← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

فإذا قلنا: " كل رجل يشبعه رغيفان " صدق ذلك باعتبار الكلية لا باعتبار الكل، أي: كل رجل على حالة يشبعه رغيفان غالبا، ولا يصدق هذا الحكم باعتبار الكل، اي: المجموع من حيث هو مجموع لا يكفيه رغيفان، ولا قناطير؛ لا، الكل والكلية يندرج فيها الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة، وجميع ما في مادة الإمكان، وإذا قلنا: كل رجل يحمل الصغرة العظيمة، صدق ذلك باعتبار الكل دون الكلية، لأن المجموع، إذا اجتمع، شال أي صخرة عظيمة أشير إليها، واما كل واحد على حياله فيعجز عنها. وإذا قلنا: " الحيوان جنس، والإنسان نوع " صدق ذلك باعتبار الكل الذي هو القدر المشترك دون الكل؛ لأن المجموع ليس جنسا؛ لأن من شرط الجنس أن يصح حمله على كل فرد من افراده، وكذلك الكلية لا تصدق على شخص معين؛ لأن من شرط الكلية والكلي ألا يبقى فرد إلا وقد اندرج في الحكم، وجميع الأفراد لا تصدق على الشخص المعين، فحينئذ إنما تصدق على الشخص المعين الكلي دون الكل والكلية، فتتغاير هذه الأحكام، ويصدق بعضها على شيء يظهر لك الفرق بينهما. إذا تقرر الفرق بين الكل والكلية والكلي، فالفرق [بين] الجزء، والجزئية، والجزئي: أن الجزء بعض الكل؛ كالخمسة بالنسبة إلى العشرة، والجزئية بعض الكلية؛ نحو كل عام مخصوص، والجزئي: هو الكلي وقد زائد، وهو تشخصه، فالجزئي عكس الجزء؛ لأن الجزئي كلي، والكلي بعضه، والجزء بعض الكل، فهو عكسه. إذا تقرر الفرق بين السببية، فاعلم أن مسمى العموم كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده؛ كما تقدم، وإنما يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي، إذا كان معناه الكلية التي الحكم فيها على كل فرد فرد، بحيث لا

стр. 1647

يبقى فرد؛ فحينئذ لفظها دال على ثبوت الحكم لأي فرد شاء من أفرادها في النفي والنهي. وأما في الأمر وخبر الثبوت: فلا يختلف الحال بين الكل والكلية؛ لأنه يلزم من إيجاب الكل والكلية - إيجاب الأفراد، ويلزم من صدق الخبر عن ثبوت الحكم للكل - ثبوته لكل فرد؛ كوجوب أربع ركعات في الظهر، يلزم منه وجوب كل ركعة، وكذلك الإخبار عن ثوبت أربعة يقتضي ثبوت كل فرد منها، وإنما يفرق بين البابين النهي وخبر النفي، لأن الانتهاء يكفي فيه فرد واحد من المجموع، ونفي المجموع يكفي فيه فرد، فإذا قلنا: ليس في الدار عشرة، يكفي نفي واحد منها؛ فيصدق الخبر، ولو كان في الدار تسعة، وكذلك يصدق أن الله تعالى نهى عن خمس ركعات في الظهر، وإن كانت الأربعة واجبة؛ فظهر حينئذ أن مدلول العموم كلية لا كل؛ لصحة الاشتراك به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به إجماعا. (سؤال) دلالة العموم على كل فرد من أفراده؛ نحو: زيد مثلا من المشركين " لا يمكن أن يكون بطريق المطابقة؛ لأن دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على مسماه بكماله، ولفظ العموم لم يوضع لـ (زيد) فقط، حتى تكون الدلالة عليه مطابقة، ولا بطريق التضمن؛ لأن دلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه، والجزء لا يصدق إلا إذا كان المسمى كلا، ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما تقدم، فلا يكون زيد جزءا، فلا يدل اللفظ عليه تضمنا، ولا بطريق الالتزام؛ لأن دلالة الالتزام في دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لابد وأن يكون خارجا عن المسمى، و (زيد) ليس خارجا عن مسمى العموم؛ لأنه لو خرج زيد عن مسمى العموم، خرج عمرو وخالد، وحينئذ لا يبقى من المسمى شيء، فعلمنا أن زيدا ليس خارجا.

стр. 1648

عن مسمى العموم، بل هو من جملة المسمى، ولا معنى للمسمى إلا هذه الأفراد، وإذا بطل لفظ العموم على (زيد) مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، بطل أن يدل لفظ العموم مطلقا؛ لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة. وقد تقدم شيء في دلالات الألفاظ في هذا الكتاب، وفي (شرح المنتخب) أن الجواب عن هذا السؤال: انه يدل بطريق التضمين؛ لأن لفظ العموم موضوع للقدر المشترك بين افراده مع قيد يتبعه بحكمه في جميع محاله، والتبعيض في البعض يقتضي التتبع في الكل، هذا ما قدمته جوابا. وأما الآن: فلا أرتضيه؛ لأن التتبع في جميع المحال، أو في كل المحال معناه: إثبات الحكم لكل محل محل على حياله، بحيث لا يبقى محل، وهذا معنى الكلية، ولولا تفسير الكلية بهذا، للزم أن يتعذر الاستدلال بلفظ العموم على ثبوته لكل فرد من أفراده في النهي والنفي؛ كما تقدم فحينئذ لا معنى لذلك التتبع إلا الكلية، فيكون بعضها جزئية لا جزءا. ودلالة التضمن: إنما هي دلالة اللفظ على جزء مسماه الداخل فيه باعتبار ان المسمى كلي، وهاهنا ليس كلا؛ فلا تصدق دلالة التضمن، فحينئذ يبقى السؤال بغير جواب. وتكون صيغ العموم كلها نقضا على تقسيم دلالات الألفاظ، وحصرها في الثلاثة: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وتقدم في (باب الجزء، والكل) أول الكتاب أنها نقض على حصر الجزئي في المضمر والعلم؛ فإن مفهومها يمنع تصور وقوع الشركة فيه؛ فيكون جزئيا، مع أنه لم يذكره،

стр. 1649

فيكون الحصر في المضمر والعلم باطلا؛ فتكون صيغ العموم نقضا على هذين البابين، ولا يخلص من السؤال القائلون بعدم العمون؛ لأنا نفرض صيغا وضعت للكليات؛ لأنه ممكن، فغذا وقع هذا الجائز، كيف تكون دلالته؟ ويعود السؤال، فاعلم ذلك. (فائدة) إذا علمت أن صيغ العموم مدلولها كلية لا كلي، فافهم ذلك أيضا في الضمائر بأسرها ، وصيغ الجموع النكرات، فإذا قال السيد لعبيده: (لا تخرجوا) ليس المراد: لا يخرج كلكم من حيث هو كل، بل المراد بهذه (الواو) التي هي ضمير في (تخرجوا): كل واحد واحد على حياله، وكذلك إذا اخبره بالنفي كقوله: " لا اغضب عليكم أو على أحدكم " فالمراد: ثبوت هذا الحكم لكل فرد فرد مما دلت عليه هذه (الكاف) وكذلك جميع الضمائر، والجموع المنكرة كذلك، فإذا قال: " لأكرمن رجالا اليوم " فالمراد: أكرم كل واحد واحد، مما دل عليه (رجال): وكذلك قوله تعالى ﴿عليكم أنفسكم﴾ [المائدة: ١٠٥] اي: على كل واحد واحد بنفسه، وليس المراد المجموع، فجميع الضمائر والجموع النكرات: الحكم فيها على كل واحد واحد على حياله، وهذا معنى الكلية. (البحث السابع) إذا تقرر أن مدلول العمومات كلية لا كل، فاعلم أن هذا عموم باعتبار أفراد المشترك من ذلك العموم فقط ، وهو مطلق باعتبار الازمان والبقاع والأحوال والمتعلقات، فتفطن لهذه الأربعة؛ فإنها لا عموم فيها من جهة العموم في الأشخاص؛ بل إنما يدخلها العموم بصيغة وضعت للعموم فيها؛ نحو قولك: (لا كلمته) للإمام و (لا هجرته) في جميع البقاع، و (لا

