إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالبت بك الطيل
والطول: الحبل. فأما قوله:
تعرض المهرة في الطول
فإنما شدده للقافية.
الرزاق
فعال من قولك: «رزق عباده فهو رازقهم». والرزاق. فعال للمبالغة.
ذو القوى
قد مضى شرح ذلك في ذكر القوي.
المتين
مجاز المتين في صفاته أنه يراد به القوي وليس بمحمول على الحقيقة في اللفظ وإنما هو مجاز كأنه جعل قوله: ﴿ذو القوة متين﴾ عبارة عن وصفه بالقوة والمبالغة في ذلك.
والمتين في صفات غير الله يذهب به إلى الغلظ والثخن، وهذا ممتنع في صفاته ، ولكن مجازه ما ذكرت لك، ويقال: «هذا ثوب متين» أي: غليظ.
والمتن متن الظهر، يقال: «متنت الإنسان»: ضربت متنه، وقال الأصمعي المتنتان: اللحمتان عن يمين الفقار ويساره، والمتن: ما غلظ من الأرض وصلب وجمعه متان، قال الأصمعي: والمتن: الرجل الجليد يقال: «فلان متن من الرجال»، فأما قول امرئ القيس:
стр. 177
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعدبه النمر
فإنه قال «متنتان» على لغة من يقول للمتن متنة، يقال: متن ومتنة يذهب به إلى اللحمة. والمتنان: ما شد الصلب من اللحم والعصب أي كانا من جانبيه. وفي خظاتا ثلاثة أقوال: أحدهما أنه أراد خظاتان فحذف النون ضرورة، وأصله خظاتان كما قال أبو دؤاد:
ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب
والثاني: أنه أراد أن يقول: «خظتا» فأعاد الألف لتحرك التاء ألا ترى أنك إذا قلت: «خظت» فإنما أصله «خظات» فحذف الألف لسكونها وسكون التاء بعدها، وكذلك إذا قلت: «هند غزت ودعت» وما أشبه ذلك فإنما أصله «غزات» و «دعات» فحذفت الألف لسكونها وسكون التاء بعدها، فإذا ثنيت قلت: «الهندان غزتا ودعتا ورمتا» فلا ترد الألف وقد تحركت التاء لأنها حركة غير لازمة، وقال امرئ القيس: «خظاتا» وهو يريد «خظتا» فرد الألف لتحرك التاء.
والثالث: مذهب أبي عبيدة أنه بتقدير المضاف إلى قوله: «كما أكب على ساعديه النمر «تقديره» خظاتا أكباب النمر» وهذا بعيد. والقول الثاني أجود ما قيل فيه.
وقوله: «ظختا»: يريد كثر لحمها. يقال: لحمه خظا بظا: وهو الشديد اللحم الذي ركب بعضه بعضًا، وقد خظا يخظو: إذا اشتد. قال رجل من غني:
في بدنه خظوان لحمه زيم ... وذو بقية ألواح إذا شزبا
стр. 178
ويروى: «إذا شسيا». وقوله: «كما أكب على ساعديه النمر» فإنما أراد أن يقول: كساعدي نمر فقال: كما أكب على ساعديه النمر، والشعراء تفعل ذلك كثيرًا. قال الراعي:
وعينان حر مآقيهما ... كما نظر الغدوة الجؤذر
أراد كعين جؤذر. وقال الهذلي:
هبطن بطن رهاط واعتصبن كما ... يسقي الجذوع خلال الدور نضاح
أراد كالنخل المسقي. وقال آخر:
حتى إذا جن الظلام المختلط ... جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط؟
أراد: كلون الذئب من كثرة مائه [يصف] لبنًا مزج بالماء. قال الأصمعي: أساء امرئ القيس في وصفه المتن بكثرة اللحم، إنما يستحب عرق متن الفرس ونحفه وهو أن يقل لحمه، وكذلك الوجه، قال طفيل:
стр. 179
معرقة الألحي كأن متونها ... زحاليف ولدان عفت بعد ملعب
يقول: هي معرفة المتون يكاد يستبين العصب من قلة اللحم.
ويقال «ماتن فلان فلانًا»: إذا قاومه في مراجعة كلام أو فعال أو قتال. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد في ديوان امرئ القيس قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرئ القيس معنًا ضليلاً ينازع من يقول إنه يقول الشعر فنازع التوأم جد قتادة بن الحارث بن التوأم اليشكري، قال: إن كنت شاعرًا فتمم أنصاف ما أقول فأجزها، فقال: نعم: فقال امرئ القيس:
أحار ترى بريقًا هب وهنًا
فقال التوأم:
كنا مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرقت له ونام أبو شريح
فقال التوأم:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
كأن هزيزه بوراء غيب
стр. 180
فقال التوأم:
عشار وله لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن علا كنفي اضاخ
فقال التوأم:
وهت أعجاز ريقه فحارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك بذات السر ظبيًا
فقال التوأم:
ولم يترك بجلهتها حمارا
فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه آلى ألا ينازع الشعر أحدًا بعده حيرى دهر: أي آخر دهر.
تفسير هذه الأبيات: هدأ: سكن، واستطار: تفشي برقه، ويقال: «استطار الصدع في الزجاجة»: إذا اتسع، وهزيز الرعد: صوته، ويقال: «سمعت هزيز الرحى». وقال الأصمعي: لم يذكر الرعد في شعره هذا ولكنه ذكر البرق وأضمر الرعد لأنه يذكر من أجله. وقوله: «بوراء غيب»: أي بحيث لا أراه. والعشار: التي أتى عليها من لقاحها عشرة أشهر من النوق ثم يقال لها: «عشار» في تلك الحال وإلى أن تضع ويتبع أولادها. والوله: التي اشتد وجدها على أولادها. يقول: فقدت أولادها فلقيت عشارًا مثلها فهي تحن إليها.
قال أبو عبيدة: يصف بعضهم الإبل بغلظ الأكباد. قالت عائشة - رحمها الله - ما يرون أكبادنا إلا أكباد الإبل. وقال بلغاء بن عصيم:
يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل
стр. 181
قال: وبعضهم يصف الإبل بالرقة، قال متمم بن نويرة:
فما وجد أظهآر ثلاث روائم ... رأين مجرًا من حوار ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجع مني يوم فارقت مالكًا ... وقام به الداعي الرفيع فأسمعا
وقوله: «وهت أعجاز ريقه»: يقول: استرخت فسالت كما يسيل ماء القربة إذا وهت فانشقت، وأعجازه: أواخره، وريقه: أوله، يقال: «فعل ذلك في ريق شبابه وفي روق شبابه». حار: تحير فلم يبرح. وقوله: «فلم يترك بذات السر ظبيًا ولا حمارا» إلا غرقه. ولم يترك بجلهتها، والجلهة: ما استقبلك من جانب الوادي. وقوله: «حيري دهر»: آخر دهر، والحيري: الدهر.
