← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

المسألة الثالثة الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع ، وهو الثلاثة؛ خلافا للجبائي؛ فإنه ق ال: يحمل على الاستغراق: لنا: أن لفظ (رجال) يمكن نعته بأي جمع شئنا؛ فيقال: رجال ثلاثة، وأربعة، وخمسة؛ فمفهوم قولك: (رجال) يمكن جعله ورد التقسيم لهذه الأقسام. والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام، وغير مستلزم لها؛ فاللفظ الدال على ذلك المورد، لا يكون له إشعار بتلك الأقسام؛ فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهي مما لابد منها؛ فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط. احتج الجبائي: بأن حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه؛ وذلك اولى من حمله على بعض حقائقه. والجواب: أن مسمى هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد ووجوده، ولا شك أنه قدر مشترك بين الثلاثة فقط، وبين الأربعة، وما فوقها، وقد بينا أن اللفظ الدال على ما به الاشتراك بين أنواع لا دلالة فيه ألبتة على شيء من تلك الأنواع؛ فضلا عن أن يكون حقيقة فيها؛ فبطل قوله: إن حمل هذا اللفظ على الاستغراق يقتضي حمله على جميع حقائقه، والله أعلم.

стр. 1787

المسألة الثالثة يحمل الجمع المنكر على أقل الجمع قال القرافي: قوله: يمكن نعت رجال بأي عدد، سيما تقول: " رجال ثلاثة، ورجال خمسة " فيكون مورد التقسيم مشتركا بين هذه الأقسام، والمشترك غير مستلزم للخصوصيات. قلنا: وكذلك يصح أن تقول: " رأيت الرجال الخمسة " إلى آخر كلامكم، فيلزمكم أن المعرف للعموم، وهو خلاف مذهبكم. فإن قلتم: قرينة قولنا (خمسة) صارفة عن العموم. قلنا: ويقول الخصم في المنكر كذلك، ولا نسلم أنه مورد تقسيم؛ فإن هذه نعوت مخصوصة عند الخصم، وليست نفسها، وهو يمنع أن يسمى الجمع مشتركا، كما في المعرف الذي يعتقدونه للعموم؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه مشترك بين الثلاثة والخمسة، وجميع ما ينعت به من الأعداد. وقوله: " حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه ". قلنا: لا نسلم أن له حقائق، بل حقيقة واحدة؛ وهو العدد المشترك من ضم الشيء إلى أكثر منه على الخلاف. نعم: مورد هذه الحقيقة فيه كثرة، فإن أردتم الموارد؛ فيصير معنى كلامكم: يجب حمل اللفظ على جميع موارد مسماه، وذلك يقتضي أنه لا يبقى لنا في اللغة مطلق ألبتة؛ فإن المفرد المطلق موارده كثيرة، غير متناهية؛ فيلزم أن يبقى عاما، وما علمت أحدا قال به. قوله: " مسمى هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد ". قلنا: ليس مسماه الثلاثة؛ بل القدر المشترك بين مراتب الجموع؛ على ماتقدم تحقيقه في المسألة الثانية، والثالثة: هي أقل محل مشتمل على ذلك المسمى، وهو معنى قوله العلماء: أقل الجمع اثنان، أو ثلاثة.

стр. 1788

معناه: أن أقل محل مشتمل على المسمى هو الاثنان، إلا أن الاثنين بخصوصهما هما مسمى اللفظ، فافهم ذلك، والخلاف في تلك المسألة، إنما هو في أقل المحال التي تشتمل على المسمى، لا في نفس المسمى. ***

стр. 1789

المسألة الرابعة قال الرازي: قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] لا يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور ؛ حتى في القصاص؛ لوجهين: الأول: أن نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه، أو من بعضها، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما. الثاني: أنه: إما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الا ستواء من بعض الوجوه، أو لابد فيه من الاستواء من كل الوجوه. والأول باطل؛ وإلا لوجب غطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء؛ لأن كل شيئين، فلابد وأن يستويا في بعض الأمور؛ من كونهما معلومين، ومذكورين، وموجودين، وفي سلب ما عداهما عنهما، ومتى صدق عليه المساوي، وجب أن يكذب عليه غير المساوي؛ لأنهما في العرف كالمتناقضين، فغن من قال: هذا يساوي ١ذاك، فمن أراد تكذيبة قال: إنه لا يساويه. والمتناقضان لا يصدقان معا؛ فوجب ألا يصدق على شيئين ألبتة: أنهما متساويان، وغير متساويين، ولما كان ذلك باطلا، علمنا أنه يعتبر في المساواة المساواة من كل الوجوه؛ وحينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء؛ من بعض الوجوه؛ لأن نقيض الكلي هو الجزئي. فإذن: قولنا: (لا يستويان) لا يفيد نفي الاستواء؛ من جميع الوجوه، والله أعلم.

стр. 1790

المسألة الرابعة قال القرافي: قوله تعالى: ﴿لايستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠]. قوله: " لا يقتضي نفي الاستواء من كل الوجوه، حتى في القصاص ". قلنا: البحث في هذه المسألة دائر على بحث واحد، وهو أن لفظ (تساوي) و (استوى) و (مائل زيد عمر) المتماثلات كلها، والاستواءات، هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه؛ حتى يكون مدلولها كلا شاملا ومجموعا محيطا؛ لأن مدلولها المساواة في شيء ما؛ حتى يصدق بأي وصف كان؟ وعلى هذا؛ ما من شيء إلا وهو مساو غيره؛ إذ لابد له من المشاركة، ولو في المعلومية، فعلى هذا؛ يكون المسمى أمرا كليا أعم من الكلي الذي هو المجموع. إذا تقرر هذا في جهة الثبوت، ظهر أثرة في جهة النفي. فإن قلنا: هو المجموع، والمجموع يصدق نفيه بجزء غير معين؛ فلا يحصل شمول، كما قال المصنف: " حتى في نفي القصاص ". وإن قلنا: مسماه المفهوم العام؛ حتى يصدق بأي صفة كانت، فلا يصدق نفي هذا إلا بالسلب في جميع الصفات، كما قال المصنف، والذي يظهر في موارد الاستعمال أن هذه الألفاظ من المساواة والمماثلة، تقتضي المشاركة فيما سبق الكلام لأجله. فإن قلنا: زيد مثل عمرو، وكان الكلام في سياق العفة أو الشجاعة

стр. 1791

.....................................................................

стр. 1792

..........................................................

стр. 1793

أو السخاء، ونحوه، اختص كلامنا بالمماثلة في ذلك، ولا نجد أهل اللغة يجعلون مثل هذا الكلام مجازا؛ بل حقيقة. وإن قولنا: " زيد مثل الأسد شدة " إنه حقيقة. وكذلك قولنا: " زيد كالأسد " حقيقة، إنما المجاز إذا قلنا: " زيد الأسد " مع حذف أداة التشبيه من الحرف أو الاسم، وإذا قلنا: " السواد مثل البياض " في افتقاره للمحل، أو في كونه لونا فإن هذا الكلام حقيقة لا مجاز فيه، فعلى هذا؛ يمنع أنه يقتضي النفي في جميع الوجوه؛ لأن الأمر، إذا كان مفيدا بالسياق، خصصنا أيضا سلب المساواة بما اقتضاه السياق؛ فيكون ما عداه مسكوتا عنه. قوله: " لا يكفي الاستواء من وجه، وإلا لصدق على كل شيء أنه مساو لغيره ". قلنا: ممنوع؛ لاحتمال أن يخصص ذلك الوجه بما دل السياق عليه؛ وحينئذ لا يقع التعميم؛ لاحتمال أن يكون السياق في بيان المخالفة، لا في بيان المساواة. قوله: " هما في العرف كالمتناقضين ". قلنا: مسلم؛ لكن لأجل السياق الأول، غذا دل على معنى، ووقوع المساواة فيه إثباتا، نفاه الآخر؛ بقوله: " ليسا مستويين " اي فيما اشرت إليه، كما اتفقوا على المناقضة في قولنا: " زيد قائم، زيد ليس بقائم " لأن القائل الثاني فهم عن القائل الأول الزمان الحاضر، فنفاه، وحصلت المناقضة، وإن لم يصرح الأول، ولا الثاني بالزمان الحاضر، كذلك هاهنا تحصل المناقضة؛ لأن العادة القصد إلى ذلك الذي أشعر به السياق؛ فحصل التناقض، لاتحاد المورد في الخطابين. قوله: " نقيض الكلي، هو الجزئي ".