стр. 1650

سلمت عليه) في جميع الأحوال، فهذه عمومات خالصة بها، وإنما الكلام غذا كانت صيغة العموم في غيرها، فغن ذلك العام مطلق فيها. فإذا قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] بعمومه، باعتبار كل مشرك مشرك بحيث لا يبقى مشرك، ولا دلالة له على أن المشركين في ارض الشام، ولا بلاد الهند، بل يعلم بطريق الالتزام أنه لا بد لكل مشرك من بقعة يكون فيها، وزمان يكون فيه، وحال يكفر فيها، وكما لا يدل على خصوص المكان، فكذلك الزمان؛ لا يدل لفظ المشركين على يوم السبت، ولا يوم الأحد، ولا ان بهم جوعا أو خوفا أو غير ذلك من الأحوال، وكذلك المتعلقات، فإذا قلت: (لا علم لي) فهو عام في جميع افراد العلم، مطلق في متعلقه. فغذا قلت: (لا علم لي بوجود زيد في الدار) بعد قولك: (لا علم لي) لا يكون ذلك مناقضا للعموم الأول؛ بل تفسيرا لذلك المطلق بمتعلق مخصوص. فمن استدل بعموم المشركين على خصوص حالة أو مكان أو زمان أو متعلق فاسد لإله باطل، فإن الدال على المطلق لا يدل على الخصوصيات، فاعلم ذلك، فإنك تجد نفعه في باب التخصيص؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى. (البحث الثامن) في ان إطلاق العلماء العموم بالاشتراك على معنيين: أحدهما: ما تقدم. والآخر: عموم الصلاحية. فعندهم: كل مطلق عام عموم البدلية والصلاحية؛ باعتبار أنه يصدق على

стр. 1651

كل فرد بدلا عن الآخر، فإذا قال تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩] له أن يعتق أي رقبة شاء بدلا عن الأخرى، فهذا هو معنى عموم البدلية والصلاحية. والأول عموم الشمول والمعية؛ باعتبار أن الحكم يثبت لكل واحد مع ثبوته للآخر، وفي عموم الصلاحية، إذا ثبت لواحد، لا يثبت للآخر. والعلماء يطلقون العموم بالتفسيرين؛ فينبغي أن تعلمهما؛ حتى لا يلتبس عليك ذلك. ***

стр. 1652

الكلام في العموم والخصوص وهور مرتب على أقسام: القسم الأول: في العموم، وهو مرتب على شطرين: الشطر الأول: في ألفاظ العموم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في العام قال الرازي: هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له؛ بحسب وضع واحد؛ كقولنا: (الرجال) فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له، ولا يدخل عليه النكرات؛ كقولهم: (رجل) لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا، ولا يستغرقهم، ولا التثنية، ولا الجمع؛ لأن لفظ: (رجلان) و (رجال) يصلحان لكل اثنين، وثلاثة، ولا يفيدان الاستغراق، ولا ألفاظ العدد؛ كقولنا: (خمسة) لأنه صالح لكل خمسة ولا يستغرقه. وقولنا: (بحسب وضع واحد): احترازعن اللفظ المشترك، او الذي له حقيقة، ومجاز؛ فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا. وقيل في حدة أيضا: إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا، من غير حصر. واحترزنا بـ (اللفظة) عن المعاني العامة، وعن الألفاظ المركبة. وبقولنا: (الدالة): عن الجمع المنكر؛ فإنه يتناول جميع الأعداد، لكن على وجه الصلاحية، لا على وجه الدلالة. وبقولنا: (على شيئين): عن النكرة في الإثبات. وبقولنا: (من غير حصر): عن أسماء الأعداد، والله أعلم.

стр. 1653

المسألة الأولى: في العام قال القرافي: قوله: " هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له؛ بحسب وضع واحد ": قلنا: قولكم: (ما يصلح له): إما أن يريدوا بالصلاحية الوضع، او ما هو أعم منه، وعلى التقديرين: لا يتم الحد. اما إن أردتم الوضع، فيصير معنى كلامكم: المستغرق لجميع ما وضع له، ولا شك أن ألفاظ الأعداد كلها كذلك؛ فإن لفظ المائة والألف وضع لعشر من المئين أو من العشرات، وهو عند الإطلاق يتناولها كلها، فلا يبقى من العشرات التي وضع لها لفظ المائة والألف شيء، حتى يتناوله، لا سيما وقد قيل: " إنها نصوص لا تقبل المجاز " وكذلك لفظ رجلين، وضع لرجل مع رجل، وهو يتناولهما عند الإطلاق، فيكون الحد غير مانع، وإن اردتم ما هو أعم من الوضع، فيصدق معنى كلامكم: " العام هو اللفظ المستغرق لحقيقته ومجازه " ولا يكاد يوجد عام كذلك إلا نادرا، فيكون الحد غير جامع، فظهر أن قولكم: " ما يصلح له " لا يتم به مقصود. قوله: " بحسب وضع واحد ": احتراز عن المشترك والحقيقة والمجاز: قلنا: خرج ذلك بقولكم (المستغرق) فإن الاستغراق غير حاصل في المشترك؛ من جهة الدلالة الوضعية، بل اللفظ مجمل قاصر عن الاستغراق بدلالته، وكذلك قاصر عن المجاز، ولا يفهم من الاشتراك إلا الادلالة الوضعية. قوله: " وقيل في حده: إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا؛ من غير حصر " واحترزنا باللفظ عن المعاني العامة تقريره: أن العموم كما تقدم يصدق على المعنى نحو: " مطر عام، وعدل عام " وعلى اللفظ الموضوع للكليات. فبقولنا: (اللفظ): خرج المعنى الكلي. قوله: " وعن الألفاظ المركبة ":

стр. 1654

تقريره: أن قولنا: " زيد قائم وعمرو خارج، والقصيدة الطويلة، والكلام المنتشر " لا يصدق عليه أنه لفظ، بل لفظات عديدة؛ فخرج من الحد. (سؤال) اللفظ مصدر يصدق على القليل والكثير من جنسه ، إلا إذا حدد بالتاء؛ فإنه لا يتناول المرة الواحدة منه. فإذا قلنا: (ضربه) لا يتناول غير المضروب مرة واحدة؛ فعلى هذا لا يتناول الحد إلا الحرف الواحد، فإنه لفظة لفظها اللسان؛ وحينئذ يخرج جميع أفراد المحدود عن الحد، بل لو قال: (اللفظ) بغير تاء، كان أقرب للصواب. (سؤال) قال سيف الدين: الشيء يكون للموجود خاصة، والعموم يكون في المعدوم والمستحيل ، كقولنا: المعدومات والمستحيلات يعمهما لام التعريف وجميع أدوات العموم؛ كالنفي وغيره. قوله: وبقولنا: " على شيئين " عن النكرة في الإثبات. تقريره: أن النكرة في الإثبات، إذا قلنا: " في الدار رجل " لا يتناول إلا رجلا، وليس هذا عاما في كل نكرة، بل لو قلنا: " في الدار مال " كان نكرة في سياق الإثبات، وهو غير محصور، وبل يصدق على المال، قل أو كثر؛ لأن النكرات على قسمين: منها ما يصدق لفظها على القليل والكثير؛ كمال وماء ولحم وذهب وفضة ونحو ذلك، ومنها ما لا يصدق على الكثير نحو: رجل، ودرهم، ودينار، وفرس، وجمل، وامرأة. فلا يقال لكثير من الدراهم: (درهم) ولا يصدق على الدنانير (دينار) وكذلك بقيتها، فعلمنا أن هذا إنما يتأتى في بعض النكرات؛ فعلى هذا يرد عليه النكرات التي لا تختص بالواحد؛ لأنها أحصر فيها، وأمكن أن يقال: إنها

стр. 1655

إنما تدل على القدر المشترك فقط، وإذا وجد الكثير، صدقت عليه، ونحن إنما نتكلم في الدال لا في الصادق معناه. (سؤال) يشكل عليه بمجموع الكثرة ؛ نحو: رجال ودراهم ودنانير؛ فإنها وضعت لما فوق العشرة؛ من غير حصر، فهي دالة على شيئين فصاعدا من غير حصر، ولا ترد جموع القلة التي تقدم نظمها في بيت الشعر أول الباب، وجموع السلامة؛ لأنها لا تتعدى العشرة من جهة الوضع، فالحصر فيها واقع بخلاف جموع الكثرة التي لا حصر فيها، فوردت. (سؤال) قوله: " احترزنا عن الألفاظ المركبة ": يخرج المعرف بـ (اللام) فإنه يركب من لام التعريف ومن المعرف، وكذلك النكرة في سياق النفي، وكل مضاف لما بعده، فهو مركب من المضاف والمضاف إليه، و (من) و (ما) وجميع الموصولات مركبة من الموصول والصلة. (سؤال) قال النقشواني: يشكل عليه ألفاظ من النكرات المفردة؛ فإنها ليست للعموم إجماعا، مع صدق الحد عليها؛ نحو قولنا: كثير ومتكثر وعدد؛ فإن هذه تدل على شيئين فصاعدا، وليست عامة. ***

стр. 1656

المسألة الثانية المفيد للعموم قال الرازي: إما أن يفيده لغة، أو عرفا، أو عقلا: أما الذي يفيده لغة: فإما أن يفيده على الجمع، أو على البدل. والذي يفيده على الجمع: فإما أن يفيده؛ لكونه اسما موضوعا للعموم، أو لانه اقترن به ما أوجب عمومه. وأما الموضوع للعموم، فعلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يتناول العالمين وغيرهم، وهو لفظ (أي) في الاستفهام والمجازاة؛ تقول: " اي رجل، وأي ثوب، وأي جسم " في الاستفهام والمجازاة، وكذا لفظ كل، وجميع. الثاني: ما يتناول العالمين فقط، وهو (من) في المجازاة والاستفهام. الثالث: ما يتناول غير العالمين، وهو قسمان: أحدهما: ما يتناول كل ما ليس من العالمين، وهو صيغة (ما وقيل: إنه يتناول العالمين أيضا؛ كقوله تعالى: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٤]. وثانيهما: ما يتناول بعض ما ليس من العالمين، وهو صيغة (متى) فإنها مختصة بالزمان، و (أين)، (وحيث) فإنهما مختصتان بالمكان.

