← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وفي بعض نسخ "المحصول" بالراء، وهو تصحيف، وأكثر النسخ بصيغة على صدع بلفظ "علي"، وفي بعضها بلفظ "إلى"، وهو الأقل. والمراد بالشعوب: الالتئام والاجتماع من قولك: شعبت القصعة إذا جمعت فلقتيها والصدع: الفرقة، ومنه: انصدع الحائط إذا انشق، وافترقت أجزاؤه، ومنه سمي الفجر صديعا كأن الظلمة انشقت، وخرج ضوء النهار، فيصير المعنى يخبرنا الغراب أن الاجتماع على افتراق. كما تقول: هو على الموت، وهو على سفر أي: قاربه، وهو أبلغ في قرب الفرقة من لفظ "إلى"؛ لأنها تشعر بأن الاجتماع آيل إلى فرقة، ولا تشعر بقرب الفرقة. " فائدة" يقول أرباب علم البيان عن هذه المجازات: إخبار بلسان الحال، ويجعلونه قسيما للإخبار عن لسان المقال ، ويعدون منه قول العرب:"امتلأ الحوض، وقال: قطني" أي: كفاني،: واشتكى جملي طول السري، وفي القرآن الكريم منه مواضع كثيرة. ***

стр. 2697

المسألة الثانية قال الرازي: ذكروا في حده أمورا ثلاثة: أحدها: أنه الذي يدخله الصدق، أو الكذب. وثانيها: أنه الذي يحتمل التصديق، أو التكذيب. وثالثها: ما ذكره أبو الحسين البصري، وهو أنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور، إلى أمر من الأمور نفيا، أو إثباتا. قال: واحترزنا بقولنا: "بنفسه" عن الأمر؛ فإنه يفيد وجوب الفعل، لكن لا بنفسه؛ لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل، والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر، ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا؛ تبعا لذلك. وكذا القول في دلالة النهي على قبح الفعل، فأما قولنا: "هذا الفعل واجب، أو قبيح": فإنه يفيد بصريحه تعلق الوجوب، أو القبح بالفعل. واعلم أن هذه التعريفات ردية. أما الأول: فلأن الصدق والكذب نوعان تحت الخبر، والجنس جزء من ماهية النوع وأعرف منها، فإذن: لا يمكن تعريف الصدق والكذب، إلا بالخبر، فلو عرفنا الخبر بهما، لزم الدور. واعترضوا عليه أيضا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن كلمة "أو" للترديد، وهو ينافى التعريف، ولا يمكن إسقاطها هاهنا؛ لأن الخبر الواحد لا يكون صدقا وكذبا معا.

стр. 2698

وثانيها: أن كلام الله، ، لا يدخله الكذب، فكان خارجا عن هذا التعريف. وثالثها: أن من قال: "محمد ومسيلمة صادقان" فإن هذا خبر، مع انه ليس بصدق، ولا كذب. ويمكن أن يجاب عن الأول: بأن المعرف لماهية الخبر أمر واحد، وهو إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه، وذلك لا ترديد فيه. وعن الثاني: أن المعتبر إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه، وخبر الله تعالى كذلك؛ لأنه صدق. وعن الثالث: أن قوله: "محمد ومسيلمة صادقان" خبران، وإن كانا في اللفظ خبرا واحدا؛ لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد، ﵊، وإلى مسيلمة، وأحد الخبرين صادق، والثاني كاذب. سلمنا أنه خبر واحد، لكنه كاذب؛ لأنه يقتضى إضافة إليها معا، وليس الأمر كذلك؛ فكان كذبا لا محالة. وأما التعريف الثاني فالاعتراض عليه: أن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقا وكذبا، فقولنا: "الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب" جار مجرى أن يقال: "الخبر: هو الذي يجوز الإخبار عنه بأنه صدق، أو كذب، فيكون هذا تعريفا للخير بالخير، وبالصدق والكذب. والأول: هو تعريف الشيء بنفسه. والثاني: تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به.

стр. 2699

وأما الثالث فالاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن وجود الشيء عند أبي الحسين عين ذاته؛ فإذا قلنا: "إن السواد موجود" فهو خبر، مع أنه إضافة شيء إلى شيء آخر. فإن قلت: السؤال إنما يلزم أن لو قال: "إضافة أمر إلى أمر آخر" وإنه لم يقل ذلك، بل قال: "إضافة أمر إلى أمر" وهذا اعم من قولنا: "إضافة أمر إلى أمر آخر". وأيضا: فقولنا:"السواد موجود" معناه: أن المسمى بلفظ "السواد" مسمى بلفظ "الموجود". قلت: الجواب عن الأول: أن الإضافة مشعرة بالتغاير؛ إذ لو لم يكن ذلك معتبرا، لدخل اللفظ المفرد في الحد. وعن الثاني: أن موضع الإلزام ليس هو الإخبار عن التسمية، بل عن وجوده وحصوله في نفسه، ومعلوم أن من تصور ماهية المثلث، أمكنه أن يشك في أنه، هل هو موجود أم لا؟ فموضع الإلزام هاهنا، لا هناك. وثانيها: أنا إذا قلنا: "الحيوان الناطق يمشي" فقولنا: "الحيوان الناطق" يقتضى نسبة الناطق إلى الحيوان، مع أنه ليس بخبر؛ لأن الفرق بين النعت والخبر معلوم بالضرورة. فإن قلت: أزيد في الحد قيدا آخر؛ فأقول: "إنه الذي يقتضى نسبة أمر؛ إلى أمر بحيث يتم معنى الكلام" والنعت ليس كذلك. قلت: إن عنيتم بكون الكلام تاما: إفادته لمفهومه، فذاك حاصل في النعت مع المنعوت؛ لأن قول القائل: "الحيوان الناطق" يفيد معناه بتمامه.

стр. 2700

وإن عنيتم به: إفادته لتمام الخبر، لم يعقل ذلك، إلا بعد تعقل الخبر، فإذا عرفتم به الخبر لزم، الدور، وإن عنيتم به معنى ثالثا، فاذكروه. وثالثها: أن قولنا: "نفيا وإثباتا" يقتضى الدور؛ لأن النفي: هو الإخبار عن عدم الشيء، والإثبات: هو الإخبار عن وجوده، فتعريف الخبر بهما دور. وإذا بطلت هذه التعريفات، فالحق عندنا أن تصور ماهية الخبر عني عن الحد والرسم؛ لدليلين: الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة معنى قولنا: "إنه موجود، وإنه ليس بمعدوم، وإن الشيء الواحد لا يكون موجودا، ومعدوما، ومطلق الخبر جزء من الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء" فلو كان تصور مطلق ماهية الخبر موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك؛ فكان يجب ألا يكون فهم هذه الأخبار ضروريا، ولما لم يكن كذلك، علمنا صحة ما ذكرناه. والثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر، ويميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر؛ ولولا أن هذه الحقائق متصورة تصورا بديهيا، وإلا لم يكن الأمر كذلك. فإن قلت: الخبر نوع من أنواع الألفاظ، والألفاظ ليست تصوراتها بديهية، فكيف قلت: إن ماهية الخبر متصورة تصورا بديهيا؟ قلت: حكم الذهن بين أمرين؛ بأن أحدهما له الآخر، أو ليس له الآخر، معقول واحد، لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وكل أحد يدركه من نفسه، ويجد التفرقة بينه وبين سائر أحواله النفسانية مع ألمه، ولذته، وجوعه، وعطشه.

