Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
والاستثناء في هذا الموضع مما يجوز دخوله، ولا يخرجه ذلك عن كونه لأقل الجمع.
قوله: " يصح انتزاع المنكر من المعرف، فيكون المعرف أكثر؛ فيكون للعموم؛ لأن ما دون العموم، العموم أكثر منه.
قلنا: جاز أن تكون الصيغة مشتركة بين العموم والخصوص؛ كما قاله جماعة من الواقفية، وتكون قرينة الانتزاع دليل إرادة العموم في المنتزع منه، والكل عند عدم القرينة، هل يحمل على العموم أم لا؟
ولا نزاع عند الواقفية في احلمل على العموم عند القرينة، إنما النزاع عند عدمها، ثم إنا نقول: صحة الانتزاع يتوقف على صحة إيراد الكلية، فالصحة متوقفة على الصحة، لا على الوقوع؛ كما تقول: إنه يصح الاستثناء من المطلقات؛ بناء على محالها، وأزمنتها، وبقاعها، وأحوالها؛ لأنها يمكن إرادتها، والتعيين منها، فذلك هاهنا.
قوله في الأمثلة: " لو كانت للعموم، لزم المحال في استعماله في العهد ".
قلنا: المجاز أو الاشتراك لازم على تقدير كونها للعموم أو ليست للعموم؛ لأنها لم لو تكن للعموم، لزم الاشتراك أو المجاز، إذا استعملت في العموم، واللازم على النقيض لا يجبر زمنه؛ لتعذر الاحتراز منه.
قوله: " يكون الكل والبعض داخلا عليه خطأ ".
قلنا: لا يكون خطأ، بل الكل تأكيد، والبعض تخصيص، والعام قابل لهما لغة، وما هو قابل لهما لغة لا يكون خطأ.
فإن قلت: " هما على خلاف الأصل ".
قلت: والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل، فلو لم تكن للعموم،
стр. 1752
واستعملت في العموم، لزم المجاز والاشتراك، غير أن المجاز على تقدير كونها للعموم أحسن، وأقل مخالفة للأصل؛ لان الكلية مستلزمة للجزئية؛ بخلاف العكس.
وإذا حصلت الملازمة، كان المجاز أرجح من صورة عدم الملازمة، ثم التكرير لازم للقول بالخصوص، إذا ذكر البعض.
قوله: " اللام للتعريف، فتصرف إلى ما السامع به أعرف ".
قلنا: فعلى هذا؛ يبطل مقصودكم في أصل المسألة؛ لأن مقصود المسألة: أن تكون اللام للعموم عينا في اللغة، ولا تنصرف لغيره إلا بقرينة.
فإذا سلمتم أنها للقدر العام، وهو ما السامع أعرف به، بطل خصوص العموم، بل ينبغي أن تقولوا: هي حقيقة في العموم.
والعهد إنما يصار إليه لقرينة، وهو أولى من العكس؛ لوجود الاستلزام بين الكلية والجزئية. أما البعض الذي هو الجزئية، فلا يستلزم الكلية؛ فكان مجازا أولى.
قوله: " ودخول الكل والبعض لا يكون تكريرا، ولا نقضا؛ بل تأكيدا أو تخصيصا ".
قلنا: والتأكيد تكرير؛ فلا معنى يمنع التكرير، والتخصيص نقض؛ لأن العام المخصوص وجد حينئذ بدون مدلوله الذي هو العموم؛ لأجل الخصوص، ولا معنى للنقض إلا وجود الدليل بدون المدلول، والحد بدون المحدود، والعلة بدون المعلول.
فالتخصيص نقض على الدليل بالضرورة؛ لأن الألفاظ اللغوية أدلة على مسمياتها.
стр. 1753
(سؤال)
اللام تقتضي استغراق ما دخلت عليه، فإن دخلت على الإنسان، عمت أفراده ، أو البيع، عمت أفراده، وكذلك جميع ما دخلت عليه.
ومقتضى هذه القاعدة: أنها إذا دخلت على التثنية، عمت أفرادها من التثنيات، او على الجمع، عمت أفراد المجموع.
وعلى هذا التقدير؛ يتعذر الاستدلال بصيغة العموم في النهي والنفي بعد تسليم كونها للعموم؛ بسبب أن النص ينافي معناه في قوله ﵇: " لا تقتلوا الصبيان ".
أي: لا تقتلوا أفراد الجموع.
فمن قتل صبيا واحدا، لم يقتل جمعا.
فيتعذر الاستدلال به على تحريم قتل الفرد، وكذلك كل نص ورد بصيغة الجمع، أو التثنية؛ وذلك خلاف إجماع القائلين بالعموم.
جوابه: أن العرب وضعت اللام، وجميع صيغ العموم؛ لاستغراق أفراد ما دخلت عليه كل فرد فرد؛ لكانت في المفردات، أو التثنيات، أو الجموع، ولا يعتبر في ذلك أفراد الجموع، ولا أفراد التثنيات، فتأمل هذا السؤال؛ فهو مفيد
стр. 1754
(تنبيه)
زاد سراج الدين؛ فقال عند قوله: اللام للتعريف، وليس للعهد؛ فيتعين الاستغراق ، فقال: يكون لتعيين الجمع المشترك بين كل جمع؛ كما أنها في المفرد؛ لتعيين الماهية المشتركة بين كل فرد.
قلت: وكلامه غير متجه؛ لأن الجمع يتعين بصيغة الجمع المنكر قبل دخولها عليه، ولأنها لو كانت لتعيين الجمع، لتعذر الاستدلال بها في النفي والنهي؛ كما تقدم.
وقوله: " هي في المفرد لتعيين الماهية ": لا يتجه أيضا؛ لأن الماهية معروفة باسم الجنس النكرة قبل دخولها عليه.
وقال تاج الدين " والمنتخب: اللام تنصرف للعموم عند عدم العهد " وهو كلام يشعر بأن الأصل العهد، وإنما يعدل إليه ند عدم العهد، كما تقول: يصار للتيمم، عند عدم الماء، ولصلاة الظهر، عند تعذر الجمعة، وليس ذلك مراده؛ بل هو مثل قولنا: ويحمل الكلام على حقيقته، إذا تعذرت القرينة الصارفة للمجاز، وعلى عدم الإضمار، إذا عدم الدال عليه، ويرث الابن، عند عدم القضاء بتوريثه؛ لأجل كفره، وهذه المسائل كلها فروع، والأصل الحقيقة دون المجاز، وجميع ما ذكره معه، فتأمل كلام المختصرين، ولا يوهمك خلاف المراد.
***
стр. 1755
المسألة السادسة
قال الرازي: الجمع المضاف؛ كقولنا: " عبيد زيد " للاستغراق ؛ والدليل عليه ما تقدم.
وأما الكناية؛ فكقوله: " فعلوا " فإنه يقتضي مكنيا عنه، والمكنى عنه قد يكون للاستغراق، وقد لا يكون كذلك؛ فالكناية عنه أيضا تكون كذلك.
المسألة السادسة
قال القرافي: الجمع المضاف؛ كقولنا " عبيد زيد ".
قلت: الإضافة تقتضي العموم، كان المضاف إليه جمعا، أو مفردا.
قال موفق الدين في (الروضة): تقتضي الإضافة العموم، كان المضاف مفردا أو جمعا، جامدا أو مشتقا؛ كما في قوله ﵇: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " يعم جميع أفراد ماء البحر وميتاته.
احتج سيف الدين بقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] استدلت فاطمة على الصديق ﵄ بعمومه، ولم ينكر عليها عمومه.
وبقوله تعالى لنوح ﵇: ﴿وأهلك﴾ [هود: ٤٠] فحمله نوح ﵇ على العموم؛ فقال: ﴿إن ابني من أهلي﴾ ولم ينكر الله تعالى عليه أنه من أهله؛ بل قال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾.
стр. 1756
(تنبيه)
المفردات قسمان:
منها: ما يصدق المفرد منها على الكثير؛ نحو ماء، ومال، ولحم، وذهب، وفضة؛ فالكثير، وإن عظم، يقال له ذلك.
