٦٥ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وإطالة الغُرّة والتحجيل: لثبوته في الأحاديث الصَّحيحة، كقوله ﷺ : "إنّ أمَّتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء"، فمَنِ استطاع منكم أَن يطيل غرّته؛ فليفعل".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته؛ فليفعل"؛ هذا من كلام أَبي هريرة ﵁، والوهم فيه: من نعيم بن حمَّاد، انظر "الفتح" عند شرحه للحديث رقم (١٣٦).
٦٦ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وتقديم السّواك استحبابًا: وجهه الأحاديث المتواترة من قوله ﷺ وفعله، وليس في ذلك خلاف.
قال في "الحجّة": قوله ﷺ "لولا أَنْ أَشقَّ على أُمَّتي لأَمرتُهم بالسّواك عند كلِّ صلاة".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: رواية: "مع كلِّ وضوء" معلولة، قال البيهقي: "رواه أَبو عبد الله الصفار عن إسماعيل موقوفًا، وهو المحفوظ عن القعنّبي؛ موقوف ... ، ورواه محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن عليّ بن معبد عن روح بن عبادة، عن مالك كذلك مرفوعًا، ثمّ قال: هذا الخبر في "الموطأ غير مرفوع" ... وقال محمد بن إسحاق في غير هذه الرّواية: يشبه أَن يكون مالك قد كان يحدث به مرفوعًا، ثمّ يشكّ في رفعه؛ يعني: فيقِفُه؛ كما قال الشَّافعيّ: كان مالك إذا شكّ في شيء انخفض، والنّاس إذا شَكُّوا في الشّيء ارتفعوا" (٣).
стр. 72
٦٧ - قال الْمُصَنِّف (١):
"ونوم المضطجع؛ وجهه: أَن الأَحاديث الواردةَ بانتقاض الوضوء بالنَّوم -كحديث: "مَن نام؛ فليتوضأْ"- مقيّدة بما ورد أَن النّوم الَّذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع.
وقد روي من طرق متعدّدة، والمقال الَّذي فيها ينجبر بكثرة طرقها، وبذلك يكون الجمع بين الأَدلّة المختلفة".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: قال أَبو عبد الرَّحمن (*) -محقّق الزّمان-: "هذه الدّعوى باطلة؛ فإنَّ شرط انجبار الحديث بكثرة الطّرق: أَنْ لا يكون فيها متَّهم، أَو متروك؛ كما بينه النّووي وغيره في مصطلح الحديث.
ويدلّك على ذلك: أَنَّه كم من حديث له من الطّرق أَكثرُ من هذا بكثير، ومع ذلك؛ فقد ظَلُّوا يحكمون عليها بالضّعف؟!! وهذا الحديث لا يوجد فيه هذا الشّرطُ، على قلّتها -أَعني: طرقَه-؛ وهي ثلاثة:
الأوّل: حديث ابن عبَّاس، وله أَربع -بل خمس- علل؛ بيّنّاها في "الأحَاديث الضَّعيفة" التي جرّدناها من "سنن أَبي داود" رقم (٢٦).
الثَّاني: حديث عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جدّه، قال الشوكاني في "النيل" (١/ ١٧٠): "وفيه مهدي بن هلال، وهو متّهم بوضع الحديث، ومن رواية عمر بن هارون البلخي، وهو متروك، ومن رواية مقاتل بن سليمان، وهو متّهم".
الثالث: حديث حذيفة: أَخرجه البيهقي (١/ ١٢٠)، وقال: "ينفرد به بحر بن كنيزٍ السقاء، وهو ضعيف لا يحتجّ بروايته".
فمثل هذه الطرق لا ينجبر بها الحديث؛ بل تزيده وهنًا على وهن" (٢).
стр. 73
٦٨ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وفي ذلك ثمانية مذاهبَ استوفيناها في "مِسك الختام شرح بلوغ المرام"، واستوفاها الماتن في "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، وذكر الأحاديث المختلفة وتخريجها، وترجيح ما هو الرّاجح.
قال الشَّافعي ﵀: النّوم يَنقض الوضوءَ إلَّا نومُ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ.
وقال أبو حنيفة ﵀: لو نام قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا؛ لا وضوء عليه حتَّى ينام مضطجعًا أو متكئًا.
كذا في "المُسَوّى"".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: والقول الصَّحيح؛ الَّذي تجتمع عليه النُّصوص: هو الفرق بين النَّوم العميق، والنّوم الخفيف.
فتحمل الأَحاديث الّتي دلّت على النَّقض -كحديث صفوانَ بن عسّال- على النّوم العميق.
وحديث أَنس: "أَنَّهم كانوا ينامون حتَّى يُسمعَ لأَحدهم غطيط، ثمّ يقومون فيصلُّون ولا يتوضّأون"؛ على النّوم الخفيف؛ فإنَّ الإنسان قد يسمع له غطيط حالَ إغفائه؛ وهو يشعر بنفسْه إذا أحدث، وبمن حولَه إذا تحدّثوا.
وحديث عليٍّ ومعاوية -مرفوعًا-:
"العَيْنُ وكاءُ السَّهِ؛ فإذا نامَتِ العَيْنان اسْتَطلَقَ الوكاءُ"، حسنَّه ابن المُنذر؛ فهذا يدلُّ على أَن النّوم مِظَنَّةٌ للنَّقض، وليس ناقضًا بنفسِه، وأَمَّا التّفريقُ في الحكم بناءً على هيئة النَّائم -مضطجعًا، أَو راكعًا، أَو ساجدًا، أَو قائمًا، أَو قاعدًا؛ فلا يوجد له مستند صحيح في السنّة، ومما يدل على أَن النّوم يكون خفيفًا وثقيلً؛ قول الله ﵎: ﴿لا تأخذه سنة ولا نومٌ﴾.
стр. 74
٦٩ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وأَكل لحم الإبل: وجهه قوله ﷺ لمَّا قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ - قال: "نعم"، وهو في "الصحيح" من حديث جابر بن سَمُرة ﵁.
وقد رُوي -أيضًا- من طريق غيره.
وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، واستدلّوا بالأحاديث الّتي نَسَخت الأحاديث الواردة في الوضوء ممّا مسّت النَّار.
ولا يخفى أنّه لم يصرَّح في شيء منها بلحوم الإبل حتَّى يكون الوضوء منها منسوخًا.
وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل ﵀، وإسحاق ابن راهويه ﵀، ويحيى بن يَحْيَى ﵀، وابن المنذر ﵀، وابن خزيمة ﵀، والبيهقيّ ﵀، وحُكي عن أصحاب الحديث ﵏، وحُكي عن جماعة من الصّحابة ﵃ كما قال النووي ﵀.
قال البيهقي ﵀: حُكي عن بعض أصحابنا، عن الشَّافعي ﵀، أنّه قال: إن صحّ الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي ﵀: قد صحّ فيه حديثان: حديث جابر بن سَمُرة ﵁، وحديث البراء ﵁.
قال في "الحجَّة": "وأمّا لحم الإبل فالأمر فيه أشدُّ، لم يقل به أحد من فقهاء الصّحابة ﵃ والتابعين ﵃ ولا سبيل إلى الحكم بنسخه، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج، وقال به أحمد ﵀، وإسحاق ﵀؛ وعندي أنَّه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان والله أَعلم".
стр. 75
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وقدِ اشتهر في كثير من كتب الفقه بما يتعلَّق بهذه المسأَلة: أَمران؛ هما من قبيل الخطأ:
الأَوّل: قولهُم: بأَن حديث جابر -"كان آخر الأمَرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء ممَّا مسّتِ النَّار"، رواه أَبو داود (١) وغيرُه- ناسخٌ لحديث جابر بن سمرة: أَنَتوضأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"؛ وهذا خطأ؛ لأنّ جابرًا سأَله عن أَمرين: "أَنتوضأُ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت"، قال: أَنتوضأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعمْ"، أَخرجه مسلم (٢).
فهذا تفريق منه ﷺ بين لحوم الإبل وغيرهما، وظاهر هذا أَنَّه كان بعد النّسخ، يدل على ذلك حديث البراء: "توضّؤا من لحوم الإبل، ولا توضّؤا من لحوم الغنم"، أَخرجه أَبو داود (٣)، وغيره.
الثَّاني: قولهم: إنه ثبت عن الخلفاء الأَربعة ترك الوضوء من لحوم الإبل.
وهذا لا أَساس له من الصّحّة، بل لا يعرف أَنّ أَحدًا من الصّحابة صرّح بترك الوضوء من لحوم الإبل.
