Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
قال الأبياري في (شرح البرهان): وإذا قلنا بالتعميم، اختلف، هل يدل قطعا، أو ظنا، أو بعضها وبعضها؟
فقال الشافعي والمعتزلة: يدل قطعا إذا تجردت عن القرائن، ومدرك المعتزلة: استحالة تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأما الشافعي، فرأى أنه يجوز تأخير المخصص لغة.
وأكثر الفقهاء أن دلالتها ظنية.
وفرق أبو المعالي في (البرهان) فقال: أدوات الشرط دلالتها قطعية، إذا تجردت.
قوله: " لو كانت للخصوص، لما حسن الجواب بالكل؛ لأن من شرط الجواب أن يكون مطابقا ".
قلنا: اتفقنا على حسن الجواب في الاستفهام، إذا قال: من في الدار؟
فنقول: (زيد) مع أن زيدا ليس مطابقا للعموم؛ لأن العموم أفراده غير متناهية، و (زيد) فرد واحد مخصوص، فانتقض ما ذكرتموه.
(فائدة)
قوله: (وهلم جرا) انتصب (جرا) على المصدر بفعل مضمر ، وهلم، معناه: أقبل، وهو اسم فعل أمر.
وتقدير الكلام: اقبل بنا نجر جرا، فإذا قلت: ما رأيته من سنة، وهلم جرا، أي: أقبل بنا نجر عدم رؤيتي له من سنة إلى الآن، فهو من الجر الذي هو الجذب.
стр. 1682
قوله: " جاز أن يكون موضوعه للخصوص، إلا انه اقترن بها قرينة توجب كونها للعموم، وحكم المركب مخالف لحكم المفرد "
تقريره: المركب من لام التعريف، والجمع يوجب العموم، وكل واحد على حياله لا يوجب العموم، وكذلك النفي مع النكرة، وهو كثير يحصل للمركبات ما لا يحصل للمفردات.
فالجواب: حسن بالكل لأجل القرينة؛ ويرد عليه أن الأصل عدم القرينة وحسن الجواب؛ فالكل مطرد.
قوله: "لا نسلم أن الاستفهام لا يحسن؛ ألا ترى أنه إذا قال: من عندك؟ يحسن أن تقول: أتسالني عن الرجال أو النساء؟ "
قلنا: إذا اوردتم الاستفهام علينا نحن: قلنا (إنم) نمنعه بناء على أن الصيغة للعموم، وإن وقع الاستفهام، فلا يقع إلا على وجه الاحتياط؛ فلا يلزم الإكثار منه.
أما على رأيكم: فالقول بالاشتراك يوجب تعدد الاستفهام؛ بحسب المراتب للتوهم قطعا؛ فظهر أن إيراده علينا ليس كإيراده عليكم؛ فلا يتجه الإلزام.
قوله: " ليس الاستدلال بقبح بعض الاستفهامات على عدم الاشتراك، بأولى من الاستدلال بثبح بعض الاستفهامات على عدم الاشتراك، بأولى من الاستدلال بحسن بعض الاستفهامات على الاشتراك ".
تقريره: أن الاستفهامات الكثيرة جملا قبيحة في عرف الاستعمال، فيتعين حذف جملة من تلك الكثرة؛ حتى يزول القبح، فتلك الجمل المحذوفة لأجل القبح هي التي يستدل بها على عدم الاشتراك؛ لأنه لو ثبت لضرورة الاشتراك، والبعض الذي ليس بقبيح لا يمكن أن يبقى لعدم قبحه، وإذا ثبت كان دليل الاشتراك.
стр. 1683
قوله: " القرينة التي هي إشارة، أو غيرها لا يمكن إطلاع الأعمى عليها ".
قلنا: لا نسلم؛ فإن الأعمى يمكنه أن يدرك النجاسة بمس يده وغيرها صورة الإنسان الكائنة في اليد أو غير اليد، ويكون الناس قد اصطلحوا في ذلك القطر على إشارة خاصة تفيد العموم، فيوضع على جسمه، أو يضع هو يده عليها؛ فيدركها، ويؤكد ذلك أن قبض الأصابع وفتحها بسرعة يشعر بالاستغراق عرفا، والأعمى يمكنه أن يدرك ذلك بحاسة اللمس.
قوله: " يلزمك، إذا قال: من عندك من الرجال؟ أن تجب بذكر الرجال والنساء؛ لأن ذكره للرجال لا يدل على استغنائه عن النساء ".
قلنا: الإلزام غير مطابق قلوصةر النزاع؛ لأنه إذا قال: من عندك من إخوانك؟ فقال: (كلهم) لم يأت بأجنبي عن لفظ السؤال، وأما إذا ذكر السامع أنه ما ذكرها، إنما ذكر الرجال، فقد أتى بما لم يتعرض اللفظ إليه؛ فليس هو في الحسن مثل الأول، وغذا كان مخالفا لهم بفرق معتبر، لا يرد نقضا؛ " لأن النبي لما قال: (الحي ميتة) كان قد سئل عن الماء فقط، فأجاب " بالماء والميتة؛ تكثيرا للفائدة، فللخصم أن يلتزم الصورة المذكورة تكثيرا للفائدة؛ لأنه كلام عربي كما جاء في الاستعمال النبوي.
قوله: " حسن بعض اقسام الاستفهام لا يدل على الاشتراك؛ لما سنبينه، إن شاء الله تعالى ".
تقريره: أن الاستفهام لا يدل على الاشتراك؛ لأنه قد يستفهم في النصوص التي لا إجمال فيها: إما لفرط الحب؛ كما إذا قال القائل للرجل البخيل: إن السلطان بعث إليك بألف دينار، فيقول: ألف دينار، ألف دينار؟! ويكررها مائة مرة، ولفرط الكراهة؛ كما إذا قيل له: إن السلطان طلب منك ألف دينار، وقد يكون لفرط الاستغراب؛ كما إذا قال القائل: حفظ فلان البارحة ألف ورقة من الفقه، أو لدفع المجاز البعيد المتوهم؛ كما إذا قال
стр. 1684
قال القائل: " رأيت فلانا يشقق الشعر " فيقال: " رأيته يشقق الشعر؟ "؛ لأنه يتوهم أن المقصود فرط ذكائه؛ لأنهم يقولون: فلان ذكي يشقق الشعر " وليس المراد التشقيق حقيقة، فيخشى السامع مثل هذا المجاز؛ فيستفهم؛ حتى يرفعه.
قوله: " وقع السؤال هاهنا عند التصديق، فكان الجواب بـ (لا) او (نعم) أما إذا وقع عن التصور؛ كقوله: " من عندك؟ إنما وقع عن التصور ".
تقريره: أن (نعم) و (بلى) و (لا): حروف وضعت للجواب عن التصديقات دون التصورات؛ فتعم الموافقة كلام المتكلم نفيا أو إثباتا.
و (بلى): لمخالفة النهي، و (لا) لمخالفة الغثبات؛ فإذا قال: " قام زيد " وأردنا موافقته، قلنا: نعم، وإن أردنا مخالفته، قلنا: لا، وإذا قال: " ما قام زيد "، واردنا موافقته قلنا: نعم، وغن أردنا مخالفته، قلنا: بلى.
وهذه كلها تصديقات؛ وبهذا يظهر قول العلماء: إن الملائكة لو قالوا: نعم، في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم؟﴾ [الأعراف: ٧٢] نعم - قرروا العدم، وتقرير عدم الربوبية كفر، فلما قالوا: بلى، فقد خالفوا النفي، فأثبتوا الربوبية، فكانوا مطيعين موفقين بحمد الله تعالى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمن: ٣٦] فالجواب: بلى.
وقوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨].
فالجواب: بلى؛ لأن الاستفهام وقع عن ثبوت أمر، الواقع خلافه،
стр. 1685
ومخالفة الثبوت إنما تكون بـ (لا) وعلى هذا المنوال، فليكن علمك محيطا به في الكتاب والسنة ولسان العرب.
إذا تقرر هذا، ظهر أن (لا) و (نعم) إنما يكونان في التصديقات دون التصورات.
وقول القائل: " اكل الناس عندك؟ ": إستفهام دخل على قول القائل: " كل الناس عندك " و " كل الناس عندك " تصديق بالضرورة، فلما سمعته قصدت أن تعلم صدقه من كذبه، فيجاب بـ (نعم) أو (لا) إن كان كاذبا، وقول القائل: من عندك؟ استفهام عن صورة من هو الموصوف بالعندية، والوصوف بالعندية حقيقة مفردة تصورية لقول القائل: " مثل الخط الحسن " فهذه صورة لا تصديق؛ فلا يحسن فيها (نعم)؛ وإلا لعدم التصديق الذي جعلت العرب هذين جوابا له.