стр. 1657

وأما الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه دخل عليه ما جعله كذلك: فهو: إما في الثبوت، أو في العدم. أما الثبوت: فضربان: لام الجنس الداخلة على الجمع؛ كقولك: (الرجال) والإضافة؛ كقولك: (ضربت عبيدي). وأما العدم: فكالنكرة في النفي. وأما الاسم الذي يفيد العموم على البدل: فأسماء النكرات؛ على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص. وأما القسم الثاني؛ وهو الذي يفيد العموم عرفا: فكقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع. وأما القسم الثالث؛ وهو الذي يفيد العموم عقلا: فأمور ثلاثة: أحدها: أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ولعلته، فيقضي ثبوت الحكم، أينما وجدت العلة. والثاني: أن يكون المفيد للعموم ما يرجع إى سؤال السائل؛ كما إذا سئل النبي ﵊ عمن أفطر؟ فيقول: (عليه الكفارة) فنعلم أنه يعم كل مفطر. والثالث: دليل الخطاب؛ عند من يقول به كقوله ﵊: " في سائمة الغنم زكاة " فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس بسائمة، والله أعلم.

стр. 1658

المسألة الثانية: " المفيد للعموم ... " قال القرافي: قوله: " ما يتناول العالمين وغيرهم وهو لفظ (أي) في الاستفهام والمجازاة ": أي معناه: أنه يصلح لإفادة هذين الجنسين. وفي الحقيقة إنما تفيد العموم فيما أضيفت غليه خاصة؛ فإذا قلنا: (اي رجل) فهو عام في الرجال خاصة، و (أي ثوب) فهو عام في الثياب خاصة، وظاهر كلام المنصف: أنه يدل على العموم خاصة. قوله: " في الاستفهام والمجازاة ": نفعه في شيء، واضر به في شيء: اما وجه النفع: فإن ذلك احتراز عن (أي) إذا وقعت في النداء؛ كقولك: (أيها الرجل) فإنها ليست للعموم، وكذلك إذا كانت نكرة موصوفة؛ كقولك: " مررت بأي مكرم لك " أي شيء مكرم لك. فإن الزمخشري قال في (المفصل): إن (أيا) مثل (من) في جميع وجوهها، ومن جملة وجوه (من): النكرة الموصوفة، فهذا وجه أفاده، وما ذكره يخرج من أقسام (أي) ما ليس للعموم. وأما وجه ضرره فغن (ايا) كما تكون للعموم في الشرط، والاستفهام، تكون للعموم في الخبر الصرف، كقوله تعالى: ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف:١٢] ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ [مريم: ٦٩]. فإن (أيا) عامة في الحزب المحصي، والشيعة التي هي أشد عتيا، فاشتراط الشرط والاستفهام يخرج (أيا) الخبرية فيصير حده غير جامع. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): (أي) تفارق صيغ العموم ؛

стр. 1659

في أنها عامة على وجه الإفراد دون الاستغراق، فاذا قلت: " أي رجل في الدار " فلا يقال: (إلا زيد) ولا مزيد على ذلك إا وجود عمرو، اي وغا لم يكن مستقيما. قوله: كذلك (كل) و (جمي) يريد انه يفيد العالمين وغيرهم، ولا يريد أنهما للعموم في الاستفهام والشرط، وفي غيرهما لا يكونان للعموم. قوله: " ما يتناول العالمين فقط وهو: (من) في المجازة والاستفهام ": يريد انه يصلح للعالمين، لا انه يتناول جميع العالمين، بل لا يعم (من) إلا فيمن اتصف بصلتها أو خبرها، فإذا قلت: " من دخل داري فله درهم " إنما يعم الداخلين فقط، وكذلك إذا قلت مستفهما: من عندك؟ إنما يتناول الكائنين عندك فقط. وقوله: " في المجازة والاستفهام " ينتفع به، ويتضرر به: أما ما ينفعه: ففي إفراد (من) إذا كانت نكرة موصوفة؛ نحو قولك: " مررت بمن معجب لك " نص عليه (من) النحاة الزمشخري وأبو علي وصاحب (الجمل) وغيرهم. ونقل ابن جني في (الخصائص) أن العرب تقول: أكرم من منا، أي: رجلا رجلا، فيستعملونه نكرة غير موصوفة، والنحاة ينكرون ذلك، ويقولون: لا تقع (من) نكرة إلا موصوفة، فهذا أيضا ينتفع به في إخراجه، ,اما ضرره فيه، فهو أن (من) تكون جزئية غرية عن الشرط والاستفهام، وهي للعموم؛ كقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]. وهو كثير، فينبغي أن يسقط هذا الشرط، ويولى بما يخرج التكرار فقط، فتقول: (من) إذا كانت معرفة، فتدخل الجميع، فإن الاستفهامية والشرطية معرفة، او تقول، كما قال عبد الوهاب المالكي في (الملخص): (من) و (ما)

стр. 1660

إذا كانا للشرط أو الاستفهام، أو بمعنى (الذي) كانا للعموم، ويندفع الإشكال. (سؤال) إذا كانت (من) إنما تتناول من اتصل بصلتها إن كانت خبرية، أو خبرها إن كانت شرطية، او استفهامية فإن الجملة الواقعة بعدها في الخبرية يعدها النحاة صلة، وفي الشرط والاستفهام يعينونها خبرا، فإذا لم تتناول إلا الموصوف بذلك، يكون مدلولها أخص من مدلول العالم؛ لأن العالم الموصوف بتلك الصلة، أو الخبر - أخص من مطلق العالم، والدال على الأخص غير دال على الاعم، فلا تكون (من) دالة على العالم البتة، كما ان لفظ (الانسان) الدال على ما هو اخص من الحيوان غير دال على الحيوان البتة؛ فيبطل. قوله: " بأن (من) تناول العالمين " بل إنما تتناول ما هو اخص من العالمين، وكذلك يرد السؤال في (ما) و (أي) ويظهر ايضا بطلان قول النحاة ان (من) وضعت لمن يعقل، (ما): لما لا يعقل، بل لما هو اخص من ذلك، وإنما تصح هذه الدعاوي على ما نقله ابن جني في (الخصائص) لكن ذلك شاذ، والجماعة ينكرونه. (سؤال) قد وردت (من) في غير العالمين، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون حقيقة في (غير) العالمين ، فلا تكون حقيقة في العالمين نفيا للاشتراك. ولأن صدر الاية اقتضى ذلك لقوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة﴾ [النور: ٤٥] واجتمع جميع الدواب، ومنه العالمون؛ كالانس، وغيرهم؛ كالبهائم.

стр. 1661

(والقاعدة) أنه إذا اجتمع العقلاء وغيرهم، غلب العقلاء وصير الجميع عقلاء، فلما وقع التفصيل بعد ذلك، وقع تفصيلا للعقلاء فقط، فكذلك (ما) وقع بصيغة (من) كان المذكور عقلاء ليس غلا لأجل التغليب الواقع في صدر الآية. قوله: " صيغة (ما) تتناول كل ما ليس من العالمين ": يريد أناه لا تختص بنوع من أنواع غير العالمين، بل يعبر بها عن كل نوع غير عالم؛ من الجماد والنبات والحيوان البهيم. ثم قوله: " ما ليس من العالمين " عبارة فيها مسامحة؛ فإنها تقتضي أن يكون موضوعا لكليهم؛ لاجل قوله: (كل) وليس كذلك، بل هي موضوعة ليعبر بها عن المتصف بصلتها، أو صفتها خاصة، فاذا قلت: " رايت ما اعجبني " اختص ذلك بمن يعجبك خاصة، أو " رأيت ما في الدار " اختص بمن في الدار. ويرد عليه السؤال السابق؛ وهو أنها إذا كانت موضوعة للموصوف بصلتها، أو خبرها فقط، يكون مدلولها حينئذ اخص من غير العاقل، فإن الموصوف بالصفة الخاصة اخص من مطلق غير العالم، واللفظ الموضوع للاخص لا يلزم ان يكون موضوعا للاعم؛ كالانسان موضوع لما هو اخص من الحيوان، فلا يكون دالا على الحيوان بالمطابقة؛ بل بالتضمن، وبالجملة: السؤال يطرد في هذه المواطن كلها. (سؤال) لم يذكر هاهنا الشرط، والاستفهام، كما ذكر في غيره ؛ وحينئذ يرد عليه أن (ما) يكون نكرة موصوفة؛ كقوله: " مررت بما معجب لك "،

