Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
من مذهب الكرامية: أنه إذا صح المذهب، جاز وضع الأخبار فيه؛ لأن ذلك سبب لترويج الحق؛ فوجب أن يكون جائزًا.
ورابعها: الرغبة؛ كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارًا في النص على إمامة العباس وولده.
مسألة: في تعديل الصحابة- ﵃: مذهبنا: أن الأصل فيهم العدالة، إلا عند ظهور المعارض للكتاب والسنة:
أما الكتاب- فقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨] وقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون﴾ [التوبة: ١٠٠].
وأما السنة: فقوله- ﵊: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وقوله: (ولا تسبوا أصحابي) وقوله: (لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه) وقوله: (خير الناس قرنى).
وقد بالغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم؛ على ما نقله الجاحظ عنه في كتاب (الفتيا) ونحن نذكر ذلك مجملًا ومفصلًا.
أما مجملًا: فإنه روى من طعن بعضهم في بعض أخبارًا كثيرة يأتي تفصيلها، وقال النظام: رأينا بعض الصحابة يقدح في البعض؛ وذلك يقتضى توجه القدح: إما في القادح، إن كان كاذبًا، وإما في المقدوح فيه، إن كان القادح صادقًا.
стр. 2802
بيان المقام الأول من وجوه:
(أ) قال عمران بن الحصين: (والله، لو أردت، لحدثت عن رسول الله- ﵊ يومين متتابعين، فإني سمعت، كما سمعوا، وشاهدت كما شاهدوا؛ ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم).
(ب) عن حذيفة: أنه يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله: أنه ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقلنا له فيه، فقال: (إني أشترى ديني بعضه ببعض؛ مخافة أن يذهب كله).
(ج) ابن عباس- رضي اله عنهما- بلغه أن ابن عمر- ﵄ يروي (إن الميت ليعذب ببكاء أهله) قال: ذهل أبو عبد الرحمن، إنما مر النبي- ﵊ بيهودي يبكي على ميت، فقال: (إنه ليبكي عليه، إنه ليعذب).
(د) ابن عمر- ﵄ عن النبي- ﵊ قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله، ولا أحرمه) فقال زيد الأصم: قلت لابن عباس: إن ناسًا يقولون: إنه- ﵊ قال في الضب: (لا آكله، ولا أحله ولا أحرمه) قال: (بئس ما قلتم، ما بعث الله النبي إلا محلا ومحرمًا).
(هـ) عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟) ثم قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكروه لعائشة-
стр. 2803
رضي الله عنها- فقالت: لا، بل قال: (إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق).
قال النظام: وهذا هو التكذيب.
(و) لما روت فاطمة بنت قيس: (أن زوجي طلقني ثلاثًا، ولم يجعل لي رسول الله- ﵊ سكنى، ولا نفقة) فقال عمر: (لا نقبل قول امرأة، لا ندرى، أصدقت أم كذبت).
وقالت عائشة- ﵂: (يا فاطمة، قد قتلت الناس) ومعلوم أنها كانت من المهاجرات، مع انها عند عمر وعائشة- ﵄ كاذب.
(ز) أراد عمر- ﵁ ضرب أبي موسى- ﵁ في خبر الاستئذان؛ حتى شهد له أبو سعيد الخدري.
(ح) كان على- ﵁ يستحلف الرواة؛ فلو كانوا غير متهمين، لما استحلفهم؛ فإن عليا أعلم بهم منا).
(ط) حميد بن عبد الرحمن الحميرى بعث ابن أخ له إلى الكوفة، وقال: (سل على بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة، فإن كان حقا فخبرنا عنه) فأتى الكوفة، فلقي الحسن بن على- ﵄ فأخبره الخبر، فقال له الحسن: (ارجع إلى عمك، وقل له: قال أمير المؤمنين (يعني أباه): إذا حدثتكم عن رسول الله، فإني لن أكذب على الله، ولا على رسوله، وإذا حدثتكم بر أبي، فإنما أنا رجل محارب) ويروى عنه هذا المعنى بروايات.
стр. 2804
قال عمرو بن عبيد الله: وهاشم الأوقص يرى أن قوله: (أمرت أن أقاتل الناس، أو القاسطين، أو المارقين) من ذلك.
وقوله في ذي الثدية: (ما كذبت ولا كذبت) فإنه ربما كان الشيء عنده حقًا، فيقول: إن الرسول أمرني به؛ لأن الرسول، كان آمرًا بكل حق.
(ى) ورويتم عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وأنس- ﵃ قال: وذكر سنة مائة: (أنه لا يبقى على ظهرها نفس منفوسة).
ثم يروي أن عليًا- ﵁ قال لأبي مسعود: (إنك تفتى الناس؟) قال: (أجل، واخبرهم أن الأخير شر، قال: (فأخبرني ما سمعت منه) قال: سمعته يقول: (لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف) فقال على: (أخطأت، وأخطأت في أول فتواك، إنما قال ذلك لمن حضره يومئذ، وهل الرجاء إلا بعد مائة)؟!!.
(يا) أبو هريرة- ﵁: أنه قال- ﵊: (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة) قال الحسن: (ما ذنبهما)؟ قال أبو هريرة: (أحدثك عن رسول الله ﷺ ) وهذا من الحسن رد على أبي هريرة.
(يب) - قال على لعمر- ﵄ في قصة الجنين: (إن كان هذا جهد رأيهم، فقد قصروا، وإن كانوا قاربوك، فقد غشوك) وهذا من على- ﵁ حكم بجواز اللبس.
(يجـ) أبو الأشعت قال: كنا في غزاة، وعلينا معاوية- ﵁ فأصبنا ذهبًا وفضًة، فأمر معاوية رجلًا ببيعها للناس في أعطياتهم، فتسارع الناس فيها،
стр. 2805
فقام عبادة بن الصامت- ﵁ فنهاهم، فردوها، فأتى الرجل معاوية، فشكا إليه، فقام خطيبًا، فقال: (ما بال رجال يحدثون عن رسول الله- ﵊ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه، فلم نسمعها منه؟!!)
فقام عبادة، وأعاد القصة، ثم قال: (والله، لنحدثن عن رسول- الله ﵊ وإن كره معاوية) أو قال: (وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء).
فهذا يدل: إما على كذب عبادة، أو كذب معاوية، ولو كذبنا معاوية، لكذبنا أصحاب صفين؛ كالمغيرة وغيره، وعلى أن معاوية، لو كان كذابًا، لما ولاه عمر، وعثمان على الناس.
(يد) أن أبا موسى قام على منبر الكوفة، لما بلغه أن عليًا- ﵁ أقبل يريد البصرة، فحمد الله، وأنثى عليه، ثم قال: (يا أهل الكوفة، والله، ما أعلم واليًا أحرص على صلاح الرعية منى، والله، لقد منعتكم حقًا كان لكم بيمين كاذبة، فأستغفر الله منها).
وهذا إقرار منه على نفسه باليمين الكاذبة.
(يه) روى أبو بكر، وعمر- ﵄ يوم السقيفة: أنه- ﵊ قال: (الأئمة من قريش) ثم رويتم أشياء ثلاثة تناقضه:
أحدها: قول عمر- ﵁ في آخر حياته: (لو كان سالم حيًا، لما تخالجني فيه شك)، وسالم مولى امرأة من الأنصار، وهي حازت ميراثه.
وثانيها: أنه- ﵊ قال: (اسمع، وأطع، ولو كان عبدًا حبشيًا.
стр. 2806
وثالثها: قوله- ﵊: (لو كنت مستخلفًا من هذه الأمة أحدًا من غير مشورة، لاستخلفت ابن أم عبد).
(يو) لما روى أبو هريرة: أنه- ﵊ قال: (إن المرأة والكلب والحمار يقطعن الصلاة) مشت عائشة- ﵂ في خف واحدة، وقالت: (لأحنثن أبا هريرة، فإني ربما رأيت الرسول- ﵊ وسط السرير، وأنا على السرير بينه وبين القبلة).