стр. 1794

تقريره: أنه قد تقدم أن القضايا أربع: موجبة كلية، وسالبة كلية، وموجبة جزئية، [وسالبة جزئية]، وأن الكليتين ضدان يمكن ارتفاعهما، فلا يكونان نقيضين، والجزئيتان خلافان يمكن اجتماعهما على الصدق، والنقيضان لا يجتمعان، فلا يرتفعان؛ حينئذ: مناقض الكلية إنما هو الجزئية، إذا كانت إحداهما موجبة، كانت الأخرى سالبة، وقد تقدم بسطه. (تنبيه) زاد سراج الدين؛ فقال: لقائل أن يقول: كلا الوجهين معارض ، ولا ينقضي عنه بأن يعتبر في تناقض قولنا: يستويان. وقولنا: لا يستويان، وحدة ما فيه الاستواء، وأيضا لما وجب استواء كل شيئين في وجه، كفى ذلك في عدم نفي قولنا: لا يستويان الاستواء من كل وجه. قلت: معنى قوله: " كلا الوجهين معارض ": أن الاحتمالين في كون لفظ الاستواء للاستواء في الكل، أو في البعض محتمل. قوله: " لابد من وحدة ما فيه الاستواء ". يريد أن المثبت، إن أراد الاستواء في الكل، فاكتفى بالرد عليه؛ لأنه مورد للثبوت، وإن كان في صفتها، فاكتفى بالرد عليه؛ ليحصل التناقض، وبقية كلامه ظاهر، وهو متجه. وقال التبريزي: نفي التساوي بين الشيئين كقوله تعالى: ﴿لا يستوي

стр. 1795

أصحاب النار﴾ [الحشر: ٢٠] وغثباته كقوله ﵊: " إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا " لا يقتضي العموم في الأحكام، فلا يقتضي القصاص نفيا، ولا إثباتا؛ لأن الشيء لا يساوي غيره مطلقا، وإلا لاتحدا، أو لغثباته مطلقا، وغلا لما اشتركا في المحكومية؛ فإذن لابد من تقييد التساوي بما فيه التساوي، وإذا لم يذكره، كان مجملا لا عاما. قلت: أما النفي، فقد تقدم، وأما الغثبات؛ فلأن التشبيه، إنما يقتضي الاشتراك في الوجه الذي وقع الكلام لأجله، ورتبته أن يكون المشبه دون المشبه به، فلا يحصل العموم، وإلا يحصل التساوي. وأما قوله: " لا يساوي الشيء غيره مطلقا، وغلا لاتحدا "، فهو كلام يقتضي نفي المتساويين مطلقا، وكذلك المثلان، وقد اتفق العقلاء على أن لنا مثلين متساويين في الأحكام الشرعية؛ لوجوب الصلاة في يوم السبت، ووجوبها في يوم الأححد، وكذلك على زيد وعمرو، وكذلك جميع العبادات، وفي الأحكام العقلية؛ فإن استحالة اجتماع النقيضين في السواد، كاستحالتهما في البياض، وإن أفراد البياض متماثلة إلى غير ذلك، بل من شرط المثلين التبيان بالتعين، فلو اشترطنا في المثلين الاتحاد، انتفى المثلان؛ لأنهما حينئذ واحد، والواحد ليس بمثلين؛ فحينئ١ ليس من شرط التساوي في كل شيء التعيين، بل لابد من المباينة في التعيين؛ وحينئذ لايتم قوله: " فلو استويا في كل شيء، كما الخصم يدعيه في صورة النزاع، لاتحدا ". وقوله: " ولا يباينه مطلقا، وإلا لما اشتركا في المحكومية ". معناه: أن كل واحد منهما محكوم عليه؛ بأنه مباين للآخر، فقد اشتركا في هذا المعنى؛ فلا يحصل السابق مطلقا.

стр. 1796

وقوله: " لابد من تقييد التساوي بما فيه التساوي ". معناه: أنه يقتضي صفة ما، غير معينة من غير شمول، فلابد من تعينها. قوله: " إذا لم يذكره، كان مجملا ش. قلنا: يكفي من ذكره كون السياق لأجله، فلا يحتاج مع السياق إلى تصريح. ***

стр. 1797

المسألة الخامسة قال الرازي: إذا قال الله تعالى: ﴿يأيها النبي﴾ [التحريم: ١١] فهذا لايتناول الأمة . وقال قوم: ما يثبت في حقه يثبت في حق غيره، إلا مادل الدليل على أنه من خواصه، وهؤلاء، إن زعموا: أن ذلك مستفاد من اللفظ، فهو جهالة، وإن زعموا: انه مستفاد من دليل آخر، وهو قوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول، فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] وما يجري مجراه، فهو خروج عن هذه المسألة؛ لأن الحكم عنده، إنما وجب على الأمة، لا بمجرد الخطاب المتناول للنبي فقط؛ بل بالدليل الآخر. وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا: أن الخطاب المتناول بوضعه للأمة، لا يتناول الرسول ﷺ . المسألة الخامسة قال القرافي: إذا قال الله تعالى: ﴿يأيها النبي﴾ [الأحزاب: ١] لا يتناول الأمة، وبعضهم يستدل بأن العادة جارية بأن رئيس القوم، إذا خوطب، اندرج قومه معه وأتباعه. وجوابه: أن هذا اتسدلال بالعوائد، لا بالأوضاع اللغوية، ونحن لا ننازع في أنه قد يدل بغير الوضع. ***

стр. 1798

المسألة السادسة اللفظ الذي يتناول المذكر والمؤنث قال الرازي: إما أن يكون مختصا بهما؛ وهو كلفظ الرجال للذكور، والنساء للإناث؛ أو لايكون؛ وهو على قسمين: أحدهما: ما لا يتبين فيه تذكير ولا تأنيث؛ كصيغة (من) وهذا يتناول الرجال والنساء، ومنهم من أنكره. لنا: أنعقاد الإجماع على أنه إذا قال: " من دخل الدار من أرقائي، فهو حر " فهذا لا يتخصص بالعبيد، وكذا لو أوصى بهذه الصيغة، أو ربط بها توكيلا، أو إذنا في قضية من القضايا. احتجوا بقول العرب: " من، منأن، منون، منه، منتان، منات ". والجواب: ان ذلك، وإن كان جائزا إلا أنهم اتفقوا على أن الأصح استعمال لفظ (من) في الذكور والإناث. القسم الثاني: ما تتبين فيه علامات التذكير والتأنيث؛ كقولنا: " قام، قاما، قاموا، قامت، قامتا، قمن " واتفقوا على أن خطاب الإناث لا يتناول الذكور، واختلفوا في أن خطاب الذكور، هل يتناول الإناث؟ والحق: لا. لنا: أن الجمع تضعيف الواحد، وقولنا: (قام) لا يتناول المؤنث؛ فقولنا: (قاموا) الذي هو تضعيف قولنا: (قام) وجب ألا يتناول المؤنث. احتجوا: بأن أهل اللغة قالوا: إذا اجتمع التذكير والتأنيث، غلب التذكير.