стр. 1662

أي: شيء معجب لك، ونكرة غير موصوفة؛ كقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١] أي: فنعم شيئا هي. وعلى التقديرين لا يتناول الافراد؛ فلا يكون للعموم، وهو إنما يتكلم في صيغ العموم؛ فينبغي أن يقيدها. قوله: " وقيل: إنها تتناول العالمين؛ كقوله تعالى: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٤]. تقريره: أن تقدير الكلام، ولا انتم عابدون الذي أعبده، ومعبوده هو الله تعالى، وهو بكل شيء عليم. وأجيب عنه بأن (ما) هاهنا مصدرية. تقديره: " ولا أنتم عابدون عبادتي " فما عبر بها غلا عن ما لا يعلم؛ لأن العبادة لا تعلم، وكذلك أجابوا عن قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها﴾ [الشمس: ٧] بأنها مصدرية، اي: وتسويتها، غير أنه: يشكل عليهم عود الضمير على (ما) في قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٨] و (ما) المصدرية حرف لا يعود عليه الضمائر، والتزم بعضهم صحة عود الضمير على المصدر وهو شاذ. ومما أول أيضا قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣]. فقيل: مصدرية: تقديره: وخلق الذكر والأنثى، ومما عسر تأويله: قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] (والنساء) يعقلن، وكذلك قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ وآدم ﵇ من ساداات أولي العلم؛ فلذلك قال جماعة من النحاة: " إنها يعبر بها عن نوع من يعقل؛ نحو: (لما خلقت بيدي) وعن صفة من يعقل؛ نحو: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، أي:

стр. 1663

الطيبات، ولا يعبر بها عن شخص من يعقل، لا يقال: " جاءني ما عندك " تريد زيدا، وبهذا التفصيل يمكن الجمع بين الآيات والاستعمالات العربية. قوله: " متى مختصة بالزمان ... ". قال أبو عمرو بن الحاجب في شرح (المفصل): (متى) موضوعة للسؤال عن الزمان المبهم، لا للزان كيف كان، فلا تقول: " متى زالت الشمس فائتني " بل إذا زالت الشمس، وتقول: " متى جاء زيد فائتني " لأن زمن مجيئه مبهم غير معلوم، بهذا يرد سؤال على صاحب الكتاب، حيث لم يقيد، كما قيد أبو عمرو وغيره. قوله: " وأين، و (حيث) مختصان بالمكان " نقل النحاة في حيث ست لغات: الضم، والفتح، والكسر في الثاء الأخيرة مع الياء في الوسط، والثلاثة أيضا مع الواو بدل الياء؛ فتصير ستة قوله: (وأما) الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه اقترن به ما جعله للعموم ... ". قلنا: جعله (القسم) الأول يفيد العموم بنفسه، وهذا القسم إنما يفيد العموم لأجل ما دل عليه - مشكل؛ من جهة أن القسم الأول ايضا، لابد فيه من كلمات تدخل عليه، ففي (من) و (ما): الصلة والخبر، وفي (كل) و (جميع): الإضافة، وفي (متى) و (حيث) و (أين): الإضافة. فول قلت: (حيث) أو (أين) ولم تضفه بشيء، لم يعد عموما. قوله: يفيد العموم في الثبوت (لام الجنس) الداخلة على الجمع. عليه ثلاثة أسئلة: الأول: أنه جعله خاصا بالثبوت، وليس كذلك، بل يفيد العموم في النفي؛ كقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]

стр. 1664

وقوله تعالى: ﴿فغن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٩٦] فيعم كل مشركة، وكل فاسق. الثاني: تخصيصه بـ (لام الجنس) يقتضي أن تكون (اللام) الداخلة على الصفات والمشتقات، لا تفيد العموم، وليس كذلك؛ بل تفيدها؛ لقوله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ [الحديد: ١٨] بل كان ينبغي أن يقول: (لام التعريف) كيف كان، للعموم؛ فإن أسماء الأجناس عنده لا يدخلها المشتقات. ولذلك قال: " المجاز إنما يدخل دخولا أوليا في أسماء الأجناس دون المشتقات، والأعلام، والحروف ". الثالث: تخصيصه بالجمع يقتضي أنها إذا دخلت على التثنية، والفرد، لا تكون للعموم؛ غير أنه قد ادعى أنها في الفرد ليست للعموم بعد هذا، (فهو) مبني على مذهبه، بقيت التثنية لم تندرج؛ مع أنها كالجمع. قوله: " والمفيد للعموم على البدل النكرات؛ على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص ". يريد العموم والخصوص، في المعنى، لا في اللفظ؛ فإن التقدير: أنها لا تفيد العموم اللفظي؛ فلم يبق إلا المعنوي، فإن (إنسان) اخص من (حيوان) و (حيوان) أخص من (جسم)، وعلى هذا الترتيب في العموم والخصوص المعنوي. ويريد بقوله: (تفيد على البدل) اي: تقبل هذا بدلا عن دال، ولا يلزم الجمع بين فردين من ذلك الجنس؛ لقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٧]. قوله: " والإضافة؛ كقوله: (ضربت عبيدي):

стр. 1665

تقريره: أن الإضافة توجب التعميم في المضاف الذي هو الأول، (سواء) كان جمعا أو مفردا؛ لقوله ﵇: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". والماء، والميتة مفردان مضافان، وحصل العموم بهما. قوله: " يقال للذي يفيد العموم عرفا؛ كقوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم " [النساء: ٢٣] فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع ". تقريره: أن هذا من المركبات التي نقلها العرف عن الموضوعات اللغوية، وقد تقدم في الحقيقة العرفية: أن أهل العرف كما ينقلون المفردات، نحو (الدابة) و (الغائط) فلذلك ينقلون المركبات، وهذا منها؛ فإن هذه الصيغة تقتضي بمعنى اللغة العموم في تحريم الأمهات، فنقله العرف للعموم في تحريم أنواع الاستمتاع، ولو لم ينقله أهل العرف، لكنا نقدر مضافا محذوفا، تقديره: " عليكم استمتاع أمهاتكم ". ولكنا بعد نقل العرف لا نقدر ذلك؛ لأن اللفظ يدل على تحريم الاستمتاع بالمطابقة من جهة الوضع العرفي، واعلم أن دلالة العرف، ونقله لهذه الألفاظ المركبة - لا يختص بصيغ العموم، بل في المفرد المعين أيضا، ممنوع في العرف، فلو قلت: " حرمت عليك هذه الميتة، أو هذه الأم " لكان هذا اللفظ أيضا ممنوعا في العرف؛ لتحريم المنافع المقصودة من تلك العين، والمنقول هو هذا المجموع المركب دون مفرديه. فلو قلت: (الأمهات) وسكت، لم يكن فيه نقل عرفي. ولو قلت: (حرمت) ولم تذكر الأمهات، لم يكن فيه نقل عرفي نبل النقل العرفي إنما وجد في اللفظ المركب هاهنا. ولو قلت: " حرمت عليكم الأفعال الخبيثة، أو المشتملة على المفاسد،

стр. 1666

لم يكن فيه نقل عرفي، وإن كان مركبا، بل هذا لغوي على أصله من غير حذف مضاف، ولا يجوز، ولا نقل، وغنما حصل النقل فيما كان ثانيا، لولا النقل - أ، يضمر فيه مضافا محذوفا؛ كما تقدم، فتأمل هذا الموطن، وهذه الفروق؛ فهي نفيسة لا يكاد يتفطن لها في أنواع المنقولات، ولا في الحقائق العرفيات. قوله: " الذي يفيد العموم عقلا؛ كإفادة اللفظ للحكم، وعليه فيقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت العلة ". مراده بالعقل هاهنا: الذي فهم بالعقل؛ لأن دليله عقلي قطعي، كما تقول في حدوث العالم: إنه ثابت بالعقل، ولا شك أن المناسبة والتعليل، وفي الصور الخاصة إنما يفهم بالعقل، وإن كان أصل القياس ثابتا بالسمع، لكن الصورة الخاصة إنما وقع فيها القياس بعد تقريره. (قاعدة) القياس بما فهمه العقل من التعليل ، وكذلك بقية الأقسام التي ذكر أن الحكم فيها ثابت بالعقل. معناه: أنه فهم بالعقل، وإن كان ذلك لم يحصل قطعا، بل ظنا ضعيفا. قوله: " مفهوم قوله ﵇: (في سائمة الغنم زكاة) يقتضي أن ما ليس سائمة لا زكاة فيه " قلنا: هذا الاطلاق يناقض ما اختاره في (باب المفهوم) ان المفهوم إنما يثبت في ذلك الجنس خاصة، وحكى فيه قولين، واختار خصوص الجنس، وان يكون تقدير الحديث في مفهومه: " ما ليس بسائمة من الغنم لا زكاه فيه " أما ما ليس بسائمة مطلقا؛ حتى يندرج فيه معلوفة البقر والابل والخيل، وجميع ما يصدق عليه أنه ليس بسائمة، فهو غير مختاره، وغير مختار غيره أيضا، لكن هذا الموضع ليس موضع تحريره؛ فلذلك أطلق العبارة.