(يز) روى أبو هريرة عنه: أنه- ﵊ قال: (إن الميت على من غسله الغسل، وعلى من حمله الوضوء) فبلغ ذلك عائشة- ﵂ فقالت: (أنجاس موتاكم)؟
(يحـ) عن إبراهيم أن عليًا- ﵁ بلغه أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس، فدعا بماءٍ، فتوضأ وبدأ بمياسيره، وقال: (لأخالفن أبا هريرة).
(يط) إن أصحاب عبد الله، لما بلغهم خبر أبي هريرة: (من قام من منامه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثًا) قالوا: إن أبا هريرة مكثار، فكيف نصنع بالمهراس)؟!
(ك) لما قال أبو هريرة: (حدثني خليلي) قال له علي- ﵁: (متى كان خليلك؟).
وقال عمرو بن عبيد الله: كأنه ما سمع قوله- ﵊: (لو كنت متخدًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا).
(كا) لما روى أبو هريرة: (من أصبح جنبًا، فلا صوم له) أرسل مروان في
стр. 2807
ذلك إلى عائشة، وحفصة- ﵄ فقالتا: (كان النبي- ﵊ يصبح جنبًا، ثم يصوم) فقال لرسول: اذهب إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فقال أبو هريرة: (أخبرني بذلك الفضل بن عباس).
قال النظام: والاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه استشهد ميتًا وثانيها: أنه لو لم يكن متهمًا فيه، لما سألوا غيره، وثالثها: أن عائشة وحفصة ﵄ كذبتاه.
(كب) ولما روى أبو سعيد الخدري (خبر الربا) قال ابن عباس: (نحن أعلم بهذا، وفينا نزلت آية الربا) فقال الخدري: (أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول لي ما تقول؟ والله، لا يظلني وإياك سقف بيتٍ) وهذا تكاذب بين ابن عباس وأبي سعيد.
(كج) لما قدم ابن عباس البصرة، سمع الناس يتحدثون عن أبي موسى، عن النبي ﷺ فكتب إليه، فقال أبو موسى: (لا أعرف منها حديثًا).
(كد) روى أن عمر- ﵁ كان إذا ولى أصحاب رسول الله ﷺ إلى الأعمال، وشيعهم، قال لهم عند الوداع: (أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ) قال النظام: فلولا التهمة، لما جاز المنع من العلم.
(كه) رووا عن سهل بن أبي حثمة في القسامة، ثم إن عبد الرحمن بن عبيد قال: (والله، ما كان الحديث كما حدث سهل، ولقد وهم، وإنما كان رسول الله ﷺ كتب إلى أهل خيبر: إن قتيلًا وجد في أوديتكم فدوه) فكتبوا؛ يحلفون بالله، ما قتلوه، فوداه رسول اله من عنده).
стр. 2808
وقال محمد بن إسحاق: سمعت عمرو بن شعيب في المسجد الحرام، يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: أن حديث سهلٍ ليس كما حدث).
(كو) قال أصحاب الشعبي: (إنك لا ترى طلاق المكره، قال: أنتم تكذبون على، وأنا حي، فكيف لا تكذبون على إبراهيم، وقد مات).
(كز) قال ابن أبي مليكة: (ألا تعجب؟! حدثني عروة عن عائشة- ﵂ أنها قالت: أهللت بعمرةٍ، وقال القاسم: إنها قالت بحجةٍ).
(كح) قال صدقة بن يسار: (سمعت أنه- ﵊ قال في الذي يسافر، وحده، وفي الاثنين: (شيطان وشيطانان) فلقيت القاسم بن محمد، فسألته، فقال: كان النبي ﷺ يبعث البريد وحده، وكان النبي وصاحبه وحدهما).
فهذا من القاسم تكذيب بهذا الخبر.
(كط) كان ابن سيرين يعيب الحسن في التفسير، وكان الحسن يعيبه في التعبير، ويقول: (كأنه من ولد يعقوب).
(ل) ابن عباسٍ- ﵄: (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضًا من الثلج؛ حتى سودته خطايا أهل الشرك) فسئل ابن الحنفية عن الحجر، وقيل: ابن عباسٍ يقول: (هو من الجنة) فقال: هو من بعض الأودية.
قال النظام: لو كان كفر أهل الجاهلية يسود الحجر، لكان إسلام المؤمنين يبيضه، ولأن الحجارة قد تكون سوداء وبيضاء، فلو كان ذلك السواد من
стр. 2809
الكفر، لوجب أن يكون سوادها بخلاف سائر الأحجار؛ ليحصل التمييز، ولأنه لو كان كذلك لاشتهر ذلك؛ لأنه من الوقائع العجيبة؛ كالطير الأبابيل.
(لا) روى أبو سعيد الخدري: (أنه لا هجرة بعد الفتح، لكن جهاد ونية) فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديجٍ، وزيد بن ثابت، وهما قاعدان على سريره، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان، لعرفاك؛ ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فسكتا، فرفع مروان عليه الدرة، فلما رأيا ذلك، قالا: (صدق).
(لب) عطاء بن أبي رباحٍ، قيل له: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: (سبق الكتاب الخفين)، قال: (كذب؛ أنا رأيت ابن عباسٍ يمسح على الخفين).
(لج) قال أيوب لسعيد بن جبير: (إن جابر زيدٍ يقول: إذا زوج السيد العبد، فالطلاق بيد السيد) قال: (كذب جابر).
(لد) قال عروة لابن عباس: (أضللت الناس يا بن عباس) قال: (وما ذاك، يا عروة؟) قال: (تأمرنا بالعمرة في هذه الأيام، وليست فيها عمرة) قال: (أفلا تسأل أمك عن هذا؛ فإنها قد شهدته؟) قال عروة: (فإن أبا بكرٍ، وعمر كان لا يفعلانه، قال: (هذا الذي أضلكم؛ أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونني عن أبي بكر، وعمر) فقال عروة: أبو بكر، وعمر كانا أتبع لسنة رسول الله ﷺ ، وأعلم بها منك) وهذا تكذيب من عروة لابن عباس.
(له) رويتم عن أبي بكر- ﵁: أنه قال: (أي سماءٍ تظلني، وأي أرضٍ تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي).
стр. 2810
ثم رويتم: أنه سئل عن الكلالة، فقال: (أقول فيها برأيي؛ فإن كان صوابًا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني، ومن الشيطان) قال النظام: وهذان الأثران متناقضان.
ثم رويتم: أن عمر ﵁ قال-: (إني لأستحي أن أخالف أبا بكر) قال النظام: فإن كان عمر استقبح مخالفة أبي بكر؛ فلم خالفه في سائر المسائل؟ فإنه قد (خالفه في الجد، وفي أهل الردة، وقسمة الغنائم).
ثم إن النظام قدح في ابن مسعود- رضي اله عنه- خاصة من وجوه:
(أ) زعم أنه رأي القمر انشق، وهذا كذب ظاهر؛ لأن الله تعالى ما شق القمر له وحده، وإنما يشقه آيًة للعالمين؛ فكيف لم يعرف ذلك غيره، ولم يؤرخ الناس به، ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟!!.
(ب) أنكر ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن؛ فكأنه ما شاهد قراءة الرسول ﷺ لهما، ولم يهتد إلى ما فيهما من فصاحة المعجزة، أو لم يصدق جماعة الأمة في كونهما من القرآن!!.
فإن كانت تلك الجماعة ليست حجة عليه، فأولى ألا تكون حجة علينا، فنحن معذورون في ألا نقبل قولهم.
(جـ) اختار المسلمون قراءة زيد، وهو خالف الكل، ولم يقرأ بها.
(د) لما صلى عثمان- ﵁ بمنًى أربعًا، عابة، فقيل له فيه، فقال: (الخلاف شر، والفرقة شر) ثم إنه عمل بالفرقة في أمور كثيرة.
(هـ) وما زال يقدح القول في عثمان، ويسر القول فيه منذ اختار قراءة زيد.
стр. 2811
(و) رأى أناسًا من الزط، فقال: (هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن).
ثم قال علقمة: قلت لابن مسعود: (أكنت مع النبي- ﵊ ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها منا أحد).
(ز) سأله عمر- رضي اله عنه- عن شيء من الصرف، فقال: (لا بأس به). فقال عمر- ﵁: (لكني أكرهه) فقال: (قد كرهته؛ إذ كرهته)؛ فرجع عن قول إلى قول بغير دليل.