стр. 1799

والجواب: ليس المراد ما ذكرتموه؛ بل المراد: أنه متى أراد مريد أن يعبر عن الفريقين بعبارة واحدة، كان الواجب هو التذكير، والله أعلم. المسألة السادسة اللفظ الذي يتناول المذكر والمؤنث قال القرافي: قوله: " تقول العرب: من، منان، منون، منه، منتان، منات. قلنا: هذا شاذ في اللغة، والجادة على النعت بلفظ من المفرد، عن الواحد [والمثنى] والجمع، والمذكر والمؤنث. وقول المصنف يشعر بأنه جائز مطلقا، وليس كذلك. ثم قوله، في الجواب " اتفقوا على صحة استعمال (من) في الذكور والإناث " يرد عليه أن الصحة لا تحصل المقصود؛ فإن المجاز كله جائز. وإنما النزاع في الحقيقة اللغوية، وأما استعارة المذكر للمؤنث، والمؤنث للمذكر، فجائز اتفاقا، فقد بعث أعرابي كتابا للحجاج، فقطعه الحجاج؛ احتقارا به، فبلغ ذلك مرسله، فقال: "قبحه الله، جاءته كتابي فاحتقرها " فقيل له: أتقول ذلك في الكتاب؟ فقال: " أليست صحيفة " فأنث الكتاب تأويلا له بالصحيفة، وهذا متنوع واسع مع أنه حقيقة؛ لأنه لاحظ وجها مؤنثا، فاستعمل اللفظ فيه، وفي غير هذا المعنى يكون مجازا أو مستعارا، ولا نزاع فيه؛ إنما التزاع في الحقائق الأصلية. قوله: " إذا اجتمع المذكر والمؤنث، وأراد مريد أن يعبر عن الفريقين بعبارة واحدة، وجب التذكير ". تقريره: أن التذكير في هذه الصورة في شموله للفريقين أمر نشأ عن إرادة المتكلم الجمع، لا عن الوضع، وكلامنا قبل إرادة الجمع، هل يندرج

стр. 1800

المؤنث وضعا أم لا؟ والخصم لم ينتبه، إنما بين الجمع بسبب الإرادة، وهو لا نزاع فيه. (فائدة) الجمع لأجل الإرادة في لفظ أحد القسمين يكون لاسباب ثلاثة: الأول: الشرف، فيغلب المذكر على المؤنث؛ لشرف التذكير، ومنه قول الشاعر (الطويل): ........................... ... لنا قمراها والنجوم الطوالع فقوله: (قمراها) تغليب للفظ القمر على لفظ الشمس؛ لكون القمر مذكرا، والشمس مؤنثة. ومنه قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل ...﴾ [النساء: ١١] غلب الأب على الأم. الثاني: خفه اللفظ، ومنه قولهم: دولة العمرين، يريدون أبا بكر وعمر، وكلاهما مذكر، لكن لفظ عمر أخف، فلو غبوا لفظ أبي بكر لقالوا: ابوي بكر، وهو أكثر حروف من قولهم: العمرين. وقيل: المراد عمر بن عبد العزيز، وعمر بن الخطاب؛ وعلى هذا لا تغليب.

стр. 1801

الثالث: كراهة المعنى؛ ومنه قوله عائشة ﵂: " وما لنا عيش إلا الأسودان ". تريد التمر والماء، والتمر أسود، والماء ليس بأسود؛ فغلبت التمر الأسود مع أن كليهما مذكر، ولفظ كليهما على وزن (أفعل) سواء، غير أن العرب شأنها كراهة ذكر البياض، ولذلك يسمون الأبيض أحمر، ومنه قوله ﵇ " بعثت إلى الاسود والأحمر ". قيل: للعرب والعجم؛ لأن العجم أصفى من العرب لونا. وقيل: للجن والإنس؛ لأن الجان؛ بخفائهم عن الأعين، كانهم في غاية السواد؛ لأن ما لا يرى يرى أسود، ولذلك من غمض عينيه لا يرى غلا سوادا، وفي الظلام كذلك، والأعمى كذلك، ومنه تسمية عائشة بالحميراء، مع قوة بياضها وصفائه لذلك. فلذلك غلبوا الأسود، فهذه اسباب التغليب، وهي تؤكد أنها مجاز قطعا، فإن الأب لم يوضع للأم، ولا عمر لأبي بكر، ولا الأسود للأبيض، وإنما ذلك مجاز؛ لأجل التغليب، والباعث عليه الأسباب المذكورة، فتأمل ذلك. ***

стр. 1802

المسألة السابعة قال الرازي: إذا لم يمكن إجراء الكلام على ظاهرة إلا بإضمار شيء فيه ، ثم هناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإضمار أيها كان لم يجز إضمار جميعها، وهذا هو المراد من قولنا: " المقتضى لا عموم له " مثاله: قوله ﵇: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". فهذا الكلام لايمكن إجراؤه على ظاهره، بل لابد، وأن نقول: المراد: رفع عن أمتي حكم الخطأ. ثم ذلك الحكم: قد يكون في الدنيا؛ كإيجاب الضمان، وقد يكون في الآخرة؛ كرفع التأثيم، فنقول: إنه لا يجوز إضمارهما معا. لنا: أن الدليل ينفي جواز الإضمار، خالفناه في الحكم الواحد؛ لأجل الضرورة، ولا ضرورة في غيره؛ فيبقى على الاصل، وللمخالف أن يقول: ليس إضمار أحد الحكمين بأولى من الآخر. فإما ألا تضمر حكما أصلا؛ وهو غير جائز، أو تضمر الكل؛ وهو المطلوب. المسألة السابعة قال القرافي: إذا لم يمكن إجراء الكلام على ظاهره، إلا بإضمار، لا يضمر الجميع. قوله: " لايمكن إجراء قوله ﵇: " رفع عن أمتي الخطأ ". تقريره: أن كل واقع يستحيل رفعه بعد وقوعه، والمراد بالحديث أن الخطأ

стр. 1803

إذا وقع من الأمة، رفعه الله تعالى وهذا متعذر؛ فيتعين غضمار شيء آخر يمكن رفعه؛ حتى يستقيم الكلام. قوله: " الدليل ينفي جواز الإضمار، خالفناه في الحكم الواحد؛ للضرورة؛ فيبقى على الأصل ". قلنا: هذا العام يمكن التفصيل فيه؛ فنقول: غن كان كل حكم مضمر يحتاج له لفظ يخصه، فلا يشك ان ذلك خلاف الأصل، وأن جميع الأحكام يعمها لفظ، والحكم الواحد لابد له من لفظ؛ فعلى هذا التردد؛ إما هو بين إضمار لفظ عام، أو إضمار لفظ خاص، وحينئذ يمنع أن إضمار اللفظ العام خلاف الأصل، وأنه مرجوح بالنسبة إلى اللفظ الخاص؛ فإن الجميع اشتركا في مخالفة الاصل، وامتاز اللفظ العام الشامل بزيادة الفائدة؛ فوجب تقديمه؛ لأن المحذور هو كثرة اللفظ المضمر، أما كثرة فائدة ذلك اللفظ المضمر، فلا، وعلى هذا يضمر هاهنا (الحكم) مضافا. تقريره: رفع عن أمتي حكم الخطأ، واسم الجنس إذا اضيف، عم، فيعم أحكام الدنيا والآخرة، ولا يلزم تكثير مخالفة الأصل، ويكون اللفظ أكثر وأجمع للمقاصد؛ فيكون أولى. (تنبيه) هذه المسألة هي فرع من دلالة الاقتضاء ؛ لأن دلالة الاقتضاء هي اقتضاء معنى غير المنطوق به؛ يتوقف عليه التصديق، لا تركيب اللفظ، وإذا قلنا بها، وتوقف التصديق على إضمار أمور، هل يضمرها كلها؟ هو هذه المسألة، فهي فرع على تلك، واعلم أنه قد يتفق في بعض الموارد أن يكون أحد ما يمكن إضماره راجحا بالعادة، أو السياق؛ لاقتضاء خصوص ذلك الحكم له، أو بقرينة حالية، أو مقالية؛ فلا ينبغي الخلاف في تعينه للإضمار؛ لرجحانه، وهل يمتنع إضمار غيره؟