ومنها: ما لا يصدق؛ كرجل، وردهم، ودينار؛ فلا يقال للجمع الكثير من الرجال: رجل، ولا للداراهم: درهم؛ وهو كثير في المفردات، والقسم الأول كثير أيضا، وقد نص العلماء على أن الإضافة توجب العموم، فهل يختص ذلك بما يصدق على الكثير؛ نحو: مالي صدقة؛ لأنه لما قبل صدقة على الكثير، قبل على العموم، وما لا يقبل الكثرة، لا يقبل العموم درهم زائف، فإنا ندرك الفرق بين قولنا: ماله حرام، وبين قولنا: درهمه حرام، وأن الأول للعموم، دون الثاني.
وكذلك إذا قال: " عبدي حر " لا يفهم العموم، وإذا قال: " عبيدي أحرار " يفهم العموم من الجمع، ولا نفهمه من المفرد، وفي القسم الأول: نفهمه منهما، فإذا قال: " مالي صدقة " عم، كما إذا قال: " أموالي صدقة " وتأمل هذا الموضع، فلم أر لأحد فيه شيئا، وباعتباره تتجه منوع، في بعض الصيغ والأسئلة كثيرة، وكذلك أيضا لا نفهم العموم من إضافة التثنية في شيء من الصور، كان المفرد يعم أو لا؟
فإذا قال: " عبداي حران " إنما يتناول عبدين؛ كما إذا قال: " مالاي " لا يعم أمواله، فالمفهوم سواء عن العموم في التثنية وهو خلاف الجمع في اكل والمفرد على التفصيل.
قوله: " الكناية تقتضي مكنيا عنه، وقد يكون للاستغراق، وقد لا يكون ".
стр. 1757
تقريره: أنه يريد بالكناية الضمائر، والضمائر تابعة لما تعود عليه، فإن كان ظاهره عاما، فالضمير عام؛ كقولك: " المشركون يقتلون، وأمر الله بقتلهم " وإن كان الظاهر ليس عاما، لم يكن الضمير عاما؛ كقولك: " زيد وعمرو وخالد يخرجون، وأمر الله تعالى بإكرامهم " فإن هذا الضمير لا يتعدى الثلاثة التي هي ظاهره؛ فلا يقال في الضمير: " لا عام " ولا " ليس عاما " بل يقبل الأمرين بحسب ظاهره.
***
стр. 1758
المسألة السابعة
قال الرازي: إذا أمر جمعا بصيغة الجمع، أفاد الاستغراق فيهم ؛ والدليل عليه: أن السيد، إذا أشار إلى جماعة من غلمانه بقوله: " قوموا " فليس يتخلف عن القيام أحد، إلا استحق الذم؛ وذلك يدل على أن اللفظ للشمول، ولا يجوز أن يضاف ذلك إلى القرينة؛ لأن تلك القرينة، إن كانت من لوازم هذه الصيغة، فقد حصل مرادنا، وإلا فلنفرض هذه الصيغة مجردة عنها، ويعود الكلام، والله أعلم.
المسألة السابعة
قال القرافي: أمر الجمع بصيغة الجمع، يقتضي العموم فيهم.
أصلح التبريزي هذه الفهرسة؛ فقال: " الخطاب مشافهة بصيغة الجمع ".
والحاصل أن الضمير في " قوموا " ونحوه من ضمائر الخطاب، هل يقتضي العموم؟
قلت: وهذه المسألة يتعين فيها التفصيل: فإن كان المخاطب المتكلم متحيزا مختصا بجهة، اختص الخطاب لمن في جهته، ويكون عاما فيهم، وهو مراد المصنف، وإن كان المتكلم هو الله تعالى المنزه عن الجهات، عم الخلائق الصالحة لذلك الخطاب كلهم؛ لأنه تعالى لما لم يكن في جهة، كانت نسبة الجهات كلها إليه نسبة واحدة، فلم يختص الحكم ببعض الجهات؛ بخلاف المخلوق، لما اختص بجهة وحيز، اختص خطابه بأهل جهته وحيزه. وكذلك النداء يختص في حق المخلوق لمن يصلح لذلك النداء؛ فقول الله تعالى: ﴿يأيها الناس﴾ [البقرة: ٢١] يعم الناس في جميع الأرض،
стр. 1759
وقول أحد الناس: " يأيها الناس " إنما يتناول من يمكنه سماع ندائه؛ لقربه من جهته، ولا يتعدى لغيره إلا بدليل؛ فإن العرب لم تضع النداء لطلب من لم يسمع، وإنما وضعته لطلب السامع، بل اللغات كلها ما وضعت في مطالبها إلا الممكنات العادية، دون الممتنع عادة؛ فتأمل هذه الفروق؛ فهي متعينة وليس منه.
***
стр. 1760
الشطر الثاني من هذا القسم
فيما ألحق بالعموم، وليس منه
قال الرازي: المسألة الأولى: الواحد المعرف بلام الجنس لا يفيد العموم؛ خلافا للجبائي، والفقهاء، والمبرد.
لنا وجوه:
الأول: أن الرجل، إذا قال: " لبست الثوب، وشربت الماء " لا يتبادر إلى الفهم الاستغراق.
الثاني: لا يجوز تأكيده بما يؤكد به الجمع؛ فلا يقال: " جاءني الرجل كلهم أجمعون ".
الثالث: لا ينعت بنعوت الجمع؛ فلا يقال: " جاءني الرجال القصار، وتكلم الفقيه الفضلاء ".
فأما ما يروى من قوله: " أهلك الناس الدرهم البيض، والدينار الصفر " فمجاز؛ بدليل أنه لا يطرد، وأيضا: فالدينار الصفر، إن كان حقيقة، فالدينار الأصفر مجاز، كما أن الدنانير الصفر، لما كانت حقيقة، كان الدينار الأصفر، إما خطأ، أو مجازا.
الرابع: البيع جزء من مفهوم هذا ابيع، وإحلال هذا البيع يتضمن إحلال البيع، فلو كان لفظ البيع مقتضيا للعموم، لزم من إحلال هذا البيع إحلال كل البيع ومعلوم أن ذلك باطل.
стр. 1761
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: اللفظ المطلق، إنما يفيد العموم، بشرط العراء عن لفظ التعيين، أو يقال: اللفظ المطلق، وإن اقتضى العموم، إلا أن لفظ التعيين يقتضي خصوصه.
قلت: أما الأول: فباطل؛ لأن العدم لا مدخل له في التأثير، وأما الثاني: فلأنه يقتضي التعارض؛ وهو خلاف الأصل.
الخامس: هو أنا قد بينا: أن الماهية غير، ووحدتها غير، وكثرتها غير، والاسم المعرف لا يفيد إلا الماهية، وتلك الماهية تتحقق عند وجود فرد من أفرادها؛ لأن هذا الإنسان مشتمل على الإنسان مع قيد كونه هذا؛ فالآتي بهذا الإنسان آت بالإنسان.
فالإتيان بالفرد الواحد من تلك الماهية يكفي في العمل بذلك النص.
فظهر أن هذا اللفظ لا دلالة له على العموم ألبتة:
احتجوا بوجوه:
أحدها: أنه يجوز أن يستثنى منه الآحاد، التي تصلح أن تدخل تحته؛ لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا﴾ [العصر: ٢] والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه؛ وذلك يدل على كون هذا اللفظ عاما.
وثانيها: أن الألف واللام للتعريف، وليس ذلك لتعريف الماهية؛ فإن ذلك قد حصل بأصل الاسم ولا لتعريف واحد بعينه؛ فإنه ليس في اللفظ دلالة عليه، اللهم إلا عند المعهود السابق، وكلامنا فيما إذا لم يوجد ذلك ولا لتعريف
стр. 1762
بعض مراتب الخصوص؛ فإنه ليس بعض تلك المراتب أولى من بعض؛ فلابد من الصرف إلى الكل.
وثالثها: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية؛ فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] مشعر بأنه إنما صار حلالا؛ لكونه بيعا؛ وذلك يقتضي أن يعم الحكم؛ لعموم العلة.