(فائده)
اشترك " من عندك؟ " و " كل الناس عندك " في العموم ، واختص كل واحد بخاصة خارجة عن كونه للعموم؛ من التصديق في الثاني، والتصور في الأول، والمختلفات يجوز اشتراكها في بعض اللوازم، واختلافها في بعض اللوازم؛ فلا جرم اشتركت في إفادة العموم، وامتازت بحسن الجواب بشيء في أحدهما، وتعذره في الآخر، وامتاز أيضا: بأن السؤال والطلب في " أكل الناس عندك؟ في حكم العندية، فالحكم الشامل (و) هو العندية، وهو المسئول عن صدق الخبرية، والشمول في (من عندك) - ليس باعتبار الشمول بالعندية؛ فإنها قد لا تكون وقعت في الوجود، أو وقعت لفرد وحده؛ بل الشمول والعموم باعتبار الاستفهام، اي: الاستفهام وشمل جميع المراتب التي تقبل الاتصاف بالضدية، فاعلم ذلك.
стр. 1686
(سؤال)
من شرط الواجب: أن يكون مطابقا، مساويا للمسئول عنه ، ونحن في الجواب عن الاستفهام، نقول: من في الدار؟ تقول: (زيد) ويكون زيد جوابا تاما بالإجماع؛ مع أنه ليس مساويا للعموم، ولا لبعضه، ولا قريبا منه، فكيف الجمع بين قولنا: " الصيغة للعموم "، والجواب يريد وحده مطابق جوابه.
أما أن الصيغة للعموم، فليس معناه أن الكون في الدار حصل لكل فرد من المستفهم عنه؛ بل العموم جاء من جهة أن الاستفهام شمل جميع الأفراد، التي يمكن أن تكون في الدار؛ فلما قال: من في الدار؟ فمعناه صور لي حقيقة من في الدار، واستفهامي هذا عام في جميع الأفراد الممكنة للكون في الدار؛ لا أترك أحدا منها، إلا وانا مستفهم عنه، كان في الدار أو لم يكن، فالعموم إنما جاء من جهة شمول الاستفهام، لا من جهة الكون في الدار، فقد لا يكون في الدار أحد ألبتة، ويكون الجواب: ليس فيها أحد؛ مع أن الكلام للعموم في تلك الحالة أيضا؛ فظهر مدرك العموم.
وأما صحة الجواب: يريد: إنما هو مطابق للواقع من المستفهم عنه، لا مطابق للمستفهم عنه.
قلنا: مستفهم عنه وقع فيه عموم الاستفهام، ولنا واقع من ذلك المستفهم عنه، إن كان وقع شيء من ذلك به؛ بحسب مزيد تطابق للواقع من المستفهم لا للمستفهم عنه، فافهم ذلك، فهو دقيق.
ونظيره في الأوامر: لو قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبه: ٥] فلم نجد إلا زيدا مشركا، قتلناه وحده، خرجنا به عن العهدة؛ مع أنه ليس مطابقا للعموم، ما ذلك إلا أن عموم الصيغة باعتبار شمول القتل لكل فرد فرد من المشركين، إن وجد؛ فيصدق أنه لم يبق مشرك، لا وأمر بقتله، إن
стр. 1687
وجد، فإذا لم يوجد إلا واحد، كان مطابقا للواقع مما حصل فيه العموم، لا لنفس ما حصل فيه العموم، وكما يخرج عن العهدة بقتل زيد وحده، إذا لم يوجد إلا هو من العموم، كذلك يحسن جوابنا: يريد وحده في عموم الاستفهام، إذا لم يوجد في الدار إلا هو؟ فهذا طريق الجمع بين كون الصيغة للعموم، وأفرادها غير متناهية، وكون زيد مطابقا في الجواب في الاستفهام أو الامتثال في الأمر؛ فتفطن لذلك.
(فائدة)
المستفهم عنه في قولنا: " من عندك؟ ": تصديق في نفسه بالضرورة ؛ لأن (من) مبتدأ، و (عندك) الخبر، ولا يعني بالتصديق إلا ذلك، لكن التصديق له حالتان:
تارة يكون الإسناد بين جزئيه للناطق بلفظه، وتاره يكون للمتكلم به متصورا له؛ نحو قولنا: " قول زيد: (العالم قديم) خطأ " تصورنا تصديقه، وحكمنا عليه بالخطأ، مع أن الإسناد بين جزئيه ليس لنا.
إذا تقرر هذا، فالمستفهم تصور معنى (من)، وتصور معنى قوله: (من عندك؟) وفرض إسناد أحدهما للآخر، مع تجويز أن يكون مسندا إليه في نفس الأمر، وألا يكون مسندا إليه؛ فلما تصور هذا التصديق في نفسه، طلب منك أن تصور له من اتصف بالعندية، وهو يجوز أن يقول: لم يتصف بها أحد، او اتصف بها زيد أو عمرو، وهو جاهل بجملة هذه التقارير وثبت طلبه منك عليها، فمطلوبه إنما هو التصوير، ولم يسند أحد جزئي ما سأل عنه، للآخر، نفيا ولا إثباتا؛ فلذلك لم تحسن إجابته.
***
стр. 1688
الفصل الثاني
في أن صيغة (من) و (ما) في المجازة للعموم
قال الرازي: ويدل عليه ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله: " من دخل داري، فأكرمه " لو كان مشتركا بين الخصوص والاستغراق، لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، لكنه حسن؛ فدل على عدم الاشتراك، وتقريره ما تقدم في الفصل الأول.
الوجه الثاني: أنه إذا قال: " من دخل داري، فأكرمه " حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء، والعلم بحسن ذلك من عادة أهل اللغة ضروري، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه؛ وذلك لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لابد وأن يصح دخوله تحت المستثنى منه؛ فإما ألا يعتبر مع الصحة الوجوب، أو يعتبر:
والأول باطل؛ وإلا لكان لا يبقى بين الاسثناء من الجمع المنكر؛ كقوله: (جاءني الفقهاء إلا زيدا) - فرق؛ لصحة دخول (زيد) في الخطابين، لكن الفرق معلوم بالضرورة من عادة العرب؛ فعلمنا أن الاسثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ؛ وهو المطلوب.
فإن قيل: ينتقض دليلكم بأمور ثلاثة:
стр. 1689
أحدها: جموع القله؛ كالأفعل، والأفعال، والأفعلة، والفعلة، وجمع السلامة؛ فإنه للقلة؛ بنص سيبويه، مع أنه يصح استثناء كل واحد من أفراد ذلك الجنس عنها.
وثانيها: أنه يصح أن يقال: " اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا " ومعلوم أن ذلك المستثنى لا يجب أن يكون داخلا تحت ذلك المنكر.
وثالثها: أنه يصح أن يقال: " صل إلا اليوم الفلاني " ولو كان الاسثناء يقتضي إخراج ما لولاه لدخل، لكان الأمر مقتضيا للفعل في كل الأزمنة؛ فكان الأمر يفيد الفور والتكرار، وأنتم لا تقولون بهما.
سلمنا سلامته عن النقض؛ لكن لا نسلم أن قوله: " من دخل داري، أكرمه " يحسن استثناء كل واحد من العقلاء منه؛ فإنه لا يحسن منه أن يستثنى الملائكة، والجن، واللصوص، ولا يحسن أن يقول: " غلا ملك الهند، وملك الصين ".
سلمنا حسن ذلك؛ ولكن لم يدل على العموم؟
قوله: " المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه؛ فإما أن يكون الوجوب معتبرا مع هذه الصحة، أو لا يكون "
قلنا: لا نسلم أن المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه؛ فإن استثناء الشيء من غير جنسه جائز.
سلمناه؛ لكن لم قلت: إنه لابد من الوجوب؟
قوله: " لو لم يكن الوجوب معتبرا، لما بقي فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر، وبين الاستثناء من الجمع المعرف ".
стр. 1690
قلنا: نسلم أنه لابد من فرق؛ لكن لا نسلم أن هلا فرق غلا ما ذكرتموه.
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على الوجوب؛ لكن معنا ما يدل على أن الصحة كافية؛ وبيانه من وجهين:
الأول: أن الصحة أعم من الوجوب، فيكون حمل اللفظ على الصحة حملا له على ماهو أعم فائدة.