стр. 1804

ينبني على أن هذه الإضمارات، إذا قلنا بالعموم فيها، هل هو عموم لغة أو لضرورة الحاجة، وقد اندفعت بالواحد؟ فإن قلنا بالعموم؛ لأنه مقتضي اللغة، يتعين إضافة غير الراجح للراجح؛ لأن العام لغة إذا كان بعضه أرجح من بعض، يتعين اعتبار المرجوح مع الراجح؛ كقوله: " من دخل داري فأكرمه " ولا شك أن إكرام العلماء والأقارب أرجح من إكرام غيرهم، ومع ذلك يتعين إكرام الجميع؛ لعموم اللفظ. أما غذ ليس في اللغة ما يقتضي العموم، فيتعين الاقتضاء على الراجح؛ لاندفاع الضرورة. واعلم أن هذه المسألة بينها مشابهة، وبين الحقيقة، إذا تعذرت، وبقيت مجازات مستوية، أو بعضها أرجح، فهل يتعين الحمل على الكل، او يبقى اللفظ؛ كما قال الشافعي في المشترك، إذا تجرد عن القرائن، أو يتعين الراجح، أو يبقى اللفظ مجملا، حتى تأتي القرينة المميزة، وينبغي أيضا أن يعلم أن القائلين بأنه لا يعمم في هذه المسألة، كيف يضعون إذا استوت الإضمارا؟ هل يرجحون من غير مرجح، ويضمرون بعضها؛ تحكما بغير دليل، وهو بعيد في مجال النظر، أو لا يضمرون إلا ما دل الدليل على تعينه؛ فيصير حينئذ أرجح، لا ينبغي أن يخالفوا في ذلك، فهذه كلها مواقف ينبغي تأملها في هذه المسألة. (فائدة) قال سيف الدين محتجا للخصم: لفظ الرفع دل على رفع جميع الأحكام ؛ لأن رفع الحقيقة مستلزم لرفع جميع أوصافها، وأحكامها، فإذا تعذر العمل بهذا الرفع في نفس الدار، بقي مستعملا فيما عداها، هذا من حيث اللغة، ومن حيث العرف أيضا؛ فإنه يقال: " ليس للبلد سلطان ولا حاكم " وفيه حاكم رديء أو سلطان كذلك، والمراد نفي جميع الصفات.

стр. 1805

وأجاب عن الأول: بان العموم، إنا نشأ عن نفي الذات، والذات لم تثبت، وانتفاء الموجب يوجب انتفاء الأثر. وعن الثاني: بأن المقصود سلب صفة التدبير، وليس المقصود جميع الصفات؛ بدليل أن السلطان حي عالم له صفات كثيرة، لم يتعرض المتكلم لنفيها. ,اجاب عن قولهم: " ليس إضمار البعض اولى من البعض؛ يلزم الترجيح من غير مرجح " بأن هذا إنما يلزم أن لو أضمرنا حكما معينا، بل نحن إنما نضمر حكما ما، والتعيين إلى الشارع، وألزم عليه سؤال الإجمال، وأجاب عنه بأن سؤال الإجمال على خلاف الأصل، والإضمار أيضا على خلاف الاصل؛ فيتساقطان، وكلامه هذا يقتضي أن القائلين بعدم العموم لم يعنوا شيئا معينا للإضمار، إلا بدليل شرعي، وهو الصواب. ***

стр. 1806

المسألة الثامنة قال الرازي: المشهور من قول فقهائنا: أنه لو قال: " والله، لا آكل " فإنه يعم جميع المأكولات ، والعام يقبل التخصيص، فلو نوى مأكولا دون مأكول، صحت نيته؛ وهو قول أبي يوسف. وعند أبي حنيفة ﵀: أنه لا يقبل التخصيص، ونظر أبي حنيفة ﵀ فيه دقيق: وتقريره: أن نية التخصيص، لو صحت، لصحت: إما في الملفوظ، أو في غيره؛ والقسمان باطلان؛ فبلطت تلك النية. وإنما قلنا: إنه لا يصح اعتبار نية التخصيص في الملفوظ؛ لأن الملفوظ هو الأكل، والأكل ماهيتة واحدة؛ لأنها قدر مشترك بين أكل هذا الطعام، وأكل ذلك الطعام، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، وغير مستلزم له؛ فالأكل من حيث أنه أكل مغاير لقيد كونه هذا الأكل، وذاك، وغير مستلزم له، والمذكور إنما هو الأكل من حيث هو أكل، وهو بهذا الاعتبار ماهية واحدة، والماهية من حيث إها هي لا تقبل العدد؛ فلا تقبل التخصيص، بل الماهية إذا اقترنت بها العوارض الخارجية، حتى صارت هذا أو ذاك، تعددت؛ فهناك صارت محتملة للتخصيص، ولكنها قبل تلك العوارض لا تكون متعددة؛ فلا تكون محتملة للتخصيص. فالحاصل أن الملفوظ ليس إلا الماهية، وهي غير قابلة للتخصيص. فأما إذا أخذت الماهية مع قيود زائدة عليها، تعددت؛ وحينئذ تصير محتملة

стр. 1807

للتخصيص؛ لكن تلك الزوائد غير ملفوظة؛ فالمجموع الحاصل منها، ومن الماهية غير ملفوظ؛ فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ، وهذا هو القسم الثاني. فنقول: هذا القسم، وإن كان جائزا عقلا، إلا أنا نبطله بالدليل الشرعي فنقول: إضافة ماهية الأكل إلى الخبز تارة، وإلى اللحم أخرى - إضافات تعرض لها؛ بحسب اختلاف المفعول به. وغضافتها إلى هذا اليوم وذلك، وهذا الموضع وذاك إضافات عارضة لها بحسب اختلاف المفعول فيه. ثم أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان، لم يصح، فذلك التخصيص بالمفعول به، والجامع رعاية الاحتياط في تعظيم اليمين. حجة أصحاب الشافعي ﵁: أجمعنا على أنه لو قال: " إن أكلت أكلا، أو غسلت غسلا " صحت نية التخصيص؛ فكذا غذا قال: " إن أكلت " لأن الفعل مشتق من المصدر والمصدر موجود فيه. والجواب: أن المصدر هو: الماهية، وقد بينا أنها لا تحتمل التخصيص، وأما قوله: " أكلت أكلا " فهذا في الحقيقة ليس مصدرا؛ لأنه يفيد أكلا واحدا منكرا، والمصدر ماهية الأكل، وقيد كونه واحدا منكرا ليس وصفا قائما به؛ بل معناه أن القائل ما عينه، والذي يكون متعينا في نفسه، لكن القائل ما عينه؛ فلا شك أنه قابل للتعيين، فغذا نوى التعيين، فقد نوى ما يحتمله اللفظ، فهذا ما عندي في هذا الفصل.