стр. 2701

وإذا ثبت هذا، فنقول: إن كان المراد من الخبر هو الحكم الذهني، فلا شك أن تصوره في الجملة بديهي، مركوز في فطرة العقل، وإن كان المراد منه اللفظة الدالة على هذه الماهية، فالإشكال غير وارد أيضا؛ لأن مطلق اللفظ الدال على المعنى البديهي التصور، يكون أيضا بديهي التصور. المسألة الثالثة قيل: لابد في الخبر من الإرادة ؛ لأن هذه الصيغة قد تجيء ولا تكون خبرا: إما لصدورها عن الساهي والحاكي، أو لأن المراد منها الأمر مجازا؛ كما في قوله: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥] وإذا كانت الصيغة صالحة للدلالة على الخبرية، وعلى غيرها، لم ينصرف إلى أحد الأمرين، دون الآخر، إلا لمرجح، وهو الإرادة، أو الداعي. والكلام في هذا الأصل قد تقدم في أول "باب الأمر". وأيضا: فلا معنى لكون الصيغة خبرا، إلا أن المتلفظ تلفظ بها، وكان مقصوده تعريف الغير ثبوت المخبر به للمخبر عنه، أو سلبه عنه. وزعم أبو علي وأبو هاشم أن الصيغة- حال كونها خبرا- صفة معللة بتلك الإرادة، وإبطاله أيضا قد مضى في أول باب الأمر. المسألة الثانية "في حد الخبر" قال القرافي: قوله: "يحتمل التصديق والتكذيب": تقريره: أن الفرق بين الكذب والصدق، والتكذيب والتصديق أن الأولين يرجعان إلى نسبتين وإضافتين في نفس الأمر، وهما المطابقة في الصدق، وعدمها في الكذب على نوع من المخالفة للواقع، والمخالفة والمطابقة نسبتان

стр. 2702

بين اللفظ ومدلوله، والاحتراز من الكلام اللساني أو النفساني على حسب ما يراد بهما، أي أخبرنا عن الصدق أو الكذب في ذلك الكلام، كإخبارنا عن ذلك هو التصديق أو التكذيب، فقد يوجد التصديق والتكذيب تبعا للصدق والكذب إن كان إخبارنا بذلك صادقا، وبدونها إن كان كاذبا، فقد يصدقوه وليس بصادق، ويكذبه وليس بكاذب، وكذلك يوجد الصدق والكذب بدون التصديق والتكذيب، فكل واحد أعم من الآخر، وأخص من وجه. قوله: "احترزنا بقولنا: بنفسه عن الأمر؛ فإنه يفيد وجوب الفعل لكن لا بنفسه؛ لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل، والصيغة لا تفيد إلا هذا العدد، ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك". قلنا: الصحيح عندنا أن الأمر موضوع للطلب الجازم، وهو الوجوب فهو يفيد بذاته الوجوب، وقولكم: "الاستدعاء الماهية يفيد الوجود" لا يتجه، بل لا يفيد الصيغة إلا الاستدعاء الخاص، الذي هو الوجوب، كما يفيد لفظ الإنسان الحيوان الخاص، الذي هو الناطق، وكذلك القول في النهي يفيد التحريم بذاته؛ لأنه موضوع لطلب الترك الجازم. قوله: "الصدق والكذب نوعان تحت جنس الخبر": قلنا: بل الصدق والكذب صفتان تعرضان للخبر على سبيل البدل، كالحركة والسكون للإنسان أو الحيوان، والصفة العارضة لا تكون نوعا من المعروض، نعم إذا وجد المعروض يفيد أحد العارضين كان نوعا، لكن ذلك يقال له: الصادق والكاذب. قوله: "الجنس أعرف من ماهية النوع": تقريره: أن كل شيء يتوقف عليه الجنس يتوقف عليه النوع لتوقفه على الجنس، وليس كل ما يتوقف عليه النوع يتوقف عليه الجنس، لجواز توقفه

стр. 2703

على أمور ينشأ التوقف فيها عن خصوصه وفعله، وما كان أقل توقفا كان أدخل في الوجود، وأعرف؛ لقلة مقدماته. قوله: "لا يمكن تعريف الصدق والكذب إلا بالخبر": قلنا: قد تقدم أول الكتاب في تعريف العلم أن الحد شرح ما دل عليه اللفظ الأول بطريق الإجمال، فجاز أن يكون لفظ الخبر مجهولا لأي شيء وضع، ولفظ الصدق والكذب مسماه معلوم، فيعرف أحدهما بالآخر وكذلك بالعكس، وقد تقدم بسط هذا أيضا في حد الأمر، فلا دور حينئذ. قوله: ""أو" للترديد، وهو ينافى التعريف": قلنا: قد تقدم في حد الحكم الجواب عن هذا مبسوطا، وأنه حكم بالترديد لا ترديد في الحكم، وأن المنافع هو الثاني دون الأول. قوله: "خبر الله- تعالى- خارج عن هذا الحد؛ لعدم احتماله الكذب": قلنا: الحد إنما يتناول الخبر من حيث هو خبر، وقد يكون من حيث هو يقبل شيئا، ولا يقبله مضافا لغيره، كما نقول: "الواحد نصف الاثنين" لا يحتمل الكذب، و "الواحد نصف العشرة" لا يحتمل الصدق، فعلنا أن الخبر إنما يحد بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن المخبر به، والمخبر عنه، أما تقيد أحدهما، فقد يمتنع عليه ذلك، ولا عجب من ذلك؛ فإن العدد من حيث هو عدد يقبل الزوج والفرد، وإذا أخذ بكونه عشرة لا يقبل الفرد أو بقيد كونه خمسة لا يقبل الزوج، والحيوان من حيث هو هو يقبل جميع الفصول، وإذا أخذ بقيد كونه إنسانا لا يقبلها كلها، وكذلك القول في جميع الأمور العامة والحقائق الكلية، فاندفع السؤال. فإن قلت: فيتعين أن يريد في الحد من حيث هو كذلك. قلت: إن نطق به فهو حسن، وإن سكت عنه فهو المفهوم عند الإطلاق؛

стр. 2704

لأنه مطرد في جميع الحدود، وإنما يراد بها المحدود من حيث هو ذلك المحدود، وما كان مطردا عاما استغنى عن ذكره، لكثرة التفطن له في موارده مع كثرتها. قوله: "الخبر يقتضى إضافة الصدق لمسيلمة، ومن ذكر معه، وليس كذلك، فهو خبر كاذب". تقريره: أن الصدق هو المطابقة، والكذب عدم المطابقة، فيشبه الصدق ثبوت الحقيقة، والكذب نفيها، والقاعدة أنه يكفى في نفي الحقيقة نفي جزء منها أي جزء كان، ولا يشترط نفي جميع أجزائها، فإضافة الصدق إليهما ثبوت، ونفي هذا الثبوت يكفى فيه نفي الصدق عن احدهما، وهو كذلك في مسيلمة، فكان الحق أنه خبر كاذب، ويتجه بهذا التقرير أن يقال: إذا ركبنا كلامنا من خبر صادق وكاذب أي شيء يكون؟ نقول: كاذبا، كما أن المركب من الموجود والمعدوم معدوم، ومن الواجب والمستحيل مستحيل، ومن المتقدم والمتأخر متأخر، ومن الحرام والواجب حرام، ومن الممكن والواجب ممكن، ومن الممكن والمستحيل مستحيل؛ لتعذر دخول هذا المجموع الوجود ونحو ذلك. " الفائدة" قال سيف الدين: أجاب الجبائي بأنه يفيد صدق أحدهما حال صدق الآخر ، ولو قال: أحدهما صادق حال صدق الآخر كان كاذبا. قال سيف الدين: "هما صادقان" أعم من "صدق أحدهما حال صدق الآخر"، بل يكون قبله أو بعده، والأعم غير مشعر بالأخص.

стр. 2705

قال: وأجاب أبو هاشم بأنه بمنزلة خبرين: أحدهما صدق، والآخر كذب، والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، وإنما يوصف بها الخبر الواحد، ونحن إنما حددنا الخبر من حيث هو خبر لا يفيد كونه مركبا من خبرين. قال: وليس كما قال؛ لأن إضافة حكم الشخصين غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، كقولنا: رجل موجود وحادث. وأجاب القاضي عبد الجبار: بأن اللغة لا تحرم أن يقال لقائله: صدقت أو كذبت. قال: وهو غير سديد؛ لأنه يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب. وقال أبو عبد الله البصري: إنه يفيد إضافة الصدق إليهما مع عدم إضافته إليهما. قال سيف الدين: وهو الحق. قلت: وهذه الكلمات كلها وجدتها نص "المتعمد" لأبي الحسين، فلك نقلها عن "الإحكام" وعن "المعتمد". قوله: "والأول: تعريف الشيء بنفسه". قلنا: تعريف الشيء بنفسه بغير اللفظ الأول لاسيما إذا لم يكن مرادفا؛ فإن قولنا: "هو الذي يحتمل التصديق والتكذيب" ليس في لفظ الحد لفظ الخبر، بل ألفاظ دالة على لوازم الخبر وخصائصه، وكذلك كل واحد.

стр. 2706

فإن أردتم بتعريف الشيء بنفسه أن اللفظ الأول امتد، فليس كذلك، وإن أردتم أن المعنى امتد، فهو حق، لكن جميع الحدود كذلك لابد من المعنى في ألفاظ الحد، وإلا لم يكن حدا له، فقولنا في حد الإنسان: "هو الحيوان الناطق"، الإنسان معناه موجود في قولنا: "حيوان ناطق"، فإن مجموعها هو معنى الإنسان، ولا محدود في ذلك. قوله: "الثاني: تعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفته": قلنا: تقدم الجواب عنه بما ذكر في الأمر. قوله: "وجود كل شيء عند أبي الحسين نفس ماهيته": قلنا: لكن في الخارج، أما في الذهن فهما متغايران عنده، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وكذلك قولنا: "الخلق نفس المخلوق" أي في الخارج، أما في الذهن فالمعقول من الخلق التأثير، ومن المخلوق الأثر الذي وقع فيه التأثير كما يعقل قدرة ومقدورة أو نسبة بينهما، فالنسبة الخاصة هي الخلف، وإذا ثبت التغاير في الذهن صحت الإضافات؛ فإن الحدود إنما هي للماهيات الكلية، والماهية الكلية ذهنية، والتعذر فيها حاصل. قوله: "الفرق بين الخبر والنعت معلوم بالضرورة": معناه: أن الإضافة قد تكون إضافة تقييد، وقد تكون إضافة إسناد، والأول ثلاثة أقسام: تقييد الموصوف بالصفة نحو: "كان زيد لكاتب مسافرا"، فالكاتب صفة لا خبر. وتقييد المضاف بالمضاف إليه نحو: "غلام زيد منطلق"، فالإضافة لزيد ليست خبرا بل تقييد.

стр. 2707

أو تقييد بالجزء نحو: "العشرة خمسة وخمسة"، فالمجموع خبر عن العشرة، وإضافة الخمسة والخمسة تقييد بالجزء. وأما تقييد الإسناد فقولنا: "زيد قائم"، هو الخبر الذي يحتمل التصديق والتكذيب، وقد اندرج الجميع في حد أبي الحسين، فكان غير مانع، فكان ينبغي أن يزيد قوله: إضافة تقبل التصديق أو التكذيب. قوله: "تعريف الخبر بالنفي والإثبات يقتضى الدور". قلنا: الجواب عنه ما تقدم ف تعريف الأمر بالمأمور والطاعة. قوله: "كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود": قلنا: هذا خبر نفساني، وأنتم إنما شرعتم في تعريف الخبر اللساني، وهو الذي يوصف بالاحتمال الصدق والكذب. وأما النفساني فلا يوصف الاحتمال، ثم الكلام إنما كان في اللساني، وهو الذي أفتيتم بأن اللفظ فيه حقيقة، فادعاء الضرورة ينبغي أن يكون فيه، لا في الخبر النفساني. قوله: "لا معنى للخبر إلا التلفظ به لتعريف الغير إسناد والخبر للمخبر عنه". قلنا: لنا مفهوم الخبر، ولنا إخبار الغير، فالخبر في نفسه هو الإسناد، والذي يتعلق بالغير هو الأخبار لا الخبر، فالخبر أعم من الإخبار، فكل إخبار في ضمنه خبر، وقد يكون خبرا بغير إخبار كما إذا أسند، ولا يرد إفادة غيره ذلك. " فائدة" ينبغي في حد الخبر أن يقال: هو اللفظان فأكثر أسند بعض مسبباتهما لبعض إسنادا يحتمل التصديق والتكذيب .

стр. 2708

" فائدة" قال إمام الحرمين في اختصاره "الاقتصاد" للقاضي أبي بكر: ""الواو" في هذا الحد غلط؛ لأنها تشعر بقبول الضدين ، والمحل لا يقبل إلا أحدهما"، وليس كما قال؛ لأن القاعدة العقلية المقطوع بها أن الوجوب والاستحالة والإمكان لوازم لمحالها؛ فإنه يستحيل انقلاب الواجب ممكنا أو مستحيلا، والمستحيل واجبا أو ممكنا. إذا تقرر أن الإمكان لازم لمحله، وهو يعبر عنه بالقبول وبالصحة، امتنع أن يقال: المحل إنما يقبل أحد الضدين؛ لأنه حينئذ يكون قبوله للآخر مشروطا بزوال هذا الحاضر، وزوال هذا الحاضر ممكن، والمشروط بالممكن ممكن، فيلزم أن يكون القبول لذلك الضد ممكنا، فيكون الإمكان ممكنا، وقد تقدم أنه واجب الثبوت لمحله، لازم له، فيتعين أن المحل يقبل الضدين معا، كما يقبل النقيضين معا، وإنما المشروط بعدم هذا وقوع الآخر المقبول لا قبوله، وبالجملة هاهنا دقيقة، وهي الفرق بين اجتماع القولين، وبين اجتماع المقبولين، المحال وهو الثاني دون الأول، بل الأول واجب، والثاني مستحيل، فتأمل ذلك. " سؤال" قوله: "حقيقة الخبر ضرورية؛ لأن الخبر الخاص ضروري ": يرد عليه أني أعلم نفسي بالضرورة، ونفسي نفس خاصة، فيكون مطلق النفس معلوما بالضرورة، مع أنها من أمر الله- تعالى- الذي استأثر بعلمها لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، والروح هي النفس، أو هي غيرها؟ هذا أيضا من المجهولات، وهو مما يؤكد السؤال، وأخبرني بعض الفضلاء أنه رأى كتابا فيه قول للعقلاء في حقيقة النفس، وكثرة الاختلاف تدل على كثرة الجهالة.

стр. 2709

فإن قلت: هذا النقض يلزم منه أن يكون الأخص لا يستلزم الأعم، أو أن العلم بالكلي لا يستلزم العلم بالجزء، وكلاهما باطل بالضرورة؛ لأن العلم بالأخص إذا حصل بدون كسب، والأعم يفتقر للكسب، يلزم ألا يكون حاصلا، فيلزم عدم العلم به، فيلزم أحد الأمرين. قلت: ليس كذلك، بل جاز أن يكون المعلوم من الأخص وجها من وجوهه علما إجماليا، فلا يلزم العلم بالأعم؛ لأن معنى قولنا العلم بالكل يستلزم العلم بالجزء التفصيلي بجميع وجوه الحقيقة، أما العلم الإجمالي المتعلق ببعض وجوه الحقيقة فلا، وهذا معنى معرفة نفسي الخاصة أي: من وجه اختصاصها بي، واتصافها بأحوالي الخاصة بي لا من حيث ذاتها، وحقيقتها وهيئتها، وبهذا نقول له: جاز أن يكون الخبر الخاص معلوما من بعض وجوهه كالنفس، فلا يكون مطلق الخبر معلوما بالضرورة. " سؤال" قال "النقشواني": قد يطلب تعريف الشيء تفصيلا من جميع وجوهه، وقد يطلب تعريفه من وجه ، وعلى الأول يلزم الدور بين الصدق والكذب، ومطلق الخبر، وعلى الثاني لا يلزم؛ لأن كل واحد منهما حينئذ إنما يقصد تعريف من وجه، فيكون الوجه المعروف من أحدهما للآخر لا يحتاج للمعرف به، وكذلك القول في الوجه من الجهة الأخرى، فلا يلزم الدور، وكذلك تندفع هذه الأدوار في السلب والإيجاب، والنفي والإثبات، وجميع ذلك إذا عرف به الخبر. " تنبيه" زاد التبريزي فقال: الصدق والكذب وصفان للخبر لا نوعان ؛ فإنهما يرجعان إلى مطابقة الوجود، وعدم المطابقة، وما الشيء باعتبار الإضافة إلى