الثاني: ان القائل، إذا قال لغيره: " أكرم جمعا من العلماء، واقتل فرقة من الكفار " حسن أن يستثني كل واحد من العلماء، والكفار؛ فيقول: " إلا فلانا، وفلانا " ولو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله فيه - لوجب أن يكون اللفظ المنكر للاستغراق.
سلمنا أن ما ذكرتموه يقتضي أن تكون صيغة (من) للعموم؛ لكن لا يجب ان يكون الأمر كذلك.
بيانه: ان الاستدلال بالمقدمتين المذكورتين على النتيجة، إنما يصح لو ثبت أنه لا تجوز المناقضة على واضع اللغة؛ إذ لو جازت المناقضة عليه، جاز أن يقال: إنهم حكموا بهاتين المقدمتين اللتين توجبان عليهم أن يحكموا بأن صيغة (من) للعموم، ولكنهم لعلهم لم يحكموا بها؛ لأنهم لم يحترزوا عن المناقضة؛ بلى، لو ثبت أن اللغات توقيفية، اندفع هذا السؤال.
سلمنا أن صحة الاستثناء من هذه الصيغ دالة على أنها للعموم؛ لكنها تدل على أنها ليست للعموم من وجه آخر؛ وذلك لأنها لو كانت للعموم، لكان الاستثناء نقضا؛ على ما يسيأتي تقريره، إن شاء الله تعالى.
стр. 1691
والجواب: أما النقض بجموع القله: فلا نسلم أنه يحسن استثناء أي عدد شئنا منه: مثلا لا يجوز أن يقول: " أكلت الأرغفة إلا ألف رغيف " وتوافقنا على أنه يجوز استثناء أي عدد شئنا من صيغة (من) في المجازاة؛ مثل أن يقول: " من دخل داري، أكرمته، إلا أهل البلدة الفلانية ".
قوله: " ينتقض بقوله: اصحب جمعا من الفقهاء إلا زيدا ".
قلنا: هب ان الاستثناء من الجمع المنكر يخرج من الكلام ما لولاه، لصح دخوله فيه؛ فلم قلت: غن في سائر الصور كذلك؟
قوله: " يلزم أن تكون صيغة الأمر للتكرار ".
قلنا: لم لا يجوز أن يكون اقتران الاستثناء بلفظ الأمر قرينة دالة على دلالة الأمر على التكرار؟
قوله: " لا يحسن استثناء الملائكة واللصوص، وملك الهند وملك الصين ".
قلنا: لان المقصود من الاستثناء خروج المستثنى من الخطاب، وقد علم من دون الاستثناء خروج هذه الأشياء من الخطاب؛ ولهذا لو لم يعلم خروجها منه، لحسن الاستثناء.
ألا ترى أنه لو كان الخطاب صادرا عن الله تعالى، لحسن منه تعالى هذا الاستثناء؛ مثل أن يقول: " إني أطعم من خلقت إلا الملائكة، وانظر بعين الرحمة إلى جميع خلقي إلا الملوك المتكبرين ".
قوله: لم قلت: إنه يجب صحة دخول المستثنى تحت المستثنى منه؟
стр. 1692
قلنا: لأن الإجماع منعقد على ذلك في استثناء الشيء من جنسه؛ فلا يتوجه جواز الاستثناء من غير الجنس.
ولأن الاستثناء مشتق من الثني، وهو: الصرف، وإنما يحتاج إلى الصرف، لو كان بحيث لولا الصارف لدخل.
قوله: " لم قلت: إنه لا فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر، ومن الجمع المعرف، غلا ما ذكرت؟ ".
قلنا: لأن الجمع المنكر هو: الذي يدل على جمع يصلح أن يتناول كل واحد من الأشخاص، فلو كان الجمع المعرف كذلك، لم يبق بين الأمرين فرق؛ وحينئذ لا يبقى بين الاستثناء من الجمعين فرق.
قوله: " حمل الاستثناء على الصحة أولى؛ لكونها أعم فائدة ".
قلنا: يعارضه أن حمله على الوجوب أولى؛ لأن الصحة جزء من الوجوب، فلو حملناه على الوجوب، لكنا قد افدنا به الصحة والوجوب معا.
ولو حملناه على الصحة وحدها، لم نفد به الوجوب أصلا، والجمع بين الدليلين بقدر الإمكان واجب.
قوله: " الاستثناء من الجمع المنكر ليس إلا لدفع الصحة ".
قلنا: هب أنه كذلك؛ فلم قلت: إن التناقض على الواضعين لا يجوز؟ ".
стр. 1693
قلنا: لأن الأصل عدم التناقض على العقلاء؛ لاسيما، وقد قرر الله تعالى ذلك الوضع.
قوله: لو كانت الصيغة للعموم، لكان الاستثناء نقضا ".
قلنا: سيجيء الجواب عنه، إن شاء الله تعالى.
فهذا أقصى ما يمكن تمحله في هذه الطريقة.
الوجه الثالث: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿إنكم وماتعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال ابن الزبعري: " لأخصمن محمدا " ثم أتى النبي ﷺ فقال: " يامحمد، أليس قد عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد عيسى؟ " فتمسك بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك؛ حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فإن قلت: السؤال كان خطأ؛ لأن (ما) لا تتناول العقلاء، قلت: لا نسلم؛ لقوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها﴾ [الشمس: ٥ - ٧] والله أعلم.
الفصل الثاني
في أن (من) و (ما) في المجازة للعموم
قال القرافي: قد تقدم، ما سبب الاحتراز بقيد المجازاة، وما يرد بسببه من الأسئلة.
قوله: " يحسن استثناء كل واحد من العقلاء ".
قلت: الاستثناء اربعة أقسام: ما لولاه لعلم دخوله؛ كالاستثناء من الأعداد؛ نحو: " له على عشرة إلا اثنين " وما لولاه لظن دخوله، وهو
стр. 1694
الاستثناء من العمومات؛ نحو " اقتلوا المشركين إلا زيدا " وما لولاه لجاز دخوله، وهو أربعة أقسام.
الاستثناء من المحال؛ نحو: " أكرم رجلا إلا زيدا وعمرا " فإن كل شخص، فهو محل لأعمه، ولا يتعين اندراجه فيه، ولا يظن.
وكذلك الاستثناء من الأزمنة، نحو: " صل إلا عند الزوال " ومن الأمكنة؛ نحو: " صل إلا عند المزبلة " ومن الأحوال؛ كقوله تعالى: ﴿لتأتثني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦].
وهذه الأربعة كلها ليس فيها إلا الجواز بغير ظن، وما لولاه لامتنع دخوله، وهو الاستثناء المنقطع؛ نحو: " رأيت إخوتك إلا ثوبا " فانقطع تقدم اندراج الثوب في الإخوة، وإذا كان الاستثناء أعم من كل واحد من هذه الأقسام الاربعة، امتنع الاستدلال به على الوجوب؛ فإن الخصم لا يعتقد فيه إلا الجواز في هذه الصورة.
قوله: " الفرق بين الاستثناء من المعرف والمنكر معلوم بالضرورة ".
قلنا: هذه الضرورة ليست في ذهن الخصم، بل الكل عنده سواء، سلمناه؛ لكن لم لا يجوز رجوع الفرق إلى قوه القرب؟ فإن الجائز على الشيء قد يكون في غاية البعد عنه؛ كالتعبير بالشيء عن لوازمه البعيدة، وقد يكون في غاية القرب؛ كالتعبير بالشيء عن اللوازم القيبة، فليس التعبير بالجزء عن الكل، كالتعبير بالكل عن الجزء؛ بل الثاني أقوى، وكذلك السبب أقرب في التعبير به عن المسبب من العكس، وهو كثير في اللغة.
قوله: " ينتقض دليلكم بجموع القلة، فإنه يصح استثناء كل واحد من أفراد ذلك الجنس عنها ".
стр. 1695
تقريره: أن جموع القلة العشرة فما دونها لغة، وغنما تستعمل فيما زاد على ذلك مجازا، مع أنه يصح أن يقال: " رأيت المسلمين إلا زيدا وعمرا وخالدا، وهلم جرا إلى مائة، والعشرة " لا يجوز أن يخرج منها مائة مع أنه استثناء من الجنس، فلو أنه عبارة عما لولاه لوجب دخول المائة في العشرة؛ وهو محال.
وجوابه: ان جموع القلة إن أخذوها معرفة، فهي عندنا للعموم لا للعشرة، وغنما نقول: للتكثير حال القلة فقط، وإن أخذوها نكرة، فلا يلزم النقض؛ لأنا إنما ادعينا العموم ووجوب الاندراج في المستثنى - في المعرفة، ومن شرط النقض وجود غير ما ادعاه المستدل؛ فظهر أنه على التقديرين لا يلزم النقض.