البار
البار: اسم الفاعل من قولك: «بر فهو بار»، وبره بعباده: إنعامه وإفضاله عليهم، يقال: «بررت الرجل أبره، وأنا بار وهو مبرور، ورجل بار وبر»، «وبر حج فلان فهو مبرور».
стр. 182
المقتدر
اسم الفاعل من قولك: «اقتدر فهو مقتدر»، وقد مضى شرح ذلك في ذكر القدير.
الباقي
الباقي: الله ، وكل شيء سواه فإن كما قال: ﴿كل من علهيا فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرم﴾. ولا يقال غير الله «الباقي» إلا مضافًا معلقًا بشيء كقولنا: «زيد الباقي بعد عمرو» لأنه عاش بعده وبقاؤه إلى أمد ثم ينقضي فإنما يقال لغير الله «الباقي» مجازًا لأنه غير باق أبدًا وإنما يبقى مدة معلومة، ولذلك قيل له «باقٍ» يراد به تلك المدة المقدرة له. ويقال: «بقي الشيء يبقى بقاء محدودًا»، والبقيا: الاستبقاء. ويقال: «استبقيت القوم»: أي أبقيتهم ولم أفنهم كما قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشيء أهون من بعض
وقال آخر في البقيا:
فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال
وأبقيت الشيء: تركته، وأبقيت من الشيء بقية وبقيت منه كذلك. وجمع بقية بقايا وبقيات، قال الشاعر:
стр. 183
يا كعب صبرًا على ما كان من حدث ... يا كعب لم يبق منا غير أجساد
إلا بقيات أنفاس نحشرجها ... كراحل باكر أو رائح غاد
ويقال في البقيا: «البقوى» كما يقال في الرعيا: «الرعوي»، ويقال: «تبقى الشيء فهو متبق» «وتبقى فهو متبقي»: أي ترك وأبقي. قال ذو الرمة:
فأدرك المتبقي من ثميلتها ... ومن ثمائلها واستنشئ الغرب
ذو الجلال
الجلال: العظمة، فالله ذو الجلال والعظمة والكبرياء. قال الأصمعي: ولا يقال: «الجلال» إلا لله . قال أبو حاتم السجستاني: قد يقال: «جلال» في غير الله. أنشد لهبدة بن خشرم:
فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر
стр. 184
قال الأصمعي: ويقال: «فعلت ذلك من جلل كذا وكذا، ومن جلال ذلك»: أي من عظمته في صدري. قال جميل:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله
ويقال: «فعلت ذلك من أجل كذا وكذا، ومن إجله، ومن جراه، ومن جرائه، ومن جلله». ويقال: «ذاك أمر جلل»: أي عظيم، «وأمر جلل»: أي صغير، وهو من الأضداد. قال الشاعر:
كل شيء ما خلا الله جلل
أي: صغير حقير. وقال آخر:
يقول جزء ولم يقل جللاً ... إني تزوجت ناعمًا جذلا
أي: لم يقل صغيرًا.
والجلى: الأمر العظيم وجمعها جلل، والجلة: الإبل المسان، ويقال: «مشيخة
стр. 185
جلة». وجلة بالفتح: البعر، والجلالة: الإبل التي تأكل العذرة، والجليل: الثمام قال الشاعر:
ألا ليت شعري هل إيبتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وجل الشيء: معظمه، وتجللت الشيء: إذا أخذت جلاله، وجل الرجل البعر: إذا لقطه.
وجل الرجل يجل جلولاً: إذا أخرج من بلد إلى بلد، وكذلك جلا يجلو جلاء لغتان، ومنه قولهم: «استعمل فلان على الجالة والجالية». فالجالة من جللت، والجالية من جلوت، وهو أن يأتي أقوامًا فروا من مكان إلى مكان.
ويقال: «جل الرجل يجل جلة»: إذا عظم، والمجلة: صحيفة يكتب فيها شيء من الحكم وينشد بيت النابغة:
مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
يعين: الصحيفة التي يقرؤون فيها، ويروى «محلتهم» بالحاء يراد بها: بيت المقدس لأنها دارهم.
ذو الإكرام
الإكرام: مصدر من: «أكرمت إكرامًا»: يراد بذلك أنه يكرم عباده المؤمنين، كما
стр. 186
يهين الكفار. يقال: «أكرمت إكرامًا»، والكرامة: الاسم، والمكرمة: الفضيلة. وقد شرحنا الكريم والكرم فيما مضى.
الأول والآخر
الله الأول لأنه كان قبل الأشياء كلها، فهو الأول الذي لم يتقدمه شيء، وهو الآخر لأنه الباقي بعد فنائها، وزن أول «أفعل» وفاؤه وعينه واوان، والدليل على أنه أفعل وليس «بفوعل» كما ذهب إليه بعض النحويين اتصال «من» به، ولا تتصل إلا «بأفعل»، فيقال: «أنا أول من فلان» ومؤنثه الأولى كقولك: «زيد أفضل من فلان» ومؤنثه الفضلى، فتقول في المذكر: الأول، والأولان، والأولون كقولك: الأفضل، والأفضلان، والأفضلون في جمع السلامة، وفي جمع التكسير الأوائل كقولك: الأفاضل، وأصله الأواول فأبدل الواو همزة لاجتماع واوين في الجمع. بينهما ألف بادلت العرب الواو في مثل هذا همزة.
قال أبو عثمان المازني: سألت الأصمعي عن «عيل» كيف يكسر العرب؟ فقال: «عيائل» يهمزون كما يهمزون في الواوين فيقال على هذا في جمع سيد وميت سيائد وميائت بالهمز. والأخفش لا يهمز إلا في اجتماع الواوين كما سمع من العرب، ولا يحمل عليه اجتماع الياءين، والواو والياء.
قال أبو عثمان: فأما ضيون فتقول في جمعه ضياون فلا تهمز لأن الواو في الواحد صحت فلم تعتل ولم تدغم، فلذلك صحت في الجمع وإذا كان في مثل هذا الجمع بين الياء والواو التي بعد الألف ياء تحول بينهما وبين آخر الكلمة لم تهمز وذلك نحو: طواويس ونواويس، والباقي نحو قولك: سابور وسوابير فلا تهمز في مثل هذا لأنها بعدت من الطرف. وشبهوا هذا بقولهم: «صوام» في جمع صائم حين
стр. 187
صحح الواو من يقول: صويم فلا يقوم «صيام» لأنها بعدت من الطرف. فأما قول الشاعر:
وكحل العينين بالعواور ...
فإنما ترك الهمز لأنه أراد العواوير، ولكنه احتاج فحذف الياء فترك الواو على حالها لأن الياء منوية في التقدير كما قالوا: علبط، وعكمس، وهدبد فجمعوا بين أربع متحركات في اسم وذلك غير موجود في كلامهم، ولا هو من أبنية أسمائهم. ولكنهم أجازوه في هذه الأسماء لأن أصلها: عكامز، علابط، وهدابد. فالألف مقدرة لأنها الأصل وإن حذفت في بعض الأحوال فهي مقدرة في أصل البناء.
