أَصحابه في ذلك شيء، وما أَطلَقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده" (١).
وبما قرره الشّيخُ أَبو العباس أَفتى به ابن عباس، فقد روى الدارمي (٢)، قال: أَخبرنا محمد بن عيسى: حدثنا ابن علية: أَنبأَنا خالد، عن أنس بن سيرين، قال: "اسْتُحِيضَتِ امرأَةٌ من آل أَنس، فأَمروني، فسأَلت ابن عباس، فقال: أما ما رأَتِ الدم البحراني؛ فلا تصلي، فإذا رأَتِ الطّهر ولو ساعةَ من نهار؛ فلتَغتَسل ولتصل"، وهذا إسناد صحيح.
٩٨ - قال الْمُصنِّف (٣):
"ولا يعارض هذا ما أَخرجه في "الموطأ" -وعلّقه البخاري-: "أَن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرةُ والكُدرة من دم الحيض لِيسألْنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تعجلْن حتى ترين القصَّة البيضاء؛ فإن هذا -مع كونه رأيًا منها- ليس بمخالف لما تقدم؛ لأنها لم تخبرهن بأن الصفرة والكُدرة حيض، إنما أمرَتهن بالانتظار إلى حصول دليل يَدُلُّ على أنه قد انقضى الحيض، وهو خروج القَصة، فمتى خرجت لم يخرج بعدها دم حيض، ولم تأْمُرْهن بالانتظار ما دامتِ الصفرة والكدرة".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال العلامة الألَباني ﵀: "لكن يشهد له مفهوم حديث أم عطية، قالت: "كتا لا نَعذ الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا"، أخرجه أَبو داود وغيره بسند صحيح -كما بينتُه في "صحيح أَبي داود" رقم (٣٢٥) -، فهو يدل بمفهومه على أنهن كن يَعْدُدن ذلك قبل الطهر -أَي: في الحيض- حيضًا.
وتأْويل المصنف حديث عائشة بعيد جدًّا عن الحقيقة، بل هو صريح
стр. 107
على أَنها كانت ترى أَن الحائض لا تطهُر بانقطاع الدم الأَسودِ عنها، بل لا بد منِ انقطاع الصفرة والكُدرة، وإلا لَما جاز أَن تأمر بالانتظار الذي يقضي بتضييع بعض الصلوات، لو كان الحيض هو الدمَ الأَسود فقط، فتأَمل" (١).
٩٩ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ومستحاضة: وهي التي يستمر خروج الدم منها.
إذا رأت غيره: تعمل على العادة المتقررة، فتكون فيها حائضًا تَثبت لها فيه أحكام الحائض، وفي غير أيّام العادة تكون طاهرًا لها حكم الطاهر.
تُعامَل المستحاضة كالطاهرة:
وهي كالطاهرة كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة من غير وجه؛ فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمُبْتَدأة والمُلْتَبِسة عليها عادتُها؛ فإنها ترجع إلى التمييز، فإن دم الحيض أسود يُعرَف -كما قال- ﷺ ، فتكون إذا رأت دمًا كذلك: حائضًا، وإذا رأت دمًا ليس كذلك: طاهرًا.
وقد أَطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل، وكثرت فيه التفريعات، والتدقيقات، والأمر أَيسر من ذلك".
قال الفقير إلى عقو ربه: "الدَّمُ باعتبار حكْمِه لا يخرج عن خمسة أَحكام:
أولًا: مقطوع بأَنه حيض؛ كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معَه.
ثانيًا: دمٌ مقطوع بأَنه استحاضةٌ كدَمِ صفرة.
ثالثًا: دَمٌ يحتمل الأَمرَين؛ لكِنِ الأَظهرُ أَنه حيض، وهو دَمُ المعتادة، والْمُمَيزة، ونحوهما من المستحاضات؛ الذي يحكم بأَنه حيض.
стр. 108
رابعًا: ودَم يحتمل الأمَرَين، والأَظهر أنه دَم فساد، وهو الدم الّذي يحكم بأَنه استحاضة من دماء هؤلاء.
خامسًا: ودَمٌ مشكوك فيه، لا يترجح فيه أَحدُ الأَمرين، ويقول به طائفة من أَصحاب الشافعي، وأَحمد، وغيرهما؛ فيوجبون عليها: أَن تصوم وتصلي، ثم تقضي الضوم.
والصواب: أَن هذا القول باطل؛ لوجوه:
منها: أَن الله بيّن لنا ما نتقيه، فكيف يقال: إن الشريعة فيها شك؟! ولا يقولون -أَي: الموجبون-: نحن شكَكْنا؛ فإن الشاك لا علم عنده؛ فلا يجزم، وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادَته لشَكهم.
ومنها: أَن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة، ولا الصيام مرتين، إلا بتفريط، والصواب: ما عليه جمهور المسلمين: أَن من فعل عبادة كما أَمر بحسب وَسِعَه؛ فلا إعادة عليه" (١).
والحاصل: أَن المعتادة ترد إلى عادتها؛ لحديث فاطمة بنت أَبي حُبَيشٍ، والمميزة تعمل بالتمييز، على حديث فاطمة عند أَبي داود (٢)، والفاقدة لهما تحيض ستًّا أَو سبعًا، على حديث حِمنة، ثم إنه تبين لي أَن حديث فاطمة عند أَبي داود، وهي قوله: "إن دَمَ الحيض أَسودُ يعرف" لا يصح.
قال ابن أَبي حاتم: "سأَلت أَبي عن حديث رواه محمّد بن أَبي عدي، عن محمد بن عمرِو، عن ابن شهاب الزُّهْرِي، عن عروة، عن فاطمة: أَن النبيّ ﷺ قال لها: "إذا رأَيتِ الدّمَ الأَسودَ؛ فأَمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عرق"، قال أَبي: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية وهو منكر". (٣)
стр. 109
قال عبد الله ابنُ الإمام أَحمدَ: سمعت أَبي يقول: "كان ابن أَبي عدي حدثنا به عن عائشة، ثم تركَه (١) ".
ساقه البيهقي بعد حديث فاطمة، والذي يظهر لي أَن الخطأَ فيه إنّما هو من ابن أبي عدي.
قال أَبو داود: "وقال ابن المثتى: حدثنا به ابن أَبي عدي من كتِابِه هكذا، ثم حدثنا به -بَعْدُ- حِفظًا، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهْري، عن عروة، عن عائشة: أَن فاطمة كانت تستحاض؛ فذكَر معناه (٢) ".
وجملة القول في هذا الحديث: أنه معلول كما قال أَبو حاتم وأَحمد؛ لعدة أَوجه:
الأوَّل: أَن الحديث رواه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طرق: عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن فاطمة بنتَ أبي حُبَيْش جاءت رسولَ الله ﷺ ، فقالت: إني امرأَةٌ أُستحاض فلا أَطهر؛ أَفأَدع الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أَقبلت حيضتُك؛ فدَعي الصّلاة، وإذا أَدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، فأَنت ترى أَن رواية "الصحيحين" ليس فيها ذِكْرٌ لهذا الحرف.
الثاني: أَن ابن أَبي عدي راويه عن محمد بن عمرو: مرة يجعلُه من مسند فاطمة، ومرة يجعلُه من مسند عائشة، فهو كما أنه اضطرب في متْنِه؛ فكذلك في سنده.
الثالث: أَن ابن القطان أَعله بالانقطاع.
رابعًا: لم نر أَحدًا مِنَ المتقدمين أَثبت الحديث، أَو صححه بهذا اللفظ؛ بَلِ اسْتَنْكَروه.
стр. 110
فالعمدة في رَد المستحاضة إلى التّمييز: إنما هو حديث فاطمة بنتِ أَبي حُبيش؛ الذي رواه البخاري ومسلم؛ فإن قولَه ﷺ : "إنما ذلك عرق، وليس بالحيض، فإذا أَقبلَت حيضتك؛ فدَعِي الصلاة"؛ رد لها إلى التمييز.