قوله: " يصح ان يقال: اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا ".
قلنا: هذه مسالة اختلف النحاة فيها، فمنعها الشلوبين، وابو عمرو بن الحاجب وجماعة؛ وقالوا: لا يجوز الاستثناء من الجمع إذا كان معرفا، وجعلوا قوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] من هذا الباب.
وقالوا: إنما وجب الرفع في اسم (الله) لأنه استثنى من (آلهة) الذي هو جمع منكر، فلما تعدد الاستثناء، تعين أن يرفع على الصفة؛ فلذلك كان استثناء من موجب، وهو مرفوع.
ونص صاحب (التنقيحات) وغيره على جوازه؛ فللخصم أن يمنع على أحد القولين.
قوله: " الاستدلال بالمقدمتين المذكورتين، إنما يصح أن لو امتنعت المناقضة على الواضع ".
стр. 1696
تقريره: أنه نقل عن العرب مقدمتين:
إحداهما: أنه يدخل في صيغة العموم
وثانيهما: أن الاستثناء عبارة عما لولاه، لوجب اندراجه، فقال السائل: لعل الواضع بعده، إن نقل عنه، غير وضعه؛ فجعل الاستثناء لا يدخل في صيغة العموم، وجعل الاستثناء عبارة عما لولاه، لامتنع فيما يتم؛ لأنهم يبنونه على أمور منسوخة، والبناء على المنسوخ باطل.
وجوابه: أن الأصل عدم الرجوع.
قوله: " لو ثبت أن اللغات توقيفية، امتنع ذلك ".
قلنا: لا نسلم أنه يمتنع؛ لأن الله سبحانة وتعالى إذا جاز عليه نسخ الشرائع والأحكام المتضمنة للمصالح العظيمة، ونقلها إلى أضدادها، جاز عليه نقل الأسماء والألفاظ عن موضوعاتها، لا سيما ووضع اللفظ المعين للمعنى ليس بينهما مناسبة، بل بمجرد الإرادة.
وأما في الأحكام: والإرادة والمصالح الكلية، فليس ذلك بمستحيل على الله تعالى، بل تجويزه على الله تعالى أقرب؛ لأن الله تعالى لا يقبح من فعله شيء في مادة الإمكان، واليسير يقبح منه عادة يبطل شيئا لغير غرض صحيح.
قوله: " لو كانت للعموم، لكان الاستثناء نقضا ".
تقريره: أن النقض عبارة عن وجود الدليل بدون المدلول، أو العلة بدون المعلول، أو الحد بدون المحدود، والألفاظ اللغوية كلها أدلة على مسمياتها، فإذا استثنى من صيغة العموم، يكون الدال على العموم قد وجد، وهو صيغة العموم، ولم يوجد العموم؛ لأنه ابطل بعضه بالاستثناء، فقد وجد الدليل بدون المدلول، وهو حقيقة البعض
стр. 1697
قوله: " لا نسلم أنه يجوز استثناء أي عدد كان من جموع القلة؛ فلا يجوز أن يقال: أكلت الأرغفة إلا ألف رغيف ".
قلنا: هذا جائز على مذهبكم؛ لأن جموع القلة إذا تعرفت، صارت للعموم.
ويجوز استثناء أي عدد كان من صيغة العموم، وكل من قال: بأن اللام للعموم، جوز ذلك؛ فلا معنى لهذا المنع، بل لو أورد هذا الخصم بصيغة التنكير، أمكن اتجاه المنع مع ان فيه نظرا؛ لأنه إذا قال: " أكلت أرغفة إلا هذا الألف رغيف " صح؛ لأن قوله: (أرغفة): مدلوله لفظ كلي يتناول اثنين أو ثلاثة من الأرغفة بدلالته، ويصلح لغة للعشرة فما دونها، ولا يدل عليها، وعلى كل تقدير، فهذا المفهوم الكلي يصح أن يعين في هذه الألف وفي غيرها، فهذا الألف من بعض محالها، واستثناء بعض المحال من الكل قد تقدم الخلاف فيه؛ فإنه كالاستثناء عن التكرار حرفا بحرف، وهو أحد الأقسام الأربعة المذكورة في أقسام الاستثناء الذي هو عبارة: عما لولاه لجاز دخوله، هذا إذا قال: إلا هذه الألف رغيف.
وكذلك إذا قال: " إلا هذا الرغيف، وهذا الرغيف " ويكرر ذلك حتى يكمل ألف رغيف، فإنه يجوز على القول بجواز الاستثناء عن النكرات؛ لأن هذه الأفراد كلها محال لذلك الأمر الكلي والجزئي، فهو محل لأعمه، نعم إذا تكرر وقال: " أرغفة إلا ألفا " فهذا يمتنع بشرط أن يكون استعمل اللفظ في حقيقته، وهو ما دون العشرة؛ لأنه يصير معناه: " أكلت عشرة أو أقل إلا ألفا " وهذا ممتنع إجماعا؛ لأن استثناء أكثر من المدلول المساوي ممتنع إجماعا، فالأكثر أولى بالمنع، أما إن استعمل اللفظ في مجازه، وهو جمع الكثرة، جاز أن يستثنى ألفا وأكثر؛ لأن الذي استعمل اللفظ فيمن يصلح
стр. 1698
لذلك: فإن جهل الحال، كان الاحتمال قائما؛ لأجل احتمال التجوز إلى جمع الكثرة، ولا يتعين المنع، فظهر أن المنع غير متجه مطلقا.
قوله: " لم لا يجوز أن يكون اقتران الاستثناء بصيغة الأمر قرينة دلالة الأمر على التكرار؟ ".
قلنا: الدلالة: فهم المعنى من اللفظ، وإذا لم يكن اللفظ موضوعا للتكرار لا يدل عليه، وإن احتفت به القرائن، غير أن القرينة إن اقتضت التكرار مع الصيغة، يكون الدال هو المجموع المركب من اللفظ والقرينة.
وأما الاستثناء فليس قرينة دالة على التكرار؛ لأن التكرار إثبات، والاستثناء نفي؛ لأنه يقتضي الإخراج، نعم: مقتضى الإخراج أن المتكلم أراد بالأمر التكرار، فهو دال على الإرادة، لا على الدلالة.
قوله: " إنما لم يحسن استثناء الملوك من الداخلين للدار؛ لأنهم قد علم خروجهم ".
يريد: بقرينة العادة؛ فإن القائل إذا قال: " من دخل داري، فأعطه درهما " يعلم بالعادة أنه لم يرد الملوك ونحوهم.
قوله: " الاستثناء مشتق من (الثنى) وهو: الصرف، وإنما يحتاج للصرف إذا كان يندرج ".
قلنا: أما قولكم: (الصرف) فليس مشتقا منه؛ لأن من شرط الاشتقاق استواء الصيغتين في الحروف الأصلية.
وأما قولكم: " إنما يصح إذا كان يتعين دخوله ".
فنقول: لم لا يكفي خروجه من الجواز؛ فبعده لا يجوز المراد به.
قوله: " الجمع المنكر: هو الذي يدل على جمع يصلح أن يتناول كل واحد من الأشخاص ".
стр. 1699
تقريره: أن قولنا: (رجال) يدل على ثلاثة رجال يصلح أن يدخل في هذه الثلاثة كل فرد فرد من الرجال على البدل، لا على الجمع؛ كالمطلقات كلها.
قوله: " فلو كان المعرف كذلك، لم يبق بين المنكر والمعرف فرق ".
قلنا: قد تقدم بيان الفرق بينهما؛ على تقدير عدم العموم.
قوله: " الصحة جزء من الوجوب ".
تقريره: أن كل ما وجب وتعين دخوله في الوجود، جاز دخوله في الوجود، إذا فسرنا الجواز بالإمكان العام، وقد تقدم الفرق بين الإمكان العام والخاص، في تفسير الحسن أول الكتاب، وكذلك في الشرعيات: كل ما وجب فعله، جاز الإقدام عليه.
أما الجواز المفسر بالإمكان الخاص، فلا يتعين، فتأمله هنالك؛ لأن في تكريره طولا، والإمكان العام هو المراد هاهنا، غير أن قوله (جزء) لا يتعين صحته؛ لاحتمال أن يقال: نحن نسلم أنه يلزم من صدق الوجوب صدق الجواز، لكن صدق الشيء مع الشيء أعم من كونه جزءه أو لازمه؛ فلم قلتم: إن الجواز جزء؟ فلم لا يجوز أن يكون لازما؟
ومقصود المصنف حاصل على التقديرين، غير أن المناقشة في العبارة.
