Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
فرعان:
الأول: الحكم المرتب على الوصف مشعر بكون الوصف علة، سواء كان ذلك الوصف مناسبًا لذلك الحكم، أو لم يكن مناسبًا لذلك الحكم، وقال قوم: لا يدل على العلية إلا إذا كان مناسبًا.
لنا وجهان:
الأول: أن الرجل، إذا قال: (أكرموا الجهّال، واستخفوا بالعلماء) يستقبح هذا الكلام في العرف، فلا يخلو: إما أن يكون الاستقباح جاء؛ لأنه فُهم منه، أنه حكم يكون الجاهل مستحق للإكرام بجهله، ويكون العالم مستحقًا للاستخفاف بعلمه، أو لأنه فُهم منه: أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام، والعالم مستحقاً للاستخفاف.
والثاني: باطلٌ؛ لأن الجاهل قد يستحق الإكرام بجهة أخرى؛ نحو نسبه، أو شجاعته، أو سوابق حقوقه، والعالم قد يستحق الاستخفاف؛ لفسقه، أو لسبب آخر.
وإذا بطل هذا القسم ثبت الأول، وذلك يدل على أن ترتيب الحكم على الوصف يفيد كون الوصف علة للحكم، سواء تحققت المناسبة، أو لم تتحقق
стр. 3152
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: إن الاستقباح، إنما جاء؛ لأن الجهل مانع من الإكرام، والعلم مانع من الاستخفاف، فلمّا مر بإكرام الجاهل، فقد أثبت الحكم مع قيام المانع.
وأيضًا: فهب أن الحكم في هذا المثال كذلك؛ فلم قلت: إنه في سائر الصور يجب أن يكون كذلك؟):
قلت: الجواب عن الأول: أنا قد بيّنا: أنه قد يثبت استحقاق الإكرام، مع الجهل؛ فوجب أن يكون الجهل مانعًا منه؛ لئلا يلزم مخالفة الأصل.
وعن الثاني: أنه لما ثبت ما ذكرناه في بعض الصور، وجب ثبوته في كل الصور؛ وإلا وقع الاشتراك في هذا النوع من التركيب، والاشتراك على خلاف الأصل.
الوجه الثاني في المسألة: أنه لابد لهذا الحكم من علة، ولا علة إلا لهذا الوصف، أما الأول: فلأنه لو ثبت الحكم بدون العلة والدّاعي، كان عبثًا؛ وهو على الله تعالى محال.
وأما الثاني: فلأن غير هذا الوصف كان معدومًا، والعلم بأنه كان معدومًا، يوجب ظن بقائه على ذلك؛ على ما سيأتي تقرير هذا الأصل، وإذا بقى على العدم، امتنع أن يكون علة؛ فثبت أن غيره يمتنع أن يكون علة؛ فوجب أن تكون العلة ذلك الوصف.
الفرع الثاني: قد ذكرنا أن دخول (الفاء) يقع على ثلاثة أوجه؛ ولا شك أن قول الشارع أبلغ في الإفادة العلية من قول الراوي؛ لأنه يجوز أن يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يجوز تطرقه إلى كلام الشارع.
стр. 3153
وأما القسمان الباقيان: فيشبه أن يكون الذي تقوم العلة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من القسم الثاني؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها.
النوع الثاني: أن يشرّع الشارع الحكم عند علمه بصفة المحكوم عليه، فيعلم أنها علة الحكم، فإذا قال القائل: (يا رسول الله أفطرت) فيقول: (عليك الكفارة) فيعلم أن الكفارة وجبت؛ لأجل الإفطار.
وإنما قلنا: (إن ذلك مشعرٌ بالعلية) لأن قوله: (عليك بالكفارة) كلام يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، والكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، إذا ذكر عقب السؤال، فيفيد الظن بأنه إنما ذكره جوابًا عن السؤال، وإذا ذكره جوابًا عن السؤال، كان السؤال كالمعاد في الجواب، فيصير التقدير: (أفطرت؛ فاعتق، وحينئذ يلتحق هذا بالنوع الأول.
فإن قلتم لا نزاع في أن هذا الكلام صالحٌ لأن يكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ لكن لا نسلم أن مثل هذا الكلام: إذا ذُكر عقيب السؤال، حصل ظن أنه ذُكر؛ ليكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ فإنه ربما ذكره جوابًا عن سؤال آخر، أو لغرض آخر، أو زجرًا له عن هذا السؤال؛ كما أن العبد إذا قال لسيده: (دخل فلان دارك)، فيقول له السيد: (اشتغل بشأنك، فمالك، وهذا الفضول؟! (ولا يمكن إبطال هذا الاحتمال بما قاله بعضهم: من أنه لو لم يكن هذا الكلام جوابًا عن ذلك السؤال، لكان تأخرًا للبيان عن وقت الحاجة؛ وإنه لا يجوز؛ لاحتمال أنه- ﵊ عرف أنه لا حاجة بذلك المكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يكون إعراض الرسول ﷺ عن ذكر الجواب تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة.
стр. 3154
سلمنا أن ما يقوله الرسول ﷺ ، جوابا عن السؤال- مشعر بالتعليل؛ فلم قلتم: إن الذي يزعم الراوي أنه جواب عن السؤال مشعر به؟ لاحتمال أنه اشتبه الأمر على الراوي، فظنّ ما لم يكن جوابًا جوابًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن الأكثر على أن الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال، إذا ذكر عقيب السؤال، فإنما يذكر جوابًا عنه، والصورة التي ذكرتموها نادرة، والنادر مرجوح.
