← Акыда

Акыда · id 14275

اشتقاق أسماء الله

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال المازني: إنما لم يؤنث ولم يثن ولم يجمع لأنه بمعنى المصدر، فقولك: «زيد أكرم من عمرو» معناه كرمه يزيد على كرم عمرو، وكذلك «محمد أفضل من زيد» معناه فضله يزيد على فضله فوحد كما يوحد المصدر. قال الفراء: إنما لم يثن ولم يجمع لأنه أضيف إلى شيء جمع الفاضل والمفضول، واستغني بذلك عن تثنيته وجمعه كما فعل ذلك بالفعل المتقدم استغناءًا بتثنية الفاعل وجمعه بعده، فلا يستعمل هذا الباب إلا هكذا بزيادة من أو مضافًا كقولك: «زيد أفضل اخوتك» «وأكرم بنيك»، أو معرفًا بالألف واللام كقولك: «زيد الأفضل والأكرم»، «وأخوك الأكبر»، «وزيد الأًغر» فلو قيل: «زيد أصغر أو أكبر أو أكرم» لم يجز. فأما قولهم: «الله أكبر» ففيه وجهان وقد شرحناهما في أول هذا الباب. ويقال: في مؤنث «الأكبر» «والأصغر» «الصغرى» «والكبرى»، «والأطول» «الطولى» وكذلك سائر الباب يطرد على هذا ولا ينكسر. وللعرب ألفاظًا تستعملها في الكبير والصغير في السن وألفاظ تستعملها في الكبر والتعظيم نذكر بعضها في هذا الفصل إن شاء الله، فمما يقال في الصغر والكبر قال الأصمعي: يقال للمولود حين يقع من بطن أمه: وليد، وقال: من أسماء الصغير: الطفل ولا أدري ما وقته ويقال له «شدخ» ما دام رطبًا، فإذا فطم فهو فطيم، فإذا انفتح وارتفع فهو «جفر» فإذا ارتفع عن ذلك فهو جحوش. قال المعترض الهذلي: قتلنا مخلدًا وابني حراق ... وآخر جحوشًا فوق الفطيم

стр. 142

فإذا ارتفع عن ذلك وخدم وقوي فهو «حزور» قال النابغة: وإذا نزعت نزعت من مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد فإذا ارتفع عن ذلك ولم يبلغ الحلم فهو «يافع» «ويفعة» يقال: «غلام يافع»، «وغلام يفعة»، «وغلمان يفعة» يكون للواحد والجمع سواء، «وغلمان أيفاع» أيضًا. ويقال: أيفع الغلام يوفع إيفاعًا. قال الشاعر: كهول ومرد من بني عم مالك ... وأيفاع صدق لو تمليتهم رضا فإذا احتلم فهو «حالم»، وإذا خرج وجهه فهو «طار» «وطرير» وهو «أمرد» ما لم يتصل وجهه، فإذا التف وجهه ولم يكن في الشعر مزيد فهو «مجتمع» وهو «شاب» من الحلم إلى أن يكتهل، فإذا تم فهو «كهل»، فإذا تمت شدته فهو «صمل»، فإذا رأى البياض فهو «أشمط» «وأشيب» فإذا ظهر به الشيب فاستبانت فيه السن فهو «شيخ» فإذا ارتفع عن ذلك فهو «مسن» «وكبير»، فإذا ارتفع عن ذلك فهو «قحم» و «مسلهم»، فإذا أخلق فهو «انقحل» أي «أقحل» وامرأة انقحلة أي «قحلة»، «ورجل نهشل»، «وامرأة نشهلة» «وقد نهشلت المرأة»: إذا أسنت وفيها بقية ولم يذهب جل شبابها، فإذا قارب الخطو وضعف فهو «دلف»، فإذا ضمر وانحنى فهو «عشبة» «وعشمة»، فإذا بلغ أقصى ذلك فهو «هرم»، وإذا أكثر الكلام فهو «مهتر»، فإذا ذهب عقله كبرًا فهو «خرف»، يقال: خرف يخرف خرفًا، «والهم»: الكبير من الناس والدواب، «وامرأة همة»، «وناقة همة». وفي هذه ألفاظ كثيرة غير هذا، وكذلك في النساء في ذكر شبابهن وكبرهن لا يليق ذكرها بهذا الموضع لأنه يخرج عن مقصدنا فلذلك تركناها.

стр. 143

ومما يقال في الكبر والتعظيم. يقال رجل كبر «وخنزوانة»، «وشمخزة»، «زوهو»، «وجخف» «وعنزهوة»، «وفجس»، «وأبهة»، «ودعية» «وفخز»، «وجفخ»، «وعرضية»، «وعنجهية»، «وعيدهية» «وخنزوانية»، «وخنزوة»، «ونخوة»، «وجبروة»، «وجبرية» «وجبروت»، «وجبورة»، «وبأو»، وقال ابن السكيت: يقال: «فيه بأو»، ولا أعرف البأواء وقد حكاها الفقهاء: «في طلحة بأواء» هذا بالمد، وهذا كله من التيه والكبر. ويقال: «زهي الرجل» فهو مزهو، ورجل متفجس ومزدهي من الكبر، والمصن: الشامخ بأنفه، والمصن في غير هذا: المنتن. وقال أبو عمرو: يقال: «أصنت الناقة»: إذا مخضت فصارت رجل الولد في صلاها. وتقول: «جاء فلان مخرنشمًا ومخرنطمًا»: أي متكبرًا: قال أبو زيد، يقال «في فلان عرضية» إذا كان يركب رأسه من النخوة، ويقال: اطرغم اطرغمامًا: إذا تكبر، ويقال: «فاش فلان يفيش»: إذا افتخر، والفياش: المفاخرة. ويقال «رجل أصيد» «وقوم صيد» إذا كان متكبرًا شامخًا بأنفه، وأصله من الصيد والصاد، وهو داء يأخذ الإبل في رؤوسها فيلوي أحدها رأسه، قال أبو عمرو: البلخ: المختال، يقال بلخ بلخًا. قال الأصمعي: الأبلخ: التائه. قال أبو عمرو: والتدكل: ارتفاع الرجل في نفسه. يقال: «قد تدكلت بعدي» وأنشد: تدكلت بعدي وألهتها الطين ... ونحن نعدو في الخبار والجرن الطبن: اللعب والواحدة طبنة، والجرن: الأرض الغليظة وهي من الجرل

стр. 144

ويقال: «رجل مختال وخال وذو خيلا وذو خال» بمعنى واحد، ويقال: «أطمخ الرجل بأنفه إكماخًا وأقمخ إقماخًا وزمخ بأنفه»: إذا تكبر، ويقال «فخر الرجل، وجخف، وجفخ، واطرخم اطرخمامًا، واطلخم اطلخمامًا»: إذا شمخ بأنفه، «ورجل متفجس» إذا كان متكبرًا. وهذا باب يطول جدًا، وفي هذا منه كفاية. المتعالي اسم الفعل من قولك تعالى الله ، وهو تفاعل من العلو، فهو متعال، كما يقال تعاطي زيد كذا وكذا فهو متعاط، وتقاضي فهو متقاض، وما أشبه ذلك. قال الفراء: «يقال: تعالى الله، والله المتعالي، ولا يستعمل المصدر من تعالى لأن العرب لم تتكلم به». وقال غيره: لو استعمل لكان يجب في القياس أن يقال: تعالى يتعالى تعاليًا ولكن لم يستعمل ذلك. وكذلك يقال: تعالى الله وتبارك الله أحسن الخالقين. وتبارك: تفاعل من البركة كما أن تعالى: تفاعل من العلو ثم قيل الله المتعالي، ولم يستعمل اسم الفاعل من تبارك الله، فلم يقل هو متبارك لم يسمع ذلك، وإنما ينتهي في صفاته إلى حيث أطلقته الأمة أو جاء في التنزيل فإن جاء مثل هذا عن الرسول ﷺ ، وأطلقته الأمة كان سائغًا في العربية. ويقال في غير هذا إذا أراد رجل أن يقبل إليه آخر يقال: [تعال] يا زيد، وللاثنين تعاليا، وللجماعة تعالوا بفتح اللام في جميع ذلك، قال : ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾. فأما في الواحد في قولك: «تعال» فقد سقطت منه ألف منقلبة من واو سقطت للأمر فبقي ما قبلها مفتوحًا على حاله، وفي الاثنين في قولك: «تعاليا» انقلبت الألف المنقلبة من الواو ياء لمجيء ألف التثنية فلم يكن اجتماعهما لسكونهما، ولا تحريك إحداهما لأن الألف لا يمكن تحريكها لأنها لو تحركت لصارت همزة وخرجت من جنسها ولينها.