قوله: " فلو جعلناه للصحة وحدها، لم يفد الوجوب أصلا ".
تقريره: أن الكل دال على الجزء أو اللازم؛ لأنه يدل على الأول تضمنا، وعلى الثاني التزاما، والدال على الجزء واللازم لا يدل على الكل ولا اللزوم؛ لأن الجزء (و) اللازم قد يكونا أعم؛ كالخمسة مع العشرة؛ لوجودها معها وبدونها، وقد يكون مساويا؛ كالناطق مع الإنسان، وكل
стр. 1700
فصل مع نوعه، واللازم قد يكون أعم؛ كالزوجية مع العشرة، وقد يكون مساويا كالناطق مع الإنسان، والأعم لا يستلزم الأخص، وكل واحد منهما أعم من كونه أعم؛ فلا يدري السامع من أي السبيلين هو؛ فلا يحصل له الفهم.
قوله: " والجمع بين الدليلين بقدر الإمكان واجب ".
تقريره: أن الدليل، إذا دل على أنه للصحة، ودل دليل آخر على أنه للوجوب، فإذا جعلناه للوجوب، كان دالا على الامرين؛ لاستلزام الوجوب الصحة، فقد علمنا بالدليلين مع أنه قد تقدم أن الاستثناء أربعة أقسام، آخرها الصحة وحدها، وهي أربعة أقسام.
قوله: " الأصل في عدم التناقض، لاسيما وقد قرر الله تعالى ذلك الوضع ".
تقريره: أن الله تعالى وضع الكتاب العزيز وأنه عربي، وورد فيه الاستثناء عن الجموع في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [المائدة: ٣٤] وورود بوجوب ما لم يرد فيه استثناء مع قوبله؛ كما في قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥] فكل فريق من المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ اتفاقا مع صحة استثنائه، وإذا ورد الكتاب العزيز بذلك الوضع، كان تقريرا له.
قوله: " سيجيء الجواب عن كون الاستثناء نقضا ".
قلنا: ليس له بعد هذا، إلا أن الاستثناء مع المستثنى منه؛ كاللفظة الواحدة الموضوعة لما بقى بعد الاستثناء.
فإذا قلت: " له عندي عشرة إلا اثنين " نقول: للثمانية عبارتان: ثمانية، وعشرة إلا اثنين؛ ولذلك صرح به الحنفية في كتبهم، وقالوا: " الاستثناء
стр. 1701
تكلم بالباقي بعد الثنا " ومرادهم ما ذكرته، وإذا كانت هذه عبارة أخرى للثمانية، أو لما بقى من العموم بعد الاستثناء، لا يكون الدال على العموم وجد بدون العموم، بل الموجود هاهنا صيغة أخرى غير صيغة العموم، وهي الصيغة المركبة من صيغة العموم، ومن الاستثناء، وهذا فيه تكليف وتوسع.
والظاهر: أن الاستثناء تعارض بصيغة العموم في صورة الاستثناء، والمجموع ليس صيغة واحدة؛ وهذا هو الذي ينبغي الجزم به.
(فائدة)
الزبعري بكسر الزاي المنقوطة والباء المنقوطة من تحتها؛ فهما لغتان: الكسر والفتح، نقلهما المحدثون في الكتب الموضوعة للمتحدث على أسماء الرجال، وهو مقصور الألف، مشدد الزاي المعجمة، بتسكين العين المهملة.
قوله: (ما) هاهنا مصدرية، تقديره: والسماء وبنائها، وهو متجه؛ غير الأخير، فإن الضمير في قوله تعالى: ﴿فألهمها﴾ [الشمس: ٨] يعود على ما في قوله: ﴿وما سواها﴾ [الشمس: ٧] وليس ثم ما يصلح أن يعود عليه الضمير غيره، والضمائر لا تعود على الحروف، و (ما) المصدرية حرف لا يصلح لعود الضمير؛ فينبغي أن تكون (ما) بمعنى الذي، عبر بها عمن يعلم حتى يعود عليها الضمير، وقد نقل عن بعض النحاة عود الضمير على (ما) المصدرية، وهو بعيد، وقد تقدم أن
стр. 1702
(ما) يعبر بها عن نوع من يعقل، وصفة من يعقل، دون شخص من يعقل، ففي الآية عبر بها عن نوع المعبود من العقلاء وغيرهم، والاستدلال بالآية على أن (ما) للعموم من وجوه:
من جهة أن (ابن الزبعري) عربي، وقد اعتقد أن الحجة تقوم له بعمومها، ومن جهة أن رسول الله ﷺ أقره على ذلك، ورسول الله ﷺ لا يقر على إظهار الحجة على الله تعالى في كتابه، وإفحام إساءة مع قدرته على الجواب عن ذلك.
الثالث: نزول الآية الأخرى مبينة في قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] وهي جارية مجرى التخصيص، فلو لم تكن الآية الأولى دالة على العموم، لا ستغنى عن الثانية، ويمكن أن يقال: إن الآية الأولى ليست للعموم، لكن لها صلاحية العموم، كما يقول الواقفية، وإذا كان لها صلاحية إرادة الملائكة والمسيح، فيرد السؤال باعتبار أن اللفظ صالح لهم؛ فلم لا يبين خروجهم؛ نفيا للإبهام مع الصلاحية؟
فنزلت الآية الثانية مزيلة للوهم الحاصل من الأول، ويكون سكوت رسول الله ﷺ لاعترافه بالصلاحية لا بالعموم، لاسيما والشافعي ﵀ يقول: ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقام، وفي الآية الأولى: لم يحصل التفصيل؛ فقام ذلك مقام العموم؛ فورد السؤال، لا لأن الصيغة للعموم.
(تنبيه)
زاد سراج الدين في الجواب؛ فقال: " قوله: اقترن الاستثناء بالأمر قرينة دالة على أن الأمر للتكرار " فقال: لقائل أن يقول: النقض استثناء الأفراد من جموع القلة، ولو أفاد الجموع في غير الجمع المنكر، لزم الاشتراك
стр. 1703
والمجاز، ولو دل الأمر على غير موضعه لقرينة؛ لزم المجاز، كيف؛ وصحة الاستثناء لا توجب وجوده؟
وزاد التبريزي، قال: دليل العموم في هذه المواضع أربعة:
سقوط الاعتراض عن الجاري على العموم، وتوجهه على النازل للجزئي على العموم، ودخول الاستثناء، وورود النقض عليها، ولا خلاف في شيء منها بين أهل اللسان، وإن توهم متوهم أن ذلك بالقرائن، فرضنا صورا فيها عدم القرائن؛ كالأعمى والغائب، والقرائن في أمور مبهمة لا تتضمن مناسبة لحروف الهجاء وأمثالها، ومن سمع شخصا يقول: " اعتقت كل رقيق لي " ومات، ولم يطلع منه إلا على هذه اللفظة، جاز له أن يتزوج بإمائه، وأكد ذلك الاستعمال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [الأنعام: ٩١] نقضا لقول من قال: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١].
وكما قال لبيد (الطويل):
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
стр. 1704
فقال له عثمان بن مظعون: " كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول " فنادى لبيد، ولو لم يكون لفظ الكل للعموم لم ينتظم تكذيبه.
***
стр. 1705
الفصل الثالث
في أن صيغة (الكل) و (الجميع) تفيدان الاستغراق
ويدل عليه وجوه:
الأول: أن قوله: " جاءني كل فقيه في البلد " يناقضه قوله: " ما جاءني كل فقيه في البلد " ولذلك يستعمل كل واحد منهما في تكذيب الآخر، والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق؛ لأن النفي عن البعض لا يتناقض الثبوت في البعض.
الثاني: أن صيغة (الكل) مقابلة في اللفظ لصيغة (البعض) ولولا أن صيغة الكل غير محتملة للبعض؛ وإا لما كانت مقابلة لها.
الثالث: أن الرجل، إا قال: " ضربت كل من في الدار " وعلم أن في الدار عشرة، ولم يعرف سوى هذه اللفظة، أعنى: أنه لم يعرف أن في الدار أباه وغيره ممن يغلب على الظن أنه لا يضربه، بل جوز أن يضربهم كلهم؛ فإن الأسبق إلى الفهم الاستغراق؛ ولو كانت لفظة (الكل) مشتركة بين (الكل) و (البعض) لما كان كذلك؛ لأن اللفظ المشترك، لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية، امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر.
الرابع: أن يتمسك بسقوط الاعتراض عن المطيع، وتوجهه على العاصي.