стр. 1808

المسألة الثامنة قال القرافي: إذا قال: (لا آكل): قلت: اختلفت عبارة العلماء في فهرسة هذه المسألة، فالغزالي في (المستصفى)، وسيف الدين وغيرهم يقولون: الفعل المتعدي، هل يعم بفاعله، ويقبل التخصيص أم لا؟ فعلى هذا لا يتناول هذه المسألة الأفعال القاصرة. والقاضي عبد الوهاب المالكي في كتاب (الإفادة) وغيره يقولون: الفعل في سياق النفي، هل يقتضي العموم؛ كالنكرة في سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفي لمصدرة؟ فإذا قلنا: (لا يقوم) كأنا قلنا: (لا قيام). ولو قلنا: (لا قيام) عم، وعلى هذا التفسير؛ تعم المسألة القاصر والمتعدى. والإمام فخر الدين ادعى شيئا مشتملا على الأمرين؛ فإن (لا آكل) هو فعل في سياق النفي، وهو فعل متعد، والظاهر: أن مراده الفعل من المتعدى، كما في (المستصفى) لأنه أحد الأصول التي منها جمع كتابه، ودليله في المسألة إنما تعرض فيه للفعل، فدل ذلك على أنه المراد، والظاهر أنهما مسألتان، ذكر أحد الفريقين إحداهما، وترك الأخرى؛ وعلى هذا لا يكون اختلافا في التعبير عن المسألة. وقوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيا﴾ [طه: ٧٤] من مسألة الفعل في سياق النفي. قوله: " قبل أن تعرض لها العوارض لا تكون متعذرة " هو مثل قول

стр. 1809

النحاة: المصادر لا تثنى، ولا تجمع إلا إن تجددت أو اختلفت أنواعها؛ كالحلوم والإسعال؟ ان ماهية المصدر من حيث هي تلك المادة لا واحدة، ولا كثيرة، فغذا تنوعت بالفصول التشخصات، صارت ذات عدد، فدخلت التثنية والجمع في ذلك العدد، وكذلك الأكل هاهنا غير أن هاهنا بحثا، وهو أنها، إن كانت غير قابلة للتخصيص؛ لعدم تعددها، فهي قابلة للتقييد؛ لأن التقييد عكس التخصيص؛ لأن التقييد زيادة على الحقيقة، وهو ثبات مع الوحدة في الماهية، والتخصيص نقصان، وذلك متعذر مع الوحدة دون التقييد. وإذا قيد الحالف المحلوف عليه بنوع معين، لا يحنث بغيره، كما لو حلف؛ ليكرمن رجلا، ونوى اباه، لا يبرأ بإكرام غيره؛ لأجل أنه قيد الرجل في نيته بأبيه؛ كذلك في النفي، غذا حلف؛ لا يفعل ماهية الأكل، وقيدها في نيته بالطعام الحرام، ونحوه، لا يحنث بالطعام الحلال. قوله: " اجمعنا على أنه، لو نوى التخصيص بالزمان والمكان، لم يصح ". قلنا: لا نسلم؛ بل الشافعية، والمالكية متفقون على أنه إذا قال: " والله لا أكل، ونوى يوم السبت ونحوه، لا يحنث بغيره، وكذلك في المكان، والحكم المقيس عليه ممنوع، وسلمنا الحكم فيه، لكن الفرق أن المفعول به أقوى تعلقا، وأمس باللفظ من الطرفين الزماني والمكاني؛ بدليل أن النحاة أجمعوا على أنه، غذا وجد المفعول به، والظرف في باب ما لم يسم فاعله؛ أنه يتعين تقديم المفعول؛ لقوة شبهه بالفاعل؛ الا ترى أن من أكرم زيدا، أو أهانه، فصده حصول الإكرام لزيد دون الزمان الذي حصل فيه الإكرام، ودون المكان، ولا يكاد أحد يقصد خصوص الزمان والمكان إلا نادرا، ولا عبرة بالنادر؛ ولأن الظروف تتعدى إليها الأفعال المتعدية، وغير المتعدية،

стр. 1810

وأما المفعول به، فلا يتعدى إليه إلا الفعل المتعدي، فهو مقتض بخصوص التعدي، دون عموم اللفظ، والاقتضاء الخاص يقدم على الاقتضاء العام؛ بدليل قول الفقهاء: إن الصلاة في الثوب الحرير تقدم على الصلاة في الثوب النجس؛ لاختصاصها بالصلاة، والمحرم يأكل الميتة ولا يأكل الصيد عند الضرورة والتعارض؛ لأن الإحرام يقتضي تحريم خصوص الصيد، والاقتضاء الخاص مقدم، ونظائره كثيرة، فهذه ثلاثة أجوبة. قوله: " اتفقنا على التخصيص، إذا قال: لا أكلت أكلا ". تقريره: أن النحاة اتفقوا على أن ذكر المصدر بعد الفعل، إنما هو للتأكيد، والتأكيد عبارة عما لم ينشأ سببا لم يكن في الاصل غير تقوية ما فهم من الأصل، فجميع الأحكام الثابتة بعد التأكيد هي الأحكام الثابتة قبله، غير التقوية ليس إلا؛ وحينئذ جواز التخصيص من جملة الأحكام، وهو ثابت بعد النطق بالمصدر؛ فيثبت قبله، وهو محل النزاع، وهذا تقرير في غاية الظهور والقوة. قوله: (اكلا) ليس مصدرا " خلاف إجماع النحاة؛ فإنا نقول: اكل يأكل أكلا، وجميع أئمة العربية على إعرابة مصدرا. قلنا: قيد كونه منكرا خارج عن الماهية. قوله:" ليس في (أكلا) إلا الماهية؛ من حيث هي ماهية الأكل، وهي صادقة على التقليل والكثير من جنسها " وهذا هو حقيقة المصدر، وحقيقة النكرة؛ فإن النكرة كل اسم شائع في جنسه لا يخص واحدا منها دون الآخر، ولا شك أن أصل الماهية التنكير. قال النحاة: ولذلك كان التعريف يمنع الصرف؛ لأنه فرع عن التنكير؛ فحينئذ ليس التنكير عارضا، بل هو أصل الحقيقة.

стр. 1811

قوله: والذي يكون معينا في نفسه، لكن الإنسان ما عينه، فهو قابل للتعيين، فإذا نوى التعيين، نوى ما يحتمله الملفوظ. قلنا: لا نسلم أن المصدر، إذا نطق به هكذا، يلزم أن يكون معينا عند المتكلم، بل يشير به إلى ماهية الأكل التي هي القدر المشترك بين جميع ماهيات الأكل، ولا يريد معينا، لاسيما كل ما في الحلف الذي لا يكون إلا في المستقبلات، والأفعال التي لم تقع بعد، والتعيين إنما يكون في الحال أو الماضي؛ فإنه لابد، وأن يكون معينا، أما المستقبل فلا يلزم ذلك فيه، وكذلك تكاليف الشرع كلها، إنما تعلقت بالماهيات الكليات المعينات؛ لكونها مستقبلة عند الطلب والتخيير، ففرق بين قول القائل: أكلت أكلا، وبين قوله: لا أكلت أكلا، فإن الأول بالضرورة وقع في مأكول معين، وزمان معين، وهيئة معينة؛ بخلاف الثاني مسلوب جميع ذلك؛ فظهر حينئذ أن التعيين في المصدر في صورة النزاع غير لازم. قوله: " نوى ما يحتمله الملفوظ ". قلنا: وكذلك قبل النطق بالمصدر نوى ما يحتمله الملفوظ؛ لأن الفعل يحتمل أن يريد به الحالف مفعولا معينا في نفسه، وهذا معلوم بالضرورة من أحوال الحالفين. (تنبيه) الذي رأيته من كلام الحنفية، وسمعته من فضلائهم في البحث في هذه المسألة: أن النية لا يجوز تأثيرها إلا في ملفوظ به لا في لازم ملفوظ، ولا في عارضه. قالوا: فإذا قال: " لأكرمن رجلا " ونوى اباه، صح؛ لأن ماهية الرجل ملفوظ بها؛ فقبلت تأثير النية بالتقييد والتخصيص، وأما المأكولات من لفظ الأكل، إنما هي مدلولة بالالتزام، فلا تؤثر النية فيها شيئا، ويكون وجود