стр. 145

وإنما قلنا: قد سقطت من آخر قولك «تعال يا فلان» في الأمر ألف منقلبة من واو لأنه من العلو والارتفاع، وأصله فيما يذكر أهل اللغة: أن رجلاً كان في أعلى جبل أو رابية وآخر تحته في الحضيض فصاح به: «تعال يا فلان» أي أعل وارتفع إلي. هذا أصله ثم كثر واستعمل في كل من أراد أن يصيح بآخر ليقبل إليه عاليًا كان أو غير عال. وقولك للجماعة: «تعالوا يا رجال» كان أصله «تعاليوا» تنقلب الياء ألفًا لتحركها وانفتاح اللام قبلها ثم تحذف لسكونها وسكون واو الجمع بعدها فيبقى ما قبلها مفتوحًا على حاله، ولا يجوز ضمه. وتقول للمرأة: «تعالي يا مرأة بإثبات الياء، وهذه ياء التأنيث التي تكون في مثل قولك: «أقببلي يا هند، واضربي»، وما أشبه ذلك وقد سقطت لام الفعل. وتقول للمرأتين كما تقول للرجلين «تعاليا» وللجمع «يا نساء تعالين» كما قال : ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلا﴾. فهذه الياء التي في قولك «تعالين» ليست بياء التأنيث التي كانت في «تعالي» للواحدة لأن تلك لا تثبت مع النون التي هي إضمار جميع المؤنث في قولك: «تعالين» وإنما هذه الياء لام الفعل وكانت واوًا كما ذكرت لك في الأصل، ولكن الواو لا تصح رابعة فما فوق ذلك ولكن تقلب ياء كما قيل: تغازينا، وتغازيا، وتغازين، وتعاطين، وما أشبه ذلك. وكما قيل: مغزيان، وملهبان. وكل ذلك من الواو فقلبت ياء كما ترى، كذلك قلبت في «تعالين». وشبيه بهذا في الأمر قولك للرجل إذا أردت أن يناولك شيئًا «هات يا رجل» وللأثنين «هاتيا» وللجماعة «هاتوا يا رجال»، فأما قول العامة «هاتم» فخطأ ليس من كلام العرب. قال الله : ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ وقال الكيمت: فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم ... ففيكم لعمري ذو أفانين مقول

стр. 146

وتقول للمرأة: «هاتي يا هند» وللمرأتين «هاتيا»، وللجماعة «هاتين» وقياسه في الحذف قياس ما تقدم ذكره». المنان فعال من قولك: «مننت على فلان»: إذا اصطنعت عنده صنيعة وأحسنت أليه، فالله منان على عباده بإحسانه، وإنعامه، ورزقه إياهم، و «فلان يمن على فلان»: إذا كان يعطيه ويحسن إليه. وقالوا في قوله : ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي لا تعط في الدنيا شيئًا لتأخذ أكثر منه ولكن عطيتك لوجه الله وابتغاء ما عنده وقوله : ﴿هذا عطاؤنا فامنن﴾ أي اعط «أو امسك» كذلك قيل في التفسير. وقال الفراء: أراد هذا عطاؤنا فمن به في العطية، أراد أنه إذا اعطاه فهو من منه فسمي العطية هنا، وله موضع آخر في صفات الإنسان تقع في الذم، يقال: «فلان منان»: أي يمن بما يعطيه ويعتد به. ومنه قولهم: «المن يكدر الصنيعة». حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي نفطويه قال: حدثني محمد ابن موسى الساوي قال: حدثني وهب بن جرير بن حازم قال حدثني شعبة

стр. 147

عن علي بن مدرك قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن خرشة عن أبي ذر الغفاري ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة». قلت: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا. قال: «المسبل إزاره، والمنان، والمختال، فأما المسبل إزاره فإن أهل الجاهلية كانوا يسحبون إزرهم إذا مشوا كبرًا أو يجرونها فكان يفعل ذلك منهم المتكبر والمتجبر فيكون ذلك علامة لكبره وتجبره». قال زهير: وقد أغدو على ثبة نشاوى ... كرام واجدين لما نشاء لهم راح وراووق ومسك ... تعل به جلودهم وماء يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء وقال طرفة: أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر

стр. 148

وقال آخر: أيام أحلف مئزري غفر الملا ... وأفض كل مرجل ريان والمنان: الذي يمن على الله بعلمه، والمختال يختال في مشيه كبرًا، وينشد: يمشي إلى أسل الرماح وقد يرى ... سبب المنية مشية المختال الخلاق والخالق الخالق: اسم الفاعل من خلق يخلف وهو خالق، والخلاق: فعال للمبالغة، والخلق: الفعل. وأفعال الله مقدرة على مقدار ما قدرها عليه. وأصله من قول العرب «خلق فلان الأديم»: إذا قدره للقطع للإصلاح. وفي كلام بعض الفصحاء: «لا أخلق إلا فريت، ولا أعد إلا وفيت» يقول: لا أقدر إلا قطعت. يقال: «فريت الأديم»: إذا قطعته للإصلاح، وأفريته: إذا قطعته للإفساد. قال زهير: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

стр. 149

أي أنت تقطع ما قدرته على ما أردت للإصلاح، وبعضهم يخلق: أي يقدر ثم لا يقطع على ما قدر فيفسد، وهذا أمثل. والخلق: تقديرك الأديم لما أردته. وتقول العرب: رجل خالق: أي صانع، والخالقات: الصانعات كذلك حكاه الخليل بن أحمد، والخلق: المخلوق تقول العرب: ما في الخلق أشجع من فلان ولا أفرس من فلان يريدون ما في المخلوقين مثله، والخلق: الفعل. والخلق: الكذب ومنه قوله : ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾. وقال في قوله : ﴿وتخلقون إفكًا﴾، أي تقدرونه وتخترعونه لتكذبوا به النبي ﷺ . والخلق والخليقة واحد، وجمع الخليقة: الخلائق يراد بذلك المخلوقون والخلق: الطبيعة، وكذلك الخليقة، يقال: «تخلق بخلق حسن»، «وخالق الناس بخلق حسن»، وينشد: خالق الناس بخلق حسن ... لا تكن كلبًا على الناس يهر ويقال: «فلان خليق بذلك الأمر»، «وما أخلقه له!»، «وأخلق به أن يفعل كذا وكذا!. وامرأة خليقة: ذات جسم وخلق حسن. وقال بعضهم: ولا ينعت به الرجل، وقد أجاز بعضهم أن يقال: «رجل خليق» كما يقال للمرأة «خليقة» ومنه يقال: «خلقت المرأة خلاقة حسنة» إذا تم خلقها وحسن، والمختلق من كل شيء: ما اعتدل كقول رؤبة: في غيل قصباء وخيس مختلق

