Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وغيره، وإذا تصور حصول العلم بخبر الواحد في صورة جاز حصوله بالأربعة في عدة من الصور، فلا يحتاج الحاكم للتزكية.
قوله: (يشترط في الشهادة اجتماع المخبرين عند الشهادة):
قلنا: لا نسلم هذا الشرط؛ فإن المالكية لا تشترط اجتماع الشهود إلا في مسألتين: السرقة، والزنا.
قوله: (لو لم يحصل العلم بصدق الخمسة لحصل العلم بكذبهم):
стр. 2767
قلنا: لا نسلم أنه يلزم حصول العلم بالكذب، بل يحصل الشك في الصدق والكذب، أو ظن الصدق، وهو الغالب.
أما هذه الملازمة فممنوعة.
المسألة السابعة
في عدد التواتر
قوله: (منهم من اعتبر الاثنى عشر):
قلت: حاصل هذه المسألة يرجع إلى جزء واحد، وهو أن كل طائفة عمدت إلى طائفة نسب الله- تعالى- إليها مزية حسنة، فجعلت هذه المزية سبب كون قولهم: يفيد العلم، وهذا باطل؛ فإنه لا يلزم من حصول مزية معينة حصول غيرها، وأين إفادة العلم من كونهم نقباء لموسى- ﵇ أو غير ذلك؟.
قال سيف الدين: ومنهم من اعتبر الخمسة؛ لأن ما دونها يشترط تزكيته.
وقال أبو الخطاب الحنبلي في كتاب (التمهيد): منهم من اعتبر الاثنين كالشهادة، وقيل: أربعة أعلى مراتب الشهادة.
قوله: (وثانيها: العشرون لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ بالأنفال: ٦٥].
قلنا: أما الاثنى عشر وغيرها كما ذكر، فخصوصيات تلك الأعداد قصدت، فأمكن أن يقال ذلك الخصوص، كما ارتبطت به تلك المزية ارتبط به حصول العلم.
وأما العشرون في الجهاد، فخصوصها غير مقصود، بل المقصود وجوب
стр. 2768
وقوف الواحد للاثنين، قل المؤمنون أو كثروا، فالعشرون لم تقصد في خصوصها؛ بخلاف اختيار موسى- ﵇ سبعين؛ لم ينتشر الاختيار في الزيادة على السبعين، وأما هاهنا، فلا فرق بين مائة ألف، وبين رجلين في هذا الحكم المقصود هاهنا.
وقوله: (إنما خصهم بالجهاد، لأنهم يفيد خبرهم العلم) ممنوع، بل لا فرق بينهم وبين الرجلين في ذلك.
قوله: (ويعبر عن ذلك باستواء الطرفين والواسطة).
قلنا: التواتر أربعة أقسام: طرف فقط، كما إذا كان المخبرون لنا هم الشاهدين وطرفان فقط، إذا كان المخبرون لنا يخبرون عن المشاهدين، وطرفان ووسط إذا كان المخبرون لنا يخبرون عن طائفة أخبرتهم عن المشاهدين، وطرفان ووسائط إذا كثرت الفرق بين المخبرين والمشاهدين، وإذا تطاولت القرون كتواتر القرآن عندنا، وبيننا وبين الصحابة وسائط، فليس كل تواتر يشترط فيه استواء الطرفين والواسطة، بل القسمان الآخران فقط.
قوله: (ألا يكونوا على دين واحد، اعتبره اليهود).
تقريره: أنهم قالوا: إنما نازع المسلمون في تواتر السبت وغيره؛ لأنهم أهل دين واحد، فحصلت العصبية، أما إذا اختلفت الأديان بطلت العصبية، لعدم ضابط يجمعهم.
قال سيف الدين: واشترط بعضهم أن يكونوا مسلمين عدولا؛ لأن من عداهم عرضة للكذب، واشترط بعضهم ألا يكونوا مكرهين بالسيف على الإخبار بالصدق؛ لأن الإكراه يخل بالعلم لمخبرهم.
واشترطت الشيعة مع ابن الرواندي وجود المعصوم.
стр. 2769
واشترط اليهود أن يكون مشتملين على أخبار أهل الذلة والمسكنة؛ لأن خوفهم من المؤاخذة على الكذب لضعفهم يمنعهم من الكذب.
قال المازري في (شرح البرهان): قال ابن عبد الرحمن صاحب العلاف: أقل عدد التواتر خمسة معصومون من الأولياء مع سادس غير معصوم حتى لا يتميزوا الناس منه.
(فرع)
قال سيف الدين: قال القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري: كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة كشخص، لابد وأن يكون مفيدا للعلم في غير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص ؛ بناء على أن موجب العلم نفس الخبر فقط، وهو ممنوع، بل لابد من القرائن.
(تنبيه)
قال التبريزي: لا يعتبر عدد مخصوص، بل التأثير للقرائن التي لا سبيل إلى ضبطها ، وقال في عدد بيعة الرضوان: ألف وسبعمائة. قال: وكلام القاضي في الأربعة لا يفيد العلم، واحتياجهم للتزكية على أصله في أن القرائن غير معتبرة.
(فائدة)
قال سيف الدين: الشرائط المتفق عليها [منها] ما يرجع إلى المخبرين، وهي أربعة: العدد المستحيل تواطؤهم على الكذب، وأن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانين، وأن يكون مستندهم الحس لا الدليل العقلي، واستواء الطرفين والواسطة في هذه الشروط.
стр. 2770
ومنها ما يرجع إلى المستمعين، وهي إسناد ألا يكونوا عالمين بالمخبر عنه قبل ذلك، لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
ومن قال: العلم بخبر الواحد نظري، اشترط تقدم العلم بهذه الأمور على حصول العلم بخبر التواتر.
قال إمام الحرمين في (البرهان): لا يكفي أن يكون المستند لهم العقلي النظري؛ لأن النظر مضطرب العقول، ولهذا يقع الخلاف نفيا وإثباتا، ولا يحيط بجميع وجوه النظر عاقل، والعقلاء تختلف أطوارهم في النظر، ولذلك ينقسمون ويتحزبون أحزابا لاختلاف القرائح وأعراض القواطع قبل استكمال النظر، وقيد طوائف من الأصوليين التواتر بأن يكون مستنده حسيا، ولا معنى لهذا التقيد؛ فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري، وقد يحصل عن الحسن، أو عن قرائن الأحوال، ولا أثر للحسن فيها؛ لأنه لا يميز بين احمرار الخجل ولا اصفرار الخائف من غيره، بل ذلك بالعقل، ووافق الغزالي الإمام على عدم تعين الحسن مدركا.
المسألة الثامنة
خبر التواتر المعنوي
قلت: التواتر المعنوي ضابطه تغاير الألفاظ مع الاشتراك في معنى كلي، والتواتر اللفظي اشتراكهم في اللفظ.
* * *
стр. 2771
الباب الثاني
قال الرازي: فيما عدا التواتر؛ من الطرق الدالة على كون الخبر صدقًا: القول في الطرق الصحيحة، وهى ثمانية:
الأول: الخبر الذي عرف وجود مخبره بالضرورة.
الثاني: الخبر الذي عرف وجود مخبره بالاستدلال.
الثالث: خبر الله- تعالي- صدق، باتفاق أرباب الملل والأديان، ولكنهم اختلفوا في الدلالة عليه؛ بحسب اختلافهم في مسألتي الحسن والقبح والمخلوق، أما أصحابنا، فقد قال الغزالي- ﵀: يدل عليه دليلان: أقواهما: إخبار الرسول ﷺ عن امتناع الكذب على الله- تعالى- والثاني: أن كلامه- تعالى- قائم بذاته، ويستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل؛ إذا الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل على الله تعالى محال.
ولقائل أن يتعرض على الأول: بأن العلم بصدق الرسول موقوف على دلالة المعجزة على صدقه ﷺ ، وذلك إنما كان؛ لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول.
وإذا كان صدق الرسول ﷺ مستفادًا من تصديق الله تعالى إياه، وذلك إنما يدل أن لو ثبت أن الله صادق؛ إذا لو جاز الكذب عليه، لم يلزم من تصديقه للنبي ﷺ كونه صادقًا.
فإذن: العلم بصدق الرسول ﷺ موقوف على العلم بصدق الله تعالى، فلو استفدنا العلم بصدق الله تعالى من صدق الرسول ﷺ ، للزم الدور.
стр. 2772
فإن قلت: لا نسلم أن دلالة تصديق الله تعالى للرسول على كونه صادقًا يتوقف على العلم بكون الله تعالى صادقًا؛ لأن قوله للشخص المعين: (أنت رسولي) جار مجرى قول الرجل لغيره: (أنت وكيلي) فإن هذه الصيغة، وإن كانت إخبارًا في الأصل؛ لكنها إنشاء في المعنى، والإنشاء لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب.