стр. 1812

النية كعدمها، واتفقنا على أنه، لو لم ينو، حنث بأي مأكول كان، فكذلك النية التي هي غير معتبرة، وبقى البحث معهم في تقرير هذه القاعدة، فلم قالوا: " إنها لا في الملفوظ " مع أنهم نقضوا ذلك بما إذا صرح بالمصدر، وتأثيرها حينئذ إنما هو في غير الملفوظ، هذا بحكم مبهم، وظواهر النصوص يرد عليهم مثل قوله ﵇: " وإما لكل امرئ ما نوى " وهو حديث عام، لم يخصه صاحب الشرع بالملفوظ، ولا بغيره؛ لقوله: " الأعمال بالنيات " الشامل لكل عمل لا سيما، وسؤال التقييد ما أجابوا عنه؛ فإنهم إنما أجابوا عن التخصيص دون التقييد، وهو عكسه، ولا يلزم من امتناعه امتناعه؛ كما تقدم. ومنها: قوله تعالى؛ حكاية عن يعقوب ﵇ أنه قال لبنيه عن أخي يوسف: ﴿لتأتني به إا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦]، فاستثناء حالة الإحاطة من جملة الحالات، والأحوال التي تعرض لهم مفهوم خارج عن مفهوم الإتيان الذي دخل عليه الاستثناء، والاستثناء إنما يصح فيما يمكن أن يتعلق به النية؛ فإنه لفظ دال على ما في النفس، فلو لم يتقرر في النفس إخراج هذه الحالة من جملة الحالات لما أتى بالاستثناء، إلاعلى إخراجها، واللفظ إنما هو مقصود السامع، والحالف لا يحتاج أن يعلم السامع، فيبقى ذلك الإخراج في نفسه يوجب له حكم عدم الحنث، ومن استقرا النصوص من الكتاب والسنة، وجد فيها أشياء كثيرة من هذا الباب تقوم بها الحجة على جواز الإخراج من عوارض الألفاظ دون مدلوله، ثم نحن يكفينا أن لم نجد ما يمنع من ذلك، والأصل براءة الذمة، والأصل عدم المنع والحجر؛ فعليهم هم الدليل على منع ذلك، فهذه القاعدة هي سر البحث عندهم، ثم إنهم قاسوا على الطروق؛ فمنعناهم الحكم في الأصل، ونحن قسنا على التصريح بالمصدر، ولم يمكنهم المنع، فتعين الحق في هذه الجهة.

стр. 1813

(تنبيه) زاد سراج الدين؛ فقال: "لقائل ان يقول: تعلق الفعل بالمفعول به أقوى من تعلقه بالمفعول فيه ، وكانت دلالته الالتزامية عليه أقوى " قد تقدم هذا في المنوع. وقال التبريزي: جهة الإنصاف تمنع من الجري على مقتضى شرط الاختصار، فدعوى الدقة في مذهب عام يضر به؛ فقياس المفعول به على المفعول فيه ظاهر التكلف؛ لأن المفعول به ممن مقومات الفعل في الوجود؛ لأن قتلا بلا مقتول، وأكلا بلا مأكول محال، وكذلك في الذهن: فهم ماهية القتل والأكل، دون فهم المقتول والمأكول محال، فالتزام الأكل التزام للفعل في محل مخصوص، فبالضرورة خصوص التعلق بالمحل يدخل في الملتزم باللفظ، وأما الزمان والمكان، فليسا من لوازم ماهية الفعل، ولا من مقوماته، بل هما من لوازم الفاعل المحدث، وبهذا ينفك فعل الله تعالى عن المكان والزمان، ولا ينفك قتل عن مقتول، فالزمان والمكان اتفاقي ليس بلازم، فهو نحو كون الصلاة تحت فلك القمر، ثم النية، إنما تؤثر في تخصيص آحاد الأكلات؛ فغن لكل مأكول أكلا، وشمول الكلي لآحاد الجزئيات بماهية الحقيقة عموم عقلي يعبر عنه بالحال، فاللفظ الموضوع للكلي الشامل يشملها من طريق التضمن؛ ضرورة، وإن لم يكن مشعرا بالعدد وضعا، ويشهد له تأكيد المصدر. وقوله: " ليس ذلك مصدرا " خلاف قول أهل اللسان أجمع، ثم يقول: " إا كان مفهوم هذا اللفظ واحدا منكرا " فكيف قبل التخصيص، والوحدة

стр. 1814

تناقض الكثرة، وهي جزء مفهومها، وإن لم يحصل التنكير وضعا، كما زعم، ثم إنا إذا قطعنا النظر عن التوجه والتنكير المناقضين للتخصيص، عاد مفهومه بطبع المصدر المسكن في نفس الفعل، وهو قوله: (أكلت) وإذا قبلت هذه الصيغة التخصيص، فأولى أن يقبله المصدر المفهوم المسكن، لا يبقى إلا ان هذا المفهوم في صورة الاجتهاد ملفوظ في محل النزاع مضمون، ولكن التضمن معدود من دلالة اللفظ، بخلاف الاتزام؛ ولهذا إذا قال: (طلقي نفسك) ونوى، صح، وإن لم يكن الطلاق المقابل ملفوظا مفهوما، وكذلك إذا قال: أبنتك، فمذهب الشافعي أدق وأحق. قلت: قوله: " عموم عقلي، فعبر عنه بالحال " يشير بالحال إلى الحال التي ليست بمعللة؛ نحو كون السواد عرضا، وكل كلي من أنواع واشخاص، فسمى حالا غير معللة، والحال المعللة هي أحكام المعاني؛ نحو كون المحال عالما، فعلل بقيام العلم به، وكذلك أسود؛ لقيام السواد، ومتحركا؛ لقيام الحركة به. وقوله: " اللفظ الموضوع للكل الشامل يشملها من جهة التضمن " غير متجه؛ لأن الأعم لفظ لا يدل على الأخص، لا مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما. وكذلك قال: وإن لم يكن مشعرا بالعدد، يقبل الأعداد، والخصوصات، وجميع الأفراد قبولا لا تضمنا. وقوله: " هذا المفهوم في صورة الاجتهاد ملفوظ في محل النزاع مضمون " أي: هو بمعنى الملفوظ، ومدلول عليه ضمنا. وقوله: " المتضمن معدود من دلالة اللفظ؛ بخلاف الالتزام " غير متجه، بل الكل معدود من دلالة اللفظ، غير أن دلالة التضمن أقوى؛ لكون المدلول داخلا، وفي الالتزام خارجا، ولعله يريد القوة لا النفي بالكلية.

стр. 1815

(فائدة) قال سيف الدين: " الفعل المتعدي عندنا يجري مجرى العام في مفاعليه؛ فيقبل التخصيص، وهو عندنا كذلك في النفي والإثبات. أما في النفي: إذا قال: " والله، لا أكلت " فقد نفي الحنفية الحقيقة التي هي ماهية الأكل، ويلزم نفي جميع جزئياتها، ونفي كل مأكول؛ فثبت العموم؛ فقبل التخصيص. وأما في الإثبات: نحو: " إن أكلت، فأنت طالق " فمطلق الأكل يستلزم مطلق المفعول، والمطلق يصلح تفسيره بالمقيد. قلت: ويرد عليه منع الحنفية؛ أن هذا مدلول التزاما؛ فلا يقبل التقييد؛ كما تقدمت قاعدتهم. (قاعدة) ما الفرق بين هذه المسألة، وبين قولنا: " المقتضى لا عموم له " فإن الغزالي قال في " المستصفى ": إن الحنفية قالوا: هذه الألة من باب الاقتضاء ولا عموم له، فإذا قال: " انت طالق " ونوى عددا، لا يلزمه العدد. قال: وليس هذا من باب الاقتضاء؛ لان الاقتضاء هو الذي يضمر للتصديق؛ نحو " رفع عن أمتي الخطأ ". والفعل المتعدي ما يدل عليه مفعوله، وليس البعض أولى من البعض؛ فيعم بدلالة اللفظ، لا لأجل التصديق.