(فائدة):
في قوله ﷺ لحمنة بنت جحش: "فتحيضي ستة أَيام، أَو سبعةَ أَيام -في علم الله-، ثم اغتسلي، حتى إذا رأَيتِ أَنكِ قد طَهُرت واستنقأْت؛ فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة، أَو أَربعًا وعشرين ليلةَ وأَيامَها، وصومي؛ فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهبر كما تحيض النساء"، أَخرجه أَبو داود (١) وغيره، فيه دليل: على أَن أَكثر الحيض سبعة أَيام، فإذا كانت المرأَةُ تحيض خمسة أَو ستة أَو سبعةَ أَيام، ثمّ طرأَ عليها ما جعل أَيام حيضها تزيد على السبعة، مثل: أَنْ تتناوَلَ عَقارًا يكون سببًا في زيادة تدفق دَمِها؛ فإنها تؤمر بأَنْ تغتسل بعد السابع، وتصلي وتصوم، ولا يقال لها: انتظري إلى أَنْ يبلغ خمسةَ عشَر يومًا، فهذا مع أنه مخالف لهذا الحديث؛ فإنّ معناه أَنْ لا فرقَ بين الحائض والنفَسَاء، وهذا أَمْر يصادم الواقع ولا يتفق مَعَه، على أَن الطب الحديثَ يقررُ أَن أَكثر زَمَنٍ تحيضُ فيه المرأَةُ هو سبعَة أَيام، فإذا زاد:
فإما أَنْ يكون بسبب اظطرابِ ما يُعرفُ بـ (الهُرمونات) عند المرأَة، ومعنى هذا: أنه مَرَضٌ.
وإما أَن تكون نُفَساءَ غاب عنها الدَّمُ تسْعة شُهور، وبهذا نكون قد ضَبَطْنا الفتوى في هذا، وأَرَحنا النساءَ من إشكالاتٍ كثيرةِ؛ تُسَبِّب لهُن الحَيْرَةَ والقَلَق.
١٠٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"والنفَاسُ أَكثرُه أَربعونَ يومًا؛ لحديث أُم سلمة، قالت: "كانتِ النفساءُ
стр. 111
تجلس على عهد رسول الله ﷺ أَربعين يومًا". أَخرجه أَحمد، وأَبو داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم، وللحديث طرق يقوي بعضها بعضًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور".
قال الفقير إلى عفو ربه: وبهذا جاءَتِ الآثار عن الصحابة:
١ - فَعنِ ابن عباس ﵄، قال: "تَنْتَظِرُ النفَسَاءُ أَربعِينَ يومًا أَوْ نَحْوها"، أَخرجه الدارميُّ (١): أَخبرنا أَبو الوليد الطيالِسي: حدثنا أَبو عَوانَة، عن أَبي بشرٍ، عن يوسُفَ بن مبارك، عن ابن عبّاس به.
٢ - وعن عثمان بنِ أَبي العاص الثَّقفِي، فقد روى عبدُ الرزاق (٢)، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن، عن عثمان بن أَبي العاص: "أَنه كان لا يَقْرَبُ نساءَه -إذا تنَفسَتْ إحدَاهُن- أَربعين ليلة".
стр. 112
الصلاة
١ - بابُ مواقِيتِ الصّلاة
١٠١ - قال الْمُصَنِّف (١):
"الزَّوال: أَي: زَوال الشمس، ويبيّن ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشّرق، يعرفه كلُّ ذي عيْنَيْن".
قال الفقير إلى عفو ربّه: ويعرف زوال الشّمس بزيادة الظّلَ بعد تناهي قصره، وتحول الشمس عن خط الْمُسامَتَه، بحدوث الظل بعد عدمِه، فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل، ثم تنظر الزيادة عليه، فإذا بلغت قدر الشاخص؛ فقدِ انْتَهى وقتُ الطهر.
١٠٢ - قال الْمصَنِّف (٢):
"وهو أَوّل وقت العصر؛ أَي: صَيْرورة ظِله مثْلَه.
قال ابن القيّم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي ﷺ ، ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قَدْرَ أربعة أميال والشمسُ مرتفعة.
стр. 113
وقال أنس: صلى بنا رسول الله، ﷺ العصر، فأتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحر جزورًا، وإنا نحبّ أن تحضرها، قال: "نعم"، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تُنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس، ومحال أن يكون هذا بعْدَ المِثْلَين.
وفي "صحيح مسلم" عنه: "وقت صلاة الطهر ما لم يحضر العصر"، ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فردَّتْ بالمجمل من قوله ﷺ : "ومَثَلُ أهل الكتاب قبلكم بهمثل رجل استأجر أجيرًا، فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ... "إلخ.
وياللهِ العَجَبُ! أيُ دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة؟! وإنّما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب الشّمس أقصر من نصف النّهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريب فيه، انتهى.
(وآخره) أي: آخر وقت العصر؛ صيرورة ظله مثيله.
قال الشافعي: "آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثيله.
وقيل: إلى أن تصفَرَّ الشمسُ، وآخر وقت الضرورة مغيبُ الشّمس" كذا في "المُسوى".
وفي "الحُجة البالغة": وكثير من الأحاديث يدلُّ على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس، وهو الذي أطبق عليه الفقهاء، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار والذي يستحب فيه، أو نقول: لعل الشرع نظر -أولًا- إلى المقصود من اشتقاق العصر، أن يكون الفصلُ بين كل صلاتين نحوًا من ربع النهار، فجعل الأمَدَ الآخِرَ بلوغ الظل إلى المثلين، ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد.
وأيضًا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء الأصلي ورصده.
стр. 114
وإنما ينبغي أَنْ يخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر، فنفث الله -تعالى- في رَوْعِه ﷺ أَنْ يجْعَل الأَمد تغير قرص الشمس، أَو ضوئها، والله تعالى أَعلم".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال ابن عبد البر: "وقد أَجمع العلماء على أَنّ مَن صلى العصر والشمس بيضاءُ نقية لمْ تدخُلْها صفرة؛ فقد صلاها في وقتها المختار" (١).
"وأَصرح حديث في تحديد وقتِها؛ حديث جبرائيل: "أنه صلاها بالنبي ﷺ في اليوم الأَول، وظِل الرجُل مثْلَه، وفي اليوم الثاني: وظِل الرجُل مِثْلَيه"، وقال النبي ﷺ : "الصلاة ما بَيْنَ هذيْن الوقتين"، وهذا مذهب جماهير العلماء، ومن صلاها في ذلك الوقت فقد صلاها في وقتِها، ثم يدخل وقت الضرورة.
قال أبو العباس: وهو الصحيح الذي تدل عليه الأَحاديث المدَنية.
وقال: نقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أَن الوقت للصلوات الخمس وقتُ اختيار وهو خمسة، ووقت ضرورة وهو ثلاثة" (٢).
ويعني ﵀ بالثلاثة: الفجر -وقتَ الإسفِرار جدًّا-، والعصر -وقت الإصفرار إلى الغروب-، والعِشاءَ -منتصف الليل إلى طلوع الفجر-.
١٠٣ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ما دامتِ الشمس بيضاءَ نقيّةً؛ فإذا اصفرت؛ خرج وقت العصر؛ لِمَا ورد في ذلك من الأَحاديث؛ منها: حديث ابن عمرٍو، قال: قال
стр. 115
رسول الله ﷺ : "وقت صلاة الطهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس".
أَخرجه مسلم، وأَحمد، والنسائي، وأَبو داود.
قال الفقير إلى عفو ربه: قال أَبو العباس: "وليس في المواقيت حديث أَصح منه" (١).
١٠٤ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وآخره ذَهابُ الشفق الأَحمر: جميع كتب اللغة مصرحة بهذا، وجميع أَشعار العرب ومَنَ بعْدَهم، فمن زعم أن الشفق في لسان أهل اللغة -أو لسان أهل الشرع- يُطْلَق على البياض فعليه الدليلُ، ولا دليلَ.