أما الأول: فهو: أن السيد إذا قال لعبده: " كل من دخل اليوم داري، فأعطه رغيفا " فلو أعطى كل داخل؛ لم يكن للسيد أن يعترض عليه؛ حتى إنه لو أعطى
стр. 1706
رجلا قصيرا، فقال له: لم أعطيته، مع أني أردت الطوال؟ فللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال، وإنما أمرتني بإعطاء من دخل، وهذا قد دخل.
وكل عاقل سمع هذا الكلام، رأى اعتراض السيد ساقطا، وعذر العبد متوجها.
وأما الثاني: فهو: أن العبد لو أعطى الكل إلا واحدا، فقال له السيد: " لم لم تعطه؟ " فقال: " لأنه طويل، وكان لفظك عاما، فقلت: لعلك أردت القصار " استوجب التأديب بهذا الكلام.
الخامس: إذا قال: " أعتقت كل عبيدي وإمائي " ومات في الحال ن ولم يعلم منه أمر آخر سوى هذه الألفاظ حكم بعتق كل عبيده وإمائه.
ولو قال: (غانم حر) وله عبدان اسمهماغانم، وجبت المراجعة، والاستفهام؛ فعلمنا عدم الاشتراك.
السادس: أنا ندرك تفرقة بين قولنا: (جاءني فقهاء) وبين قولنا: (جاءني كل الفقهاء) ولولا دلالة الثاني على الاستغراق، وإلا لما بقى الفرق.
السابع: معلوم أن أهل اللغة، إذا أرادوا التعبير عن معنى الاستغراق، فزعوا إلى استعمال لفظة (الكل) و (الجميع) ولا يستعملون الجموع المنكرة، ولولا أن لفظة (الكل) و (الجميع) موضوعة للاستغراق، وإلا لكان استعمالهم هاتين اللفظتين عند إرادة الاستغراق، كاستعمالهم للجموع المنكرة.
فإن قلت في جميع هذه المواضع: إنما حكمنا بالعموم؛ للقرينة، قلت: كل ما تفرضونه من القرائن أمكننا فرض عدمه مع بقاء الأحكام المذكورة.
стр. 1707
وأيضا: لو قيل: كل من قال لك (جيم) فقل له: (دال)، فهاهنا لا قرينة تدل على هذه الأحكام، مع أن العموم مفهوم منه.
وأيضا: الأعمى يفهم العموم من هذه الألفاظ، مع أنه لا يعرف القرائن المبصرة، وأما المسموعة فهي منفية؛ لأنا فرضنا الكلام فيمن سمع هذه الألفاظ، ولم يسمع شيئا آخر.
الثامن: لما سمع عثمان ﵁ قول لبيد (الطويل):
: وكل نعيم لا محالة زائل "
قال: كذبت؛ فإن نعيم الجنة لا يزول، فلولا أن قوله أفاد العموم، وإلا لما توجه عليه التكذيب، والله أعلم.
الفصل الثالث
(كل) و (جميع) للعموم
قال القرافي: قوله: " جاءني كل فقيه ... ، ولذلك استعمل كل واحد منهما لتكذيب الآخر ".
تقريره: أن هذا مبني على قاعدة، وهي أن القضايا المحصورة المشهورة أربعة أقسام:
موجبة كلية، وسالبة كلية، موجبة جزئية، وسالبة جزئية، فالكلية لا تناقضها الكلية؛ لأن قولنا: " كل عدد زوج، لا شيء من العدد بزوج " كاذبتان، والنقيضان لا يكذبان معا، وإذا كانت الكليتان لا تتناقضان،
стр. 1708
فالجزئيتان أيضا لا تتناقضان؛ فإن قولنا: " بعض العدد زوج، بعض العدد ليس بزوج " صادقتان، والنقيضان لا يجتمعان، ولا يرتفعان؛ فتعين أن الذي يناقض الكلية إنما هو الجزئية، إذا اختلفتا في السلب والإيجاب، والشروط الثانية المذكورة في علم المنطق.
إذا تقرر هذا، فقولنا: " جاءني كل فقيه " موجبة كلية، و " ما جاءني كل فقيه " جزئية سالبة؛ لأن سلب الكلية يكفي فيهما السالبة الجزئية، فمن قال: " كل حيوان إنسان " وأردت تكذيبه في الكلية، قلت له: " ليس كل حيوان إنسانا " وأنت لا تريد السالبة الكلية، بل الجزئية، فعلمنا أن قولنا: " ليس كل حيوان " إنسانا سالبة جزئية، كذلك " ما جاءني كل فقيه " سالبة جزئية.
فإذا ثبت التناقض بين قولنا: " جاءني كل فقيه " و " ما جاءني كل فقيه " والثانية سالبة جزئية، لزم أن تكون الأولى موجبة كلية، وهذا هو العموم.
وإذا تقرر ذلك في العرف، وجب أن يكون ذلك في اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغير.
ويرد عليه: " إن جاءني كل فقيه " فعند الخصم مطلق لا عام، والمطلق، إذا دخل عليه حرف النفي، صار سالبة كلية، فتناقض " جاءني كل فقيه "؛ لأنه عنده موجبة جزئية، فتحقق التناقض، ولكن يعكس مقصود المصنف، فيتلخص للسائل القول في الوجوب؛ فسلم التناقض، ولا يثبت الإيجاب الكلي الذي قصده المستدل، بل بالإيجاب الجزئي؛ وهو الإطلاق.
قوله: " صيغة الكل مقابلة لصيغة البعض، ولولا أن صيغة الكل غير محتمله للبعض لما كانت مقابلة لها " عبارة غير متجهة، فإن الكلية مستلزمة للجزئية؛ بالضرورة، ولفظها دال عليها؛ إجماعا، فكيف ينفى عنها
стр. 1709
احتمالها، بل وقوعها لازم لها، بل العبارة المتجهة أن يقولوا: لو كان لفظ الكلية مختصا بالبعض، لما كان يقابله؛ لأن البعض في السلب لا يقابل البعض في الثبوت؛ كما تقدم.
(سؤال)
قال سراج الدين: " يكفي في التناقض بينهما دلالتهما على شيء واحد ".
يريد أنه يكون مدلول " ما جاءني كل فقيه " سالبة جزئية، وم " جاءني كل فقيه " جزئية، وتكون تلك المحال المحكوم عليها بالسلب نفي المحكوم عليها بالثبوت؛ فيتناقض؛ كما إذا قلنا: " زيد قائم، زيد ليس بقائم " فإن أحدهما يستعمل لتكذيب الآخر في العرف؛ مع اتحاد المدلول في السلب والإيجاب؛ فهاهنا كذلك.
جوابه: أن المحل في زيد وشبهه يتعين بسبق التناقض لفهم السامع.
أما الثبوت في بعض غير معين، والسلب في بعض غير معين التعين للتنقاض، لا لغه، ولا عرفا، ولا عقلا.
فأما إذا قلنا: " بعض إخواتك في الدار، بعضهم ليس في الدار " لا يفهم أحد التناقض؛ فيبطل صحة الاستدلال لصحة التناقض على العموم.
***
стр. 1710
الفصل الرابع
النكرة في سياق النفي تعم
قال القرافي: هذه الدعوى ما رأيت أحدا من الأصوليين، ولا من الأدباء يخصصها، مع انها مخصوصة بإجماعهم، ولم يقع تخصيصها بشيء قليل، بل بكثير من الصور.
بيان ذلك أن سيبويه وابن السيد البطليوسي وغيرهما نصوا على أن النكرة في سياق النفي مع (لا) إذا وقعت، لا تعم؛ كقولنا: " لا رجل في الدار " بالرفع، قالوا: بل لك أن تقول: " بل اثنان " فإنك غذا نفيت الرجل بوصف الوحدة، فلك إثباته بوصف الكثرة.
وقال: هي جواب لمن قال: هل رجل واحد في الدار؟ سلب له: " لا رجل في الدار " أي: ليس فيها رجل واحد، بل كثير.
وإذا قلت: " لا رجل في الدار " بلفظ البناء على الفتح، فهي تعم؛ لأنها جواب لمن قال: هل من رجل في الدار؟ فسأل عن مطلق الرجل، فقلت: " لا رجل في الدار " أي: " ليس من [له] هذا المفهوم في الدار "، فلا يكون فيها رجل، وإلا لما صدق نفي المطلق من الدار.
قالوا: ولذلك بقيت هذه دون تلك؛ لأن الأصل أن تقول: لا من رجل في الدار، فتدخل (لا) في كلامك على (من) التي في كلامه؛ لأنك تقصد نفيه على وجهه، فلما حذفت (من) بخلاف (لا رجل) بالرفع ليس فيها (من) فلم يتضمن المنفي، فلم تبن، فهذه صورة تحت تخصيص الدعوى.