ورابعها: أنه يؤكد بما يؤكد به العموم؛ كقوله: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل﴾ [آل عمران: ٩٣] وذلك يدل على أنه للعموم.
وخامسها: أنه ينعت بما ينعت به العموم؛ كقوله تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ [سورة ق: ١٠] وكقوله: ﴿أو الطفل الذين﴾ [النور: ٣١] وكل ذلك يدل على أنه للعموم.
والجواب عن الأول: أن ذلك الاستثناء مجاز؛ بدليل أنه يقبح أن يقال: " رأيت الإنسان إلا المؤمنين " ولو كان حقيقة، لاطرد، ويمكن أن يقال: إن الخسران، لما لزم كل الناس، إلا المؤمنين، جاز هذا الاستثناء.
وعن الثاني: أن لام الجنس تفيد تعيين الماهية، لا تعيين الكلية، وقد عرفت أن نفس الماهية لا تقتضي الكلية.
وعن الثالث: أن ذلك اعتبار مغاير للتمسك بنفس اللفظ، ونحن لا ننكر ذلك، والله أعلم.
стр. 1763
الشطر الثاني من هذا القسم: فيما ألحق بالعموم وليس منه
قال القرافي: المسألة الأولى: الواحد المعرف بلام الجنس لا يفيد العموم.
قال الغزالي في (المستصفى): المختار في هذه المسألة التفصيل: فما يتميز الواحد عن جنسه بتاء التأنيث؛ كتمرة وتمر، وبرة وبر، يعم؛ كقوله ﵇: " لا تبيعوا البر " وما لا يتميز بالتاء، إن كان يتمييز بالشخص، والوحدة؛ كالدينار والرجل، فهو ليس للعموم؛ فإنك تقول: دينار واحد، ورجل واحد، وما لا يوصف بالوحدة؛ كالذهب، فإنه يعم؛ فإنك لا تقول: ذهب واحد؛ فإن كونهم وضعوا الواحد المميز بالتاء يدل على أن ما لا ينافيه للعموم، وما لا يوصف بالوحدة دليل على أنه موضوع للعموم، وقولهم: " الدينار أفضل من الدرهم " على العموم فيه بقرينة التسعير، ولا " لا يقتل المسلم بالكافر، ولا الرجل بالمرأة " يفهم ذلك بالقرائن.
قوله: إذا قال الرجل: " لبست الثوب، وشربت الماء " لا يفهم بالقرائن منه العموم.
قلنا: النزاع في هذه المسألة، إنما هو عند التجرد عن القرائن؛ فلا ينبغي الاستدلال إلا بالصور التي لا قرائن فيها، وهاهنا القرينة موجودة، بل قطعية؛ لأن العادة قاضية بعدم لبس جميع ثياب العالم للرجل الواحد، وكذلك شرب جميع المياه.
قوله: " لا يؤكد بما يؤكد به؛ فلا يقال: جاءني الرجل كلهم ".
قلنا: لم تكتف العرب في التأكيد والنعت بالمساواة في المعنى، بل اشترطت مع ذلك المساواة في اللفظ؛ فلا ينعت، ولا يؤكد المفرد إلا باللفظ
стр. 1764
المفرد، ولا المثنى إلا باللفظ المثنى، ولا الجمع إلا بالجمع، وكذلك التأكيد، فلا يلزم من استواء اللفظين في معنى العموم أن يؤكد أحدهما بما يؤكد به الآخر، بل لابد من المساواة في اللفظ.
قوله: " أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض مجاز لعدم الاطراد ".
قلنا: قد منعتم في باب المجاز والحقيقة لزوم الاطراد في الحقيقة؛ فيلزمكم ذلك هاهنا.
قوله: " إن كان الدينار الصفر حقيقة، فالدينار الأصفر مجاز ".
تقريره: الحقيقة، إذا كانت هي نعت المفرد بالجمع، يكون نعت المفرد بالمفرد مجازا؛ لأنه على خلاف الوضع الأول، ولأنه استعمال اللفظة في غير ما وضعت له؛ لأن الأصفر لم يوضع للنعت، وقد استعمل فيه، ويرد عليه سؤالان:
أحدهما: أن اللازم، على هذا التقدير، الترادف لا المجاز؛ لأن الجمع وضع للنعت، ووضع للمفرد أيضا معه، فأما المجاز، فلا.
وثانيهما: أن البحث في النعت مع المنعوت بحث في المركبات، لا في المفردات، وعند المصنف: العرب لم تضع المركبات، وأن المجاز المركب عقلي، فلا يدعيه هاهنا، وقد تقدم هذا السؤال مرارا، وتقدم الجواب عنه؛ أن المصنف لم يفرع على مذهبه قط في هذا الكتاب، بل على مذهب الجماعة؛ وهو أن العرب وضعت المركبات.
قوله: " البيع جزء من مفهوم هذا البيع، فلو كان البيع للعموم، لزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع ".
قلنا: هذه العبارة موهمة أن المراد: أن مطلق البيع جزء من البيع الخاص؛ قولهم: " من مفهوم هذا البيع "، والمفهومات إنما هي المعاني دون
стр. 1765
الألفاظ، وعلى هذا التقدير؛ لا يلزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع، بل مطلق البيع فقط، ومطلق البيع مجمع على حله، وهو أن بيعا بإحلال، فلا يفقد كلامكم شيئا، وإن كان مرادكم اللفظ دون المعنى، فينبغي أن تقولوا: لفظ البيع المدعي فيه العموم جزء من قولنا: هذا البيع، وهذا صحيح؛ لأن البيع المفرد المحلى باللام، جعل نعتا؛ كقولنا هذا، لكن قولكم بعد هذا: " فيلزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع " غير لازم؛ لأن القضاء حينئذ بالحل، إنما هو على المجموع المركب من صيغة العموم.
وقولنا: هذا الذي هو المنعوت لايلزم من ثبوت حكم لمجموع أن يثبت لأجزائه، كما تقول: قولنا: " زيد قائم ": خبر، وكل واحد من أجزائه ليس خبرا، و (زيد): اسم، وكل واحد من أجزائه ليس اسما و (قام): فعل ماض، وكل واحد من أجزائه ليس كذلك، وهو كثير أظهر من أن يضبط بالمل، وقد يكون حكم المجموع تاما لمفرداته؛ كقولنا: " مجموع الروم جسم، وكل واحد منهم جسم، ومجموع الكلام ممكن، وكل واحد من أجزائه ممكن " وهو أيضا كثير جدا، وإذا كان الحال منقسما، لما ثبت حكم مجموعه لمفرداته، وإلى ما لا يثبت، فيكون هذا المستفاد من اللفظ لغة، إنما هو ثبوت الحكم للمجموع.
أما ثبوته للمفردات ولا ثبوته: إنما يعلم بدليل من خارج؛ وحينئذ تحقق المنع هاهنا، فيمنع ثبو الحل لمفهوم قولنا: " هذا البيع " لأنه جزء.
قوله: " اللفظ المطلق، إنما يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين ".
قلنا: هذا خلاف الإجماع؛ لأن القائل قائلان: قائل بعدم العموم، فلا شرط، ولا مشروط.
وقائل يقول: هذه القرائن مانعة صارفة؛ كأن عدمها شرط، فلا يمكنك أن تقول: عدم المانع شرط؛ لأنا نقول: هذا كلام قد وهم فيه جمع كثير
стр. 1766
من الفقهاء، فيجعلون عدم المانع شرطا؛ ويدل على بطلان ما توهموه: أن الشك في وجود المانع وعدمه يوجب أن يترتب الحكم على سببه؛ لأن الأصل عدم المانع، والشك في وجود الشرط وعدمه يلزم منه عدم ترتب الحكم على سببه؛ لأن الأصل عدم الشرط، فلةو كان عدم المانع شرطا، لزم من الشك في المانع الشك في الشرط، ويلزم أن يثبت الحكم، وألا يثبت؛ لأنه مهما شك في المانع الشك في الشرط، ويلزم أن يثبت الحكم، وألا يثبت؛ لأنه مهما شك في المانع، فقد شك في عدمه، وعدمه شرط؛ فالشرط مشكوك فيه، فتأمل ذلك ولا تجعلن عدم المانع شرطا أبدا إلا بدليل منفصل؛ وحينئذ إذا وقع الشك في ذلك " المانع الذي عدمه شرط " لا يترتب الحكم؛ لأن الأصل عدم الشرط، وإذا ظهر ذلك قلنا: إن العبارة الصحيحة هنا أن تقول: تفيد الصيغة العموم، إلا أن يقوم مانع من ترتيب حكم العموم عليها.