ولو فُرض وجُود ما يدل على ذلك فلا يُنكر نُدورُه، كما لا يُنْكر أن الشائع في "لسان العرب" وأهل الشرع إطلاقُهُ على الحُمرة، والحمل على الأعم الأغلب هو الواجب، ولا يُحمل على النّادر، فليس ها هنا ما يُسَوِّغ اختلافَ المذاهب".
قال الفقير إلى عفو ربه: ثبت عن ابن عمر أنه قال: "الشَّفق: الْحُمْرَة". أَخرجه البيهقي (٣)، وابن المنذر (٤) من طريق أَبي مصعب الزهْرِي، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
وقد جاء مرفوعًا ولا يصحُّ.
стр. 116
١٠٥ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وآخرُه طلُوعُ الشمس، ومما ينبغي أَن يعلم: أن الله لم يُكَلِّف عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يَشُق عليهم ويتعسر، فالدين يُسر والشريعة سمحة سهلة، بل جعل ﷺ للأوقات علاماتٍ حِسيةً يعرفها كل أحد، فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو من أوائل أجزاء التهار يعرفه كل أحد، وقال في الطهر: "إذا دحضت الشمس"، إذا زالت الشمس، وقال في العصر: "والشمس بيضاء نقية"، وقال في المغرب: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا"، وقال في العشاء: مَنْ قَدَّرَ وَقْتَ صَلاته بأنّه كان يصليها وقت غروب الهلال ليلة ثالث الشهر، وورد التقدير بالشفق، وورد التقدير بثلث الليل وبنصفه، فهذه العلامات لا تلتبس إلا على أَكْمَه".
قال الفقير إلى عفو ربه:
(فائدة): ما بَين العِشاءَيْن ثُمُنُ الليل، وما بين طلوعِ الفجر وطلوع الشمس سبْعُه، ووقت الفجر يتابع الليل، فيكون في الشتاء أطوَلَ، والعشاء بالعكس.
١٠٦ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"والنَّظر في النجوم -وإن كنت لا أظن ثبوت ذلك- هو النظرُ الذي يكون في الشمس والقمَرِ والظلة المُقْتَرِنة بالنجوم، والمراد أنه يستدلّ على دخول وقت كذا بكون النجم في مكان كذا، ما يكون مثل ذلك في الشمس والقمر، لا أنه النَّظرُ المفضي إلى الاشتغال بعلم النجوم -المؤدي إلى الوقوع في مضايقَ عن الشريعة بمعزلٍ-؛ فإن هذا علم نهى عنه الشارع، وحَذرَ عن إتيان صاحبه، حتى جعل ذلك كفرًا، فكيف يجعل طريقًا إلى أمر من أمور الشريعة ومُهِم من مُهِماتها؟!
فمن ظن أن شيئًا من علم الشريعة محتاج إلى علم النجوم المصطلح
стр. 117
عليه؛ فهو إما جاهل لا يدري بالشريعة، أو مغالط قد مالت نفسه إلى ما نهى عنه الشارع، وأراد أن يدفع عن نفسه القالَةَ، فاعتل بأنّه لم يتعلق بمعرفة ذلك إلا لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات، وكثيرًا ما نسمعه -من المشتغلين بذلك- يُدلي بهذه الحجة الباطلة، فيُصَدْقُه من لم يَثْبتْ قدَمُه في علم الشريعة المطهرة.
ومن أعظم المروجات بهذه البلية ما وقع من جماعة من المشتغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل، والاستكثار من ذلك بما لا طائل تحته، إلا تأنيس النجمين، فإنا لله وأنا إليه راجعون!
وحال الكلام: أن هذه تكاليف موجهة، كلف الله -تعالى- بها عباده، وعين أوقاتها تعيينًا يعرفه العالم والجاهل، والقروي والبدوي، والحُرُّ والعبد، والذكر والأنثى على حدّ سواء، اشترك فيه كل هؤلاء، لا يحتاج معه إلى شيء آخر.
أمع الصُّبْح للنُّجوم تجَل ... أم مَعَ الشَّمْس للظلام بَقاءُ
قال صاحب "سُبُل السلام": التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة، فلا يُمكن عالمٌ من علماء الدّنيا أنْ يدَّعي أن ذلك كان في عصره ﷺ ، حين أخرج كتب الفلاسفة وعرَّبها، ومنها المنطق والنجوم؛ فإنه علم أولئك اتذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فأقل أحوال المُقرّين على حساب المنازل القمرية أنهم مبتدعون، وكل بدعة ضلالة.
ولقد عظمت هذه البدعة في الحرمين الشريفين، فإنهم في مكة المكرمة لا يعتمدون إلا على ذلك ولهم فيه أنواع مؤلفات مثل "الربعُ المجيب" ونحوه؛ يدرسونه يقرءونه ويعتمدونه، وهو من العلم الّذي قال فيه رسول الله ﷺ : "علم لا ينفع وجهل لا يضر".
وهو في علم أهل الكتاب، فإن أعيادهم ونحوها تدور على حساب سَيْر الشمس، ولعله دخل على المسلمين من علم اليونان وأهل الكتاب،
стр. 118
ومات رسول الله ﷺ بعد أن أنزل الله -تعالى- عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وكان أهل بيته وأصحابه ﵃ على ذلك؛ لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان، ولا ما يجعله المتأخرون هو الميزان، ولا شيئًا من هذه الأُمور التي صار ذلك التكليف الموقت يدور عليها".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال العلامّة المحققُ أَحمد شاكر ﵀: "يَظْهَرُ أَن صاحبَ "سبُل السلام" -وِمِنْ بَعْدِه الشارِحُ- لم يعرفا الفرْقَ بين علم النجوم المنهيّ عنه -وهو دعوى معرفةِ الغيب بحسابها وما إلى ذلك-، وبين علم الفَلك، والميقاتِ، وتقديرِ منازلِ الشمسَ، والقمرِ، والنجوم، وهي من العلَوم الصّحيحةِ الثابتةِ ببراهينَ قطعيّةٍ؛ مبنيةٍ على الحساب الصحيح، وبه يُعلمُ الكسوفُ، والخسوفُ، ومواقيتُ الصلاة، والشهورُ، وغيرُ ذلك.
حقيقةً؛ لم يكن في عصره ﷺ ولا في عصر الخلفاء الراشدين؛ ولكنَّا لا نسمِّيه بدعةً؛ لأَن كلَّ عِلْم مُسْتَحْدَث ينفع النَّاس؛ يجب تعلُمه على بعض أفراد المسلمين؛ ليكون قوةً لهم تَرْقَى بها الأُمة الإسلامية، وإنما البدعةُ ما يستحْدِثُه النّاس في أَنواع العبادات فقط، وما كان في غير العبادات ولم يخالف قواعد الشريعة؛ فليس بدعةً -أَصلًا- والله المُوَفق" (١).
١٠٧ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"ومَن نام عن صلاته أَوْ سها عنها؛ فوقتُها حين يذكُرُها؛ أَي: وقتُ القضاء إذا ذكر، وقد دلت على ذلك الأَحاديث الصّحيحة؛ كحديث أنس عند البخاري ومسلم وغيرهما، وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره.
وقد ورد هذا المعنى من غير وجه، وهو قوله ﷺ "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
стр. 119
قلت: وعلى هذا أَهل العلم، وقاسوا الْمُفَوِّت قصدًا على النائم، كذا في "الْمُسَوى".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وحجتُهم في إلحاق الْمُفَوتِ قصدًا على النائم: ما رواه مسلم (١) عن أَبى ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله، ﷺ : "كيف أَنت إذا كانت عليك أُمراء؛ يؤَخرون الصلاة عن وقتِها -أَوْ يُمِيتون الصّلاة عن وقتِها-؟! "، قال: قلت: فما تأْمُرُني؟ قال: "صل الصلاة لِوَقْتِها، فإنْ أَدْرَكتَها مَعَهم؛ فصلِّ؛ فإنها لك نافلة".