وإذا كان كذلك، فقول الله تعالى للرجل المعين: (أنت رسولي) يدل على رسالته، سواء قدر أن الله تعالى صادق، أو لم يقدر ذلك. وعلى هذا ينقطع الدور.
قلت: هب أن قوله في حق الرسول المعين: (إنه رسولي) إنشاء ليس يحتمل الصدق والكذب؛ لكن الإنشاء تأثيره في الأحكام الوضعية، لا في الأمور الحقيقة، وإذا كان كذلك، لم يلزم من قول الله تعالى له: (أنت رسولي) أن يكون الرسول صادقًا في كل ما يقول؛ لأن كون ذلك الرجل صادقًا أمر حقيقي، والأمور الحقيقة لا تختلف باختلاف الجعل الشرعي.
فإذن: لا طريق إلى معرفة كون الرسول صادقًا فيما يخبر عنه، إلا من قبل كون الله تعالى صادقًا؛ وحينئذ يلزم الدور.
وعلى الثاني: أن البحث في أصول الفقه غير متعلق بالكلام القائم بذات الله تعالى، الذي ليس بحرف، ولا صوت، بل عن الكلام المسموع الذي هو الأصوات المقطعة؛ وإذا كان كذلك، لم يلزم من كون الكلام القائم بذاته تعالى صدقًا- كون هذا المسموع صدقًا؛ فعلمنا أن هذه الحجة مغالطة.
стр. 2773
وأيضًا: يقال: لم قلت: إن الكلام القائم بذاته تعالى صدق؟
قوله: (لأنه تعالى ليس بجاهل, ومن لا يكون جاهلًا، استحال أن يخبر بالكلام النفساني خبرًا كاذبًا):
قلنا: هذه القضية غير بديهية؛ فما البرهان؟
وأما المعتزلة, فهم ظنوا: أن هذا البحث ظاهر على قواعدهم؛ فقالوا: (الكذب قبيح, والله تعالى لا يفعل القبيح):
والاعتراض أن نقول: إن البحث عن أن الله تعالى لا يصح علية الكذب يجب أن يكون مسبوقًا بالبحث عن ماهية الكذب؛ لأن التصديق مسبوق بالتصور؛ فنقول: إما أن يكون المراد من الكذب الكلام الذي لا يكون مطابقًا للمخبر عنه في الظاهر، سواء كان بحيث لو أضمر فيه زيادة، أو نقصان، أو تغيير، صح.
وإما أن يكون المراد منه الكلام الذي لا يكون مطابقًا للمخبر عنه في الظاهر، ولا يمكن أن يضمر فيه ما عنده يصير مطابقًا.
فإن أردتم بالكذب: المعنى الأول، لم يمكنكم أن تحكموا بقبحه، وبأنه لا يجوز ذلك على الله تعالى؛ لأن أكثر العمومات في كتاب الله مخصوص، وإذا كان كذلك، لم يكن ظاهر العموم مطابقًا للمخبر عنه.
وكذا الحذف والإضمار واقعان باتفاق أهل الإسلام في كتاب الله تعالى حتى إنه حاصل في أوله؛ فإن الناس اختلفوا في معنى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فمنهم من قدم المضمر، وهو الأمر، أو الخبر، ومنهم من أخره، وكذا ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قالوا: معناه: قولوا: (الحمد لله)، فالإضمار متفق عليه.
стр. 2774
ولأن المعتزلة اتفقوا على حسن المعاريض؛ على أنه لا معنى لها إلا الخبر الذي يكون ظاهره كذبًا، ولكنه عند إضمار شرط خاص، وقيد خاص يكون صدقًا، وإذا كان كذلك، ثبت أنه لا يمكن تفسير الكذب الممتنع على الله تعالى بالوجه الأول.
وأما التفسير الثاني: فنقول: نسلم أنه قبيح بتقدير الوقوع، ولكنه غير ممكن الوجود؛ لأنه لا خبر يفرض كونه كذبًا إلا، وهو بحال متى أضمرنا فيه زيادة، أو نقصانًا، صار صدقًا، وعلى هذا التقدير، يرفع الأمان عن جميع ظواهر الكتاب والسنة.
فإن قلت: (لو كان مراد الله غير ظواهرها، لوجب أن يبينها، وإلا كان ذلك تلبيسًا؛ وهو غير جائز.
ولأنا لو جوزنا ذلك، لم يكن في كلام الله تعالى فائدة، فيكون عبثًا؛ وهو غير جائز):
قلت: الجواب عن الأول: ما الذي تريد بكونه تلبيسًا؟
إن عنيت به: أنه تعالى فعل فعلًا لا يحتمل إلا التجهيل والتلبيس، فهذا غير لازم؛ لأنه تعالى، لما قرر في عقول المكلفين: أن اللفظ المطلق جائز أن يذكر، ويراد به المقيد بقيد غير مذكور معه، ثم أكد ذلك بأن بين للمكلف وقوع ذلك في أكثر الآيات والأخبار؛ فلو قطع المكلف بمقتضى الظاهر، كان وقوع المكلف في ذلك الجهل من قبل نفسه، لا من قبل الله تعالى؛ حيث قطع، لا في موضع القطع، وهذا كما يقال في إنزال المتشابهات؛ فإنها، وإن كانت موهمة للجهل،
стр. 2775
إلا أنها لما لم تكن متعينًة لظواهرها، بل كان فيها احتمال لغير تلك الظواهر الباطلة، لا جرم كان القطع بذلك تقصيرًا من المكلف، لا تلبيسًا من الله تعالى.
وعن الثاني: أنا لو ساعدنا على أنه لابد لله تعالى في كل فعل من غرض معين؛ لكن لم قلت: إنه لا غرض من تلك الظواهر، إلا فهم معانيها الظاهرة؟ أليس أنه ليس الغرض من إنزال المتشابهات فهم ظواهرها؛ بل الغرض من إنزالها أمور أخرى؛ فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟
فإن قلت: (جواز إنزال المتشابهات مشروط بأن يكون الدليل قائمًا على امتناع ما أشعر به ظاهر اللفظ، فما لم يتحقق هذا الشرط، لم يكن إنزال المتشابهات جائزًا):
قلت: لا شك أن إنزال المتشابه غير مشروط بأن يكون الدليل المبطل للظاهر معلومًا للسامع، بل هو مشروط بأن يكون ذلك الدليل موجودًا في نفسه، سواء علمه السامع لذلك المتشابه، أو لم يعلمه.
وإذا كان كذلك، فما لم يعلم السامع أنه ليس في نفس الأمر دليل مبطل لذلك الظاهر، لا يمكنه إجراؤه على ظاهره.
ثم لا يكفي في العلم بعدم الدليل العقلي المبطل للظاهر- عدم العلم بهذا الدليل المبطل؛ لأنا بينا في الكتب الكلامية: أنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء العلم بعدم الشيء.
إذا كان كذلك، فلا ظاهر نسمعه إلا ويجوز أن يكون هناك دليل عقلي، أو نقلى يمنع من حمله على ظاهره، وإذا كان هذا التجويز قائمًا، لم يقع الوثوق بشيء من الظواهر؛ على مذهب المعتزلة ألبتة.
стр. 2776
ولما بينا ضعف هذه الطرق، فالذي نعول علية في المسألة: أن الصادق أكمل من الكاذب، والعلم به ضروري، فلو كان الله- تعالى جده، وتقدست أسماؤه- كاذبًا، لكان الواحد منا حال كونه صادقًا أكمل وأفضل من الله تعالى، وذلك معلوم البطلان بالضرورة؛ فوجب القطع بكون الله تعالى صادقًا، وهو المطلوب.
الرابع: خبر الرسول ﷺ ، قال الغزالي، ﵀: دليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه، مع استحالة ظهور على يد الكذابين؛ لأن ذلك لو كان ممكنًا، لعجز الله تعالى عن تصديق رسله.
ولقائل أن يقول: إذا كان يلزم من اقتدار الله تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب- عجزه تعالى عن تصديق الرسول- فكذا يلزم من الحكم بعدم اقتداره عليه- عجزه؛ فلم كان نفى أحد العجزين عنه أولى من الآخر؟.
وأيضًا: إذا فرضنا أن الله تعالى قادر على إقامة المعجزة على يد الكاذب، فمع هذا الفرض: إما أن يكون تصديق الرسول ممكنًا، أو لا يكون: فإن أمكن، بطل قوله: إنه يلزم من قدرة الله تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب- عجزه عن تصديق الرسول.
وإن لم يكن ذلك ممكنًا، لم يلزم العجز؛ لأن العجز إنما يتحقق عما يصح أن يكون مقدورًا في نفسه؛ ألا ترى أن الله لا يوصف بالعجز عن خلق نفسه.