وفي المؤنث الأولى والأوليان والأول في جميع التكسير كقولك: الفضلى، والفضليان والفضل، والدنيا والدنييان والدنا، وكذلك الصغرى والصغر. والجلى: الأمر العظيم، والجمع الجلل. قال طرفة:
وإن ادع للجلى أكن من حماتها ... فإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
وتقول في جمع السلامة: الأوليات كقولك: الفضليات والكبريات والصغيرات وكذلك ما أشبهه.
وتقول: «زيد أولى بهذا الأمر من فلان»، «والزيدان أولى منه»، «والزيدون أولى منه». ولا يثنى ولا يجمع. وكذلك جميع الباب «أفعل» إذا صحبته «من» ولا تؤنثه. وقد مضى ذكر هذا فيما مضى من الكتاب.
стр. 188
فإن أدخلت عليه الألف واللام ثنيت وجمعت وأنثت كما فعلت ذلك بالأفضل، والفضلى، والأكبر والكبرى، والأول والأولى، فتقول: «زيد الأولى» «والزيدان الأوليان» كما قال: ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ ردًا على ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾ على تقدير: «هما الأوليان». ومن قرأ «الأولين» رد الأولين على «الذين».
وتقول في الجمع «الزيدون الأولون» بفتح اللام كما تقول: الأعلى، والأعليان، والأعلون، والوزن والبناء والتقدير واحد، قال : ﴿وأنتم الأعلون﴾ وقد سقطت لام الفعل من قولك: الأولون والأعلون لأنها انقلبت ألفًا وبعدها واو الجمع فحذفت لسكونها وسكون واو الجمع كما فعل ذلك في قولك: «المصطفون» وفي قوله ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ والباب واحد. وتقول في المؤنث: الوليا، والولييان، والولييات، والولي، كقولك: الدنييان، والدنى، والكبريان، والكبريات، والكبر.
مسألة من هذا الباب:
إن قال قائل: أليس ما كان من النعوت على «أفعل» فجمعه «فعل» بضم الفاء وإسكان العين نحو: أحمر، وحمر، وأصفر، وصفر، وأخضر، وخضر. وكذلك ما كان على «فعلاء» من النعوت فجمعه كجمع ذكرانه نحو: خضراء، وخضر، وحمراء، وحمر، فلم لم يقل في جمع الأفضل الفضل، وفي جمع الأكبر الكبر، والأصفر الصفر والأول الأول على قياس الحمر والصفر؟
فالجواب في ذلك أنه يقال: ما كان من النعوت على «أفعل» قائمًا بنفسه غير
стр. 189
متعلق «بمن» فجمعه على «فعل» نحو: أحمر وحمر، وأصفر وصفر، وما كان متعلقًا «بمن» ولم يستعمل مفردًا نحو قولك: «زيد أفضل من عمرو، وأكبر من أخيك» وما أشبه ذلك. لا يقال: «رجل أفضل» كما يقال: «رجل أشقر وأصفر» «وثوب أخضر» ولا يقال: «رجل أول ولا «امرأة أولى» لا يستعمل إلا متعلقًا «بمن» أو مضافًا معرفًا بالألف واللام كقولك: «أخوك أكرم من عمرو»، «وهند أكرم من عمرو» و «وزيد أكرم القوم»، «وهند أكرم أخواتك»، «وزيد الأكرم والأفضل والأول». فلما فارق هذا النوع باب «أفعل» في النعت جمع جمع الأسماء فقيل: الأفاضل، والأكارم، والأوائل، والأعالي. كما قيل: الأحامد، والأفاكل كما فعل ذلك بأجدل وهو الصقر، وأبطح، وأدهم حين قيل: الأجادل، والأباطح، والأداهم لأنه وإن كان نعتًا في الأصل فقد استعمل استعمال الأسماء. ولما جمع مذكره على «أفاعل» عدل بمؤنثه أيضًا عن «فعل» لأنه في هذه يجري مجرى مذكره فأجروه مجراه في العدل عن باب «أفعل» نعتًا، فغير لفظ واحده فقيل: «الفعلى» وجمع من لفظه فقيل: «الفعل» نحو: الكبرى والكبر، والصغرى والصغر».
مسألة أخرى فيه:
فإن قال: فقد زعمت أن ما كن من نعوت الأناث على «فعلى» لم يستعمل إلا بالألف واللام نحو: الصغرى والكبرى وما أشبه ذلك فلا يقال: «امرأة صغرى» ولا «امرأة كبرى»، وقد قال الله : ﴿تلك إذن قسمة ضيزى﴾: أي ناقصة جائزة. وأجمع أهل العربية على أن وزنها «فُعلى» بضم الفاء، وعدلت إلى «فِعلى» لتنقلب الواو ياء، واستدلوا على ذلك بأنه ليس في الكلام صفة بكسر الفاء وفيه «فعلى» بضم الفاء فقد رأينا «فعلى» في صفات المؤنث تستعمل بغير ألف ولام، وهذا نقض لما ادعيته؟
стр. 190
فالجواب في ذلك إنا لم نقل: إنه لا يكون مؤنث على «فعلى» يستعمل بغير ألف ولام، وإنما قلنا: ما كان من باب «أفعل» في التفضيل فاستوى فيه المؤنث والمذكر كقولك: «زيد أفضل من عمرو» «وهند أفضل من زينب» ثم قيل «الهندات أفضل من الزينبات»، «والزيدون أفضل من العرمين» بلفظ واحد، فيقال في مذكر هذا إذا فصل من الإضافة ولم تصحبه «من» «الأفعل» بالألف واللام، ولا يستعملان إلا كذلك فيقال: «زيد الأفضل» «وهند الفضلى» «وزيد الأكبر» «وهند الكبرى». ولا يقال: «رجل أفضل» ولا «أكبر»، كذلك لا يقال: «امرأة كبرى» ولا «صغرى» فأما «فعلى» في صفات المؤنث من غير هذا الباب فيستعمل بغير الألف واللام في حال، وبالألف واللام في حال غير مدفوع نحو: الأنثى، والبؤسى، والعمرى، والرقبى، وما أشبه ذلك. كل ذلك يستعمل بالألف واللام وبغير الألف واللام، فأما قول أبي نواس:
كأن صغرى وكبرى من فراقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
فلحن لا يؤخذ به ولا يعمل عليه، وقد رده العلماء كلهم. فأما قولهم: «الله أكبر» فتأويله: الله أكبر من كل شيء، فقد صحبته «من» ولكن أضمر لما في الكلام عليه من الدليل. وقيل تأويله: الله كبير. وقد شرحناه فيما مضى من الكتاب.