قال النظام: فقد ثبت قدح بعضهم في البعض، فإن صدق القادح، فقد توجه العيب، وإن كذب، فكذلك.
أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة- ﵃ ولعنوا مبغضيهم من وجوه:
أحدها: قالوا: (رأيناهم قبلوا خبر الواحد، على مناقضة كتاب الله تعالى، وذلك يوجب القطع بفساد ذلك الخبر، والطعن في العامل به):
بيانه: أن الله تعالى ذكر أنواع المعاصي من الكفر، والقتل، والسرقة، فلما ذكر الزنا، استقصى الكلام فيه؛ فإنه تعالى نهى عنه، فقال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢] ثم أوعد عليه بالنار، كما صنع وبجميع المعاصي، ثم ذكر الجلد، ثم خصه بإحضار المسلمين، وبالنهي عن رحمته، والرأفة عليه؛ بقوله: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢].
ثم جعل على من رمى مسلمًا بالزنا ثمانين جلدة، ولم يجعل ذلك على من رماه بالقتل، ولا بالكفر، وهما أعظم، ثم قال: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا
стр. 2812
وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤] ثم ذكر من رمى به زوجته، وبين هناك أحكام اللعان، وقال: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ [النور: ٣].
ثم خصه بأن جعل الشهود عليه أربعًا، فمع هذه المبالغة العظيمة؛ كيف يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها، وأعظم مراتبها وهو الرجم؟!!.
ثم إنه تعالى ذكر آيات صريحة في نفي الرجم:
أحدها: قوله: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: ٢] وهذا صريح في وجوب الجلد على كل الزناة، وصريح في نفي الرجم.
وثانيها: قوله: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا نصف له.
وثالثها: وهو الدلالة العقلية: أن الرجم، لو كان مشروعًا، لوجب أن ينقل نقلًا متواترًا؛ لأنه من الوقائع العظيمة، فحيث لم ينقل، دل على أنه غير مشروع، ثم إنهم قبلوا خبر الواحد في الرجم مع كونه على مناقضة هذه الأدلة الشرعية والعقلية؛ فكان الطعن متوجهًا قطعًا.
وثانيها: رويتم عن رسول الله ﷺ : أنه خرج يومًا على أصحابه، وهم يكتبون أحاديث من أحاديثه، فقال: (ما هذه الكتب، أكتابًا مع كتاب الله تعالى؟ يوشك أن يقبض الله تعالى بكتابه، فلا يدع في قلبٍ، ولا رق منه شيئًا إلا أذهبه).
ورويتم أيضًا أنه قال: (إذا حدثتم بحديث، فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه، فاقبلوه، وإلا فردوه) ثم إنكم مع ذلك مع ذلك جوزتم المسح على الخفين، مع صريح قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦].
стр. 2813
وقلتم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) و (يحرم نكاح المرأة على عمتها، وخالتها، وبنت أخيها، وأختها) مع قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤].
وكيف يجلد العبد القاذف أربعين، مع قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] ولم يذكر حرًا ولا عبدًا؟!.
وكيف يجلد العبد على الزنا خمسين، وإنما ذكر الله تعالى الإماء دون العبيد، فقال: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥].
وكيف رددتم شهادة العبد مع قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] ومع قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وكيف منعتم من إمامة غير القرشي، مع قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]؟.
وثالثها: ما يروى من شتم بعضهم بعضًا، ولنذكر من ذلك حكايات:
الحكاية الأولى: حكى ابن داب في مجادلات قريش، قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، والمغيرة بن شعبة، ثم أحضروا الحسن بن- على ﵃ ليسبوه، فلما حضر، تكلم عمرو بن العاص، وذكر عليًا- ﵁ ولم يترك شيئًا من المساوئ إلا ذكر فيه، وفيما قال: (إن عليًا شتم أبا بكر، وشارك في دم عثمان) إلى (أن قال: اعلم أنك وأباك من شر قريش) ثم خطب كل واحد منهم بمساوئ علي، والحسن- ﵄ ومقابحهما، ونسبوا عليًا إلى قتل عثمان، ونسبوا الحسن إلى الجهل والحمق.
стр. 2814
فلما آل الأمر إلى الحسن- ﵁ خطب، ثم بدأ بشتم معاوية- ﵁ وطول فيه، إلى أن قال له:- إنك كنت ذات يومٍ تسوق بأبيك، ويقود به أخوك هذا القاعد، وذلك بعدما عمى أبو سفيان؛ فلعن رسول اله ﷺ الجمل وراكبه وسائقه وقائده، فكان أبوك الراكب، وأخوك القائد، وأنت السائق).
ثم قال لعمرو بن العاص: (إنما أنت سبة، كما أنت؛ فأمك زانية؛ اختصم فيك خمسة نفرٍ من قريشٍ، كلهم يدعى عليك أنك ابنه، فغلب عليك جزار قريش، من ألأمهم حسبًا، وأقلهم منصبًا، وأعظمهم لعنة، ما أنت إلا شانئ محمد، فانزل الله تعالى على نبيه ﷺ : ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] ثم هجوت رسول الله ﷺ تسعين قافيًة، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم، إني لا أحسن الشعر، فالعنة بكل قافية لعنة).
وأما أنت يا بن أبي معيط: فوالله، ما ألومك أن تبغض عليًا، وقد جلدك في الخمر، وفي الزنا، وقتل أباك صبرًا بأمر رسول الله ﷺ يوم بدر، وسماه الله تعالى في عشر آياتٍ مؤمنًا، وسماك فاسقًا، وأنت علج من أهل النورية.
أما أنت يا عتبة: فما أنت بحصيف فأجييك، ولا عاقل فأعاتبك، وأما وعدك إياي بالقتل، فهلا قتلت الذي وجدت في فراشك مع أهلك؟.
وأما أنت يا مغيرة بن شعبة، فمثلك مثل البعوضة؛ إذ قالت لنخلة: (استمسكي؛ فإني عليك نازلة) فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك على).
стр. 2815
وأما زعمك: أنه قتل عثمان، فلعمري لو قتل عثمان ما كنت منه شيءٍ.
وإنك لكاذب.
قال الخوارج: فهذه المشاتمة العظيمة المتناهية التي دارت بينهم تدل على أنهم ما كانوا يمسكون ألسنتهم عن القذف والقدح في الدين والعرض؛ وذلك يوجب القدح العظيم في إحدى الطائفتين.
الحكاية الثانية: أن عثمان- ﵁ أخر عن عائشة ﵂ بعض أرزاقها، فغضبت، ثم قالت: (يا عثمان، أكلت أمانتك، وضيعت الرعية، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، والله، لولا الصلوات الخمس، لمشى إليك أقوام ذوو بصائر، يذبحونك كما يذبح الجمل) فقال عثمان- ﵁: ﴿ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط﴾ [التحريم: ١٠] الآية، فكانت عائشة- ﵂ تحرض عليه جهدها وطاقتها، وتقول: (أيها الناس، هذا قميص رسول الله ﷺ لم يبل، وقد بليت سنته، اقتلوا نعثلًا، قتل الله نعثلًا) ثم إن عائشة ذهبت إلى مكة، فلما قضت حجها، وقربت من المدينة، أخبرت بقتل عثمان، فقالت: ثم ماذا؟ فقالوا: بايع الناس على بن أبي طالب، فقالت عائشة: (قتل عثمان والله مظلومًا، وأنا طالبة بدمه، والله، ليوم من عثمان خير من على الدهر كله).
فقال لها عبيد بن أم كلاب: ولم تقولين ذلك؟ فوالله ما أظن أن بين السماء والأرض أحدًا في هذا اليوم أكرم على اله من علي بن أبي طالبٍ، فم تكرهين ولايته؟ ألم تكوني تحرضين الناس على قتله؛ فقلت: (اقتلوا النعثل، فقد كفر)؟ فقالت عائشة: (لقد قلت ذلك، ثم رجعت عما قلت، وذلك أنكم
стр. 2816
أسلمتموه حتى إذا جعلتموه في القبضة، قتلتموه، والله، لأطلبن بدمه). فقال عبيد بن أم كلاب: هذا، والله تخليط يا أم المؤمنين.