стр. 1816

المسألة التاسعة قال الرازي: قال الشافعي ﵁: ترك الاستفصال، في حكاية الحال ، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. مثاله: أن ابن غليان أسلم على عشر نسوة، فقال ﵊: " أمسك أربعا، وفارق سائرهن " ولم يسأله عن كيفيه ورود عقده عليهن في الجمع، أو الترتيب؛ فكان إطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معا، أو على الترتيب. وهذا فيه نظر؛ لاحتمال أنه ﷺ عرف خصوص الحال، فجأب؛ بناء على معرفته، ولم يستفصل، والله أعلم. المسألة التاسعة قال القرافي: ترك الاستفصال في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. قلت: هذا النقل عن الشافعي يناقضه ما نقل عنه من أن حكاية الحال، إذا تطرق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال. وسألت بعض الشافعية عن ذلك، فقال: يحتمل أن يكون ذلك قولين للشافعي، والحق أنه لا تناقض فيه؛ والكلام حق بني على قاعدتين: القاعدة الأولى: أن الاحتمال تارة يكون في دليل الحكم، وتارة في المحل المحكوم عليه، لا في دليله، ويكون الدليل في نفسه سالما عن ذلك.

стр. 1817

وأما في الدليل: فقوله ﵇: " فيما سقت السماء العشر " يحتمل أن يريد وجوب الزكاة في كل شيء حتى الخضروات كما قاله أبو حنيفة، ويكون العموم مقصودا له ﵇ لأنه تعلق بلفظه الدال عليه، وهو صيغة (ما) ويحتمل أنه لم يقصده؛ لأن القاعدة: أن اللفظ، إذا سيق لبيان معنى، لا يحتج به في غيره، فإن داعية المتكلم مصروفة لما توجه له دون الأمور التي تغايره، وهذا الكلام، إنما سيق؛ لبيان المقدار الواجب، دون بيان الواجب فيه، فلا يحتج به على العموم في الواجب فيه، وإذا تعارض الاحتمالان، سقط الاستدلال به على وجوب الزكاة في الخضروات، هذا في الأدلة العامة. وأما في وقائع الأحوال: فكما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي الذي جاء يضرب صدره، وينتف شعره: " أعتق رقبة " فيحتمل أن يكون أمره بذلك؛ لكونه أفسد صومه، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لكونه أفسده بالجماع، أو لكونه أفسد مجموع الصومين، كل هذه احتمالات مستوية بالنسبة إلى ما دل اللفظ عليه، ولا يتعين أحدها من جهة اللفظ، بل من جهة مرجحات العلل، وقوانين القياس، فهذه احتمالات في نفس الدليل؛ فيسقط الاستدلال به؛ على ما الاحتمالات فيه متقابلة.

стр. 1818

وأما في المحل المحكوم عليه: فقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩] هذا لفظ صريح في إيجاب إعتاق الرقبة؛ غير أن تلك الرقبة يحتمل أن تكون بيضاء أو سوداء، أو غير ذلك، والمعتق يحتمل أن يكون كهلا أو شيخا، أو غير ذلك؛ فيعم الحالات كلها، وكذلك " في أربعين شاة شاة " يعم أحوالا لشياه من البيضاء والسوداء، أو أي شاة أخرجها أجزأت، وكان الإجزاء عاما في جميع أحوال المحكوم عليه، فتأمل هذا الفرق. فهذه المسألة حيث يكون لفظ الشارع ظاهرا أو نصا، والاحتمالات، إنما هي في محل الحكم، وذلك البعض حيث تتعارض الاحتمالات في نفس الدليل، ولا شك أن المجمل لا دلالة فيه، ولا يثبت به حكم، والنسوة هن المحل المخير فيه، ولفظ الحديث لا إجمال فيه، ويحتمل أن يكون عقودهن واحدة؛ كما قال أبو حنيفة، ويحتمل أن تكون عقودا واحدا بعد واحد؛ يفعم الحكم الجميع. القاعدة الثانية: أن مراد العلماء من تطرق الاحتمال الاحتمال المساوي، أما المرجوح، فلا عبره به إجماعا؛ لأن الظواهر كلها فيها الاحتمال المرجوح، ولا يقدح في دلالتها. ***

стр. 1819

المسألة العاشرة قال الرازي: العطف على العام لا يقتضي العموم ؛ لأن مقتضى العطف مطلق الجمع؛ وذلك جائز بين العام والخاص؛ قال الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا عام، وقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ خاص. المسألة العاشرة قال القرافي: العطف على العام لا يقضي تخصيص العام . تقريره: أن الله تعالى لما قال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا يقتضي صدر الآية العموم في آخرها، بل يجمل آخرها على الرجعيات فقط؛ لأن العطف، إنما يقتضي التشريك في الأحكام بين المفردات، وهاهنا وقع العطف بين جملتين، فجاز اختلافهما في العموم والخصوص؛ غير أن هاهنا قاعدة أخرى؛ وهي أن الضمير الذي يعود على ظاهر، الأصل أن يكون هو نفس ظاهرة، لكن الضمير في (بعولتهن) يعود على جميع المطلقات، فيكون هو أيضا يدل على أن جميع المطلقات بعولتهن أحق بردهن، إلا أن ذلك خلاف الإجماع، فيكون الإجماع هو المانع من إجرائه على عمومه؛ لأن العموم منتف، وهذا أشكل في الآية ن العطف، وأقوى حجة على التعمي، وأما العطف ما هو عطف بين الجمل؛ فاقتضاؤه العموم بعيد. ***

стр. 1820

المسألة الحادية عشرة قال الرازي: كل حكم يدل عليه بصيغة المخاطبة ؛ كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنو﴾، ﴿يأيها الناس﴾ فهو خطاب مع الموجودين في عصر الرسول ﷺ . وذلك لا يتناول من يحدث بعدهم إلا بدليل منفصل يدل على أن حكم من يأتي بعد ذلك كحكم الحاضرين؛ لان الذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في ذلك الوقت، ومن لم يكن موجودا في ذلك الوقت لا يكون إنسانا ولا مؤمنا في ذلك الوقت، ومن لا يكون كذلك، لا يتناوله الخطاب المتناول للإنسان والمؤمن. فإن قيل: وما الذي يدل على العموم؟ قلنا: الحق أنه معلوم بالضرورة في دين محمد ﷺ . وذكروا فيه طريقين آخرين: الأول: التمسك بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨] وقوله ﵇: " بعثت إلى الناس كافة " وقوله: ﴿بعثت إلى الأسود والأحمر﴾ وقوله ﷺ " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ". الثاني: أنه ﷺ متى أراد التخصيص بين؛ كما قال لأبي بردة بن نيار " يجزئ عنك ولا يجزئ أحدا بعدك ". وخص عبد الرحمن بن عوف " بحل لبس الحرير " فحيث لا يتبين التخصيص، نعلم العموم.