قوله: " العدم لا يدخل في التأثير ".
قلنا: لا تأثير هنا، بل الدلالة واللزوم فقط، فعدم المانع، إذا جعل شرطا كما سلمتموه للخصم، يكون ذلك العدم علامة مع وجوب السبب الذي هو الصيغة على ترتب الحكم، ولا نزاع أن عدم الشرط معتبر، وعدم اللازم معتبر في عدم الملزوم. .
قوله: " تركه العموم؛ لقرينة الإشارة والتعيين، يقتضي التعارض، وهو خلاف الأصل. ".
قلنا: والأصل يخالف؛ لقيام الدليل فيمكن مخالفته، فقد ذكر الفقهاء أدلة كثيرة تقتضي أن المعرف باللام من المفردات وغيرها يقتضي العموم، وهي الوجوه التي ذكرتموها كلها في صيغة الجمع؛ من صحة الاستثناء، وحسن الجزاء على موجب العموم، والمؤاخذة، إذا لم تجر على موجب
стр. 1767
العموم، وورود النقض بالأفراد، كما تقدم في أدلتكم، وإذا دل الدليل على أنها للعموم، كان ذلك دليلا على أن الاستعمال الواقع هاهنا مجاز ضرورة.
قوله: " المعرف باللام لا يفيد إلا الماهية ".
قلنا: هذه مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل، فإن الخصم يقول: " هي للعموم، الذي هو الماهية مع تتبعها بحكمها في جميع مواردها " وعلى هذا؛ لا يكون الآتي تفرد خارجا عن العهد ة.
قوله: " يصح أن يستثنى منه الآحاد ".
قلنا: الاستثناء أربعة أقسام تقدم بيانها؛ فلعل هذا من قبيل ما يجوز دخوله، ولا يجب.
قوله: " لا يصح أن يقال: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ".
قلنا: لا نسلم؛ بل يصح ذلك عند القائلين بالعموم، وعند غيرهم القائلين بجواز الاستثناء من المطلقات والنكرات، وقد تقدم الخلاف فيه.
قوله: " ويمكن أن يقال: (الخسران) لما لزم الناس إلا المؤمنين، جاز هذا الاستثناء ".
تقريره: أن الخسران، لما عم غير المؤمنين، وكان ذلك معلوما، حسن الاستثناء مع المعنى المعلوم، لا من اللفظ المنطوق.
قوله: " اللام تفيد تعريف الماهية دون الكلية ".
قلنا: قد تقدم أن الماهية معلومة معرفة للنكرة التي هي اسم الجنس قبل دخول لام التعريف، فلو كانت اللام لتعريفها أيضا، لزم تعريف المعرف.
(تنبيه)
زاد التبريزي؛ فقال في الجواب عن قوله: " لا يؤكد بما يؤكد به العموم ".
стр. 1768
" إن امتناع ذلك يجوز أن يكون؛ لاختصاص التأكيدات بمؤكدات مخصوصة؛ ولهذا يجوز أن تقول: " أكرم الرجل اي رجل كان " وهو تأكيد بالعام ".
قلت: يريد أن تأكيده بصيغ الاستغراق ليس ممتنعا؛ بدليل وقوعه فيما ذكره من المثال، وإنما بعض الأفعال قد يمتنع عليه، ويختص بغيره، وهو كما قال، وسبب الاختصاص ما تقدم من اشتراط العرب المناسبة في اللفظ والمعنى، ولا جرم فالمثال الذي ذكره التأكيد فيه بـ (أي) وهو لفظ مفرد؛ بخلاف التعيين، أجمعين وأبصعين، وأورد بعضالفضلاء عليه: أن ما ذكره ليس بتأكيد؛ فإنه يقال في المطلق مثله؛ فيقال: " أعتق رقبة أي رقبة كانت " فلو كانت تأكيدا بالعام، كما قال؛ لكان المطلق يؤكد بالعموم، وهو باطل اتفاقا؛ لأن من شرط التأكيد المساواة.
سلمنا أنه تأكيد؛ لكنا نمنع أنه عام، بل مفرد.
تقديره: أي مفرد شئت، فأعتق، ولم يلزمه العموم؛ فكأنه أعاد لفظ الإطلاق بعينه في الرجل، والنكرة في الرقبة.
وزاد سراج الدين؛ فقال في قوله: " العدم لا مدخل له في التأثير ".
لقائل أن يقول: " كيف جعلت العراء عن لفظ البعض في لفظ الكل شرطا في إفادته للعموم، مع هذا الجواب ".
وزاد (المنتخب): فقال: " يجوز أن يقال: " الرجل والرجلان والرجال " ولو كان للعموم، لامتنع ذلك ".
ولو قال: " أنت طالق الطلاق " لم يقع الطلاق الثالث، ويصح أن يقال: رأيت الرجل الواحد، والرجال الثالثة، ولا ينعكس، يريد: لا يجوزك أن يقال: رأيت الرجل الثلاثة، والرجال الواحد، ويصح أن يقال: الإله واحد.
стр. 1769
ولو كان المعرف يفيد العموم، لامتنع ذلك؛ لأن العموم أفراده متناهية؛ لا تكون واحدا، ولأنه يصح أن قال: الحيوان جنس، وليس كل حيوان جنسا، وزاد في حجج الخصوم: أن يوصف بما يوصف به الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿والنخل باسقات لها طلع نضيد﴾ [سورة ق: ١٠].
قلت: والجواب عن الأول: قد تقدم أن (لام) التعريف، إنما تدخل على الجمع والتثنية بعد الجمع والتثنية؛ لأن المعرف باللام يثنى ويجمع، فما دخلت اللام إلا على (رجال) و (رجلان) والسائل أورد؛ بناء على أنا اوردنا الجمع والتثنية على اللام، ولو كان للعموم، لم يبق بعده فرد، فيتعذر تثنيته فضلا عن جمعه، وهذا حق، غير أن البحث هاهنا، هل التثنية والجمع وردا على التعريف، أو التعريف ورد عليهما؟ وهذا هو الحق، ونحن من وراء المنع، حتى يبين المستدل، أيهما ورد على الآخر، وقد تقدم ذلك.
وعن الثاني: أنىقلت يوما للشيخ عز الدين ﵀: إن الفقهاء التزموا قاعدتين في الأصول، وخالفوهما في الفروع.
فقال: ما هما؟
قلت له: المعرف باللام للعموم عندهم، ولو قال القائل: " الطلاق يلزمني " بغير نية: لم يلزمه إلا طلقة واحدة، وهو خلاف القاعدة.
والثانية: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، ولو قال: " والله، لا لبست ثوبا إلا الكتان " وقعد عريانا، لم يلزمه شيء، ومقتضى قاعدة الاستثناء أنه حلف على نفي ما عدا الكتان، وعلى لبس الكتان، وما لبس الكتان؛ فيحنث.
стр. 1770
فقال ﵀: سبب المخالفة: أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية، دون الأوضاع اللغوية، إذا تعارضا، وقد انتقل الكلام في الحلف باطلاق بحقيقة الحس، دون استغراقه؛ فلذلك كان الحالف لا يلزمه إلا الماهية المشتركة؛ فلا يزيد اللازم له على الواحدة، وتنقل (إلا) في الاستثناء في الحلف بمعنى الصفة؛ مثل (سوى) و (غير) فيصير معنى حلفه: والله، لا لبست ثوبا سوى الكتان، او غير الكتان " فالمحلوف عليه هو المغاير للكتان، فالكتان ليس محلوفا عليه؛ فلا يضره لبسه ولا تركه، ثم توفى ﵀ واتفق البحث مع قاضي القضاة تاج الدين، فالتزم أن مذهب الشافعي: أنه يحنث، إذا قعد عريانا، وأن (إلا) على بابها، الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، وراى ما نقلاه في ذلك، وينبغي أن يعلم أن هاهنا أمرين:
احدهما: ان النقل، قد وقع إلى بعض الموارد اللغوية، إا في الأجنبي مطلقا؛ فإن استعمال (إلا) بمعنى (غير) عربي كثير، وكذلك اللام بمعنى حقيقة الجنس.
