقدِّمين وثَّقه. ٣٩ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وروي عن عمر عند التِّرمذيُّ: "أَن النَّبيَّ ﷺ نهاه أَنْ يبولَ قائمًا". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قال أَبو عيسى التِّرمذيُّ: "وإنَّما رَفع هذا الحديثَ عبد الكريم بن أَبي المخارق، وهو ضعيف عند أَهل الحديث، ضعَّفه أَيّوب السختياني، وتكلّم فيه، وروى عبيد الله، عن نافِع، عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁: ما بُلْتُ قائمًا منذ أسلمت" (*)، وهذا أَصحُّ من حديث عبد الكريم" (٣).

стр. 51

٤٠ - قال الْمُصَنِّف (١): "وروى الحاكم: أَنّ بوله ﷺ قائمًا كان لمرض"؛ لكن ضعَّفه الدّارقطنيُّ والبيهقيّ، فلم يكن صالحًا لحمل بوله على حال الضّرورة". قال الفقير إلى عفو ربّه: بل الزِّيادةُ الأَخيرةُ هي الّتي لا تصحُّ؛ لأَنّ في سندها حمّادَ بنَ غسان؛ فقد ضعَّفه البيهقيُّ والدَّارقطنيُّ، وأَقرّهما الحافظ ابن حجرٍ (٢). ٤١ - قال الْمُصَنِّف (٣): "ولا ريب أَن البول من قيام: مِنَ الجفاء، والغِلظة، والمخالفة للهيئة المستَحسَنة، مع كونه مَظِنَّةً لانتضاح البول وترشرشه على البائل وثيابه، فأَقلُّ أَحواله النّهيُ مع هذه الأُمور: أَنْ يكون البول من قيام مكروهًا. وهذا على فرَضِ أَن فعلَه ﷺ لِقصد التّشريع حتَّى يكون لبيان الجواز، ويكون صارفًا للنّهي، فإنَّ لم يكن كذلك؛ فالنَّهي باقٍ على حقيقته، والبول من قيام مِن خصائصه، ولكن بعد ثبوت النَّهي من طريق صحيحة أَو حسنة!! ". قال الفقير إلى عفو ربِّه: والأَظهر في هذا أَن يقال: إنَّ السُّنَّة البولُ قاعدًا؛ لحديث عائشةَ ﵂. وأَمَّا البولُ قائمًا؛ فجائزٌ؛ لحديث حذيفة ﵁؛ ولكن بشرطَين: الأَوّل: أَنْ يأْمَنَ مِنْ أَن يرى أَحدٌ عورتَه.

стр. 52

الثَّاني: أَنْ يأمَنَ من عود رشاش البول إليه (*). ٤٢ - قال الْمُصَنِّف (١): "وعليه: الاستجمار بثلاثة أَحجار طاهرة؛ أَي: مَسَحَات؛ لأَنَّها لا تُنَقي- غالبًا- بأَقَلَّ من ثلاثة أَحجار؛ لما في "صحيح مسلم" وغيره من حديث سلمانَ: أَن النّبي ﷺ نهى عنِ الاستجمار بأَقَلَّ من ثلاثة أَحجار، وعن الاستنجاء برجيع أَو عظم. قال الفقير إلى عفو ربِّه: وقدِ استدل مَن رأَى جواز الاقتصار على حجرَين بحديث ابن مسعود: أَن النَّبيَّ ﷺ أَمرَه أَن يَأتيَ بأحجارٍ، قال: فأَتيته بحجرين ورَوثَة، فأَلقى الرّوثةَ وقال: "إنّها رِكس". ووجه الدِّلالة في الحديث: أَنه اكتفى ﷺ بحجرين، ولم يأْمرْه أَنْ يأْتيَ بثالثٍ. والجواب: أَنّه أَمرَه ﷺ ؛ كما عند أَحمدَ (٢)، والدَّارقطنيُّ (٣) قال: "ائتني بغيرها". وصحّحَ الزيادةَ الحافظُ وغيرُه. واستدلّوا -أَيضًا- بحديث أَبي هريرة ﵁: "مَنِ استجْمَر؛ فليوترْ، ومن فعل؛ فقد أَحْسنَ، ومَن لا؛ فلا حرَجَ". والجواب عنه من وَجهينِ: الأَوَّل: أَن في إسنادِه الحصين الحبراني، يرويه عن أَبي سعيد الحمراني؛ وهما مجهولان، والحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به. الثَّاني: أَنّه على فرض تحسينه -كما ذهب إلى ذلك الحافظ-؛ فإنَّه محمول على ما فوق الثلاث؛ جمعًا بين النّصوص.

стр. 53

٤٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "وورد كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن عبَّاس ﵄: "حجران للصّفحتين، وحجر للمسرَبَة"- بسين مُهملة، وراءٍ مضمومة -أَو مفتوحة-: مجرى للحدث من الدُّبر". قال الفقير إلى عفو ربِّه: الحديث أَخرجه الدّارقطنيُّ (٢)، والبيهقِيُّ (٣) من طريق: أُبيِّ بن العبَّاس بن سهلِ السّاعدِيّ، عن أَبيه، عن سهل بن سعدِ السّاعديّ. وفيه: أُبَيُّ بن العباس، قال الحافظ: "قال الحازميُّ: لا يُروى إلَّا من هذا الوجه. وقال العُقَيلِيُّ: لا يُتابَعُ على شيءٍ من أَحاديثِه -يعني: أُبَيًّا-، وقد ضعَّفه ابنُ معين، وأحمدُ، وغيرُهما، وأُخرج له البخاريُّ حديثًا واحدًا في غير حُكم" (٤). فالحديث من رواية سهل بن سعدِ السّاعدِيّ، وليس من حديث ابن عبَّاس كما قال الْمُصَنِّف؛ وهو وهم؛ فتُصحِّف عليه (أُبي بن العباس) إلى (ابن عبَّاس). ٤٤ - قال الْمُصَنِّف (٥): "والحاصل: أنه لا نزاع في كون الماء أَفضلَ؛ إنَّما النزاع في أَنَّه يتعين ولا يجزيء غيرهُ، وهذا كلّه على فرض ثبوت قوله في حديث أَهل قُبَا: "ذَلِكُمُوه؛ فَعَلَيكُمُوه"، ولكنَّه لم يثبت في شيء من كتب الحديث؛ بل الَّذي في "الجامع" عن أَنسٍ: أَن النَّبيَّ ﷺ قال لأَهل قُبَا: "إن اللهَ قد أَحسنَ الثّناء عليكم؛ فما ذاك؟ "، قالوا: نجمع في الاستجمار بين الأَحجار