١٠٨ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وأَدركَ مِنَ الصلاة رَكْعَةً؛ فقد أَدركَها -أَي: الصلاة-؛ لِمَا وردَ في ذلك من الأَحاديث الضحيحة، كحديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أدرَكَ منَ الصبحِ ركعةً قبلَ أن تطلعَ الشمسُ؛ فقد أدرَكَ الصبحَ، ومن أدركَ منَ العصر ركعة قبل أن تغرُبَ الشّمسُ؛ فقد أدركَ العصرَ"؛ وهو في "الصّحيحين" وغيرهما.
ونحو ذلك حديث عائشة عند "مسلم" وغيره، وقد ثبت من حديث أبي هريرة في "الصحيحين" وغيرهما بلفظ: "من أدركَ ركعةً من الصلاةِ فقد أدركَ الصلاةَ"، وهذا يشمل جميع الصَّلوات لا يَخُصُّ شيئًا منها.
قلت: هذا الحديث يحتمل وجوهًا: أحَدُها من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت؛ فالجميع أداء وإلا فقضاء، وهو الأصح عند الشافعية.
وقال أَبو حنيفة بذلك في العصر خاصة.
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه من المسائل الدقيقة التي قد تَخْفَى حتى على بعض أَهل العلم؛ وجه ذلك:
стр. 120
ما رواه ابن أَبي شيبة (١): حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أَيّوب، عن محمد بن سيرين، عن بعض بني أَبي بكرة: "أَن أبا بكرة نام في دالية لهم، فظَنَنا أنه قد صلى العصر، فاستيقظ عند غروب الشمس، قال: فانتظر حتى غابتِ الشمس، ثم صلى".
وبما رواه أَيضًا (٢): حدثنا أَبو خالدِ الأَحمرُ، عن سعد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن كعب، عن أَبيه، قال: "نمت عند الفجر حتّى طَلَع قَرن الشمس؛ ونحن حارفون في مال لنَا، فملت إلى شربة من النخل أتوضّأُ، قال: فَبَصَر بي أَبي فقال: ما شأْنُك؟ قلت. أُصلي؛ قد توضأت، فدعَاني، فأَجلسني إلى جنبه، فلمَّا أَن تعلت الشمس وابيضت وأَتيت المسجد؛ فضربني قبل أَن أَقوم إلى الصلاة، قال: تنْسَى؟! صل الآن".
فهذا الأَثران يدلان على أَنّه إذا استيقظ وهُو يرى الشمس غَرُبت -أَو كادت تغْرُب-؛ فإنه يُمْسِكُ ولا يُصلّي ولو كان فرضًا، وبهذا يُخَصُّ عمومُ قولِه ﷺ :
"مَنْ أَدرك مِنَ العصر رَكْعَةً قبل أَن تَغْرُب الشّمسُ؛ فقد أَدرك العصر"؛ أَي: فيما عدا هذه الضورةِ الواردةِ في هذين الأَثرَيْن الثابتين.
١٠٩ - قال الْمصَنِّف (٣):
"وثانيها: مَن أَدرك من الْمَعذُورِين من الوقت ما يَسَعُ ركعة من الصلاة؛ فقد وجبت عليه تلك الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي.
وثالثها: أن الجماعة تدرك بركعة، وهو وجه للشافعية.
стр. 121
وقال أَبو حنيفة: لو أَدرك التشهد كان مُدرِكًا للجماعة، كذا في "الْمُسَوى".
قال الفقير إلى عفو ربه: الآثارُ الثابتةُ مِنْ عَمَل الصحابة؛ تدل على أَنهم يَرَوْنَ أَن الصلاة لا تُدركُ إلا بِرَكْعَة فما زاد، فقد ثبت عن غير واحد مِنهم ذلك؛ منهم:
١ - ابن عمر، قال: "إذا أَدركَ الرجلُ يوم الجُمُعَة رَكعَةً؛ صلى إليها أُخرى، وإن وجدَهم جلوسًا صلى أَربعًا": أَخرجه عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن أَيوب، عن نافع، عن ابن عمر به.
٢ - عن أَنس، قال. "إنْ أَدركَهم جلوسًا؛ صلَّى أَربعًا". أَخرجه ابن أَبي شيبة (٢)، قال. حدَّثنا عبدة، عن سعيد، عن قَتادَة، عن أَنس به.
٣ - ابن مسعود، قال: "مَن أَدرك الركعة؛ فقد أَدرك الجُمُعة، ومَن لم يدركِ الْجُمُعَةَ؛ فَلْيُصل أَربعًا": أَخرجه عبد الرزاق (٣)، وابن أَبي شيبة (٤)، وابن الْمُنذر (٥) من طريق أَبي إسحاق عن أَبي الأَحوص، عن ابن مسعود به.
وأَخرجه ابن أَبي شيبة (٦): حدثنا هشيم، عن حجاج، عن أَبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: "مَن لم يدركِ الركوع يومَ الْجُمُعة؛ فليصل أَربعًا".
٤ - عمران بن حُصين، قال: "جاء رجل إلى عمران بن الحصين، فقال: رجلٌ قد فاتَتْه الجُمعة كم يُصلي؟ قال عمران: ولِمَ تَفُوتُه الْجُمُعَةُ؟! فلمّا ولى الرجلُ، قال عمران: أَمَا إنه لو فاتَتْنِي الْجُمُعَةُ صليت
стр. 122
أَربعًا": أَخرجه عبد الرزاق (١) أَخبرنا معمر عن يحيى بن أَبي كَثير، عن أَبي نضرة به.
١١٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وقد رد ابن القيم على من قال بكونها خلاف الأُصول، وردَّه بالمتشابه من نهيه ﷺ عن الصلاة وقتَ طلوع الشمس أَتَمَّ ردٍّ -في "إعلام الْمُوَقعين"-؛ فليرجِعْ إليه".
قال الفقير إلى عفو ربه؛ قال ابن القيم: "رَدَّ السنة الصحيحةَ الصريحةَ الْمُحْكَمَةَ: في أَن مَنْ أَدركَ رَكْعَةً مِنَ الصبح قبل أَنْ تطلُع الشمس؛ فقد أَدرك الصُّبح، بكونها خلاف الأُصول، وبالمُتشابِه من نَهيه ﷺ عن الصلاة وقتَ طلوع الشمس.
قالوا: والعام -عندنا- يعارضُ الخاصَّ، فقد تعارض حاظِر ومُبيح، فقدمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يوجب عليه إعادةَ الصلاة، وحديث الإتمام يجوز له الْمُضِيُّ فيها، وإذا تعارضا صِرنا إلى النصّ الذي يوجب الإعادةَ لتتيقن براءَة الذمة.
فيقال: لا ريب أَن قولَه ﷺ : "مَنْ أَدرك رَكعة من العصر قبل أَن تغرب الشمس؛ فلْيُتِم صلاتَه، ومَن أَدرك رَكعة من الصبح قبل أَنْ تطلع الشمس؛ فلْيُتِم صلاتَه" هو حديث واحد، قاله ﷺ في وقت واحد، وقد وجبت طاعته في شطره، فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو مُحكم خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيره البتة، وحديث النهي عن الصلاة في أَوقات النهي عامٌّ مُجمل، قد خص منه عصر يومه بالإجماع، وخص منه قضاء الفائتة والْمَنسية بالنص، وخص منه ذوات الأَسباب بالسنة كما قضى النبي ﷺ سُنة الظهر بعد العصر، وأَقر من قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وقد أَعلمه أَنها سنة الفجر، وأَمر من صلى في رَحلِه ثم جاء مسجدَ
стр. 123
جماعة؛ أَن يصلِّيَ مَعَهم، وتكون له نافلة، وقاله في صلاة الفجر وهي سبب الحديث.
وأَمر الداخل -والإمامُ يخطب- أَن يصليَ (تحية المسجد) قبل أَن يجلس، وأَيضًا؛ فإن الأَمر بإتمام الصلاة وقد طَلَعَتِ الشمسُ؛ فيها أَمرٌ بإتمامِ لا بابتداء، والنهيَ عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عنِ ابتدائها لا عنِ استِدامتها؛ فإنه لم يقل: لا تُتِموا الصلاة في ذلك الوقت، وإنما يقال: لا تصلوا، وأَين أحكام الابتداء من الدوام، وقد فرق النصُّ والإجماع والقِياس بينَهما" (١).