وأيضًا: فإذا استحال يقدر الله تعالى على تصديق رسله، إلا إذا استحال منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، وجب أن ينظر أولًا: أن ذلك، هل هو محال، أم لا؟ وألا يستدل باقتداره على تصديق الرسل على عدم قدرته على إظهاره على يد الكاذب؛ لأن ذلك تصحيح الأصل بالفرع؛ وهو دور.
стр. 2777
وأيضًا: إذا تأملنا، علمنا أن ذلك غير ممتنع؛ لأن قلب العصا حية، لما كان مقدورًا لله تعالى وممكنًا في نفسه، لم يقبح من الله تعالى فعله في شيء من الأوقات، وبشيء من الجهات؛ فبأن قال زيد كاذبًا: (أنا رسول الله) يستحيل أن ينقلب الممكن ممتنعًا، والمقدور معجوزًا.
سلمنا ذلك؛ لكن المعجز يدل على كونه صادقًا في ادعاء الرسالة فقط، أو على صدقه في كل ما أخبر عنه؟!.
الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أن الرجل إذا أدعى الرسالة، وأقام المعجز، كان المعجز دالا على صدقه فيما ادعاه، وهو كونه رسولًا، لا على صدقه في غير ما ادعاه، فإن الرسول ما ادعى كونه صادقًا في جميع الأمور، أو لا يعلم أنه أدعى الصدق في كل الأمور.
فإذن هذا المطلوب لا يتم إلا بإقامة الدلالة على أنه ادعى كونه صادقًا في جميع ما يخبر عنه، ثم أقام المعجزة عليه، وذلك لا يكفي فيه قيام المعجز على ادعاء الرسالة، وكيف، والعلماء اختلفوا في جواز الصغائر على الأنبياء، بل جوز بعضهم الكبائر عليهم، واتفقوا على جواز السهو والنسيان؟!.
بل الصواب أن يقال: إن ظهر المعجز عقيب ادعاء الصدق في كل ما يخبر عنه، وجب الجزم بتصديقه في الكل؛ وإلا ففي القدر المدعى فقط.
الخامس: خبر كل الأمة عن الشيء يجب أن يكون صدقًا؛ لقيام الدلالة على أن الإجماع حجة.
стр. 2778
السادس: خبر الجمع العظيم عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة لا يجوز أن يكون كذبًا.
وأيضًا: الجمع العظيم البالغ إلى حد التواتر، إذا أخبر واحد منهم عن شيء غير ما أخبر عنه صاحبه، فلا بد، وأن يقع فيها ما يكون صدقًا، ولذلك نقطع بأن الأخبار المروية عنه ﷺ على سبيل الآحاد- ما هو قوله، وإن كنا لا نعرف ذلك بعينه.
السابع: اختلفوا في أن القرائن، هل تدل على صدق الخبر أم لا؟ فذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي إليه، والباقون أنكروه.
احتج المنكرون بأمور:
أولها: أن الخبر مع القرائن التي يذكرها النظام، لو أفاد العلم، لما جاز انكشافه عن الباطل، لكن قد ينكشف عنه؛ لأنا قد علمنا أن الخبر عن موت إنسان مع القرائن التي يذكرها النظام من البكاء عليه، والصراخ، وإحضار الجنازة والأكفان، قد ينكشف عن الباطل؛ فيقال: (إنه أغمى عليه، أو لحقته سكتة، أو أظهر ذلك؛ ليعتقد السلطان موته، فلا يقتله).
فثبت أن هذه القرائن لا تفيد العلم.
الثاني: لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم، لجاز ألا يقع العلم عند خبر التواتر؛ لعدم تلك القرائن؛ ولما لم يجز ذلك، بطل قوله.
الثالث: لو وجب العلم عند خبر واحد، لوجب ذلك عند خبر كل واحدٍ، كما أن الخبر المتواتر، لما اقتضاه في موضعٍ، اقتضاه في كل موضعٍ.
стр. 2779
والجواب عن الأول: أن الذي ذكرتموه لا يدل إلا على أن ذلك القدر من القرائن لا يفيد العلم، ولا يلزم منه ألا يحصل العلم بشيء من القرائن؛ لأن القدح في صورة خاصة لا يقتضي القدح في كل الصور.
وعن الثاني: أن النظام يلتزم، ويقول: خبر التواتر ما لم تحصل فيه القرائن؛ لم يفد العلم، ومن تلك القرائن أن يعلم أنه ما جمعهم جامع؛ من رغبةٍ، أو رهبةٍ، أو التباسٍ.
سلمنا ذلك؛ لكن لا يلزم من قولنا: (القرائن تفيد العلم) قولنا: (إنها هي المفيدة) وبتقدير أن تكون هي المفيدة؛ فلم قلت: يجوز انفكاك خبر التواتر عنها؟!.
وعن الثالث: أن خبر الواحد إنما يفيد العلم، لا لذاته فقط؛ بل بمجموع القرائن؛ فمتى حصل ذلك المجموع، مع أي خبرٍ كان، أفاد العلم.
وأيضًا: فالعلم الحاصل عقيب خبر التواتر عندكم حاصل بالعادة؛ فيجوز أيضًا أن يكون حصوله عقيب القرائن بالعادة، وإذا كان كذلك، جاز أن تكون هذه العادة مختلفة، وإن كانت مطردة في التواتر.
والمختار: أن القرينة قد تفيد العلم، إلا القرائن؛ لا تفي العبارات بوصفها؛ فقد تحصل أمور يعلم بالضرورة عند العلم بها كون الشخص خجلًا، أو وجلًا، مع أنا لو حاولنا التعبير عن جميع تلك الأمور، لعجزنا عنه، والإنسان إذا أخبر عن كونه عطشان، فقد يظهر على وجهه ولسانه من أمارات العطش ما يفيد بكونه صادقًا، والمريض إذا أخبر عن ألمٍ في بعض أعضائه، مع أنه يصيح،
стр. 2780
وترى عليه علامات ذلك الألم، ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج، لو لم يكن المريض صادقًا في قوله، لكان ذلك العلاج قاتلًا له، فهاهنا يحصل العلم بصدقه.
وبالجملة: فكل من استقرأ العُرف، عرف أن مستند اليقين في الأخبار، ليس إلا القرائن؛ فثبت أن الذي قاله النظام حق.
(الباب الثاني)
في غير التواتر الدال على الصدق مثال، الضروري الإخبار
مثال الاستدلال الإخبار عن كون العالم حادثًا
قال القرافي: قوله: اختلف أرباب الملل في الاستدلال على حسب اختلافهم في مسألتي الحسن والقبح والمخلوق):
تقريره: (أن الكلام هاهنا إنما هو في الكلام اللساني لا في النفساني، واختلف الناس في لفظ القرآن هل هو مخلوق أم لا؟ وفي الحسن والقبح العقليين، فمن قال بهما قال: الكذب قبيح، لما فيه من الإبهام والتضليل عن المصالح.
ومن قال: إن الله- تعالى- له هداية الخلق أجمعين، وإضلالهم أجمعين لا يسأل عما يفعل- وهو مذهبنا- جوز أن يخلق أصواتًا في بعض مخلوقاته غير مطابقة، فيخلق في بعض الأحساب النطق بقول تلك الحيثية: الواحد نصف العشرة، ولفظ القرآن كله مخلوق في جبريل- ﵇ عندنا، ولا امتناع في خلق الكذب؛ فإن كل كذب في العالم عندنا مخلوق الله- تعالى- لأنه الخالق لكل شيء. هذا وجه التفريع على القبح العقلي، وأما المخلوق، فالمراد أن لفظ القرآن مخلوق أم لا؟ فمن قال إن: لفظ القرآن صفة ذاته، كما مذهب الحشوية وجماعة منهم، استحال فيه الكذب.
стр. 2781
ومن قال: إنه ليس صفة ذاته؛ بل مخلوق في عباده جوز بالتفسير المتقدم، وكل من جوز ذلك لعدم قوله بالقبح، أو لاعتقاده أن لفظ القرآن مخلوق في الخلق، قال بالاستحالة لوجه آخر، وهو قرائن السياق، وتكرر الآيات وأمور حالية ومقالية أفادت القطع بأن المراد بالخبر ما يطابقه، ولهذا قال: كلام الله- تعالى- صدق باتفاق أهل الملل، مع أن الخلاف بينهم في القبح والمخلوق، فقد اتفقوا على المقصد، واختلفوا في المدرك الدال على ذلك.
قوله: (يستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل الجهل عليه).
تقريره: أن الله- تعالى- بكل شيء عليم، وتقرر في أصول الدين أن كل عالم يخبر عن معلومه، وذلك في غاية الظهور في العلوم التصديقية؛ لأنا إذا حكمنا أن العالم حادث، فلا بد أن يقوم بنفوسنا إسناد الحدوث إلى العالم، والإسناد خبر، فنحن مخبرون؛ لأنا عالمون.