الباطن
الله الظاهر والباطن كما وصف نفسه بذلك، هو الظاهر لظهور آياته ودلائله الدالة عليه ووضوحها وبيانها، وقد مضى القول على ذلك فيما تقدم. وهو
стр. 191
الباطن لأنه غير مدرك بالحواس كالأشياء المخلوقات التي تدرك بالحواس نحو اللمس، والحس [] (١) والباطن خلاف الظاهر، والباطن أيضًا في كلام العرب: الخبير العالم بما بطن من أمور بعض من يصحبه، ويداخله كقولك: «قد بطن فلان أمر فلان»: أي اختبر باطنه ووقف منه على ما لم يقف عليه غيره.
ويقال: «بطن الدابة فهو باطن»: إذا ضرب بطنها. قال الشاعر:
إذا ضربت موقرًا فابطن له ... فوق قصيراه وتحت الجلة
ويقال: «بطن الأمر بطونًا»: خلاف ظهر ظهورًا، والبطن: المكان الغامض من الأرض، والبطن: مصدر بطنت الإنسان وغيره أبطنه بطنًا كما ذكرت لك: إذا ضربت بطنه.
والبطن: بطن الإنسان مذكر، فأما قول الشاعر:
فإن كلابًا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
فإنما أنث لأنه ذهب بالبطن إلى القبيلة فحمل على المعنى وبين ذلك بقوله: «وأنت بريء من قبائلها العشر». وكما قال ابن أبي ربيعة:
стр. 192
فكان مجنى دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فقال: «ثلاث شخوص» فأنث، والشخص مذكر لأنه ذهب إلى النساء، وبين ذلك بقوله: «كاعبان ومعصر».
وباطن كل شيء: خلاف ظاهره. وتقول العرب: «نزلنا ببطن الوادي» «وبظهر الجبل». «وبطنت الثوب»: جعلت له بطانة، فالظهارة: ما ظهر واستبان وبطانته: ما بطن وفخي.
وقال الفراء في قوله : ﴿بطائنها من استبرق﴾: «قد تكون البطانة ظهارة والظهارة بطانة وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، قال: وذلك أن العرب تقول: هذا ظهر السماء، للذي تراه وتقول أيضًا: هذا بطن السماء الذي تراه.
قال: وقال ابن الزبير وذكر قتلة عثمان: «فقتلهم الله كل قتلة ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب: يعني هربوا ليلا». وهذا تعسف عظيم كيف يجوز أن يسمي ظهارة الجبة والحشية والمسورة وما أشبه ذلك بطانة وباطنتها ظهارة؟. و «البطانة»: ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، وظهارته: ما ظهر منه وكان من شأن الناس إظهاره وإبداؤه، ولذلك قيل: ظهارة وبطانة من الظهور والبطون».
стр. 193
ولو قال لوجه مصلى: «هذا بطانته»، ولما ولي الأرض منه: «هذا ظهارته» لكان غير بعيد من أن يقال: هذيت، وأحلت، وإنما أراد الله ﵎ أن يفهم عباده من حيث يفهمون، ويعرفهم فضل هذه الفرش، وأن ما ولي الأرض منها هو البطانة من الاستبرق وهو الغليظ من الديباج فإذا كانت البطانة كذلك، والظهارة أعلى وأشرف لأن العادة بذلك جرت عند الآدميين.
ومنه قول النبي ﷺ : «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أخشن من هذه الحلة».
فذكر المناديل دون غيرها لأنها أخشن من الثياب، وكذلك البطائن أحسن من الظواهر.
فأما قولهم: ظهر السماء، وبطن السماء جميعًا لما ولينا فإن مثل هذا قد يجوز في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كقولك لحائط بينك وبين قوم: «هذا ظهر الحائط» لما وليك، ويقول الآخرون لما وليهم: «هذا ظهر الحائط» لأنه لا فرق بينهما، وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن لتساويهما. وكذلك تقول لما وليك: «هذا بطن الحائط» تريد أنه بطن لما وراءه، وتقول: «اضطرب بطن هذا الحائط» «وقد أعطى بطنًا» فهذا سائغ في ذي الوجهين المتساويين مما لم تجر العادة بأن يكون ظاهره خلاف باطنه في تفضيل وتشريف، فأما في الفرش واللباس فغير جائز. وكذلك أيضًا يقال لما ولينا من السماء: «هذا ظهرها» وهو لمن فوقها من الملائكة بطن.
وإنما ذهب الفراء في قوله: قد تكون الظهارة بطانة والباطنة ظهارة في قوله: «بطائنها من استبرق» فيما أرى إلى أن الظهارة والبطانة متساويان في الجلالة ليس
стр. 194
لأحدهما فضل على الآخر والله أعلم بالمراد من ذلك، ولكنه قد ذكر في هذه السورة التي ذكر فيها هذا الحرف وهي السورة التي يذكر فيها الرحمن شيئًا ما أحسب له مخرجًا في تأويل ولا تفسير، ولا يصح بوجه ولا تقدير، وذلك أنه قال في قوله : ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ إنه قد يكون في العربية جنة واحدة فقيل: «كجنتان» كما قال الشاعر:
ومهمهين قذفين مرتين ... قطعته بالام لا بالسمتين
قال: إنما أراد مهمنا واحدًا ولذلك قال: «قطعته»، وإنما ثنى للقافية. قال وأنشد لبعضهم:
يسعى بكبداء ولهذمين ... قد جعل الأرطاة جنتين
أراد بكبداء ولهذم فثنى للقافية. قال: «وروؤس القوافي تحتمل الزيادة والنقصان»، كأنه ذهب إلى أنها جنة واحدة فقيل «جنتان» لتتفق رؤوس الآي، وهذا قبيح جدًا وتعسف عظيم. ومثله غير جائز إطلاقه على الله أن يعد من خاف مقامه بجنتين ويصفهما ﴿ذواتا أفنان﴾ وفيهما كذا وكذا فيصفهما وما فيهما. ويعتقد معتقد أن المراد جنة واحدة وإنما ثنى ذلك للفاصلة وليس بينه وبيني «من» عارضه.
стр. 195
وقال: في خزنة النار عشرون وأكثر وإنما قال «تسعة عشر» لرأس الآية فرق بل ينشعب من هذا أشياء قبيحة جدًا والإمساك عنها أولى، وإنما يقع من الزيادة في القوافي وفي رؤوس الآي ما لا يغير المعنى بزيادته نحو هاء الاستراحة في الوقف في قوله: ﴿ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه﴾. ونحو الألف للمد في مثل قوله: ﴿ويظنون بالله الظنونا﴾، ﴿فأضلونا السبيلا﴾ وما أشبه ذلك مما يكثر في القوافي ورؤوس الآي، مما لا يغير المعنى كما يحذف فيها ما لا يفسد المعنى بحذفه نحو قوله: ﴿والليل إذا يسر﴾، وحذف الواو والياء اللتين يتبعان هاء الإضمار وما أشبه ذلك مما يطول تعداده ولشهرته وكثرته أمسكنا عن ذكره.
وتقول: «رجل مبطن»: خميص البطن، «ورجل بطين»: عظيم البطن، و «مبطون»: عليل البطن، و «بطن»: منهوم كثير الأكل شره.