стр. 2710

غيره لا يكون نوعا له ولآخر ماهيته، والوصف يصلح معرفا للموصوف، وإنما يكون الصدق معرفا للخبر إذا وصفنا به المتكلم لا الكلام. فقلنا: "صدق الرجل"، وليس هو المراد هاهنا. قلت: وهذا غير متجه فإن صفة المتكلم لا تكون نوعا من الكلام، بل ذلك أبعد عن النوعية فإن فصل الشيء لا يكون صفة لغيره، ثم قال: والجواب عن التصديق والتكذيب أن المراد بهما قولنا: "صدقت وكذبت" بما هو هذا القول من غير نظر إلى اعتبار حقيقته، ويمكن معرفة هذا القول بما هو دون الإحاطة بماهية الخبر. قال: والجواب عن سؤال المغايرة في الوجود الوارد على أبي الحسين أن التغاير يتحقق بالنظر إلى اختلاف الاعتبار، وهو جهة صحة معظم الأخبار، ففي الدعاء "اللهم أنت أنت، وأنا أنا، وفي الذكر: "يا من هو هو"، ويقول الإنسان: المسمى بالأسد هو المسمى بـ "الليث"، بل إذا قلنا: هذا زيد، لم يمكن تحقيق التغاير بين المبتدأ وخبره، إلا بأن نضع المبتدأ شيئا ما، مجهولا باعتبار ذاته معلوما بحكم اسم الإشارة، والخبر ذلك الغير الذي عرف لفظ زيد علما عليه؛ فإن المفهومين هما مختلفان في الاعتبار الذهني، متحدان في الوجود الحقيقي، وكذلك قولنا: السواد موجود، بل لو اعتقدنا تقرير قاعدة الأحوال لم يندفع الإشكال؛ فإنا إذا قلنا: "السواد لون"، لم يمكن أن يؤخذ اللون بما هو حقيقة الجنس جزئي الخبر، فإنه ينقسم إلى أنواع من جملها السواد، فكيف يكون هذا السواد دالا على أنه آخر جزئيات اللون عن السواد، وهو المبتدأ الذي أخبرنا عنه، فإذا اتحد المبتدأ والخبر، صار هو خبرا عن نفسه، ولكن باعتبار الحقيقة، أما بالإضافة إلى الاعتبارات الذهنية فلا.

стр. 2711

قال: وعن الثاني الوارد على أبي الحسين أن قولنا: "الحيوان الناطق" لا يتضمن نفيا ولا إثباتا. وعن الثالث: أن المراد بالنفي والإثبات هو المصدر لا الفعل، وهو مفرد، فلا يكون خبرا. قال: وقوله: "حقيقة الخبر ضرورية ليتوقف الخبر الخاص على العام"- تمويه؛ فإن البحث إما أن يقع على لفظ لماذا وضع أو عن ماهية موضوعه، مع العلم بالوضع، فإن كان الأول فهو تصديق من باب السمع، فكيف يدرك بالضرورة أو بالنظر؟ وإن كان الثاني فلا شك انه قسم من أقسام الكلام، والكلام إن أخذ على أنه من قبيل النطق اللساني، وهو المقصود بالبحث في علم الأصول، فالعلم به علم بكيفية تركيب في أمر وضعي، فيكيف يكون ضروريا؟ وإن أخذ على أنه من النفساني، فقد اختلف العقلاء في أصل ثبوته، فكيف يكون وقوعه ضروريا وجدانيا؟ ثم برهان افتقاره للحد والرسم أنه أمر مركب؛ لان جزأه الأعم الذي هو أقرب أجناسه هو الكلام، وهو أيضا مركب، فيتقدم بالضرورة تصور جنسه على تصوره، وهو معنى الاكتساب بالحد. قلت: سؤال: إذا قلنا: "زيد قائم" ينبغي ألا يصح، وكذلك جميع الأخبار؛ لأن الخبر الذي هو قائم إما أن يكون عين زيد أو غيره، فإن كان عينه، فيكون مثل قولنا: "زيد زيد"، و "عمر عمرو"، فإنه لا يفيد شيئا، ومنه "الليل ليل"، و "النهار نهار"، وإن كان غيره فهو كقولنا: زيد عمرو، فإنه لا يصح؛ لأنه كذب على أحد المتباينين، لا يكون عين الآخر، فبطلت الإخبارات مطلقا.

стр. 2712

" قاعدة" الحقائق أربعة أقسام: متعددة في الذهن والخارج نحو: زيد وعمرو. ومتحدة فيهما نحو: زيد زيد، فإن الصورة في الذهن واحدة، وهو لا يغاير نفسه لا في الذهن، ولا في الخارج. ومتعددة في الذهن دون الخارج كقولنا: السواد عرض، والإنسان حيوان، فإن صورة الأعم في الذهن غير صورة الأخص، وهما في الخارج حقيقة واحدة. ومتعددة في الخارج متحدة في الذهن، وهذا لا يقع إلا غلطا وجهلا، نحو: اعتقاد النصارى أن الثلاثة المتغايرة في الخارج إله واحد. إذا تقررت الأقسام فنقول: أما القسم الأول: فلا يصح الحكم فيه، ولا تحصل الفائدة؛ لأنه كذب إلا أن يتخيل بينهما صفة عامة، وهي المماثلة في معنى، كقولنا: أبو يوسف أبو حنيفة، أي: مثله في الفقه ونحوه. وأما القسم الثاني، فيصح الحكم فيه؛ لوجوب ثبوت الشيء لنفسه، وتعدم الفائدة؛ لأنا لم نستفد باللفظ الثاني غير ما استفدناه من اللفظ الأول. والقسم الثالث فيه الحكم صحيح لوقوع الاتحاد في الخارج، وحصلت الفائدة لأجل التغاير في الذهن، كأنا قبلنا هذه الصورة الذهنية مع هذه الصورة الذهنية الأخرى واحدة في الخارج، والأعم ثابت للأخص في الخارج، ومتحد به، فيتقرر من هذا أن الاتحاد في الخارج شرط صحة الحكم، والتعدد الذهني شرط حصول الفائدة، فإن حصل الشرطان حصل الحكم والفائدة، وإن انتفى الشرطان انتفى الحكم والفائدة، وإن حل الاتحاد

стр. 2713

الخارجي فقط صح الحكم فقط، وإن حصل التعدد الذهني فقط انتفت الفائدة لانتفاء الحكم لأجل التعدد في الخارج. فهذه القاعدة هي سر جميع القضايا، وعلى هذا نجيب عن السؤال بأنه عينه باعتبار الخارج، ولا يكون كـ "زيد زيد"؛ لأن زيدا زيدا متحد فيهما، أو يلتزم انه غيره، ولا يلتزم الكذب، وعدم الفائدة لحصول الاتحاد في الخارج يخالف زيد عمرو، وبهذه القاعدة يظهر أنه لابد من إضمار في قولنا: "اللهم أنت"، فيضمر في الثاني صفة تقديره: أنت أنت المعروف بصفات الكمال، يا من هو هو، وكذلك قال النحاة في قوله [الرجز]: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: شعري شعري المعروف. وبهذه القاعدة يظهر تقرير أكثر كلام التبريزي. وقوله: (لو اعتبرنا قاعدة الأحوال لم يندفع الإشكال": يريد بالأحوال العموم ولخصوص؛ فإن الأمر العام حالة ذهنية اعتبارية في كل معين في الخارج؛ وبسط الأحوال في علم الكلام، وأظن أني قدمن منه جملة كثيرة في الشرح، وأنها قسمان: معللة كأحكام المعاني نحو: العالمية