الحكاية الثالثة: الخصومة العظيمة التي كانت بين عبد اله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار، وبين عثمان، والخصومة التي كانت بين عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ حتى آل الأمر إلى الضرب والنفي عند البلد واللعن، وكل ذلك يقتضي توجه القدح إلى عدالة بعضهم.
الحكاية الرابعة: مقتل عثمان- ﵁ والجمل وصفين، ثم قالت الخوارج: رأينا هؤلاء المحدثين يجرحون الراوي بأدنى سبب، ثم إنهم مع علمهم بهذه القوادح العظيمة يقبلون روايات الصحابة، ويعلمون بروايات القادح والمقدوح فيه؛ وهذا ليس من الدين في شيء، بل هؤلاء المحدثون أتباع كل من عز، وعبيد كل من غلب، ويروون لأهل كل دولةٍ في ملكهم، فإن انقضت دولتهم، تركوهم.
ومما رواه الكل: (أن إمامًا سيكون منهم، وأنه سيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا) فروت الحسينية ذلك لنفسها، وروت العباسية لنفسها حتى سموا ولد المنصور مهديًا، وحتى روت الأموية مثل ذلك في السفياني، وسموا سليمان بن عبد الملك مهديًا، وحتى روت اليمانية في الأصغر القحطاني، إلى أن خرج ابن الأشعث على ذلك الطمع تارة، ويزيد بن المهلب أخرى.
ورابعها: قالوا: إنا نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ متى كان يشرع في الكلام، فالصحابة ما كانوا يكتبون كلامه من أوله إلى آخره لفظًا، وإنما كانوا يسمعونه، ثم يخرجون من عنده، وربما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة.
стр. 2817
ومن المعلوم أن العلماء الذين تعودوا تلقف الكلام، ومارسوه، وتمرنوا عليه، لو سمعوا كلامًا قليلًا مرة واحدة، فأرادوا إعادته في تلك الساعة بتلك الألفاظ من غير تقديم، ولا تأخير، لعجزوا عنه، فكيف الكلام الطويل بعد المدة المتطاولة، من غير تكرار ولا كتابة.
ومن أنصف قطع بأن هذه الأخبار التي رووها ليس شيء من ألفاظها لفظ الرسول ﷺ ، ثم من يعيد الكلام بعد هذه المدة لا يمكنه أن يعيد معناه بتمامه؛ فإن الإنسان مظنة النسيان؛ بل لا يعيد إلا بعضه.
وإذا كان كذلك، لزم القطع بسقوط الحجة عن هذه الألفاظ؛ لا سيما وقد جربناهم، فرأيناهم يذكرون الكلام الواحد، في الواقعة الواحدة، بروايات كثيرةٍ، مع زيادات ونقصاناتٍ، وأحسن الأحوال في ذلك: أن نحمل ما قلناه من عدم حفظ الألفاظ، وتغيير التقديم والتأخير؛ بسبب طول المدة، وكل ذلك يوجب القدح في هذه الأخبار.
والجواب: اعلم أن اعتماد أصحابنا في هذا الباب على حجةٍ واحدةٍ؛ وهي أن آيات القرآن دالة على سلامة أحوال الصحابة، وبراءتهم من المطاعن، وإذا كان كذلك، وجب علينا أن نحسن الظن بهم إلى أن يقوم دليل قاطع على الطعن فيهم.
وأما هذه المطاعن التي ذكرتموها، فمروية بالآحاد، فإن فسدت رواية الآحاد، فسدت هذه المطاعن، وإن صحت، فسدت هذه المطاعن أيضًا، فعلى كل التقديرات هذه المطاعن مدفوعة؛ فيبقى الأصل الذي ذكرناه سليمًا.
стр. 2818
وأما طعن الخوارج: فهو بناء على أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد لا يجوز وقد تقدم القول فيه.
وأما قولهم: (إن الظاهر: أن هذه الألفاظ ليست ألفاظ الرسول- ﵊): قلنا: لما ثبت أن الظاهر من حال الراوي العدالة، وقد أخبر بأنها ألفاظ الرسول ﷺ وجب تصديقه فيه ظاهرًا، والله أعلم.
الباب الثالث
في الخبر الذي يقطع بكذبه
قال القرافي: قوله: (الخبر عن الشيء يتأخر في الرتبة عن المخبر عنه).
تقريره: أنه إذا لم يكذب قط، وقال: أنا كاذب، وأراد هذا الخبر الذي نطق به الآن، وأنه كاذب فيه، فيكون هذا الخبر خبرًا ومخبرًا عنه، وتعدد الواحد محال، فلا يكون هذا الخبر في نفسه كذبًا؛ لعدم التعدد، والإخبار عنه بأنه كذب يكون كذبًا لا ينفي شرط ذلك، وهو التعدد.
قوله: (لا نسلم أن عدم بلدة بين (بغداد) و (البصرة) ليس ضروريًا، بل يتوقف على النظر، ولهذا إذا قيل للقائل ذلك: لم قلته؟ يقول: لو كان لنقل):
قلنا: هذا لا يدل على أنه متوقف على هذا الدليل؛ فإن هذا يقال لمعنيين: أحدهما: لأن المطلوب نظري.
والثاني: بقصد إفحام الخصم وبيان عناده، وكذلك قال الإمام في (المحصل) في الاستدلال على أن الجزء أقل من الكل: إنه لو كان مساويًا لكان الجزئي الآخر وجوده وعدمه سواء، واستدل على أشياء كثيرة من الضروريات بهذا الطريق، فعلمنا أن الاستدلال لا يقتضي أن المستدل عليه نظري.
стр. 2819
قوله: (حصل في الأخبار ما لا يجوز نسبته لرسول الله ﷺ ):
تقريره: أن الرافضة روت أن رسول الله ﷺ كان جالسًا ومعه عفريت من الجن، فدخل عليهما علي-﵁ ففر العفريت، ثم خرج علي-﵁ فرجع العفريت لرسول الله ﷺ فقال له: مالك فررت؟ فقال له: من علي؛ فإنه شجني في رأسي من أربعة آلاف سنة، فلما خرج العفريت عاد علي فقال لرسول الله ﷺ : يا علي أبعثت معنا ومع غيرنا؟ فقال: نعم.
فهذا الحديث يعلم بالضرورة أنه كذب، وأن نسبته لرسول الله ﷺ متعذرة.
قوله: (هذه المطاعن مرورية بروايات الآحاد، فإن بطلت روايات الآحاد بطلت هذه المطاعن، وإن صحت رواية الآحاد بطلت هذه المطاعن أيضًا):
تقرير بطلانها على التقديرين: أن بتقدير صحة رواية الآحاد، ونحن لا ندفع الدليل الدال على عصمتهم إلا بدليل قطعي؛ لأنه قطعي، والقطع لا يعارضه الظن، فكذلك بطلت المطاعن على التقديرين.
قوله: (وأما طعن الخوارج فمبنى على أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد لا يجوز).
تقريره: أن جمعًا من الصحابة-رضوان الله عليهم- خالفوا ظاهر الكتاب لأخبار آحاد اتصلت بهم، فجعلهم الخوارج عصاة لمخالفتهم ظاهر الكتاب، وليس كما زعموا؛ لأن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز كما تقدم في (باب التخصيص).
قوله: (ألفاظ الراوي هي الرسول؛ لظاهر عدالة الراوي).
стр. 2820
تقريره: أن العلماء نصوا على أن الله-تعالى- لما سبق في قضائه وقدره بقاء هذه الشريعة، وظهور هذه الملة المحمدية على الحق جعل من جملة أسباب ذلك أن سلفها، وهم الصحابة-رضوان الله عليهم- وكثير من التابعين يحفظون من المرة الواحدة، ولا ينسبون ذلك مع تطاول السنين.
ولذلك كان أبو هريرة إذا مر في السوق سد أذنه؛ لأنه كان أي شيء سمعه حفظه، وذلك كثير في الصحابة رضوان الله عليهم.