стр. 150

والخلاق: النصيب، وقوله : ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾: أي من نصيب، والخلق: الفاني من كل شيء، يقال: أخلق الثوب إخلاقًا فهو مخلق وهو أعلى اللغتين، ويقال أيضًا: خلق خلوقة فهو خلق، ويقال: أخلقني فلان ثوبًا: أي أعطاني خلقًا من ثيابه. وجمع خلق: خلقان وهو جمع عزيز قليل. ويقال: ثوب أخلاق، وصف بالجمع كأنه مقطع من جوانبه فجعل أجزاء كل جزء منها يقال له خلق فقيل له: أخلاق لذلك، والأخلق: الشيء الأملس، والخلقاء الصخرة الملساء المصمتة وهضبة خلقاء، وكذلك قال الأعشى: قد يترك الدهر في خلقاء راسية ... وهيًا وينزل منها الأعصم الصدعا ويقال: امرأة خلقاء للرتقاء لأنها شبهت بالصخرة الخلقاء المصمتة. الباعث الباعث: اسم الفاعل من البعث وهو الإرسال، يبعث الله من في القبور للبعث والنشور، ويوم البعث: يوم القيامة، بعثت الرجل من قومه فانبعث أي نبهته فانتبه، ويقال: «بعثت البعير فانبعث»: إذا بعثوا إلى العدو، وكل قوم يبعثون على وجه أو في أمر فهم بعث، والبعث مصدر يقع على الإثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد وليس بمنزلة «ركب»، «وتجر» لأن تجرًا وركبًا جمع تاجر وراكب. الصادق الصادق في خبره: الذي لا تكذيب له، فالله الصادق في جميع ما أخبر به عباده. قال الفراء: الصدق: قوة الخبر، والكذب: ضعف الخبر ومنه قيل: حمل فلان على القوم فما كذب أو ما ضعف، وكذلك قوله : ﴿ليس لوقعتها

стр. 151

كاذبة﴾ أي ليس لها مردود، وقد يقال أيضًا: «حمل فلان على القوم فما كذب»: أي فما رجع عنهم، وهذا راجع إلى ذلك لأنه إنما يرجع عن حملته عن القوم ضعفًا وجبنًا. وقال الفراء: قال لي أبو ثروان: «إن بني نمير ليس لحدهم مكذوبة» أي تكذيب ويقال: «صدقوهم اللقاء» «وهو من الشيء الصدق، وهو الصلب». وقالت امرأة من العرب لعمرو بن معد يكرب وقد عرض نفسه عليها «إن لي بعلاً يصدق اللقاء ويخيف الأعداء، ويجزل العطاء». والصادق أيضًا: الصادق في وعده، الوافي به، يقال: وفي بعهده ووعده وأوفى به، وفي كلام بعضهم «ما أرى كاليوم قفا واف» فقال له: «هي قفا غادر شر» فالله الصادق في جميع ما وعد به عباده، وهذه الصفة من صفاته مستنبطة من سورة مريم من قوله: ﴿إنه كان وعده مأتيا﴾: أي آتيا، مفعول بمعنى فاعل، وإذا كان وعده آتيًا فهو الصادق فيه، وكل شيء وعد الله عباده به فهو كائن كما وعد به لا محالة. وقال أهل العربية: الصدق خلاف الكذب، والصدق بفتح الصاد الشيء الصلب، وكأن أصلهما واحد على ما ذهب إليه الفراء ولكنه كسر أول هذا للفرق بين اشتداد الخبر وقوته وبين صلابة غيره من الأشياء التي تقع فيها الصلابة والرخاوة من المجسمات والمجسدات. وقالوا أيضًا: والصدق والكذب إنما يكونان في الإخبار خاصة، وفرقوا بين

стр. 152

الكذب والخلف، فقالوا: الكذب فيما مضى وهو أن تقول: «فعلت كذا» ولم تفعله، والخلف فيما يستقبل وهو أن تقول: «سأفعل كذا» ولا تفعله. فيقال خلف وعده، ولو قيل في ذلك: «كذب فلان في وعده» لم يكن بعيدًا أي لم يأت به على ما وعده وضعف فيه. والكلام في الإخبار على أوجه، فمنه: مستقيم حق، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، ومستقيم حسن، ومحلا، ومحال كذب، فأما المستقيم الحق فقولك: «خرج عبد الله أمس»، «وقدم عمرو أول من أمس» إذا أخبرت بذلك وقد كان. وأما المستقيم الكذب فأن تخبر بذلك ولم يكن فيكون مستقيمًا في الوضع كذبًا، ومنه «شربت ماء البحر» إذا أردت جميعه، وكذلك «حملت الجبل» إذا أردت جميعه. فهذا مستقيم في الوضع كذب لأن البينة تدفع أن يكون هذا. وأما مستقيم القبيح فأن تضع اللفظ غير موضعه نحو قولك: قد زيد رأيت، وكي زيد يأتيك، ولم أخاك أضرب، وما أشبه ذلك، فهو مستقيم لأنه لا نقص فيه ولا إحالة وهو قبيح في الوضع لأنك أوليت «قد» و «كي» و «لم» الأسماء، وإنما هي للأفعال وكذلك ما أشبهه. فأما المستقيم الحسن فقولك: لم أضرب زيدًا، ولن أقصد محمدًا، وسوف أقصدك وما أشبه ذلك. وأما المحال فأن تنقص آخر كلامك بأوله، وأوله بآخره نحو قام زيد غدًا، وسأقوم أمس، وإنما صار محالاً لأنه لا يصح له معنى. وأما المحال الكذب فقولك: شربت ماء البحر غدًا، فهو محال لأن شربت ماض وقد زعمت أنه في غد فهذا محال، وهو كذب لأنك زعمت أنك شربت ماء البحر وليس هذا في طاقة أحد وهذا إذا أردت به كله على ما ذكرت لك. فإن قال قائل: «شربت ماء البحر» وهو يريد بعضه فذلك سائغ في كلام العرب وهو خارج من هذا المقصد. وهذا مذهب سيبويه ومن تابعه في محال الكذب.

стр. 153

وأما الأخفش فكان يدفع المحال الكذب ويقول: المحال ما لا يصح له معنى ولا يجوز أن يقال فيه «صدق» و «كذب» فكيف يكون المحال كذبًا؟ والقول ما ذهب إليه سيبويه لأنه قد فرق بين المحال ومحال الكذب بما يستغنى به عن إعادته. فاعلم أن الصدق والكذب وإن كانا لا يوجدان إلا في الإخبار فليس كل خبر يمكن أن يقال فيه في الحال «صدق» أو «كذب» ألا ترى أن قائلاً لو قال: «سيخرج عبد الله غدًا»، «وسأركب غدًا إلى زيد» لم يمكن أن يقال له في الحال «كذبت» ولا «صدقت» لأنه يخبر بما سيفعله فلا يدري أيفعله فيصدق أم لا يفعله فيكذب لأن الوقت لم يأت بعد، فإذا حان الوقت وفعل ذلك قيل له «صدقت» وإن لم يفعل قيل له «كذبت»، فهو متعلق بالصدق والكذب فلا يوجد الصدق والكذب إلا في الإخبار فلذلك قالوا: الخبر ما جاز فيه صدق وكذب. واختلف أهل العربية في معاني الكلام فقال الأخفش سعيد بن مسعدة ومن تابعه: معاني الكلام ستة: خبر، واستخبار، وأمر، ونهي، ودعاء، وتمن، فالخبر ما جاز فيه أن تقول «صدق» أو «كذب» كقولك: قام زيد، ولم ينطلق محمد، وما أشبه ذلك. والاستخبار كقولك: هل خرج عبد الله؟ وأين أخوك؟ ومتى يخرج زيد؟، وما أشبه ذلك. فهذا طلب ولا يجوز أن تقول فيه «صدق» و «كذب». والأمر نحو قولك: اخرج يا زيد، انطلق يا عبد الله. والنهي نحو قولك: لا تقم، ولا تركب. والطلب يجمع الأمر والنهي لأنك إذا قلت: اضرب أو لا تضرب فأنت في الوجهين تطلب منه أن يفعل ما أمرت به أو نهيت عنه، والأمر والنهي ينقسم كل واحد منهما بلفظ واحد ثلاثة أقسام، هو أمر لمن دونك وطلب إلى من فوقك ألا ترى أنك إذا قلت لمن فوقك: أعطني أحسن غلي لم تقل أمرته، ولكن تقول: طلبت منه، ومسألة لله