وثانيهما: أن النقل لم يقع في المفردات، وإنما وقع في المركبات؛ بل ولا في المركبات، بل في مركب خاص، وهو التركيب في الحلف خاصة.
بل لو قلنا: " الطلاق مكروه " ما فهمنا منه إلا العموم، وكذلك " الطلاق يرفع النكاح " ولا مانع هاهنا من حمله على الجنس، وكذلك لو قلنا: " قام القوم إلا زيدا، وما قام القوم إلا زيد " لم يفهم منه إلا الاصطلاح اللغوي؛ ولم يقع النقل إلا في التركيب الخاص، وأهل العرف، كما ينسب إليهم النقل والحقائق العرفية في المفردات؛ كالدابة والغائط، فكذلك ينسب إليهم النقل والحقائق العرفة في المركبات، وقد تعم المركبات، وقد تخصها، وهذا النوع من النقل خفي دقيق لا يكاد يعلمه أكثر الفقهاء في العصر، بل إنما يفهمون النقل في المفردات فقط، وقد تقدم منه أبحاث ومسائل في الحقيقة العرفية في كتاب (اللغات) فظهر جواب سؤال (المنتخب) بسبب النقل.
стр. 1771
وعن الثالث: ما تقدم أن العرب تشترط المناسبة في النعوت بين المعنى، والتركيب؛ فلذلك اختص الرجل بنعت الواحد، والرجال بنعت الثلاثة.
وعن الرابع: أن قرينة الوحدة صرفت لفظ الإله لحقيقة الجنس؛ لأن معنى الكلام: المعبود باستحقاق واحد، والكلام في المعرف، إذا لم يكن معه قرينة، ثم إن مرادنا بالإله ليس المعبود كيف كان، الذي هو المسمى اللغوي، بل المعبود باستحقاق، وهو لم يوجد في الخارج، ولا يمكن أن يوجد إلا واحد، والعموم هو يتبع العام بحكمه في أفراده، فإنه إذا لم يوجد إلا فرد معين وحده، فكأنا قلنا: " كل فرد يتوهم من هذه المادة، ولم يوجد منه إلا واحد، ولا يمكن أن يوجد إلا واحد " فالعموم باق، وانحصار الكل في فرد من أفراده، أوجب صحة هذا الخبر.
وكذلك قوله: " الحيوان جنس " قرينة الجنسية منعت من حمله على العموم؛ لأن مفهوم الجنس هو الذي يصدق على كل فرد من أفراد أنواعه، فلو جعلناه عاما كلية، لكان معنى اللفظ: أن كل فرد من أفراده صادق على كل فرد من أفراده، وهو باطل؛ لأن " زيدا " لا يصدق على كل فرد من أفراد الحيوان؛ فيتعين صرفه للحقيقة الكلية المشتركة بين جميع الأنواع، فهذه قرينة صارفة، والنزع في المعرف، إذا تجرد عن القرينة.
وعن قوله: ﴿والنخل باسقات﴾ [سورة ق: ١٠] أنه ليس وصفا عند النحاة؛ لأن " النخل " معرفة و " باسقات " نكرة، والمعرفة لا توصف بالنكرة.
سلمنا أنه وصف؛ لكنا نمنع أن النخل مفرد؛ فلم لا يقال: هو جمع نخلة؟ وقد قال أبو علي في " تكملة الإيضاح ": " النخل جمع نخلة، والشجر جمع شجرة " ولم يحك خلافا، وكذلك قاله في قمح، وشعير، وجراد، ونظائره كثيرة.
стр. 1772
سلمنا أنه مفرد؛ لكنه أريد به الجمع؛ فيكون مجازا بقرينة هذا النعت، والكلام في هذه الصيغة عند التجرد.
(فائدة)
الباسق: المرتفع .
***
стр. 1773
المسألة الثانية
الكلام في الجمع المنكر يتفرع على الكلام في أقل الجمع
قال الرازي: وقد اختلفوا فيه؛ فذهب القاضي، والاستاذ أبو إسحاق، وجمع من الصحابة والتابعين إلى أن أقل الجمع اثنان، وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله: ثلاثة، وهو المختار.
لنا وجوه:
الأول: أن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع؛ كما فصلوا بين الواحد والجمع؛ فكما فرقنا بين الواحد والجمع، وجب أن نفرق بين التثنية والجمع.
الثاني: أن صيغة الجمع تنعت بالثلاثة فما فوقها، وبالعكس يقال: " جاءني رجال ثلاثة، وثلاثة رجال " ولا تنعت بالاثنين، فلا يقال: " رجال اثنان، ولا اثنان رجال ".
الثالث: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير التثنية، وضميرالجمع؛ فقالوا في الاثنين: فعلا، وفي الثالثة: فعلوا، وفي أمر الاثنين: افعلا، وفي الجمع: افعلوا.
احتجوا بالقرآن، والخبر، والمعقول:
أما القرآن: فبقوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]
والمراد: داود وسليمان، وبقوله تعالى: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ وكانا اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿خصمان﴾ وبقوله: ﴿إذ دخلوا﴾
стр. 1774
على داود، ففزع منهم، قالوا: لا تخف، خصمان﴾ وبقوله في قصة موسى وهارون: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ [الشعراء: ١٥] وبقوله تعالى؛ حكاية عن يعقوب: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ [يوسف: ٨٣] والمراد: يوسف وأخوه، وبقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] وبقوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤].
وأما الخبر: فقوله ﷺ : " الاثنان فما فوقهما جماعة ".
وأما المعقول: فهو: أن معنى الاجتماع حاصل في الاثنين.
والجواب عن الأول: أنه تعالى كنى عن المتحاكمين؛ مضافا إلى كنايته عن الحاكم عليهما؛ فإن المصدر قد يضاف إلى المفعول، وإذا اعتبرنا المتحاكمين مع الحاكم، كانوا ثلاثة.
وأما قوله تعالى: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ مع قوله: ﴿خصمان﴾ فجوابه: أن الخصم في اللغة للواحد والجمع؛ كالضيف؛ يقال: " هذا خصمي، وهؤلاء خصمي " و " هذا ضيفي، وهؤلاء ضيفي " قال الله تعالى: ﴿إن هؤلاء ضيفي﴾ [الحجر: ٩٨]
وهو الجواب عن التمسك بقوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾
وقوله: ﴿ففزع منهم﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ فالمراد: موسى وهارون، وفرعون.
стр. 1775
وأما قوله تعالى: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ فالمراد به: يوسف، وأخوه، والأخ الثالث الذي قال: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾ [يوسف: ٨٠] وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ فكل طائفة جمع.
وأما قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ فجوابه: أنه قد يطلق اسم القلب على الميل الموجود في القلب؛ فيقال للمنافق: إنه ذو لسانين، وذو وجهين، وذو قلبين، ويقال للذي لا يميل إلا إلى الشيء الواحد: له قلب واحد، ولسان واحد.
ولما خالفتا أمر الرسول ﷺ ، ونمتا بأمر مارية، وقع في قلبيهما دواع مختلفة، وأفكار متباينة؛ فصح أن يكون المراد من القلوب هذه الدواعي، وإذا صح ذلك، وجب حمل اللفظ عليها؛ لأن القلب لايوصف بالصغو؛ إنما يوصف الميل به.
وأما الحديث: فهو محمول على إدراك فضيلة الجماعة.
وقيل: إنه ﷺ : " نهى عن السفر إلا في جماعة "، ثم بين أن الاثنين فما فوقهما جماعة؛ في جواز السفر.