وكذلك يقال: «رجل مبطن»: للشديد الظهر، و «رجل ظهر»: يشتكي ظهره مثل «فقر»: إذا اشتكى فقاره، قال طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر
وقال أبو عمرو الشيباني: إنما أراد بالفقر من الفقر وسوء الحال. وكذلك يقال: «رجل مصدر»: شديد الصدر، و «مصدور»: يشتكي صدره ومنه قولهم:
стр. 196
لا بد للمصدور من أن ينفث
ويقال: «استبطن الرجل سيفه»: إذا اشتمل عليه تحت ثيابه فستره، و «تبطن الرجل المرأة» إذا غشيها، وينشد لأمرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وكذلك يقال: «تبطنت الوادي»: سرت في بطنه.
وقال امرؤ القيس:
وغيث من الوسمي حو نباته ... تبطنته بشيظم صلتان
الغيث: المطر وإنما أراد هنا النبات، سماه غيثًا لأنه عنه يكون، والأحوى: الذي يضرب إلى السواد بخضرته، والشيظم: الفرس الطويل، وصلتان: صافي الوجه قليل اللحم ومنه قيل: «صلت الجبين»، وقيل: «صلتان ماض»، تبطنته: سرت في بطنه.
القدوس
القدوس: «فعول» من القدس وهو الطهارة ومنه قيل: «الأرض المقدسة» يراد المطهرة بالتبرك، ومنه قوله حكاية عن الملائكة: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ أي ننسبك إلى الطهارة ونقدسك ونقدس لك، ونسبحك ونسبح لك بمعنى واحد. وما جاء على «فعول» فهو مفتوح الأول نحو كلوب، وسمور، وشبوط، وتنور وما أشبه ذلك إلا سبوح وقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان.
стр. 197
السلام
السلام والسلامة بمعنى واحد بمنزلة الراضع والرضاعة، واللذاذ واللذاذة فالله السلام تأويله: ذو سلامة مما يلحق المخلوقين من الفناء والموت والنقص والعيب، فالله ذو السلامة من ذلك أي ذو السلامة منه، قال الشاعر:
تحيا بالسلام أم بكر ... فهل لك بعد قومك من سلام؟
أي: هل لك بعدهم من سلامة مما أصابهم؟
وأخبرنا أبو إسحاق الزجاج قال: سمعت أبا العباس المبرد يقول: السلام في اللغة على أربعة أضرب، السلام: اسم من أسماء الله، والسلام: السلامة بمنزلة اللذاذا واللذاذاة. والسلام: التسليم، من قولهم: «سلام عليكم»، والسلام: ضرب من الشجر. قال الأخطل:
عفا واسط من آل رضوى فنبتل ... فمجتمع الحرين فالصبر أجمل
стр. 198
فرابية السكران قفر فما بها ... لهم شبح إلا سرم وحرمل
وكان الزجاج يذهب إلى أنه كله راجع إلى معنى السلامة، فالله «السلام» تأويله: ذو السلامة مما يلحق المخلوقين كما ذكرنا، والسلام بمعنى السلامة بمنزلة الرضاع والرضاعة، والسلام في التسليم من ذلك أيضًا. وقد يقع السلام بمعنى المتاركة في التسليم في قوله : ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾.
قالوا: تأويله: تبرأنا منكم وتاركناكم متاركة لأنهم لم يؤمروا بالسلام حينئذ على المشركين وهذا راجع إلى معنى السلامة، لأن في متاركتهم السلامة، والسلام: ضرب من الشجر عظام سمي لسلامته مما يلحق ما دق من الشجر من الكسر والدق.
قال: وكذلك السلم الذي يصعد عليه إنما سمي بذلك لأنه يسلم المرتقي إلى مقصده. قال: وكذلك قيل للدلو التي لها عروة واحدة نحو دلو السقائين السلم لسلامتها مما يلحق غيرها لأحكام عملها.
وقيل للصلح سلم وسلم لما ينال به من السلامة في الأبدان والأموال بالصلح، والعرب تؤنث السلم، قال : ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾. يقال: سلم وسلم للصلح.
والسلم بفتح السين واللام: الاستسلام. وقالوا في قوله : ﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾. السلام: الله وداره الجنة، وجائز أن يكون التأويل: والله يدعو إلى دار السلامة لأن السلامة والسلام سواء كما ذكرنا فسمي الجنة
стр. 199
دار السلامة لأن الصائر إليها يسلم فيها من كل ما يكون في الدنيا من المرض والضعف والهرم والموت وما أشبه ذلك، وكذلك قوله : ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾.
وقولهم في التسليم: «السلام عليكم» تأويله: اسم السلام عليكم أي اسم الله عليكم، ويجوز أن يكون تأويله: السلامة عليكم ولكم، وإلى هذا المعنى ذهب من قال: «سلام الله عليكم». فأما قوله : ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ فقيل: تأويله فسلامة لك منهم أي: يخبرك عنهم بسلامة وهو معنى قول المفسرين. وسمي الصواب من القول سلامًا لأنه سلم من العيب. وقالوا في قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
أقوالاً، قال أبو عبيدة: اسم السلام هو السلام فتأويله عنده ثم السلام عليكما، وقال: اسم الشيء هو الشيء كذلك يحكى عنه. وبعضهم يلزمه أن يكون اسم الشيء هو الشيء بعينه في كل شيء بقوله اسم السلام هو السلام وذلك غير لازم له لأن تأويله أنه ليس للسلام اسم آخر يعبر به عنه كما قال: عصا وقضيب وخشبة بمعنى واحد. فليس للسلام اسم آخر يعبر به عنه.
وقيل: معنى اسم السلام عليكما: إغراء منه لهما بذكر الله، وكأنه قال: إلى
стр. 200
الحول أبكياني حولاً ثم اسم السلام عليكما: أي إلزما اسم الله وذكره ودعا البكاء علي لأن من بكى ميتًا حولاً فقد بلغ النهاية في ذلك.
ورفع السلام في قوله: ثم اسم السلام عليكما، وهو في مذهب الإغراء على هذا لتأويل لما قدم على حرف الإغراء لضعفه ألا ترى أنك تقول: «عليك زيدًا» في الإغراء ولا يجوز أن تقول: «زيدًا عليك» فتنصبه مقدمًا بعليك كما كنت تنصبه مؤخرًا به لضعفه ولكنه جائز أن تقول: «زيدًا عليك» على أن تنصب زيدًا بفعل مضمر يدل عليه حرف الإغراء تقديره: «الزم زيدًا» أو «خذ زيدًا» ثم فسره بعليك. وكذلك قالوا في قوله:
يا أيها المائح دلوي دونكما ... إني رأيت الناس يحمدونكما
جائز أن يكون قوله: «دلوي» في موضع رفع نصب على ما فسرنا وهو في الوجهين جميعًا إغراء.