стр. 1711
(الصورة الثانية)
سلب الحكم عن العمومات
فإذا قلنا: " ليس كل عدد زوجا " و " ليس كل حيوان إنسانا " ليس مقصودنا القضاء بسلب الزوجية عن كل فرد من أفراد العدد؛ فإن ذلك كذب قطعا، فإن كثيرا من العدد زوج، وكثير من الحيوان إنسان، بل نحن ننكر ذلك على القائل: " كل عدد زوج، وكل حيوان إنسان " فلما رأينا كلامه كلية كاذبة، سلبنا الحكم عن الكلية؛ فقلنا: ليست الكلية كذلك، بل بعضها ليس كذلك؛ ففي التحقيق: كلامنا سالبة جزئية، لا سالبة كلية، مع أنه نكرة في سياق النفي، لأن كلا نكرة، وقد أضيف إلى نكرة، والمضاف إلى النكرة نكرة، فهي نكرة في سياق النفي، ولم تعم؛ لأنه سلب للحكم عن المعمومات، لا حكم بالسلب على العمومات، وبينهما فرق عظيم، وإنما يحصل العموم في الثاني، دون الأول، إذا حكمت بالسلب على كل فرد؛ فيحكم بالسلب على الكلية، فيحصل العموم؛ بخلاف الأول؛ لا طرد الحكم في الكلية؛ فيكفي في ذلك صدق السلب في فرد واحد.
(والصورة الثانية)
النكرات الخاصة؛ فإن النكرات بعضها أخص من بعض؛ فإن اسم كل [نكرة نوع]، وهو أخص من اسم جنسه، والآخر نكرة؛ كلفظ إنسان مع لفظ حيوان.
قال الزمخشري في " الكشاف " في قوله تعالى: ﴿ما لكم من
стр. 1712
إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩]: إن العموم إنما استفيد من لفظ: (من) ولو قال: " مالكم إله غيره " لم يعمم، مع أن لفظ (إله) نكرة، وقد حكم بأنه لا يعمم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ [الأنعام: ٤] قال: العموم إنما استفيد من لفظ (من) لا من لفظ آيات في سياق النفي.
وقال: إن لفظ (من) يكون لإفادة العموم؛ نحو ما تقدم.
وتارة يفيد العموم كقولك: ما جاءني من أحد.
قال الجرجاني في أول " شرح الإيضاح ": إن الحرف قد يكون زائدا من جهة العمل، لا من جهة المعنى؛ كقولك: " ما جاءني من رجل " فإنك لو قلت: " ما جاءني رجل " لم تعم، فأفادتنا لفظة (من) العموم، فهي غير زائدة في المعنى، وفي التعبد به لا يحتاج لها.
فلو قلت: " جاءني رجل " صح؛ لأن الرجل فاعل بـ (جاء) وهو يتعدى إليه بنفسه، فهي زائدة من وجه دون وجه، وجماعة من النحاة رأيت ذلك لهم مسطورا: أن هذه النكرات الخاصة لا تفيد العموم، وإنما يحصل العموم فيها بـ (من) إذا دخلت عليها، بخلاف النكرات العامة؛ نحو: " ما جاءني من أحد، وما عندي من شيء " فلو حذفت (من) في هذا المثل، لكانت الصيغة للعموم.
وقد نقل ابن السكيت في (إصلاح المنطق)، والكلام في (المنتخب).
стр. 1713
في اللغة، هذه الصيغ العامة التي تقتضي العموم في النفي؛ نحو نيف وعشرين صيغة، وهي: ما بها أحد ولا وابر، ولا صافر، ولا غريب، ولا كتيع، ولا دبي من دبيب ولا ذبيح، ولا نافخ ضرمة، ولا ديار، ولا طوري، ولا دوري، ولا تؤمري، ولا لاعي قرو، ولا ارم، ولا داع، ولا مجيب، ولا معرب، ولا أنيس ولا ناهق، ولا ناخر، ولا نابح، ولا ثاغ، ولا راغ، ولا دعوى [ولا شفر، ولا صوت].
وينبغي أن يلحق بهذه شيء، وموجود، ومعلوم، وما هو في هذا العموم من المعاني؛ غير أنه لم يذكره.
وزاد ابن الكراع على ابن السكيت " ما بها طورى " أي: ما بها أحد يطوي ولا بها وطوثي وما بها زابن ولا أريم، ولا تأمور، أي دماه، ولا عاين، ولا عائن، ومالي منه بد.
قلت: " أحد " ليس هو واحد العدد، بل هذا للجنس، وذاك ينبني منه مراتب الأعداد، وهو بالواو، فإن نطق بالألف فهي بدل عن الواو.
وقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو الذي من العدد، والوابر مثل لابن وابر، أي: صاحب وبر، وصافر: اسم فاعل من الصفير، وعريب: فعيل بمعنى فاعل، أي: معرب عما في نفسه، وكتيع: من التكتع الذي هو الاجتماع، ومنه تكتع الجلد، غذا ألقيته في النار، ومنه في أسماء التأكيد، الثغور، فهو فعيل بمعنى فاعل، والذبيح: المتلون، والضرمة: النار توقد، وديار: منسوب إلى الدار؛ كخطاب وملامح، وكل ذي حرفة ينسب بهذه الصيغة.
стр. 1714
والطورى: منسوب إلى الطور الذي هو الجبل، والتومري: منسوب إلى التامور، وهو دم القلب، ولاعي قرو.
قال الجوهري في (الصحاح): معناه: لا حس عسا من قدح، والقرو والعس: القدح، والأرم: الساكن أو الهالك، واللاعي: البعير، والدعوى من الدعوة للطعام، والأريم مثل الأرم، وعاين: صاحب عين، واليد: الانفكاك، فهذه هي الصيغ التي وجدتها، منقولة تستعمل في النفي العام، وينبغي أن يلحق بها ما في معناها من شيء، أو مخلوق، أو معلوم، أو موجود، ونحو ذلك، ولك في هذه الألفاظ المنقولة طريقان:
أحدهما: أن تقول: الموصوف محذوف الجميع، تقديره: ما بها أحد وابر ولا صافر إلى آخرها؛ فيكون العموم جاء من الموصوف المحذوف العام؛ لا من الصفة الخاصة؛ فإن الخاص لا يعم.
وثانيهما: أنه لا يلزم الحذف، بل المجاز، ونقول: عين في الجميع لفظ الخاص عن العام مجازا، واللفظ خاص، والمراد به أحد ونحوه. فهذا تلخيص هذه الألفاظ التي تقتضي العموم، وما عدا هذه بمقتضى هذه النقول لا تكون للعموم، وهو كثير جدا أكثر من أن يحصى، فكيف الحيلة في ضبط هذه الدعوى مع هذه التخصيصات التي دخلتها، وكلها نكرات في سياق النفي، بل ينبغي أن نقول هاهنا كما قال النحاة في النسب والتصغير: هو على قسمين؛ مقيس، ومسموع؛ هاهنا أيضا النكرة في سياق النفي قسمان:
مقيس، ومسموع:
فالمقيس المطرد: النكرة في النفي مع (لا) التي لنفي الجنس مبنية؛ نحو: " لا رجل في الدار " ومعربة منصوبة؛ نحو: " لا سائق إبل لك، ولا ثالم
стр. 1715
عرض لك " والمسموع: ما عدا ذلك، وهو هذه الكلمات المحفوظة عن اللغويين؛ تحفظ ولا يقاس عليها، إلا ما أشاروا إليه من نحو شيء، وموجود، ونحو ذلك من الأجناس العامة، وبعرض عن كل ما هو أخص منها، فتكون الدعوى على هذه الصورة لا تعم، وتطلق في موضوع التفصيل؛ لا سيما مع هذا التخصيص العظيم الذي لا يليق مثله بكلام الفضلاء المحققين، لاسيما في تمهيد القواعد الكلية.
(تنبيه)
مقتضى ما قاله الزمخشري والروياني وغيرهما أن لفظة (من) تكون من صيغ العموم ، وأن العرب وضعته لإفادة العموم، كما وضعت لفظة (من) بفتح الميم، وأن (من) الشرطية تساوي (من) التي هي حرف جر - في إفادة العموم، مع أن أحدهم لم يعدها من صيغ العموم.