ثمّ إنِّي وقفت على أَثر رواه ابن أَبي شيبة (٤) من طريق ابن عليّة، عن حميد، عن أَبي العالية: "أَنَّ أَبا موسى نحر جَزورًا، فأَطعم أَصحابَه، ثمّ قاموا يصلّون بغير طُهور، فنهاهم عن ذلك، وقال: ما أُبالي مشيت في فرثها ودمها ولم أَتوضّأ، أَو أَكلت من لحمها ولم أَتوضّأْ"، وإسناده صحيح.
فهذا يدلّ على أنّ الصّحابة كانوا يفتون بمقتضى الحديث.
стр. 76
٧٠ - قال الْمُصَنِّف (١):
"منها: حديث عائشة ﵂، عنه ﷺ : "من أَصابه قيءٌ، أَو رعافٌ، أَو قلس، أَو مذيٌ؛ فلينصرِف فليتوضّأ"، وفي إسناده: إسماعيل بن عياش، وفيه مقال".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وفيه علّة أُخرى: وهي الإرسال: بين عبد العزيز بن جريج وعائشة.
٧١ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وفي الباب عن جماعة من الصّحابة ﵃، والمجموع ينتهض للاستدلال به".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: عن ابن عمر ﵄: "إذا رعف الرَّجل أَو ذرَعه القيءُ أَو وجد مَذيًا؛ فإنّه ينصرف فيتوضّأ، ثمّ يرجع فيبني على ما مضى؛ إن لم يتكلم" (٣)، قال: حدَّثنا إسحاق عن عبد الرّزاق عن معمر، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر به، وإسناده صحيح.
٧٢ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"في "المسوّى": قال الشَّافعي ﵀: الرّعاف والحجامة لا ينقضان الوضوء.
وقال أَبو حنيفة ﵀ ينقضان إذا كان الدم سائلًا.
стр. 77
وقال مالك ﵀: الأَمر عندنا أَنّه لا يتوضّأ من رعاف، ولا دمِ، ولا من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضّأ إلَّا من حدث يخرج من ذَكَر، أو دبر، أَو نوم".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: تقدَّم أَن الدّم الكثير الّذي يفحش في النّفس؛ ينقض الوضوء، على ما جاءت به الآثار، وهكذا الرّعاف ينقض بالشّرط المتقدِّم، وبهذا جاءت الآثار.
٧٣ - قال الْمُصَنِّف (١):
"ومع هذا؛ فقد كان الصّحابة ﵃ يباشرون مع معارك القتال ومُجَاوَلة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشّهرة بمكانِ أوضحَ من الشّمس، فلو كان خروج الدّم ناقضًا: لما ترك ﷺ بيانَ ذلك مع شدّة الاحتياج إليه، وكثرة الحامل عليه".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: انظر ما تقدَّم آنفًا في الفقرة (١٦).
٧٤ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وفي الباب أَحاديث عن جماعة من الصّحابة ﵃؛ منهم: جابر ﵁، وأبو هريرة ﵁، وأم حبيبة ﵂، وعبد الله بن عمر ﵄، يزيد بن خالد ﵁، وسعْد بن أبي وقاص ﵁، وعائشة ﵂، وابن عباس ﵄، وابن عمرو ﵄، والنعمان بن بشير ﵁، وأنس ﵁، وأُبَيّ بن كعب، ومعاوية بن حيدة ﵁، وقبِيصة ﵁، وأَروى بنت أَنيس".
стр. 78
قال الفقير إلى عفو ربِّه: جل هذه الأَحاديث لا تخلوا من ضعف وعلّة، ولا يكاد يثبت منها، إلَّا حديث بسرة، وأَبي هريرة، وعمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جدّه.
وحديث طلق في نفي الوجوب صحيح لا غبار عليه، وهو أَقوى سندًا من حديث بسرة، وأَبي هريرة، وعمرو بن شعيب، بالنَّظر إلى كل حديث بمفرده.
٧٥ - قال الْمُصَنِّف (١):
"قد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر جماعةٌ من الصّحابة والتّابعين ﵃، والأئمّة ﵏، ومالوا إلى العمل بحديث بُسرة لتأخر إسلامها.
وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك.
والحقُّ الانتقاض".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: لا يصار إلى التّرجيح إلَّا عند تعذر الجمع بين النّصوص، والجمع ممكن؛ بأنْ يقال: إنّ الأمر بالوضوء من مسّه محمول على الاستحباب، وأَن النفي في حديث طلق محمول على الوجوب، وأَمَّا الصّحابة؛ فنقل عنهم هذا وذاك.
قال ابن عبَّاس ﵁: "ما أُبالي مسَسْتُ ذَكَري، أَوْ أُذُني، أَو أَنفي "، رواه ابن أَبي شَيبة (٢): حدَّثنا ابن فضيل، عن الأَعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به.
وعن سعد: ما رواه مالك (٣)، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب، بن سعد بن أَبي وقاص، قال: "كنت أَمسك المصحف على أَبي
стр. 79
فاحتككت، فقال: "لعلّك مسَسْت ذَكَرك، قلت: نعمْ، قال: قم فتوضأْ، فقمت فتوضأت، ثمّ رجعت".
وأَمَّا مسُّه بيده من غير قصد؛ فلا يظهر لي فيه استحباب.
٧٦ - قال الْمُصَنِّف (١):
"ولمس المرأَة، قال به عمر، وابن مسعود".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَمَّا أَثر عمر؛ فقد أَخرجه: الدّارقطنيّ (٢)، والبيهقي (٣)، من طريق عبد العزيز بن محمد الدّارورديّ، عن محمد بن عمرو بن وقّاصٍ اللَيثيّ، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن أَبيه، عن ابن عمر.
وهو لا يصحُّ عنه لوجهين:
الأوّل: الاضطراب في إسناده، قال ابن عبد البَرّ: "هو عندهم خطأٌ؛ لأَن الحفَّاظ -أَصحاب ابن شهاب- يجعلونه عن ابن عمر؛ لا عن عمر" (٤).
الثَّاني: ما صحّ عنه في عدم النَّقض، رواه عبد الرّزاق (٥) عن ابن عُيَينة، عن يَحْيَى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمّد بن عمرِو بن حزم، عن عبد الله بن عمر: "أَن عاتكة بنتَ زيدِ قَبّلت عمر بن الخطاب وهو صائم؛ فلم يَنْهَها، قال: وهو يريد الصَّلاة، ثمّ مضى فصلَّى ولم يتوضّأْ".
وكذا صحّ عن ابن عبَّاس ﵄، قال: "لا وضوءَ في القُبلَة"، أَخرجه الدّارقطنيّ (٦)، من طريق حبيب بن أَبي ثابت، عن ابن جبير، عن ابن عباس به.
стр. 80
نعمْ؛ ثبت عن ابن عمر أَنّه قال: "قُبلَةُ الرجل امرأَتَه وجَسُّها بيده ملامسةَ، فمَنْ قَبَّل امرأَتَه أَو جَسّها بيده؛ فعليه الوضوء".
أَخرجه مالك (١) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أَبيه به.
وأَيضًا صحَّ عن ابن مسعود أَنّه قال: "المُلامسة ما دون الجمَاع، إنْ مسَّ الرَّجلُ جسدَ امرأَتِه بشهوة؛ ففيه الوضوء"، أَخرجه الطبرانيّ (٢): حدَّثنا عليّ بن عبد العزيز: حدَّثنا حجّاج بن منهال: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود به.
ولكن خالفهما -كما علمتَ- عمر وابنُ عبَّاس ﵃، والحجّة معَهما؛ لأَوجهٍ ثلاثة:
الوجه الأوّل: ما ثبت في "الصَّحيحين" عن عائشة، قالت: "كان إذا سجد غمَزَني فقَبَضْتُ رِجْلِي"، ولمسلم: " ... وضعتُ يدي على بطن قدميه وهما منصوبتان"، وهذان الحديثان يدلَّان على أَن اللّمس غير موجب للنّقض.
الوجه الثَّاني: قاعدة بقاء الأصل: "لا خلاف أَنَّه لم ينقل عنه ﷺ أَنّه توضأَ من الْمسّ، ولا أَمر بذلك، مع أَن النَّاس لا يزال أحدُهم يَلْمِس امرأَتَه بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلم أَنَّه، ﷺ أمر بالوضوء من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع، وهو مقتضى أُسلوب الآية، وبه فسّرها النَّبيّ ﷺ ، ثمّ حبر الأُمّة؛ لكن الاستحباب متوجّهٌ ظاهر، فيستحبّ أَن يتوضأَ من مسّ النِّساء بشهوة" (٣).
الوجه الثالث: ما روته أُمُّ المؤمنين عائشة ﵂: "أَن
стр. 81
النَّبيُّ ﷺ كان يقَبِّلها ويخرج إلى الصَّلاة ولا يتوضّأُ"، وكان حقُّ هذا الحديث أَنْ يجعلَ في الوجه الأَوّل؛ لولا الخلاف في ثبوته؛ مع أَن الرّاجح: تحسينُه -كما سيأْتي-.
٧٧ - قال الْمُصَنِّف (١):
"بل يشهد حديث عائشة بخلافه: لكن فيه نظر؛ لأَن في إسناده انقطاعًا".
قال الفقير لعفو ربِّه: لكن الحديث له شواهدُ؛ منها:
الأوَّلُ: ما أخرجه مسلم (٢)، والتّرمذيُّ (٣) -وصحّحه-، عن عائشة، قالت: فقدتُ رسول الله ﷺ ليلةً من الفراش، فالتَمسْتُه، فوضعت يدي على باطن قدميه -وهو في المسجد- وهما منصوبتان؛ وهو يقول: "اللَّهمّ إنّي أَعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأَعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أَنت كما أثنيت على نفْسِك".
الثاني: ما أخرجه الشيخان (٤) من حديث أَبي سلمة، عن عائشة، قالت: "كنت أَنام بين يدي رسول الله ﷺ ورِجلاي في قِبْلَتِه، فإذا سجد غَمَزَني؛ فقبضت رِجلِي، فإذا قام بسطتُهما؛ والبيوت -يومئذٍ- ليس فيها مصابيح"، وفي لفظ: "فإذا أراد أَن يسجد غَمَزَ رِجْلِي فَضَمَمْتُها إليَّ ثمّ سجد".
الثّالثُ: ما أخرجه النسائيّ (٥) عن عائشة، قالت: "إن كان رسول الله ﷺ لَيُصلِّي، هاني لَمُغتَرِضَةٌ بين يدَيه اعتِراضَ الجِنازة، حتَّى إذا أَراد أَنْ يُوتِر مَسَّني برِجله"، وهو من طريق محمّد بن عبد الله بن الحكم،
стр. 82
عن شعيب، عن اللّيث، قال: أَنبأَنا ابن الهاد، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، به.
قال الحافظ: "إسناده صحيح" (١).
١ - ما أخرجه ابن ماجه (٢)، عن زينبَ السّهميّة، عن عائشة: "أَن رسول الله ﷺ كان يتوضّأُ، ثُمَّ يُقَبِّل ويصلّي ولا يتوضّأ، وربَّما فعله بي"، وهو من طريق: أَبو بكر بن أَبي شَيبة: حدَّثنا محمد بن فضيل، عن حجّاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السّهميّة، عن عائشة، به، قال الزّيلعي: "وهذا سند جيد" (٣).
٢ - ما أخرجه أَبو داود (٤)، عن عائشة: "أَن النَّبيَّ ﷺ قَبَّلَ امرأَةَ من نسائه، ثمّ خرج إلى الصَّلاة، ولم يتوضّأْ، قال عروة: فقلت لها: مَنْ هي إلَّا أَنْتِ فضحِكَتْ! "، وهو من طريق: عثمان بن أَبي شيبة: ثنا وكيع: ثنا الأَعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة به.
٣ - "ما أخرجه البزّار في "مسنده" عن عائشة ﵂: "أَنَّه ﷺ كان يُقَبِّل بعضَ نسائه ولا يتوضّأُ"، "قال: حدَّثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح: حدَّثنا محمّد بن موسى بن أَعين: حدَّثنا أَبي، عن عبد الكريم الجزريّ، عن عطاءٍ، عن عائشة، به: قال عبد الحق بعد ذكر هذا الحديث: "لا أَعلم له علَّة توجبُ تركَه" (٥).
٤ - ما أخرجه الدّارقطنيّ (٦) عن عائشة، قالت: "لقد كان رسول الله ﷺ يُقَبِّلني إذا خرج إلى الصَّلاة ولا يتوضّأُ"، وهو من طريق:
стр. 83
سعيد بن بشير، قال: حدّثني منصور بن زاذان، عن الزُّهْري، عن أَبي سلمة، عن عائشة، به.
وقال -أَي: الدّارقطنيّ-: تفرّد به سعيد بن بشير، عن منصور، ولم يتابع عليه، وليس بقويّ.
٥ - ما أخرجه الدّارقطنيّ (١)، عن عائشة قالت: "لا تُعادُ الصلاةُ مِنَ القُبلَة، كان النَّبيُّ ﷺ يُقَبِّل بعض نسائه، ويصلِّي ولا يتوضأُ"، وهو من طريق: ابن أَخي الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة، به.
٦ - ما أخرجه الدّارقطنيّ (٢)، عن عائشة، قالت: "قَبَّلَ رسول الله ﷺ بعضَ نسائه، ثمّ صَلَّى ولم يتوضّأ -ثمّ ضحكَتْ-"، وهو من طريق: أَبي بكرٍ النّيسابوريّ، عن حاجب بن سليمان، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أَبيه، عن عائشة، به.
وقال تفرّد به حاجبٌ، عن وكيعٍ ووهم فيه.
٧ - ما أخرجه الدّارقطنيّ (٣)، عن عائشة: "أَنّه بَلَغَها قوله ابن عمر في القُبْلَة الوضوءُ، فقالت: كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل وهو صائم، ثمّ لا يتوضأُ"، وهو من طريق: عليّ بن عبد العزيز الورَّاق، عن عاصم بن عليّ عن أَبي أُويس: حدّثني هشام بن عروة، عن أَبيه، عن عائشة، به.
وقال: لا أَعلم حدّثَ به عن عاصم بن عليّ هكذا؛ غيرَ عليّ بن عبد العزيز.
٨ - ما أخرجه إسحاق بن راهُويه (٤) عن عائشة: أَن رسول الله ﷺ قَبَّلها وهو صائم، وقال: "إنّ القُبلة لا تُنْقِضُ الوضوءَ، ولا تُفَطِّر الصَّائم -وقال-: يا حُمَيْراءُ! إنَّ في دِينِنا لَسَعَةً"، وهو من طريق: بقيّة بن الوليد:
стр. 84
حدّثني عبد الملك بن محمّد، عن هشام بن عروة، عن أَبيه، عن عائشة، به.
والّذي يظهَر بعد سَوْقِ هذه الطرق وتصحيح مَن صحّحها؛ أَن حديث القبلة لا ينزل عن رتبة الحديث الحسن؛ لتعدّد طرقه، ولا يوجد فيها كذّاب، أَو متّهم، أَو متروك، وممَّن صحّحه -أَيضًا- ابن عبد البَرّ والأَلباني.
* * *
*
خامسًا: بابُ الغُسْل
٧٨ - قال الْمُصَنِّف (١):
"يجب بخروج المَنِيِّ بشهوة، ولو بتفكُّر وقد دلّت على ذلك الأدلّة الصّحيحة كأحاديث: "الماء من الماء"، وأحاديث: "في المني الغُسل"، وصدْق اسم الجنابة على من كان كذلك؛ وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، والاطِّهار استيعاب جميع البدن بالغُسلِ، كذا في "المُسوّى".
ولا أَعلم في ذلك خلافًا، وإنَّما وقع الخلاف المشهور بين الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وكذلك بين من بعدهم: هل يجب الغُسل بالتقاء الْخِتَانَيْن من دون خروج مَنيٍّ، أَمْ لا يجِبُ إلَّا بخروج الْمَنِيّ؟ ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: استقرّ الإجماع على وجوب الغُسل مِنِ التقاء الخِتَانَين؛ في زمَن الصّحابة، ومن نُقل عنه عدمُ الوجوب رجع إلى القول بالوجوب.
стр. 85
٧٩ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وجلستُ عند محتضر، فرأَيتُ أَن الملائكَةَ الْمُوكَلَة بالقبض؛ لها نِكَايَةٌ عجيبةٌ في المحتضرين، ففهمت أَنَّه لا بدّ من تغيير الحالة لِتَنَبُّه النَّفْس لمخالفِها".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: ما كان ينبغي للمؤَلف ﵀ نقلُ مثلِ هذا الكلام أَوْ ذِكْرُه؛ فإنَّ طريقتَه أَخذُ العلم بدليله، وهذا الكلام ضَرْبٌ من الدّعاوى بالظَّن والْخَرْص!!
٨٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وبالإسلام" وجهه: ما أخرجه أَحمدُ، والتِّرمذيُّ، والنّسائيُّ، وأَبو داود، وابنُ حِبّانَ، وابنُ خُزَيمةَ ﵏، عن قَيس بن عاصم ﵁: أَنَّه أَسْلَمَ؛ فأَمّرَه النّبيُّ ﷺ أَنْ يغتَسل بماءٍ وَسِدْر.
وصحّحه ابن السكن ﵀.
وأخرج أحمد، وعبد الرَّزاق، والبيهقيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁: أنّ ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، فقال النَّبيُّ ﷺ : "اذهبوا به إلى حائط بني فلانٍ، فَمُرُوهُ أن يغتسل".
وأصله في "الصحيحين"، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنّه اغتسل.
قال في "الحجَّة": قال لآخر: "ألق عنك شعر الكفر"؛ وسرّه أن يتمثل عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه ﵏.
стр. 86
وذهب الشَّافعي ﵀ إلى عدم الوجوب.
والحقُّ الأَوَّلُ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: والّذي يَظهر لي -مع عدم وجود آثار عن الصّحابة فيما أعلم- ترجيح القولِ الثَّاني؛ لأَوجهٍ:
الأوّل: أَن أَمرَه ﷺ لقيس بن عاصم للاستحباب، لا للوجوب، بدليل أَنه ﷺ قَرَنَ السِّدر معَ الماء، وهو لا يجب بالاتفاق، ولا يقال: إنّ هذه دلالة اقتران، فلا تصرَّف عن الوجوب؛ لأَنّ دلالة الاقتران إنَّما تكون في أَمرين منفصلين؛ قد عُطف أَحدُهما على الآخر، وأَمّا في مسأَلتنا هذه؛ فلا يُتَصوّر أَن يغتسل بالسّدر وحده، بل لا بدّ من أَن يَخلطَه بالماء.
الثَّاني: أَمَّا حديث ثُمامَة الحنفيِّ؛ فاللفظ الثابت في "الصَّحيحين": "أَنّه ذهب بنفْسه واغتسل"، ثمّ أَشهر إسلامَه، وليس فيه: "أنّه أُمرَ بالغُسْل"، فزيادة أَمرِه بالغُسْل شاذّة.
الثالث: إنّ الّذين أَسلموا في عهده ﷺ أَفواج، ولو أَنّ كلّ واحد منهم أُمر بأَنْ يغْتَسِل لَنُقِل إلَينا نقلًا بَيّنًا يرفع الخلاف.
فإنَّ قيل: فما الجواب على حديث: الْمُحرِمُ الّذي وَقَصَتْه راحلتُه، فأَمَره ﷺ أَنْ يُغَسل بماء وسِدر، وقوله ﷺ للاتي يَغْسِلنَ ابْنَتَه: "اغْسِلْنَها بماء وسدر"؟
قيل: الجواب من وجهين:
أَمَّا الوجْه الأوَّل: أَن أَمرَه ﷺ بِغُسل المَيّت؛ واجب بالإجماع.
وأَمَّا الوجه الثَّاني: فإنَّه لا يُعرف أَن النَّبيَّ ﷺ -أَو واحدًا من الصّحابة- اغتسل بماء وسدر -لا في غُسل واجب، ولا مستحبّ-؛ فدلّ هذا على أَنّ أَمرَه قيسَ بنَ عاصم: "أَن يغْتَسل بماء وسدر" للنّظافة على وجه الاستحباب، والله أَعلم.
стр. 87
٨١ - قال الْمُصَنِّف (١):
"مع المضمضة والاستنشاق: فقد ثبتا في الغُسل من فعله ﷺ .
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وذلك بما أخرجه البُخاريّ (٢)، ومسلم (٣) من حديث ميمونة قالت: "صبَبت للنّبيّ ﷺ غسلًا، فأَفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمّ غَسَل فرجَه، ثمّ قال بيده الأرَضَ فمسَحها بالتراب، ثُمَّ غَسّلها، ثمّ تمضمض واستنشق، ثمّ غسَل وجه، وأَفاض على رأسه، ثمّ تنحّى، فغَسَل قدميه، ثمّ أَتى بمنديل فلم ينفض بها".
٨٢ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"ووجه الوجوب: ما قدّمْناه في الوضوء".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: لا يوجد دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغُسْل؛ لأَنّ فرضَه المجزئ هو إفاضةُ الماء على الرأْس والبَدَن، والوضوء قَبله لا يجب، وهما جزء منه.
٨٣ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وقد روى ابن أَبي شَيبة ﵀ عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا وموقوفًا أَنَّه قال -لما سُئل عن الوضوء بعد الغُسْل-: "وأَيّ وُضوء أَعمُ من الغُسْل؟! ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وأَيضًا رواه عبد الرّزاق (٦): أَخبرنا معمر عن الزُّهْري عن سالم به، وإسناده صحيح.
стр. 88
٨٤ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وروى عن حذيفة ﵁ أَنّه قال: "أَمَا يكفي أَحدُكم أَن يغتسل من قرْنِه إلى قدمِه حتَّى يتوضأَ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَخرجه ابن أَبي شيبة (٢): حدَّثنا عباد بن العوام، عن حجّاج، عن طلحةَ، عن إبراهيم، عن حذيفة، وهذا إسنادٌ ضعيف، فيه علّتان:
الأُولى: الانقطاع بين إبراهيم النّخعي وحذيفة، فإبراهيم لم يسمَعْ شيئًا
من الصّحابة.
الثَّانية: ضعف حجّاج بن أَرطأَةَ.
٨٥ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ويُشْرَعُ -أَي: الغُسْلُ- لصلاة الجُمُعَة لحديث: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"، وهو في "الصَّحيحين"، وغيرهما من حديث ابن عمر ﵁.
وقد تلقت الأمّة هذا الحديث بالقبول، ورواه عن نافعٌ ﵀ نحو ثلاث مئة نفس.
ورواه من الصّحابة غير ابن عمر؛ ﵁ نحو أربعة وعشرين صحابيًّا.
وقد ذهب إلى وجوبه جماعة.
قال النووي ﵀: حُكي وجوبُه عن طائفة من السّلف ﵏، حَكُوه عن بعض الصّحابة ﵃، وبه قال
стр. 89
أهل الظّاهر، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمّار ﵁، ومالك، وحكاه الخطابي، عن الحسن البصري، وحكاه ابن حزم عن جمع من الصّحابة ﵃ ومن بعدهم.
وذهب الجمهور إلى أنّه مستحب، واستدلُّوا بحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم بلفظ: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت؛ غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّامٍ" وبحديث سَمُرة ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ قال:
"من توضأ للجمعة؛ فيها ونِعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل": أخرجه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والترمذي ﵏.
وفيه مقال مشهور، وهو عدم سماع الحسن ﵀ من سمرة ﵀؛ وغير ذلك من الأحاديث، قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب.
ولكنّه إذا كان ما ذكره صالحًا لصرف الأمر؛ فهو لا يصلح لِصرفِ مثل قوله ﷺ :
"حقّ على كلّ مسلم أن يغتسل في كلّ سبعة أيامٍ يومًا؛ يغسل فيه رأسه وجسده"؛ وهو في "الصَّحيحين" وغيرهما من حديث أَبي هريرة ﵁ ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: المتأَمّل للنُّصوص يرَى أَن سبب أَمره ﷺ بالغُسل ليوم الجُمُعة: ما رواه البُخاريّ (١) عن عائشة، قالت: "كان النّاس ينتابون الجُمُعةَ من منازلِهم والعَوَالي، فيأْتُون في الغُبَار، فيصيبُهُمُ الغُبَارُ والعَرَق، فيخرجُ منْهُمُ العَرق، فأَتى رسولَ الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لو أَنّكم تَطَهَّرتم ليومِكم هذا"، وفي رواية: "لَوِ اغْتَسَلْتُم".
стр. 90
ثمّ إنَّه ﷺ عَزَمَ عليهم، فقال -فيما رواه الشيخان- (١):
"غُسْل الجُمُعَةِ واجب على كلِّ مُحتَلِم".
فكان لأَهل العلم -نحوَ هذه النُّصوص- ثلاثة مسالك:
المسلك الأَوّل: الوجوب مطلَقًا؛ أَخذًا بظاهر حديث أَبي سعيد وابن عبَّاس.
المسلك الثَّاني: الاستحباب مطلَقًا؛ أَخذًا بظاهر حديث عائشة، وحديث الحسن، عن سمُرة.
المسلك الثالث: التفصيلُ في ذلك، وهذا الّذي أَفتى به ابنُ عبَّاس، فقد روى أَبو داود (٢) عنه -بسند حسن-، عن عكرمة: "أَن أُناسًا من أَهل العراق جاؤوا، فقالوا: يا ابن عبَّاس! أَترى الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ واجبًا؟ قال: لا؛ ولكنّه أَطهرُ وخيرٌ لِمَنِ اغْتَسل، ومَن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأَخبرُكُم كيف بَدْءُ الغُسْل:
كان النَّاس مجهودين؛ يلبسون الصّوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضَيِّقًا مقارب السّقف، إنّما هو عِرّيش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حارٍّ، وعرِق النّاسُ في ذلك الصوف حتَّى ثارت منهم رياحٌ؛ آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلمَّا وجد رسول الله ﷺ تلك الرِّيحَ؛ قال: "أَيها النَّاس! إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، ولْيَمَسَّ أَحدُكم أَفضلَ ما يجد من دُهنه وطيبِه"، قال ابن عبَّاس، ثمّ جاء الله بالخير، ولبسوا غيرَ الصّوف، وَكُفُوا العَملَ، ووسِّع مسجدُهم، وذهب بعضُ الّذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العَرَق".
وروى مسلم (٣) من قصَّة معاتبة عُمَرَ لِعُثمانَ ﵄ وقولِه
стр. 91
له: "والوضوء أَيضًا، وقد علمت أَن رسول الله ﷺ كان يأمُر بالغُسل".
قال الإمام الشَّافعي -فيما نقله عنه الترمذيّ: "ومِمّا يدل على أَن أَمرَ النّبي ﷺ بالغُسل يوم الجُمُعَة؛ أَنه على الاختيار لا على الوجوب: حديث عمر؛ حيث قال لعثمان: "والوضوء أَيضًا وقد علمت أَن رسول الله ﷺ أَمَرَ بالغُسل يومَ الجُمُعة"، فلو علما أَنَّ أَمرَه على الوجوب، لا على الاختيار؛ لم يتْرُك عمر عُثمانَ حتَّى يردَّه ويقول له: ارجعْ فاغتَسل، ولمَّا خفي على عثمان ذلك مع علمه، ولكن دل في هذا الحديث أَن الغُسل يوم الجمُعُة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء في ذلك" (١).
وفيه نُكتة عزيزة: وهو أَنَّ غُسلَ يومِ الجُمُعة مستحبٌّ بإجماع الصّحابة -بقَيْدِه-، وهذا هو اختيار أَبي العباس؛ حيث أَفتى بالاستحباب ما لم يكن به عَرَق، أَو ريحٌ تؤذي غيرَه فيجب، وفي هذا جمع بين النُّصوص، وأَخذٌ بفقه السَّلف.
وأَمَّا ما رواه مسلم (٢) عن أَبي هريرة مرفوعًا: "حقٌّ لله على كلِّ مسلم أَن يغتسل في كل سبعة أَيّام، يَغسل رأسَه وجسده".
فقد قال أَبو العبّاس: "وهذا في أَحدِ قولَي العُلماء هو غُسلٌ راتب مسنون، للنّظافة في كل أُسبوع، وإنْ لم يشهدِ الجُمُعةَ؛ بحيث يفعَلُه مَن لا جمُعَة عليه" (٣).
٨٦ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"وللعيدَين: فقد روى من فعله ﷺ من حديث الفاكه بن سعد ﵁: أنه ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النّحر؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبزّار، والبغوي ﵀.
стр. 92
وأخرج نحوه ابن ماجه ﵀ من حديث ابن عباس ﵁.
وأخرجه البزّار ﵀ من حديث أبي رافع ﵁.
وفي أسانيدها ضعف، ولكنّه يقوّي بعضها بعضًا، ويقوي ذلك آثار عنْ الصّحابة ﵃ جيدة".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: صحّ عن ابن عمر أَنَّه: "كان يغتسل يوم الفطر قبل أَنْ يغدوَ إلى المُصلّى"، رواه مالك (١) عن نافع، عن ابن عمر.
وكذا صحّ عن عليّ: أَنّه سأَلَه رجل عن الغُسل؟ فقال: اغتسل كلِّ يوم إنْ شئت، فقال: لا؛ الغُسل الّذي هو الغُسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النّحر، ويوم الفطر" (٢).
٨٧ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ولِمَنْ غَسّل ميتًا؛ وجهه: ما أخرجه أحمد، وأهل "السنن" ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، وقد روي من طرف، وأُعِلَّ بالوقف، وبأن في إسناده صالحًا -مولى التوأمة ﵀.
ولكنه قد حسّنه التِّرمذيُّ ﵀، وصحّحه ابن القطان ﵀، وابن حزم.
وقد رُوي من غير طريق.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: هو -لكثرة طرقه- أسوأ أحواله أن يكون حسنًا فإنكار النووي ﵀ على التِّرمذيِّ ﵀ تحسينَهُ مُعْتَرضٌ.
стр. 93
وقال الذهبي ﵀: هو أقوى من عدّة أحاديث احتجّ بها الفقهاء ﵏.
وذكر الماوردي ﵀ أن بعض أصحاب الحديث ﵏ خرَّج لهذا الحديث مئة وعشرين طريقًا.
وقد روي نحوه عن عليّ ﵁ عند أحمد، وأبي داود، والنَّسائي، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزَّار، والبيهقيّ ﵏، وعن حذيفة ﵁ عند البيهقي ﵀.
قال ابن أبي حاتم -والدَّارقطنيُّ، رحمهما الله-: لا يثبت.
وعن عائشة ﵂ من فعله ﷺ عند أحمد، وأبي داود، -رحمهما الله-.
وقد ذهب إلى الوجوب: عليّ، وأَبو هريرة ﵄ والإمامية".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَمَّا أَثر عليّ؛ فقد رواه البيهقي (١): أَخبرنا أَبو عبد الله الحافظُ، وأَبو بكرٍ بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أَبو العبّاس محمد بن يعقوب: ثنا محمّد بن إسحاق: ثنا عليّ بن معبد: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن عليّ أَنه قال: "مَن غَسّل ميتًا؛ فليغتَسلْ"، قال البيهقيّ: وروي عن عليّ من قوله وليس بالقوي.
وأَمَّا أَثر أَبو هريرة؛ فقد رواه البيهقي (٢)، وفي "المعرفة" (٣) من طرق، عن إسحاقَ مولى زائدَةَ، عن أَبي هريرة:
"مَنْ غَسّل ميتًا؛ فليغتسل، ومن حَمَلَه فليتوضأْ".
стр. 94
قال البيهقي: "وقال في غير هذه الرّواية: وإنَّما لم يَقْوَ عندي أن يرويَ عن سهيل، عن أَبي صالح، عن أَبي هريرة، ويُدخل بعضُ الحفَّاظ بين أَبي صالح وبين أَبي هريرة إسحاقَ مولى زائدة، فدل أَن أَبا صالح لم يسْمَعْه من أَبي هريرة، وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثل معرفتي بأبي صالح، ولعلّه أَنْ يكون ثقة ... ، قال أَبو داود: سمعت أَحمد بن حنبل وسئل عن الغُسل مِن غَسْل المَيت؟ فقال: يجزئُه الوضوء، أَدخل أَبو صالح بينه وبين أَبي هريرة في هذا -يعني: إسحاق مولى زائدة-، قال: وحديث مصعب ضعيف، وهو مع جهالته مختلف في إسناده، فقيل عنه هكذا،
وقيل: عنه، عن أَبي سعيد.
وقيل: عن يَحْيَى بن أَبي كثير، عن إسحاق، عن أبي هريرة.
وقيل: عن يَحْيَى بن أَبي إسحاق، عن أَبي هريرة.
وقيل: عن يَحْيَى، عن رجل من بني ليث، عن أَبي إسحاق، عن أَبي هريرة.
وقيل: عن معمر عن أَبي إسحاق، عن أَبيه، عن حذيفة.
وكل ذلك ضعيف.
وروي عن محمد بن عمر، وعن أَبي سلمة، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وروي عنه بإسناده موقوفًا، والموقوف أصحُّ.
ورواه زُهير بن محمد، وليس بالقوي عن العلاء، عن أَبي هريرة مرفوعًا.
ورواه عمرو بن عمير، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وعمرو بن عمير غير مشهور.
ورواه صالح مولى التوأَمة، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وصالح مولى التوأَمة اختلط في آخر عمُرِه، وسقط عن حدّ الاحتجاج بروايته، وإنَّما يصحُّ هذا الحديث عن أَبي هريرة موقوفًا" (١).
стр. 95
وقد روي عن ابن عباس في غَسْل الميت، قال: "يكفي منه الوضوء"، أَخرجه مُسدد (١): حدَّثنا يَحْيَى عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس به.
وكذلك عن ابن عمر، قال: "كنَّا نَغسل الميت، فمنّا مَن يغتسلُ، ومنّا من لا يغتسل" (٢)، قال: حدَّثنا ابن صاعد: ثنا محمّد بن عبد الله المخرميّ: ثنا أَبو هشام المغيرة بن سلمة المخزومي: ثنا وهيب: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
- قال الحافظ: "إسناده صحيح" (٣).
أَمَّا استحباب الوضوء من غَسْل الميت؛ فمتوَجِّه؛ لثُبوت الأَثر عن ابن عبَّاس.
٨٨ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"وللإحرام؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: أنّه رأى النَّبيّ ﷺ تجرَّد لإهلاله واغتسل؛ أخرجه التِّرمذيُّ، والدَّارقطنيُّ، والبيهقيّ، والطبرانيّ، -وحسّنه التِّرمذيُّ-، وضعَّفه العُقيلي ﵏.
ولعل وجه التضعيف كونُ عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده.