стр. 1667

المسألة الثالثة في الفرق بين المطلق والعام اعلم ان كل شيء، فله حقيقة، وكل أمر يكون المفهوم منه مغايرا للمفهوم من تلك الحقيقة، كان، لا محالة، أمرا اخر سوى تلك الحقيقة، سواء كان ذلك المغاير لازما لتلك الحقيقة أو مفارقا، وسواء كان سلبا، أو ايجابا: فالانسان من حيث أنه إنسان، ليس إلا أنه إنسان: فإما أنه واحد، أو لا واحد، أو كثير، أو لا كثير: فكل ذلك مفهومات منفصلة عن الانسان؛ من حيث إنه إنسان، وإن كنا نقطع بأن مفهوم الإنسان لا ينفك عن كونه واحدا، أو لا واحدا. إذا عرفت ذلك، فنقول: اللفظ الدال على الحقيقة؛ من حيث إنها هي هي، من غير أن تكون فيها دلالة على شيء من قيود تلك القيقة سلبا كان ذلك القيد، أو إيجابا، فهو المطلق. وأما اللفظ الدال على تلك القيقة، مع قيد الكثرة: فإن كانت الكثرة كثرة معينة؛ بحيث لا يتناول ما يزيد عليها - فهو اسم العدد، وغن لم تكن الكثرة كثرة معينة - فهو العام. وبهذا التحقيق؛ ظهر خطا من قال: " المطلق هو الدال على واحد، لا بعينه " فإن كونه واحدا وغير معين، قيدان زائدان على الماهية، والله أعلم.

стр. 1668

المسألة الثالثة في الفرق بين المطلق والعام قال القرافي: قوله: " المغاير قد يكون لازما، أو مفارقا، سلبا، او إيجابا ": مثال اللازم: الضحك بالقوة؛ بالنسبة إلى الإنسان. مثال المفارق: الضحك بالفعل. مثال السلب: كون الإنسان لا واحدا ولا كثيرا؛ فسلب الوحدة والكثرة غير مفهوم الإنسان. مثال الإيجاب: الضحك بالفعل. قوله: " اللفظ الدال على الحقيقة من حيث إنها هي هي؛ من غير أن يكون فيها دلالة على شيء من قيود تلك الحقيقة ". قلنا: الحقيقة المفيدة قد يوضع لها لفظ مفرد يدل عليها مع قيدها، كالحيوان المقيد بالناطق؛ وضع له لفظ الإنسان، وكذلك كل نوع، فهو الجنس مقيدا بفصله، ومع ذلك فله لفظ واحد دال عليه وهو مطلق؛ فدلالة لفظ (الماهية) قد يدل على قيودها التي هي أجزاؤها ضمنا، ويصدق عليها أنها قيودها، ومع ذلك فهو مطلق، فاشتراط عدم الدلالة مطلقا على القيود، كيف كانت - لا يتجه؛ حتى يصرح بالقيود الخارجية. قوله: " والدلالة على الحقيقة مع كثرة معينة، بحيث لا يتناول ما بعدها. فهو اسم العددد ". قلنا: هذه العبارة تقتضي أن تكون أسماء الأعداد دالة على المعدودات مع العدد. فإن قولكم: إن دل على الماهية مع الكثرة يقتضي أن الماهية داخلة في مدلول لفظ العدد تضمنا، وليس كذلك؛ فإن ألفاظ الأعداد وضعت لتلك

стр. 1669

الرتبة المعينة من العدد مع قطع النظر عن المعدودات؛ فإن العشرة مثلا وضع لمجموع الخمستين كانت الخمستان، أي معدود كان، موجودات أو معدومات، جمادات أو حيوانات، ولم يقصد بلفظ العشرة غلا تلك المرتبة الخاصة، مع قطع النظر عن المعدود بها ما كان، أي شيء كان بالماهيات المعدودات، لم يدخل في مسميات ألفاظ العدد ألبتة؛ بل ينبغي أن يقال: إن وضع اللفظ للكثرة المحصورة، فهو اسم العدد، فلا يذكر الماهيات أصلا، بل مراتب العدد فقط، ثم إن جميع ما ذكره ينتقض بمجموع القله، وقد تقدم نظم المكسر منها، مع السلامة في بيت شعر، فإنها تدل على كثرة معينة، وهي الثلاثة أو الاثنان؛ على الخلاف في أقل الجمع، ولا يتناول ما بعدها، وكذلك جموع الكثرة، إذا قلنا: إن أقل مراتب مدلولها أحد عشر؛ على رأي الأدباء، أو الاثنان، والثلاثة؛ على رأي الأصوليين؛ فإن اللفظ دل على هذا العدد المعين، ولم يتناول ما بعده؛ لأن المعنى بالتناول الدلالة والإفادة والفهم عند السماع، وهو منفي في الزائد؛ إجماعا في الجموع النكرات، إلا ما شذ من قول بعضهم. قوله: " وإن لم تكن الكثرة معينة، فهو العام ": يريد بالتعيين المسكوت (عنه) هاهنا مرتبه معينة بكونها مسلوبة النهاية، وهذا نوع من التعيين، فإن ما لا يتناهى يمتاز، ويتعين بسلب النهاية عن المتناهى، ثم إن اللفظ الذي يتخيل وضعه للماهية يفيد كثرة غير متناهية تصدق بطريقين: أحدهما: أن يكون موضوعا لمجموع هذا المفهوم، أي: الكل من حيث هو كل. وثانيهما: أن يكون وضع له بمعنى الكلية، وهذا هو الذي ينطبق على معنى العموم، والأول مندرج في عبارته، وليس للعموم مرد عليه، ويرد عليه أيضا أن الواضع لو قال: " وضعت هذه الصيغة للماهية " يفيد كثرة لا

стр. 1670

تختص بمرتبة الأعداد، صدق حده فيها، وصدقت هي على أي مرتبة كانت من العدد؛ لأن الموضوع الذي لا يختص بهو أعم من الذي يختص، والأعم لا يستلزم الأخص؛ فلم تسلم هذه الصيغة مرتبة معينة، فتصدق حينئذ باثنين، فرد عليه؛ لاندراجها في حده، وجميع ما ذكر من الحدود والتقاسيم في ضبط صيغ العموم لا يكاد يستقيم منها شيء، فيبقى التعويل على ما تقدم من ضبطها بأنها " الموضوعة للقدر المشترك بقيد يتبعه بحكمه في جميع محاله كلها " فلا يرد شيء من هذه الأسئلة. (تنبيه) زاد تاج الدين، فقال: " اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي: (هو) المطلق ، والدال عليها مع وحدة معينة: (هو) المعرفة، ومع وحدة غير معينة: هو النكرة، ومع وحدات معدوده - هو اسم العدد، ومع كل جزئياتها: هو العام ": قلت: قوله: " مع وحدة معينة: هو المعرفة " لا يتجه؛ لأن المعين إن أريد به المعين بالشخص، فليس في المعارف ما وضع لشخص إلا العلم؛ على ما تقرر (في) تقسيمات الألفاظ إلى الجزئي والكلي، وذكر أن المضمر موضوع لجزئي، وجرى ذلك هنالك، وإن أراد بالتعيين التعيين بالنوع، أو الجنس، أو الصفة - أشكل بالنكرات كلها، فإنها معينة أنواعها، وأجناسها كقولك: " إنسان، فرس، ظبي " إنما يتناول حقيقة معينة بنوعها. وقوله: " إن كان للماهية بوحدة غر معينة " ففرق بين المطلق والنكرة؛ وهذا غير معول في اصطلاح النحاة والأصوليين، فإن (رقبة) مطلق إجماعا، ونكرة عند مجموع النحاة، وكذلك (رجل) نكرة، وهو مطلق، وعلى رأيه تكون النكرة أخص من المطلق، فكل نكرة يصدق عليها الإطلاق

стр. 1671

بوجود الماهية من حيث هي هي، ولا ينعكس؛ إذ لا يلزم من الماهية من حيث هي هي - وجود الماهية بقيد وحدة غير معينة، وبالجملة فهذا الفرق الذي أشار إليه لا يساعد عليه الاصطلاحات. وقوله: " ومع وحدات معدودة: هو اسم العدد ". يشكل عليه بالجموع كلها؛ فإن الأفراد المندرجة تحتها متعددة، وأنه تعالى يعلم عددها، وكذلك يعلمها البشر؛ فإن الإنسان غذا قال: " رايت رجالا " فهو يعلم عدد من لقي. وإ قلنا: الجمع المكسر لا يتناول إا اثنين أو ثلاثة، والدلالة مفقودة فيما عدا ذلك، فهذه الثلاث وحدات معدولة، وليست اسم عدد، ثم يرد عليه ما ورد على المصنف: من أن لفظ العدد لم يوضع للماهية، مع قيد العدد، ولا للكثرة، بل لمرتبة معينة من الكثرة دون المتكثر فقط. وقوله: " ومع كل جزئياتها: هو العام العام ": في كل لفظ ما يعلمه من السؤال. إن أراد به الكلية صح، أو الكل من حيث هو كل، لا يصح؛ لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي؛ كما تقدم، ولما كان لفظه مترددا بين الجنسين، لم يصح لدخول ما لا يكون عاما في ضابط العام. وزاد التبريزي فقال: " اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي: هو المطلق، ويسمى مفهومه كليا، والدال بوصف الكثرة، إن لم ينحصر، فهو العام، وإن انحصر: فهو الجمع المنكر، والدال عليها بوصف الوحدة: ÷والعلم، واسم الغشارة، وما في معناه، وإن كانت ذهنية: فهي المطلق عند الفقهاء، ويخصون الأول باسم الجنس، وأما الدال على نفس الكثرة، فإن

стр. 1672

أشعر بكمية: فهو اسم العدد، وإلا: فهو على الأقسام المذكورة، فإن الكثرة: معنى من المعاني تلحقها الكثرة والوحدة، وكذلك الوحدة ". قلت: ما على تفسير العام قد تقدم. وقوله: " إن انحصر: فهو الجمع المنكر ": إشارة إلى ما تقدم: أن مدلول الجمع الاثنان أو الثلاثة؛ على الخلاف، فمدلولها محصور. وقوله: " الدال على الماهية بالوحدة المعينة: هو العلم " صحيح. وقوله: " واسم الإشارة، وما في معناه " غير متجه؛ لأن اسم الإشارة، لو كان موضوعا لمعين، كالسلم، لما صدق على شخص آخر إلا بوضع آخر، لكنه يصدق على ما لا يتناهى، فدل على أنه موضوع لمفهوم المشار إليه، الذي هو مفهوم مشترك كلي، وكذلك صدق على ما لا يتناهى من المحال، وكذلك المضمارت، وجميع المعارف غير العلم، وقد تقدم بسطه في تقسيم الجزئي والكلي. وقوله: " وإن كانت ذهنية، فهو المطلق عند الفقهاء ". يشير إلى ان المطلق وضع للمفهوم الكلي القابل للكثرة والوحدة، وهذا القابل هو صورة ذهنية؛ فإن الواقع في الخارج، إن كان واحدا، استحالت الكثرة عليه، أو كثيرا استحالت الوحدة عليه؛ من حيث هو كثير، فالقابل للأمرين إنما هو في الذهن، والصورة الذهنية واحدة مشخصة، وفرد من افراد تصورات تلك الماهية، وقد تقدم بسطه في علم الجنس عند تقسيمات الألفاظ، وهو يشير إلى أن اللفظ إنما وضع للصورة الذهنية؛ فعلى هذا اللفظ المطلق مدلوله صورة متوحدة ذهنا. وقوله: (عند الفقهاء): احتراز من اصطلاح اللغة؛ فإن المطلق لغة إنما هو الذي ليس له قيد حقيقي، ثم استعير لعدم القيود المعنوية في اصطلاح

стр. 1673

الفقهاء؛ فهو مجاز راجح، وحقيقة عرفية عند الفقهاء، والأصوليون معهم في ذلك، لكنه خصص الفقهاء بالذكر؛ لأنهم أكثر استعمالا لهذا اللفظ من الأصوليين؛ لتكرره في أعيان المسائل عندهم. وقوله: " ويخصون الأول باسم الجنس ": يريدون المطلق الكلي. وقوله: " وأما الدال على نفس الكثرة ": أخرج بعبارته هذه ما ورد على الجماعة من أن لفظ العدد، لم يوضع لعدد مع المعدود، بل للعدد فقط، فأشار هو لذلك؛ فقال: " لنفس الكثرة " من غير اعتبار الماهية المعدود. وقوله: " إن أشعر بكمية، فهو اسم العدد ": يعني أن العدد في الاصطلاح عند المتحدثين على كليات الأجناس يسمى: (الكم) فالكم العدد، وكذلك الكمية، وتشدد الميم وتخفف، وكذلك الياء لغتان في كمية، وأصله لفظ كم (الشيء) التي تقول العرب فيها: كم عندك درهما؟ فلما كانت (كم) يسأل بها عن الأعداد، اشتق للعدد اسم منها (كم) و (كمية). وقوله: " وإلا فهو على الأقسام ": يريد أن هذه الماهية، التي هي الكمية، قد توضع لمفرد منها معين في الخارج؛ فيكون عاما، أو معينا ذهنا؛ فيكون مطلقا، ولعدد محصور؛ فيكون جمعا للعدد، أو غير محصور؛ فيكون لفظا عاما في العدد. ***

стр. 1674

المسألة الرابعة قال الرازي: اختلف الناس في صيغة (كل) و (جميع) و (أي) و (ما) و (من) في المجازة، والاستفهام: فذهبت المعتزلة، وجماعة من القهاء: غلى أنها للعموم فقط، وهو المختار، وانكرت الواقفية ذلك، ولهم قولان: فالأكثرون ذهبوا: إلى أنها مشتركه بين العموم والخصوص. والأقلون قالوا: لا ندري أنها حقيقة في العموم فقط؛ أو الخصوص فقط، أو الاشتراك فقط، والكلام في هذه المسألة مرتب على فصول خمسة: الفصل الأول في أن: (من) و (ما) و (أين) و (متى) في الاستفهام - للعموم فنقول: هذه الصيغ: إما أن تكون للعموم فقط، او للخصوص فقط، أو لهما؛ على سبيل الاشتراك، أو لا لواحد منهما، والكل باطل إلا الأول. أما أنه لا يجوز أن يقال: إنها موضوعة للخصوص فقط: فلأنه لو كان كذلك، لما حسن من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء؛ لأن الواجب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، لكن لا نزاع في حسن ذلك. وأما أنه لا يجوز القول بالاشتراك؛ فلأنه لو كان كذلك، لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، مثل أنه إذا قيل: من عندك؟ فلا بد ان تقول: تسألني عن الرجال، أو عن النساء؟ فإذا قال: (عن الرجال)

стр. 1675

فلا بد أن تقول: تسألني عن العرب، أو عن العجم؟ فإذا قال: (عن العرب) فلا بد ان تقول: تسالني عن ربيعة، أو عن مضر؟ وهلم جرا، إلى ان تأتي على جميع التقسيمات الممكنة؛ وذلك لأن اللفظ: غما أن يقال: إنه مشترك بين الاستغراق، وبين مرتبة معينة في الخصوص، او بين الاستغراق، وبين جميع المراتب الممكنة؛ والأول باطل؛ لأن أحدا لم يقل به. والثاني يقتضي الا يحسن من المجيب ذكر الجواب، إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام؛ لأن الجواب لابد وأن يكون مطابقا للسؤال، فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة، فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال، لاحتمل ألا يكون الجواب مطابقا للسؤال؛ وذلك غير جائز. فثبت أنه لو صح الاشتراك، لو جبت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة: أما أولا؛ فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك، كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها؛ على سبيل التفصيل، محال. وأما ثانيا؛ فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان؛ أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات. وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة لا للعموم، ولا للخصوص، فمتفق عليه، فبطلت هذه الأقسام الثلاثة، ولم ييبق إلا القسم الأول؛ وهو الحق. فإن قيل: لا نسلم أنها غير موضوعة للخصوص. قوله: " لو كان كذلك، لما حسن الجواب بذكر الكل ". قلنا: متى إذا وجدت مع اللفظ قرينة تجعله للخصوص، أو إذا لم توجد الأول ممنوع، والثاني مسلم.

стр. 1676

بيانه: أن من الجائز أن تكون هذه الصيغة موضوعة للخصوص؛ إلا أنه قد يقترن بها من القرائن ما يصير المجموع للعموم؛ لجواز أن يكون حكم المركب مخالفا لحكم المفرد. سلمنا ذلك؛ فلم لا يكون مشتركا؟ قوله: " لو كان كذلك، لوجبت الاستفهامات " قلنا: لم لا يجوز أن يقال: هذه اللفظة لا تنفك عن قرينه دالة على المراد بعينه؟ فلا جرم لا يحتاج إلى تلك الاستفهامات. سلمنا إمكان خلوه عن تلك القرينة؛ لكن متى يقبح الجواب بذكر الكل؟ إذا كان ذكر الكل مفيدا لما هو الملطلوب بالسؤال؛ على كل التقديرات، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. بيانه: أن السؤال: إما أن يكون قد وقع عن الكل، أو عن البعض فإن وقع عن الكل، كان ذكر الكل هو الواجب؟ وإن وقع عن البعض، فذكر الكل يأتي على ذلك البعض؛ فيكون ذكر الكل مفيدا لحصول المقصود؛ على كل التقديرات، وذكر البعض ليس كذلك فكان ذكر الكل أولى. سلمنا أن الاشتراك يوجب تلك الاستفهامات؛ لكن لا نسلم أنها لا تحسن؛ ألا ترى أنه إذا قيل (له): من عندك؟ حسن منه أن يقول: اعن الرجال تسألني، أم عن النساء؟ أعن الأحرار، أم عن العبيد؟ غاية ما في الباب أن يقال.

стр. 1677

الاستفهام عن كل الأقسام الممكنة غير جائز؛ لكنا نقول: ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك - أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك؛ وعليكم الترجيح. سلمنا أن ما ذكرتم يدل على قولكم؛ لكنه معارض بأن هذه الصيغ، لو كانت للعموم فقط، لما حسن الجواب إلا بقوله: لا (أو) نعم؛ لأن قوله: من عندك؟ تقديره: أكل الناس عندك؟ ومعلوم أن ذلك لا يجاب إلا بـ (لا) أو بـ (نعم) فكذلك هاهنا. والجواب: قوله: " الصيغة، وإن كانت حقيقة في الخصوص؛ لكن لم لا يجوز أن يقترن بها ما يصير المجموع للعموم؟ ". قلنا: لثلاثة أوجه: الأول: أن هذا يقتضي، أنه لو لم توجد تلك القرينة - ألا يحسن الجواب بذكر الكل. ونحن نعلم بالضرورة من عادة أهل اللغة حسن ذلك، سواء وجدت قرينة أخرى، أم لم توجد. الثاني: أن هذه القرينة لابد، وان تكون معلومة للسامع والمجيب معا؛ لأنه يستحيل أن تكون تلك القرينة طريقا إلى العلم بكون هذه الصيغة للعموم، مع أنا لا نعرف تلك القرينة. ثم تلك القرينة: إما أن تكون لفظا، أو غيره. والأول باطل؛ لأنه إذا قيل لنا: من عندك؟ حسن منا أن نجيب بذكر كل من عندنا، وإن لم نسمع من السائل لفظة أخرى.

стр. 1678

والثاني باطل أيضا؛ لأنا لا نعقل قسما آخر وراء اللفظ يدل على مقصود المتكلم إلا الغشارة، وما يجري مجراها؛ من تحريك العين والرأس، وغيرهما. وكل ذلك مما لا يطلع الأعمى عليه، مع أنه يحسن منه أن يجيب بذكر الكل. الثالث: أن من كتب إلى غيره؛ فقال: من عندك؟ حسن منه الجواب بذكر الكل، مع أنه لم يوجد في الكتبة شيء من القرائن. وبهذه الوجوه؛ خرج الجواب أيضا عن قوله: إنما لم يحسن الاستفهام عن جميع الأقسام؛ لأن اللفظ لا ينفك عن القرينة الدالة، وأيضا: فقد انعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك يجوز خلوه عن جميع القرائن المعينة. قوله: " إنما حسن الجواب بذكر الكل؛ لأن المقصود حاصل على كل التقديرات ". قلنا: يلزم منه لو قال: من عندك من الرجال؟ - أن يحسن منه ذكر النساء مع الرجال؛ لأن تخصيص الرجال بالسؤال عنهم، لا يدل على أنه لا حاجة به إلى السؤال عن النساء، فلما لم يحسن في هذا فكذا فيما ذكرتموه. وأيضا: فكا أنه يحتمل أن يكون غرضه من السؤال ذكر الكل، أمكن أن يكون غرضه السؤال عن البعض، مع السكوت عن الباقين. قوله: " قد يحسن الاستفهام عن بعض الأقسام، فليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ثبوت الاشتراك ". قلنا: قد ذكرنا أنه ليس في الأمه أحد يقول بأن هذه الصيغ مخصوصة ببعض مراتب الخصوص، دون البعض، فلو كانت حقيقة في الخصوص،

стр. 1679

لكانت حقيقة في كل مراتب الخصوص، ولو كان كذلك، لوجب الاستفهام عن كل تلك المراتب، فلما لم يكن كذلك؛ علمنا فساد القول بالاشتراك. فأما حسن بعض الاستفهامات، فلا يدل على وقوع الاشتراك؛ لما سنذكر، إن شاء الله تعالى؛ أن للاستفهام فوائد أخرى سوى الاشتراك. قوله: " لو كانت هذه الصيغة للعموم، لما حسن الجواب إلا بـ (لا) أو (نعم). قلنا: لا نسلم؛ وذلك لأن السؤال هاهنا ما وقع على التصديق؛ حتى يكون جوابه بـ (لا) أو بـ (نعم)، بل إنما وقع عن التصور؛ فقوله: من عندك؟ معناه: " إذكر لي جميع من عندك من الأشخاص، ولا تبق احدا إلا وتذكره لي " ومعلوم أنه لا يحسن الجواب عن هذا السؤال بـ (لا) أو (نعم)، والله أعلم. المسألة الرابعة في أن (كل) و (جميع) و (أي) و (من) و (ما) في المجازة والاستفهام قال القرافي: قد تقدم ما في اشتراط الشرط والاستفهام من الفائدة، ومن الضرر في المسألة الثانية. قوله: " للواقفية قولان: أحدهما: أن الصيغ مشتركة بين العموم والخصوص ". تقريره: أنهم لما قالوا بالاشتراك، فهم يتوقفون عند الإطلاق في الحمل على العموم، أو الخصوص إلا بقرينة؛ فتوقفهم في الحمل لا في الوضع؛ لأن من قال بالاشتراك، فقد جزم بالوضع، ولم يتوقف فيه، وغنما سموا واقفية لأجل الحمل فقط.

стр. 1680

قال سيف الدين: اختلف العلماء، هل للعموم لفظ موضوع؟ نفاه المرجئة، وأثبته الشافعي، وجماهير المعتزلة، وكثير من الفقهاء. وقالوا: هذه الصيغ حقيقة في العموم، مجاز في غيره. ومنهم: من خالف في الجمع المعرف، واسم الجنس إذا عرف باللام؛ قالوا: إلا أبا هاشم؛ وقال: هي حقيقة في الخصوص، مجاز في غيره. وعن الأشعري: الاشتراك، وعدم الحكم مطلقا، قولان، ووافقه على الثاني القاضي أبو بكر. وعلى كل واحد من القولين جماعة من الأصوليين، ومن الواقفية من فصل بين الأخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي. قال المازري في (شرح البرهان): مشهور الشيخ أبي الحسن الوقف، وللواقفية في موضع الوقف خمسة أقوال، وفي صفة الوقف قولان: أما الخمسة: فالمشهور عندهم: انهم على الإطلاق، وقيل به في الأوامر دون الأخبار، وقاله المرجئة. وقيل: بالعكس. وقيل: في الوعيد بحسن الخلف دون الوعد. وقيل: الوقف في الوعيد في عصاة الملة خاصة. وقيل: في الوعد والوعيد في حق من لم يسمع خطاب الشرع، دون من سمعه. وأما المذهبان: فالاشتراك أو عدم العلم بالوضع؛ كما تقدم، ولبعضهم أن لفظ (المؤمنين) و (الكافرين) وضعه الشرع للعموم؛ كما نقل لفظ (الصلاة) و (الحج) وهو غير صحيح، بل الحق أن العموم من اللغة.

стр. 1681

قال الأبياري في (شرح البرهان): وإذا قلنا بالتعميم، اختلف، هل يدل قطعا، أو ظنا، أو بعضها وبعضها؟ فقال الشافعي والمعتزلة: يدل قطعا إذا تجردت عن القرائن، ومدرك المعتزلة: استحالة تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأما الشافعي، فرأى أنه يجوز تأخير المخصص لغة. وأكثر الفقهاء أن دلالتها ظنية. وفرق أبو المعالي في (البرهان) فقال: أدوات الشرط دلالتها قطعية، إذا تجردت. قوله: " لو كانت للخصوص، لما حسن الجواب بالكل؛ لأن من شرط الجواب أن يكون مطابقا ". قلنا: اتفقنا على حسن الجواب في الاستفهام، إذا قال: من في الدار؟ فنقول: (زيد) مع أن زيدا ليس مطابقا للعموم؛ لأن العموم أفراده غير متناهية، و (زيد) فرد واحد مخصوص، فانتقض ما ذكرتموه. (فائدة) قوله: (وهلم جرا) انتصب (جرا) على المصدر بفعل مضمر ، وهلم، معناه: أقبل، وهو اسم فعل أمر. وتقدير الكلام: اقبل بنا نجر جرا، فإذا قلت: ما رأيته من سنة، وهلم جرا، أي: أقبل بنا نجر عدم رؤيتي له من سنة إلى الآن، فهو من الجر الذي هو الجذب.