стр. 1821

ولقائل أن يعترض على الأول: بأن لفظ " لناس، والجماعة، والأسود، والأحمر " لا يتناول إلا الموجودين؛ فيختص بالحاضرين. وعلى الثاني: بأن ذكر التخصيص، إنما يحتاج إليه لو جرى لفظ يوهم العموم، لكنا قلنا: إن الخطاب مشافهة لا يحتمل أن يدخل فيه الذين سيوجدون بعد ذلك؛ فلا حاجة فيه إلى بيان التخصيص. المسألة الحادية عشر قال القرافي: خطاب المشافهة والمخاطبة يخص الموجودين؛ كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنو﴾ [البقرة: ١٧٨]. تقريره: أن النداء في لسان العرب لا يكون إلا مع القريب الموجود، أما البعيد جدا؛ كنداء من في المشرق من في المغرب، لا يناديه العرب، إلا على سبيل المجاز، وكذلك من لا يصلح للنداء؛ كقوله تعالى حكاية عن الكافر: ﴿ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] فمناداة الحسرة ونحوها مما لا يعقل، (و) للعلماء فيه تأويلات مذكورة في موضعها، فالمعدوم أولى، غير أن فهرسة المسألة أعم من النداء، وما مثلها إلا تأكيدا؛ فإن المخاطبة صدق ضمائر الخطاب من غير نداء؛ نحو: أكرمتكم، وأمرتكم، وقوموا، و ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩] والكل أيضا لا يكون في لسان العرب إلا للموجود الذي يمكن مخاطبته بذلك الحكم، وما عدا ذلك فهو محمول على المجاز. (تنبيه) ينبغي أن تستحضر الفرق بين قوله تعالى: ﴿يأيها الناس﴾ [البقرة: ٢١] وبين قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحوها مما لا نداء فيه، ولا خطاب، وبين قوله تعالى: ﴿يا

стр. 1822

عبادي الذين أسرفوا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]: أن الأول يشترط فيه الوجود والاتصال بتلك الصفة الواقعة في الخطاب، حتى يكون حقيقة، والثاني لا يشترط فيه الوجود، ولا حصول ذلك الوصف في كونه حقيقة، بل يصدق اللفظ حقيقة في المعدوم أيضا، وسر الفرق: ما تقدم بسطه في " باب المشتق " هل يشرط بقاؤه حالة إطلاق المشتق منه أم لا؟ من أن المشتق تارة يكون محكوما به، وتارة يكون متعلق الحكم، فإن كان محكوما به، اشترط وجوده، وإن كان متعلق الحكم، فلا، وبسطه هناك، وبيان مدركه، فلا أطول بإعادته، فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] و ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١] يتناول الناس، وجملة المسرفين أبد الآبدين؛ ويكون حينئذ بخلاف القسم الآخر، وبه يظهر الجواب عن قوله في الرد على استدلال الجماعة؛ بأن لفظ الناس والجماعة والأسود والأحمر لا يتناول إلا الموجودين؛ لأنا نقول: قوله ﵇: " بعثت للأسود والأحمر ": هاهنا متعلق الحكم يعم الموصوفين بهذه الصفات إلى قيام الساعة، ويكون حقيقة؛ لأنه متعلق الحكم، لا محكوم به. فإذا قلنا: " هذا أحمر، هذا أسود " المعنى هاهنا محكوم به، وكذلك الجواب عن البقية، فتأمل ذلك وراجعه من " مسألة الاشتقاق " يتضح لك أكثره، ويندفع بهذه القاعدة أسئلة كثيرة في أصول الفقة، وفي الفقه والتفسير ومواضع كثيرة، ويعرف بها التخصيص من المجاز في هذه المواطن؛ حتى إنه ينبغي أن يجعل هذا من جملة الفروق المذكورة بين المجاز والحقيقة في باب المجاز؛ فقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] يتناول كل مشرك إلى قيام الساعة؛ بخلاف: هؤلاء مشركون، وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢] يتناول جميع الزناة، وقولنا: " واصحب العلماء والزهاد " يتناولهم إلى قيام الساعة؛ لأن هذا كله متعلق الحكم؛ لأن الله تعالى حكم

стр. 1823

بالقتل، وجعلهم متعلق الحكم، ولم يحكم بأن أحدا مشرك في هذه الآية، ولم يحكم أيضا بأن أحدا زنى ولا سرق، بل جعلهم متعلق حكم إيجاب الجلد والقطع، وكذلك جميع موارد الاستعمال فيها، الفرق بين كون المعنى محكوما به، أو متعلق الحكم. (سؤال) قال النقشواني: هذه المسألة تناقض قوله: إن المعدوم يكون مخاطبا بالخطاب السابق؛ فلم لا يجوز أن يكون الخطاب الموجود في زمان رسول الله ﷺ يتناول من أتى بعده، وإن كان معدوما؛ كما قالوه في تلك المسألة؟ (سؤال) قال: قوله: " من ليس موجودا لا يكون إنسانا " لا يستقيم ؛ لأن الإنسان في نفسه إنسان، والحقائق كلها في أنفسها يجب لها أن تكون على صفات أنفسها، وجدت أو عدمت، وهو ضروري، وكذلك لو حكمنا، فقلنا: " كل إنسان ناطق أو حيوان " اندرج كل إنسان في حكمنا، وإن كان معدوما؛ وإلا لما صدقت الكليات أبدا، والجواب عن الأول: أنه لا مناقضة؛ لأن قولنا: " مرادنا في المسألة المعدوم يجوز خطابه في الكلام النفساني " أي: هو متعلق بالمعدوم في الأزل، والكلام النفساني لا يدخله الحقيقة ولا المجاز؛ بل هما من عوارض الألفاظ اللغوية، وهذه المسألة خاصة باللفظ اللغوي ن فهل يتناول بالوضع المعدوم في المشافهة أم لا؟ فالمسألتان مفترقتان. وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الحقائق في أنفسها تكون، حالة العدم يصدق عليها سواد، وبياض، وإنسان، بل المعدومات نفي صرف ليس فيها سواد ولا بياض، وإنما يأتي ذلك على رأي المعتزلة القائلين بأن المعدوم شيء؛ مع أنهم خصصوا ذلك في مقالاتهم بالبسائط من المعاني، أما المركبات، فلم

стр. 1824

يقل أحد من مشاهيرهم به، وإنما حكاه الإمام في (المحصل) عن شردمه قليلة منهم، فالإنسان من المركبات، وكذلك الأحمر والأسود، بخلاف الحمرة والسواد، فإنهما بسيطان؛ هذا تفصيل مذهب المعتزلة. وأما نحن، فنقول: لا يصير السواد سوادا، ولا غيره من الحقائق، إلا بقدرة الله تعالى فذلك تابع للإيجاد، ولا كائن قبله، فلم تصدق خصائص الحقائق عليها، وهي معدومة ألبتة. وقولنا: " من المحال ألا يكون السواد سوادا ". معناه: أنه إذا وجد السواد لا يكون سوادا، لا أنه حالة العدم سواد، بل ذلك مذهب المعتزلة. وقولنا: " كل إنسان حيوان " كلية صحيحة، ومعناها أن كل ما لو وجد وكان إنسانا، كان حيوانا، ومن المحال أن يتصف في الوجود بالإنسانية، ولا يتصف بالحيوانية؛ هذا معنى الكليات في جميع المدارك، لا أنا قضينا على المعدومات؛ بأنها أناسي وحيوانات، بل ذلك كله على تقدير الوجود. ***

стр. 1825

المسألة الثانية عشرة قال الرازي: قول الصحابي: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر " لا يفيد العموم ؛ لأن الحجة في المحكة لا في الحكاية، والذي رآه الصحابي؛ حتى روى النهي عنه يحتمل أن يكون خاصا بصورة واحدة، وأن يكون عاما، ومع الاحتمال؛ لا يجوز القطع بالعموم، وأيضا قول الصحابي:" قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين " لا يفيد العموم، وكذا القول فيما إذا قال الصحابي: سمعت النبي ﷺ يقول: " قضيت بالشفعة للجار " لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار معروف ن وتكون الألف واللام للتعريف؛ وقوله: " قضيت " حكاية عن فعل معين ماض. فاما قوله ﷺ : " قضيت بالشفعة للجار " وقول الراوي: أنه ﷺ " قضى بالشفعة للجار " فالاحتمال فيهما قائم، ولكن جانب العموم أرجح. المسألة الثانية عشرة قال القرافي: " قول الصحابي: " نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر " لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكى لا في الحكاية ". تقريره: أن هذا اللفظ ليس لفظ رسول الله ﷺ بل لفظ الراوي؛ والحجة إنما تقوم بقوله ﵇ لا بقول الراوي، ويرد عليه أن هذا
следующие страницы →