قال ابن الملقن في "شرح المنهاج": لعلّ التِّرمذيَّ ﵀ حسَّنه لأنَّه عرف عبد الله بن يعقوب؛ أي: عرف حاله.
وفي الباب عن عائشة ﵂ عند أحمد ﵀، وعن أسماء ﵂، عند مسلم ﵀.
وقد ذهب إلى استحباب غُسل الإحرام الجمهور".
стр. 96
قال الفقير إلى عفو ربِّه: ثبت عند الدّارقطنيّ (١) والحاكم (٢) عن ابن عمر، قال: "إن مِنَ السُّنة أَن يغتسل إذا أراد أَن يحرم، وإذا أراد أَن يدخل مكّة"، قال الدّارقطنيّ: حدَّثنا إبراهيم بن حمّاد: ثنا أَبو موسى: ثنا سهل بن يوسف: ثنا حميد عن بكر، عن ابن عمر به.
وقد أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ أَسماء بنتَ عُميس حينما ولدت محمّدًا بذي الحليفة، قال: "اغتسلي واستثفرِي بثوب وأَحرمي" (٣).
ومِنَ المعلوم أَن هذا الغُسل إنَّما هو للإحرام؛ لأَنَّها ممنوعة من الصَّلاة والطّواف حتَّى تطهُرَ، دل على ذلك قولُه ﷺ : "وأحرمي".
* * *
سادسًا: باب التّيمُّم
٨٩ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"والواجب حملُ كلام الله على ذلك مع عدم وجود عُرف شرعيّ، وقد وقع منه ﷺ ما يشعر بما ذكرناه؛ فإنَّه تيمّم في المدينة من جدار؛ كما ثبت ذلك في "الصَّحيحين" من دون أن يسأل ويطلب، ولم يصحَّ عنه في الطّلب شيء تقوم به الحجَّة، فهذا -كما يدل على عدم وجوب الطّلب- يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت.
ويدلّ على ذلك حديث الرِّجلين اللّذين تيمَّما في سفر، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما ولم يُعد الآخر، فقال ﷺ للذي لم يُعِدْ: "أصبت
стр. 97
السُّنة"؛ أخرجه أبو داود والحاكم، وغيرهما من حديث أبي سعيد، فإنَّه يَرُدُّ قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمّم، سواء كان مسافرًا أو مقيمًا.
إذا تقرّر لك هذا: استرحت عن الاشتغال بكثير من التفاريع المحرَّرة في كتب الفقه؛ فإنَّ هذه هي ثمرة الاجتهاد.
فأيّ فرق بين مَنْ لا يُفَرِّق بين الغثِّ والسَّمين من المجتهدين، وبين مَن هو في عِداد الْمُقَلِّدِين؟! ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: الآثار الواردة في هذه المسأَلة كما يلي:
الأَوّل: عن عمر؛ فقد روى عبد الرّزاق (١)، وغيرُه من طريق عبد الرحمن بن حاطب: "أَنَّه اعتمر مع عمر، وأَن عمر عرّس في بعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم فاستيقظ، فقال: ما تَرَوْن؛ نُدرك الماء قبل طلوع الشّمس؟ قالوا: نعمْ، فأَسرَع السّير حتَّى أَدرك الماء، فاغتسل وصلّى". وإسناده صحيح.
الثَّاني: عن ابن عمر، فقد روى البيهقي (٢) من طريق محمّد بن عجلان، عن نافع: أَن ابن عمر تيمّم بِمَرْبَد النعم، وصلّى وهو على ثلاثة أَميال من المدينة، ثمّ دخل المدينة والشّمس مرتفعة؛ فَلَمْ يُعِدْ.
وساق من طريق الأَوزاعي، قال: حدَّثني موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر: أَنَّه كان يكون في السفر فتحضره الصَّلاة، والماء منه على غلوة، أَو غَلوتين، ونحو ذلك، ثمّ لا يعدل إليه.
الثّالث: عن عليّ، فقد روى البيهقي (٣) من طريق الحارث، عن عليّ ﵁، قال: اطْلُبِ الماء حتَّى يكون آخر الوقت، فإن لم تجد
стр. 98
ماء؛ تيمّم ثمّ صلّي، وفي طريق آخر، قال: "إذا أجنب الرجل في السّفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإنَّ لم تجدِ الماء تيمّمْ وصلّي".
ثمّ قال البيهقي: "وهذا لم يصحَّ عن عليٍّ، وبالثابت عن ابن عمر نقول، ومعه ظاهر القرآن" (١).
فهذه الآثار تدل على أَن المرءَ مخَيّر بين أَنْ يصلِّي في أَوَّل الوقت بالتيمّم، إذا لم يكنِ الماءُ قريبًا منه، وبين أَن ينتظرَ إلى أَن يجد الماء فيصلّي قبل خروج الوقت.
٩٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"قال في "القاموس": "والصّعيد: التراب، أَو وجهْ الأَرض" انتهى.
والثاني هو الظّاهر من لفظ الصَّعيد؛ لأنّه ما صَعِدَ؛ أي: علا وارتفع على وجه الأرض، وهذه الصّفة لا تختص بالتراب، ويؤيّد ذلك حديث: "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"؛ وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره.
وما ثَبَتَ في روايةٍ بلفظ: "وتربتها طهورًا"؛ كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة؛ فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء؛ لأنَّ غاية ذلك أن لفظ التراب دلَّ بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطُّهوريّة.
وهذا مفهوم لقب لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسُّنّة، ولهذا لم يعمل به من يُعْتَدُّ به من أئمّة الأصول، فيكون ذكر التراب في تلك الرّواية من باب التنصيص على بعض أفراد العام.
وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث، ووجه
стр. 99
ذكره: أنه الَّذي يغلب استعماله في هذه الطهارة، ويويّد هذا ما تقدَّم من تيمّمه ﷺ من جدار.
وأمَّا الاستدلال بوصف الصَّعيد بالطَّيِّب، ودعوى أن الطَّيِّب لا يكون إلَّا ترابًا طاهرًا مُنبِتًا لقوله -تعالى-: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾: فغير مفيد للمطلوب إلَّا بعد بيان اختصاص الطَّيِّب بما ذُكر، والضرورةُ تدفعه؛ فإنّ التُّراب المختلط بالأزبال أجود إخراجًا للنبات.
قال الماتن في "شرح المنتقى": ومن الأدلة الدّالة على أن المراد خصوص التُّراب ما ورد في القرآن والسُّنّة من ذكر الصَّعيد، فالأمر بالتيّمم منه وهو التُّراب، لكنَّه قال في "القاموس": والصَّعيد: التُّراب أو وجه الأرض.
وفي "المصباح": الصَّعيد وجه الأض؛ ترابًا كان أو غيره، قال الزّجاج: لا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك، قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أنّ الصَّعيد في قوله -تعالى-: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هو التُّراب، وفي كتاب "فقه اللغة" للثعالبي: الصَّعيد تراب وجه الأرض، ولم يذكر غيره.
وفي "المصباح" -أيضًا-: ويقال: الصَّعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التُّراب الّذي وجه الأرض وعلي وجه الأرض، وعلي الطريق.
ويؤيّد حملَ الصعيد على العموم تَيمُّمه ﷺ من الحائط؛ فلا يتمُّ الاستدلال.
وقد ذهب إلى تخصيص التَّيمم بالتُّراب الشَّافعي، وأحمدُ، وداودُ.
وذهب مالك، وأبو حنيفة، وعطاء، والأوزاعي، والثوري إلى أنّه يجزئ بالأرض وما عليها.
قال: واستدل القائل بتخصيص التُّراب بما عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعًا بلفظ: "وجُعلت تربتها لنا طهورًا"، وهذا خاص؛ فينبغي أن يُحمَلَ عليه العامُّ.
стр. 100
وأُجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، فلا يتم الاستدلال.
ورُدَّ بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ: "التراب"؛ أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: "جُعِل التراب لي طهورًا"؛ أخرجه أحمد والبيهقي، بإسناد حسن.
وأُجيب أيضًا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول، ولم يقل به إلا الدقاق، فلا ينتهض لتخصيص المنطوق.
ورُدَّ بأن الحديث سِيق لإظهار التشريف، فلو كان جائزًا بغير التراب لما اقتصر عليه؛ وأنت خبيرٌ بأنه لم يقتصر على التراب إلا في هذه الرواية.
نعم؛ الافتراقُ في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدًا دون الآخر -كما سيأتي في حديث مسلم- يدلُّ على الافتراق في الحكم.
وأحسن من هذا أن قوله -تعالى- في آية المائدة: ﴿مِنْهُ﴾ يدل على أن المراد التراب، وذلك لأن كلمة "مِن" للتبعيض كما قال في "الكشاف": أنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدّهن والتراب؛ إلا معنى التبعيض، انتهى.