وأما في العلوم التصويرية فإنا إذا تصورنا حقيقية العالم، فلا بد أن نعلم أنا متصورون للعالم، أو يجوز علينا أن نعلم ذلك، والجائز في حق الله- تعالى- ذاته واجب الوقوع له، فيجب أن يعلم أن الله- تعالى- عالم بحقيقة العالم، وهذا تصديق، فقد تقدم تقرير لزوم الخبر له، فعلمنا أن الخبر لازم لمطلق العلم في حق الله- تعالى- كان العلم علمًا بالمفردات، أو بالتصديقات، فظهر وجوب قيام الصدق بذات الله- تعالى- على وفق العلم، فلو فرضنا ضده به إما أن يكون العلم بخلافه، فيلزم اجتماع الضدين وهو محال، أو لا مع العلم، فيلزم الجهل، وهو محال.
قوله: (المعجز في حق الرسول- ﵇ قائم مقام التصديق).
تقريره: أن العلماء اختلفوا في المعجزة هل هي قائمة مقام التصديق، أو تدل على الصدق فقط لا على تصديق غيره؟ وتقريره بالمثال الذي ذكروه أن الملك العظيم الجلالة والأبهة والعظمة إذا قام أحد في مجلسه بمحضر رعيته،
стр. 2782
وقال: أيها الملك إني قلت لهذه الرعية: إني رسولك إليهم، فطلبوا مني دليلًا على صدقي في ذلك، وأنا أسألك أن تخالف عادتك، وتضع تاجك عن رأسك، أو تتحرك بحركة لم يجر عادتك بها، ففعل الملك ذلك عند سماع قوله، والرعية تعلم أنه سمعه في دعواه الرسالة عليه، وسؤاله ذلك منه، فإن الرعية عقيب ذلك الفعل يحصل لها العلم الضروري، بل الملك إنما فعل ذلك لإجابة دعوته، وأنه صدقه في دعواه عليه، فقد قام فعله مقام قوله: (صدق هذا في دعواه)، فهذا وجه قيام المعجزة مقام التصديق، أن الخارق قرينة تفيد في مجرى العادة القطع بصدق الرسول، وأنه لو لم يكن صادقًا لما خرق العوائد مضافًا إلى قرائن الأحوال من سجاياه الكريمة، وفرط ميله إلى الصدق بطبعه، وفرط نفوره من الكذب، وزهده في الدنيا، وبعده عن طلب الرئاسة إلى غير ذلك من القرائن الحالية التي هي وحدها تفيد العلم بصدقه، ولذلك لم يحتج الصديق- ﵁ في إيمانه غيرها، فقال له: أبعثت؟ فقال: نعم. قال: صدقت؛ لعلمه بأنه بالضرورة لا يقول إلا حقًا، وبهذه القرائن يحصل الفرق بين النبي والساحر وغيره، والقرينة قد تدل على صدق القائل، وإن لم تدل على تصديق غيره له، فإن من ادعى أنه تقدم له مرض، ورأيناه اشتد هزاله واصفراره، وضعف قواه إلى غير ذلك من هذه القرائن المفيدة للعلم قطعنا بصدقه، وإن لم يصدقه غيره، فعلمنا أن القرينة قد تفيد الصدق دون التصديق، ولما كان التصديق هو الإخبار عن الصدق توقف على كون المصدق لغيره متكلمًا، فلا يلزم الدور الذي قال: إنه يلزم من الاستدلال بالنبوة على صدق الرسل الدور، وأما الصدق فلا يلزم منه الدور؛ لأنه يثبت، سواء فرض المدعى عليه الرسالة متكلمًا صادقًا أم لا.
فإن قلت: الرسالة لا تكون إلا كلامًا، فغير المتكلم لا تتأتى منه الرسالة، فالصدق حينئذ يتوقف على الكلام على التقديرين، فيلزم الدور على التقديرين.
стр. 2783
قلت: الرسالة تتوقف على الكلام، والدور إنما لزم من توقف الرسالة على صدق المرسل لا على كونه متكلمًا، والرسالة قد تكون أوامر ونواهي، فلا يدخلها الصدق والكذب؛ لأنهما من خصائص الأخبار، ولو فرض المرسل لشخص ما أرسله بأخبارات كاذبة صحت الرسالة، وصدق الرسول، وإن كان مرسله غير صادق، فعلمنا أن الدور إنما يكون من توقف صدق المرسل على صدق الرسول وبالعكس، أما من توقف الرسالة والصدق فيها على الكلام فلا.
قوله: (الرسالة تقوم مقام قول القائل: أنت وكيلي، وهذا إنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب).
تقريره: أن قوله: (أنت وكيلي) كقوله: بعت واشتريت، فكما أن بعت واشتريت لا يقبل التصديق، فكذلك أنت وكيلي، وقد تقدم الفرق بين الإخبار والإنشاء من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب، بخلاف الإنشاء.
ثانيها: أن الخبر تابع لمدلوله، والإنشاء يتبعه مدلوله.
ثالثها: أن الإنشاء سبب لمدلوله، والخبر لا يكون سببًا للمخبر عنه، فإن (بعت واشتريت) سبب لذلك وبيعه الملك.
وقولنا: (قام زيد) ليس سببًا لقيامه، وهو يتبع قيامه.
قوله: (كون الرسول- ﵇ صادقًا من الأوصاف الحقيقية، فلا يختلف بالجعل الشرعي، فلا طريق إلى صدق الرسول إلا بصدق المرسل، فيلزم الدور).
قلنا: مسلم أن الصفة الحقيقية لا تقبل التغير من حيث الأحكام الشرعية، وإن قبلته من جهة تأثير القدرة في خلو ضدها، لكن لا يلزم حينئذٍ انحصار طرق الصدق في تصديق المرسل، بل بالقرائن الحالية كما تقدم بيانه.
стр. 2784
قوله: (قولكم: الحكم إنما يكون ممن يتصور منه الجهل ليست قضية بديهية فما البرهان؟):
قلنا: قد تقدم أنه لو لم يكن منشأ عن الجهل كان مع العلم، والعلم يلزمه الإخبار للصدق، فيجتمع الضدان، فهذا برهان على ذلك.
قوله: (اختلفوا في الضمير في (بسم الله الرحمن الرحيم):
تقريره: أن الجار والمجرور لا بد له من عامل، واختلف في ذلك العامل فقال البصريون: يضمر مبتدأ تقديره ابتداء في بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال الكوفيون: يضمر فعل تقديره: ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم.
وقيل: يضمر أمر تقديره: ابتدئوا بسم الله الرحمن الرحمين.
وقيل: لا بضمر إلا متأخرًا من جنس الفعل الذي يبسمل لأجله، فإن كان يأكل قال: بسم الله آكل، أو ينام قال: بسم الله أنام. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يرجح هذا من وجهين:
الأول: أنه الوارد في السنة في قوله ﵇: (اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، اللهم باسمك ربى وضعت جنبي، وباسمك أرفعه) كان يقول ذلك عند النوم.
والثاني: أن إضمارهم للابتداء، و (أبتدئ) إنما يتناول الفعل؛ لأنه
стр. 2785
مبتدؤه، ويبقى بقية الفعل عريًا عن البركة، وعلى ما ذكرناه تكون البركة كاملة لجميعه، فهذه ثلاثة تقديرات خبر، وتقدير أمر.
قوله: (الصادق أكمل من غير الصادق):
قلنا: البحث إنما هو هاهنا عن الكلام اللساني، وقد تقدم أن خلقه غير مطابق من الجائزات على الله تعالى، وما ذكرتموه ينفي جوازه، فيكون باطلًا، ثم ما ذكرتموه ينتقض بأن الذي يغفر أفضل من الذي لا يغفر، والذي يعطى أفضل من الذي لا يعطى، والله- تعالى- قد لا يعطى، وقد لا يغفر، فيلزم أن يكون أحدهما أكمل، وذلك محال، فيلزم أن يكون عدم المغفرة، وعدم العطاء من الله- تعالى- محالًا، ولم يقل أحد به، فيتعين إنما كان من قبيل الجائزات على الله- تعالى- لا يصح ذلك فيه أصلًا، فلا يصح في صورة النزاع لما تقدم أنه من الجائزات.
قوله: (خبر الجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة لا يجوز أن يكون كذبًا):
تقريره: أنهم إذا أخبروا عن كونهم ينفرون من هذا الشيء المعين، أفاد ذلك القطع بأن هذا الشيء اشتمل على ما يوجب النفرة عنه، وكذلك يجب اشتماله على ما هو يوجب أن يشتهي إن أخبروا عن أنهم يشتهونه، ولولا هذا الحرف فسد هذا الوضع؛ لأن كل واحد منهم إذا أخبر عن شهوة نفسه، أو نفرتها، فمخبر كل واحد منهم غير مخبر الآخر، فلا يحصل القطع بشيء من تلك الشهوات، ولا تلك النفرات؛ لأنه لم يجتمع في واحد منها اثنان، أو يحمل على أن فيهم من صدق فيما أخبر به من الشهوة قطعًا؛ لاستحالة اجتماعهم على الكذب بأجمعهم، وهو الذي تطابق تمثيله بالرواية عن النبي ﵇.