стр. 154

عز وجل كقولك: اللهم اغفر لي، اللهم ارزقني وكذلك النهي تقول: هو نهي لمن دونك، وطلب إلى من فوقك، ومسألة لله . والدعاء: هو النداء كقولك «يا زيد» «يا عبد الله». والتمني قولك: «ليت لي مالاً فأنفق منه»، وقال جماعة من النحويين منهم قطرب: معاني الكلام أربعة: خبر، واستخبار، وأمر، ونهي، وقالت هذه الطائفة: التمني والدعاء داخلان في الخبر، وكان الأخفش يقول هما قسمان من الأقسام الستة التي ذكرنا، ويستدل على ذلك بأنه لا يقع فيهما «صدق» ولا «كذب». وقال قطرب ومن تابعه: هما خبران وإنما امتنع التمني من الصدق والكذب لأن التمني إنما يخبر عن ضميره، فلا يجوز للمخاطب أن يقابله بالصدق أو الكذب لأن المخاطب لا يعلم من ضمير المتكلم ما يعلمه المتكلم من ضمير نفسه فيصدقه أو يكذبه، ولكن لو أن رجلاً علم منه كراهية لأمر ثم قال: ليت هذا الأمر وقع، لساغ أن يقال له «كذب» لما يعلم من كراهته له كقول القائل: ليت أني مريض، وليتني أفتقر، وما أشبه ذلك. وأما الدعاء وهو النداء فإنما لم يجز فيه الصدق والكذب لأن حاله حاضرة ألا ترى أن من قال: «يا زيد فقد صوت ونادى زيدًا فليس لزيد أن يقابله بالتصديق للاستغناء عن ذلك، ولا يجوز له أن يقابله بالتكذيب فيكون مباهتًا له لأنه قد ناداه فكيف يقابله بالتكذيب؟ ومع ذلك فليس كل الأخبار يمكن فيها في الحال التصديق والتكذيب لأنهما لا يوجدان في غير الخبر. وقال آخرون - وهو مذهب أهل المنطق أيضًا - معاني الكلام أربعة: خبر، واستخبار، وطلب، ونداء. فجعلوا الطلب يجمع الأمر والنهي والتمني، وجعلوا النداء وهو الدعاء قسمًا قائمًا بنفسه، ولم يجعله خبرًا، ولا جعلوا التمني خبرًا. فأما التعظيم لله : نحو قولك: «ما أعظم الله» والعرض كقولك: «ألا

стр. 155

تأكل، ألا تجلس عندنا فتحدث» فداخلان تحت الخبر والطلب. واتفقت الجماعة على أن الصدق والكذب لا يقعان إلا في الخبر. ويقال: صدق الرجل فهو صادق وصدوق، والصديق: الكثير التصديق للمبالغة في ذلك، وصدقت الرجل تصديقًا، وكذب الرجل كذبًا، وكذابًا، وكذابًا فهو كاذب وكذوب، وكذاب، ومكذبان بمنزلة ملأمان ومكرمان. ويقول سيبويه: لا يستعمل «مفعلان إلا في النداء خاصة فيقال: يا مكذبان، ويا ملأمان، وكذلك ما جاء على وزنه، ولا يستعمل في غير النداء. وحكى الفراء أن العرب تقول للكذب الكذبذب وأنشد: وإذا سمعت بأنني قد بعته ... بوصال غانية فقل كذبذب ويقال: أصدقت المرأة صداقًا وصدقة، وتصدقت على فلان بكذا وكذا، وفلان مصدق: إذا أعطى. وقول العامة «فلان يتصدق إذا سأل» غلط فتقول: مررت على رجل يسأل الناس، ولا تقل يتصدق لأن المتصدق: المعطي. قال الله : ﴿وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾. فأما قوله : ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ فأصله «المتصدقين» و «المتصدقات» فأدغمت التاء في الصاد. الوارث اسم الفاعل من ورث يرث فهو وارث، فالله وارث الخلق أجمعين لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال : ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾. ويقال: «ورث فلان يرث». وأصل يرث: يورث فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالاً لذلك، ثم قال: نرث، وترث، وأرث فجعل سائر المضارع تابعًا لما فيه الياء لئلا يختلف الباب، كما قيل: وزن يزن، ووعد يعد وكذلك

стр. 156

هذا الباب مضطرد على هذا غير منكسر، ولكن ورث يرث مما جاء على فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمستقبل والباب المطرد في ذلك أن ما جاء ماضيه على فعل بكسر العين فإن مستقبله يجيء أبدًا على يفعل بفتح العين نحو علم يعلم، وفهم يفهم، وبطر يبطر، وأشر ياشر لا ينكسر ذلك البتة إلا في إثني عشر فعلاً، جاء بالكسر في الماضي والمستقبل أربعة منها في الصحيح وجاء فيها لغتان الكسر والفتح وهو حسب يحسب، ويبس ييبس، وبئس ييأس وييئس، ونعم ينعم. أنشد سيبويه: وكوم تنعم الأضياف عينًا ... وتصبح في مباركها ثقالا وثمانية في المعتل جاءت مكسورة في الماضي والمستقبل وهي: ومق يمق، ووثق يثق، وورم يرم، وورث يرث، وولي يلي، ووفق يفق، وورع يرع، ووري الزند يري. وقد قيل؛ ورى يرى وهو شاذ. فهذه الثمانية المبينة لم يجئ فيها غير الكسر في الماضي والمستقبل، وقد جاء حرفان آخران على فعل يفعل إلا أنه اعترض فيها حرف من حروف الحلق فعدلا إلى «يفعل». قال أبو عثمان المازني: «وأما قولهم: وسع الشيء يسع، ووطئ يطأ فإن الخليل ذكر أن هذا جاء في المعتل على فعل يفعل بالكسر في الماضي والمستقبل، كما جاء حسب يحسب في الصحيح، وكان أصل يسع: يوسع، وأصل يطأ: يوطئ فلزم حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كما لزم ذلك في يعد ويزن فحذفت ثم فتحت السين في يسع، والطاء في يطأ لمكان العين والهمزة لأنهما من حروف الحلق، وحروف الحلق إذا كن لامات فتح لها موضع العين في يفعل، وإن كانت حروف الحلق عينات فتحن أنفسهن، وربما جاء الفعل وهن فيه على الأصل»، نحو منح يمنح، وزرأر يزأر وما أشبه ذلك. وذكر الخليل أن طاح يطيح مما جاء على فعل يفعل من ذوات الواو.

стр. 157

ويقال: «ورث فلان فلانًا يرثه إرثًا» وأصله ورثًا فأبدلت الواو همزة كما قيل في وشاح إشاح، وفي وعاء إعاء. وأما الميراث فأصله الموراث فقلبت الواو ياء كما قلبت في ميزان وميعاد لسكونها وانكسار ما قبلها، فإذا جمعت وزالت العلة صحت فقلت: المواريث كما قيل: الموازين والمواعيد، فأما قولهم: التراث فالتاء بدل من الواو كما أبدلت في «تخمة»، «ونكأة»، «وتقية»، «والتقوى»، «والتكلان»، «وتولوج»، قال الشاعر: متخذًا من ضعوات تولجا ... قالوا: إنما هو فوعل من ولج، فلو جاء به على الأصل لزمه أن يبدل الواو الأولى همزة لأنه كان يجمع واوان في أول كلمة، وهمزة الأولى منها واجب، فأبدل من أحد الواوين تاء فقال: «تولج»، وكذلك قوله : ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ إنما هو وترى من المواترة فأبدل من الواو تاء، وقد قرئ «تترى» بالتنوين وتقديره «وترًا» من الوتر في العدد: الفرد أي إفرادًا يقال في العدد «وتر» «ووتر» بفتح الواو وكسرها، وفي الذحل «وتر» بكسر الواو لا غير، فكأن أصله «وترًا» ثم أبدلت الواو تاء كذلك أيضًا.