стр. 54

والماء". قال الفقير إلى عفو ربِّه: هذا الحديث في سندِه: عتبة بن أَبي حكيم، وهو مختلف في توثيقه؛ إلَّا أَن الحديث له شواهدُ: منها: ما أخرجه أَحمدُ (١) وغيرُه من حديث عويم بن ساعدة الأَنصاريِّ: أَن النَّبيَّ ﷺ أَتاهم في مسجد قُباء، فقال: "إن الله -تعالى- قد أَحسنَ الثّناء عليكم في الطهور في قصَّة مسجدكم؛ فما هذا الطهورُ الّذي تَطَهَّرونَ به؟ "، قالوا: والله - يا رسول الله! - ما نعلمُ شيئًا؛ إلَّا أَنَّه كان لنا جيرانٌ من اليهود، فكانوا يَغْسلون أَدبارَهم من الغائط، فغَسَلنا كما غَسَلوا. ومنها: ما أخرجه أَبو داود (٢)، والتِّرمذيُّ (٣)، وابن ماجه (٤) من حديث أَبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "نزلت هذه الآية في أَهل قُباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ .. -قال-: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية"، وفي إسناده إبراهيم بن أَبي ميمونة وهو مجهول. فهذه الأَحاديث الثلاثة: يقوي بعضَها بعضًا، وفي الباب غيرُها، إلَّا أَن البزّار (٥) انفرد برواية عن ابن عبَّاس: "إنّا نُتبعُ الحجارةَ الماء"، وهذه الرّواية نصَّ أَكثرُ أَهل العلم على ضعفِها. ٤٥ - قال الْمُصَنِّف (٦): "إذا تقرّر هذا: علمت أَنّه شرع الاستجمار لمن بال، كما شرع لمن

стр. 55

تغوّط، وأَن يكون بثلاثة أَحجار، ولم يرد ما يخالف هذا من شرع، ولا لغة، ولا اشتقاق". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وما رأَيت أَحدًا فرَّق بين البول والغائط، فجوّز الاكتفاء بأَقل من ثلاثة أَحجار بالبول دونَ الغائط إلَّا الصّنعانيَّ (١). ٤٦ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وتندبُ الاستعاذة عند الشُّروع؛ أَي: الدّخول؛ لأَن الحشوش محتضرة؛ يحضُرها الشياطين؛ لأَنهم يحبّون النّجاسة، ووجهه: ما أخرجه لجماعة من حديث أَنس ﵁، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللَّهمَّ! إنّي أَعوذ بك من الخبث والخبائث". وقد روى سعيد بنُ منصور في "سُننه": أَنّه كان ﷺ يقول: "اللهمّ! إنِّي أَعوذ بك من الخبث والخبائث"، وإسنادُه على شرط مسلم". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قال الحافظ: "وقد روى العمريّ هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب، بلفظ الأَمر، قال: "إذا دخلتمُ الخلاء؛ فقولوا: بسم الله، أَعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإسناده على شرط مسلم" (٣). وكذا زاد سعيد بن منصورٍ البسملةَ، لكنْ مِن فعلِه ﵊. وروى التّرمذيُّ (٤) - بسندٍ؛ لعلَّه يتقوّى بشواهدِه (٥) -من حديث عليٍّ-

стр. 56

رضي الله عنه -، أَن رسول الله ﷺ قال: "ستر ما بين الجِنّ وعورات بني آدم -إذا دخل الخلاءَ- أَنْ يقولَ: بسم الله". وهذا من المواضع الّتي تتقدّم فيها البسملة على الاستعاذة. ٤٧ - قال الْمُصَنِّف (١): "وأَخرج نحوَه النَّسائِيّ، وابن السَّني من حديث أَبي ذرّ، ورمز السُّيوطِيُّ لصحّته". قال الفقير إلى عفو ربّه: والصَّحيح أَنَّه موقوفٌ على أَبي ذرّ ﵁ من قوله: أَفادَه الحافظُ (٢). ٤٨ - قال الْمُصَنِّف (٣): "وصحّحه ابن حبَّان، وابن خُزيمةَ، والحاكم -رحمه الله تعالى-". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وكذلك أَبو حاتم في "العلل" (١/ ٤٣). * * * رابعًا: باب الوضوء ٤٩ - قال الْمُصَنِّف (٤): "يجب على كلِّ مكلّف لمن أَراد الصَّلاة وهو مُحدِثٌ أَوْ جُنُبٌ (أَنْ يُسَمِّيَ)؛ وجه وجوب التسمية: ما ورد من حديث أَبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، أَنّه قال:

стр. 57

"لا صلاةَ لمَنْ لا وضوءَ له، ولا وضوء لِمَن لم يذْكُرِ اسمَ الله عليه"؛ أَخرجه أَحمد -رحمه الله تعالى-، وأَبو داود -رحمه الله تعالى-، وابن ماجه -رحمه الله تعالى-، والترمذيُّ -رحمه الله تعالى- في "العلل"، والدَّارقطنيُّ -رحمه الله تعالى-، وابنُ السَّكن -رحمه الله تعالى-، والحاكم -رحمه الله تعالى-، والبيهقي -رحمه الله تعالى-، وليس في إسناده ما يُسقطُه عن درجة الاعتبار. وله طرق أخرى من حديثه عند الدَّارقطنيّ -رحمه الله تعالى- والبيهقي ﵀. وأَخرج نحوَه أَحمد -رحمه الله تعالى-، وابن ماجه -رحمه الله تعالى - من حديث سعيد بن زيد ﵁، ومن حديث أَبي سعيد. وأَخرج آخرون نحوَه من حديث عائشة ﵂، وسهل بن سعد ﵁، وأبي سبرة ﵁، وأم سبْرة ﵂، وعلي ﵁، وأنس ﵁. ولا شك ولا ريب أَنَّها جميعًا تنتهض للاحتجاج بها، بل مجرّد الحديث الأَوّل ينتهض للاحتجاج لأَنَّه حسن، فكيف إذا اعتضد بهذه الأَحاديث الواردة في معناه؟! ولا حاجة للتَّطويل في تخريجها؛ فالكلام عليها معروف، وقد صرّح الحديثُ بنفي وضوءِ مَن لم يذْكُرِ اسمَ الله، وذلك يفيد الشّرطيّة التي يستلزم عدَمُها العدَمَ، فضلًا عن الوجوب؛ فإنَّه أَقلُّ ما يستفاد منه". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قد تقرَّر عند أَهل العلم بصناعة الحديث: أَن كثرة طرق الحديث وشواهدِه؛ لا يلزم منها تحسينُه؛ فضلًا عن صحّته. فحديث: "يس قلبُ القرآن" له أَكثرُ من اثني عشَر طريقًا، ولا ينهض للاحتجاج. وحديث: "من حج فلم يزُرْني؛ فقد جفاني" له أَكثرُ من أَربعةَ عشَرَ طريقًا، وهو حديث موضوع.

стр. 58

فإذا تُفُطِّن لهذا؛ عُلم أَنّ كثرةَ طرق حديث: "لا وضوء لمَن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عليه" لم تخْفَ على الأَئمّة الكِبَار: كأَحمد، والبخاريُّ، وغيرِهما، حتَّى قال أَحمدُ: "لا أَعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد". فإنَّ قيل: أَهل العلم يختلفون في اجتهادهم في تحسين الأَحاديث؛ فإنّه باب واسع. قال الفقير إلى عفو ربِّه: هذا حقٌّ؛ ولكنْ مثلُ هذا يحتاج لاعتضادِه والحكم بظاهره إلى عمل الأَولين من الصحابة وفَهْمِهِم؛ فإنَّ وُجد أَنَّهم أَمروا بذلك على سبيل الاشتراط أَوِ الوجوب؛ قيل به، وإلَّا فإنَّ تركَهم له مِمَّا يدلُّنا على ضعفْه. ومع ذلك؛ فإنَّ عامة مَنْ ذَهبوا إلى الحديث لم يأْخُذوا بظاهرِه؛ بل فرَّقوا بين المتعمِّد والنّاسي -إلَّا ما نقل عن إسحاق بن راهويه-، وهذا يدلُّ على عدم وجود المتمَسّك به من عمل الصحابة وفَهمِهم؛ إلَّا ما ثبت عند ابن أَبي شَيْبَة عن عمَر ﵁ أَنَّه سمّى قبل اغتِسالِه، وهذا يدلُّ على الاستحباب. ٥٠ - قال الْمُصَنِّف (١): "إذا ذَكَر تقييدَ الوجوب بالذكْرِ؛ للجمع بين هذه الأَحاديث وبين حديث: "مَن توضأَ وذَكَر اسم الله عليه؛ كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأَ ولم يذكُرِ اسم الله عليه؛ كان طهورًا لأَعضاء وضوئه"؛ أَخرجه الدّارقطنيّ -رحمه الله تعالى-، والبيهقيّ -رحمه الله تعالى- من حديث ابن عمر ﵁، وفي إسناده متروك". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وفيه عبد الله بن حكيمِ أَبو بكر الدّاهريُّ، كذابٌ؛ يروي الموضوعات.

стр. 59

٥١ - قال الْمُصَنِّف (١): "ورواه الدّارقطنيّ والبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وفي إسناده -أيضًا- متروك". قال الفقير إلى عفو ربِّه: فيه يَحْيَى بن هاشم السّمسار وهو كذاب. ٥٢ - قال الْمُصَنِّف (٢): "ورواه أَيضًا الدّارقطنيّ البيهقيّ من حديث أَبي هريرة، وفيه ضعيفان". قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَمَّا الدّارقطنيُّ؛ ففي إسناده: مرداس بن محمّد بن عبد الله بن أَبي بردة، قال الذهبي: "لا أَعرفه، وخبره منكر في التّسمية على الوضوء" (٣). وأمَّا البيهقيُّ؛ ففي إسناده: سلمة الليثيُّ، قال البُخاريّ: "لا يعرف لسلمة سماع عن أبي هريرة، ولا ليعقوب عن أَبيه" (٤). ٥٣ - قال الْمُصَنِّف (٥): "وهذه الأَحاديث لا تنتهض للاستدلال بها، وليس فيها أيضًا دلالة على المطلوب من أنّ الوجوب ليس إلَّا على الذكر، ولكنَّه دل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السّهو والنسيان، وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز، فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلّة الكلية، ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعيّة، وبعد هذا كلّه: ففي التّقييد بالذِّكْر إشكال".

стр. 60

قال الفقير إلى عفو ربِّه: لو كان الحديث ثابتًا وعليه عمل الصّحابة؛ لقيل ببطلان وضوء مَن لم يسمِّ ناسيًا؛ كما قيل ببطلان صلاة من صَلَّى بلا وضوء ناسيًا؛ فتنبَّه!! ٥٤ - قال الْمُصَنِّف (١): "نعمْ؛ التّسمية أَدَبٌ كسائر الآداب العامَّة؛ لقوله ﷺ : "كلُّ أَمر ذي بال لم يبدأ باسمِ الله؛ فهو أَبتر". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وهو حديث ضعيف: أَخرجه أَحمد (٢)، وأَبو داود (٣)، وابن ماجه (٤)، والنَّسائيُّ (٥)، والدَّارقطنيُّ (٦)، والبيهقيّ (٧) من طرق: عن الأَوزاعيّ، عن قرّة، عن الزُّهْريّ، عن أَبي سلمة، عن أَبي هريرة. قال الدّارقطنيّ: "وأَرسله غيره عن الزُّهريّ، عن النَّبيَّ ﷺ ، وقرّة ليس بقويِّ في الحديث" (*). ٥٥ - قال الْمُصَنِّف (٨): "وأَقوله: قد تقرّر: أَن النَّفي في مثل قوله: "لا وضوء ... " يتوجّه إلى الذّات إن أمكن فإن لم يمكن؛ توجّه إلى الأقرب إليها -وهو نفي الصِّحة-؟ فإنَّه أقرب المجَازينِ، لا إلى الأبعد-وهو نفي الكمال-، وإذا توجّه إلى الذات -أي: لا ذات وضوء شرعية أو إلى الصِّحة-: دلّ على

стр. 61

وجوب التّسمية؛ لأنَّ انتفاء التّسمية قد استلزم انتفاء الذّات الشرعيّة، أو انتفاء صحّتها؛ فكان تحصيل ما يُحَصِّل الذّات الشرعيّة، أو صحتها واجبًا، لا يتوجه إلى نفي الكمال إلَّا لقرينة؛ لأنّ الواجب الحمل على الحقيقة، ثم على أقرب المجازات إليها إن تعذر الحمل على الذّات، ثمّ لا يحمل على أَبعد المجازات إلَّا لقرينة". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وهذا حقٌّ لو كان الحديث ثابتًا. ٥٦ - قال الْمُصَنِّف (١): "وَرُدَّ بأنَّه لم يرو بلفظ: "عشر من السنن"، بل بلفظ: "عشر من الفطرة ... "، وعلي فرض وروده بذلك اللّفظ: فالمراد بالسُّنَّةِ الطريقةُ، وهي تعمُّ الواجب، لا ما وقع في اصطلاحِ أهل الأُصول؛ فإنَّ ذلك اصطلاحٌ حادث، وعُرف متجدِّد؛ لا تحملُ عليه أقوال الشارع". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وما أكثرَ المُخْطِئِينَ في فَهْم الكتَاب والسُنّة؛ بسبب المصطلحاتِ الحادثةِ في (علم أُصول الفقه)؛ المبَنيِّ-جُلُّه- على علم الكلام والمنطق؛ الّذي بسببه هجِرت آثار الصّحابة وعلومهم ﵃ والله المستعان!! ٥٧ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وهذه هي الهيئة الّتي استمرّ عليها ﷺ ، فاقتضى هذا أَفضليةَ الهيئة التي كان ﷺ يداوم عليها؛ وهي: مسح الرّأس مُقبلًا ومدبرًا، وإجزاء غيرها في بعض الأَحوال". قال الفقير إلى عفو ربِّه: والأَمر كما قال ﵀؛ فقد ثبت عن عدد من الصّحابة الاقتصارُ على مسح بعض الرأْس؛ منهم:

стр. 62

١ - ابن عمر ﵄، فقد روى ابن أَبي شيبة (١)، وعبد الرّزاق (٢) من طرق عن أَيّوب، عن نافعٌ، قال: "كان ابن عمر ﵄ يمسح رأْسه مرَّةً واحدة، ويضع يده على وسط رأسه، ثمّ يمسح إلى مقدَّم رأْسه". ٢ - سلمة بن الأكَوع ﵁، فقد روى ابن أَبي شيبة (٣): ثنا حمّاد بن مسعدة، عن يزيد، قال: "كان سلمة يمسح مقدَّم رأسه". ٥٨ - قال المُصَنِّف (٤): "مع أُذُنَيْهِ: وجهُهُ ما ثَبت في الأَحاديث الصَّحيحة؛ أَنَّه ﷺ مسحَهُما مع مسح رأسه، وقد ثبت عنه ﷺ بلفظ: "الأُذُنان من الرأس"؛ من طرق يقوّي بعضُها بعضًا". قال الفقير إلى عفو ربِّه: الحديث له أَكثر من ثَمانِيَةِ طرُقٍ؛ يغلب على ظَنّ مَنْ وقف عليها صحّتُه، وعملُ الصّحابة دليل عليه: الأَوّل: عن أَبي أُمامة، أَخرج حديثه: أَبو داود (٥)، والتّرمذيُّ (٦)، وابن ماجه (٧) من طريق سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أَبي أُمامة. قال ابن دقيقِ العيدُ في "الإمام": "وهذا الحديث معلول بوجهين: (أَحدهما): الكلام في شهر بن حوشب، و (الثَّاني): الشَّكّ في رفعه". الثَّاني: عبد الله بن زيد، أَخرج حديثه ابن ماجه (٨) مرفوعًا؛ وهو أَقوى حديث في الباب؛ لاتصاله وثقة رِواته.

стр. 63

قال الحافظ: "حديث عبد الله بن زيد قوّاه المُنذريّ، وابن دقيق العيد، وقد بينتُ أَنّه مدرج" (١). الثالث: ابن عبَّاس، أَخرج حديثه: الدّارقطنيّ (٢)، وابن عديّ (٣) عن أَبي كاملِ الجحدريّ، وأَعلَّه بالاضطراب في إسناده، وقال: إنّ إسناده وهم، وإنّما هو مرسل عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النّبيِّ ﷺ . الرَّابع: أَبو هريرة، أَخرج حديثه: ابن ماجه (٤) بسند فيه عمرُو بن الحصين، ومحمّد بن عبد الله بن علاثة، وأَخرجه الدّارقطنيّ (٥) من هذا الطريق مرفوعًا، ثمّ قال: "عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان"، وأَخرجه (٦) عن البختري بن عبيد، عن أَبيه، عن أَبي هريرة مرفوعًا، ثمّ قال: "والبختريّ ضعيف، وأَبوه مجهول"، وأَخرجه (٧) عن عليّ بن هاشم، عن إسماعيل بن مسلم المكيِّ، عن عطاء، عن أَبي هريرة، وقال: "وإسماعيل بن مسلم ضعيف". الخامس: أَبو موسى الأشَعريّ، روى حديثه الدّارقطنيّ (٨) من طريق أَشعث بن سوار، عن الحسن، عن أَبي موسى مرفوعًا، وقال: "والصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أَبي موسى"، ثمّ أَخرجه موقوفًا. السّادس: عائشة، أَخرج حديثها: الدَّارقطنيّ (٩) عن محمد بن الأَزهر الجوزجاني: نا الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزُّهريّ، عن عروة عنها، وقال "كذا قال، والمرسل أَصحّ".

стр. 64

وقال الحافظ عن محمّد بن الأَزهر: "كذَّبه أَحمد" (١). السّابع: أَنس، أَخرج حديثه: الدّارقطنيّ (٢)، وابن عديّ (٣)، من طرق، عن عبد الحكم، عنه. قال الحافظ: "حديث أَنس أَخرجه الدّارقطنيّ من طريق عبد الحكم، عن أَنس؛ وهو ضعيف" (٤). الثامن: ابن عمر، أَخرج حديثه: الدّارقطنيّ (٥) من طريق الجراح بن مخلد: نا يَحْيَى بن العريان الهروي: "نا" حاتم بن إسماعيل، عن أُسامة بن زيد، عنه، وقال: "كذا قال، وهو وهم، والصّواب عن أُسامة بن زيد عن هلال بن أُسامة الفهري عن ابن عمر موقوفًا" (*). ٥٩ - قال الْمُصَنِّف (٦): "وقالت الإمامية: الواجب مسحُهُما". قال الفقير إلى عفو ربِّه: الإمامية: "همُ القائلون بإمامة عليٍّ ﵁ بعد النَّبيِّ ﷺ نصًّا ظاهرًا، وتعيينًا صادقًا، من غير تعريض بالوصف؛ بل إشارةٍ إليه بالعين، قالوا: وما كان في الذين والإسلام أَمر أَهمّ من تعيين الإمام، حتَّى تكون مفارقتُه الدُّنيا على فراغ القلب من أَمر الأُمّة؛ فإنَّه إنَّما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق ... ، ثمّ إن الإماميّةَ تخطَت عن هذه الدّرجة إلى الوقيعة في كبار الصّحابة؛ طعنًا وتكفيرًا، وأَقله: ظُلمًا وعُدوانًا" (٧).

стр. 65

٦٠ - قال الْمُصَنِّف (١): "والحاصل: أَنّ الحقَّ ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب الغُسْل، وعدم إجزاء المسح". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قال الإمام البخاريّ ﵀ في "الصَّحيح": "٣٠ - باب غَسْل الرِّجلين في النّعلين، ولا يمسح على النّعلين". قال الحافظ: "أَي: لا يكتفي بالمسح عليهما كما في الخفّين، وأَشار بذلك إلى ما روي عن على وغيره من الصّحابة: أَنّهم مسحوا على نعالَهم في الوضوء، ثمّ صلُّوا، وروي في ذلك حديثٌ مرفوع أَخرجه أَبو داود وغيرُه من حديث المغيرة بن شعبة، لكن ضعَّفه عبد الرَّحمن بن مهديّ وغيرُه من الأَئِمّة، واستدل الطحَاويّ على عدم الإجزاء بالإجماع على أَنّ الخُفّين إذا تخرَّقا حتّى تبدُوَ القدمان، أَن المسح لا يجزئُ عليهما، قال: فكذلك النّعلان؛ لأَنَّهما لا يُفيدان القدَمَين" (٢). قال ابن القيِّمْ "هذا الحديث من الأَحاديث المُشكِلَة جدًّا، وقد اختلف مسالك النَّاس في دفع إشكاله: ١ - فطائفة ضعّفته؛ منهم: البُخاريّ والشّافعيّ، قال: والذي خالفه أَكثر وأَثبت منه. المسلك الثَّاني: أَن هذا كان في أَوَّل الإسلام، ثمّ نُسخ بأَحاديث الغُسْل، وكان ابن عبَّاس يذهب إليه أَوّلًا، ففي الدّارقطنيّ: عن عبيد الله بن عقيل، "أَنّ عليَّ بن الحسن أَرسله إلى الرّبيع بنت معّوذ؛ يسأَلها عن وضوء النَّبيِّ ﷺ ، فذكرتِ الحديثَ وقالت: ثمّ غَسل رجليه، قالت: وقد أَتاني ابن عمِّ لك -تعني: ابن عباس- فأَخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلَّا غُسلين ومسحين"، ثمّ رجع ابن عباس عن هذا، لمَّا بلغه غَسْلُ النَّبيِّ ﷺ رجليْه،

стр. 66

وأَوجب الغُسْل، فلعلَّ حديث على وابن عباس كان في أَوَّل الأَمر ثمّ نُسخ. المسلك الثالث: أَن الرّواية عن عليٍّ وابن عبَّاس مختلفة؛ فرُويَ عنهما هذا، وروي عنهما الغُسل؛ كما رواه البخاريّ في "الصَّحيح" عن عطاءِ بن يسار، عن ابن عبَّاس؛ فذكر الحديث، وقال في آخره: " ... أَخذ غَرْفَةَ من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى، حتَّى غَسَلها، ثمّ أَخذ غَرْفَة أُخرى فَغَسَل بها رجلَه اليسرى"، فهذا صريح في الغُسل، ثمّ ذَكَر أَحاديثَ كثيرَةً صريحةً في غَسل الرِّجلين، ثمّ قال: قالوا: والّذي رَوى أَنَّه رشَّ عليهما في النَّعل هو هشام بن سعدٍ، وليس بالحافظ، فرواية الجماعة أَولَى من روايته، على أَن الثوريّ وهشامًا روَيا ما يوافق الجماعةَ: عن عطاء بن يسارٍ، عن ابن عبَّاس، قال: "أَلا أُريك وُضوءَ رسول الله ﷺ ؟ فتوضأَ مرَّة مرَّة، ثمّ غَسل رجليه وعليه نعليه". وأَمَّا حديث عليٍّ؛ فقال البيهقي: "رَوَينا من أَوجهٍ كثيرةٍ عن عليٍّ أَنَّه غَسَل رجليه في الوضوء"، ثمّ ساق منها حديثَ عبد خير، وحديث زِرّ بن حُبيش، وحديث أَبي حيّة -إلى أَن قال:- قالوا: وإذا اختلفتِ الرِّوايات عن عليٍّ وابن عبَّاس وكان مع أَحدِهما رواية الجماعة؛ فهي أَولى. المسلك الرَّابع: أَن أَحاديث الرّشّ والمسح إنَّما هي وضوء تجديد للطّاهر، لا طهارةٍ رفع حدث، بدليل ما رواه شعبة: حدَّثنا عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة يحدّث عن عليٍّ: "أَنَّه صَلَّى الظّهر، ثمّ قعد في حوائج النَّاس في رحبة الكوفة، حتَّى حضَرَت صلاة العصر، ثمْ أَتى بكوزٍ من ماء، فأَخذ منه بحفنة واحدة؛ فمسح بها وجهه، ويديه، ورأْسَه، ورِجليه، ثمّ قام فشرب فَضْلَه وهو قائم، ثمّ قال: وإنّ ناسًا يكرهون الشُّرب قائمًا، وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال: "هذا وضوء مَنْ لم يُحْدِث"، رواه البُخاريّ بمعناه. قال البيهقي: "في هذا الحديث الثابت دلالة على أَن الحديث الَّذي رُوي عن النَّبيِّ ﷺ في المسح على الرِّجلين -إنْ صحَّ- " فإنّما عنى به وهو طاهر غير محدث.

стр. 67

وعن عبدِ خيرٍ، عن عليٍّ، "أَنَّه دعا بكوز من ماء، ثمّ توضأ وضوءًا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ؛ ما لم يحْدث" وفي رواية: "للطّاهر ما لم يُحْدث"، وفي هذا دلالة على أَن ما روى عن عليّ في المسح على النّعلين؛ إنّما هو في وضوءٍ مُتَطَوَّعٍ به، لا في وضوءٍ واجبٍ عليه حق حدث يوجب الوضوء. المسلك الخامس: أَن مَسْحَه رِجْلَيه وَرَشَّه عليهما؛ لأنَّهما كانا مستورَين بالجَورَبَين في النّعلين. المسلك السّادس: أَن الرجل لها ثلاثة أَحوال: حالةٌ: تكون في الخُفّ؛ فيجب مسحُ ساترها. وحالةٌ: تكون حافيةً؛ فيجب غَسلُها. وحالةٌ: تكون في النّعل، وهي حالة متوسِّطة بين كشفها، وبين سَترها بالخُفِّ، فأُعطيت حالةً متوسِّطة من الطّهارة -وهي الرّشّ-؛ فإنَّه بيَّن الغُسْل والمسح، وحيث أُطلق لفظ المسح عليها في هذه الحالة؛ فالمراد به الرّشّ؛ لأَنه جاء مفسّرًا في الرّواية الأُخرى. المسلك السّابع: أَنّه دليل على أَنّ فرض الرَّجلين المسحُ، وحكي عن داود الجوارى وابن عباس، وحكي عن ابن جرير أَنَّه مخير بين الأَمرين، فأَمَّا حكايتُه عن ابن عبَّاس؛ فقد تقدَّمت، وأَمَّا حكايته عن ابن جرير؛ فغلط بيِّن، وهذه كتُبُه، وهذا وتفسيرُه؛ كلُّها تكذِّب هذا النّقلَ عنه، وإنَّما دخلتِ الشُّبهة؛ لأَن ابن جرير -القائل بهذه المقالة- رجل آخرُ من الشِّيعة؛ يوافقُه في اسمه واسم أَبيه. وبالجملة؛ فالّذين رَوَوا وضوءَ النَّبيِّ ﷺ ؛ مثلُ عثمانَ، وأَبي هريرة، وعبد الله بن زيد، وكثيرين؛ لم يذكر أَحدٌ منهم ما ذُكر في حديث عليٍّ، وابن عبَّاس، مع الاختلاف المذكور عليهما" (١).

стр. 68

٦١ - قال الْمُصَنِّف (١): "ومَسْحُ أَعلى الخُفِّ فرض، ومسح أَسفله سنةٌ؛ عند الشَّافعيّ". قال الفقير إلى عفو ربِّه: لعلّه اعتمد في هذا على حديث المُغيرة: "أَن النَّبيَّ ﷺ مسح أَعلى الخفِّ وأَسفلَه"؛ إلَّا أنَّه حديث معلول بأَربع علل: "الأوُلىْ أَنّ ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة؛ بل قال: حُدِّثت عن رجاء، قال عبد الله بن أَحمد في كتاب "العلل": حدَّثنا أَبي، قال: وقال عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن عبد الله بن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حُدِّثت عن رجاء بن حيوة. الثَّانية: أَنه مرسل، قال التِّرمذيُّ: سأَلت أَبا زُرعة ومحمَّدًا عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأنّ ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حُدِّثت عن النَّبيِّ ﷺ . الثالثة: أَن الوليد بن مسلم لم يصرِّح فيه بالسّماع من ثور بن يزيد، بل قال فيه: عن ثور، والوليد مدلس، فلا يحتجُّ بعنعنته ما لم يصرِّح بالسّماع. الرّابعة: أَن كاتب المغيرة لم يُسَمَّ فيه، فهو مجهول، ذكر أَبو محمّدٍ ابن حزم هذه العلّة" (٢). والثّابت عن المغيرة وعليٍّ ﵄؛ مرفوعًا: "مسح أَعلى الخفّ". ٦٢ - قال الْمُصَنِّف (٣): "وبالجملة: فمشروعيّة المسح على الخُفّين أَظهرُ من أَنْ يطولَ الكلامُ عليها؛ ولكنَّه لمّا أكثر الخلاف فيها وطال النّزاع؛ اشتغل النَّاس بها، حتَّى جعلها بعض أهل العلم من مسائل الاعتقاد".

стр. 69

قال الفقير إلى عفو ربِّه: وذلك حقٌّ؛ لأنَّ مسح القدمين العاريتين صار من شعار الرّافضة، فوجب على أَهل السُّنة تحذيرُ الأمّة -في كتب عقائدهم- من هذه الطائفة؛ التي من شعارها: "مسح القدمين دون الغَسْل". ٦٣ - قال الْمُصَنِّف (١): "في غير الرأس؛ لأنّ الأَحاديثَ الواردةَ بتثليث سائر الأَعضاء؛ وقع التصريح فيها بإفراد مسح الرأس، ولا تقوم الحجّةُ بما ورد في تثليثه". قال الفقير إلى عفو ربِّه: وَرَد عن أَبي داود (٢) في إحدى طرق حديث عثمانَ؛ في صفة وضوئِه ﷺ قال: "ومسح رأْسه ثلاثًا"؛ ولكنّها شاذةٌ؛ لتفرُّد عبد الرَّحمن بن وردانَ بها، ومخالفته لمن هو أَوثق منه. ٦٤ - قال الْمُصَنِّف (٣): "وأَمَّا التَّرتيب؛ فمن جملة ما استدل به القائل بوجوب التَّرتيب: أَنَّ الآية مجملة باعتبار أنّ (الواو) أطلق الجمع على أيّ صفة كان؛ فبيّن النَّبيُّ ﷺ للأمّة أنّ الواجد من ذلك هيئة مخصوصة هي المروية عنه، وهي مرتّبة. وأيضًا؛ الوضوء الَّذي قال فيه ﷺ : "لَا يقبل الله الصَّلاة إلّا به" كان مرتبًا؛ والحديث المذكور -وإن كان في جميع طرقه مقال-؛ لكنّها يقوي بعضها بعضًا؛ ويؤيّده ما أخرجه أحمد، وأبو دواد، وابن ماجه، وغيرهم مرفوعًا عن أبي هريرة: "إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم": قال ابن دقيق العيد: هو خليقٌ بأنَّ يصح. وقد حقق الكلامَ على هذا شيخُنا العلامة الشوكانيُّ في "شرح المُنتقى".