وكذلك يجوز نصب بيت لبيد عند من ذهب إلى أنه في تأويل الإغراء فيقال: ثم اسم السلام عليكما على تأويل: ثم الزما اسم السلام، والسلام: هو الله على ما فسرنا.
وقد تجيء في كلام العرب أشياء منصوبة على الإغراء بغير حرف إغراء إلا بإضمار فعل وذلك شاذ. نشد ابن الأعرابي عن علي بن صالح عن المفضل:
стр. 201
ألا قالت حذام وجارتاها ... كبرت ولا يليق بك النعيم
بنيك وهجمة كأشاء بس ... غلاظ منابت القصرات كوم
تبك الحوض علاها ونهلي ... وخلف ذيابها عطن منيم
إذا اصطكت بضيق حجرتاه ... تلاقي العسجدية واللطيم
قال: «بنيك وهجمة» فنصبه على الإغراء بتقدير «عليك بنيك وهذه الهجمة». وهذا وإن كان على ما ذكرنا في التأويل ليس يجوز أن يضمر «عليك» لضعفها ولكن يضمر فعل في معناها كما ذكرت لك. وبس: موضع. الأشاء: معناه النخل، وتبك: تزدحم، وعلاها: أراد عللا، ومنيم: بيتها تسكن إليه. وقال ابن الأعرابي: العسجدية واللطيم منسوبة إلى محلين قال: وليس قولهم هو منسوب إلى الذهب بشيء.
وأنشد أيضًا ابن الأعرابي لعمرو بن ملقط الطائي، وأنشدناه أيضًا ابن دريد قال: أنشد أبو حاتم عن أبي زيد الأنصاري:
مه مالي الليلة مه ماليه ... أودي بنعلي وسرباليه
أنك قد يكفيك بغي الفتى ... ودرأه أن تركض العاليه
стр. 202
مطعنة يجري لها عاند ... كالماء من غائلة الجابيه
يا أوس لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي به الهاويه
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
ذاك سنان محلب نصره ... كالجمل الأوطف بالراويه
بأيها الناصر أخواله ... أأنت خير أم بنو ناجيه؟
أم أختكم أفضل أم أختنا ... أم أختنا عن نصرنا وانيه؟
والخيل قد تجشم أربابها الشـ ... ق وقد تعتسف الداوية
يأبى لي الثعلبتان الذي ... قال ضراط الامة الراعية
ظلت بواد تجتني صمغة ... واحتلبت لقحتها الآنيه
ثم غدت تنبض أحرادها ... إن متغناة وإن حاديه
فقالوا في قوله: «أولى فأولى لك ذا واقيه»: تقديره: يا هذا عليك واقية فأضمر «عليك». وهذا إغراء لأنه قد أمره بالتقية، ألا تراه يتهدده بقوله: «لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية» فهذا وإن كان على ما ذكروا من تأويل الإغراء فسبيل المضمر أن يكون شيئًا في معنى «عليك» من نحو «إلزام» وما أشبه ذلك.
وفي هذا البيت أيضًا أنه حذف حرف النداء من المبهم في قوله: «ذا واقيه» وهو يريد: «يا هذا»، ولا يجيز النحويون حذف حرف النداء من الأسماء المبهمات لأنه لا دليل على ندائها إلا بحرف يلزمها لأنه لا يبين فيها لفظ بناء على الضم كما يبين ذلك في الأسماء الأعلام فيعلم أنه مناداة وهو شاذ جدًا.
وقوله: «تركض العاليه»: يريد تدفع، يعني عالية الرمح أعلاه، والعاند من الدم: المائل، والجابية: الحوض، وغائلته: ما انخرق منه، والأوطف: الكثير شعر العينين والأذنين فأراد أنه لا قلب له كالجمل الأوطف. والعرب تقول:
стр. 203
«كل أزب نفور»، وبنو جارية: من طيء، والشق: المشقة والشدة، وقوله: «تنبض أحرادها»: أي تضطرب أمعاؤها، وأحرادها: أمعاؤها، ومتغناة: متغنية. هذا كله قول ابن الأعرابي ورواه أبو زيد: تنبذ أحرادها: من النبذ والالقاء، قال: «وواحد الأحراد وهو الغيظ والغضب». قال أبو زيد: سنان: اسم رجل، ومحلب: معين، والوانية: المبطئة.
وقال آخرون في قول لبيد: «إلى الحول ثم اسم السلام عليكما» تأويله: ثم تسميتي الله عليكما من سوء يصيبكما بعدي على جهة الاستعاذة فوضع الاسم مكان التسمية.
وكذلك ذهب بعض الناس إلى أن قولهم: «بسم الله» في الافتتاح إنما معناه أبدأ بتسمية الله فوضع اسم موضع التسمية وهذا في اللغة سائغ مطرد.
وقال آخرون: تأويله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما: أي حسبكما لأنه قال: إلى الحول والسلام: أي ابكياني حولا ثم حسبكما.
وقد جرت عادة العرب بأن السلام آخر كل شيء، ويستعمل في قطع الأشياء والمتاركة كقولهم: «قل فلان كذا وكذا والسلام»: أي لا تزد عليه شيئًا. وكما قال : ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ إنما أراد قطع كلامهم ومتاركتهم، وهذا وجه حسن. وكان أبو العباس المبرد يقول: هو أحسن ما قيل فيه.
المؤمن
المؤمن في صفات الله على وجهين: أحدهما أن يكون من الأمان
стр. 204
أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه فيأمنون ذلك كما تقول: «آمن فلان فلانًا» أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن. فكذلك أيضًا يقال: «الله المؤمن» أي: يؤمن عباده المؤمنين فلا يأمن إلا من آمنه. ومنه قول النابغة الذبياني:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
قال العلماء في قوله: «والمؤمن» يريد الله ﵎ أقسم به يريد: آمن الطير في الحرم، والعائذات: التي تعوذ بالبيت، فمن روى هكذا ينصب الطير - وهو الوجه - جعل العائذات في موضع نصب، وإبدال الطير منها للبيان والإيضاح كما تقول: «هذا الضارب الرجل آخاك».
ورواه بعضهم: «والمؤمن العائذات الطير» بالخفض على أن تجعل العائذات في موضع خفض وتبدل الطير منها على إجازتهم «هذا الضارب الرجل» بالخفض تشبيهًا بقولهم: «هذا الحسن الوجه».