стр. 158

الكريم الكريم: الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصفوح. هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب كلها جائز وصف الله بها. فإذا أريد بالكريم الجواد أو الصفوح تعلق بالمفعول به لأنه لا بد من متكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز كان غير مقتض مفعولاً، ويقال «فلان أكرم من فلان»: أي هو أجود منه وأكثر نوالاً، قال عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمدح سعيد بن العاص ويذكر سيفًا وهبه له: حبوت به كريمًا من قريش ... فسر به وصين عن اللئام فقد أبان لك بقوله: «وصين عن اللئام» أنه أراد بالكريم الجواد. ويقال: «فلان يتكرم على أصحابه» كقوله: «يتسدى عليهم ويتسخى». والكرم: الجود، ويقال: «فلان يكرم علي» أي يعز علي، ويقال للرجل عند طلب الحاجة: «نعم وكرامة» تأويله: أكرمك كرامة أي أعزك وأجللك، ويقال: «فلان أكرم علي من فلان» أي هو أعز علي منه. قال سيبويه: تقول العرب: «أنت أكرم علي من أن أضربك» تأويله: أنت أكرم علي من ضربك، لأن «أن» مع الفعل بتأويل المصدر، وهذا كلام على ظاهره محال لأنه لا يقال: «فلان أكرم علي من الضرب» ولكن في الكلام حذف تأويله: أنت أكرم علي من صاحب ضربك الذي نسبته إلى نفسك. كما قال : ﴿أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ فنسبهم إل نفسه حكاية لقولهم، كأنه قال:

стр. 159

أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟ كذلك مخرج ذلك الكلام كأن رجلاً قال لآخر: «أنا أخاف أن تضربني» فقال له: أنت أكرم علي من أن أضربك. أي من صاحب ضربك الذي نسبته إلى نفسك. والكريم: الصفوح أيضًا، يقال: إنه لكريم: أي صفوح، ويقول أهل اللغة: «شاة كريمة»: إذا كانت عند الحلب تستقر وتولي على الحالب صفحة وجهها لأنها تعرض عنها ولا تمنعه من الحب، فكذلك الكريم من الرجال الصفوح كأنه يعرض عن ذنب صاحبه. والكرم - بإسكان الراء -: من الكروم معروف، والكرم أيضًا: القلادة. قال جرير: لقد ولدت غسان ثالبة الشوى ... عدوس السرى لا يقبل الكرم جيدها وأخبرني أبو العباس الديناري عن عمه قال: وفد محمد بن حازم على الحسن بن سهل فلما دخل عليه أنشأ يقول: وقالوا لي مدحت فتى كريمًا ... فقلت: وكيف لي بفتى كريم بلوت ومر بي خمسون حولاً ... وحسبك بالمجرب من عليم فما أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يرد على حميم

стр. 160

ويعجبني الفتى وأظن خيرًا ... فأكشف منه عن رجل لئيم يقابل بعضهم بعضا فأضحوا ... بني أبوين قدا من أديم وطاف الناس بالحسن بن سهل ... طوافهم بزمزم والحطيم وقالوا: سيد يعطي جزيلا ... ويفرج كربة الرجل الكظيم فقلت: مضى بذم القوم شعري ... وقد يؤتي البري من السقيم وما خبر ترجمه ظنون ... بأشفى من معاينة الحليم فإن يك ما ينشر عنه حقًا ... رجعت بأهبة الرجل المقيم وإن يك غير ذاك حمدت رأيي ... وزال الشك عن رجل حكيم فأمر له بعشرين ألف درهم، فلما قبضها رمى بالعصا وأنشأ يقول: وأغني الله بالحسن بن سهل ... فألقيت العصا وحططت رحلي كأن الله وكله قيامًا ... بحاجة معشر وبجمع شمل فأنت الدين والدنيا جميعًا ... وأنت الناس وحدك يا ابن سهل الحق الله حق وكل معبود دونه باطل، والحق: نقيض الباطل، ويقال حق الشيء يحق حقًا: تأويله وجب يجب وجوبًا، فالله حق وكل شيء من عنده حق وكل ما عاد إليه حق، وكل ما أمر به ونهي عنه حق على العباد امتثاله أي واجب ذلك عليهم فالله الحق أي هو الحق وما عبد دونه باطل، والله الحق أي ذو الحق في أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وجميع ما أنزله على لسان رسله وأنبيائه والحقيقة: ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، تقول: «بلغت حقيقة هذا الأمر» أي بلغت حقه أي يقين شأنه، وحقيقة الرجل: ما يلزمه الدفاع عنه من أهل ومال

стр. 161

وقرابة والجمع الحقائق، تقول العرب: «فلان حامي الحقيقة» أي يحمي ما يحق عليه أن يحميه كقولهم: «هو حامي الذمار» أي إذا غضب، وذمر، وحمى. ويقال: «قد أحق الرجل» إذا قال حقًا وأتى بحق، وأحق أيضًا: إذا ادعى شيئًا فوجب له وواضح أنه واجب له، يقال: «قد أحق فلان وحق الرجل في فعله وقوله» إذا أتى فيها بالحق، ويقال «يحق على فلان أن يفعل كذا وكذا» أي يجب عليه أن يفعله، و «فلان حقيق بكذا وكذا» أي محقوق له، فعيل بتأويل مفعول، ويقال للمرأة التي هي حقيقة بذلك محقوقة أن تفعل كذا وكذا. قال الشاعر: وإن أمرءًا أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق قال النحويون: تقديره لمحقوقة أنت أن تستجيبي لصوته. وفي التنزيل ﴿حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ أي واجب ذلك علي، وحقيق علي ألا أقول، كما تقول واجب علي أن لا أقول. ويقال: «حاققت فلانًا محاقة» إذا ألمحت أنك أولى بالأمر منه وأحق. والحق من أولاد الإبل دون الجذع بسنة وذلك حين يستحق الركوب والحمل عليه، والأنثى حقة وذلك إذا استحق الفحل، والجمع: الحقاق، قال عبيد:

стр. 162

أي قوم قومي إذا عزت الخمـ ... ـر وقامت زقاقهم والحقاق ويروى: «قامت حقاقهم والزقاق» أي شربت زقاق الخمر بالحقاق من الإبل لعزة الخمر وغلائها، ويروى: «وقامت زقاقهم بالحقاق». فأما قول الأعشى: بحقتها ربطت في اللجيـ ... ـن حتى السدييس لها قد أسن - طرح بعض فتلزج - فإنه جعل الحقة هاهنا وقتًا لها حين صارت حقة. وكذلك قوي ذي الرمة: أفانين مكتوب لها دون حقها ... إذا حملها راش الحجلجين بالثكل جعل الحق وقتًا أي حين صارت حقة. والحقحقة: السير الشديد، وقيل: هو سير أول الليل ونهي عنه، وقيل: «شر السير الحقحقة». وقال بعضهم: بل الحقحقة: إتعاب ساعة وكف ساعة وفي الحديث: «إياكم والحقحقة في الأعمال فإن أحب الأعمال إلى الله ما دام العبد عليه وإن قل». المبين المبين: اسم الفاعل من أبان يبين فهو مبين إذا أظهر وبين إما قولاً وإما فعلاً،

стр. 163

فالله ﵎ المبين لعباده سبيل الرشاد، والموضح لهم الأعمال الموجبة لثوابه والأعمال الموجبة لعقابه، والمبين لهم ما يأتونه ويذرونه، يقال: «أبان الرجل في كلامه ومنطقه» فهو مبين. والبيان: الكلام. كذلك فسر قوله : ﴿خلق الإنسان. علمه البيان﴾. قالوا: البيان: الكلام، ويقال: «بان الكلام» وأبان بمعنى واحد فهو بين وبمين. وأنشدوا بيت لبيد بن ربيعة العامري يصف ديارًا: فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صمًا خوالد ما بين كلامها يروى «يبين» بفتح الياء من باب يبين، ويروى «يبين» من أبان يبين فهو مبين. فإذا قلت: «أبنت أنا الكلام» كان بالألف لا غير، أو قلت بينته بالتشديد. ويقال من غير هذا «بان عني فلان» يبين بينًا: إذا فارقك، والبين: الفراق والبين أيضًا: الوصال وهو من الأضداد وقرئ: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ بالرفع تأويله: لقد تقطع وصلكم، وينشد: لعمرك لولا البين لا يقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حن للبين آلف «والبين» بكسر الباء: قطعة من الأرض قدر مد البصر، قال ابن مقبل: بسرو حمير أبوال البغال به ... أتى تسديت وهنًا ذلك البينا