وأما التابعون فحفظ [أبو] زرعة ستمائة ألف حديث بأسانيدها، وحفظ البخاري مائتي ألف حديث بأسانيدها، وما يتعلق بها، وحفظ مالك مائة ألف حديث على النحو الذي كان يختاره، فإنه كان لا ينقل إلا عن الرواة الفقهاء، وكان في أقضية الصحابة لا ينسى عبارة، وأملاه يومًا شيخه ربيعة أربعين حديثًا، فأدعاها عليه من مرة واحدة، وشك في واو هل واو أو فاء؟ فعاتبه ربيعة وقال له: دعنا ساء حفظ الناس اليوم، وقوله: ساء
стр. 2821
حفظ الناس يدل على أن أكثر من هذا الحفظ كان عامًا في الناس، فلا يستغرب أن هذه الألفاظ هي ألفاظ الرسول، وفي زمن يعقوب بن عبيد المؤمن بعث إلى الغبش يطلب منه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لجدهم هرقل الذي فيه (قل يا أهل الكتاب إلى قوله: أسلم تسلم، فإن توليت فإنما عليكم إثم الأريسين)، فوجده يعقوب على نص ما في البخاري لم يتغير منه شيء، وهذا يدل على حفظ الملة، وصون الرسالة المحمدية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإناله لحافظون﴾ [الحجر: ٩]، والسنة هي من جملة المنزل، فهي محفوظة، ولله الحمد على ذلك.
(تنبيه)
قال سراج الدين على قول أن القائل: أنا كاذب ولم يكن كذب قط: لقائل أن يقول: لم لا يجوز اتحاد المخبر، والمخبر عنه يكذبه؛ فإن قول من لم يتكلم قط في يوم: (أنا كاذب في هذا اليوم) خبر اتحد مع المخبر عنه يكذبه، ثم الغرض يتأتى بالصدق أيضًا.
نعم قوله: (كل إخباراتي كاذبة) كاذب؛ لأنه إن صدق خر منها كذب هذا، وإلا كذب هذا أيضًا.
стр. 2822
قلت: سؤاله غير متجه؛ لأن المصنف جعله كاذبًا إن أراد بقوله: أنا كاذب، الخبر الأخير لحصول الاتحاد مع أنا التعدد شرط، فلا يضره أن يكون هذا أيضًا كاذبًا إن لم يقل في يومه غير هذا الخبر، فالشرط عند المصنف أيضًا منفى، فهو كاذب في قوله: أنا كاذب؛ لعدم الشرط في صحة الكذب؛ لأجل اتحاد الخبر وانفارده، ولا يلزم من ذلك اتحاد المتعلق والمتعلق، وأن مثال المصنف يلزم صحة الصدق فيه لصحة الاتحاد، فلا يتجه السؤال.
وقوله: (الغرض يتأتى بالصدف أيضًا) معناه: إذا قال: كل أخباري صادقة، وكان ما صدق قط، فيأتي الترديد الذي ذكره المصنف بعينه، فهذا من سراج الدين توسعة، وليس سؤلًا.
وقوله: (كل إخباراتي كاذبة-إن صدق منها شيء كذب هذا الخبر، وإلا كذب هذا.
معناه: أنه إذا لم يصدق منها خبر يكون هذا الخبر صادقًا باعتبار ما مضى من الأخبار، ويكون كذبًا؛ لأنه قال: كل إخباراتي، ومن جملتها هذا الخير، فقد أخبر عنه بالكذب، ومثل غير سراج الدين بالقائل في بيت لم يتكلم فيه قط: أنا كاذب في كل ما قلته في هذا البيت، فجعل البيت عوض تمثيل سراج الدين باليوم، ولذلك إذا لم يقل في البيت إلا صدقًا، فقال: كل ما قلته في هذا البيت صدق، وتقريره ما تقدم.
(مسألة)
في تعديل الصحابة
قال سيف الدين: اختلفوا في الصحابي من هو ؟ فقال أكثر الشافعية،
стр. 2823
وأحمد بن حنبل: هو من رأى النبي-﵇ وصحبه، ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته.
وقيل: من رآه ﵇-واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه.
وقال عمرو بن بحر: هو من طالت صحبته له-﵇ وأخذ عنه العلم.
قال المازري في (شرح البرهان): متى قلنا: الصحابة عدول، وإن الخبر إذا أسنده التابعي صحابي، فقد وجب العمل به، إنما يريد بالصحابة الذين لازموه، ونصروه، واتبعوا النور الذي جاء به، ولا يعنى بهم الذين رأوه اتفاقًا، أو لغرض ثم فارقوه.
قلت: لا تنافي بين كلام سيف الدين والمازري؛ فإن سيف الدين نقل الخلاف فيمن يسمى صحابيًا كيف كان عجلًا أم لا، ـ ونقل المازري فيمن يحكم له بالعدالة، فلا ينبغي الخلاف في هذا.
***
стр. 2824
القسم الثاني
قال الرازي: في الخبر الذي لا يقطع بكونه
صدقًا أو كذبًا، وفيه أبواب:
الباب الأول
في إقامة الدليل على أنه حجة في الشرع
اختلف الناس فيه، فالأكثرون جوزوا التعبد به عقلًا، والأقلون منعوا منه عقلًا.
أما المجوزون: فمنهم: من قال: وقع التعبد به.
ومنهم من قال: لم يقع التعبد به.
والذين قالوا: وقع التعبد به، اتفقوا على أن الدليل السمعي دل عليه، واختلفوا في أن الدليل العقلي، هل دل عليه؟ فذهب القفال وابن سريج منا وأبو الحسين البصري من المعتزلة: إلى أن دليل العقل دل على وقوع التعبد به.
أما الجمهور منا ومن المعتزلة؛ كأبى على، وأبى هاشم، والقاضي عبد الجبار: فقد اتفقوا على أن دليل التعبد به السمع فقط.
وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية.
أما الذين قالوا: لم يرد التعبد به، فهم فرق ثلاث:
الأولى: أنه لم يوجد ما يدل على كونه حجة، فوجب القطع بأنه ليس بحجة.
стр. 2825
والثانية: أنه جاء في الأدلة السمعية ما يدل على أنه ليس بحجة.
والثالثة: أن الدليل العقلي قائم على امتناع العمل به.
ثم إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا تعلم صحته؛ كما في الفتوى، وفي الشهادة، وفي الأمور الدنيوية.
لنا النص، والإجماع، والسنة المتواترة، والقياس، والمعقول:
أما النص: فوجهان:
الأول: قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة؛ ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحذر بإخبار الطائفة، والطائفة هاهنا عدد لا يفيد قولهم العلم، ومتى وجب الحذر بإخبار عدد لا يفيد قولهم العلم، فقد وجب العمل بالخبر الذي لا نقطع بصحته.
وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر عند إخبار الطائفة؛ لأنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة، والإنذار هو الإخبار.
وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة؛ لقوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢] وكلمة (لعل) للترجي؛ وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا تعذر حمله على ظاهره، وجب حمله على المجاز؛ وذلك لأن المترجي طالب للشيء، فإذا كان الطلب لازمًا للترجي، وجب حمل هذا اللفظ على الطلب؛ فيلزم أن يكون الله طالبًا للحذر، وطلب الله تعالى هو الأمر؛ فثبت أن الله تعالى أمر بالحذر عند إنذار الطائفة.
стр. 2826
وإنما قلنا: إن الإنذار هو الإخبار؛ لأنه عبارة عن الخبر المخوف، والخبر داخل في الخبر المخوف؛ فثبت أن الله تعالى أوجب الحذر عند إخبار الطائفة.
وإنما قلنا: (إن الطائفة هاهنا عدد لا يفيد قولهم العلم) لأن كل ثلاثة فرقة، والله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة، والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان، وقول الواحد أو الاثنين لا يفيد العلم.
وإنما قلنا: إنه تعالى، لما أوجب الحذر عند خبر العدد الذي لا يفيد قولهم العلم، وجب العمل بذلك الخبر؛ لأن قومًا إذا فعلوا فعلًا، وروى الراوي لهم خبرًا يقتضي المنع من ذلك الفعل: فإما أن يجب عليهم تركه عند سماع ذلك الخبر، أو لا يجب:
فإن وجب، فهو المراد من وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر، وإذا ثبت وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر في هذه الصورة، وجب العمل به في سائر الصور، ضرورة ألا قائل بالفرق.
وإن لم يجب الترك، لم يجب الحذر؛ وذلك ينافي ما دلت الآية عليه من وجب الحذر.
فإن قيل: لا نسلم أنه تعالى أوجب الحذر عند إنذار الطائفة، وأما قوله تعالى: ﴿لعلم يحذرون﴾ قلنا: سلمتم أنه لا يمكن حمله على ظاهرة؛ فلم قلتم: إنه يجب حمله على ذلك المجاز؟ ولم لا يجوز حمله على مجاز آخر؟ لا بد فيه من الدليل.
سلمنا: وجوب الحذر عند الإنذار؛ لكن لا نسلم أن الإنذار هو الإخبار؛ فإن الإنذار من جنس التخويف، فنحن نحمل الآية على التخويف الحاصل من
стр. 2827
الفتوى، بل هذا أولى؛ لأنه أوجب التفقه؛ لأجل الإنذار، والتفقه إنما يحتاج إليه في الفتوى، لا في الرواية.
فإن قلت: الحمل على الفتوى متعذر؛ لوجهين:
الأول: أنا لو حملناه على الفتوى، لاختص لفظ (القوم) بغير المجتهدين؛ لأن المجتهد لا يجوز له العمل بفتوى المجتهد؛ لكن التقييد غير جائز؛ لأن الآية مطلقة في وجوب إنذار القوم، سواء كانوا مجتهدين، أو لم يكونوا كذلك.
أما لو حملناه على رواية الخبر لا يلزمنا ذلك؛ لأن الخبر كما يروي لغير المجتهد، فقد يروى أيضًا للمجتهد.
والثاني: أن من شرب النبيذ؛ فروى إنسان خبرًا يدل على أن شاربه في النار، فقد أخبره بخبر مخوف، ولا معنى للإنذار إلا ذلك فصح وقوع اسم (الإنذار) على الرواية، ثم بعد ذلك نقول: لا يخلو: إما ألا يقع اسم (الإنذار) الرواية لا الفتوى، وإن وقع، لم يجز جعله حقيقة فيها؛ دفعًا للاشتراك؛ فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك، وهو الخبر المخوف.
وعلى هذا التقدير: يكون متناولًا للرواية والفتوى جميعًا؛ وذلك مما لايضرنا.
قلت: الجواب عن الأول: أنه كما يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص لفظ (القوم) بغير المجتهد، يلزم من حمله على الرواية تخصيص لفظ (القوم) بالمجتهد؛ لإجماعنا على أنه لا يجوز للعامي أن يستدل بالحديث،
стр. 2828
فالتقييد لازم عليكم؛ كما أنه لازم علينا؛ فعليكم الترجيح، ثم إنه معنا؛ لأن غير المجتهد أكثر من المجتهد، والتقييد كلما كان أقل، كان أولى.
وعن الثاني: أنه إذا كان المراد من (الإنذار) القدر المشترك بين الفتوى والرواية، والمأمور به إذا كان مشتركًا فيه بين صور كثيرة، كفى في الوفاء بمقتضى الأمر الإتيان بصورة واحدة من تلك الصور؛ لأنه إذا كان المطلوب إدخال القدر المشترك بين الفتوى والرواية في الوجود، وذلك المشترك يحصل في الفتوى-فالقول بكون الفتوى حجة يكفي في العمل بمقتضى النص؛ فلا تبقى للنص دلالة على وجوب العمل بالرواية.
سلمنا أن المراد من (الإنذار) رواية الخبر فقط؛ لكن لم لا يجوز أن يكون المراد رواية أخبار الأولين، وكيفية ما فعل الله تعالى بهم؟ لأن سماع أخبارهم يقتضى الاعتبار؛ على ما قال الله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب﴾ [يوسف: ١١١] أو يكون المراد منه التنبيه على وجوب النظر والاستدلال.
سلمنا أن الآية تقتضى وجوب الحذر عند خبر الطائفة؛ فلم قلت: إن (الطائفة) اسم لعدد لا يفيد قولهم العلم؟.
قوله: (لأن كل ثلاثة فرقة، والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان):
قلنا: لا نسلم أن كل ثلاثة فرقة؛ فما الدليل؟.
ثم إن الذي يدل على بطلانه وجهان:
الأول: أنه يقال: الشافعية فرقة واحدة، لا فرق، ولو كان كل ثلاثة فرقة، لما كان الشافعية واحدة، بل فرقًا.
стр. 2829
الثاني: أنه تعالى أوجب على كل فرقة: أن تخرج منها طائفة للتفقه، ولو كان كل ثلاثة فرقة، لوجب أن يخرج من كل ثلاثة واحد؛ وذلك باطل بالاتفاق.
سلمنا أن (الطائفة) اسم لعدد لا يفيد قولهم العلم؛ فلم قلت: إنه يقتضى وجوب الحذر بقول عدد لا يفيد قولهم العلم؟.
بيانه: (أن الطائفة) عندكم اسم للواحد، أو الاثنين، وقوله: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة: ١٢٢] ضمير جمع، وأقل الجمع ثلاثة؛ على ما تقدم، فإذن: قوله: ﴿ولينذروا﴾ ليس عائدًا إلى كل واحد من تلك الطوائف؛ بل إلى مجموعها؛ فلم قلت: إن مجموع تلك الطوائف ما بلغوا حد التواتر؟.
سلمنا أن الآية تقتضى وجوب الحذر عند خبر من لا يفيد قولهم العلم فلم قلت: إنها تقتضى وجوب العمل بذلك الخبر؟ فإنا إنما نوجب عليهم ذلك الترك للاحتياط؛ حتى إنه لو كان عاميًا وجب عليه الرجوع إلى المفتى، فإن أذن له، جاز له العود إليه، وإن كان مجتهدًا، نظر في سائر الأدلة، فإن وجد فيها ما يقتضى المنع من ذلك الفعل، امتنع منه، وإلا جاز له العود إليه.
والجواب: قوله: (لم قلت: إنه يفيد وجوب الحذر؟):
قلنا: لثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا يجوز حمله على ظاهره؛ فوجب حمله على الأمر به.
قوله: (لم قلت: ليس هاهنا مجاز آخر؟):
قلت: لأن الأصل عدم المجاز؛ فإذا وجد هذا المجاز الواحد، فالظاهر عدم سائر المجازات.
стр. 2830
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢] يقتضى إمكان تحقق الحذر في حقهم، والحذر هو التوقي من المضرة، والفعل الذي يقتضى خبر الواحد المنع منه، قد لا يكون مضرًا في الدنيا، فلا بد وأن يكون مضرًا في الآخرة، وإلا لم يكن الحذر ممكنًا، ولا معنى لمضرة الآخرة إلا العقاب، فإذا كان هو بحال يحذر عنه، وجب أن يكون بحال يترتب العقاب على فعله، ولا معنى لقولنا: (خبر الواحد حجة) إلا هذا القدر.
الثالث: أن قوله تعالى: ﴿لعلهم يحذرون﴾، إن لم يقتض وجوب الحذر فلا أقل من أن يقتضى حسن الحذر؛ وذلك يقتضى جواز العمل بخبر الواحد، والخصم ينكره،؛ صار محجوجًا به.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد الفتوى)؟:
قلنا: للوجهين المذكورين:
أحدهما: أنا لو حملناه على الفتوى، لوم تخصيص (القوم) بغير المجتهد.
قوله: (ولو حملناه على الرواية، لزم تخصيصه بالمجتهد):
قلنا: لا نسلم؛ فإن الخبر كما يروى للمجتهد، فقد يروى لغير المجتهد، بلى، لا يجوز لغير المجتهد أن يتمسك به، ولكن ينتفع به من وجوه أخرى: منها: أنه ينزجر عن فعله، ويصير ذلك داعيًا له إلى الرجوع إلى المفتي، وربما بحث عنه، واطلع على معناه.
الوجه الثاني: أنا نحمله على القدر المشترك.
قوله: (يكفى في العمل به ثبوته في صورة واحدة):
стр. 2831
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
الأول: أنه رتب وجوب الحذر على مسمى الإنذار الذي هو القدر المشترك؛ فوجب كون هذا القدر المشترك علة للحكم؛ فوجب أن يكون الحكم ثابتًا، أينما ثبت هذا المسمى.