стр. 2714

والقادرية، وغير معللة نحو: كون السواد سوادا، والبياض بياضا، والجوهر جوهرا، فيطالع في موضعه لئلا نخرج عن المقصود. قوله: "قولنا: الحيوان الناطق لا يتضمن نفيا ولا إثباتا". قلنا: لا نسلم، بل من وصف شيئا بشيء، فقد أثبت تلك الصفة لذلك الموصوف، نعم ليس كلاما تاما يحسن السكون عليه، حتى أن العلماء- رضوان الله عليهم- أفتوا في القائل: اللهم ارحم زيدا العالم الفاضل، المجاهد المرابط، ولم يكن زيد موصوفا بشيء من ذلك- أنه آثم كاذب، ولولا الإثبات لم يصفوه بالإثم والكذب. قوله: "النفي والإثبات مصدر، فلا يكون خبرا". يريد: أن قول أبي الحسين: "نفيا أو إثباتا" إشارة على أن المحكوم به قد ينسب بالنفي، وقد ينسب المحكوم عليه بالثبوت نحو: زيد ليس بقائم زيد قائم، والخبر هو الإسناد بين المحكوم عليه والمحكوم بصفة الثبوت، أو صفة النفي، فهو حقيقة تصورية، فلا يكون خبرا إلا من الخبر وهو ذلك الإسناد الذي هو نسبة من المسند إليه والمسند، أما كل حالة واقعة في أحدهما، فليست خبرا، والنفي والإثبات حالتان واقعتان في الخبرية، فليست خبرا، بل حقيقة اللفظ الدال عليها عند النحاه تسمى مصدرا. وقوله: "وما هو فعل"- يريد أنا إذا قلنا: "ثبت أو انتفى" كان خبرا؛ لأجل الذي فيه من الإسناد، بخلاف الحالة الواقعة في المخبر به. ***

стр. 2715

المسألة الرابعة قال الرازي: إذا قال القائل: العالم حادث فمدلول هذا الكلام حكمه بثبوت الحدوث للعالم ، لا نفس ثبوت الحدوث للعالم؛ إذ لو كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم، لكان حيثما وجد قولنا: "العالم محدث" كان العالم محدثا؛ لا محالة؛ فوجب ألا يكون الكذب خبرا. ولما بطل ذلك: علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة، لا نفس النسبة. بقى هاهنا البحث عن ماهية الحكم؛ فإنه لا يجوز أن يكون المراد منه الاعتقاد؛ لأن الإنسان قد يخبر عما لا يعتقد فيه ألبتة؛ لأن من لا يعتقد أن زيدا في الدار، يمكنه، والحالة هذه، أن يقول: "زيد في الدار"، ولا يجوز أن يكون المراد منه الإرادة؛ لأن الإخبار قد يكون عن الواجب والممتنع، مع أن الإرادة يمتنع تعلقها به، فلم يبق إلا أن يكون الحكم الذهني أمرا مغايرا لجنس الاعتقادات والقصود، وذلك هو كلام النفس الذي لا يقول به أحد إلا أصحابنا. المسألة الرابعة إذا قال القائل: العالم حادث. قال القرافي: قوله: "لو كان مدلول قولنا: العالم حادث نفس ثبوت الحدوث للعالم لكان، حيث وجد هذا القول، وجد حدوث العالم، فوجب ألا يكون الكذب خبرا": قلنا: هذا البحث ينبني على أن الألفاظ هل وضعت للصور الذهنية، أو للحقائق الخارجية، فيكون قولنا: العالم حادث مدلوله الحكم؛ لأنه الذهني، وأما قولهم: "يلزم حدوث العالم":

стр. 2716

قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك أن لو كان اللفظ نفس مدلوله، فيلزم من وجوده وجوده، أو يكون غيره، لكن دلالته عليه قطعية، فلا ينفك المدلول عن وجود الدليل، أما إذا كان مدلوله الأمر الخارج الذي هو وقوع الحدوث للعالم، وكانت الدلالة ظنية، فيجوز أن يوجد الدليل حينئذ بدون مدلوله. وقوله: "لا يكون الكذب خبرا": الأحسن تغيير العبارة، فنقول: لا يكون الخبر كذبا؛ لأن الكذب إذا تعذر لملازمة الدليل المدلول لا يتصف الخبر أبدا إلا بالصدق، فلا يكون الخبر كذبا؛ وأما الكذب في نفسه يكون متعذرا مطلقا فلا حاجة إلى قولنا: لا يكون الكذب خبرا؛ لان ذلك يوهم أنه قد يكون غير خبر، والمتعدد في نفسه على هذا التقدير لا يوجد مع الخبر، ولا مع غيره. قوله: "من لا يعتقد أن زيدا في الدار يمكنه أن يقول: زيد في الدار": قلنا: هذا لا يتجه مع قولكم: "إن مدلول اللفظ هو الحكم الذهني": لأن هذا القائل لم يحكم في ذهنه بأن زيدا في الدار ألبتة، بل قال ذلك بلسانه، وهو يعتقد بقلبه خلافه، فيفيدكم هذا أن اللفظ غير الاعتقاد، ومقصودكم أن الحكم الذي هو الخبر النفسي أحد أنواع الكلام غير الاعتقاد، ومقصودكم أن الحكم الذي هو الخبر النفسي أحد أنواع الكلام غير الاعتقاد، وهذا لا يفيده، بل إذا قصد تحقيق الكلام النفسي بهذا الطريق، فيؤخذ ما تقدم أول الكتاب من حكم الذهن بأمر على أمر إما أن يكون جازما، أو لا يكون إلى آخر التقسيم المتقدم، فيظهر أن الحكم الذي هو الإسناد أعم من العلم والظن والجهل، وجميع تلك الأقسام؛ لأنه مورد التقسيم فيها، ويؤخذ أيضا من قولنا: لو كان الواحد نصف العشرة لكانت العشرة اثنين، فقد أسندنا نصف العشرة للواحد، والاثنين للعشرة، ونحن لا نعتقده، وكذلك في براهين الخلف، وهي إثبات الدعوى بإقامة الدليل على إبطال نقيضها، كقولنا: العالم حادث؛ لأنه لو كان قديما للزم كذا وكذا، فقد

стр. 2717

أسندنا العدم إلى العالم، ونحن لا نعتقده، وهذا الإسناد هو الخبر الذي هو أحد أنواع الكلام، وإذا وجد النوع وجد الجنس قطعا بدون هذه الأمور من الاعتقاد وغيره، فثبت كلام النفس. قوله: "الأخبار قد تكون في الواجب، والممتنع دون الإرادة": تقريره: أن الإرادة شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز، والواجب متعين الوقوع، والمستحيل متعين للانتفاء، فلا يتصور منهما الترجيح. " تنبيه" غير سراج الدين فقال: "لا يكون الخبر كذبا"، ولم يقل كما قال المصنف: "لا يكون الخبر كذبا ". وقال تاج الدين: "وإلا لكان كل خبر صدقا"، ووافق "المنتخب" المصنف، فقال: "لا يكون الكذب خبرا"، وسكت التبريزي عن هذه المسألة بالكلية. ***

стр. 2718

المسألة الخامسة قال الرازي: اتفق الأكثرون على أن الخبر لابد وأن يكون: إما صدقا، وإما كذبا؛ خلافا للجاحظ . والحق أن المسألة لفظية؛ لأنا نعلم بالبديهة أن كل خبر أن يكون مطابقا للمخبر عنه، أو لا يكون: فإن أريد بالصدق: الخبر المطابق، كيف كان، وبالكذب: الخبر الغير المطابق، كيف كان، وجب القطع بأنه لا واسطة بين الصدق والكذب، وإن أريد بالصدق: ما يكون مطابقا، مع أن المخبر يكون عالما بأنه غير مطابق- كان هناك قسم ثالث بالضرورة: وهو الخبر الذي لا يعلم قائله أنه مطابق، أم لا. فثبت أن المسألة لفظية، فنقول: للجاحظ أن يحتج على قوله بالنص، والمعقول: أما النص: فقوله تعالى؛ حكاية عن الكفار: ﴿أفترى على الله كذبا أم به جنة﴾ [سبا: ٨] جعلوا إخباره عن نبوة نفسه: إما كذبا، وإما جنونا، مع أنهم كانوا يعتقدون أنه ليس برسول الله على التقديرين؛ وهذا يقتضى أن يكون إخباره عن نبوة نفسه، حال جنونه مع انه ليس بنبي عندهم- لا يكون كذبا؛ لأن المجعول في مقابلة الكذب، لا يكون كذبا. وأما المعقول: فمن وجهين: الأول: أن من غلب على ظنه أن زيدا في الدار، فأخبر عن كونه في الدار، ثم ظهر أنه ما كان كذلك، لم يقل أحد: إنه كذب في هذا الخبر.