وأما المعقول: فجوابه: أن البحث ما وقع عما تفيده لفظة الجمع، بل عما يتناوله لفظ الرجال والمسلمين؛ فأين أحدهما من الآخر؟ والله أعلم.
المسألة الثانية
قال القرافي: أقل الجمع اثنان.
قال سيف الدين: ليس محل النزاع لفظ الجمع، والمفهوم منه،
стр. 1776
الذي هو ضم الشيء إلى الشيء، بل ذلك متفق عليه في الاثنين والثلاثة وغيرهما، إنما الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة؛ نحو: رجال ومسلمون، وكذلك قاله إمام الحرمين في (البرهان) ومثل بهذين المثالين.
قوله: " أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع؛ كما فصلوا بين الواحد والجمع ".
قلنا: إن ادعيتم تفريق أهل اللغة في الألفاظ؛ فقالوا: رجلان؛ للتثنية، ورجال؛ للجمع، ورجل؛ للواحد، فهذا متفق عليه؛ أن الألفاظ مختلفة، وإن عنيتم أن التفرقة وقعت في المعاني، وأن مسمى الجمع لا يصدق على مسمى الاثنين أصلا فهذا محل النزاع، وما ذكرتموه لا يفيد مطلوبكم؛ لأن مطلق التفريق عائد للفظ.
قوله: " صيغة الجمع تنعت بالثلاثة دون الاثنين ".
قلنا: قد تقدم أن العرب تشترط في التصريف المناسبة اللفظية والمعنوية معا؛ فلا ينعت لفظ التثنية إلا بلفظ التثنية، ولا الجمع إلا بالجمع، ولا الواحد إلا بالواحد؛ ليحصل التناسب.
قوله: " فصلوا بين ضمير الاثنين والجمع ".
قلنا: الفرق، إن ادعيتموه في اللفظ، فمسلم، وإن ادعيتم أن العرب، متى أطلقت ضمير الجمع، لا تريد به الاثنين، فهذا محل النزاع، وما ذكرتموه لا يفيد، بل هو مصادرة، فعند الخصم: الفرق وقع في اللفظ، وأقل مسمى ضمير الجمع، ولفظ الجمع اثنان.
قوله: " ولقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤].
стр. 1777
قلنا: ليس هذا من هذا الباب، بل القاعدة العربية: أن كل شيء أضيف إلى شيء هو بعضه، ليس في الجسد منه إلا واحد، فيه ثلاث لغات: الإفراد؛ كقولهم: كأنه وجه بركنين.
والتثنية والجمع؛ كقول الشاعر (السريع):
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين
يصف مهمهين واسعتين؛ لأن المهمه هو الواسع، يقذفان من فيثهما بحديهما وعظمهما، وهو الحال على من يكون فيهما، وظهورهما لا ثابت فيها؛ كظهور الترسين، الذي هو الدرقة، فثنى في الأول، وجمع ف الثاني، والأفصح في هذه اللغات الجمع؛ لأن الانتقال من التثنية التي هي الأصل إلى الجمع أولى من الانتقال إلى الواحد لما بين التثنية والجمع من المناسبة في أصل ضم الشيء إلى مثله، والواحد لا ضم فيه.
وقولنا: ليس في الجسد منه إلا واحد؛ لأنه موضع لا لبس فيه؛ بخلاف مافي الجسد منه أكثر من واحد؛ فلا تقول: " رأيت أعين الزيدين " وأنت تريد عينيهما؛ لأنه يوهم أنك رأيت جميع أعينهم؛ بخلاف ظهورهما ورؤيتهما؛ لأنه من المعلوم أن ما لهما إلا رأس واحد لكل واحد.
وقولنا: " هو بعض ": احتراز من قولك " رأيت غلامي الزيدين " فلا يجوز الجمع؛ لأنها تثنية أجنبية مضافة، وإنما استقلت العرب اجتماع اسمين في الشيء الواحد، وليس أحدهما أجنبيا؛ حتى كأن الواحد ثنى مرتين، أما في الأجنبي، فهما شيئان في شيئين، فلم تستثقلهما العرب، فهذه قاعدة هذا
стр. 1778
الباب، وهو متفق عليه بين الفريقين، وعلى هذه القاعدة؛ يستدل به على صورة النزاع، فليس منها.
قوله: " ولقوله ﵇: " الاثنان فما فوقهما جماعة " ".
قلنا: قال ابن حزم في كتاب " الإحكام في أصول الفقة ": " إن هذا الحديث ليس بصحيح " وهو من أعيان الحفاظ المحدثين.
سلمنا صحته؛ لكن هذا يدل على جواز إطلاق لفظ (الجماعة) على الاثنين، وهذا غير محل النزاع؛ فإن لفظ (جماعة) اسم مفرد، وإنما النزاع في صيغ الجموع؛ كالرجال، والدراهم، ونحوهما، ولا خلاف أن لفظ (جماعة) ليس جمعا، لأنه ليس له واحد من لفظه؛ كرجال، فلا يتم الاستدلال به.
قوله: " المصدر يضاف للفاعل والمفعول ".
تقريره: أن النحاة قالوا: الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة؛ تقول لأحد حاملي الخشبة: " شل طرفك "؛ فتجعل طرف الخشبة طرفه؛ لما بينهما من الملابسة.
стр. 1779
حكاه صاحب (المفصل) وحكى (الطويل):
إا كوكب الخرقاء لاح بسحره ......................
أضاف الكواكب إليها؛ لأناه كانت تقوم عند طلوعه، ونحو ذلك، وإذا كانت الإضافة في لسان العرب، يكفي فيها أدنى ملابسة، ويكون ذلك حقيقة، جاز إضافة الحكم في الآية إلى الحاكمين، والمحكوم له وعليه، واستقام إطلاق ضمير الجمع.
قوله: " في قوله تعالى: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ [الشعراء: ١٥] المراد موسى وهارون وفرعون ".
قلنا: هذا غير متجه؛ لأن معية الله تعالى ثلاثة أقسام:
واجبة، ومستحيلة، وممكنة.
أما الواجبة: فمعيته تعالى بالعلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤].
والمستحيلة: المعية بالذات؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء.
والمعية الجائزة الممكنة: معيته تعالى باللطف والمعونة والنصر، ونحو ذلك؛ فيجوز أن يفعلها تعالى لمن يشاء من عباده، وله ألا يفعلها: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] كقوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] أي: بالنصر والمعونة؛ ولذلك حصل لهما قوة الجنان، وأقدما على مقابلة فرعون، وسكن روعهما الذي شكواه في قوله تعالى عنهما: ﴿إنا نخاف أن يفركط علينا أو أن يطغى﴾ [طه: ٤٥]
стр. 1780
فقوله تعالى: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ [الشعراء: ١٥] يتعين حمله على النصرة والمعونة؛ حتى يكون ذلك سببا لنهوضها في تبليغ رسالات ربهما، ويكون المراد بالاستماع هاهنا المجازة على صنعهما.
تقول العرب: عرفت لك صنيعك، إذا كافأه عليه.
ومنه قوله تعالى: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم﴾ [الأحزاب: ١٨].
﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا﴾ [النورة: ٦٣] أي: قد يجازي؛ وإلا فعلم الله تعالى واجب التعلق لا يحسن معه (قد) وهذه التقارير تمنع أن يكون المراد معية العلم المطلق؛ فإنها لا تفيد تقوية قلب، وأمنا من العدو؛ فإنه تعالى يعلمه ويسمعه مع من يهلكه، ويسلطه عليه، كما هو مع من ينجيه ويعصمه؛ فلا يحصل المقصود إلا على ما ذكرناه، وقد صرح به تعالى في الآية الأخرى، في قوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] وإذا كان المراد معيه النصر والمعونة، تعذر أن يراد فرعون؛ لأنه يراد بالخذلان والهلاك.
قوله: " يطلق القلب على الميل ".
قلنا: مشكل، من حيث مجاز الأصل وعدمه، ولا يلزم من سماع المجاز في غيره من الصور أن يلزم في صورة النزاع.
قوله: " القلب لا يوصف بالصغو ".