قال سيبويه: لما قالوا: «هذا الحسن الوجه» فنصبوه تشبيهًا بـ «هذا الضارب الرجل» وإن لم يكن مثله في المعنى كذلك أجازوا «هذا الضارب الرجل» بالخفض تشبيهًا بـ «هذا الحسن الوجه» لأن كل شيئين تضارعا في العربية فحمل أحدهما على الآخر جاز حمل الآخر عليه في بعض المواضع. ورواه أبو عبيدة:
لا والذي آمن الغزلان تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد
وهذا تقوية للمذهب الأول وشرح للمؤمن، أن تأويله: الذي آمن الطير في الحرم. قال: والغيل والسعد: أجمتان كانتا مناقع ما بين مكة ومنى، يقال لأحدهما
стр. 205
الغيل والآخرى السعد. وقال الأصمعي: لا يقال غيل لأن الغيل الغيضة، والغيل الماء الجاري، وقال: كان ماء يجري في أصل أبي قبيس يغسل عليه القصارون، وروايته الغيل بالفتح على هذا التأويل الذي ذكرته، ومن روى «بين الغيل» بالكسر فقال: الغيل هاهنا مكان، والسند: سند الجبل.
والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان وهو التصديق فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: «الله المؤمن» أي مصدق عباده المؤمنين أي يصدقهم على إيمانهم فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه. والآخر: أن يكون الله المؤمن أي: مصدق ما وعده عباده كما يقال: «صدق فلان في قوله وصدق» إذا كرر وبالغ، يكون بمنزلة ضرب وضرب، فالله مصدق ما وعد به عباده ومحققه. فهذه ثلاثة أوجه في المؤمن سائغ إضافتها إلى الله.
ولا يصرف فعل هذه الصفة من صفاته فلا يقال: «آمن الله» كما يقال: «تقدس الله، وتبارك الله»، ولا يقال: «الله يؤمن» كما يقال: «الله يحلم ويغفر» ولم يستعمل ذلك. كما قيل: «تبارك الله» ولم يقل: «هو متبارك» وإنما تستعمل صفاته على ما استعملتها الأمة واطلقتها، فالإيمان: التصديق، يقال: «آمنت بكذا وكذا» أي: صدقت به. كما قال: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ أي يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي ﷺ عن الله . كما قال حكاية عن أولاد يعقوب ليعقوب: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ أي: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين.
ويقال: «ما أومن بشيء مما يقول فلان» أي: ما أصدق به، وإيمان العبد بالله : تصديقه به قولاً، وعقدًا، وعملاً. وقد سمى الله الصلاة إيمانًا في
стр. 206
قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
والإيمان في جميع تصرفه غير خارج عن معنى التصديق وما قاربه وتعلق به، ويقال: «آمن فلان بالله فهو مؤن». وأصل آمن أأمن فقلبت الثانية ألفًا فقيل آمن، فلا يصح همزتان إذا التقتا في كلمة واحدة ولا بد من قلب الثانية على حركة الأولى فإن كانت الأولى مفتوحة قلبت الثانية ألفًا كما قلبت في آدم، وآخر، وآمن وما أشبه ذلك. وإن كانت الأولى مكسورة قلبت الثانية ياء ولا تصح همزتان في كلمة واحدة، فإن كانتا من كلمتين جاز التخفيف والتحقيق كقوله : ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾. وكقولك: «يا زيد أأعطيت فلانًا؟» وما أشبه ذلك فلك في مثل هاتين الهمزتين إذا التقتا من كلمتين هكذا في وصل الكلام ولم يكن مبتدئًا بالهمزة الأولى خمسة أوجه: إن شئت حققت الأولى وخففت الثانية، وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية، وإن شئت حققتهما معًا، وإن شئت خففتهما معًا، واللغة الخامسة أن يزاد بين الهمزتين ألف تفرق بينهما فيقال: «يا زيد آأنت فعلت كذا؟» كما قال ذو الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم
تقديره أأنت أحسن أم أم سالم؟. وأنشد أبو زيد الأنصاري:
стр. 207
حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة ... يفكر آإياه يعنون أم قردا؟
فأما إذا ابتدأت فقلت: «أأنت خرجت؟» «أأنت أعطيت زيدًا؟» فلا بد من تحقيق الأولى لأن الهمزة لا تخفف مبتدأة لأن المخفف يقرب من الساكن والساكن لا يبتدأ به، فأما الهمزتان إذا التقتا في كلمة واحدة فقلب الثانية على حركة الأولى لازم على ما أخبرتك به، وعليه إجماع العرب والنحويين إلا ما يجيء في الشواذ.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: أخبرني أبو زيد الأنصاري أنه سمع من العرب من يقول: «اللهم اغفر لي خطائئي» كقولك: «خطاععي» وهو جمع خطيئة فجمع بين الهمزتين في كلمة وحققهما كما ترى.
قال: وسمعت آخر يقول في جمع دريئة وهو ما يستتر به من الصيد درائيء كقولك درائع فحقق الهمزتين في كلمة واحدة. قال: والذي عليه الجماعة القلب والتغيير كقولك خطايا ودرايا.
ونظير الجمع بين همزتين في كلمة واحدة وتحقيقهما في الشذوذ وإن كان هو الأصل إثبات بعضهم الهمزة في يرى، وترى، ونرى، وأرى لأن إجماع العرب على حذف الهمزة من مستقبل «رأيت» وإثباتها في الماضي كما ترى فصار هذا المستعمل المستقبل المجمع عليه كالأصل، وصار الأصل وهو إثبات الهمز كالفرع الشاذ
стр. 208
للإجماع على غيره فصار استعماله شاذًا فمن العرب من يثبت الهمز في يرى وترى وما أشبه ذلك فيقول: «أنت ترأى زيدًا» و «أنا أرأيتك إياه»، وأنشد الجماعة لسراقة البارقي.
أرى عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات
قال المازني: والوجه أن يقال «ترياه» فتحذف الهمزة ويحتمل قبح الزحاف لأنه أحسن من زيغ الأعراب. قال: والذين أنشدوه بإثبات الهمزة نفرت طباعهم عن قبح الزحاف فلم يبالوا زيغ الإعراب. وأنشد أبو زيد الأنصاري في مثل ذلك لرجل من بني نمير:
هل ترجعن ليال قد مضين لنا ... والعيش مقتبل إذ ذاك أفنانا
إذا نحن في غرة الدنيا وبهجتها ... والدار جامعة أزمان أزمانا
لما استمر بها شيحان مبتهج ... بالبين عنك بها يرآك شنئانا
قال أبو زيد: وكل هؤلاء حقق الهمزة وهو قليل في الكلام، والتحقيق الأصل.
стр. 209
وتقول في اسم الفاعل من آمن: مؤمن بتحقيق الهمز وهو الأصل، والمفعول مؤمن به كذلك بالتحقيق وإن شئت خففت فلم تهمزه.
فأما الموقن فلا يجوز همزه وهو خطأ فاحش ولحن قبيح لأن الواو في «موقن» مبدلة من ياء وليست بهمزة إنما هو من أيقنت واليقين.
وأما المسلم فاشتقاقه من أسلم يسلم فهو مسلم: إذا استسلم للشيء وأنقاد له وكذلك قوله : ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾. وقالوا في قوله: ﴿قالت الأعراب آمنا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ أي استسلمنا من خوف السيف.