١١١ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"يُصلون كغيرهم من غير تأْخير؛ وجهه: أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على تعيين الأوقات وبيان أوّلها وآخرها، ولم يأت ما يدل على أنهم خارجون عنها، وأن صلاتهم لا تجزئ إلا في آخر الوقت".
قال الفقير إلى عفو ربه: انظر النكتة (٨٩).
١١٢ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"وروي استثناءُ نصف النهار يوم الجمعة".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا ما دلت عليه آثار الصحابة؛ منهم:
١ - أَبو بكر، وعمر ﵄، قال عبد الله بن سيدان السلمي: "شهدت الجُمُعة مع أَبي بكرٍ الصِّدِّيقِ؛ فكانت خطبتُه وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر؛ فكانت خطبتُه وصلاتُه إلى أَن أَقول: انتصَف النهار، ثم شهدنا مَعَ عثمان فكانت خطبتُه وصلاته إلى أَنْ أَقول:
стр. 124
زال النهار، فما رأَيت أَحدًا عاب ذلك ولا أَنكرَه".
أَخرجه بن أَبي شَيبة (١): حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي، عن عبد الله بن سيدان السلمي به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقات سوى عبدِ الله بن سيدان السلمي، قال الحافظ: "تابعي كبير؛ إلا أنه غير معروف العدالة" (٢).
٢ - ابن مسعود ﵁، قال عبد الله بن سلمة: "صلى بنا عبد الله الجمعة ضحًى، وقال: خشيت عليكم الحَر".
أَخرجه ابن أَبي شيبة (٣): حدثنا غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة به.
وهذا إسناذ رجالُه ثقات، سوى عبدِ الله بن سلمة، قال الحافظ: "صدوق تغير حِفظُه" (*).
٣ - علي بن أَبي طالب ﵁، فقد روى ابن أَبي شيبة (٤): حدثنا علي بن مسهر، عن إسماعيل بن سميع، عن أَبي رزين، قال: "كنّا نصلي مع على الجُمُعَةَ، فأَحيانًا نجد فيئًا، وأَحيانًا لا نجِدُه"، وهذا إسنادٌ صحيح.
٤ - عمَّار بن ياسر ﵄، فقد روى ابن أَبي شيبة (٥): حدثنا عبد الرحمن بن محمدٍ المحاربي، عن إسماعيل بن سميع، عن بلال العبسي: "أَن عمارًا صلى بالناس الْجُمُعَةَ والنّاس فريقان؛ بعضُهم يقول: زالتِ الشمس، وبعضُهم يقول: لم تَزُل"، وهذا سند صحيح.
стр. 125
١١٣ - قال الْمُصَنف (١):
"واستنبط جوازها في الأَوقات الثلاثة في المسجد الحرام؛ من حديث: "يا بني عبدِ مَناف! مَن وَلي منكم من أَمر الناس شيئًا؛ فلا يَمْنَعَن أَحدًا طاف بهذا البيت وصلى أَيةَ ساعة شاء؛ من ليل أَو نهار".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا خاص بالركعتين بعد الطواف، لا مطلَق النفل، وبهذا جاءت الآثار عن الصحابة:
١ - فقد روى مالك (٢) عن أَبي الزبير المَكي، قال: رأَيت عبد الله ابن عباس يطوف بعد صلاة العصر، ثم يدخل حجرتَه؛ فلا أَدري ما يصنَع.
٢ - وروى البخاري (٣) عن عروة، عن، عائشة: "أَنّ ناسًا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح، ثم قعدوا إلى المذكر حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون، فقالت عائشة: قعدوا حتى إذا كانت الساعة التي تكره فيها الصلاة قاموا يصلّون".
٣ - وروى ابن أبي شيبة (٤) حدثنا ابن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة، أنها قالت: "إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو بعد العصر فطف، وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس وحتّى تطلع، فصل لكل أسبوع ركعتين".
٤ - وروى عبد الرزاق (٥) عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: "قدم أبو سعيد الخدري حاجًّا أو معتمرًا، فطاف بالبيت بعد الصبح، فقلت: انظروا كيف يضع، فلما فرغ من سبعة قعد، فلما طلعت الشمس صلى ركعتين".
стр. 126
١١٤ - قال المصنف (١):
وأقول: الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر قد صحت بلا ريب، وهي عمومات قابلة للتخصيص بما هو أخص منها مطلقًا، لا بما هو أعمّ منها من وجه، وأخص منها من وجه، كأحاديث الأمر بصلاة تحية المسجد؛ فإنه من باب تعارض العمومَين، والواجب المصير إلى الترجيح، فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب العمل به، وإن لم يمكن؛ وجب المصير إلى الترجيح بأمور خارجة؛ فإنْ تعذر من جميع الوجوه؛ فالتخيير أو الاطراح في مادة".
قال الفقير إلى عفو ربّه: قال شيخ الإسلام: "فإن قيل: أحاديث النّهي عامة فنحن نحملها على عمومها إلا ما خصه الدليل، فما علمنا أنه مخصوص المجيء نص خاص فيه خصصناها به، وإلا أبقيناها على العموم.
قيل: هذا إنّما يستقيم أن لو كان هذا العلم المخصوص لم يعارضه عمومات محفوظة أقوى منه، وأنه لما خصّ منه صور علم اختصاصها بما يوجب الفرق، فلو ثبت أنه عام خص منه صور لمعنى منتف من غيرها بقى ما سوى ذلك على العموم، فكيف وعمومه منتف! وقد عارضه أحاديث خاصة وعامة عمومًا محفوظًا، وما خص منه لم يختص بوصف يوجب استثناءه دون غيره، بل غيره مشارك له في الوصف الموجب لتخصيصه، أو أولى منه بالتخصيص، وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتي الطواف، فإنّه يمكن تأخير الطواف، بخلاف تحية المسجد، فإنَّها لا تمكن، ثم الرجل إذا دخل وقت نهي، إن جلس ولم يصل، كان مخالفًا لأمر النبي ﷺ مفوتًا هذه المصلحة، إن لم يكن آثمًا بالمعصية، وإن بقي قائمًا أو امتنع من دخول المسجد، فهذا شر عظيم، ومن الناس من يصلي سنة الفجر في
стр. 127
بيته، ثم يأتي إلى المسجد، فالذين يكرهون التحيّة: منهم من يقف على باب المسجد حتّى يقيم، فيدخل يصلي معهم، ويحرم نفسه دخول بيت الله في ذلك الوقت الشريف، وذكر الله فيه، ومنهم من يدخل ويجلس ولا يصلي فيخالف الأمر، وهذا ونحوه مما يبين -قطعًا- أن المسلمين مأمورون بالتحية في كل وقت، وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفي النهار، ولو كانوا منهيين عن تحية المسجد حينئذٍ لكان هذا مما يظهر نهي الرسول عنه، فكيف وهو قد أمرهم إذا دخل أحدهم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؟ أليس في أمرهم بها في هذا الوقت تنبيهًا على غيره منَ الأوقات" (١).
* * *
٢ - باب: الأذان
١١٥ - قال الْمصَنِّف (٢):
"وأما أذان المرأة لنفسها، أو لمن يحضر عندها من النساء، مع عدم رفع الصوت رفعًا بالغًا فلا مانع من ذلك، بل الطاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب بالأذان".
قال الفقير إلى عفو ربه: ولم يسمع في أيام النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين المشروع -الذي هو إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة- من امرأة قط، هذا ما قرره ﵀ قبل أسطر، فإذا كان الأذان عبادة شرعية، مبناها على التوقيف فكيف يقال إنه يشرع للمرأة أن تؤذن بين النساء؟
стр. 128
ومما ورد في هذا الباب من آثار:
١ - ابن عمر، قال: "ليس على النساء أذان ولا إقامة" أخرجه البيهقي (١): أخبرنا أبو زكريا المزكى، وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا بحر بن نصر قال: قرئ على ابن وهب، أخبرك عبد الله بن عمير عن نافع عن ابن عمر به، وهذا سند صحيح.