قلنا: لا نسلم؛ بل الإنسان بجملته يوصف بالميل؛ فكيف بالقلب؟
تقول العرب: " زيد مائل في كلامه على عمرو " وكذلك يوصف بالشك، والغضب، والرحمة، وغير ذلك، وإذا كانت العرب تصف زيدا بجملة ذلك، فأولى قلبه الذي هو المحل الحقيقي لجميع هذه الأعراض؛ الميل وغيره.
وقد تقدم مرارا: أن وصف الشيء بالشيء قد يكون؛ لأنه قام بجملته؛
стр. 1781
نحو أسود، أو ببعضه؛ كوصفك الإنسان بأنه ناطق، والناطق جزؤه؛ لأنه فصله، والفصل جزء، وبأمر خارج عنه؛ كقولنا: ضاحك، أو بسببه وإضافة، نحو متقدم ومتأخر، وانا قول العرب: أعرج ,اشهل وأعور وأعمى وغير ذلك، إنما هي صفات باعتبار ما قام ببعض الموصوف، وهي حقائق، وأن الفرق بينهما يشترط فيه القيام بالكل، والقيام بالبعض عسر جدا، وقد بسطته قبل هذا، فلا عسر أن يوصف القلب بالصفو والميل ونحوه.
قوله: " الحديث محمول على إدراك فضيلة الجماعة ".
قلنا: هذا مجاز؛ وإنما الحكم في ظاهر اللفظ على أن الاثنين جماعة، فمن أدعى المجاز، كان عليه الدليل، ولكم أن تقولوا: كلام الرسول ﷺ إذا دار بين أن يكون مقيدا بحكم شرعي، أو عقلي، كان حمله على الشرعي أولى؛ لأنه ﵇ إنما بعث بلسان الشرعيات، وكون الاثنين جماعة، وفيها معنى الإجماع أمر معلوم بالضرورة معقول، وحمله على أنها في نظر الشرع تثبت لها الأحكام الشرعية؛ لجواز السفر من غير كراهة؛ ليحصل لهما فضيلة الصلاة في جماعة حكم شرعي؛ فيتعين الحمل عليه، وإن كان مجازا.
ولهذه القاعدة إشكال كبير في هذه المسألة من نحو عشر سنين، أورده على الفضلاء، وما حصل لي ولا لهم جواب عنه، وهو أن الخلاف في هذه المسألة غير منضبط، ولا متصور؛ بسبب أنه، إن فرض قولهم: أقل الجمع اثنان في صيغة الجمع التي هي (جيم) (ميم) (عين) امتنع إتيانه في غيرها من الصيغ؛ لأنه لا يلزم من ثبوت الحكم لصيغة ثبوته لغيرها في الأوضاع اللغوية، وإن كان الخلاف في مدلول هذه الصيغة، فإن مدلولها كل ما يسمى جمعا؛ رجال، ودراهم، أو غير ذلك من صيغ الجموع.
فنقول: صيغ الجموع قسمان:
стр. 1782
جمع قله، وجمع كثرة:
فجمع القلة قسمان: سلامة وتكسير:
فجمع السلامة: ما جمع بالواو والنون، أو الياء والنون، أو بالألف والتاء؛ نحو: مسلمين ومسلمات.
وجمع التكسير: أربعة أوزان يجمعها قول الشاعر (البسيط):
بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعله يعرف الأدنى من العدد
نحو أفلس وأحمال وأجربة وصبية، وما عدا هذه جمع كثرة.
واتفق النحاة على أن جمع القلة موضوع للعشرة فما دونها، إلى الاثنين أو الثلاثة على الخلاف، وجمع الكثرة موضوع لما فوق العشرة.
قال صاحب (المفصل) وغيره: وقد يستعار (مسمى) كل واحد لكل منهما.
وإنما يستعمل في مسمى الآخر مجازا، وأن جمع الكثرة، إذا استعمل فيما دون العشرة، كان مجازا؛ ولذلك استشكل العلماء قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقالوا: هذا جمع كثرة، وقد استعمل في الثلاثة، وأجابوا بأنه مستعار له، كما اشتركا فيه في مطلق الجمع، فإن كان موطن الخلاف في جموع الكثرة، فلا يستقيم؛ لأن أقل مطلق الجمع مسماها على هذا التقدير أحد عشر، والاثنان والثلاثة إنما يكون اللفظ فيها مجازا، والبحث في هذه المسألة ليس في المجاز؛ فإن إطلاق الجمع على الاثنين لا خلاف فيه، إنما الخلاف في كونه حقيقة، بل لاخلاف أن لفظ الجمع يجوز إطلاقه، وإرادة الواحد، فكيف بالاثنين؛ فقد
стр. 1783
جاء في قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس، إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [آل عمران: ١٧٣] أن القائل واحد.
وفي قوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ [النساء: ٥٤] أن الناس رسول الله ﷺ وإن كان الخلاف في جمع القلة، فهو متجه؛ لأنه مجموع للعشرة فما دونها فيمكن أن يقال أقله اثنان، فهذا، وإن تصورناه من حيث الوضع اللغوي، لا يستقيم أن يكون المراد بخصوصه للعلماء؛ لأنهم يقولون: فرقت العرب بين التثنية والجمع؛ فقالوا: رجلان، ورجال، فمثلوا برجال ونحوه، وهو جمع كثرة، وكذلك في الفتاوى؛ فلم يفرقوا بين الأقارير والوصايا، والنذور والأيمان، والاستدلالات على الأحكام في مقام المناظرة، والاجتهاد بين جمع القلة وجمع الكثرة، بل يقولون فيمن قال له: " على دنانير ": يلزمه ثلاثة، كما لو قال (أفلس) لا يفرقون بين الصيغتين؛ فدل ذلك على أن مرادهم ما هو أعم من جمع القلة؛ وحينئذ يكون مرادهم غير معقول، فإن أقل الجمع الذي للكثرة أحد عشر؛ كما تقدم، فهذا وجه الإشكال.
وأكثر من يتعرض للجواب عنه يقول: بحث العلماء في هذه المسألة ليس بحسب الحقيقة اللغوية، بل بحسب الحقيقة العرفية، وأهل العرف لا يعتبرون الفرق بين جمع القلة أو الكثرة، وهذا الجواب باطل لوجوه:
الأول: أن البحث في مسائل أصول الفقه، إنما يقع عن تحقيق اللغة؛ ليحل عليها الكتاب والسنة، والبحث عن العرف إنما يقع تبعا، وحمل كلام العلماء على الغالب، هو المتجه.
وثانيها: أنهم إذا استدلوا، لا يقولون: " قال أهل العرف " ولا " فرق أهل العرف " بل يقولون. " فرقت العرب بين التثنية والجمع " وجميع
стр. 1784
اعتماداتهم على النعوت، والتأكيدات، والضمائر وغيرها لا مدخل للعرف فيها، بل لغة صرفة، وإنما هو على كلام العرب، دون اصطلاحات أهل العرف، ومن تأمل استدلالاتهم، لا يجدها إلا كذلك في جميع الكتب الموضوعة في أصول الفقه.
وثالثها: سلمنا أنهم بحثوا عن الحقيقة العرفية؛ فما يعرضونها على الحقيقة اللغوية أصلا، ولا يذكرونها ألبة، بل كل موطن ذكروا فيه الحقيقة، قرروا فيه الحقيقة اللغوية، وبينوا وجه النقل عنها في العرف؛ هذه عادتهم، وهاهنا لم يتعرضوا لذلك أصلا، [ولا يذكرونها ألبتة]، بل إنما يذكرون موضوعات العرب في الضمائر، والأسماء الظاهرة؛ فذلك يوجب القطع بأن مرادهم الحقيقة اللغوية، دون العرفية.