стр. 2719

الثاني: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة، فلو كان الخبر الذي لا يطابق المخبر كذبا، لتطرق الكذب إلى كلام الشارع. واحتج الجمهور: باتفاق الأمة على تكذيب اليهود والنصارى في كفرياتهم، مع أنا نعلم أن فيهم من لا يعلم فساد تلك المذاهب. ويمكن أن يجاب عنه بان أدلة الإسلام، لما كانت جلية قوية، كان حالهم شبيها بحال من أخبر عن الشيء، مع العلم بفساده. تنبيه: واعلم أن الخبر: إنا أن يقطع بكونه صدقا، أو بكونه كذبا، أو لا يقطع بواحد منهما، فلا جرم رتبنا هذا الكتاب على قسمين: القسم الأول في الخبر المقطوع به، وهو: إما أن يكون صدقا، أو كذبا: أما الصدق: فطريق هذا القطع: إما أن يكون هو التواتر، أو غيره: ونحن نتكلم أولا في التواتر، ثم في سائر الطرق المفيدة للقطع، ثم في الطرق التي يظن أنها تفيد القطع، وإن لم تكن كذلك. المسألة الخامسة الخبر إما صدق وإما كذب قال القرافي: قوله: "إذا قال: زيد في الدار مع أنه ليس في الدار، وهو يظن أنه في الدار لم يقل أحد: إنه كذب": قلنا: لا نسلم، بل جمهور أهل السنة لا يشترطون في الكذب الشعور بعدم المطابقة، بل يكفى عندهم في الكذب عدم المطابقة؛ لقوله ﵇: "من كذب علي عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فدل بمفهومه على انه يمكنه أن يكذب غير متعمد.

стр. 2720

وقوله ﵇: "كفى بالرجل كذبا أن يحدث بكل ما يسمع"، فجعله- ﵇ كذبا مع أن الإنسان ما يحدث إلا بما يعتقده غالبا. وقال ﵇: "بئس مطية الرجل زعموا"، وما ذلك إلا لأن ذلك قد يكون كذبا. قوله: "أكثر العمومات مخصصة، والمطلقات مفيدة، فلو كان غير المطابق كذبا لكانت كذبا". قلنا: لا نسلم، بل نحن نعني بالكذب أن يستعمل اللفظ في معنى على سبيل الحقيقة، أو المجاز، ولا يكون اللفظ مطابقا للذي استعمل اللفظ فيه فمن قال: "زيد في الدار، وليس في الدار"، فهو كذب، ومن قال: "هذا أسد"، ويريد استعمال اللفظ في مجازه على سبيل المجاز والمبالغة، وذلك الرجل الذي استعمل اللفظ فيه في غاية الجبن، كان كذبا لعدم المطابقة، فالعام المخصوص لم يستعمل اللفظ فيه إلا في الخصوص، والخصوص واقع، فالمطابقة حاصلة، والمطلق لم يستعمل إلا في المقيد، وهو واقع كذلك، أو في المطلق، ثم ارتدت الزيادة عليهن فلفظ المطلق المراد به

стр. 2721

واقع، ولفظ الزيادة التي هي التقييد مدلوله واقع أيضا، فلا كذب ألبتة لأجل المطابقة لما استعمل اللفظ فيه. قوله: "لما قويت أدلة الإسلام كان حال الكفار حال الكاذب": قلنا: يلزم أن يكون قولنا بتكذيبهم مجازا، والأصل عدم المجاز. ***

стр. 2722

الباب الأول في التواتر قال الرازي: المسألة الأولى: التواتر في أصل اللغة عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما - مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي: رسولا بعد رسول بفترة بينهما، فكذا التواتر في المخبرين: المراد به مجيئهم على غير الاتصال. وأما في اصطلاح العلماء، فهو خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. القسم الأول في الخبر المقطوع به قال القرافي: قوله: التواتر أصله مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، من قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي واحدا بعد واحد بينهما فترة: قلنا: قال الجواليقي في "إصلاح ما تفسده العامة": تقول العامة: تواترت كتبك على، أي: اتصلت من غير انقطاع، وإنما التواتر الشيء بعد الشيء بينهما انقطاع، وهو تفاعل من الوتر، وهو الفرد، أصله قوله تعالى: ﴿رسلنا تترى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، أي: بين الرسل فترات، وأصلها "وترى" أبدلت التاء من الواو. وقال أبو هريرة ﵁: "لا بأس بقضاء رمضان تثرى" أي: منقطعا.

стр. 2723

وقال ابن برى: التواتر مجيء الشيء بعد الشيء بعضه في إثر بعض وترا وترا، فتواتر الصوم أن يصوم يوما واحدا، ويفطر يوما أو يومين، فيأتي به وترا وترا، وقوله تعالى: ﴿أرسلنا رسلنا تترى﴾ أي: بعضها في أثر بعض وترا وترا، ومعنى قول أبي هريرة في قضاء رمضان أي: وترا وترا. ***

стр. 2724

المسألة الثانية قال الرازي: أكثر العلماء اتفقوا على أن أمثال هذه الأخبار قد تفيد العلم ، سواء أكان إخبارا عن أمور جديدة في زماننا؛ كالإخبار عند البلدان الغائبة، أو عن أمور ماضية؛ كالإخبار عن وجود الأنبياء والملوك الذين كانوا في القرون الماضية. وحكى عن السمنية: أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا لا يفيد العلم اليقيني ألبتة، بل الحاصل منه الظن الغالب القوي. ومنهم: من سلم أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا يفيد العلم؛ لكن الخبر عن الأمور الماضية في القرون الحالية لا يفيد العلم ألبتة. لنا: أنا نجد أنفسنا جازمة ساكنة بوجود البلاد الغائبة، والأشخاص الماضية؛ جزما خاليا عن التردد، جاريا مجرى جزمنا بوجود المشاهدات، فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات؛ فلا يستحق المكالمة. فال الخصم: أنا لا ننكر وجود الظن الغالب القوي الذي لا يكاد يتميز عند الأكثرين عن اليقين التام، لكن الكلام في أنه، هل حصل اليقين أو لا؟! والذي يدل على انه الحاصل ليس بيقين وجهان. الأول: أنا إذا عرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الاثنين، وعرضنا على عقولنا وجود جالينوس وفلان وفلان، عند هذه الأخبار المتواترة، وجدنا الجزم الأول أقوى وآكد من الجزم الثاني، وقيام التفاوت يدل على احتمال تطرق

стр. 2725

النقيض إلى الاعتقاد الثاني، وقيام هذا الاحتمال فيه، كيف كان، يخرجه عن كونه يقينا. الثاني: أن جزمي بوجود هذه المخبرات ليس أقوى من جزمي بأن ولدي الذي أراه في هذه الساعة هو الذي رأيته بالأمس، ثم هذا الجزم ليس بيقين؛ لأنه يجوز أن يوجد شخص مساو لولدي، في الشخص والصورة من كل الوجوه؛ إما لأن القادر المختار خلقه، أو لأن شيئا من التشكلات الفلكية يقتضي وجوده عند منكري القادر؛ فثبت أن هذا الجزم ليس بيقين، بل ظن، فكذلك الجزم الحاصل عقيب خبر التواتر. فإن قلت: لو جوزنا أن يكون هذا الشخص الذي أراه الآن غير الذي رأيته بالأمس أدى ذلك إلى الشك في المشاهدات. قوله: (لعل القادر خلق مثله، أو الشكل الغريب الفلكي اقتضاه): قلنا: بل هاهنا قام برهان مانع منه؛ وهو أن الله تعالى لو فعل ذلك، لأفضى إلى اشتباه الشخص؛ وذلك تلبيس، وهو على الله تعالى محال. قلنا: لا نسلم أن تجويزه يفضي إلى الشك في المشاهدات؛ لأن المشاهد هو وجود هذا الذي أراه الآن، فإما أن هذا هو الذي رأيته بالأمس، فهو غير مشاهد؛ فلا يلزم من تطرق الشك إلى هذا المعنى تطرقه إلى المشاهدات. وأما البرهان الذي ذكره على امتناع هذا الاحتمال: فلا يدفع الإلزام؛ لأن هذا الجزم لو كان بناء على ذلك البرهان، لكان الجاهل بذلك البرهان خالياً عن