واشتقاق المؤمن كما ذكرت لك من الإيمان وهو التصديق، وهذا أصلهما فإذا اعتقد المسلم في قلبه تصديق ما استسلم له وتحقيقه فهو مسلم مؤمن، وكذلك المؤمن: المصدق إذا استسلم لأمر من آمن به وانقاد له وأطاعه فهو مؤمن مسلم. فالمسلم حقيقة مؤمن حقيقة، والمؤمن حقيقة مسلم حقيقة في الشرع.
وهذا وجه اجتماعهما واتفاقهما، ووجه افتراقهما من حيث ذكرت لك أصل الاشتقاق، لأنه لا يقال لكل من استسلم لأمر إنسان أنه مصدق له، ولا لمن صدق بخبر أنه مسلم له. فالاستسلام غير التصديق. ولا يطلق المؤمن والمسلم هكذا إلا لمن دخل تحت الشرع وآمن بجميع ما أتى به النبي ﷺ . فأما غير ذلك فإنما يقال له: «مؤمن بكذا وكذا» و «مسلم لكذا وكذا» مقرونًا بما يوضحه.
المهيمن
فسر المهيمن على وجهين: قيل: المهيمن: الشاهد، قال الله :
стр. 210
﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾ أي: شاهدًا عليه. كذلك روي عن ابن عباس وروي عنه من وجه آخر أنه قال: المهيمن: الأمين فكأنه قال: مصدقًا لما بين يديه من الكتاب وأمينًا عليه، والتفسيران متقاربان.
ويذهب أهل اللغة إلى أن المهيمن: الأمين وأنه اسم مبني من الأمين وأصله «مؤيمن» بمنزلة مبيطر من بيطار. قال النابغة:
شك الفريصة بالمدري فانفذها ... شك المبيطر إذ يشفي من العضد
وقد يقال للمبيطر: «بيطر» كقول الطرماح:
........... ... كنزع البيطر الثقف رهص الكوادن
فالبيطر والمبيطر والبيطار بمعنى واحد. ومما جاء على هذا الوزن مهيمن ومبيطر ومسيطر ومبيقر. قالوا: فكأن أصله «مؤيمن» فأبدلت الهمزة هاء لأن الهمزة والهاء
стр. 211
لقرب مخرجيهما قد تبدل إحداهما من الآخرى. قالوا «في أرقت الماء» «هرقت الماء» و «ماء مهراق». يقال: «أرقت الماء» وهو الأصل، و «هرقته» و «أهرقته» ثلاث لغات حكاها سيبويه وغيره. وهو «ماء مراق» بحذف الهمزة و «مهراق» بإسكان الهاء و «مهراق» بفتح الهاء تجعل مكان الهمزة وتفتح كما كانت مفتوحة، وأنشدوا:
ما بال عينك منها الماء مهراق ... سحا فلا غارب منها ولا راق
وأنشدني أبو عبد الله الكرماني في «اهرقت» لبعضهم يصف بكرة أسقى بها الماء:
وجارية ليست من الأنس تشتهي ... ولا الجن قد باشرتها ومعي ذهني
وأدخلت فيها قيد شبر موتر ... فصاحت ولا والله قد وجدت تزني
فلما دنت أهراقة الماء أنصتت ... فكفكفت عن فعلي وفي النفس أن أثني
وقالوا: إياك، وهياك، وأيهات، وهيهات، وابرية، وهبرية للحزاز في الرأس، وأنشد الأخفش:
فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره
стр. 212
وكل هذا الأصل فيه الهمزة، والهاء بدل منها فكذلك في «مهيمن» الهاء بدل من الهمزة. وقد بدأت الهمزة هاء في قولنا «ماه» للماء المشروب وأصله «موه» فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «ماه» كما ترى، ثم ابدلت الهاء همزة فقيل: «ماء» والدليل على ذلك قولهم في الجمع «أمواه» وفي التصغير «مويه»، قال الشاعر:
سقى الله أمواهًا عرفت مكانها ... جرابًا وملكومًا وبذر والغمرا
فأما «مياه» فانقلبت الواو فيه لسكونها وانكسار ما قبلها كما انقلبت [في]
ميزان، وميعاد، وميقات وقد مضى شرح مثل هذا. وأنشد ابن الأعرابي لنافع بن لقيط الفقعسي:
وردت مياهًا ملحة فكرهتها ... بنفسي أهلي الأولون وماليا
فسبيل إبدال الهاء في «مهيمن» من الهمزة سبيل إبدال الهمزة في «ماء» من الهاء.
وحدثنا إبراهيم الصائغ قال: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: حدثني يزيد
стр. 213
ابن عمرو الغنوي قال: حدثني زكريا بن يحيى الكوفي قال: حدثنا عم أبي زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ المدينة منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن امتدحك. فقال: قل: لا يفضض الله فاك فقال العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين ... وقد ألجم نسرًا وأهله الغرق
стр. 214
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ور وسبل الرشاد نخترق
قوله: «لا يفضض الله فاك قال: لا يسقط ثغرك، وهو من الفض وهو الكسر، ومنه يقال: «فضضت جموع القوم»: إذا فرقتها، وقوله : ﴿لانفضوا من حولك﴾ أي تفرقوا. ومن قال: «لا يفضض فاك» بضم الياء فقد أخطأ إنما هو «يفضض» بفتح الياء من فض يفض وتقديره: «لا يفضض الله أسنان فيك» فأقيم المضاف إليه مقام المضاف. وقد يجوز أن يقام الفم مقام الأسنان لما كان محتويًا عليها والعرب تفعل ذلك اتساعًا، فتقول: «سقط فم فلان فلم تبق له حاكة» إذا سقطت أسنانه. وروي عن محمد بن عبد الله بن عروة أنه قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة فدخل علي بن الزبير في المسجد الحرام فأنشده:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا ... فعاد صباحًا حالك اللون مظلم
стр. 215
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم
لتجبر منه جابرًا ذعذعت به ... صروف الليالي والزمان المصمصم
فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى فإن الشعر أهون وسائلك عندنا أما صنوة مالنا فلآل الزبير وأما عفوه فإن بني أسد تشغله عنك وتبرأ، ولكن لك في مال الله حقان، حق برؤيتك رسول الله ﷺ ، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم. ثم أخذ بيده فدخل به دار النعم فأعطاه قلائص سبعًا وجملاً رحيلاً وأوقر له الركاب برًا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفًا. فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد، فلما قضى نهمته قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرًا فأنجزت. فأنا والنبيون فراط القاصفين». قال: يقال لا تقصفوا علينا: أي لا تجتمعوا، وقيل: القاصف: المتأخر وهو أشبه بالمعنى لأن أصل القصف: الكسر فكأنه المنكسر عن الجماعة، المتأخر عنها. وإنما ذكرنا هذا الخبر بخبره الذي روي أنه أتى النبي ﷺ أعني النابغة الجعدي فأنشده شعره الذي يقول فيه:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابًا كالمجرة نيرا
فلما بلغ قوله:
علونا العباد عفة وتكرما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا