Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
القسم الخامس
في المجمعين
قال الرازي: قبل الخوض في المسائل لابد من مقدمة، وهي أن الخطأ جائز؛ عقلا، على هذه الأمة؛ كجوازه على سائر الأمم، لكن الأدلة السمعية منعت منه. وهي واردة بلفظين:
أحدها: لفظ (المؤمنين) في آية المشاقة.
والآخر: لفظ (الأمة) في سائر الآيات والخبر.
فأما لفظ (المؤمنين) فقد مر في باب العموم: أنه للاستغراق.
وأما لفظ (الأمة) فإنه يتناول كافة الأمة.
فعلى هذا يجب أن يكون المعتبر قول كل المؤمنين، وقول كل الأمة؛ فإن خرج البعض، فلابد من دليل منفصل.
وإن اكتفينا بالبعض، لم يمكن إثباته بهذه الأدلة؛ بل لابد من دليل آخر، إلا أن هذه الأدلة كما لا تقتضي ذلك الحكم في البعض لا تمنع من ثبوته في البعض؛ لأن ما يدل على ثبوت حكم في الكل، لا يمنع من ثبوته في البعض، ولا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء المدلول.
المسألة الأولى: لا يعتبر في الإجماع اتفاق الأمة من وقت الرسول ﷺ إلى يوم القيامة؛ لأن الذي دل على الإجماع دل على وجوب الاستدلال به، وذلك الاستدلال: إما أن يكون قبل يوم القيامة، وهو محال على التقدير الذي قالوه، لجواز أن يحدث بعد ذلك قوم آخرون، أو بعده، وهو باطل؛ لأنه لا حاجة في ذلك الوقت إلى الاستدلال.
стр. 2662
المسألة الثانية
لا عبرة في الإجماع بقول الخارجين عن الملة؛ لأن آية المشاقة دالة على وجوب اتباع المؤمنين، وسائر الأدلة دالة على وجوب اتباع الأمة، والمفهوم من الأمة- في عرف شرعنا- الذين قبلوا دين الرسول ﷺ .
стр. 2663
المسألة الثالثة
لا عبرة بقول العوام، خلافا للقاضي أبي بكر، ﵀.
لنا وجوه:
أحدها: أن العالم، إذا قال قولا، وخالفه العامي، فلا شك أن قول العامي حكم في الدين، بغير دلالة، ولا أمارة، فيكون خطأ، فلو كان قول العالم أيضا خطأ، لكانت الأمة بأسرها مخطئة في مسألة واحدة، وإن كان ذلك الخطأ من وجهين، ولكنه غير جائز.
وثانيها: أن العصمة من الخطأ لا تتصور إلا في حق من تتصور في حقه الإصابة، والعامي لا يتصور في حقه ذلك؛ لأن القول في الدين- بغير طريق- غير صواب.
وثالثها: أن خواص الصحابة- ﵃ وعوامهم أجمعوا على أنه لا عبرة بقول العوام في هذا الباب.
ورابعها: أن العامي ليس من أهل الاجتهاد؛ فلا عبرة بقوله، كالصبي، والمجنون.
احتج المخالف: بأن أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل.
والجواب: إيجاب متابعة الكل لا يقتضي ألا يجب إلا متابعة الكل، والأدلة التي ذكرناها تقتضي وجوب متابعة العلماء؛ فوجب القول به.
стр. 2664
القسم الخامس
في المجمعين
قال القرافي: قوله: (لفظ الأمة يتناول كافة الأمة):
قلنا: على العبارة مناقشة لغوية، وهي أن النحاة قالوا: إن (كافة) و (قاطبة) لا يجوز إضافتها، بل لا يكونان إلا تابعين.
نقول: (جاء الناس كافة وقاطبة)، وأنكروا على (الحريري) قاطبة الكتاب في (المقامات)، وعلى صاحب (المفصل) كافة الأبواب.
قوله: (لفظ (المؤمنين) مر في باب العموم أنه للاستغراق، فعلى هذا يجب أن يكون المعتبر كل المؤمنين):
قلنا: لا نسلم، بل يلزم من هذا أن يكون المعتبر قول واحد واحد لا المجموع، لما تقدم في باب العموم أنه كلية لا كلي.
قوله: (لا يعتبر العوام في الإجماع):
قلنا: قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها: الفرق بين المسائل المشهورة نحو كون الطلاق يحرم، ونحو ذلك، فيعتبرون، وبين دقائق المسائل، فلا يعتبرون.
стр. 2665
وحكى في المجتهدين المشاركين لأهل الاجتهاد في النظر والعلم، غير أنهم لم يشتهروا به ولا تظاهروا به- قولين، وأنه لا عبرة بغير الفقيه الذي لم يتوسم بالفقه، وإن شارك الفقهاء في النظر ووجوه الاجتهاد، ولكنهم علماء بغير الفقه.
قال: وقال قوم: لا عبرة بمن لا يقول بالقياس؛ لأنه أكثر مجال الفقه
قال: وهو غير صحيح؛ فإنه إنما أهمل مدركا واحدا، ولو صح ذلك لم يعتبر قول منكري العموم والمراسيل، وصيغة الأمر، وغير ذلك.
قوله: (قول العامي بغير مدرك خطأ؛ فيلزم اجتماع الأمة على الخطأ):
قلنا: لا نسلم أنه خطأ؛ لأن الأمة معصومة لا يفوتها الحق، فمن قال بقولهم كان قوله صوابا، كما أن من قال بقول الأمة بعد تقرر الإجماع كان قوله صوابا، وإن جهل هو مدرك الأمة، كذلك العامي يقول بقول الأمة جاهلا للمدرك، وقوله صواب.
سلمنا أن قوله خطأ، لكن لا نسلم الإجماع على الخطأ؛ لأن هاهنا أمرين: أحدهما الحكم، ومن عدى العامي قد حكم به لمستند صحيح، والآخر المدرك، وقد ظفر به العلماء ما عدا العامي، فالعلماء مصيبون في حكمهم، ومدركهم، فلم يوجد خطأ بالنسبة إلى كل واحد من أفراد الأمة حتى يحصل الإجماع على الخطأ.
قوله: (أجمع الصحابة خواصهم وعوامهم على عدم اعتبار العوام):
قلنا: لا نسلم هذا الإجماع، غايته أنهم أفتوا بما عندهم، ولم ينقل عنهم أنهم قالوا: قولنا بمفرده إجماع دون عوامنا.
قوله: (لا عبرة بقول العامي كالمجنون):
قلنا: إن الصبيان والمجانين كالبهائم لا يتصفون بالإيمان والإسلام الفعليين
стр. 2666
الواجبين، وإن اتصفوا بالحكمتين، وأما العامي فمتصف بالإيمان الفعلي، والإسلام الفعلي، وأهل للتصور، فيتصور ما قاله الإجماع تصورا صحيحا، ونقول به على وجهه كما قاله العلماء، كما نقول نحن اليوم بقولهم، وإن كنا جاهلين بمستندهم.
قوله: (أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل):
قلنا: لا نسلم، بل كل واحد واحد فهو كلية لا كل، وإلا تعذر الاستدلال بها في النفي والنهي كما تقدم أول العموم، فالحقيقة حينئذ غير مرادة، والتجوز إلى البعض أولى من التجوز إلى الكلي الذي هو المجموع؛ لأنه أقرب للحقيقة من جهة أن اللفظ يقتضي حقيقة الإثبات لكل واحد، والواحد بعض.
* * *
стр. 2667
المسألة الرابعة
قال الرازي: المعتبر بالإجماع في كل فن- أهل الاجتهاد في ذلك الفن، وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره .
مثلا: العبرة بالإجماع في (مسائل الكلام) بالمتكلمين، وفي (مسائل الفقه) بالمتمكنين من الاجتهاد في مسائل الفقه؛ فلا عبرة بالمتكلم في الفقه، ولا بالفقيه في الكلام، بل من يتمكن من الاجتهاد في الفرائض، دون المناسك يعتبر وفاقه وخلافه في الفرائض، دون المناسك، ولا عبرة أيضا بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب، إذا لم يكن متمكنا من الاجتهاد.
والدليل على هذه المسائل: أن هؤلاء كالعوام فيما لا يتمكنون من الاجتهاد فيه، فلا يكون بقولهم عبرة.
أما الأصولي المتمكن من الاجتهاد، إذا لم يكن حافظا للأحكام، فالحق أن خلافه معتبر؛ خلافا لقوم، والدليل عليه: أنه متمكن من الاجتهاد الذي هو الطريق إلى التمييز بين الحق والباطل؛ فوجب أن يكون قوله معتبرا؛ قياسا على غيره.
المسألة الرابعة
المعتبر في الإجماع في كل فن أهل الاجتهاد في ذلك الفن، وإن لم يكونوا أهل الاجتهاد في غير ذلك الفن
стр. 2668
قال القرافي: قلنا: هذه المسألة والمسألة التي بعدها في أن الفقيه الذي لا يعرف الأصول لا عبرة بقوله، ينبغي أن يتخرج على الخلاف مع القاضي القائل بتوقف الإجماع على العوام، فإن غاية هؤلاء أن يكونوا كالعوام؛ وقد حكى الشيخ في اللمع الخلاف في هذه المسألة، وقال: يشترط الإجماع مع الفقهاء والمتكلمين والأصوليين.
قوله: (الأصولي المتمكن من الاجتهاد إذا لم يكن حافظا للأحكام يعتبر خلافه):
قلنا: حكى الإمام في (البرهان) أن اعتبار الأصولي عن القاضي، وحكى عن الجمهور خلافه، وخالف هو أيضا القاضي فيها.
قال الغزالي في (المستصفى): قال قوم: لا عبرة إلا بقول أئمة المذهب المشتغلين بالفتوى، كالشافعي ومالك ونحوهما من الصحابة والتابعين.
ومنهم من ضم إلى الأئمة الفقهاء الحافظين للفروع الناهضين بها، وأخرج الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفرع.
قال: والصحيح أنه أولى من حافظ الفروع، وكيف يتصور أن يكون متمكنا من الاجتهاد، وهو غير حافظ للأحكام؟ مع نص العلماء على أنه من شرط المجتهد أن يكون عالما بمسائل الوفاق والخلاف، لئلا يفتي على خلاف الإجماع، فمن جهل الأحكام فاته هذا الشرط، فيفوته مشروطه، فيتعذر عليه الاجتهاد، فلا يكون متمكنا.
стр. 2669
المسألة الخامسة
لا يعتبر في المجمعين بلوغهم إلى حد التواتر ؛ لأن الآيات والأخبار دالة على عصمة الأمة والمؤمنين، فلو بلغوا- والعياذ بالله- إلى الشخص الواحد، كان مندرجا تحت تلك الدلالة؛ فكان قوله حجة.
فأما من أثبت الإجماع بالعقل؛ من حيث إن اتفاقهم يكشف عن وجود الدليل، فيعتبر فيه بلوغ المجمعين حد التواتر؛ لكنه باطل عندنا؛ على ما مر.
المسألة السادسة
إجماع غير الصحابة حجة؛ خلافا لأهل الظاهر .
لنا: أن التابعين إذا أجمعوا، كان قولهم سبيلا للمؤمنين؛ فيجب اتباعه بالآية.
فإن قلت: الآية إنما دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين الذين كانوا حاضرين عند نزول الآية؛ لأنهم كانوا هم المؤمنين؛ أما الذين سيوجدون بعد ذلك، فلا يصدق عليهم في ذلك الوقت: أنهم مؤمنون.
قلت: فهذا يقتضي أنه لو مات من أولئك الحاضرين واحد ألا ينعقد الإجماع بعد ذلك؛ لكن كثيرا منهم مات قبل وفاة الرسول ﷺ ، وإن لم نقطع بذلك؛ لكن لا يمكننا القطع ببقائهم بعد وفاته، فيكون الشك فيه شكا في انعقاد الإجماع.
стр. 2670
احتج المخالف بأمور:
أحدها: أن أدلة الإجماع لا تتناول إلا الصحابة؛ فلا يجوز القطع بأن إجماع غيرهم حجة.
بيان الأول: أن قوله : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كنت خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] لاشك أنه خطاب مواجهة؛ فلا يتناول إلا الحاضرين.
وأما قوله : ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥] فكذلك؛ لأن من سيوجد بعد ذلك لا يصدق عليه في الحال اسم المؤمنين، فالآية لا تتناول إلا من كان مؤمنا حال نزولها.
وكذا القول في قوله ﷺ : (أمتي لا تجتمع على خطأ).
وإذا ثبت أن هذه الأدلة لا تتناول إلا الصحابة، وثبت أنه لا طريق إلى إثبات الإجماع إلا هذه الأدلة؛ وجب ألا يكون إجماع غير الصحابة حجة.
وثانيها: أن أهل العصر الثاني، لو أجمعوا، لكان إجماعهم، إما أن يكون لقياس، أو لنص:
والأول: باطل؛ لأن القياس ليس بحجة عند الكل؛ فلا يجوز أن يكون طريقا إلى صدور الإجماع من الكل؛ فيبقى الثاني، وهو أنهم إنما أجمعوا من جهة النص، والنص إنما وصل إليهم من الصحابة؛ فكان إجماع الصحابة على ذلك الحكم؛ لأجل ذلك النص- أولى، فلما لم يوجد إجماعهم، علمنا عدم ذلك النص.
стр. 2671
وثالثها: أنه لابد في الإجماع من اتفاق الكل، والعلم باتفاق الكل لا يحصل إلا عند مشاهدة الكل، مع العلم بأنه ليس هناك أحد سواهم، وذلك لا يتأتى إلا في الجمع المحصور، كما في زمان الصحابة.
أما في سائر الأزمنة: فمع كثرة المسلمين، وتفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها يستحيل أن يعرف اتفاقهم على شيء من الأشياء.
ورابعها: أن الصحابة أجمعوا على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها، فإنه يجوز الاجتهاد فيها، فالمسألة التي لا تكون مجمعا عليها بين الصحابة، تكون محلا للاجتهاد؛ بإجماع الصحابة، فلو أجمع التابعون عليها، لخرجت عن أن تكون محلا للاجتهاد، وذلك يفضي إلى تناقض الإجماعين.
وخامسها: أن الصحابة، إذا اختلفت على قولين، ثم أجمع التابعون على أحدهما- لا يصير القول الثاني مهجورا؛ كما تقدمت هذه المسألة، وإذا كان كذلك، فنقول: المسألة التي أجمع التابعون عليها، يحتمل أن يكون لواحد من الصحابة فيها قول يخالف قول التابعين؛ مع أن ذلك القول لم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال لا يثبت الإجماع.
فإن قلت: لو فتحنا هذا الباب، لزم ألا يبقى شيء من النصوص دليلا على شيء من الأحكام؛ لاحتمال طريان النسخ، والتخصيص.
قلت: الفرق: أن حصول إجماع التابعين مشروط بأن لا يكون لأحد من الصحابة قول يخالف قولهم، فالشك فيه شك في شرط يتوقف ثبوت الإجماع عليه فيكون ذلك شكا في حدوث الإجماع، والأصل بقاؤه على العدم.
стр. 2672
وأما في مسألة الإلزام: فاللفظ يقتضي العموم، والشك إنما وقع في طريان المزيل، والأصل عدم طريانه؛ فظهر الفرق.
والجواب عن الأول: أن الذي ذكرتموه يقتضي أنه لما مات واحد من أولئك الحاضرين ألا يبقى إجماع الباقين حجة؛ وذلك يفضي إلى سقوط العمل بالإجماع؛ وهم لا يقولون به.
وعن الثاني: أنه يحتمل أن تكون تلك الواقعة ما وقعت في زمن الصحابة، فلم يتفحصوا عما يمكن الاستدلال به عليها، ثم إنها وقعت في زمن التابعين، فتفحصوا عن الأدلة، فوجدوا بعض ما نقلته الصحابة دليلا عليه.
وعن الثالث: أن حاصل ما ذكرتموه راجع إلى تعذر حصول الإجماع في غير زمان الصحابة، وهذا لا نزاع فيه؛ إنما النزاع في أنه لو حصل، كان حجة.
وعن الرابع: ما مر من الجواب عنه فير مرة.
وعن الخامس: أنه يلزمكم ألا يكون إجماع الصحابة حجة؛ لاحتمال أن يكون الصحابي الذي مات قبل وفاة الرسول- ﵊ له فيه قول، والله أعلم.
المسألة الخامسة
لا يعتبر في المجمعين التواتر
قال إمام الحرمين في (ألبرهان): قال بعضهم: لا يجوز نقصان الأئمة عن حد التواتر؛ فإنهم حفظة الشريعة، وقد ضمن الله- تعالى- قيامها، وحفظها ليوم القيامة، وأقل من التواتر، يجوز تواطؤهم على الباطل، فلا يجزم بحفظهم للشريعة.
стр. 2673
وقال الأستاذ: يجوز ذلك، ولم لم يبق إلا واحد قوله حجة. قال: والذي يرتضيه مع خلو الزمان عن العلماء وانتهاء الأمر إلى الفترة ما قاله.
وأما قوله: (إن المنحط عن التواتر حجة) فغير مرضي؛ فإن الإجماع مستنده العادة، فمن تعذر الإجماع على الخطأ والقليل، لم يشهد له العادة.
قوله: (إنما دلت الآية على اتباع المؤمنين الموجودين، والذين سيوجدون بعد ذلك لا يصدق عليهم أنهم مؤمنون):
قلنا: قد تقدم في باب الاشتقاق المشتق متى كان متعلق الحكم لا يشترط فيه الحصول، وهذه الآية المشتق فيها متعلق وبسطه هنالك، ولذلك يمنعه.
قوله: بعد هذا: (إن أدلة الإجماع لا تتناول غير الصحابة): بناء على هذا.
قوله: (لو أجمع التابعون فيما أجمع الصحابة على جواز الاجتهاد فيه تناقص الإجماعان):
قلنا: قد تقدم مرارا أن الإجماع الأول فيما هو مثل هذا مشروط بعدم طريان الإجماع، بخلاف الإجماع على القول الواحد، وتقدم الفرق مبسوطا.
قوله: (إجماع التابعين مشروط بألا يكون لأحد الصحابة قول مختلف يخالف قولهم:
قلنا: لا نسلم، بل إجماع التابعين يبطل قول الصحابي السابق الجزم بقول الإجماع الحادث، وإن ما عداه باطل، وقول الصحابي ليس معصوما، والإجماع معصوم عندنا كيف وقع.
* * *
стр. 2674
القسم السادس
فيما عليه ينعقد الإجماع
قال الرازي: المسألة الأولى: كل ما لا يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به أمكن إثباته بالإجماع .
وعلى هذا: لا يمكن إثبات الصانع، وكونه تعالى قادرا عالما بكل المعلومات، وإثبات النبوة بالإجماع، أما حدوث العالم، فيمكن إثباته به، لأنه يمكننا إثبات الصانع بحدوث الأغراض، ثم نعرف صحة النبوة، ثم نعرف به الإجماع، ثم نعرف به حدوث الأجسام.
وأيضا: يمكن التمسك به في أن الله، ، واحد؛ لأننا قبل العلم بكونه واحدا يمكننا أن نعلم صحة الإجماع.
القسم السادس
فيما عليه ينعقد الإجماع
قال القرافي: قوله: (لا يمكن إثبات الصانع وقدرته وعلمه بجميع المعلومات والنبوة بالإجماع):
تقريره: أن الرسالة فرع وجود المرسل وقدرته على الإرسال، وعلمه بمن يوجهه في الرسالة، والإجماع فرع النبوة؛ لأن النبي ﷺ هو المخبر عن عصمة الأمة.
قال إمام الحرمين في (البرهان): لا يكون الإجماع حجة في العقليات؛ فإن المتبع فيها أدلة العقول، وإنما أثر الإجماع في السمعيات، ولو أجمعوا
стр. 2675
على فعل نحو: (أكل طعاما) كان إجماعهم حجة على إباحته لفعله- ﵇ إلا أن تدل قرينة على الندب أو الوجوب، وتقدم كلام أبي الحسين.
قال أبو الحسين في (المعتمد): إجماعهم حجة في العقليات، نحو: جواز رؤية الله- تعالى- لا في جهة، ونفي الشريك عنه- تعالى-.
وفي (اللمع) وغيره: لا يعتبر الإجماع في حدوث العالم؛ لتقدم العلم به على الإجماع، بخلاف ما ذكره المصنف.
* * *
стр. 2676
المسألة الثانية
اختلفوا في أن الإجماع في الآراء والحروب، هل هو حجة؟
منهم من أنكره، ومنهم من قال: إنه حجة بعد استقرار الرأي، وأما قبله، فلا.
والحق أنه حجة مطلقا؛ لأن أدلة الإجماع غير مختصة ببعض الصور.
المسألة الثانية
في الإجماع في الآراء
قوله: (منهم من قال: إنه حجة بعد استقرار الرأي):
تقريره: أن قبل استقراره يكون مختلفا فيه، فلا يكون إجماعا فيه.
قال أبو الحسن في (المعتمد): صورة المسألة أن يجمعوا على الحرب في موضع معين.
قال القاضي عبد الجبار: يجوز مخالفتهم، وليسوا بأعظم من النبي- ﵇ وقد كان يراجع في مواضع الحروب.
وعنه أيضا: لا يجوز مخالفتهم؛ لأن الأدلة للإجماع تبعد من ذلك من أمور الدنيا وأمور الآخرة. والفرق بينهم وبين النبي- ﵇ أن الدال على صدقه- ﵇ المعجزة، وهي لا تتعلق بأمور الدنيا، وأدلة الإجماع عامة.
* * *
стр. 2677
المسألة الثالثة
هل يجوز أن تنقسم الأمة إلى قسمين، وأحد القسمين مخطئون في مسألة، والقسم الآخر مخطئون في مسألة أخرى ؟
مثل: إجماع شطر الأمة على أن القاتل لا يرث، والعبد يرث، وإجماع الشطر الآخر على أن القاتل يرث، والعبد لا يرث.
والأكثرون على أنه غير جائز؛ لأن خطئهم في مسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا قد اتفقوا عل الخطأ، وهوي منفي عنهم.
ومنهم: من جوزه؛ وقال: لأن الخطأ ممتنع عن كل الأمة، لا على بعض الأمة، والمخطئون في كل واحدة من المسألتين بعض الأمة.
المسألة الثالثة
يجوز انقسام الأمة لقسمين؛ كل قسم يخطئ في شيء.
قوله: (خطؤهم في مسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا اتفقوا على الخطأ):
قلنا: هذه المسألة لها ثلاث حالات؛ حالتان نتفق عليهما وحالة مختلف فيها، فالمتفق عليهما اتفاقهما على الخطأ في المسألة الواحدة، من الوجه الواحد لا يجوز إجماعا، واتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين مطلا يجوز إجماعا، فيحكي الشافعية والمالكية في مسألة في الجنايات، والحنفية والحنابلة في مسألة في العبادات هذا لم يقل أحد باستحالته، والمختلف فيها المسألة الواحدة ذات الوجهين، نحو المانع من الميراث؛ فإن القتل والرق كلاهما مانع من الميراث، غير أنه منقسم قسمين: رق، وقتل، فهل يجوز
стр. 2678
أن يخطئ بعض في أحد قسمي هذا الحكم، فيقول: القاتل يرث، والعبد لا يرث؟ فيخطئ في الأول دون الثاني، فيكون القسمان من الأمة قد أخطأ في قسمين بشيء واحد، فمن لاحظ اجتماع الخطأ في شيء واحد باعتبار أصل المانع المنقسم منع المسألة.
ومن لاحظ تنوع الأقسام وتعدده، وأعرض عن المنقسم، جوز ذلك؛ لأنه في شيئين من نوع المجمع عليه.
قال أبو الحسين في (المعتمد): للمسألة أمثلة:
أحدهما: أن يعتقد أحد القسمين الإمامة لرجل غير أهل لها، ويسكت الباقونّ، فيخطئ العاقد بالعقد، والساكت بالسكوت، فيجتمعون على الخطأ. قاله عبد الجبار.
وقال: ولقائل أن يقول: هذه مسألة واحدة، وهي إمامة ذلك الشخص، والكل قد رضوا بها.
وثانيها: أن يتفق نصف الأمة على مذهب المرجئة في غفران ما دون الشرك، ويتفق الباقون على مذهب الخوارج في المنع من غفران جميع المعاصي، وهذا اتفاق على الخطأ في المسألتين. قاله عبد الجبار.
قال: ولقائل أن يقول: بل مسألة واحدة؛ لاتفاقهم على أن الصغيرة لا يجب سقوط العقاب عليها؛ لأن المرجئ وإن قال بسقوط العقاب فهو يجوزه؛ والخارجي يوجبه.
قلت: قول أبي الحسين هذا بناء على أصله في الاعتزال في وجوب العقاب.
* * *
стр. 2679
المسألة الرابعة
لا يجوز اتفاق الأمة على الكفر، وحكي عن قوم: أنه يجوز أن ترتد الأمة ؛ لأنها إذا فعلت ذلك، لم يكونوا مؤمنين، ولا سبيل المؤمنين، وإذا كذبت الرسول، خرجت من أن تكون من أمته.
وجه القول الأول: أن الله، ، أوجب اتباع سبيل المؤمنين، واتباع سبيلهم مشروط بوجود سبيلهم، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، فهو واجب.
هذا إذا حملنا لفظ المؤمنين على الإيمان بالقلب، أما إذا حملناه على التصديق باللسان، ظهر أن الآية دالة على أن المصدقين في الظاهر لا يجوز إجماعهم على الخطأ؛ وذلك يؤمننا من إجماعهم على الكفر.
المسألة الرابعة
يمتنع اتفاق الأمة على الكفر
قوله: (إذا فعلت ذلك لم يكونوا مؤمنين):
قلنا: نسلم، لكن القاعدة تقتضي أن وصف الإيمان يمنع إيراد المناهي الشرعية على مجموع من اتصف به، وهذا منهي، بل أعظم المنهيات لم يمنعه الإيمان من الورود على مجموع منا تصف به، فيلزم خلاف القاعدة.
قوله: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب):
قلنا: تقدم في الأوامر أن الفرق حاصل بالإجماع، بينما يتوقف عليه الواجب في وجوبه، فلا يجب إجماعا، بينما يتوقف عليه الواجب في
стр. 2680
إيقاعه بعد تقرر الموجب، فهو صورة النزاع، وحصول الإجماع من القسم الأول؛ لأن الله- تعالى- لم يوجب علينا اتباع الإجماع إلا بعد حصوله، ولم يوجب علينا متابعته كيف كان موجودا، أو معدما، فموجود الإجماع من شرائط الوجوب، لا من شرائط ما يتوقف عليه إيقاع الواجب.
* * *
стр. 2681
المسألة الخامسة
يجوز اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به ؛ لأن عدم العلم بذلك الشيء، إذا كان صوابا، لم يلزم من إجماعهم عليه محذور.
المسألة الخامسة
(في اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به)
قلت: قد فهرس سيف الدين هذه المسألة بصورة أخرى، وقد نبهت عليه، ونقلته آخر الكتاب، فيكشف من هناك.
قوله: (لو اجتمعوا على ذلك لكان سبيلهم، فيجب اتباعهم فيه):
قلنا: قد تقرر أول كتاب الإجماع أن سبيل الإنسان ما ينتحله طريقا يوصله لمقصده، وهذا الجهل لم تنتحله الأمة سبيلا لها، بل هو حاصل بالضرورة البشرية؛ لأن البشر يجب له العجز عن جميع المعلومات، بل لا يمكن أن يعلم إلا البعض، فلا يصدق عليه حينئذ أنه سبيلهم.
* * *
стр. 2682
القسم السابع
في حكم الإجماع
قال الرازي: المسألة الأولى: جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر؛ خلافا لبعض الفقهاء .
لنا: أن أدلة أصل الإجماع ليست مفيدة للعلم، فما تفرع عليها أولى ألا يفيد العلم؛ بل غايته الظن، ومنكر المظنون لا يكفر بالإجماع.
وأيضا: فبتقدير أن يكون أصل كون الإجماع حجة- معلوما- لا مظنونا؛ لكن العلم به غير داخل في ماهية الإسلام؛ وإلا لكان من الواجب على الرسول ﷺ ألا يحكم بإسلام أحد؛ حتى يعرفه أن الإجماع حجة، ولما لم يفعل ذلك، بل لم يذكر هذه المسألة صريحا طول عمره ﷺ ، علمنا أن العلم به ليس داخلا في ماهية الإسلام، وإذا لم يكن العلم بأصل الإجماع معتبرا في الإسلام، وجب ألا يكون العلم بتفاريعه داخلا فيه.
القسم السابع
في حكم الإجماع
قال القرافي: قوله: (جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر، خلافا لبعض الفقهاء):
قلنا: هذه الدعوى غير محررة؛ فإن المجمع عليه إن كان الإجماع فيه مرويا بطريق الآحاد، لو كان خفيا في الدين لا يعلمه إلا الخواص، وهو عند الخواص ثابت بالتواتر لا يكفر جاحده إجماعا، إنما الخلاف في قسم
стр. 2683
ثالث، وهو إذا كان المجمع عليه ضروريا من الدين، فلو جحد إنسان جواز القراض لم نكفره، وهو مجمع عليه، كما قاله العلماء، لكنه غير مشهور كالإجماع على الصلوات والصوم والزكاة، ولا يدرك فرق بينه، وبين المساقاة والإجارة في ذلك، وهما مختلف فيهما، وهو مثلهما في الشهرة، ودون شهرة الصلاة ونحوها.
قال ابن برهان في (الأوسط): الإجماع العام الذي يجمع عليه العوام والخواص، كما في الصلاة والصوم والحج مخالفه مستحلا كافر، وغير مستحل يبدع ويضلل؛ لأن أدلة هذه الأحكام قطعية، والإجماع الذي يختص به العلماء دون العوام كإجماعهم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، وأن الجد يسقط أخوة الأم، وأولاد الأخوة على الإطلاق، فلا يكفر مخالفه مستحلا وغير مستحل، بل يبدع ويضلل؛ لأن أدلته مظنونة.
(تنبيه)
ليس تكفيره عند من كفره لأجل طعنه على الإجماع بتجويز الخطأ عليهم ، وإلا لكفرنا النظام والشيعة، ومن معهم﴾ لجحدهم الإجماع، ولكفرنا من يقول: (هو ظني؛ لأنه يجوز عليهم الخطأ)، بل مدرك التفكير كون الحكم لما صار ضروريا من الذين صار منكره رادا على الله حكمه الذي علم أنه حكمه.
стр. 2684
ومن رد على الله- تعالى- ذلك كفر في الأحكام والأخبار، وجميع الرسائل، وبهذا البحث يظهر لك الفرق بين تكفيرنا لمن جحد الحكم، وعدم تكفيرنا لجاحد الإجماع، فإن جاحد الإجماع راد على الخلق، وطاعن عليهم، وجاحد الحكم راد على الله تعالى.
فإن قلت: جاحد الإجماع راد على الله- تعالى- في إخباره عن عصمة الإجماع، وهذا الإخبار عندكم قطعي، فقد جحد قطعيا.
قلت: مدرك الإجماع وإن كان قطعيا، غير أن الخصم لم يحصل له ذلك الاستقراء التام، كما يعذر من جحد الصلاة، وهو حديث الإسلام، فإنه يعذر، وإنما يتجه التكفير حيث ينتفي العذر.
قوله: (أصول الإجماع لا تفيد العلم، فما يتفرع عليه أولى ألا يفيد العلم):
قلنا: تقدم أن مدرك أصول الفقه قطيعة، وأن كل دليل ذكرنا، فنحن نريده مضافا لما معه في الشريعة من النصوص في الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال، وأقضية الصحابة وذلك إذا حصل بالاستقراء أفاد القطع، فالإجماع قطعي، وأصله قطعي، لكن بعض مدركه ليس قطعيا، وذلك لا يقدح في أن المجموع يفيد القطع، ولا في أن المطلوب قطعي.
سلمنا أن المدرك ظني، لكن لا يلزم أن المدلول لا يكون قطعيا، كما تقدم بيانه في الحكم معلوم، والظن واقع في طريقه، ويثبت هنالك أن المبني على الشك معلوم، فضلا عن المبني على الظن.
стр. 2685
(تنبيه)
قال إمام الحرمين في (البرهان): انتشر في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر قال: وهذا باطل قطعا ؛ فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر، نعم من اعترف بصدق المجتمعين في النقل كفر لتكذيبه كلام الشارع.
قال: والضابط أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع، ثم جحده كفر لتكذيبه الشارع، وقد تقدم الرد على هذا.
قوله: (العلم ليس داخلا في ماهية الإسلام):
قلنا: لا يفيد ذلك المقصود؛ لأن الفرق ببين ما يحصل الإيمان، وبين مبطلات الإيمان، فالذي يبلغه- ﵇ أول الإسلام لمن يسلم إنما هو أركان الإيمان، أو مبطلاته فلا، ألا ترى أنه لا يبين له أن إلقاء المصحف في القاذورات يكفر، ولا أن تبديل معنى آية من آيات الله- تعالى- يكفر، وغير ذلك فيما يوجب الردة؟ وهو كثير مذكور في كتاب (الجنايات)، ولم يبين رسول الله ﷺ لمن كان يأتيه يسلم شيئا من ذلك؛ لأن المقصود حاصل بمعرفة الأركان دون المفسدات، ونظيره من الفقه أنه يشترط في إمام الصلاة معرفة أركانها وشروطها، دون مفسداتها وموانعها.
* * *
стр. 2686
المسألة الثانية
قال الرازي: الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة؛ خلافا للحاكم صاحب (المختصر) .
لنا: أنهم لما أجمعوا على ذلك الحكم، صار سبيلا لهم؛ فوجب اتباعه للآية.
فإن قلت: ومن سبيلهم إثباته بالاجتهاد، وجواز القول بخلافه، إذا لاح اجتهاد آخر.
قلت: ومن سبيلهم إثباته بطريق، كيف كان، فأما تعينه، فقد أجمعوا على أنه غير معتبر.
وعن الثاني: أن تجويزهم القول بخلافه حاصل لا مطلقا، بل بشرط ألا يحصل الاتفاق.
المسألة الثانية
الإجماع الصادق عن الاجتهاد حجة
قال القرافي: قلت: هذه المسألة راجعة لانعقاد الإجماع عن الأمارة، وقد تقدم، فعلى هذا يلزم التكرار، والأولى أن تحمل هذه على الاستدلال بنفي خاصية الشيء عليه ونحوه، وهنالك على انعقاده عن الأمارة، فيحصل الفرق والتباين، وهو الأولى.
* * *
стр. 2687
المسألة الثالثة
قال الرازي: اختلفوا في أنه، هل يجوز انعقاد الإجماع، بعد إجماع على خلافه ؟.
ذهب أبو عبد الله البصري إلى جوازه؛ لأنه لا امتناع في إجماع الأمة على قول، بشرط ألا يطرأ عليه إجماع آخر، ولكن أهل الإجماع، لما اتفقوا على أن كل ما أجمعوا عليه، فإنه واجب العمل به في كل الأعصار- فلا جرم أمنا من وقوع هذا الجائز.
وذهب الأكثرون إلى أنه غير جائز؛ لأنه يكون أحدهما خطأ؛ لا محالة، وإجماعهم على الخطأ غير جائز، والقول الأول عندنا أولى.
المسألة الثالثة
(جواز الإجماع بعد الإجماع)
قال القرافي: قوله: (وجوازه أولى):
تقريره: إنما قالها الجمهور من لزوم أن أحدهما خطأ لا يلزم؛ لاحتمال أن ينزل الله- تعالى- نصوصا، ويقدم الإجماع الأول بعضها على بعض بالمناسبة للقواعد، ويكون ذلك مدرك الترجيح في ذلك العصر، وفي العصر الثاني تتغير المصالح لأجل أحوال ذلك القرن، فتتعين مصالحهم، فيرجح القرن الثاني النصوص الأخر، ويكون الكل صوابا تابعا للمصالح الشرعية؛ بناء على أن الشرائع كلها حكم ومصالح.
* * *
стр. 2688
المسألة الرابعة
قال الرازي: إذا أجمعوا على شيء، وعارضه قول الرسول ﷺ -، فإما أن يعلم أن قصد النبي ﷺ بكلامه ما هو ظاهره، وقصد أهل الإجماع بكلامهم ما هو ظاهره، أو يعلم أحدهما دون الثاني، أو لا يعلم واحد منهما:
والأول غير جائز؛ لامتناع تناقض الأدلة.
وإن كان الثاني: قدمنا ما علم ظهوره.
وإن كان الثالث: فإن كان أحدهما أخص من الآخر، خصصنا الأعم بالأخص؛ توفيقا بين الدليلين؛ بقدر الإمكان.
وإن لم يكن كذلك، تعارضا؛ لأنا نقطع بأن النبي ﷺ والأمة أراد أحدهما بكلامه غير ظاهره، لكنا لا نعلم أيهما كذلك؛ فلا جرم يتساقطان، والله أعلم.
المسألة الرابعة
(إذا تعارض الإجماع وقول رسول الله ﷺ )
قال القرافي: قلت: هذه المسألة يشترط فيها أن يكون السند متواترا، وإلا قدم الإجماع مطلقا؛ إذا كان معلوما، وإذا كان مرويا بأخبار الآحاد، فيتعارضان أيضا، ويعود التقسيم.
(مسألة)
قال سيف الدين: اختلفوا هل يكون وجود خبر أو دليل لا معارض له، وتشترك الأمة في عدم العلم به ، فمنهم من جوزه؛ لأنهم غير مكلفين
стр. 2689
بالعمل بما لم يظهر لهم، وليس مخالفته خطأ؛ لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله، ومنهم من أحاله؛ لأن اشتراكهم فيه سبيل لهم، فيجب على غيرهم اتباعه للآية، وأظن هذه المسألة التي ذكرها المصنف، وعبر عنها بقوله: (ويجوز اشتراك الأمة في عدم العلم فيما لم يكلفوا به)، فإن (سيف الدين) لم يذكر ما ذكره المصنف من تلك المسألة، بل لم يقل إلا هذه، والغالب أنها تلك، وعلى هذا يكون بين الفهرستين فرق كبير، مع أن القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) قال: (يجوز دخولهم عما لم يكلفوا به؛ لأنه ليس إجماعا على خطأ؛ لأن ما لم يكلفوا بمعرفته لا يلزمهم العلم به، كان عليه دليل في نفس الأمر، أو لم يكن عليه دليل؛ لأن العلم به غير واجب)، فصرح القاضي عبد الوهاب أن هذه القسم مما لم يجب تعلمه، وجميع ما ورد في الشريعة يجب تعلمه وتبليغه، من كل قرن لمن بعده، فعلى هذا تكونان مسألتين مختلفتين.
(مسألة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): قال معظم الأصوليين: الورع معتبر في أصل الإجماع ، وأن الفسقة إذا بلغوا مبلغ الاجتهاد فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم؛ فإنهم بفسقهم خارجون عن الفتوى؛ ولأن الفاسق غير مصدق فيما يقول.
قال: وفيه نظر؛ لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره، بل يلزمه أن يتبع اجتهاده، وليس له أن يقلد، فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه، واجتهاده يخالف اجتهاد من سواه، وإذا استحال انعقاد الإجماع عليه في حقه، استحال تبعيض حكمه، حتى يقال: انعقد الإجماع من وجه، ولم ينعقد من وجه.
стр. 2690
قال: فإن قيل: يصدق بينه وبين الله- تعالى- في حق نفسه دون غيره، فينقسم حاله، وينقسم الإجماع في حقه.
قال: قلنا: هذا محال؛ لأن الفاسق لا يقطع بصدقه ولا بكذبه، فهو كعالم في غيبته، فإذا تاب فهو كما لو أتى الغائب.
" مسألة"
قال إمام الحرمين في "البرهان": اختلف الأصوليون في الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة ؟ فقيل: لا، وهو من خصائص هذه الأمة.
وقيل: إجماع كل أمة حجة، ولم يزل ذلك في الملل.
وقال القاضي: لست أدري كيف كان الحال؟
قال الإمام: والذي أراه أن أهل الإجماع إن قطعوا بقولهم في كل أمة، فهو حجة؛ لاستناده إلى حجة قاطعة؛ لأن العادة لا تختلف في الأمم، وهذا أمر متلقى من جهة العادات، وإن كان المستند مظنونا، فالوجه التوقف كما قاله القاضي؛ لأنا لا ندرى هل الماضون كانوا يعينون من خالف الإجماع أم لا؟
قال الشيخ أبو إسحاق في "اللمع": الأكثرون على أن إجماع غير هذه الملة ليس بحجة، وقيل: حجة، وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
" مسألة"
قال الغزالي في "المستصفى" قال قوم: إجماع أهل الحرمين: "مكة" و"المدينة"، والمصرين: "الكوفة" و"البصرة" حجة ؛ لأن هذه البقاع جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد.
стр. 2691
" مسألة"
قال أبو يعلى الحنبلي في "العمدة": المجمع عليه إذا تقدر حاله جاز تركه ، قاله أحمد بن حنبل والحنفية خلافا لبعض الشافعية في قولهم: لا يجوز تركه إلا بإجماع آخر؛ كالمتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء، وما يجرى هذا المجرى من المسائل؛ لأن غير الإجماع قد يكون حجة، فيعتمد عليه.
احتجوا بأنه لو جاز ترك الإجماع بغير الإجماع لأدى ذلك إلى قيام الدلالة على خلاف الإجماع، وهو باطل.
جوابه: أنه تغيرت صفته، فليس هذا هو المجمع عليه، ولأن ما ذكروه متعذر، فلو لم يجز تركه بغير الإجماع بأجل الإجماع لامتنع تركه بالإجماع؛ فإن الإجماع على خلاف الإجماع مستحيل".
قلت: "الإجماع لا يجوز استصحابه"، وذكر نحو هذا.
" مسألة"
قال: القاضي عبد الوهاب المالكي، إذا استدل الإجماع بدليل، هل يجوز أن يستدل على ذلك الحكم بغيره ؟
منعه قوم؛ لأن ذلك الغير لو كان حقا لما جاز تركهم للاستدلال به.
قال: والحق أنه إن فهم منهم أن ما عداه ليس بدليل على ذلك الحكم، امتنع الاستدلال به، وإلا فلا يمتنع بمجرد استدلالهم؛ لأنه لا يجب عليهم ذكر ما يصلح للاستدلال، وهل يصح في كل دليل أن يجمعوا على أنه ليس
стр. 2692
بدليل؟ يفصل في ذلك، فإن كان مما يقبل النسخ، أو التخصيص صح إجماعهم على عدم دلالته، وإلا لم يصح؛ لأنه لا يقبل ذلك، فيكون إجماعهم خطأ.
وإذا قلنا: يجوز الاستدلال بغير ما استدلوا به، فيجوزا أن يستدل بعدة أدلة، وإن كانوا هم لم يستدلوا إلا بدليل واحد، وأن يستدل بدليل غير جنس دليلهم، ولا فرق بين الجنس الواحد، والجنسين، هذه هي الأدلة، فإن عللوا بعلة، فهل لنا أن نعلل بغيرها؟ لا يخلوا إما أن يكون الحكم عقليا أو شرعيا، فإن كان عقليا ل يجز بغير علتهم على أصولنا في أن الحكم العقلي لا يعلل بعلتين، بخلاف الاستدلال عليه بدليلين فأكثر، فإنه يجوز، وأما من جوز تعليله بعتلين جوز ذلك، وأما الحكم الشرعي فإن فرعنا على أنه لا يجوز تعليله بعلتين جوز ذلك، وأما الحكم الشرعي فإن فرعنا على أنه لا يجوز تعليله بعلتين أيضا، وإلا جاز بشرط إلا تنافى علتنا علتهم، لئلا يؤدى إلى خلافهم، وإن أجمعوا على المنع من التعليل بعلة، فهو كإجماعهم على المنع من دليل.
قال: واعلم أن من الذاهبين إلى جواز تعليل الحكم بعلتين من قال: إذا نص صاحب الشرع على علة، أو الإجماع لا يجوز التعليل بغيرها؛ لأن العدول عن العلة الثانية عدم اعتبارها، فعلى هذا المذهب لا يجوز التعليل بغير ما اعتلت به الصحابة.
قال: وهو ليس بشيء للروية في الدليل.
قال: والقول في طرف المعدوم في الاستدلال والاعتدال، والزيادة في ذلك على ما سلكته الصحابة، كالقول في أصل الاستدلال، وجواز الزيادة عليه.
***
стр. 2693
الكلام في الأخبار
قال الرازي: وهو مرتب على مقدمة وقسمين
أما المقدمة: ففيها مسائل:
المسألة الأولى: لفظ الخبر حقيقة في القول المخصوص، وقد يستعمل في غير القول ؛ كقول الشاعر [الطويل]:
تخبرني العينان ما القلب كاتم
وكقول المعري [الطويل]:
نبي من الغربان ليس على شرع .... يخبرنا أن الشعوب إلى الصدع
وكقولهم: خبر الغراب بكذا؛ لكنه مجاز فيه؛ بدليل أن من وف غيره بأنه مخبر، أو أخبر- لم يسبق إلى فهم السامع إلا القول.
"الكلام في الأخبار"
قال القرافي: قوله: "الخبر حقيقة في القول المخصوص، مجاز في غيره":
قلنا: الكلام وما يتعلق به من لفظ الخبر، والأمر، والنهي، والدعاء، والتصديق، والتكذيب، ونحو ذلك من أنواع الكلام للعلماء فيه ثلاثة مذاهب"
حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، حقيقة اللساني مجاز في النفساني، مشترك بينهما.
قال إمام الحرمين في "الإرشاد": وهو مذهب الجمهور، وكذلك أشار إليه المصنف في كتاب "اللغات"، وجعله المشهور.
стр. 2694
قال سيف الدين: الخبر يطلق على الإشارات الحالية، والدلائل المعنوية نحو:"عيناك تخبرني بكذا، والغراب يخبرني بكذا".
ومنه قول المتنبي [الطويل]:
وكم لظلام الليل عندك من يد .... تخبر أن المانوية تكذب
يشير إلى أن "المانوية" المنسوبين إلى "مانا" المخترع لمذهبهم يقولون: الخير من النور، والشر من الظلمة، والشاعر يشير إلى زيارة أحبابه، إنما تتأتى له في الظلام وتتعذر عليه بالنهار، وذلك يكذب المانوية كما قال في موضع آخر [البسيط]:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليه .... وأنثني وبياض الصبح يغرى بي
стр. 2695
قال: ويطلق على القول المخصوص، وهو مجاز في الأول حقيقة في الثاني، ثم القول المخصوص يطلق على الصيغة نحو: قام زيد، وعلى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة.
قال: والأشبه أنه حقيقة في الصيغة؛ لأنه المتبادر.
قال إمام الحرمين في "البرهان": "الخبر: صنف من الكلام القائم بالنفس عند معتقدي كلام النفس"، ولم يذكر في "البرهان" غير هذا، وهذه النقول تدلك على ما تقدم ذكره.
قوله [الطويل]:
نبي من الغربان ليس على شرع .... يخبرنا أن الشعوب على صدع
قلت: النبي هاهنا بمعنى المنبئ المخبر، وهو أحد القولين في اشتقاق اسم النبي من البشر.
فقيل: هو من النبأ الذي هو الخبر؛ لأن الله أنبأه.
وقيل: هو من النبوة التي هي الارتفاع؛ لأنه مرتفع القدر والمراد في بيت الشعر المخبر بكسر الباء، أي: هو يخبر بصياحه عن الفراق، فهو مجاز عن المخبر.
وقوله: "ليس على شرع" ليعرف أن لفظ النبي شأنه أن يكون صاحبه على شريعة، وهذا نبي ليس له شريعة.
وقوله: "الشعوب على صدع" يروي الشعوب بالباء، وهو الصحيح،
стр. 2696
وفي بعض نسخ "المحصول" بالراء، وهو تصحيف، وأكثر النسخ بصيغة على صدع بلفظ "علي"، وفي بعضها بلفظ "إلى"، وهو الأقل.
والمراد بالشعوب: الالتئام والاجتماع من قولك: شعبت القصعة إذا جمعت فلقتيها
والصدع: الفرقة، ومنه: انصدع الحائط إذا انشق، وافترقت أجزاؤه، ومنه سمي الفجر صديعا كأن الظلمة انشقت، وخرج ضوء النهار، فيصير المعنى يخبرنا الغراب أن الاجتماع على افتراق.
كما تقول: هو على الموت، وهو على سفر أي: قاربه، وهو أبلغ في قرب الفرقة من لفظ "إلى"؛ لأنها تشعر بأن الاجتماع آيل إلى فرقة، ولا تشعر بقرب الفرقة.
" فائدة"
يقول أرباب علم البيان عن هذه المجازات: إخبار بلسان الحال، ويجعلونه قسيما للإخبار عن لسان المقال ، ويعدون منه قول العرب:"امتلأ الحوض، وقال: قطني" أي: كفاني،: واشتكى جملي طول السري، وفي القرآن الكريم منه مواضع كثيرة.
***
стр. 2697
المسألة الثانية
قال الرازي: ذكروا في حده أمورا ثلاثة:
أحدها: أنه الذي يدخله الصدق، أو الكذب.
وثانيها: أنه الذي يحتمل التصديق، أو التكذيب.
وثالثها: ما ذكره أبو الحسين البصري، وهو أنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور، إلى أمر من الأمور نفيا، أو إثباتا.
قال: واحترزنا بقولنا: "بنفسه" عن الأمر؛ فإنه يفيد وجوب الفعل، لكن لا بنفسه؛ لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل، والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر، ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا؛ تبعا لذلك.
وكذا القول في دلالة النهي على قبح الفعل، فأما قولنا: "هذا الفعل واجب، أو قبيح": فإنه يفيد بصريحه تعلق الوجوب، أو القبح بالفعل.
واعلم أن هذه التعريفات ردية.
أما الأول: فلأن الصدق والكذب نوعان تحت الخبر، والجنس جزء من ماهية النوع وأعرف منها، فإذن: لا يمكن تعريف الصدق والكذب، إلا بالخبر، فلو عرفنا الخبر بهما، لزم الدور.
واعترضوا عليه أيضا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كلمة "أو" للترديد، وهو ينافى التعريف، ولا يمكن إسقاطها هاهنا؛ لأن الخبر الواحد لا يكون صدقا وكذبا معا.
стр. 2698
وثانيها: أن كلام الله، ، لا يدخله الكذب، فكان خارجا عن هذا التعريف.
وثالثها: أن من قال: "محمد ومسيلمة صادقان" فإن هذا خبر، مع انه ليس بصدق، ولا كذب.
ويمكن أن يجاب عن الأول: بأن المعرف لماهية الخبر أمر واحد، وهو إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه، وذلك لا ترديد فيه.
وعن الثاني: أن المعتبر إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه، وخبر الله تعالى كذلك؛ لأنه صدق.
وعن الثالث: أن قوله: "محمد ومسيلمة صادقان" خبران، وإن كانا في اللفظ خبرا واحدا؛ لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد، ﵊، وإلى مسيلمة، وأحد الخبرين صادق، والثاني كاذب.
سلمنا أنه خبر واحد، لكنه كاذب؛ لأنه يقتضى إضافة إليها معا، وليس الأمر كذلك؛ فكان كذبا لا محالة.
وأما التعريف الثاني فالاعتراض عليه: أن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقا وكذبا، فقولنا: "الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب" جار مجرى أن يقال: "الخبر: هو الذي يجوز الإخبار عنه بأنه صدق، أو كذب، فيكون هذا تعريفا للخير بالخير، وبالصدق والكذب.
والأول: هو تعريف الشيء بنفسه.
والثاني: تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به.
стр. 2699
وأما الثالث فالاعتراض عليه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن وجود الشيء عند أبي الحسين عين ذاته؛ فإذا قلنا: "إن السواد موجود" فهو خبر، مع أنه إضافة شيء إلى شيء آخر.
فإن قلت: السؤال إنما يلزم أن لو قال: "إضافة أمر إلى أمر آخر" وإنه لم يقل ذلك، بل قال: "إضافة أمر إلى أمر" وهذا اعم من قولنا: "إضافة أمر إلى أمر آخر".
وأيضا: فقولنا:"السواد موجود" معناه: أن المسمى بلفظ "السواد" مسمى بلفظ "الموجود".
قلت: الجواب عن الأول: أن الإضافة مشعرة بالتغاير؛ إذ لو لم يكن ذلك معتبرا، لدخل اللفظ المفرد في الحد.
وعن الثاني: أن موضع الإلزام ليس هو الإخبار عن التسمية، بل عن وجوده وحصوله في نفسه، ومعلوم أن من تصور ماهية المثلث، أمكنه أن يشك في أنه، هل هو موجود أم لا؟ فموضع الإلزام هاهنا، لا هناك.
وثانيها: أنا إذا قلنا: "الحيوان الناطق يمشي" فقولنا: "الحيوان الناطق" يقتضى نسبة الناطق إلى الحيوان، مع أنه ليس بخبر؛ لأن الفرق بين النعت والخبر معلوم بالضرورة.
فإن قلت: أزيد في الحد قيدا آخر؛ فأقول: "إنه الذي يقتضى نسبة أمر؛ إلى أمر بحيث يتم معنى الكلام" والنعت ليس كذلك.
قلت: إن عنيتم بكون الكلام تاما: إفادته لمفهومه، فذاك حاصل في النعت مع المنعوت؛ لأن قول القائل: "الحيوان الناطق" يفيد معناه بتمامه.
стр. 2700
وإن عنيتم به: إفادته لتمام الخبر، لم يعقل ذلك، إلا بعد تعقل الخبر، فإذا عرفتم به الخبر لزم، الدور، وإن عنيتم به معنى ثالثا، فاذكروه.
وثالثها: أن قولنا: "نفيا وإثباتا" يقتضى الدور؛ لأن النفي: هو الإخبار عن عدم الشيء، والإثبات: هو الإخبار عن وجوده، فتعريف الخبر بهما دور.
وإذا بطلت هذه التعريفات، فالحق عندنا أن تصور ماهية الخبر عني عن الحد والرسم؛ لدليلين:
الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة معنى قولنا: "إنه موجود، وإنه ليس بمعدوم، وإن الشيء الواحد لا يكون موجودا، ومعدوما، ومطلق الخبر جزء من الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء" فلو كان تصور مطلق ماهية الخبر موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك؛ فكان يجب ألا يكون فهم هذه الأخبار ضروريا، ولما لم يكن كذلك، علمنا صحة ما ذكرناه.
والثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر، ويميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر؛ ولولا أن هذه الحقائق متصورة تصورا بديهيا، وإلا لم يكن الأمر كذلك.
فإن قلت: الخبر نوع من أنواع الألفاظ، والألفاظ ليست تصوراتها بديهية، فكيف قلت: إن ماهية الخبر متصورة تصورا بديهيا؟
قلت: حكم الذهن بين أمرين؛ بأن أحدهما له الآخر، أو ليس له الآخر، معقول واحد، لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وكل أحد يدركه من نفسه، ويجد التفرقة بينه وبين سائر أحواله النفسانية مع ألمه، ولذته، وجوعه، وعطشه.
следующие страницы →