وأما ما رواه البيهقي (٢) عن عائشة: "أنّها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن" ففي إسناده: الليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
فإن صح فإنه يحمل على أنها كانت تأمر من يؤذن من الرجال على ما جاء في أبي داود (٣) عن أم ورقة -وهو حسن إن شاء الله-.
١١٦ - قال الْمُصَنف (٤):
"لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح، وما هو موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة".
قلت: - تقدم التنبيه على خطأ المؤلف في هذا.
١١٧ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئًا أخرجه الترمذي بلفظ: "لا يؤذن إلا متوضئ" وقد أعل بالانقطاع والإرسال".
قال الفقير إلى عفو ربه: فقد أخرجه الترمذي (٦): حدثنا علي بن
стр. 129
حجر: حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن أبي هريرة مرفوعًا.
أما وجه الانقطاع: فبين الزهري وبين أبي هريرة، قال الترمذي: "والزهري لم يسمع من أبي هريرة"، أما وجه إرساله:
فقد رواه البيهقي (١) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به.
ثم قال: "هكذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره عن الزهري قال: قال أبو هريرة: "لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ".
ثم رواه من طريق: الحارث بن عتبة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: "حق وسُنة مسنونة: أن لا يؤذن إلّا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم".
ثم قال "عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل".
١١٨ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ويشهد له حديث: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر" أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذا على طريقة الاستدلال بالمجمل.
١١٩ - قال الْمصَنِّف (٣):
"وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة، وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص، وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد، فما ثبت من
стр. 130
وجه صحيح مما فيه زيادة تعين قَبُوله، كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين، ولا تطرح الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها؛ لأته لا تَعارُض حتى يصار إلى الترجيح، كما وقع لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب، بل الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل، وهو مقدّم على الترجيح، وقد وقع الإجماع على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول، وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها، ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج صالح للاعتبار، فكان العمل على أدلة التشفيع متعينًا".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلام ﵀: "واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حق مشروع، كما في القراءات اثتي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم رسول الله ﷺ عن الاختلاف وقال: "كلاكما محسن".
ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك ممّا قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل" (١).
١٢٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن والحوقلة وهو جمع حسن وإن لم يكن متعيّنًا".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الصنعاني ﵀: "وقيل: يجمع السامع بين الحيعلة والحوقلة عملًا بالحديثين، والأول أولى؛ لأنه تخصيص للحديث العام أو تقييد لمطلقه، ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة، فإنه لما دعي إلى ما فيه الفوز والفلاح والنجاة وإصابة
стр. 131
الخير، ناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ولأن ألفاظ الأذان ذكر الله، فناسب أن يجيب بها، إذ هو ذكر له -تعالى-، وأما الحيعلة فإنما هي دعاء إلى الصلاة، والذي يدعو إليها هو المؤذن، وأما السامع فإنما عليه الامتثال والإقبال على ما دعي إليه، وإجابته في ذكر الله لا فيما عداه، والعمل بالحديثين كما ذكرنا هو الطريقة المعروفة في حمل المطلق على المقيّد، أو تقديم الخاص على العام، فهو أولى بالاتباع" (١).
مسألة:
وهل تشرع المتابعة في الإقامة؟ من نظر إلى مطلق الأذان استحب ذلك ومن التزم فهم السلف للنصوص وما جرى عليه عملهم وقف على إجابة الأذان دون الإقامة.
وممن قال بمشروعية متابعته في الإقامة الإمامان: ابن باز والألباني، انظر "الثمر المستطاب" (٢).
١٢١ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ثم الظاهر أن النساء كالرجال؛ لأنهن شقائقهم، والأمر لهم أمر لهن، ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن، فإنّ الوارد في ذلك في أسانيده متروكون، لا يحل الاحتجاج بهم، فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه العبادة خاصة بالرجال كما عرفت.
стр. 132
٣ - باب: شروط الصّلاة
١٢٢ - قال الْمُصَنف (١):
"ويجب على المصلي تطهير ثوبة:
١ - طهارة الثوب:
لنصّ القرآن: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولقوله ﷺ لمن سأله: هل يصلي في الثّوب الذي يأتي فيه أهله؟ فقال: "نعم؛ إلا أن يرى فيه شيئًا، فيغسلَه"، أخرجه أحمد، وابن ماجه، ورجال إسناده ثقات.
ومثله عن معاوية، قال: قلت لأم حبيبة: هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم يكن فيه أذى؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ بإسناد رجاله ثقات.
ومنها حديث خلعه ﷺ النعل؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وابن خزمة، وابن حِبان، وله طُرُق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضًا.
ومنها الأدلة في تعيين النجاسات.
٢ - طهارة البدن:
وبدنه: لأنه أولى من تطهير الثوب، ولما ورد من وجوب تطهيره.
٣ - طهارة المكان:
ومكانه من النجاسة: لما ثبت عنه، ﷺ من رش الذنوب على بول الأعرابي، ونحو ذلك.
стр. 133
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة، وذهب آخرون إلى أنه سنة، والحق الوجوب؛ فمن صلى ملابسًا لنجاسة عامدًا؛ فقد أخل بواجب، وصلاته صحيحة، والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط -كما قزره أهل الأصول-؛ لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ذلك، مثل نفي القبول، أو نحو: لا صلاة لمن صلّى في مكان متنجس، أو النّهي عن الصلاة في المكان المتنجس؛ لدلالة النهي على الفساد.
وأما مجرّد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط؛ اللهم إلا على قول من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فليكن هذا منك على ذَكْرٍ، فإنك إن تفطنت له رأيت العجب في كتب الفقه، فإنهم كثيرًا ما يجعلون الشيء شرطًا، ولا يستفاد من دليله غير الوجوب، وكثيرًا ما يجعلون الشيء واجبًا، ودليله يدل على الشرطية، والسبب الحامل على ذلك: عدمُ مراعاة القواعد الأُصولية والذهول عنها.
والحاصل: أن ما دلّ على الشرطية دل على الوجوب وزيادة، وهو تأثير بطلان المشروط، وما دل على الوجوب لا يدلُّ على الشرطية؛ لأن غاية الواجب أنَّ تاركه يُذَمُّ، وأمَّا أنَّه يستلزم بطلانَ الشيء الّذي ذلك الواجبُ جزءٌ من أجزائه، أو عارض من عوارضه: فلا.
فمن حكم على الشيء بالوجوب وجعل عدمه موجبًا للبطلان أو حكم على الشيء بالشرطية، ولم يجعل عدمه موجبًا للبطلانْ فقد غفل عن هذين المفهومين".
قال الفقير إلى عفو ربه: إنَّما سمي الشرط شرطًا لتقدمه على الصلاة، ووجوبه من حين الدخول فيها كأشراط الساعة، وشروط الطلاق، وشروط الحمل، والشروط في العقود ونحو ذلك، وفي الجملة فالخلاف في عبارة لا في معنى.
وصورة المسألة -التي يتبين بها كون إزالة النجاسة شرطًا هي-: فيما لو دخل الصلاة عالمًا بها متعقدًا، فهل تصح صلاته؟
стр. 134
المتأمّل في الأدلة الواردة في السنة كقوله ﷺ : "تنرهوا من البول، فإنّ عامّة عذاب القبر منه".
أخرجه: أحمد (١) وابن ماجة (٢)، والدارقطني (٣).
وقوله ﷺ : "حتيه، ثم اقرصيه، ثم انضحيه، ثم صلي فيه" متفق عليه، البخاري (٤) ومسلم (٥).
وقوله ﷺ : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا القذر" متفق عليه البخاري (٦) ومسلم (٧).