стр. 164

«والبينونة» أيضًا: الفراق، والمباينة: المعاداة من ذلك أيضًا. ويقال تبينت الشيء تبينًا واستنبته استبانة، وأبنته إبانة وبيانًا، وباينت الرجل في العداوة مباينة. النور ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أي: يهتدي بنوره من في السموات ومن في الأرض، أي: بآياته وأعلامه الدالة عليه، والبراهين الواضحة النيرة، يهتدي أهل السموات والأرض إلى توحيده والإقرار بربوبيته وتنزيهه من الأنداد والأمثال . وقالوا في قوله: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ... إلى آخر الآية﴾. هذا مثل ضربه الله لباين أمره ووضوح آياته الدالة عليه وعلى توحيده، وظهورها واهتداء المؤمنين بها فقال: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أي: يهتدي بنوره من في السموات ومن في الأرض أي بآياته وأعلامه الواضحة الدالة عليه. ثم قال: ﴿مثل نوره﴾ - في قلب المؤمن - ﴿كمشكاة﴾ وهي الكوة غير نافذة، والمشكاة لفظة عربية فأما من قال هي حبشية فإنما أراد أنه وفاق وقع من العربية وغيرها لا أن في القرآن ما ليس بعربي، وإنما ذلك اتفاق في أحرف بين العربية وغيرها أو كلام معرب من غير العربية منقول إلى ألفاظ العربية. ثم قال: ﴿فيها مصباح﴾ أي: في المشكاة مصباح وهو

стр. 165

السراج. ثم قال: ﴿المصباح في زجاجة﴾ ليكون أعظم لضوئه وأنور. ثم قال: ﴿الزجاجة كأنها كوكب دري﴾ فوصف بياض الزجاجة وصفائها وشدة ضيائها ليضاعف نور المصباح فيها فشبهها بالكوكب الدري وهو الأبيض المضيء منسوب إلى الدر لبياضه. ومن قرأ «درئ» بكسر الدال والهمزة فإنه ذهب إلى الكواكب التي يدرأن عليك أي: يطلعن، وتقديره «فعيل» من درأت أي: دفعت. ومن قرأ «درئ» بالضم والهمز فليس مذهبه بجيد في العربية لأنه ليس في العربية «فعيل» بضم الفاء والتشديد إنما هو «فعيل» بكسر الفاء والتشديد نحو صريع وفسيق وخريت وما أشبه ذلك. فأما مريق فذكر الفراء أنه فارسي معرب. وقد ذكر سيبويه المريق من الأبنية ولم يذكر أنه فارسي، والقول ما قال الفراء. ثم قال: ﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ فمن قرأ هكذا «توقد» بالرفع أراد تتوقد ذهب إلى الزجاجة فحذف إحدى التاءين لاجتماعهما، والوجه أن تكون المحذوفة الثانية لأن الأولى دليل الاستقبال، وعلى ذلك إجماع النحويين إلا هشام بن معاوية

стр. 166

فإنه قال: المحذوفة الأولى، وليس ذلك بشيء. ومن قرأ «توقد» على لفظ المضي أو «يوقد» بالياء ذهب إلى المصباح. ثم بين الشجرة ما هي؟ فقال: «زيتونة» فجعلها بدلاً من شجرة فخفضها لذلك، ثم وصف الزيتونة فقال: ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ أي ليست بشرقية أبدًا فالشمس تدوم عليها ولا يصيبها ظل، ولا هي غربية في مقنأة وهو موضع لا تصيبها فيه شمس، ولكنها شرقية غربية قد جمعت الأمرين فهي تصيبها الشمس في وقت والظل ليكون أجود لزيتونها وأصفى لدهنه، وإنما أراد بذلك صفاء الزيت الذي يتوقد منه المصباح، يقال: مقنوة للمكان الذي لا تناله الشمس. ثم قال: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ لصفاته و [لو] لم تمسسه نار. ثم قال: ﴿نور على نور﴾ أي: ذلك نور على نور المشكاة والمصباح والزجاجة والنار والزيت. وهذه أمثال ضربها الله ، وهكذا تفسيره في ظاهر العربية واللغة، والله أعلم ما أرد بذلك. فقد قيل فيه ضروب من القول. ثم بين أنه أراد بهذا كله المثل بقوله: ﴿يهدي الله بنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾. وأصل النور الضياء، والنور والنار أصل واحد، فالنور: الضياء، والنار: المعروفة هي أيضًا ذات ضياء وإشراق. والنور نور النبات وزهره، قال ابن الأعرابي: النور من النبات: الأبيض، والزهر الأصفر يكون أبيض قبل ثم يصفر.

стр. 167

والنور: النفر من الضباء وغيرها، يقال: نارت تنور نوارًا، وامرأة نوار: إذا كانت تنفر من الريبة. وانشد ابن السكيت: أنورًا سرع ماذا يا فروق ... وحبل الوصل منتكث حذيق أراد أنوار أي أنوارً سرع ماذا: أراد سرع ذا فخفف وما زائدة، وتقديره: ما أسرع ذا! ويقال «استنثار الشيء»: إذا أضاء وأشرق، ونارت النار: إذا وقدت، وتنورت النار: إذا نظرت إليها من بعيد وينشد لامرئ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي قالوا: نظر إليها بقلبه. وينشد لابن حلزة اليشكري: فتنورت نارها من بعيد ... بخزاز هيهات منك الصلاء أي: ما أبعد منك الصلاء لبعدها. وهذه مسائل من التصريف في النور: إن قال لنا قائل: ما وزن نور؟ قلنا: «فعل» مثل قفل، وبرد. فإن قال كيف تبني منه «فعل» مثل ضرب؟ قلنا: نار كما تقول قام، وأصله نور فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإن قال: كيف يبنى منه «فعل» مثل ظرف وشرف؟ قلنا: نار أيضًا وذلك أن أصله نور فتحركت الواو وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا.

стр. 168

فإن قال: كيف يبنى منه «فعل» مثل جهل وعلم؟ قلنا: نار أيضًا، والعلة واحدة. فإن قال: كيف تبني منه فاعلاً مثل: ضارب وقاعد؟ قلنا: نائر بالهمز وأصله ناور لأن الواو عين الفعل فوقعت بعد ألف زائدة، ومن شأن الواو إذا تحركت وقبلها فتحة أن تنقلب ألفًا، فلما وقعت قبلها ألف كانت أقدر على القلب من الفتحة لأن الفتحة من الألف فقلبت الواو ألفًا، فاجتمعت ألفان ساكنتان، ولا يمكن الجمع بينهما فأبدلت الثانية همزة فقيل: نائر. ومثل ذلك قائم، ونائم وما أشبه ذلك، والباب واحد وتخفيف الهمزة بعد التحقيق جائز فيجعل بين بين. فإن قال: فكيف يبني منه مثل «مفعل» نحو مكرم ومقبل؟ قيل له: منير، وأصله منور فنقلت حركة الواو إلى النون التي قبلها فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فقلبت ياء فقيل: منير كما قيل ميزان وميعاد، وميقات فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. فإن قال قائل: إذا قلت منور فما قبل الواو ساكن فهلا صححتها لأن الواو إذا سكن ما قبلها صحت كما يصح في لهو وغزو وعدو؟ قيل له: إن هذا من الاعلال الذي يتبع بعضه بعضًا، فلما اعتلت الواو في قولنا: نار ينور وأنار وجب إعلاها في ينير وفي منير فأعللناها لذلك، كما قيل: مستقيم، ومستعيذ، ونستعين، وأصله مستقوم، ومستعوذ، ونستعون فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها، وقلبت ياء كذلك لزم في منير. فإن قال: كيف يبني منه مثل «مستفعل» نحو مستخرج ومستضرب؟ قلنا: مستنير وأصله مستنور ففعلنا به ما فعلنا بمنير. فإن قال: فكيف يبنى منه «مفتعل» نحو مقتدر ومكتسب قلنا: منتار كما ترى، وأصله منتور فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإن قال قائل: فكيف يبني منه «مفعول» مثل مضروب ومقتول؟ قلنا: منور واصله منور بواوين الأولى عين الفعل، والثانية واو مفعول فنقلت حركة الواو الأولى إلى ما قبلها وأسكنت، فاجتمع واوان ساكنان فحذفت إحداهما فقيل: منور ومثل ذلك مفعول من قال ونام. يقول: مقول ومنوم. وإن كان من ذوات الياء نحو باع وكال قلت: مكيل ومبيع وأصله مكيول ومبيوع فأعل كما ذكرت لك. وفي هذا خلاف بين العلماء يطول شرحه، ليس هذا موضع ذكره.