ومنهم: من يجيب بأن جمع الكثرة يصدق على ما دون العشرة حقيقة، وإنما جمع القلة لا يتعدى العشرة؛ فعلى هذا يكون أقل الجمع مطلقا اثنين، وهذا باطل؛ لأن الزمخشري وبان الأعرابي وغيرهما نصوا على أن لفظ جمع الكثرة لا يستعمل فيما دون العشرة إلا مستعارا، ولو كان حقيقة فيما دون العشرة، لما صح قولهم: إنه مستعار، وكتب المفسرين مملوءة من ذلك، خصوصا (الكشاف) فما بقى الخلوص عن هذه الإشكال إلا بالطعن في هذه النقول، ولا سبيل إليه؛ فيبقى الكلام مشكلا.
(فائدة)
ضابط جمع القلة: اللفظ الموضوع لضم الشيء إلى مثله ، أو إلى أكثر منه؛ على الخلاف في أصل مسماه؛ بوصف كونه لا يتعدى العشرة، وضابط مسمى جمع الكثرة: أنه اللفظ الموضوع للأحد عشر فما فوقها من غير حصر، وهذا علة ما لم يعرف من الجموع، فإذا عرفت، صارت كلها
стр. 1785
للعموم، ولا تعتبر بعد ذلك عشرة، ولا غيرها؛ لذلك نص عليه إمام الحرمين في (البرهان) وأفرد لها مسألة تخص بالجمع بين قول الأدباء: " جمع القلة: للعشرة فما دونها "، وقول الأصوليين: " هو للعموم " وجمع بالتعريف والتنكير.
وقال: هو من المهمات.
(فائدة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): يستثنى عن هذه المسألة بالإجماع ضمير المتكلم المتصل والمنفصل ؛ نحو: نحن، وفعلنا، فإنه يكفي المتكلم وآخر معه إجماعا، ولا يشترط الثلاثة؛ ولذلك لا يصح الاستدلال به على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن اللغة لا توجد قياسا.
***
стр. 1786
المسألة الثالثة
الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع ، وهو الثلاثة؛ خلافا للجبائي؛ فإنه ق ال: يحمل على الاستغراق:
لنا: أن لفظ (رجال) يمكن نعته بأي جمع شئنا؛ فيقال: رجال ثلاثة، وأربعة، وخمسة؛ فمفهوم قولك: (رجال) يمكن جعله ورد التقسيم لهذه الأقسام.
والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام، وغير مستلزم لها؛ فاللفظ الدال على ذلك المورد، لا يكون له إشعار بتلك الأقسام؛ فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهي مما لابد منها؛ فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط.
احتج الجبائي: بأن حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه؛ وذلك اولى من حمله على بعض حقائقه.
والجواب: أن مسمى هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد ووجوده، ولا شك أنه قدر مشترك بين الثلاثة فقط، وبين الأربعة، وما فوقها، وقد بينا أن اللفظ الدال على ما به الاشتراك بين أنواع لا دلالة فيه ألبتة على شيء من تلك الأنواع؛ فضلا عن أن يكون حقيقة فيها؛ فبطل قوله: إن حمل هذا اللفظ على الاستغراق يقتضي حمله على جميع حقائقه، والله أعلم.
стр. 1787
المسألة الثالثة
يحمل الجمع المنكر على أقل الجمع
قال القرافي: قوله: يمكن نعت رجال بأي عدد، سيما تقول: " رجال ثلاثة، ورجال خمسة " فيكون مورد التقسيم مشتركا بين هذه الأقسام، والمشترك غير مستلزم للخصوصيات.
قلنا: وكذلك يصح أن تقول: " رأيت الرجال الخمسة " إلى آخر كلامكم، فيلزمكم أن المعرف للعموم، وهو خلاف مذهبكم.
فإن قلتم: قرينة قولنا (خمسة) صارفة عن العموم.
قلنا: ويقول الخصم في المنكر كذلك، ولا نسلم أنه مورد تقسيم؛ فإن هذه نعوت مخصوصة عند الخصم، وليست نفسها، وهو يمنع أن يسمى الجمع مشتركا، كما في المعرف الذي يعتقدونه للعموم؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه مشترك بين الثلاثة والخمسة، وجميع ما ينعت به من الأعداد.
وقوله: " حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه ".
قلنا: لا نسلم أن له حقائق، بل حقيقة واحدة؛ وهو العدد المشترك من ضم الشيء إلى أكثر منه على الخلاف.
نعم: مورد هذه الحقيقة فيه كثرة، فإن أردتم الموارد؛ فيصير معنى كلامكم: يجب حمل اللفظ على جميع موارد مسماه، وذلك يقتضي أنه لا يبقى لنا في اللغة مطلق ألبتة؛ فإن المفرد المطلق موارده كثيرة، غير متناهية؛ فيلزم أن يبقى عاما، وما علمت أحدا قال به.
قوله: " مسمى هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد ".
قلنا: ليس مسماه الثلاثة؛ بل القدر المشترك بين مراتب الجموع؛ على ماتقدم تحقيقه في المسألة الثانية، والثالثة: هي أقل محل مشتمل على ذلك المسمى، وهو معنى قوله العلماء: أقل الجمع اثنان، أو ثلاثة.
стр. 1788
معناه: أن أقل محل مشتمل على المسمى هو الاثنان، إلا أن الاثنين بخصوصهما هما مسمى اللفظ، فافهم ذلك، والخلاف في تلك المسألة، إنما هو في أقل المحال التي تشتمل على المسمى، لا في نفس المسمى.
***
стр. 1789
المسألة الرابعة
قال الرازي: قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] لا يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور ؛ حتى في القصاص؛ لوجهين:
الأول: أن نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه، أو من بعضها، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما.
الثاني: أنه: إما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الا ستواء من بعض الوجوه، أو لابد فيه من الاستواء من كل الوجوه.
والأول باطل؛ وإلا لوجب غطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء؛ لأن كل شيئين، فلابد وأن يستويا في بعض الأمور؛ من كونهما معلومين، ومذكورين، وموجودين، وفي سلب ما عداهما عنهما، ومتى صدق عليه المساوي، وجب أن يكذب عليه غير المساوي؛ لأنهما في العرف كالمتناقضين، فغن من قال: هذا يساوي ١ذاك، فمن أراد تكذيبة قال: إنه لا يساويه.
والمتناقضان لا يصدقان معا؛ فوجب ألا يصدق على شيئين ألبتة: أنهما متساويان، وغير متساويين، ولما كان ذلك باطلا، علمنا أنه يعتبر في المساواة المساواة من كل الوجوه؛ وحينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء؛ من بعض الوجوه؛ لأن نقيض الكلي هو الجزئي.
فإذن: قولنا: (لا يستويان) لا يفيد نفي الاستواء؛ من جميع الوجوه، والله أعلم.
стр. 1790
المسألة الرابعة
قال القرافي: قوله تعالى: ﴿لايستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠].
قوله: " لا يقتضي نفي الاستواء من كل الوجوه، حتى في القصاص ".
قلنا: البحث في هذه المسألة دائر على بحث واحد، وهو أن لفظ (تساوي) و (استوى) و (مائل زيد عمر) المتماثلات كلها، والاستواءات، هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه؛ حتى يكون مدلولها كلا شاملا ومجموعا محيطا؛ لأن مدلولها المساواة في شيء ما؛ حتى يصدق بأي وصف كان؟
وعلى هذا؛ ما من شيء إلا وهو مساو غيره؛ إذ لابد له من المشاركة، ولو في المعلومية، فعلى هذا؛ يكون المسمى أمرا كليا أعم من الكلي الذي هو المجموع.
إذا تقرر هذا في جهة الثبوت، ظهر أثرة في جهة النفي.
فإن قلنا: هو المجموع، والمجموع يصدق نفيه بجزء غير معين؛ فلا يحصل شمول، كما قال المصنف: " حتى في نفي القصاص ".
وإن قلنا: مسماه المفهوم العام؛ حتى يصدق بأي صفة كانت، فلا يصدق نفي هذا إلا بالسلب في جميع الصفات، كما قال المصنف، والذي يظهر في موارد الاستعمال أن هذه الألفاظ من المساواة والمماثلة، تقتضي المشاركة فيما سبق الكلام لأجله.
فإن قلنا: زيد مثل عمرو، وكان الكلام في سياق العفة أو الشجاعة
следующие страницы →