"وأمر جبريل للنبي ﷺ بخلع نعليه" رواه أبو داود (٨)، وأحمد (٩)، والبيهقي (١٠).
-مع كونه غير عالم بها لا متعمدًا- كل ذلك يدل على أنّ الشّارع لم يأذن للعبد أن يصلي بالنجاسة أو أن يستمر بالصلاة بها إذا لم يعلم إلا بعد الشروع فيها، وقد قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه، البخاري (١١) ومسلم (١٢).
بهذا يتبين بطلان صلاة من صلّى بالنجاسة عالمًا بها قادرًا على
стр. 135
إزالتها، وهو داخل في قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١)، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٢).
١٢٣ - قال الْمصَنِّف (٣):
"وحديث الخمار إذا انتهض للاستدلال به على الشرطية: فهو خاص بالمرأة وقد عرفت مما سلف أن الذي يَسْتَلْزِمُ عدمُه عدمَ الصلاة -أي: بطلانها- هو الشرط أو الركن، لا الواجب، فمن زعم أن من ظهر شيء من عورته في الصلاة، أو صلى بثياب متنجسة؛ كانت صلاته باطلة: فهو مطالب بالدليل، ولا ينفعه مجرد الأوامر بالسَّتر أو التطهير؛ فإن غاية ما يستفاد منها الوجوب".
قال الفقير إلى عفو ربه: تقدم الجواب عليه.
١٢٤ - قال الْمصَنِّف (٤):
"ولا يسدل: الحديث النّهي عن السدل في الصلاة؛ وهو عند أحمد وأبي داود، والترمذي، والحاكم في "المستدرك" وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
والسدل: هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، بل يلتحف به، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك".
قال الفقير إلى عفو ربه: أي: طرح ثوبه على كتفيه ولا يرد طرفه على الآخر، فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه لم
стр. 136
يكره، وإن طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في الكفين فلا بأس بذلك باتفاق الفقهاء وليس من السدل المكروه، أفاده شيخ الإسلام (١).
١٢٥ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"ولا يصلي في ثوب حرير: والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها يَدلُّ على المنع من لبس ثوب الحرير الخالص.
وأما المشوب: فالمذاهب في ذلك معروفة، فبعض الأحاديث يدلُّ على أنّه إنما يحرم الخالص لا المَشوب، كحديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، قال: إنّما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المُصْمَت من القزّ.
قال ابن عباس: أما السديُّ والعَلَم؛ فلا نرى به بأسًا.
وبعضها يدل على المنع، كما وردت في حُلة السيراء؛ فإنه غضب لَما رأى عليًّا قد لبسها، وقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتُشَقِّقَها خُمُرًا بين النساء"، وهو في "الصحيح".
والسِّيَراء -قد قيل-: إنَّها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص، وقيل: إنها الحرير الخالص المخطط، وقيل غير ذلك.
ولكنه قد ورد في طريق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة، فأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، والدورقي، هذا الحديث بلفظ: قال علي: "أهدي إلى رسول الله ﷺ حلة مسيرة، إما سداها، وإما لحمتها" فذكر الحديث".
قال الفقير إلى عفو ربه: وينبغي أن يقيد ذلك بما رواه مسلم (٣) عن عمر: "نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع" كالطراز ويحرم الزائد.
стр. 137
١٢٦ - قال الْمُصَنِّف (١):
"ولا ثوب شهرة: لحديث: "من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة" أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والنّسائي، بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر".
قال الفقير إلى عفو ربه: ولباس الشهرة هو ما قصد به العلو أو إظهار التواضع.
٤ - باب: كيفية الصلاة
١٢٧ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وهي -على ما تواتر عنه ﷺ وتوارثته الأمّة-: أن يتطهر ويستر عورته، ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه، ويتوجه إلى الله -تعالى- بقلبه، ويخلص له العمل، ويقول: "الله أكبر"؛ بلسانه، ويقرأ فاتحة الكتاب، ويَضُمَّ معها -إلّا في ثالثة الفرض ورابعته- سورة من القرآن، ثم يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه برؤوس أصابعه".
قال الفقير إلى عفو ربه: لعلها: يمس.
١٢٨ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"وأركانها كلها مفترضة: لكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها، وتُعْدَمُ الصورةُ المطلوبة بعدمها، وتكون ناقصة بنقصان بعضها، وهي: القيام، فالركوع، فالاعتدال، فالسجود، فالاعتدال، فالسجود فالقعود للتشهد.
стр. 138
وقد بين الشارع صفاتها وهيئاتها، وكان يجعلها قريبًا من السواء، -كما ثبت في "الصحيح" عنه-.
أقول: وجملة القول في هذا الباب: إنه ينبغي لمن كان يقتدر على تطبيق الفروع على الأصول، وإرجاع فرع الشيء إلى أصله، أن يجعل هذه الفروض المذكورة في هذا الباب منقسمة إلى ثلاثة أقسام.
- واجباب: كالتكبير، والتسليم، والتشهد.
- وأركان: كالقيام، والركوع، والاعتدال، والسّجود، والاعتدال، والسجود، والقعود للتشهد.
- وشروط: كالنيّة، والقراءة.
أما النية: فلما قدَّمنا.
وأما القراءة: فلورود ما يدل على شرطيتها؛ كحديث: "لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب"، وحديث: "لا تجزئ صلاةٌ إلا بفاتحة الكتاب"، ونحوها، فإن النفي إذا توجه إلى الذَّات أو إلى صحتها؛ أفاد الشرطية؛ إذ هي تأثير عدم الشرط في عدم المشروط، وأصرح من مطلق النفي: النفي المتوجّه إلى الأجزاء.
والحاصل: أن شروط الشيء يقتضي عدمُها عدمَه، وأركانه كذلك؛ لأن عدم الركن يوجب عدم وجود الصورة المأمور بها على الصفة التي اعتبرها الشارع، وما كان كذلك لا يجزء؛ إلا أن يقوم دليل على أن مثل ذلك الركن لا يخرج الصورة المأمور بها عن كونها مجزئة، كما يقول بعض أهل العلم في الاعتدال وقعود التشهد، وإن كان الحق خلاف ما قال.
وأما الواجباب: فغاية ما يستفاد من دليلها -وهو مطلق الأمر-: أنّ تركها معصية، لا أن عدمها يستلزم عدم الصورة المأمور بها.
إذا تقرر هذا: لاح لك أن هذه الفروض المعدودة في هذا الباب
стр. 139
متوافقة في ذات بينها، والفرضُ والواجبُ مترادفان على ما ذهب إليه الجمهور، وهو الحق.
وحقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، والمدح على الفعل، والذم على الترك: لا يستلزمان البطلان؛ بخلاف الشرط، فإن حقيقة ما يستلزم عدمه عدم المشروط كما عرفت.
فاحفظ هذا التحقيق؛ تنتفع به في مواطن وقع التفريع فيها مخالفًا للتأصيل، وهو كثير الوجود في مؤلفات الفقهاء من جميع المذاهب، وكثيرًا ما تجد العارف بالأصول، إذا تكلم في الفروع؛ ضاقت عليه المسالك، وطاحت عنه المعارف، وصار كأحد الجامدين على علم الفروع؛ إلا جماعة منهم، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: الثابت عن النبي ﷺ قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي". (١)
ولم يثبت عنه ﷺ في حديث صحيح ولا ضعيف أنه قال -في شيء من أفعال الصّلاة أو أقوالها-: أن هذا ركن وذاك شرط أو واجب، وإنما حدث ذلك بعد زمن الصحابة -رضوان الله عليهم-.
وليس لمؤمن أن يترك من أفعال الصلاة أو أقوالها شيئًا بحجة أنه واجب لا ركن، كما تقدم في مسألة إزالة النجاسة، أما كون بعض أفعالها أو أقوالها يسقط سهوًا، وبعضها لا بد من الإتيان به، فهذا إنَّما يؤخذ من سنة النبي ﷺ وآثار الصحابة.