стр. 2786
(فائدة)
الجم: معناه الكثير، ومنه قول العرب: جاءوا الجم الغفير ؛ أي العدد الكثير الذي غطى الأرض؛ فإن الغفير من الغفر الذي هو الستر، ومنه المغفرة للذنوب، و (المغفر) للرأس؛ لأن الرأس تستتر به، والذنوب لا يظهر لها أثر.
قوله: (قد تنكشف القرائن عن الكذب).
قلنا: إنما يتجه هذا أن لو قلنا: إن كل قرائن تفيد العلم، بل إنما قلنا: بعضها، وحيث انكشف الأمر على خلاف الخبر كان ذلك من القسم الذي لا يفيد.
(تنبيه)
قال التبريزى على قول المصنف في الدور بين الاستدلال بدلالة المعجزة على صدق الرسول: إن دلالة الشعور بكيفية صفات الله- تعالى إجمالًا لا تفصيلًا، ولهذا يتصور البحث عنه بعد تفرد دلالة المعجزة على صدق الرسول.
يريد: أن المعجزة إنما تدل على صدق المرسل دلالة إجمالية، ثم قال: ودلالة المعجزة لا تختص بدعوى الرسالة فقط.
يريد: بل تعم الأوامر والنواهي، وجميع ما يبلغه عن الله- تعالى- من كلامه، فتحصل الدلالة على الصدق في جميع كلام الله- تعالى- ثم قال على قول المصنف: (البحث إنما وقع عن الكلام اللساني دون النفساني): إن اللساني إنما يستحق اسم الكلام من حيث إنه عبارة عن النفساني بدليل أن كلام المبرسم ومن اضطر إلى العبارات، فإنه لا يسمى متكلمًا، فيلزم
стр. 2787
حينئذ من صدق أحدهما صدق الآخر، وإن فرض السؤال عن امتناع خلق عبارات مع تعبير إيهام عن القائم بالنفس، ولا يكون كذلك، فذلك يرجع إلى جواز الإضلال على الله- تعالى- وتلك مسألة أخرى.
قال: وأما مطالبة المصنف بالبرهان، فهو أن الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، فلو كان الخبر كذبًا، لم تكن النسبة مطابقة لما في الوجود، فلم تكن جميع أجزاء القضية علومًا؛ لأنه لم يكن على ما هو عليه، وهو جهل.
قال: وأما ما اعتمد عليه فنقول: ما معنى الكمال ليمكننا تسليم أن الصادق أكمل من الكاذب أم لا؟ وإذا لم يمكن الانتهاء في تفهيمه إلى حد يضطر العقلاء إلى تسليمه إلا باعتبار الشبهة والإضافة، فكيف يمكن دعوى الضرورة في ثبوته لشيء في ذاته؟ ولأن البحث إذا كان عن الأصوات المسموعة، ونظمها على وجه مخصوص، ولم ينظر إلى نظمها علمًا وجهلًا، أو إرشادًا وضلالًا، وموافقة غرض، ومخالفته إلى جهة أخرى من جهات الحسن والقبح، فأي فرق يقتضيه العقل في الكمال بين صورتين متماثلتين في نظمهما: زيد في الدار اتفق الوجود على وفق أحدهما، وخلاف الأخرى، وهل هما إلا كما إذا رقم هذا النظم على لوح مرتين لامتحان، أو عبث، أو جرى على لسان نحوى في معرض المطارحة للتعليم والتمثيل؛ ولأن الكلام بهذا التفسير فعل، والكلام من صفات الذات، ويستحيل أن يعود من الفعل وصف كمال إلى الذات؛ ولأنا نقول: ما الدليل على وجوب اختصاص الباري- تعالى- بوصف الكمال من جميع الوجوه، ولا يدل عليه نقل؛ إذا فيه دور كما زعم؟ ودعوى الضرورة في هذا المقام محال مع مصير الفلاسفة إلى سلب الاختيار عن الباري- تعالى- والعلم بالجزئيات، والقدرة، والتأثير فيما عدا العقول الأول، ومصير المعتزلة إلى عجزه عما يقدر عليه العبد من العلوم والمعارف، ومحاسن الحركات والسكنات، وهي أشرف وأكمل من الألوان والطعوم، وكثير من الجواهر والأعراض، وكون العالم يتصرفون على خلاف مراده عندهم.
стр. 2788
ثم قال في الرد على المصنف في رده على الغزالي في قوله: (دليل صدق الرسول- ﵇ إظهار المعجزة على يده مع استحالة ظهورها على يد الكاذب)، قال المصنف: (ليس أحد العجزين أولى من الآخر).
قال التبريزي: الأصحاب إنما ادعوا استحالة ذلك في نفسه، ولا عدم اقتدار الباري- تعالى- عليه مع إمكانه، بل امتناع وقوعه لأدائه إلى ارتفاع التمييز، وسد باب التصديق بالفعل، فلا يؤدي إلى إثبات العجز في حق الله- تعالى- ولأن تصديق الرسول من المقدورات العقلية، ويفرض خلق المعجزة على يد الكذابين يخرج عن جائزات العقول.
قلت: خلق التصديق للرسول في صدور الأمم من الأمور الممكنة التي لله- تعالى- أن يخلقها مع المعجزة، ولا مع المعجزة، فلو أراد الله- تعالى- أن يصدق رسله، ويهدى بريته من غير معجز فعل، وحينئذ لا يخرج هذا الجائز باستواء النبي، والكاذب في المعجزة، ثم قال: ودلالة المعجزة مسترسلة على كل ما يبلغه الرسول- ﵇ ويخبر به عن الله- تعالى- فإنه مضمون دعوى التحدي بالنبوة، وهو المقصود من ابتعاث الرسل، ولذلك لم يختلج هذا التردد في صدر أحد ممن اطمأن في تصديقه إلى دلالة المعجزة، ولولا ذلك لارتفع الإيمان، وبطلت فائدة أصل التصديق.
تنبيه)
قال سراج الدين على قول المصنف: إذا كانت قدرته- تعالى- على تصديق الرسل فرع عدم قدرته على إظهار المعجزة على يد الكاذب فلا يستدل باقتداره على تصديق الرسل على عدم قدرته على إظهار المعجزة على يد الكاذب؛ لأنه تصحيح الأصل بالفرع، وهو دور).
قال: ولقائل أن يقول: نقيض كل لازم يستدل به على نقيض ملزومه مع الفرعية المذكورة، والممكن في نفسه قد يمتنع عند وجود غيره).
* * *
стр. 2789
القول في الطرق الفاسدة وهي خمسة
قال الرازي: الأول: إذا أخبر واحد بحضرة الرسول ﷺ عن شيء، والرسول ترك الإنكار عليه، قال بعضهم: ذلك يدل على كون ذلك الخبر صدقًا. والحق أن يقال: ذلك الخبر: إما أن يكون خبرًا عن أمر يتعلق بالدين، أو بالدنيا:
فإن كان عن الدين: فسكوته، ﵊، عن الإنكار يدل على صدقه، لكن بشرطين: أحدهما: ألا يكون قد تقدم بيان ذلك الحكم، والثاني: أن يجوز تغير ذلك الحكم عما بينه فيما قبل.
وإنما وجب اعتبار هذين الشرطين؛ لأن بيان الحكم، لو تقدم، وأمنا عدم تغيره، كان فيما سبق من البيان ما يغنى عن استئناف البيان؛ ولهذا لا يلزمه، ﵊، تجديد الإنكار حالًا بعد حال على الكفار.
وأما القسم الثاني؛ وهو الخبر عن أمر متعلق بالدنيا: فسكوته، ﵊، يدل على الصدق بأحد شرطين:
أحدهما: أن يستشهد بالنبي ﷺ ، ويدعى عليه علمه بالمخبر عنه.
وثانيها: أن يعلم الحاضرون علم النبي ﷺ بتلك القصة؛ ففي كل واحد من هذين الوجهين يجب صدق الخبر؛ إذ سكوت الرسول ﷺ هاهنا يوهم التصديق؛ فلو كان المخبر كاذبًا، لكان الرسول ﷺ قد أوهم تصديقه؛ وإنه غير جائز.
وأما إذا علمنا أن الرسول ﷺ لم يعلم المخبر عنه، أو جوزنا ذلك، لم يلزم
стр. 2790
حينئذ من السكوت عن التكذيب حصول التصديق؛ لأنه، ﵊، يجوز سكوته، لاحتمال كونه متوقفًا في الأمر.
الثاني: قالوا: إذا أخبر الواحد بحضرة جماعة كثيرة عن شيء؛ بحيث لو كان كذبًا؛ لما سكتوا عن التكذيب، كان ذلك دليلًا على صدقه فيه؛ لأنهم: إما أن يكونوا سكتوا، مع علمهم بكذبه، أو لا مع علمهم بكذبه:
والأول: باطل؛ لأن الداعي إلى التكذيب قائم، والصارف زائل ومع حصول هذين الشرطين يجب الفعل، فلما لم يوجد، دل على أنهم لم يعملوا كذبه.
وإنما قلنا: (إن الداعي حاصل)؛ لأن من استشهد على خبر كذب، فأراد الصبر على التكذيب، وجد من نفسه مشقة على ذلك الصبر، وذلك يدل على حصول الداعي.
وأما زوال الصارف، فإن ذلك الصارف: إما رغبة، أو رهبة، والجمع العظيم لا يعمهم من الرغبة أو الرهبة ما يحملهم على كتمان ما يعلمونه، ولهذا لا يجتمعون على كتمان الرخص والغلاء العظيمين.
فأما القسم الثاني؛ وهو أن يقال: (سكتوا؛ لعدم علمهم بكذب القائل) فباطل؛ لأنه يبعد عن الجمع العظيم أن لا يطلع واحد منهم عليه.
واعلم أن هذا الطريق لا يفيد اليقين؛ بل الظن؛ لأنه لا يمكننا القطع بامتناع اشتراك الجماعة الذين حضروا في رغبة، أو رهبة مانعة من السكوت، وإن سلمناه؛ لكن لا يستبعد غفلة الحاضرين عن معرفة كونه كذبًا؛ إذا ربما لم يتعلق لهم به غرض؛ فلم يبحثوا عنه.
стр. 2791
الثالث: زعم أبو هاشم والكرخي وتلميذهما أبو عبد الله البصري: أن الإجماع على العمل بموجب الخبر يدل على صحة الخبر، وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أن عمل كل الأمة بموجب الخبر لا يتوقف على قطعهم بصحة ذلك الخبر؛ فوجب ألا يدل على صحة ذلك الخبر.
أما الأول: فلأن العمل بخبر الواحد واجب في حق الكل؛ فلا يكون عملهم به متوقفًا على القطع به.
وأما الثاني: فلأنه لما لم يتوقف عليه، لم يلزم من ثبوته ثبوته.
الثالث: أن عملهم بمقتضى ذلك الخبر يجوز أن يكون لدليلٍ آخر؛ لاحتمال قيام الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد.
واحتجوا: بأن المعلوم من عادة السلف فيما لم يقطعوا بصحته- أن يرد مدلوله بعضهم، ويقبله الآخرون.
والجواب: هذه العادة ممنوعة؛ بدليل اتفاقهم على حكم المجوس بخير عبد الرحمن.
الرابع: قال بعض الزيدية: بقاء النقل، مع توفر الدواعي على إبطاله، يدل على صحة الخبر؛ كخبر الغدير، والمنزلة؛ فإنه سلم نقلهما في زمان بني أمية، مع توفر دواعيهم على إبطالهما، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ لاحتمال أنه كان من باب الآحاد أولًا، ثم اشتهر فيما بين الناس، بحيث عجز العدو عن إخفائه، ولأن الصوارف من جهة بني أمية، وإن حصلت، لكن الدواعي من جهة الشيعة حصلت، ولأن الناس، إذا منعوا من إفشاء فضيلة إنسانٍ كانت محبتهم له وحرصهم على ذكر مناقبه أشد مما لم يمنعوا.
стр. 2792
الخامس: اعتمد كثير من الفقهاء والمتكلمين في تصحيح خبر الإجماع وأمثاله: بأن الأمة فيه على قولين: منهم من احتج به، ومنهم من اشتغل بتأويله؛ وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله، وهو ضعيف أيضًا؛ لاحتمال أن يقال: إنهم قبلوه، كما يقبل خبر الواحد.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن خبر الواحد يقبل في العمليات، لا في العلميات، وهذه المسألة علمية، فلما قبلوا هذا الخبر فيها، دل ذلك على اعتقادهم في صحته.
والجواب: لا نسلم أن كل الأمة قبلوه، بل كل من لم يحتج به في الإجماع طعن فيه؛ بأنه من باب الآحاد؛ فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية، بل هب أنهم ما طعنوا فيه على التفصيل، لكن لا يلزم من عدم الطعن من جهة واحدة- عدم الطعن مطلقًا.
القول في الطرق الفاسدة وهي خمسة
قال القرافي: قوله: (إذا أخبر بحضرة الرسول ﵇، وسكت عن الرد عليه، وقد استشهد به، وعلمنا علمه بذلك، وأمنا التغيير، فإن المخبر حينئذ يجب صدقه؛ لأن سكوته- ﵇ يوهم التصديق له، فلو كان كاذبًا لأوهم تصديق الكاذب):
قلنا: إن ادعيتم أن هذا يوجب ظن الصدق ظنًا قويًا فمسلم، وأما القطع فممنوع؛ لأنه- ﵇ غير معصوم من عوارض الأسقام، والأحوال المتعلقة بخصوص البشرية، ومن أين لنا القطع بأنه- ﵇ في تلك الحالة ما حصل له ذهول، وشاغل نفسي منعه من تأمل معنى كلام ذلك القائل؟
وبالجملة فالاحتمالات ها هنا فيها اتساع، والقطع ليس بظاهر.
стр. 2793
قوله: (عمل الأمة بالخبر لا يتوقف على صحة الخبر؛ لأن خبر الواحد يجوز العمل به):
قلنا: مسلم انه يجوز الإقدام على العمل بالخبر الذي لا يقطع بصدقه، لكن إذا عملوا به، وهو عندهم خبر واحد غير معلوم الصدق لهم صار معلوم الصدق لنا؛ لنهم معصومون عن العمل بالخطأ، فيقطع بصدق ما عملوا به، وهو الذي قاله أبو هاشم.
قوله: (إن خبر الغدير والمنزلة بقى مع توافر الدواعي على إبطاله):
تقريره: أما الغدير فهو موضع قال فيه النبي ﵇: (من كنت مولاه فغن عليا مولاه).
وحديث المنزلة حديث آخر، وهو قوله- ﵇ لما خرج من (المدينة) واستخلف عليا- ﵁ فشق عليه ذلك لتأخره عن الجهاد فقال ﵇: (أنت منى بمنزلة هارون من موسى) إشارة إلى استخلاف موسى- ﵇ هارون- ﵇ على بني إسرائيل لما ذهب للمناجاة. قصد ﵇ بذلك تسليته، وتسهيل القعود عليه.
стр. 2794
الباب الثالث
قال الرازي: في الخبر الذي يقطع بكونه كذبًا، وهو أربعة:
الأول: الخبر الذي ينافي مخبره وجود ما علم بالضرورة، سواء كان المعلوم بالضرورة حسيًا أو وجدانيًا، أو بديهيا.
ومن هذا الباب قول القائل الذي لم يكذب قط: (أنا كاذب)؛ فهذا الخبر كذب؛ لأن المخبر عنه بكونه كاذبًا: إما أن تكون الأخبار التي وجدت قبل هذا الخبر، أو هذا الخبر.
والأول: باطل؛ لأن تلك الأخبار، لما كانت كذبًا، فإخباره عن نفسه بكونه كاذبًا فيها- كذب.
والثاني: باطل؛ لأن الخبر عن الشيء يتأخر في الرتبة عن المخبر عنه؛ فإن جعلنا الخبر عين المخبر عنه، لزم تأخر الشيء عن نفسه في الرتبة وهو محال.
الثاني: الخبر الذي يكون مخبره على خلاف الدليل القاطع، ثم ذلك الخبر إما أن يحتمل تأويلًا صحيحًا، أو لا يحتمله: فإن احتمله فإما أن يحتمل تأويلًا قريبًا، أو تأويلًا متعسفًا: فإن كان قريبًا، جاز أن يكون النبي ﷺ قد تكلم به: لإرادة المعنى؛ كما في متشابهات الكتاب، وإن كان متعسفًا، حكم: إما بكذبه، وإما بأنه كان معه زيادة، أو نقصان يصح الكلام معه، مع أنه لم ينقل، وكذا القول فيما لا يقبل التأويل.
الثالث: وهو في الحقيقة داخل تحت القسم الثاني: الأمر الذي، لو
стр. 2795
وجد، لتوفرت الدواعي على نقله، على سبيل التواتر: إما لتعلق الدين به؛ كأصول الشرع، أو لغرابته؛ كسقوط المؤذن من المنارة، أو لهما جميعًا؛ كالمعجزات، ومتى لم يوجد ذلك، دل على كذبه، والخلاف فيه مع الشيعة؛ فإنهم جوزوا في مثل هذا الشيء ألا يظهر لأجل الخوف والتقية.
لنا: لو جوزنا ذلك، لجوزنا أن يكون بين البصرة وبين بغداد بلدة أعظم منهما، مع أن الناس ما أخبروا عنها، ولجوزنا أن يكون الرسول ﷺ أوجب عشر صلوات، لكن الأمة ما نقلت إلا خمسة، ولما كان ذلك باطلًا، فكذا ما أدى إليه، فإن قيل: هذا الكلام ظلم؛ لأن العلم بعدم هذه الأمور: إما أن يكون متوقفًا على العلم بأنه لو كان، لوجب نقله، أو لا يكون متوقفًا عليه:
فإن كان الأول: وجب أن يكون الشاك في الأصل شاكًا في هذه الفروع؛ لكن الناس، كما يعلمون بالضرورة وجود بغداد والبصرة، يعلمون بالضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما، والعلم الضروري لا يكون متوقفًا على العلم النظري.
وإن كان الثاني: فحينئذ: العلم بعدم هذه البلدة غير متوقفٍ على العلم بأنها، لو كانت، لنقلت؛ فلا يلزم من عدم هذا عدم ذاك.
سلمنا توقف العلم بعدم هذه الأمور على العلم بأنها، لو كانت، لنقلت؛ لكن ما ذكرتموه مثال واحد، ولا يلزم من حصول الحكم في مثال واحد على وفق قولكم حصوله في كل الصور على وفق قولكم، فإن قستم سائر الصور على هذه الصورة، فقد بينا أن القياس لا يفيد اليقين؛ لاحتمال أن يكون ما به فارق الأصل الفرع- شرطًا في الأصل، أو مانعًا في الفرع.
стр. 2796
ثم الذي يبين أن الأمر ليس كذلك في كل الصور أمور:
أحدهما: أن إفراد الإقامة وتثنيتها من أظهر الأمور وأجلاها؛ ثم إن ذلك لم ينقل بالتواتر.
وثانيها: القول في هيئات الصلاة؛ من رفع اليدين والجهر بالتسمية، كل ذلك أمور ظاهرة؛ مع أنها لم تنقل نقلًا متواترًا.
وثالثها: انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، ونبوع الماء من بين الأصابع أمور عظيمة؛ ثم إنها لم تنقل بالتواتر.
فإن قلت: ذلك لأنهم استغنوا بنقل القرآن عن فقلها.
قلت: لا نسلم حصول الاستغناء بنقل القرآن؛ لأن كون القرآن معجزًا أمر لا يعرف إلا بدقيق النظر، والعلم بكون هذه الأشياء معجزاتٍ علم ضروري؛ فكيف يقوم أحدهما مقام الآخر؟.
فإن قلتم: لا نزاع في حصول التفاوت من هذه الجهة؛ ولكن لما كان القرآن دليلًا قاطعًا، جاز أن يصير ظهوره واشتهاره سببًا لفتور الدواعي عن نقل سائر المعجزات، وإن كانت أظهر من القرآن.
فنقول: لم لا يجوز أن يقال: إن دلالة قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾ [المائدة: ٥٥] ودلالة خبر الغدير، والمنزلة على إمامة علي بن أبي طالب- ﵁ وإن كانت خفية، إلا أن ذلك صار سببًا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي؟.
ورابعها: أن أقاصيص الأنبياء المتقدمين والملوك الماضين ما نقلن نقلًا متواترًا؛ وهو يقدح في قولكم.
стр. 2797
والجواب: قوله: (العلم بعدم الواقعة العظيمة: إما أن يتوقف على العلم بأنها، لو كانت، لنقلت، أو لا يتوقف):
قلنا: يتوقف عليه.
قوله: العلم بعدم بلدة بين البصرة وبغداد أكبر منهما علم ضروري، وهذه القاعدة نظرية، والضروري لا يستفاد من النظري):
قلنا: لا نسلم انه ضروري؛ ولذلك فإن كل من ادعى نفي هذه البلدة، إذا قيل له: (كيف عرفت عدمها؟) فلا بد، وأن يقول: (لأنها لو كانت موجودة، لاشتهر خبرها؛ كما اشتهر خبر بغداد والبصرة) فعلمنا أن ذلك العدم مستفاد من هذا الأصل.
قوله: (ما ذكرته مثال واحد):
قلنا: لم نذكر ذلك المثال لاختصاص دليلنا به، بل للتنبيه على القاعدة الكلية.
قوله: (ينتقض بالإقامة):
قلنا: اختلف أصحابنا في الجواب عنه على وجهين:
الأول: وهو قول القاضي أبي بكر: لعل المؤذن كان يفرد مرة، ويثني أخرى.
فإن قلت: (فكان يجب أن ينقل بالتواتر كونه كذلك):
قلت: يحتمل أن الراوي روى بعض ما رأى، وأهمل الباقي؛ لاعتقاده أن التساهل في مثل هذا الباب سهل، ولا يتعلق به غرض أصلًا في الدين، نفيًا وإثباتًا.
стр. 2798
والثاني: لعلهم عرفوا أن هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرًا ولا بدعة؛ فلذلك تساهلوا فيها، ولما تساهلوا فيها، نسوا ما شاهدوه؛ لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة، والذين شاهدوها في زمان الرسول ﷺ قتلوا وقلوا؛ فصارت الرواية من باب الآحاد.
وأما اختلافهم في الجهر بالتسمية، فعنه أيضًا جوابان:
الأول: لعل فعله فيه كان مختلفًا.
الثاني: أنه ﷺ كان إذا ابتدأ بالقراءة، أخفي صوته، ثم يعلو صوته على التدريج؛ وعلى هذا التقدير: يجوز أن يسمع جهره بالتسمية القريب دون البعيد، وأما سائر المعجزات قلنا: لعل الذين شاهدوا تلك الأشياء كانوا قليلين؛ فلا جرم ما حصل النقل المتواتر.
فأما الذين سمعوا النص الجلي في الإمامة: فإن كانوا قليلين، صارت الرواية من الآحاد؛ فلا تكون حجًة قطعيًة، وإن كانوا بالغين حد التواتر، وجب ظهور النقل.
وأما أقاصيص سائر الأنبياء: فإنما لم تنتقل بالتواتر؛ لأنه لا يتعلق بروايتها غرض أصلي في الدين؛ بخلاف النص الجلي في الإمامة.
الرابع: الخبر الذي يروى في وقت قد استقرت فيه الأخبار، فإذا فتش عنه، فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة، علم أنه لا أصل له، وأما في عصر الصحابة، حين لم تكن قد استقرت الأخبار، فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لم يوجد عند غيره.
стр. 2799
مسألة
في أن الأخبار المروية عن الرسول ﷺ بالآحاد قد وقع فيها ما يكون كذبًا .
ثم في بيان الداعي إلى وضع الكذب عليه؛ فهما، مقامان:
أما المقام الأول: فالذي يدل عليه وجوه:
أحدها: ما روى عنه- ﵊: (سيكذب على) فهذا الخبر إن كان صدقًا، فلا بد من أن يكذب عليه، وإن كان كذبًا، فقد كذب عليه أيضًا.
وثانيها: انه قد حصل في الأخبار مالا يجوز نسبته إلى الرسول ﷺ ولا يقبل التأويل، وإذا كان كذلك، وجب القطع بكونه كذبًا.
وثالثها: ما روى عن شعبة: (أن نصف الحديث كذب).
وأما المقام الثاني: وهو سبب الكذب: فاعلم أن ذلك: إما أن يكون من جهة السلف، أو من جهة الخلف، أما السلف: فهم منزهون عن تعمد الكذب، إلا أنه لو وقع ذلك، لوقع على وجوه:
أحدها: أن يكون الراوي يرى نقل الخبر بالمعنى، فيبدل مكان اللفظ آخر لايطابقه في معناه، وهو يرى أنه يقوم مقامه.
وثانيها: أنهم لا يكتبون الحديث في الغالب، فإذا قدم العهد، فربما نسى اللفظ، فأبدل به لفظًا آخر، وهو يرى أن ذلك اللفظ هو المسموع، وربما نسى زيادة يصح بها الخبر.
وثالثها: ربما أدرك الرسول- ﵊ وهو يروي متن الخبر،
стр. 2800
ولم يذكر إسناده إلى غيره، فيظن أن الخبر من جهته ﷺ ولهذا كان- ﵊ يستأنف الحديث، إذا أحس بداخل؛ ليكمل له، ومن ذلك ما روى أنه- ﵊ قال: (الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس) فقالت عائشة- ﵂: (إنما قال رسول الله ﷺ ذلك حكاية عن غيره).