والثاني: أن قبل ورود هذه الآية: إما أن يقال: كان الأمر بقبول الفتوى واردًا، أو ما كان واردًا؟ فإن كان واردًا، ولم يجز حمل هذه الآية عليه؛ وإلا كان ذلك تكريرًا من غير فائدة.
وإن قلنا: إنه ما كان واردًا، وجب حمله على الأمر بالصورتين؛ وإلا تطرق الإجمال إلى الآية؛ وهو خلاف الأصل.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد من الإنذار رواية أخبار الأولين؟):
قلنا: الجواب عنه كما تقدم على السؤال الأول.
قوله: (لم قلت: كل ثلاثة فرقة؟):
قلنا: لأن الفرقة في أصل اللغة (فعلة) من (فرق) أو (فرق)، كـ (القطعة) من (قطع) أو قطع).
وكل شيء حصل الفرق أو التفريق فيه، كان فرقة، كما أن كل ما حصل القطع أو التقطيع فيه، كان قطعة؛ ولذلك من شق الخشبة، يقال: فرقها فرقًا.
وإذا كان كذلك، فالفرقة في اللغة: تقع على كل واحد من الأشخاص حقيقة، إلا أنا خصصناها في هذه الآية بالثلاثة؛ حتى يمكن خروج الطائفة عنها؛ فوجب أن تبقى حقيقة في الثلاثة.
قوله: (أصحاب الشافعي-﵁ فرقة واحدة):
стр. 2832
قلنا: ذلك لأنهم بحسب المذهب امتازوا عن غيرهم؛ فلأجل هذا الافتراق سموا فرقة واحدة أما بحسب الشخص، فهم فرق.
قوله: (إن الله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة للتفقه، ولا يجب ذلك على كل ثلاثة):
قلنا: ترك العمل به في حق هذا الحكم؛ فيبقى معمولًا به في الباقي.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد أن ينذر مجموع الطوائف قومهم؟):
قلنا: هذا باطل؛ لقوله: ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ لأنه لا يجوز أن يقال: فلان رجع إلى ذلك الموضع إلا بعد أن كان فيه؛ ومعلوم أن الطائفة من كل فرقة ما كانت في غير تلك الفرقة، ولا يمكن أن يقال: كل طائفة ترجع إلى كل الفرق؛ بل إنما يمكن رجوعها إلى فرقتها الخاصة.
قوله: (الضمير في قوله: ﴿ولينذروا﴾ ليس ضمير الواحد والاثنين):
قلنا: هذا لا يضرنا؛ لأنه تعالى قابل مجموع الطوائف بمجموع القوم، فيتوزع البعض على البعض.
قوله: (لم قلت: إنه يدل على وجوب الترك بذلك الخبر؟):
قلنا: لما تقدم.
قوله: (يجب عليه الترك في الحال؛ ليستفتى إن كان عاميًا، وليتأمل، إن كان مجتهدًا):
قلنا: هذا باطل؛ لأن العامي لا يجوز له الإقدام على الفعل، إلا بعد أن يعلم أولًا جواز ذلك الفعل من جهة المفتي، ومتى علم الفتوى، لم يجب عليه الاستفتاء مرة أخرى.
стр. 2833
وأما المجتهد؛ فإن كان خبر الواحد حجة عليه، فهو المطلوب، وإن لم يكن دليلًا، لم يحب عليه التوقف؛ لانعقاد الإجماع على أن الذي لا يكون دليلًا لا يمنعه عن فعل ما ثبت له جواز فعله؛ بدليل متقدم.
المسلك الثاني: لو وجب في خبر الواحد ألا يقبل، لما كان كون خبر الفاسق غير مقبول معللًا بكونه فاسقًا؛ لكنه معلل به؛ فلم يجب في خبر الواحد ألا يقبل؛ فإذا لم يجب ألا يقبل جاز قبوله في الجملة؛ وهو المقصود.
بيان الملازمة: أن كون الراوي الواحد واحدًا أمر لازم لشخصه المعين، يمنع خلوه عنه عقلًا.
وأما كونه فاسقًا: فهو وصف عرضي يطرأ ويزول؛ وإذا اجتمع في المحل وصفان أحدهما لازم، والآخر عرضي مفارق، وكان كل واحد منهما مستقلًا باقتضاء الحكم-كان الحكم؛ لا محالة، مضافًا إلى اللازم؛ لأنه كان حاصلًا قبل حصول المفارق، وموجبًا لذلك الحكم، وحين جاء المفارق، كان ذلك الحكم حاصلًا بسبب ذلك اللازم، وتحصيل الحاصل مرة أخرى محال، فيستحيل إسناد ذلك الحكم إلى ذلك المفارق.
مثاله: يستحيل أن يقال: الميت لا يكتب؛ لعدم الدواة والقلم عنده؛ لأن الموت، لما كان وصفًا لازمًا مستقلًا بامتناع صدور الكتابة عنه، لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي، وهو عدم الدواة، والقلم.
وإنما قلنا: إنه معلل به؛ لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] أمر بالتثبت؛ مرتبًا على كونه فاسقًا، والحكم المرتب على الوصف المشتف المناسب، يقتضى كونه معللًا بما منه الاشتقاق،
стр. 2834
ولا شك في أن الفسق يناسب عدم القبول؛ فثبت بما ذكرنا: أن خبر الواحد، لو وجب ألا يقبل، لامتنع تعليل ألا يقبل خبر الفاسق، بكونه فاسقًا، وثبت أنه معلل به، فخبر الواحد لا يجب ألا يقبل؛ فهو إذن مقبول في الجملة.
ومن الناس: من تمسك بالآية على وجه آخر؛ وهو أنه تعالى أمر بالتثبت؛ بشرط أن يكون الخبر صادرًا عن الفاسق، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرك؛ فوجب ألا يجب التثبت، إذا لم يوجد مجيء الفاسق، فإذا جاء غير الفاسق ولم يتثبت: فإما أن يجزم بالرد؛ وهو باطل؛ وإلا كان خبر العدل أسوأ حالًا من خبر الفاسق، وهو باطل بالإجماع؛ فيجب القبول؛ وهو المطلوب.
القسم الثاني
فيما لا يقطع بكونه صدقًا ولا كذبًا
قال القرافي: قوله: (الدليل على كونه حجة):
قلت: هذه الفهرسة غير وافية بالمقصود؛ لاندراج المشكوك فيه فيها؛ فإنه لا يقطع بصدقه، ولا بكذبه، بل لا بد أن نقول: هو المفيد للظن من جهة العدل أو العدول، فقولنا: (المفيد للظن) خرج المشكوك فيه.
وقولنا: (من جهة العدل) خرج إخبارات الكفرة والفسقة؛ فإنها تفيد الظن؛ لكونه غير معتبر، وليس مقصودًا لنا، وقولنا: (أو العدول) ليندرج خبر الجماعة إذا أفاد الظن؛ فإنا لا نعنى بخبر الواحد أنه خبر المنفرد، بل وقع الاصطلاح على أنه ما أفاد الظن، وإن كان خبر جماعة، وهذا وضع عرفي لا لغوي.
(تنبيه)
ينبغي أن نعلم أن أصل القسمة ثلاثة: تواتر، وآحاد، ولا تواتر ولا آحاد، وهو خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، فليس تواترًا؛ لاشتراطنا في
стр. 2835
التواتر العدد، فليس آحادًا؛ لاشتراطنا في الآحاد الظن، وهذا أفاد القطع بالقرائن، فلا يكون آحادًا.
قوله: (الأقلون منعوا التعبد به عقلًا):
تقريره: أن فيه احتمال الخطأ والضلال، والحكمة تمنع من تعبد الناس بمنع ذلك؛ بناء على قاعدة الحسن والقبح العقليين.
قوله: (دليل العقل دل عليه .....).
تقريره: أن صدقه غالب، وكذبه نادر، والحكمة تقتضى ألا تضيع المصلحة الغالية للمفسدة النادرة.
قوله: (اتفقوا على العمل به في الفتوى والشهادات والأمور الدنيوية).
تقريره: أن الفرق عنده الفتوى والشهادة حكم جزئي متعلق بجزئي، فعلى تقدير تضمنه لمفسدة الكذب، أو غيرها لا تعم؛ بخلاف إنشاء الأحكام بالاجتهاد، فإنها تعم الناس إلى يوم القيامة، فإن المراد بالفتوى كون العامي يقبل قول العالم الواحد، ويعتمد عليه، بخلاف ما يفتي به المجتهد في دين الله عمومًا.