стр. 70

قال الفقير إلى عفو ربِّه: واستدل بعضُ مَن يرى عدمَ وجوب التَّرتيب بحديث المقدام بن معدي كرب، وفيه: "أَن النَّبيَّ ﷺ تمضمض واستنشق بعد غَسل يديه"، رواه أَحمد (١)، وأَبو داود (٢). والحقُّ: أَن هذا الحديثَ لا دليل فيه على عدم وجوب التَّرتيب بين فروض الوضوء؛ وذلك أَنّ المضمضة والاستنشاق تابعان للوجه، وليسا عضوا مستقلًا، نعمْ؛ يصحُّ الاستدلال لو جاء في الحديث أَنَّه: "غَسل وجهه بعد يديه" إلَّا أَن ذلك لم ينقلْ في حديثٌ صحيحٌ ولا ضعيف. ولو أَنّه اسْتُدلَّ به على جواز تأْخير المضمضة والاستنشاق بعد غَسْل اليدين؛ لكان مقبولًا. (تنبيه): ثبت عن الصّحابة ﵃ القولُ بعدم وجوب التَّرتيب بين عضويِ الفرض الواحد؛ منهم: أَوّلًا: فعن عليٍّ ﵁، أَنَّه قال: "ما أُبالي لو بدأْتُ بالشِّمال قبل اليمين في الوضوء": أَخرجه ابن أَبي شَيبة (٣): ثنا حفصٌ، عن إسماعيل بن أَبي خالد، عن زياد، عن عليٍّ به. ثانيًا: وعنِ ابنِ مسعودٍ ﵁، أَنه سُئل عن رجلٍ توضأَ فبدأَ بمياسرِه؟ فقال: "لا بأس": أَخرجه الدَّارقطنيّ (٤): ثنا هُشيم، قال: أَخبرنا المسعوديُّ، عن سلمة بن كهيل، عن أَبي العبيدين، عن ابن مسعود؛ مثلُه، وقال: "صحيح"، ولعلّه يقصر إلى الحسن؛ للكلام المعروف في المسعودي.

стр. 71

٦٥ - قال الْمُصَنِّف (١): "وإطالة الغُرّة والتحجيل: لثبوته في الأحاديث الصَّحيحة، كقوله ﷺ : "إنّ أمَّتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء"، فمَنِ استطاع منكم أَن يطيل غرّته؛ فليفعل". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته؛ فليفعل"؛ هذا من كلام أَبي هريرة ﵁، والوهم فيه: من نعيم بن حمَّاد، انظر "الفتح" عند شرحه للحديث رقم (١٣٦). ٦٦ - قال الْمُصَنِّف (٢): "وتقديم السّواك استحبابًا: وجهه الأحاديث المتواترة من قوله ﷺ وفعله، وليس في ذلك خلاف. قال في "الحجّة": قوله ﷺ "لولا أَنْ أَشقَّ على أُمَّتي لأَمرتُهم بالسّواك عند كلِّ صلاة". قال الفقير إلى عفو ربِّه: رواية: "مع كلِّ وضوء" معلولة، قال البيهقي: "رواه أَبو عبد الله الصفار عن إسماعيل موقوفًا، وهو المحفوظ عن القعنّبي؛ موقوف ... ، ورواه محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن عليّ بن معبد عن روح بن عبادة، عن مالك كذلك مرفوعًا، ثمّ قال: هذا الخبر في "الموطأ غير مرفوع" ... وقال محمد بن إسحاق في غير هذه الرّواية: يشبه أَن يكون مالك قد كان يحدث به مرفوعًا، ثمّ يشكّ في رفعه؛ يعني: فيقِفُه؛ كما قال الشَّافعيّ: كان مالك إذا شكّ في شيء انخفض، والنّاس إذا شَكُّوا في الشّيء ارتفعوا" (٣).

стр. 72

٦٧ - قال الْمُصَنِّف (١): "ونوم المضطجع؛ وجهه: أَن الأَحاديث الواردةَ بانتقاض الوضوء بالنَّوم -كحديث: "مَن نام؛ فليتوضأْ"- مقيّدة بما ورد أَن النّوم الَّذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع. وقد روي من طرق متعدّدة، والمقال الَّذي فيها ينجبر بكثرة طرقها، وبذلك يكون الجمع بين الأَدلّة المختلفة". قال الفقير إلى عفو ربِّه: قال أَبو عبد الرَّحمن (*) -محقّق الزّمان-: "هذه الدّعوى باطلة؛ فإنَّ شرط انجبار الحديث بكثرة الطّرق: أَنْ لا يكون فيها متَّهم، أَو متروك؛ كما بينه النّووي وغيره في مصطلح الحديث. ويدلّك على ذلك: أَنَّه كم من حديث له من الطّرق أَكثرُ من هذا بكثير، ومع ذلك؛ فقد ظَلُّوا يحكمون عليها بالضّعف؟!! وهذا الحديث لا يوجد فيه هذا الشّرطُ، على قلّتها -أَعني: طرقَه-؛ وهي ثلاثة: الأوّل: حديث ابن عبَّاس، وله أَربع -بل خمس- علل؛ بيّنّاها في "الأحَاديث الضَّعيفة" التي جرّدناها من "سنن أَبي داود" رقم (٢٦). الثَّاني: حديث عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جدّه، قال الشوكاني في "النيل" (١/ ١٧٠): "وفيه مهدي بن هلال، وهو متّهم بوضع الحديث، ومن رواية عمر بن هارون البلخي، وهو متروك، ومن رواية مقاتل بن سليمان، وهو متّهم". الثالث: حديث حذيفة: أَخرجه البيهقي (١/ ١٢٠)، وقال: "ينفرد به بحر بن كنيزٍ السقاء، وهو ضعيف لا يحتجّ بروايته". فمثل هذه الطرق لا ينجبر بها الحديث؛ بل تزيده وهنًا على وهن" (٢).

стр. 73

٦٨ - قال الْمُصَنِّف (١): "وفي ذلك ثمانية مذاهبَ استوفيناها في "مِسك الختام شرح بلوغ المرام"، واستوفاها الماتن في "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، وذكر الأحاديث المختلفة وتخريجها، وترجيح ما هو الرّاجح. قال الشَّافعي ﵀: النّوم يَنقض الوضوءَ إلَّا نومُ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ. وقال أبو حنيفة ﵀: لو نام قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا؛ لا وضوء عليه حتَّى ينام مضطجعًا أو متكئًا. كذا في "المُسَوّى"". قال الفقير إلى عفو ربِّه: والقول الصَّحيح؛ الَّذي تجتمع عليه النُّصوص: هو الفرق بين النَّوم العميق، والنّوم الخفيف. فتحمل الأَحاديث الّتي دلّت على النَّقض -كحديث صفوانَ بن عسّال- على النّوم العميق. وحديث أَنس: "أَنَّهم كانوا ينامون حتَّى يُسمعَ لأَحدهم غطيط، ثمّ يقومون فيصلُّون ولا يتوضّأون"؛ على النّوم الخفيف؛ فإنَّ الإنسان قد يسمع له غطيط حالَ إغفائه؛ وهو يشعر بنفسْه إذا أحدث، وبمن حولَه إذا تحدّثوا. وحديث عليٍّ ومعاوية -مرفوعًا-: "العَيْنُ وكاءُ السَّهِ؛ فإذا نامَتِ العَيْنان اسْتَطلَقَ الوكاءُ"، حسنَّه ابن المُنذر؛ فهذا يدلُّ على أَن النّوم مِظَنَّةٌ للنَّقض، وليس ناقضًا بنفسِه، وأَمَّا التّفريقُ في الحكم بناءً على هيئة النَّائم -مضطجعًا، أَو راكعًا، أَو ساجدًا، أَو قائمًا، أَو قاعدًا؛ فلا يوجد له مستند صحيح في السنّة، ومما يدل على أَن النّوم يكون خفيفًا وثقيلً؛ قول الله ﵎: ﴿لا تأخذه سنة ولا نومٌ﴾.

стр. 74

٦٩ - قال الْمُصَنِّف (١): "وأَكل لحم الإبل: وجهه قوله ﷺ لمَّا قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ - قال: "نعم"، وهو في "الصحيح" من حديث جابر بن سَمُرة ﵁. وقد رُوي -أيضًا- من طريق غيره. وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، واستدلّوا بالأحاديث الّتي نَسَخت الأحاديث الواردة في الوضوء ممّا مسّت النَّار. ولا يخفى أنّه لم يصرَّح في شيء منها بلحوم الإبل حتَّى يكون الوضوء منها منسوخًا. وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل ﵀، وإسحاق ابن راهويه ﵀، ويحيى بن يَحْيَى ﵀، وابن المنذر ﵀، وابن خزيمة ﵀، والبيهقيّ ﵀، وحُكي عن أصحاب الحديث ﵏، وحُكي عن جماعة من الصّحابة ﵃ كما قال النووي ﵀. قال البيهقي ﵀: حُكي عن بعض أصحابنا، عن الشَّافعي ﵀، أنّه قال: إن صحّ الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي ﵀: قد صحّ فيه حديثان: حديث جابر بن سَمُرة ﵁، وحديث البراء ﵁. قال في "الحجَّة": "وأمّا لحم الإبل فالأمر فيه أشدُّ، لم يقل به أحد من فقهاء الصّحابة ﵃ والتابعين ﵃ ولا سبيل إلى الحكم بنسخه، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج، وقال به أحمد ﵀، وإسحاق ﵀؛ وعندي أنَّه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان والله أَعلم".

стр. 75

قال الفقير إلى عفو ربِّه: وقدِ اشتهر في كثير من كتب الفقه بما يتعلَّق بهذه المسأَلة: أَمران؛ هما من قبيل الخطأ: الأَوّل: قولهُم: بأَن حديث جابر -"كان آخر الأمَرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء ممَّا مسّتِ النَّار"، رواه أَبو داود (١) وغيرُه- ناسخٌ لحديث جابر بن سمرة: أَنَتوضأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"؛ وهذا خطأ؛ لأنّ جابرًا سأَله عن أَمرين: "أَنتوضأُ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت"، قال: أَنتوضأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعمْ"، أَخرجه مسلم (٢). فهذا تفريق منه ﷺ بين لحوم الإبل وغيرهما، وظاهر هذا أَنَّه كان بعد النّسخ، يدل على ذلك حديث البراء: "توضّؤا من لحوم الإبل، ولا توضّؤا من لحوم الغنم"، أَخرجه أَبو داود (٣)، وغيره. الثَّاني: قولهم: إنه ثبت عن الخلفاء الأَربعة ترك الوضوء من لحوم الإبل. وهذا لا أَساس له من الصّحّة، بل لا يعرف أَنّ أَحدًا من الصّحابة صرّح بترك الوضوء من لحوم الإبل. ثمّ إنِّي وقفت على أَثر رواه ابن أَبي شيبة (٤) من طريق ابن عليّة، عن حميد، عن أَبي العالية: "أَنَّ أَبا موسى نحر جَزورًا، فأَطعم أَصحابَه، ثمّ قاموا يصلّون بغير طُهور، فنهاهم عن ذلك، وقال: ما أُبالي مشيت في فرثها ودمها ولم أَتوضّأ، أَو أَكلت من لحمها ولم أَتوضّأْ"، وإسناده صحيح. فهذا يدلّ على أنّ الصّحابة كانوا يفتون بمقتضى الحديث.
следующие страницы →