فإن قلت: سلّمنا التبعيض، فما الدّليل على أَن ذلك البعضَ هو التراب؟ قلت: التنصيص عليه في الحديث المذكور "انتهى.
قال الفقير إلى عفو ربه: والأَظهر هو عدم اشتراط التراب؛ لأَدلة؛ منها:
الأَوَّل: قوله -تعالى-: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
فكلمة ﴿حَرَجٍ﴾ في هذا السّياق تدلُّ على العموم، فهي نكرة وقعت
стр. 101
في سياق النفي، فاشتراط التراب منفي من هذه الآية، واشتراطه يوقع في الحرج.
الثاني: قوله ﷺ : "فأَيما رجل من أُمتي أَدركته الصلاة؛ فعنده مسجده وطهوره"، فقد تدركه الصلاة في أَرض سبخة، أَو أَرض رملية، وهو مأْمور بالتيمم عليها، مع عدم وجود الماء والحالة هذه.
الثالث: روى البخاري (١) وعلقه مسلم (٢) عن عمير مولى ابن عبّاس: "أَنّه ﷺ تيمم على جدار".
الرابع: لم ينقل عن النبي ﷺ والصحابة ﵃ أَنَّهم كانوا ينقلون التّراب معهم، مع أَنهم كانوا يقطعون المفاوزَ التي لا يوجد بها إلا الرمال؛ ولذا عد غيرُ واحد من أَهل العلم نقل التراب للتيمم بدعة.
وأَما أَثر ابن عباس ﵄ في تفسير الآية (٣)؛ فلا يصح؛ في إسناده: قابوس بن أَبي ظَبيان، قال الذهبي: "قلت: قابوس لين" (٤).
٩١ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"يستباح به ما يستباح بالوضوء والغُسل لِمَن لا يجد الماء؛ لأَن حكم التيمم مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن لم يكن جنبًا، وحكم الغسل لمن كان جنبًا، يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه، ويستبيح به ما يستبيحه المغتسل بغسله، فيصلي به الصلوات المتعددة، ولا ينتقض بفراغ من صلاة، ولا بالاشتغال بغيره، ولا بخروج وقت على ما هو الحق".
قال الفقير إلى عفو ربه: الصحيح؛ أَن التيمم رافع للحدث؛ ولكن
стр. 102
إلى أَنْ يجد الماء، فإذا وجده بطلت طهارته، ووجب عليه التّطهر بالماء؛ لقوله ﷺ : "الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجدِ الماءَ عشر سنين، فإذا وجد الماء؛ فليتق الله، ولْيَمَسه بشرتَه"، رواه أبو داود (١)، الترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وأَحمد (٤)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وكذا صححه الحافظ.
٩٢ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وكذلك حديث المسح على الجبائر؛ المروي عن علي ﵁".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهو حديث ضعيف، والعمدة في جواز المسح على الجبيرة: ما رواه ابن أَبي شيبة (٦) عن ابن عمر، قال: "مَن كان به جرح معصوب، فخشي عليه العَنت؛ فليمسح ما حوله ولا يغْسِلْه"، ولا يعلم له مخالف من الصحابة؛ فهو حجة يجب المصير إليها، باتفاق الجماهير خلافًا للظاهرية.
٩٣ - قال الْمُصَنِّف (٧):
"وأَمّا ما ورد فيه لفظ اليدين -كما وقع في بعض روايات من حديث عمار: فالمطلق يحمل على المقَيد بالكفّين".
قال الفقير إلى عفو ربه: السّنة والآثار الثّابتة عن الصحابة - رضي الله
стр. 103
عنهم -: أَن المسح للكفين والوجه، وقد روى ابن أَبي شيبة (١) بسند صحيح، عن ابن عمر: "أَنه كان يمسح إلى المرفقين".
٩٤ - قال المصنف (٢):
"وقد ذهب إلى كون التيمم ضربةً واحدةً للوجه والكفين الجمهور، وذهب جماعة من الأَئقة والفقهاء إلى أَن الواجب ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين".
قال الفقير إلى عفو ربه: الثابت عن السّلف صورتان في كيفية التيمم:
الأُولى: ما جاء في الحديث؛ وهي ضربة للوجه والكقين.
الثانية: ما رواه عبد الرزاق (٣)، والبيهقي (٤) عن ابن عمر أنه قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المِرفقين"، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وأَما القول بالمسح إلى الآباط؛ فقد قال الخطابي: "ووجه الاحتجاج له من صنيع عمّار وأَصحابه: أَنَّهم رأَوْا إجراءَ الاسم على العموم، فبلغوا بالتيمم إلى الآباط.
وقام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المِرفقين فسقط، وبقي ما دونهما على الأَصل؛ لاقتضاء الاسم إياه" (٥).
ولا نعلم أَحدًا من الصحابة أَفتى أَو عمل بأَحاديث التيمم إلى الآباط (٦).
стр. 104
قال أَبو داود -في حديث ابن عبَّاس عن عمار في قصّة التيمم-: "زاد ابن يحيى في حديثه، قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس" (١)
يشير ﵀ إلى قوله في الحديث: "ثم رفعوا أَيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأَيديهم إلى المناكب، ومن بطون أَيديهم إلى الآباط".
٩٥ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"ناويًا مسمّيًا: لما تقدم في الوضوء؛ لأَنه بدل عنه؛ وأَدلة النية شاملة لكلّ عمل".
قال الفقير إلى عفو ربه: أَما النية؛ فالأَمر فيها بَينٌ؛ لثبوت الحجة ووضوحها، وهي قولُه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات".
وأَما التسمية؛ فلم أَقفْ على شيءٍ فيها.
٩٦ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"وأَما ما قيل من أَنَّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم! فليس على ذلك دليل، بل الواجب استعمال الماء، وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مُسَوغ للتأخير -كالنوم والسهو ونحوهما -؛ فلم يوجب الله -تعالى- عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله -تعالى-، وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت: فعليه الوضوء، وقد باء بإثم المعصية".
стр. 105
قال الفقير إلى عفو ربه، وصورتها: أَنْ يستيقظَ قبل طلوع الشمس بقليل وهو جنب، فإنِ اغتسلَ خرج الوقت، وإنْ تيمم أَدركه، فعلى قول المصنف يغتسل وإن فات الوقت، وهو الصواب؛ لأَن وقت الصلاة بالنسبة إليه وقت استيقاظِه؛ قال ﷺ : "من نام عن صلاة أَو نسيها؛ فليصلها إذا ذَكَرَها؛ لا كفارة لها إلا ذلك"، وفي رواية: "وإنه لَوَقْتها"، وفيها نظر، وإذا كان الأَمر كذلك؛ فإنه مأْمُور بالقيام إلى الصلاة بشروطهما.
* * *
سابعًا: باب الحيْض والنفاس
٩٧ - قال الْمُصَنِّف (١):
"لم يأْت في تقدير أَقله وأَكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر؛ لأَن ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما، فهو إما موقوف ولا تقوم به الحجة، أو مرفوع ولا يصح، فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه، بل المعتبر لذات العادةِ المتقررةِ هو العادةُ، وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم".
قال الفقير إلى عفو ربه: "فالأَصل في ذلك عدمُ التقدير من الشارع؛ فإنه لم يقدر ذلك بقدر، بل وَكَلَه إلى ما تعرفُه من عادَتها، ومذهب مالك: ولو دفعة فقط".
وقال أَبو العباس: "ولو ساعة، ولا حدَّ لأَكثره ما لم تصر مستحاضة، وهو مذهب جمهور السلف".
قال: "والمرجع في ذلك إلى العادة، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن
стр. 106
أَصحابه في ذلك شيء، وما أَطلَقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده" (١).
وبما قرره الشّيخُ أَبو العباس أَفتى به ابن عباس، فقد روى الدارمي (٢)، قال: أَخبرنا محمد بن عيسى: حدثنا ابن علية: أَنبأَنا خالد، عن أنس بن سيرين، قال: "اسْتُحِيضَتِ امرأَةٌ من آل أَنس، فأَمروني، فسأَلت ابن عباس، فقال: أما ما رأَتِ الدم البحراني؛ فلا تصلي، فإذا رأَتِ الطّهر ولو ساعةَ من نهار؛ فلتَغتَسل ولتصل"، وهذا إسناد صحيح.