ورابعها: أنه ربما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه، ويصح معناه به، وما هذا سبيله ينبغي أن يروي مع سببه، فإذا لم يعرف سببه أوهم الخطأ كما روى أنه- ﵊ قال: (التاجر فاجر)، فقالت عائشة ﵂:- (إنما قال ذلك في تاجر دلس).
وخامسها: ما روى أن أبا هريرة كان يروى أخبار الرسول ﷺ وكعب يروي أخبار اليهود، والسامعون ربما ألبس عليهم ذلك، فرووا في الخبر: أنهم سمعوا من أبي هريرة، وإنما سمعوا من كعب.
وأما سبب الكذب في الأخبار من جهة الخلف: فوجوه:
أحدها: أن الملاحدة وضعوا الأباطيل، ونسبوها إلى الرسول- ﵊ تنفيرًا للعقلاء منه؛ كما يروي ذلك عن عبد الكريم بن أبي العوجاء.
وثانيها: ما قيل: إن الإمامية يسندون إلى الرسول ﷺ كل ما صح عندهم عن بعض أئمتهم؛ قالوا: لأن جعفر بن محمد قال: (حدثني أبي، وحدثني جدي، وحديث أبي وجدي حديث رسول ﷺ ؛ فلا حرج عليكم، إذا سمعتم مني حديثًا أن تقولوا: قال رسول الله ﷺ ).
وثالثها: أن يكون الراوي يرى جواز الكذب المؤدى إلى صلاح الأمة؛ فإن
стр. 2801
من مذهب الكرامية: أنه إذا صح المذهب، جاز وضع الأخبار فيه؛ لأن ذلك سبب لترويج الحق؛ فوجب أن يكون جائزًا.
ورابعها: الرغبة؛ كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارًا في النص على إمامة العباس وولده.
مسألة: في تعديل الصحابة- ﵃: مذهبنا: أن الأصل فيهم العدالة، إلا عند ظهور المعارض للكتاب والسنة:
أما الكتاب- فقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨] وقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون﴾ [التوبة: ١٠٠].
وأما السنة: فقوله- ﵊: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وقوله: (ولا تسبوا أصحابي) وقوله: (لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه) وقوله: (خير الناس قرنى).
وقد بالغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم؛ على ما نقله الجاحظ عنه في كتاب (الفتيا) ونحن نذكر ذلك مجملًا ومفصلًا.
أما مجملًا: فإنه روى من طعن بعضهم في بعض أخبارًا كثيرة يأتي تفصيلها، وقال النظام: رأينا بعض الصحابة يقدح في البعض؛ وذلك يقتضى توجه القدح: إما في القادح، إن كان كاذبًا، وإما في المقدوح فيه، إن كان القادح صادقًا.
стр. 2802
بيان المقام الأول من وجوه:
(أ) قال عمران بن الحصين: (والله، لو أردت، لحدثت عن رسول الله- ﵊ يومين متتابعين، فإني سمعت، كما سمعوا، وشاهدت كما شاهدوا؛ ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم).
(ب) عن حذيفة: أنه يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله: أنه ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقلنا له فيه، فقال: (إني أشترى ديني بعضه ببعض؛ مخافة أن يذهب كله).
(ج) ابن عباس- رضي اله عنهما- بلغه أن ابن عمر- ﵄ يروي (إن الميت ليعذب ببكاء أهله) قال: ذهل أبو عبد الرحمن، إنما مر النبي- ﵊ بيهودي يبكي على ميت، فقال: (إنه ليبكي عليه، إنه ليعذب).
(د) ابن عمر- ﵄ عن النبي- ﵊ قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله، ولا أحرمه) فقال زيد الأصم: قلت لابن عباس: إن ناسًا يقولون: إنه- ﵊ قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله ولا أحرمه) قال: (بئس ما قلتم، ما بعث الله النبي إلا محلا ومحرمًا).
(هـ) عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟) ثم قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكروه لعائشة-
стр. 2803
رضي الله عنها- فقالت: لا، بل قال: (إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق).
قال النظام: وهذا هو التكذيب.
(و) لما روت فاطمة بنت قيس: (أن زوجي طلقني ثلاثًا، ولم يجعل لي رسول الله- ﵊ سكنى، ولا نفقة) فقال عمر: (لا نقبل قول امرأة، لا ندرى، أصدقت أم كذبت).
وقالت عائشة- ﵂: (يا فاطمة، قد قتلت الناس) ومعلوم أنها كانت من المهاجرات، مع انها عند عمر وعائشة- ﵄ كاذب.
(ز) أراد عمر- ﵁ ضرب أبي موسى- ﵁ في خبر الاستئذان؛ حتى شهد له أبو سعيد الخدري.
(ح) كان على- ﵁ يستحلف الرواة؛ فلو كانوا غير متهمين، لما استحلفهم؛ فإن عليا أعلم بهم منا).
(ط) حميد بن عبد الرحمن الحميرى بعث ابن أخ له إلى الكوفة، وقال: (سل على بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة، فإن كان حقا فخبرنا عنه) فأتى الكوفة، فلقي الحسن بن على- ﵄ فأخبره الخبر، فقال له الحسن: (ارجع إلى عمك، وقل له: قال أمير المؤمنين (يعني أباه): إذا حدثتكم عن رسول الله، فإني لن أكذب على الله، ولا على رسوله، وإذا حدثتكم بر أبي، فإنما أنا رجل محارب) ويروى عنه هذا المعنى بروايات.
стр. 2804
قال عمرو بن عبيد الله: وهاشم الأوقص يرى أن قوله: (أمرت أن أقاتل الناس، أو القاسطين، أو المارقين) من ذلك.
وقوله في ذي الثدية: (ما كذبت ولا كذبت) فإنه ربما كان الشيء عنده حقًا، فيقول: إن الرسول أمرني به؛ لأن الرسول، كان آمرًا بكل حق.
(ى) ورويتم عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وأنس- ﵃ قال: وذكر سنة مائة: (أنه لا يبقى على ظهرها نفس منفوسة).
ثم يروي أن عليًا- ﵁ قال لأبي مسعود: (إنك تفتى الناس؟) قال: (أجل، واخبرهم أن الأخير شر، قال: (فأخبرني ما سمعت منه) قال: سمعته يقول: (لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف) فقال على: (أخطأت، وأخطأت في أول فتواك، إنما قال ذلك لمن حضره يومئذ، وهل الرجاء إلا بعد مائة)؟!!.
(يا) أبو هريرة- ﵁: أنه قال- ﵊: (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة) قال الحسن: (ما ذنبهما)؟ قال أبو هريرة: (أحدثك عن رسول الله ﷺ ) وهذا من الحسن رد على أبي هريرة.
(يب) - قال على لعمر- ﵄ في قصة الجنين: (إن كان هذا جهد رأيهم، فقد قصروا، وإن كانوا قاربوك، فقد غشوك) وهذا من على- ﵁ حكم بجواز اللبس.
(يجـ) أبو الأشعت قال: كنا في غزاة، وعلينا معاوية- ﵁ فأصبنا ذهبًا وفضًة، فأمر معاوية رجلًا ببيعها للناس في أعطياتهم، فتسارع الناس فيها،
стр. 2805
فقام عبادة بن الصامت- ﵁ فنهاهم، فردوها، فأتى الرجل معاوية، فشكا إليه، فقام خطيبًا، فقال: (ما بال رجال يحدثون عن رسول الله- ﵊ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه، فلم نسمعها منه؟!!)
فقام عبادة، وأعاد القصة، ثم قال: (والله، لنحدثن عن رسول- الله ﵊ وإن كره معاوية) أو قال: (وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء).
فهذا يدل: إما على كذب عبادة، أو كذب معاوية، ولو كذبنا معاوية، لكذبنا أصحاب صفين؛ كالمغيرة وغيره، وعلى أن معاوية، لو كان كذابًا، لما ولاه عمر، وعثمان على الناس.
(يد) أن أبا موسى قام على منبر الكوفة، لما بلغه أن عليًا- ﵁ أقبل يريد البصرة، فحمد الله، وأنثى عليه، ثم قال: (يا أهل الكوفة، والله، ما أعلم واليًا أحرص على صلاح الرعية منى، والله، لقد منعتكم حقًا كان لكم بيمين كاذبة، فأستغفر الله منها).
وهذا إقرار منه على نفسه باليمين الكاذبة.
(يه) روى أبو بكر، وعمر- ﵄ يوم السقيفة: أنه- ﵊ قال: (الأئمة من قريش) ثم رويتم أشياء ثلاثة تناقضه:
أحدها: قول عمر- ﵁ في آخر حياته: (لو كان سالم حيًا، لما تخالجني فيه شك)، وسالم مولى امرأة من الأنصار، وهي حازت ميراثه.
وثانيها: أنه- ﵊ قال: (اسمع، وأطع، ولو كان عبدًا حبشيًا.
следующие страницы →