وأما الدنيويات، فكالطب، والعلاج، والأغذية، والأشربة يجوز أن يقبل منها خبر الطبيب الواحد، والمباشر الواحد لسلامة الغذاء والشراب عن المؤذيات، واشتماله على المقاصد، ونسافر في البحار، والقفار، ونسلك الأوعار بأخبار العدل بأسباب السلامة وحصول ما يعتمد عليه في ذلك.
قوله: (لنا): قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ...﴾ الآية [التوبة: ١٢٢].
стр. 2836
اختلف العلماء فيها على قولين:
أحدهما: أن المراد أن الفرقة النافرة هي المتفقة، وأن الله-تعالى- أمر أن يخرج من كل قبيلة من الأعراب، وأحياء العرب طائفة ليتفقهوا عند رسول الله ﷺ ، ويرجعون إلى قومهم ينذرونهم، ويعلمونهم، وهو مقصود صاحب الكتاب.
وقيل: بل المراد أن الفرق التي عند رسول الله ﷺ من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى بقيتهم عند رسول الله ﷺ يتفقهون ف الدين؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم منا لجهاد، فعلى هذه، الطائفة النافرة ليست هي المتفقهة، بل المنذرة، عكس القول الأول.
قوله: (الترجي على الله-تعالى- محال، وكل مترج طالب، فيحمل على الطلب مجازًا).
قلنا: قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤].
معناه: (اذهبا أنتما في رجائكما) رجائك يريد أن الترجي أصله للمتكلم، فيصرف للمخاطب مجازًا؛ لأنه من لوازم المتكلم بالرجاء مع من يخاطبه، ويصير المعنى فعلًا معه فعل الراجي ليذكره؛ فإن من وعظ وهو آيس قصر بخلاف من وعظ من يرجوه، فإنه يبالغ في موعظته، فيصير المعنى بالغًا في الموعظة، فيكون أمرًا بالمبالغة في ذلك المعنى المذكور، وهذا الذي قاله سيبويه، إنما يتأتى إذا كان الفعل للسامع، فإن كان الله-تعالى- كقوله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ٥٦] ونحوه مما هو فعل الله-تعالى- فيكون معناه: بالغنا في ذلك الفعل مبالغة الراجي، فيكون إخبارًا صرفًا عن المبالغة، فإن أمر الله-تعالى- نفسه
стр. 2837
سيبويه، وما ينبغي فيها من التفصيل، وأما طريقة المصنف، فإنها للأمر مطلقًا، فهذا تقرير المجاز في هذه اللفظة حيث وقعت في القرآن مضافة إلى الله-تعالى- وكذلك (عسى) كقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] إخبار من الله-تعالى- عن وقوع الخير، ويمكن صرفه للأمر بتوقع الخير في المكروه كما قاله المصنف.
قوله: (والطائفة واحد أو اثنان، فلا يفيد خبرهم العلم):
قلنا: هذا بناء على أن النافرة هي المتفقهة.
وقلنا: منعه على القول الآخر أن النافرة هي النافية، وعددها غير معلوم، فلعله يحصل العمل بالخارجة للجهاد إذا عادت إليهم.
قوله: (رتب وجوب الحذر على مسمى الإنذار الذي هو القدر المشترك، فوجب كون القدر المشترك علة، فيثبت الحكم حيث يثبت المشترك).
قلنا: هذا تمسك بالقياس، وهو باطل لوجهين:
الأول: أنكم شرعتم في التمسك بالنص، والعدول عنه للقياس انقطاع.
الثاني: أن القياس أضعف من خبر الواحد، فيلزم إثبات الأقوى بالأضعف، بل هذا من أضعف أنواع الأقيسة؛ لأن علته بالإيماء لا بالنص؛ لا ترتيب الحكم على الوصف إيماء للعلة لا تصريح بها، بل احلق في هذا المقام أن قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة:١٢٢] (فعل) في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا، والمطلق يكفى في العمل به صورة واحدة، فلا يتعين تناوله لصورة النزاع.
قوله: (إن لم يحمل على الفتوى والرواية يتطرق الإجمال للآية، وهو خلاف الأصل).
قلنا: لا نسلم؛ لأن المطلقات كلها لا تحمل على جميع صورها التي فيها
стр. 2838
ذلك المشترك الذي هو ذلك المطلق، وما لزم الإجمال، بل يخرج المكلف عن العهدة بفرد منها، كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] ما لزم من عدم تعميمه إجماله، ولذلك أيضًا لا تتناول الآية أخبار هذه الشرائع، بل تصدق بأخبار الأولين؛ لأنه من جملة أفراد المشترك.
قوله: (إن الله-تعالى- قابل مجموع الطوائف لمجموع القوم).
تقريره: أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿لينذروا﴾ [التوبة:١٢٢] راجعة إلى مجموع المنذرين، لا بمعنى أنهم بمجموعهم ينذرون كل فرد، بل بمعنى أن ما أشتمل عليه (الواو) من العدد يتوزع على الفرق، فتذهب لكل فرقة طائفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨] فتوزع الأيدي على السارقين، وإن كانت صيغة الأيدي صيغة جمع، وكذلك قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ...﴾ [المائدة: ٦] صيغة الوجوه والأيدي، والمراد التوزيع، أي: ليغسل كل منكم وجهه ويديه، فكذلك هاهنا.
***
стр. 2839
المسلك الثالث
قال الرازي: السنة المتواترة
وهو ما روى أنه ﷺ كان يبعث رسله إلى القبائل؛ لتعليم الأحكام مع أن كل واحد من أولئك الرسل ما كانوا بالغين حد التواتر.
واعترض أبو الحسين البصري على هذه الدلالة بسؤال واقع، فقال: كان يبعثهم إلى القبائل للفتوى، أو لرواية الخبر؟.
الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أن العوام في القبائل، كانوا أكثر من المجتهدين، فكانت حاجتهم إلى الفتوى أشد من حاجتهم إلى من يروى لهم الخبر؛ ليحتجوا به.
وبالجملة: هب أن هذا الاحتمال ليس أظهر؛ لكن لا بد من قيام الدلالة على قطع هذا الاحتمال، ليتم الاستدلال.
(المسلك الثالث)
قال القرافي: قوله: (كان ﵇ يبعث رسله إلى القبائل، ولم يبلغوا حد التواتر):
قلنا: تقدم للتبريزي سؤال في غير هذا الموضع، وهو أنه-﵇ إنما كان يقتصر على ذلك للضرورة؛ لأنه لو بعث لكل طائفة من يحصل بخبرهم العلم لم يجده، ولم يبق عنده أحد.
قال: ولذلك كانت رسله-﵇ تبلغهم العقائد التي يشترط فيها العلم في زماننا، فعملنا أن تلك الحالة مستثناه للضرورة، بخلاف زماننا هذا.
стр. 2840
المسلك الرابع
قال الرازي: الإجماع: العمل بخبر الواحد الذي لا يقطع بصحته مجمع عليه بين الصحابة؛ فيكون العمل به حقًا .
إنما قلنا: (إنه مجمع عليه بين الصحابة) لأن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لا يقطع بصحته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على فاعله، وذلك يقتضى حصول الإجماع.
وإنما قلنا: (إن بعض الصحابة عمل به) لوجهين:
الأول: وهو أنه روى بالتواتر: أن يوم السقيفة، لما احتج أبو بكر-﵁ على الأنصار بقوله-﵊: (الأئمة من قريش) مع أنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].
قبلوه: ولم ينكر عليه أحد، ولم يقل له أحد: (كيف تحتج علينا بخبر لا نقطع بصحته) فلما لم يقل أحد منهم ذلك، علمنا أن ذلك كان كالأصل المقرر عندهم.
الثاني: الاستدلال بأمور لا ندعى التواتر في كل واحد منها؛ بل في مجموعها، وتقريره: أن نبين أن الصحابة عملوا على وفق خبر الواحد، ثم نبين أنهم إنما عملوا به، لا بغيره.
أما المقام الأول، فبيانه من وجوه:
следующие страницы →