وأما أنا، فأضطر؛ لأجل هذه النقول أن أعدها منها؛ وكيف لا تعد منها، والنصوص متضافرة على أنها تفيد العموم وضعا في النكرات الخاصة التي تقدم ذكرها، ولا نعني بكونها للعموم لغة إلا ذلك، فتأمله؛ فإنه لا محاص منه، مع أن إمام الحرمين قال في (البرهان): إن سيبويه قال: " إذا قلت: " ما جاءني من رجل " فهي مؤكدة العموم، وإذا قلت: " ما جاءني رجل " فاللفظ عام " وهذا خلاف نقل الجماعة، وكشفت عن ذلك في (سيبويه) وسألت من هو عارف بالكتاب معرفة جيدة؛ فقال: لا أعلم سيبويه قال هذا، ولا أعلم إلا ما قاله الجرجاني وغيره: أنها ليست للعموم " وأنا أيضا ما وجدته في (سيبويه).
стр. 1716
(فائدة)
اختلف الناس في النكرة في سياق النفي ، هل عمت بذاتها، أو لنفي المشترك فيها؟
فرأيت الحنفية يقولون: إنما حصل العموم عندنا؛ لأن حرف النفي اقتضى نفي الماهية الكلية، ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص؛ فحصلت السالبة الكلية بطريق الملزوم لنفي الكل، لا أن اللفظ الموضوع في اللغة للسالبة الكلية، وظاهر كلام غيرهم من الأصوليين: يقتضي أن اللفظ وضع للقضاء بالسلب على كل فرد من أفراد الكلية، وأن سلب الكل حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية؛ كما قاله الحنفية؛ فإنه يلزم من نفي كل فرد، بحيث لا يبقى فرد نفي الأمر الكلي، ويلزم من نفي الكل صدق النفي في الكلية؛ فكل واحد منهما لازم للآخر؛ بقى أي الأمرين هو المقصود بالوضع؛ حتى يكون الآخر لازما له؟ هذا موضع التردد بين الحنفية وغيرهم.
والظاهر: أن اللفظ موضوع للسالبة الكلية، لا لسلب الكلي؛ لأنه المتبادر إلى الفهم في موارد الاستعمال، ويرد عليهم أن الاستثناء يدخل عليها؛ فعلى رأيهم: لا يكون من مسمى اللفظ؛ لأن الكلي لا يخرج منه فرد، فيكون مقطعا من لازم اللفظ، وعلى رأينا: يكون من الأفراد التي هي مدلول اللفظ، والأصل في الاستثناء أن يكون من نفس المدلول.
قوله: " لأن الإثبات الجزئي لا يناقضه السلب الجزئي ".
تقريره: أنه يرجع إلى ما تقدم في الفصل الثالث: أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان؛ فإن الكليتين يمكن ارتفاعهما؛ فيكونان ضدين لا نقيضين، والجزئيان يمكن صدقهما؛ فلا يكونان نقيضين، بل خلافين؛ فتعين التناقض بين الكلية والجزئية، وقد تقدم بسطه هناك.
стр. 1717
قوله: " لو لم تكن النكرة (في النفي) للعموم، لما كان قولنا: " لا إله إلا الله " إثباتا للإلهية الله تعالى، ولا يوجب ذلك إسلامنا؛ لأنه يكون تعطيلا حينئذ ".
قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن المقصود الشرعي حصل من هذه الصيغة بالقرائن مع اللفظ، لا باللفظ مجردا، ومن القرائن الظاهرة كون كل أحد يعلم أن المقصود الشرعي هو المقصود من هذه العبارات، وأن المطلوب إنما هو إثبات الوحدانية؛ فيمكن أن يقال ذلك الجواب هاهنا، ونقول: ليس مجرد اللفظ كافيا في نفي كل إله، بل اللفظ مع القرائن؛ لأن المقصود من جميع الخلائق على ألسة الرسل، إنما هو التوحيد، وقد اشتهر ذلك غاية الشهرة؛ فكان هذا من القرائن الدالة على أن المتكلم، إنما أراد هذا المعنى.
قوله: " النكرة في سياق الإثبات لا تعمم، إذا كانت خبرا؛ نحو: " جاءني رجل " فإن كان أمرا، فالأكثر أنها للعموم؛ كقوله: " أعتق رقبة " فإنه يخرج عن العهدة بفعل أيها كان "؟
قلنا: هذا كلام غير متجه جدا؛ لأنه إذا خرج عن العهدة بأي رقبة كانت، كان اللفظ مطلقا، وأنتم أول العموم قلتم: المطلق قسيم العام " وقسيم الشيء لا يصدق عليه، بل هذا الكلام بعينه يقتضي أنها ليست للعموم؛ لأنها لو كانت للعموم، لما خرج عن العهدة إلا بعتق رقاب الدنيا، ويجب عليه أن يعتق ما بقى آخر الدهر؛ لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] يجب قتل جميع المشركين الذين على وجه الأرض، ما بقينا آخر الدهر، فهذا يدل قطعا على أنها ليست للعموم، ثم من العجب تفريقكم بين الأمر والخبر؛ بأنه يخرج عن العهدة في الأمر بأي رقبة كانت، وكذلك يخرج عن عهدة الخبر، في صدقه بأي رجل كان؛ فلا معنى لهذا الفرق، بل الحق أن النكرة في سياق الإثبات مطلقة لا عموم فيها،
стр. 1718
[سواء] كانت خبرا أو أمرا؛ بخلاف النفي والنهي؛ كقوله تعالى: ﴿لا تفتروا على الله كذبا﴾ [طه: ٦١] فإن النهي عن الماهية الكلية نهي عن جميع جزئياتها، ونفي الماهية الكلية نفي لجميع جزئياتها.
(تنبيه)
عبر سراج الدين؛ فقال: إن كانت أمرا، أفادت عند الأكثرين الخروج عن العهدة بكل واحد ، ولنذكر العموم، فيرد عليه إنما ذكره من الخروج عن العهدة، لم يختلف فيه، فلا ينتظم.
قوله: " عند الأكثرين " هرب من إشكال، وصادف غيره.
***
стр. 1719
الفصل الرابع
في أن النكرة في سياق النفي تعم
قال ارازي: وذلك لوجهين:
الأول: أن الإنسان، إذا قال: " اليوم أكلت شيئا " فمن أراد تكذيبه، قال: " ما أكلت اليوم شيئا " فذكرهم ها النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له، ولو كان قوله: " ما أكلت اليوم شيئا " لا يقتضي العموم، لما ناقضه؛ لأن السلب الجزئي لا يتناقض الإيجاب الجزئي.
مثاله من كتاب الله: أن اليهود لما قالت: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] قال تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾، [الأنعام: ٩١] وإنما أورد الله تعالى هذا الكلام نقضا لقولهم.
الثاني: لو لم تكن النكرة في النفي للعموم، لما كان قولنا: " لا إله إلا الله " نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
(تنبيه)
النكرة في الإثبات، إذا كانت خبرا، لا تقتضي العموم ؛ كقولك: " جاءني رجل " وإذا كان أمرا، فالأكثرون على أنه للعموم؛ كقوله: " أعتق رقبة " والدليل عليه: أنه يخرج من عهدة الأمر بفعل أيها كان؛ ولولا أنها للعموم، وإا لما كان كذلك.
стр. 1720
الفصل الخامس
في شبه منكري العموم
احتجوا بأمور:
أولها: العلم بكون هذه الصيغ موضوعة للعموم: إما أن يكون ضروريا؛ وهو باطل، وإلا وجب اشتراك العقلاء فيه.
أو نظريا؛ وحينئذ لابد فيه من دليل، وذلك الدليل: إما أن يكون عقليا؛ وهو محال؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات.
أو نقليا، وهو إما أن يكون متواترا، أو آحادا؛ والمتواتر باطل، وإلا لعرفه الكل، والآحاد باطل؛ لأنه لا يفيد إلا الظن؛ والمسألة علمية.
وثانيها: أن هذه الألفاظ مستعملة في الاستغراق تارة، وفي الخصوص أخرى، وذلك يدل على الاشتراك:
بيان المقدمة الأولى: أن القائل إذا قال: " من دخل داري، أهنته، أو أكرمته " فإنه قلما يريد به العموم، وإذا قال: " لقيت العلماء، وقصدت الشرفاء " فقد يريد به العموم تارة، والخصوص أخرى.
بيان المقدمة الثانية من وجهين:
الأول: أن الظاهر من استعمال اللفظ في شيء كونه حقيقة فيه، إلا أن يدلونا بدليل قاطع على أنهم باستعمالهم فيه متجوزون؛ لأنا لو لم نجعل ذلك طريقاً
следующие страницы →