"فالنبي ﷺ لما سلم من اثنتين وكانت الصلاة ظهرًا أو عصرًا عاد وأتى بالركعتين الآخريين" متفق عليه. البخاري (٢)، مسلم (٣).
стр. 140
"ولما أنه قام للتشهد الأول سجد للسهو قبل السلام، ولم يعده".
متفق عليه. البخاري (١)، مسلم (٢).
وهكذا فما دلت الأدلة على أنّها تصح بغير الإتيان به كالزائد على قراءة الفاتحة، كما روى مسلم (٣) عن أبي هريرة: "إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك".
١٢٩ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"إلا قعود التشهد الأوسط: لكونه لم يأت في الأدلة ما يدل على وجوبه بخصوصه، كما ورد في قعود التشهد الأخير؛ فإنّ الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير.
فإن قلت: قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء، كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة، ولم يذكر فيه التشهد الأخير.
لا تقوم الحجة بمثل ذلك، ولا يثبت به التّكليف العام، والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء؛ فقد وردت به الأوامر، وصرح الصحابة بافتراضه، وقد أوضح ذلك شيخنا العلَّامة الشوكاني في "حاشية الشفاء" إيضاحًا حسنًا؛ فلتراجع".
قال الفقير إلى عفو ربه: يحتاج العالم في تقرير أي مسألة يريد إثباتها إلى أمور أربعة:
الأول: أن يعرف الحكم ويتصوره تصورًا صحيحًا.
الثاني: أن يعرف دليل الحكم.
الثالث: أن يعرف وجه الدلالة من هذا الدليل.
стр. 141
الرابع: أن يعرف المعارض إن وجد وكيفية الرد عليه.
وتقريرات الشارح ﵀ لا تخلوا من نقص من أحد هذه الوجوه، فإذا تقرر هذا فينبغي لمن ذهب إلى أن التشهد الأول سنة يجوز تركها: أن يجيب على دليل المعارض، وهو سجوده ﷺ للسّهو جبرًا لنقص الصلاة عن التشهد.
فإن قيل: إن السجود للسهو يشرع لترك ما يستحب وما يجب؟
قيل: هذه دعوى لا دليل عليها، وإن قال بها كثير من الفقهاء، فأين مستندها من الحديث والأثر؟
ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث قال: "نهينا عن التكلف" رواه البخاري (١).
قال أبو بكر بن المنذر: "كل ما سها عنه المرء في صلاته سهوان: أحدهما: قول، والآخر: فعل؟
فالقول: فيما يجهر فيها يخافت فيه أو يخافت فيما يجهر فيه، أو يقول مكان سمع الله لمن حمده: الله أكبر، أو يتشهد وهو قائم، أو يقرأ في موضع التشهد ساهيًا فكل ما كان من هذا النوع فإنه يرجع إلى ما يجب عليه فيقوله، وليس عليه سجود سهو" (٢).
١٣٠ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ولاستراحة: لكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها، وذكرها في حديث المسيء وَهْمٌ، كما صرح بذلك البخاري".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الحافظ ﵀: "أشار البخاري
стр. 142
إلى أن هذه اللفظة وهم، فإنه عقبه بأن قال: "قال أبو أسامة في الأخير: حتّى تستوي قائمًا" ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويقويه رواية إسحاق المذكور قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نمير" (١).
١٣١ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"ولا يجب من أذكارها -أي الصلاة- إلا التكبير: لقوله -تعالى-: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ ولقوله ﷺ في حديث المسيء: "إذا قمت إلى الصلاة فكبّر"، ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير.
أقول: تعيين التكبير للدخول في الصلاة؛ مُحْكَمٌ صَريحٌ؛ لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم، حتى يضع الوضوء مواضعه , ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر"، وبما تقدم من النصوص، وهي نصوصٌ في غاية الصحة، فردت بالمتشابه من قوله -تعالى-: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: انظر "تهذيب السنن".
١٣٢ - قال المصنف (٣):
"ولو كان مؤتمًا: فوجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم، لما ورد من الأدلة الدّالة على أن المؤتم يقرأها خلف الإمام، كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب "ونحوه".
قال الفقير إلى عفو ربه: الحديث رواه أهل "السنن" عن عبادة بن
стр. 143
الصامت، وأبو يعلى الموصلي (١)، وابن حبان (٢)، عن أنس، ولو كان صحيحًا لم يبق خلاف معتبر، ويكون الدليلان على استثناء الفاتحة في مثل هذه الصورة من عموم قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلا أن كِلا الحديثين لا يخلوان من علة قادحة.
وإليك تفصيل ذلك:
١ - أما حديث عبادة: فقد رواه الشيخان البخاري (٣)، مسلم (٤) -من طريق: الزهري عن محمود بن الربيع، عن عبادة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكِتاب".
ورواه عن الزهري جمعٌ من الأثبات منهم: السفيانان، ومعمر، بهذا اللفظ، وخالفهم محمد بن إسحاق، فرواه عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، قال: "كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم"، قلنا: نعم، هذا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وهذا لفظ أبي داود (٥).
وعلله على وجه التفصيل:
أ - مخالفة ابن إسحاق لمن هو أوثق منه وأعلم منه بحديث رسول الله ﷺ فهذا يعد من قبيل الشاذ، وقيل: بل هو منكر.
ب- أن مكحول رواه عن الزهري بالعنعنة وهو مدلس.
ج- أن مخرج الحديث واحد، فما الذي جعل ابن إسحاق يتفرد بهذا المتن؟ وإلى هذا أشار الترمذي فإنه ذكر رواية ابن إسحاق، ثم
стр. 144
الرواية الصحيحة، وقال: "وهذا أصح" (١)، يشير إلى تعليل رواية ابن إسحاق.
٢ - أمّا حديث أنس: فقد رواه عبيد الله بن عمرو الرقي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس.
وظاهر هذا الإسناد الصحة، ولكنه معلول:
أ- بالإرسال، فقد رواه ابن عليّة، وغيره، عن أيوب، عن أَبي قلابة مرسلًا، أخرجه الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣).
ب- وبالاضطراب، فقد:
١ - رواه سلام أبو المنذر، عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي هريرة.
٢ - ورواه الرّبيع بن بدر، عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
٣ - ورواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ .
٤ - ورواه خالدٌ الحذاءُ، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ .
ج- قال البيهقي: "وقد قيل عن أبي قلابة عن أنس بن مالك، وليس بمحفوظ" (٤).
١٣٣ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وقال في "إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء": روى البيهقي عن يزيد
стр. 145
بن شريك: أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام. فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب: فقلت: وإن كُنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت".
قال الفقير إلى عفو ربه: رواه البيهقي (١)، والدارقطني (٢)، وقال: "هذا إسناد صحيح".
وفي قوله ﵀: "إسناد صحيح"؛ نظر لعدة أوجه؛ منها:
الأول: ضعف إسناده، فقد رواه الدّارقطني (١/ ٣١٧) فقال: حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا: ثنا أبو كريب: ثنا حفص بن غياث، عن الشيباني، عن جواب، عن يزيد بن شريط، قال: "سألت عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فأمرني أن أقرأ، قال: قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت".
وهذا إسناد رجاله ثقات سوى شيخ الدارقطني: محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي السوداني.
فقد ترجم له الحافظ الذهبي في "الميزان" فقال: "محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي الكوفي، عن علي بن المنذر الطريقي وجماعة تكلم فيه، وقيل: كان يؤمن بالرجعة، قاله أبو الحسن بن حماد الكوفي الحافظ وزاد فقال: ما روي له أصل، وقد حدث بكتاب "النهي" عن حسين بن نصر بن مزاحم ولم يكن له فيه سماع، قال: ومات سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قلت: روى أيضًا عن أبي كريب، حدّث عنه الدارقطني ومحمد بن عبد الله القاضي الجحفي" (٣).
وقال حمزة بن يوسف السهمي: "سألت أبا الحسن بن حماد الحافظ القرشي بالكوفة عن محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي؟ فقال: ليس