стр. 1682

قوله: " جاز أن يكون موضوعه للخصوص، إلا انه اقترن بها قرينة توجب كونها للعموم، وحكم المركب مخالف لحكم المفرد " تقريره: المركب من لام التعريف، والجمع يوجب العموم، وكل واحد على حياله لا يوجب العموم، وكذلك النفي مع النكرة، وهو كثير يحصل للمركبات ما لا يحصل للمفردات. فالجواب: حسن بالكل لأجل القرينة؛ ويرد عليه أن الأصل عدم القرينة وحسن الجواب؛ فالكل مطرد. قوله: "لا نسلم أن الاستفهام لا يحسن؛ ألا ترى أنه إذا قال: من عندك؟ يحسن أن تقول: أتسالني عن الرجال أو النساء؟ " قلنا: إذا اوردتم الاستفهام علينا نحن: قلنا (إنم) نمنعه بناء على أن الصيغة للعموم، وإن وقع الاستفهام، فلا يقع إلا على وجه الاحتياط؛ فلا يلزم الإكثار منه. أما على رأيكم: فالقول بالاشتراك يوجب تعدد الاستفهام؛ بحسب المراتب للتوهم قطعا؛ فظهر أن إيراده علينا ليس كإيراده عليكم؛ فلا يتجه الإلزام. قوله: " ليس الاستدلال بقبح بعض الاستفهامات على عدم الاشتراك، بأولى من الاستدلال بثبح بعض الاستفهامات على عدم الاشتراك، بأولى من الاستدلال بحسن بعض الاستفهامات على الاشتراك ". تقريره: أن الاستفهامات الكثيرة جملا قبيحة في عرف الاستعمال، فيتعين حذف جملة من تلك الكثرة؛ حتى يزول القبح، فتلك الجمل المحذوفة لأجل القبح هي التي يستدل بها على عدم الاشتراك؛ لأنه لو ثبت لضرورة الاشتراك، والبعض الذي ليس بقبيح لا يمكن أن يبقى لعدم قبحه، وإذا ثبت كان دليل الاشتراك.

стр. 1683

قوله: " القرينة التي هي إشارة، أو غيرها لا يمكن إطلاع الأعمى عليها ". قلنا: لا نسلم؛ فإن الأعمى يمكنه أن يدرك النجاسة بمس يده وغيرها صورة الإنسان الكائنة في اليد أو غير اليد، ويكون الناس قد اصطلحوا في ذلك القطر على إشارة خاصة تفيد العموم، فيوضع على جسمه، أو يضع هو يده عليها؛ فيدركها، ويؤكد ذلك أن قبض الأصابع وفتحها بسرعة يشعر بالاستغراق عرفا، والأعمى يمكنه أن يدرك ذلك بحاسة اللمس. قوله: " يلزمك، إذا قال: من عندك من الرجال؟ أن تجب بذكر الرجال والنساء؛ لأن ذكره للرجال لا يدل على استغنائه عن النساء ". قلنا: الإلزام غير مطابق قلوصةر النزاع؛ لأنه إذا قال: من عندك من إخوانك؟ فقال: (كلهم) لم يأت بأجنبي عن لفظ السؤال، وأما إذا ذكر السامع أنه ما ذكرها، إنما ذكر الرجال، فقد أتى بما لم يتعرض اللفظ إليه؛ فليس هو في الحسن مثل الأول، وغذا كان مخالفا لهم بفرق معتبر، لا يرد نقضا؛ " لأن النبي لما قال: (الحي ميتة) كان قد سئل عن الماء فقط، فأجاب " بالماء والميتة؛ تكثيرا للفائدة، فللخصم أن يلتزم الصورة المذكورة تكثيرا للفائدة؛ لأنه كلام عربي كما جاء في الاستعمال النبوي. قوله: " حسن بعض اقسام الاستفهام لا يدل على الاشتراك؛ لما سنبينه، إن شاء الله تعالى ". تقريره: أن الاستفهام لا يدل على الاشتراك؛ لأنه قد يستفهم في النصوص التي لا إجمال فيها: إما لفرط الحب؛ كما إذا قال القائل للرجل البخيل: إن السلطان بعث إليك بألف دينار، فيقول: ألف دينار، ألف دينار؟! ويكررها مائة مرة، ولفرط الكراهة؛ كما إذا قيل له: إن السلطان طلب منك ألف دينار، وقد يكون لفرط الاستغراب؛ كما إذا قال القائل: حفظ فلان البارحة ألف ورقة من الفقه، أو لدفع المجاز البعيد المتوهم؛ كما إذا قال

стр. 1684

قال القائل: " رأيت فلانا يشقق الشعر " فيقال: " رأيته يشقق الشعر؟ "؛ لأنه يتوهم أن المقصود فرط ذكائه؛ لأنهم يقولون: فلان ذكي يشقق الشعر " وليس المراد التشقيق حقيقة، فيخشى السامع مثل هذا المجاز؛ فيستفهم؛ حتى يرفعه. قوله: " وقع السؤال هاهنا عند التصديق، فكان الجواب بـ (لا) او (نعم) أما إذا وقع عن التصور؛ كقوله: " من عندك؟ إنما وقع عن التصور ". تقريره: أن (نعم) و (بلى) و (لا): حروف وضعت للجواب عن التصديقات دون التصورات؛ فتعم الموافقة كلام المتكلم نفيا أو إثباتا. و (بلى): لمخالفة النهي، و (لا) لمخالفة الغثبات؛ فإذا قال: " قام زيد " وأردنا موافقته، قلنا: نعم، وإن أردنا مخالفته، قلنا: لا، وإذا قال: " ما قام زيد "، واردنا موافقته قلنا: نعم، وغن أردنا مخالفته، قلنا: بلى. وهذه كلها تصديقات؛ وبهذا يظهر قول العلماء: إن الملائكة لو قالوا: نعم، في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم؟﴾ [الأعراف: ٧٢] نعم - قرروا العدم، وتقرير عدم الربوبية كفر، فلما قالوا: بلى، فقد خالفوا النفي، فأثبتوا الربوبية، فكانوا مطيعين موفقين بحمد الله تعالى. وكذلك قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمن: ٣٦] فالجواب: بلى. وقوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨]. فالجواب: بلى؛ لأن الاستفهام وقع عن ثبوت أمر، الواقع خلافه،

стр. 1685

ومخالفة الثبوت إنما تكون بـ (لا) وعلى هذا المنوال، فليكن علمك محيطا به في الكتاب والسنة ولسان العرب. إذا تقرر هذا، ظهر أن (لا) و (نعم) إنما يكونان في التصديقات دون التصورات. وقول القائل: " اكل الناس عندك؟ ": إستفهام دخل على قول القائل: " كل الناس عندك " و " كل الناس عندك " تصديق بالضرورة، فلما سمعته قصدت أن تعلم صدقه من كذبه، فيجاب بـ (نعم) أو (لا) إن كان كاذبا، وقول القائل: من عندك؟ استفهام عن صورة من هو الموصوف بالعندية، والوصوف بالعندية حقيقة مفردة تصورية لقول القائل: " مثل الخط الحسن " فهذه صورة لا تصديق؛ فلا يحسن فيها (نعم)؛ وإلا لعدم التصديق الذي جعلت العرب هذين جوابا له. (فائده) اشترك " من عندك؟ " و " كل الناس عندك " في العموم ، واختص كل واحد بخاصة خارجة عن كونه للعموم؛ من التصديق في الثاني، والتصور في الأول، والمختلفات يجوز اشتراكها في بعض اللوازم، واختلافها في بعض اللوازم؛ فلا جرم اشتركت في إفادة العموم، وامتازت بحسن الجواب بشيء في أحدهما، وتعذره في الآخر، وامتاز أيضا: بأن السؤال والطلب في " أكل الناس عندك؟ في حكم العندية، فالحكم الشامل (و) هو العندية، وهو المسئول عن صدق الخبرية، والشمول في (من عندك) - ليس باعتبار الشمول بالعندية؛ فإنها قد لا تكون وقعت في الوجود، أو وقعت لفرد وحده؛ بل الشمول والعموم باعتبار الاستفهام، اي: الاستفهام وشمل جميع المراتب التي تقبل الاتصاف بالضدية، فاعلم ذلك.
следующие страницы →