стр. 2726

ذلك الجزم؛ لكن العوام لا يعرفون هذا البرهان؛ فيجب ألا يحصل لهم ذلك الجزم. والجواب: أن هذا تشكيك في الضروريات، فلا يستحق الجواب، كما أن شبه منكري المشاهدات لا تستحق الجواب؛ لمثل هذا السبب. المسألة الثانية (التواتر يفيد العلم) قال القرافي: قوله: (قيام التفاوت بين الجزمين يدل على احتمال تطرق النقيض): قلنا: نحن نجد بالضرورة التفاوت بين الجزم يكون الواحد نصف الاثنين، وبين المشاهدات وجميع الحسيات، ومع ذلك فاليقين حاصل في الكل، فعلمنا أن التفاوت لا يخل باليقين، وهي مسألة خلاف بين العلماء: هل العلوم تقبل التفاوت أم لا؟ وكذلك قال أهل الحق: رؤية الله- تعالى- عبارة عن خلق علم به- تعالى- هو أخلق من مطلق العلم، نسبته إليه كنسبة إدراك الحس إلى الحسيات، وكذلك في سماع كلامه النفساني ، وهذه عقائد لا تتأتى على القول بتفاوت العلوم، ووقعت هذه المسألة من أفضل الدين الخونجي، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، واختار الشيخ عز الدين عدم التفاوت، وأفضل الدين التفاوت، قوله: (يجوز أن الله- تعالى- خلق مثل ولدي من كل الوجوه، فلا يحصل الجزم): قلنا: الاحتمالات العقلية لا تخل بالعلوم العادية، والعلوم العادية يقين

стр. 2727

مقطوع بها، وكذلك العلوم الحاصلة قرائن الأحوال قطعية ضرورية، ولا يخل بها الاحتمالات العقلية، وجزمنا بأن هذا النسخ الذي رأيناه هو الذي كنا نعرفه من العلوم العادية، فلا يقدح فيه الاحتمال العقلي. (تنبيه) قال سراج الدين على قوله: (كلامهم لا يستحق الجواب): بل جواب الأمل أن اليقينين يتفاوتان، وجواب الثاني أن ذلك الاحتمال يقين الارتفاع . * * *

стр. 2728

المسألة الثالثة قال الرازي: العلم الحاصل عقيب خبر التواتر ضروري؛ وهو قول الجمهور ؛ خلافا لأبي الحسين البصري، والكعبي من المعتزلة، ولإمام الحرمين والغزالي منا. وأما الشريف المرتضى من الشيعة، فإنه كان متوقفا فيه. لنا: لو كان ذلك العلم نظريا، لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر؛ كالصبيان والبله؛ ولما حصل ذلك لهم، علمنا أنه ليس بنظري. اعترض أبو الحسن والمرتضى على هذا الوجه بكلام واحد، وهو أن النظر في ذلك ليس إلا ترتيب العلوم بأحوال المخبرين، وهذا القدر حاصل للعامة والمراهقين؛ لأنه قد حصل في عقولهم علوم كثيرة، وهم يستنتجون من تركيبها علوما أخر. سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك؛ لكن معنا ما يبطله من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذكره أبو الحسين البصري، وهو أن الاستدلال عبارة عن ترتيب علوم، أو ظنون يتوصل بها إلى علوم، أو ظنون، وكل اعتقاد توقف وجوده على ترتيب اعتقادات أخر، فهو استدلالي. والعلم الواقع بالتواتر، هذا سبيله؛ لأنا لا نعلم وجود ما أخبرنا أهل التواتر عنه، إلا إذا علمنا أنه لا داعي للمخبرين إلى الكذب، ولا لبس في المخبر عنه، وأنه متى كان كذلك، استحال كون الخبر كذبا، وإذا بطل كونه كذبا، ثبت

стр. 2729

كونه صدقا؛ فالسامع لخبر التواتر، ما لم يتقرر عنده كل واحدة من هذه المقدمات، لم يحصل له العلم، فكان ذلك العلم استدلاليا. الثاني: أن العلم الحاصل بالخبر المتواتر، لو كان ضروريا لكنا مضطرين إليه؛ بحيث لا يمكننا الانفكاك عنه؛ ولو كان كذلك، لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين؛ على سبيل الاضطرار، بذلك، وكان ينبغي أن يعلم بالضرورة كل عاقل كون هذا العلم ضروريا، كما في سائر العلوم الضرورية؛ ولما لم يكن كذلك، علمنا أن هذا العلم ليس بضروري. الثالث: ذكره الكعبي، وهو أنه لو جاز أن يعلم ما غاب عن الحس بالضرورة، لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال، ولما بطل هذا، بطل الأول. والجواب: قوله: (ذلك الاستدلال سهل يتأتى من كل أحد): قلنا: سنبين، أن شاء الله تعالى، في فصل مفرد: أن ذلك الاستدلال غامض جدا، وهو الجواب بعينه عن المعارضة الأولى. وعن الثاني: أن كون العلم ضروريا كيفية للعلم، ويجوز أن يكون أصل الشيء معلوما، وتكون كيفيته مجهولة. وعن الثالث: أنه لابد من الجامع. المسألة الثالثة (علم التواتر ضروري أو نظري)؟ قال القرافي: شبهة النظري أن الناس إذا كان في القضية أهوية، تطرق إليهم احتمال الكذب، فلابد أن يعلم سلامتهم عن الهوى، وذلك إنما يعلم بعد البحث؛ فيكون العلم به نظريا.

стр. 2730

قوله: (لابد أن يعلم أن المخبر عنه لا لبس فيه): تقريره: أن التواتر لا يفيد العم إلا في الأمور الحسية، وهو مراده أن المخبر عنه حسي؛ لأن العقلاء لو أخبر منهم جمع عظيم عن حدث العالم، أو عن حساب، أو هندسة، جوزنا عليهم الغلط حتى يظهر ذلك الدليل. (سؤال) قال النقشواني: دعوى المنصف أنه ضروري صحيحة، ودليله ضعيف ؛ فإنه إن ادعى حصوله العلم بالتواتر للصبيان حالة طفولتهم منعناه، أو حالة كونهم مراهقين، فتلك الحالة فيها النظر والتمييز، وتحصيل العلوم بالفكر، وكذلك يقول في (البله) باعتبار الخالتين، وصعوبة الاستدلال في شيء معين لا تمنع باب الاستدلال؛ فإن الإنسان قد يستدل في العرفيات، والحسيات، والمتخيلات، وأمر المعاش، دون العقليات والإلهيات، بل ينبغي أن نقول: نحن نجد العلم يهجم على نفس السامع عقيب خبر التواتر، من غير أن يخطر بباله استدلال ألبتة، فدل على أنه ليس استدلاليا. (الفرع) قال سيف الدين: إذا قلنا: يفيد العلم، فاتفقت الأشاعرة والمعتزلة أنه لا يؤكد، خلافا لبعض الناس . لنا: أنه مخلوق لله- تعالى- كسائر المخلوقات، احتجوا بأنه لو كان مخلوقا لله- تعالى- لجاز ألا يخلقه الله تعالى، قلنا: وإنه كذلك، وإنما وجوبه عادي عند الإخبارات لا عقلي. * * *

стр. 2731

المسألة الرابعة قال الرازي: استدل أبو الحسن البصري على أن خبر أهل التواتر صدق ؛ وقال: لو كان كذبا، لكان المخبرون: إما أن يكونوا ذكروه مع علمهم بكونه كذبا، أو لا، مع علمهم بكونه كذبا، والقسمان باطلان، فبطل كونه كذبا، فتعين كونه صدقا، فكان مفيدا للعلم. إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يذكره المخبرون، مع علمهم بكونه كذبا؛ لأنهم على هذا التقدير إما أن يكونوا قصدوا فعل الكذب؛ لغرض ومرجح، أو لا لغرض ومرجح: والثاني محال؛ أما أولا: فلأن الفعل لا يحصل في وقت دون وقت، إلا لمرجح؛ وإلا لزم ترجح أحد الطرفين على الآخر من غير مرجح، وهو محال. وأما ثانيا: فلأن كونه كذبا جهة قبح؛ وجهة القبح صارفة عن الفعل، ومع حصول الصارف القوي عن الفعل يستحيل حصول الفعل، إلا لداع أقوى من ذلك الصارف. وأما القسم الأول: وهو أنهم قصدوا فعل الكذب لغرض، فذلك الغرض إما نفس كونه كذبا، أو شيء آخر: والأول: باطل؛ لأن كونه كذبا جهة صرف، لا جهة دعاء. والثاني: باطل؛ لأن ذلك الغرض: إما أن يكون دينيا، أو دنيويا. وعلى التقديرين: فإما أن يكون رغبة، أو رهبة.