стр. 169

فإن قال: فكيف يبني منه «استفعل» نحو استغرب؟ قلنا: استنار وأصله استنور فقلبت الواو ألفًا على ما مضى من الشرح. فإن قال: فكيف يبني منه «تفاعل» نحو تضارب وتقاتل؟ قلنا: تناور فيصح الواو كما يصح في تناوم وتقاول لأنها لو أعلت انتقض البناء وفسد ولم يكن عليه دليل. فإن قال: فكيف يبني منه «افتعلت» نحو اكتسبت؟ قلت: انترت بقلب الواو ألفًا ثم تحذف لسكون الراء بعدها. فإن قال: فكيف يبني منه «تفعلت نحو تضربت؟ قلت: تنورت فتصح الواو لأنه لم يجئ أمر تغير له. وهذا باب يتسع ويطول جدًا، وفي هذه المسائل دليل على ما يرد من أمثالها لمن تدبرها». الهادي الله الهادي يهدي عباده إليه ويدلهم عليه وعلى سبيل الخير والأعمال المقربة منه . يقال: هديت الرجل الطريق هداية وهديت الرجل في الدين هدى. والهادي: الدليل، ويقال: هديته الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق بثلاث لغات قد جاءت في التنزيل، قال : ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وقال: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾. وقال: ﴿وهديناه النجدين﴾

стр. 170

﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. ويقال: هديت العروس إلى زوجها هداء قال زهير: فإن تكن النساء مخبآت ... فحق لكل محصنة هداء ويقال: أهديت الهداية أهداء، وأهديت إلى البيت هديًا وهدًا، وواحد الهدي هدية وهو ما أهدي إلى البيت للنحر، وقد أجاز بعضهم في العروس أهديتها كأنه ذهب بها مذهب الهدية، وأكثر الناس على: هديتها هداء. والهادي: العنق، والهوادي: أول الخيل: وأول كل شيء ومتقدمه هاديه، ويقال: هديت الرجل الطريق، وفي الدين فأنا هاد وهو مهدي، وهديت العروس فأنا هادي وهي هدي فعيل بتأويل مفعول، ومهدية أيضًا. وأهديت الهدية فأنا مهد وهي مهداة. والهدى: البيان، والاهتداء: اتباع الهدى، والمهتدي: «مفتعل» منه وقوله: ﴿أمن لا يهدي إلا أن يهدي﴾ أصله يهتدي فأدغمت التاء في الدال فصارت دالاً مثلها، ونقلت حركتها إلى الهاء. فأما من قال «يهدي» بإسكان الهاء على الجمع بين ساكنين فذلك متعذر النطق به ولكنه تختلس الحركة فيه اختلاسًا، وكذلك قوله: ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ في اختلاس الحركة في مذهب من يرى ذلك. فأما الإسكان على الحقيقة فغير ممكن لتعذر الجمع بين الساكنين.

стр. 171

والمستهدي: طالب الهدية. الفتاح الفتاح والفاتح: الحاكم ﴿ربنا افتح بيننا﴾ أي: احكم بيننا. وأصله من فتح الباب بعد إغلاقه، كأن الحاكم إذا حكم بينهم فقد فتح الباب إلى الحق وبينه. الغافر الغافر: الذي يغفر ذنوب عباده أي: يسترها عليهم ويتجاوز عنهم وأصل الغفر الستر وقد مضى شرح ذلك في ذكر الغفور. القابل القابل: الذي يقبل توبة عباده، قبل يقبل فهو قابل. والقابل في غير هذا الذي يقبل الدلو إذا خرجت من البئر. قال زهير: وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائمًا دفقا والقابل أيضًا من قولهم: عام قابل بمعنى: الجائي المقبل، وتقول: قبلت الهدية وغيرها قبولاً، وقبلت القابلة المرأة قبالة، وقبلت بالرجل قبالة أي: كفلت به فأنا قبيل أي: كفيل. قال ابن أبي ربيعة: إن كفي لك رهن بالرضا ... واقبلي يا هند قالت قد وجب

стр. 172

وقيل: نقيض بعد، يقال: «جئت قبلك وبعدك، ومن قبلك ومن بعدك» فإذا أفردت بنيته على الضم فقلت: «جئت قبل وبعد». قال الله : ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾. وإنما بنيتا في هذه الحال لأن سبيل قبل وبعد أن يضافا إلى ما يوضحهما لا يعقد معناهما إلا كذلك فلما أفردتا لعلم المخاطب بما كانا تضافان إليه - لأنهما لا تفردان إلا كذلك - ودلتا مفردتين على ما كانتا تدلان عليه مضافتين فارقتا بابهما فوجب بناؤهما فبنيتا لذلك، وهذا معنى قولهم: بنيتا على الغاية، ولم يكن بناؤهما على السكون لسكون ما قبل آخرهما فبنينا على الحركة وعدل بهما إلى الضم لأن الفتح والكسر قد يلحقانهما في حال الإعراب في قولك: «جئت قبلك وبعدك» «ومن قبلك ومن بعدك» فعدلا إلى حركة لا تلحقهما في حال الإعراب وهي الضمة فقيل: «جئت قبل وبعد»، ومن نكرهما أعربهما فقال: «جئت قبلا وبعدا» «ومن قبل ومن بعد»، وقد قرئ ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾. وأنشد الكسائي: فساغ لي الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء المعين والقبلة: التي يؤمها الناس في صلواتهم كأنهم لما استقبلوها صارت قبلة، والقبيلة: بنو أب واحد، والقبيل: جيل من الناس، وجماعة القبيلة: القبائل وجماعة القبيل: قبل، قال لبيد: وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل

стр. 173

والقبائل: قبائل الرأس وهي القطع المشعوب بعضها إلى بعض «وقبل فلان لي حق»: أي عنده، «وقعدت قبالة فلان»: أي حذاءه، «واقتبلت الأمر اقتبالاً»، «وفلان مقتبل الشباب»: أي مستأنف الشاب، وتقبلت بالأمر تقبلا. والقبلة: خرزة كانت تؤخذ بها نساء العرب في الجاهلية، والقبل والدبر معروفان، «وفلان لا يعرف قبيله من دبيره». قال الأصمعي: أصله من الاقبالة والادبارة: وهي شق في أذن الشاة يفعل بها ذلك علامة تعرف به، ثم يفتل ذلك، فإذا أقبل به فهو الاقبالة، وإذا أدبر به فهو الادبارة، والجلدة المعلقة هي الاقبالة والادبارة. وقال غيره: القبيل: ما أقبلت به المرأة من غزلها حين تفتله. والدبير: ما أدبرت به. وقيل: يراد به نسب أبيه من نسب أمه لا يعلم أيهما أكرم، حكى ذلك ابن دريد. ويقال: «أقبل فلان إلي إقبالاً»: نقيض أدبر إدبارًا و «أقبل في أمره وحاله إقبالاً» فهو مقبل: نقيض أدبر إدبارًا فهو مدبر. «وقابلت الشيء بالشيء مقابلة»: واجهته به، فجعلت كل واحد منها مقابل صاحبه، ومنه أخذت مقابلة الكتب. والقبيل: عريف القوم، حكى ذلك ابن دريد وأنشد: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى قبيلهم يتوسم ويروى «عريفهم».

стр. 174

ويقال: «نحن في قبالة فلان»: أي في عرافته. والقبل: ما قابلك من جبل أو علو من الأرض، وأنشد: خشية الله وإني رجل ... إنما ذكري نار بقبل قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: القبل عند العامة: الحول الخفي وليس كذلك إنما القبل: أن تقبل الحدقتان على المأقين. الشديد الشديد في صفات الله على ضربين: أحدهما: أن يراد بالشديد القوي لأنه قد يقال للقوي من الآدميين شديد، وكأنه في صفات الآدميين يذهب به إلى معنى شدة البدن وصلابته وجلده، وذلك في صفات الله غير سائغ بل يكون الشديد في صفاته بمعنى القوي حسب. والشديد: خلاف الضعيف. والآخر: أن يراد بالشديد في صفاته : إنه شديد العقاب، فيرجع المعنى في ذلك في الحقيقة إلى أن عذابه شديد كما قال: ﴿إن عذابي لشديد﴾ ألا ترى أنا إذا قلنا: «زيد كثير العيال» أن المعنى إنما هو وصف عياله بالكثرة، وكذلك إذا قلنا: «زيد كثير المال» فإنما وصفنا ماله بالكثرة، وإن كان الخبر قد جرى عليه لفظًا، وكذلك إذا قلنا: «زيد شديد العقاب» فإنما وصفنا عقابه بالشدة، فكذلك مجراه في قولنا: «الله شديد العقاب» «وشديد العذاب». والشديد في غير هذا يقع في صفات الآدميين بمعنى: البخيل، يقال: «فلان شديد» أي: بخيل ممسك، وكذلك فسروا قوله: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ أي: إنه لحب المال لبخيل، أي: هو من أجل حب المال بخيل.