٩٨ - قال الْمُصنِّف (٣):
"ولا يعارض هذا ما أَخرجه في "الموطأ" -وعلّقه البخاري-: "أَن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرةُ والكُدرة من دم الحيض لِيسألْنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تعجلْن حتى ترين القصَّة البيضاء؛ فإن هذا -مع كونه رأيًا منها- ليس بمخالف لما تقدم؛ لأنها لم تخبرهن بأن الصفرة والكُدرة حيض، إنما أمرَتهن بالانتظار إلى حصول دليل يَدُلُّ على أنه قد انقضى الحيض، وهو خروج القَصة، فمتى خرجت لم يخرج بعدها دم حيض، ولم تأْمُرْهن بالانتظار ما دامتِ الصفرة والكدرة".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال العلامة الألَباني ﵀: "لكن يشهد له مفهوم حديث أم عطية، قالت: "كتا لا نَعذ الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا"، أخرجه أَبو داود وغيره بسند صحيح -كما بينتُه في "صحيح أَبي داود" رقم (٣٢٥) -، فهو يدل بمفهومه على أنهن كن يَعْدُدن ذلك قبل الطهر -أَي: في الحيض- حيضًا.
وتأْويل المصنف حديث عائشة بعيد جدًّا عن الحقيقة، بل هو صريح
стр. 107
على أَنها كانت ترى أَن الحائض لا تطهُر بانقطاع الدم الأَسودِ عنها، بل لا بد منِ انقطاع الصفرة والكُدرة، وإلا لَما جاز أَن تأمر بالانتظار الذي يقضي بتضييع بعض الصلوات، لو كان الحيض هو الدمَ الأَسود فقط، فتأَمل" (١).
٩٩ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ومستحاضة: وهي التي يستمر خروج الدم منها.
إذا رأت غيره: تعمل على العادة المتقررة، فتكون فيها حائضًا تَثبت لها فيه أحكام الحائض، وفي غير أيّام العادة تكون طاهرًا لها حكم الطاهر.
تُعامَل المستحاضة كالطاهرة:
وهي كالطاهرة كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة من غير وجه؛ فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمُبْتَدأة والمُلْتَبِسة عليها عادتُها؛ فإنها ترجع إلى التمييز، فإن دم الحيض أسود يُعرَف -كما قال- ﷺ ، فتكون إذا رأت دمًا كذلك: حائضًا، وإذا رأت دمًا ليس كذلك: طاهرًا.
وقد أَطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل، وكثرت فيه التفريعات، والتدقيقات، والأمر أَيسر من ذلك".
قال الفقير إلى عقو ربه: "الدَّمُ باعتبار حكْمِه لا يخرج عن خمسة أَحكام:
أولًا: مقطوع بأَنه حيض؛ كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معَه.
ثانيًا: دمٌ مقطوع بأَنه استحاضةٌ كدَمِ صفرة.
ثالثًا: دَمٌ يحتمل الأَمرَين؛ لكِنِ الأَظهرُ أَنه حيض، وهو دَمُ المعتادة، والْمُمَيزة، ونحوهما من المستحاضات؛ الذي يحكم بأَنه حيض.
стр. 108
رابعًا: ودَم يحتمل الأمَرَين، والأَظهر أنه دَم فساد، وهو الدم الّذي يحكم بأَنه استحاضة من دماء هؤلاء.
خامسًا: ودَمٌ مشكوك فيه، لا يترجح فيه أَحدُ الأَمرين، ويقول به طائفة من أَصحاب الشافعي، وأَحمد، وغيرهما؛ فيوجبون عليها: أَن تصوم وتصلي، ثم تقضي الضوم.
والصواب: أَن هذا القول باطل؛ لوجوه:
منها: أَن الله بيّن لنا ما نتقيه، فكيف يقال: إن الشريعة فيها شك؟! ولا يقولون -أَي: الموجبون-: نحن شكَكْنا؛ فإن الشاك لا علم عنده؛ فلا يجزم، وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادَته لشَكهم.
ومنها: أَن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة، ولا الصيام مرتين، إلا بتفريط، والصواب: ما عليه جمهور المسلمين: أَن من فعل عبادة كما أَمر بحسب وَسِعَه؛ فلا إعادة عليه" (١).
والحاصل: أَن المعتادة ترد إلى عادتها؛ لحديث فاطمة بنت أَبي حُبَيشٍ، والمميزة تعمل بالتمييز، على حديث فاطمة عند أَبي داود (٢)، والفاقدة لهما تحيض ستًّا أَو سبعًا، على حديث حِمنة، ثم إنه تبين لي أَن حديث فاطمة عند أَبي داود، وهي قوله: "إن دَمَ الحيض أَسودُ يعرف" لا يصح.
قال ابن أَبي حاتم: "سأَلت أَبي عن حديث رواه محمّد بن أَبي عدي، عن محمد بن عمرِو، عن ابن شهاب الزُّهْرِي، عن عروة، عن فاطمة: أَن النبيّ ﷺ قال لها: "إذا رأَيتِ الدّمَ الأَسودَ؛ فأَمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عرق"، قال أَبي: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية وهو منكر". (٣)
стр. 109
قال عبد الله ابنُ الإمام أَحمدَ: سمعت أَبي يقول: "كان ابن أَبي عدي حدثنا به عن عائشة، ثم تركَه (١) ".
ساقه البيهقي بعد حديث فاطمة، والذي يظهر لي أَن الخطأَ فيه إنّما هو من ابن أبي عدي.
قال أَبو داود: "وقال ابن المثتى: حدثنا به ابن أَبي عدي من كتِابِه هكذا، ثم حدثنا به -بَعْدُ- حِفظًا، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهْري، عن عروة، عن عائشة: أَن فاطمة كانت تستحاض؛ فذكَر معناه (٢) ".
وجملة القول في هذا الحديث: أنه معلول كما قال أَبو حاتم وأَحمد؛ لعدة أَوجه:
الأوَّل: أَن الحديث رواه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طرق: عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن فاطمة بنتَ أبي حُبَيْش جاءت رسولَ الله ﷺ ، فقالت: إني امرأَةٌ أُستحاض فلا أَطهر؛ أَفأَدع الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أَقبلت حيضتُك؛ فدَعي الصّلاة، وإذا أَدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، فأَنت ترى أَن رواية "الصحيحين" ليس فيها ذِكْرٌ لهذا الحرف.
الثاني: أَن ابن أَبي عدي راويه عن محمد بن عمرو: مرة يجعلُه من مسند فاطمة، ومرة يجعلُه من مسند عائشة، فهو كما أنه اضطرب في متْنِه؛ فكذلك في سنده.
الثالث: أَن ابن القطان أَعله بالانقطاع.
رابعًا: لم نر أَحدًا مِنَ المتقدمين أَثبت الحديث، أَو صححه بهذا اللفظ؛ بَلِ اسْتَنْكَروه.
стр. 110
فالعمدة في رَد المستحاضة إلى التّمييز: إنما هو حديث فاطمة بنتِ أَبي حُبيش؛ الذي رواه البخاري ومسلم؛ فإن قولَه ﷺ : "إنما ذلك عرق، وليس بالحيض، فإذا أَقبلَت حيضتك؛ فدَعِي الصلاة"؛ رد لها إلى التمييز.
(فائدة):
في قوله ﷺ لحمنة بنت جحش: "فتحيضي ستة أَيام، أَو سبعةَ أَيام -في علم الله-، ثم اغتسلي، حتى إذا رأَيتِ أَنكِ قد طَهُرت واستنقأْت؛ فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة، أَو أَربعًا وعشرين ليلةَ وأَيامَها، وصومي؛ فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهبر كما تحيض النساء"، أَخرجه أَبو داود (١) وغيره، فيه دليل: على أَن أَكثر الحيض سبعة أَيام، فإذا كانت المرأَةُ تحيض خمسة أَو ستة أَو سبعةَ أَيام، ثمّ طرأَ عليها ما جعل أَيام حيضها تزيد على السبعة، مثل: أَنْ تتناوَلَ عَقارًا يكون سببًا في زيادة تدفق دَمِها؛ فإنها تؤمر بأَنْ تغتسل بعد السابع، وتصلي وتصوم، ولا يقال لها: انتظري إلى أَنْ يبلغ خمسةَ عشَر يومًا، فهذا مع أنه مخالف لهذا الحديث؛ فإنّ معناه أَنْ لا فرقَ بين الحائض والنفَسَاء، وهذا أَمْر يصادم الواقع ولا يتفق مَعَه، على أَن الطب الحديثَ يقررُ أَن أَكثر زَمَنٍ تحيضُ فيه المرأَةُ هو سبعَة أَيام، فإذا زاد:
فإما أَنْ يكون بسبب اظطرابِ ما يُعرفُ بـ (الهُرمونات) عند المرأَة، ومعنى هذا: أنه مَرَضٌ.
وإما أَن تكون نُفَساءَ غاب عنها الدَّمُ تسْعة شُهور، وبهذا نكون قد ضَبَطْنا الفتوى في هذا، وأَرَحنا النساءَ من إشكالاتٍ كثيرةِ؛ تُسَبِّب لهُن الحَيْرَةَ والقَلَق.
١٠٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"والنفَاسُ أَكثرُه أَربعونَ يومًا؛ لحديث أُم سلمة، قالت: "كانتِ النفساءُ