стр. 2732

وعلى التقديرات: فإما أن يقال: كلهم كذبوا لداع واحد من هذه الأقسام، أو يقال: فعله بعضهم؛ لبعض هذه الدواعي، وبعضهم للبعض الآخر. وعلى كل التقديرات: فإما أن تحصل تلك الدواعي بالتراسل، أو لا بالتراسل، والأقسام كلها باطلة. أما أنه لا يجوز أن يكون للدين: فلأن قبح الكذب متفق عليه، سواء كان ذلك بالعقل، أو بالشرع، فكان ذلك صارفا دينيا، لا داعيا دينيا. وأما الرغبة الدنيوية: فقد تكون رجاء عوض على الكذب، أو لأجل أن يسمع غيره شيئا غريبا، وإن كان لا أصل له. والأول باطل: لأن كثيرا من الناس لا يرضى بالعوض الكثير في مقابلة الكذب، وإن احتاج إليه، وكذا القول في القسم الثاني. وأما الرهبة: فهي لا تكون إلا من السلطان، لكن السلطان لا يقدر على أن يجمع الجمع العظيم على الكذب؛ ألا ترى أن السلطان لا يمكنه ذلك في جميع أهل بغداد؛ لأنه لا يعلم كل واحد منهم؛ حتى يجعله مضطرا إلى ذلك الكذب، ولأن السلطان كثيرا ما يخوف الناس عن التحدث بكلام، مع أنهم، آخر الأمر، يقولونه؛ حتى يصير مشهورا بينهم. ولأنا نعلم في كثير من الأمور: أنه لا غرض للسلطان في أن يخبر عنه بالكذب، ولا يجوز أيضا أن يقال: (الجماعة العظيمة كذبوا؛ بعضهم للرغبة، وبعضهم للرهبة، وبعضهم للتدين) لأن كلامنا في جماعة عظيمة، أبعاضها جماعات عظيمة يمتنع تساوي أجزائها في قوة هذه الدواعي.

стр. 2733

وأما القسم الثاني: وهو أنهم كذبوا، مع أنهم لم يعلموا كونهم كاذبين، فذاك لا يمكن، إلا إذا اشتبه عليهم الشيء بغيره؛ والاشتباه في الضروريات باطل؛ وشرط خبر التواتر أن يكون واقعا عما علم وجوده بالضرورة؛ وهذا إذا أخبر المخبرون عن المشاهدة. وأما عن توسط بين من أخبرنا، وبين من شاهد ذلك- واسطة واحدة، أو وسائط- فإنه لا يحصل العلم بخبرهم، إلا إذا علمنا كون الوسائط متصفين بالصفات المعتبرة في أهل التواتر؛ وذلك إنما يعلم بطريقين: الأول: أن يكون أهل التواتر الذين رأيناهم أخبروا أن أولئك الذين مضوا كانوا مستجمعين للشرائط المعتبرة في أهل التواتر. والثاني: أن كل ما ظهر بعد خفاء، وقوي بعد ضعف، فلابد، وأن يشتهر فيما بين الناس حدوثه، ووقت حدوثه؛ فإن مقالة الجهمية والكرامية لما حدثت بعد أن لم تكن، لا جرم اشتهر فيما بين الناس وقت حدوثها؛ فلما لم يظهر شيء من ذلك، علمنا أن الأمر كان كذلك في كل الأزمنة. هذا تمام الاستدلال، والاعتراض عليه أن يقال لأبي الحسين: إما أن يكون غرضك من هذا الاستدلال ظنا قويا بكون الخبر صدقا، فذلك مسلم، أو اليقين، فلا نسلم أن ما ذكرته يفيد اليقين؛ لأن التقسيم المفضي إلى اليقين يجب أن يكون دائرا بين النفي والإثبات، ثم نبين فساد كل قسم سوى المطلوب بدليل قاطع، وهذا الذي ذكره أبو الحسين ليس كذلك. فلنبين هذه الأشياء؛ فنقول: لم لا يجوز أن يقال: كذبوا، لا لغرض؟ قوله: (الفعل بدون المرجح محال):

стр. 2734

قلنا: هذا لا يتم على مذهبك؛ لأنه يقتضي الجبر، وأنت لا تقول به. بيان أنه يقتضي الجبر: أن قادرية العبد صالحة للفعل والترك؛ وإلا لزم الجبر، فلو لم يترجح أحد الطرفين، إلا لمرجح، فذاك المرجح: إن كان من فعل العبد، عاد الطلب من أنه، لم فعل مرجح أحد الطرفين دون الآخر؟. وإن كان ذلك؛ لمرجح آخر من فعله، لزم التسلسل، أو ينتهي إلى مرجح ليس من فعله، فعند حصول ذلك المرجح الذي ليس من فعله: إما أن يكون ترتب أثره عليه واجبا، أو لا يكون واجبا: فإن كان الأول، لزم الجبر، وإن كان الثاني، فهو باطل، وبتقدير صحته: فالإلزام عليك وارد. أما أنه باطل: فلأنه إذا لم يجب ترتب أثره عليه، جاز حينئذ ألا يترتب عليه في بعض الأوقات ذلك الأثر، وجاز في وقت آخر أن يترتب؛ إذ لو لم يجز ذلك أصلا، لما كان ذلك مرجحا تماما، وكلامنا في المرجح التام، وإذا كان كذلك، فترتب الأثر عليه في أحد الوقتين دون الوقت الآخر: إما أن يكون لمزية يختص بها ذلك الوقت، دون الوقت الثاني، وإما ألا يكون كذلك: فإن كان الأول: فقبل حصول تلك المزية: ما كان المرجح التام حاصلا، لكنا قد فرضناه حاصلا، هذا خلف، ثم إننا ننقل الكلام إلى تلك المزية، فنبين أنها من فعل الله، ، وبعد حصولها، فإن وجب ترتب الأثر عليها، لزم الجبر. وإن لم يجب، افتقر إلى مزية أخرى، لا إلى نهاية؛ وهو محال. وأما إن لم يكن ترتب الأثر على ذلك المرجح في ذلك الوقت لأجل حصول مزية في ذلك الوقت، دون سائر الأوقات- كانت نسبة المزية إلى زماني

стр. 2735

ترتب الأثر عليه، ولا ترتبه عليه- على السواء؛ ولا مرجح، ولا مخصص ألبتة؛ فيكون اختصاص ذلك الوقت بترتب ذلك الأثر على ذلك المرجح، دون الوقت الثاني- يكون ترجيحا لأحد طرفي الممكن المساوي على الآخر، من غير مرجح، وهو محال. وقد بان بهذا أنه ما لم يحصل للعبد مرجح من قبل الغير، يمتنع أن يكون فاعلا، وإذا حصل المرجح، وجب أن يكون فاعلا، وهذا هو الجبر، وأما بتقدير ألا يجب ذلك، فالإشكال وارد؛ لأن عند حصول مرجح الوجود، إذا جاز ألا يوجد الوجود، كان اللاوجود واقعا، لا عن مرجح أصلا، وإذا جوزت ذلك، بطل قولك: (الفعل لا يقع إلا عن الداعي) فلم لا يجوز إلا في أهل التواتر أن يكذبوا، لا لداع. وأما قوله ثانيا: (كونه كذبا جهة صرف، لا جهة دعاء): قلنا: هذا بناء على أن الكذب قبيح؛ لكونه كذبا، وقد مر الكلام في إبطاله في أول الكتاب. سلمناه؛ لكن عند حصول الصارف، لو وجب الترك، وأنت لا تقول به. وإن لم يجب: فقد جوزت عند حصول الصارف ألا يقع العدم، وجواز ألا يقع العدم يقتضي جوازه ألا يقع الوجود، فقد جوزت مع الصارف عن الفعل أن يوجد الفعل؛ فلم يلزم من كون الكذب جهة صرف امتناع أن يوجد الكذب؟!.
следующие страницы →