стр. 175

ويقال: «شددت الحبل وغيره أشده شدًا» بضم الشين في المستقبل، وشددت على القوم في الحرب أشد شدًا كذلك أيضًا. وأخبرني أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري قال: أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال: «شد الرجل في الحرب يشد» بكسر الشين «وشد الشيء يشده» بضم الشين، قال أبو بكر وأنشدنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء: أشد على الكتيبة لا أبالي ... افيها كان حتفي أم سواها والشدة: اشتداد الأمر، والشدة: الجدب والمحل، ويقال: «اشتد الأمر اشتدادًا»، «وتشدد فلان في الأمر تشددًا»، «وشاددت فلانًا مشادة». وقالوا في قوله: ﴿بلغ أشده واستوى﴾ هو منتهى شبابه وكماله واستقراره فلا يكون فيه زيادة قبل أن يأخذ في النقصان. واختلفوا في تحديد وقت بلوغ الأشد فقال قوم: هو بلوغ ثلاثين سنة وقيل هو ثمان وثلاثون سنة، وقال قوم: الأشد: جمع واحده شد مثل «قد» و «أقد» وهو الجلد وقيل واحده شدة. قيل شدة وأشد مثل نعمة وأنعم. وقيل: واحده شد مثل فلس وأفلس وقيل: هو جمع لا واحد له. ذو الطول الطول: الفضل، يقال: «طال فلان علينا طولاً»: إذا أفضل عليهم، والطول: خلاف العرض. ويقال: «لا أكلمك طوال الدهر» أي: أبدًا. وينشد:

стр. 176

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالبت بك الطيل والطول: الحبل. فأما قوله: تعرض المهرة في الطول فإنما شدده للقافية. الرزاق فعال من قولك: «رزق عباده فهو رازقهم». والرزاق. فعال للمبالغة. ذو القوى قد مضى شرح ذلك في ذكر القوي. المتين مجاز المتين في صفاته أنه يراد به القوي وليس بمحمول على الحقيقة في اللفظ وإنما هو مجاز كأنه جعل قوله: ﴿ذو القوة متين﴾ عبارة عن وصفه بالقوة والمبالغة في ذلك. والمتين في صفات غير الله يذهب به إلى الغلظ والثخن، وهذا ممتنع في صفاته ، ولكن مجازه ما ذكرت لك، ويقال: «هذا ثوب متين» أي: غليظ. والمتن متن الظهر، يقال: «متنت الإنسان»: ضربت متنه، وقال الأصمعي المتنتان: اللحمتان عن يمين الفقار ويساره، والمتن: ما غلظ من الأرض وصلب وجمعه متان، قال الأصمعي: والمتن: الرجل الجليد يقال: «فلان متن من الرجال»، فأما قول امرئ القيس:

стр. 177

لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعدبه النمر فإنه قال «متنتان» على لغة من يقول للمتن متنة، يقال: متن ومتنة يذهب به إلى اللحمة. والمتنان: ما شد الصلب من اللحم والعصب أي كانا من جانبيه. وفي خظاتا ثلاثة أقوال: أحدهما أنه أراد خظاتان فحذف النون ضرورة، وأصله خظاتان كما قال أبو دؤاد: ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب والثاني: أنه أراد أن يقول: «خظتا» فأعاد الألف لتحرك التاء ألا ترى أنك إذا قلت: «خظت» فإنما أصله «خظات» فحذف الألف لسكونها وسكون التاء بعدها، وكذلك إذا قلت: «هند غزت ودعت» وما أشبه ذلك فإنما أصله «غزات» و «دعات» فحذفت الألف لسكونها وسكون التاء بعدها، فإذا ثنيت قلت: «الهندان غزتا ودعتا ورمتا» فلا ترد الألف وقد تحركت التاء لأنها حركة غير لازمة، وقال امرئ القيس: «خظاتا» وهو يريد «خظتا» فرد الألف لتحرك التاء. والثالث: مذهب أبي عبيدة أنه بتقدير المضاف إلى قوله: «كما أكب على ساعديه النمر «تقديره» خظاتا أكباب النمر» وهذا بعيد. والقول الثاني أجود ما قيل فيه. وقوله: «ظختا»: يريد كثر لحمها. يقال: لحمه خظا بظا: وهو الشديد اللحم الذي ركب بعضه بعضًا، وقد خظا يخظو: إذا اشتد. قال رجل من غني: في بدنه خظوان لحمه زيم ... وذو بقية ألواح إذا شزبا

стр. 178

ويروى: «إذا شسيا». وقوله: «كما أكب على ساعديه النمر» فإنما أراد أن يقول: كساعدي نمر فقال: كما أكب على ساعديه النمر، والشعراء تفعل ذلك كثيرًا. قال الراعي: وعينان حر مآقيهما ... كما نظر الغدوة الجؤذر أراد كعين جؤذر. وقال الهذلي: هبطن بطن رهاط واعتصبن كما ... يسقي الجذوع خلال الدور نضاح أراد كالنخل المسقي. وقال آخر: حتى إذا جن الظلام المختلط ... جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط؟ أراد: كلون الذئب من كثرة مائه [يصف] لبنًا مزج بالماء. قال الأصمعي: أساء امرئ القيس في وصفه المتن بكثرة اللحم، إنما يستحب عرق متن الفرس ونحفه وهو أن يقل لحمه، وكذلك الوجه، قال طفيل:

стр. 179

معرقة الألحي كأن متونها ... زحاليف ولدان عفت بعد ملعب يقول: هي معرفة المتون يكاد يستبين العصب من قلة اللحم. ويقال «ماتن فلان فلانًا»: إذا قاومه في مراجعة كلام أو فعال أو قتال. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد في ديوان امرئ القيس قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرئ القيس معنًا ضليلاً ينازع من يقول إنه يقول الشعر فنازع التوأم جد قتادة بن الحارث بن التوأم اليشكري، قال: إن كنت شاعرًا فتمم أنصاف ما أقول فأجزها، فقال: نعم: فقال امرئ القيس: أحار ترى بريقًا هب وهنًا فقال التوأم: كنا مجوس تستعر استعارا فقال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب

стр. 180

فقال التوأم: عشار وله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن علا كنفي اضاخ فقال التوأم: وهت أعجاز ريقه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات السر ظبيًا فقال التوأم: ولم يترك بجلهتها حمارا فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه آلى ألا ينازع الشعر أحدًا بعده حيرى دهر: أي آخر دهر. تفسير هذه الأبيات: هدأ: سكن، واستطار: تفشي برقه، ويقال: «استطار الصدع في الزجاجة»: إذا اتسع، وهزيز الرعد: صوته، ويقال: «سمعت هزيز الرحى». وقال الأصمعي: لم يذكر الرعد في شعره هذا ولكنه ذكر البرق وأضمر الرعد لأنه يذكر من أجله. وقوله: «بوراء غيب»: أي بحيث لا أراه. والعشار: التي أتى عليها من لقاحها عشرة أشهر من النوق ثم يقال لها: «عشار» في تلك الحال وإلى أن تضع ويتبع أولادها. والوله: التي اشتد وجدها على أولادها. يقول: فقدت أولادها فلقيت عشارًا مثلها فهي تحن إليها. قال أبو عبيدة: يصف بعضهم الإبل بغلظ الأكباد. قالت عائشة - رحمها الله - ما يرون أكبادنا إلا أكباد الإبل. وقال بلغاء بن عصيم: يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل
следующие страницы →