وعن الثاني: أن العلم بكون الكلام المذكور بعد السؤال جوابًا عنه، أو ليس جوابًا عنه- أمرٌ ظاهر يعرف بالضرورة عند مشاهدة المتكلم، ولا يفتقر فيه إلى نظر دقيق.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفًا، لو لم يكن موجبًا لذلك الحكم، لم يكن في ذكره فائدة، وهذا يقع على أقسام أربعة:
أحدها: أن يدفع السؤال المذكور في صورة الإشكال بذكر الوصف؛ كما روي أنه- ﵊ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على فلان، وعنده هرة، فقال: (إنها ليست بنجسة؛ إنما من الطوافين عليكم والطوّافات) فلو لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.
وثانيها: أن يذكر وصفاً في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره ابتداًء، فيُعلم أنه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم؛ كما روى أنه- ﵊ قال: (ثمرة طبية وماءٌ طهور).
وثالثها: أن يقرر النبي ﷺ على وصف الشيء المسئول عنه؛ كقوله ﷺ :
стр. 3155
(أينقُصُ الرطب، إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا؛ إذن (فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع، لم يكن للتقرير عليه فائدة؛ وهذا أيضًا يدل على العلية؛ من حيث الجواب بـ (الفاء).
ورابعها: أن يقرر الرسول ﷺ على حكم ما يشبه المسئول عنه، وينبه على وجه الشبه؛ فيعلم أن وجه الشبه هو العلة في ذلك الحكم؛ كقوله- ﵊ لعمر- ﵁ وقد سأله عن قبلة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته) فنبه بهذا على أنه لا يفسد الصوم بالمضمضة والقبلة؛ لأنه لم يحصل ما هو الأثر المطلوب منهما.
النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم؛ بذكر صفة؛ فيعلم أنه لو لم تكن تلك الصفة علة، لم يكن لذكرها فائدة، وهو ضربان:
أحدهما: ألا يكون حكم أحدهما مذكورًا في الخطاب؛ كقوله- ﵊: (القاتل لا يرث) فإنه قد تقدم بيان إرث الورثة، فلما قال: (القاتل لا يرثُ) وفرق بينه وبين جميع الورثة؛ بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثرًا في نفي الإرث- علمنا أنه العلة في نفي الإرث.
وثانيهما: أن يكون حكمهما مذكورًا في الخطاب، وهو على خمسة أوجه:
أحدهما: أن تقع التفرقة بلفظ يجرى مجرى الشرط؛ كقوله- ﵊: (فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد) بعد نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلًا؛ فدلّ على أن اختلاف الجنسين علّة في جواز البيع.
وثانيها: أن تقع التفرقة في الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهنّ حتّى يطهرْن﴾.
стр. 3156
وثالثها: أن تقع بالاستثناء؛ كقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾.
ورابعها: أن تقع بلفظ يجرى مجرى الاستدراك؛ كقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فدلّ على أن التعقيد مؤثر في المؤاخذة.
وخامسها: أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الأخرى، ونكون تلك الصفة مما يجوز أن يؤثر؛ كقوله ﷺ : (للراجل سهم، وللفارس سهمان (وأعلم أن الاعتماد في هذين النوْعين على أنه لا بدّ لتلك التفرقة من سبب، ولا بدّ في ذكر ذلك الوصف فائدة، فإذا جعلنا الوصف سببا للتفرقة، حصلت الفائدة.
النوع: النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه علينا؛ فيعلم أن العلة في ذلك النهي كونه مانعًا من ذلك الواجب؛ كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فإنه لما أوجب علينا السعي، ونهانا عن البيع، مع علمنا بأنه لو لم يكن النهي عن البيع؛ لكونه مانعًا من السعى، لكان ذكره في هذا الموضع غير جائز؛ وذلك يدلّ على أنه إنما نهانا عنه؛ لأنه يمنع من الواجب، وكتحريم التأفيف؛ فإن العلة فيه كونه مانعًا من الإعْظام الواجب؛ فهذه جملة أقسام الإيماءات.
مسألة: الظاهر من هذه الأقسام، وإن دلّ على العلية؛ لكنْ قد يترك هذا الظاهر عند قيام الدليل عليه؛ مثاله: قوله- ﵊: (لا يقض القاضي، وهو غضبان) ظاهره يدلّ على أن العلة هي الضغب؛ ولكن لما
стр. 3157
علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح، والألم المبرح يمنع- علمنا أن علة المنع ليْست هي الغضب، بل تشويس الفكر.
وقول من يقول: (الغضب: هو العلّة؛ لكن لكونه مشوشًا خطأ؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجودًا وعدمًا، وانقطع عن الغضب وجودًا وعدمًا، وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلًا؛ لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش- علمنا أنه ليس بينهما ملازمة؛ وحينئذ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون الغضب علة، بل العلة إنما هو التشويش فقط؛ إلا أنه يجوز إطلاق لفظ الغضب؛ لإرادة التشويش؛ إطلاقًا) لاسم السبب على المسبب، ويجب أن يعلم أن الذي به يصرف اللفظ عن ظاهره لابدّ وأن يكون أقوى، وجهات القوة ستأتي في باب الترجيح، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
في الإيماء
قال القرافي: قوله: (الجهل لا يكون مانعًا من الإلزام؛ لئلا يلزم مخالفة الأصل):
стр. 3158
قلنا: يريدون بمخالفة الأصل حصول التعارض وأنه لازم؛ لأنا لا نعنى بالمانع إلا الوصف الذي إذا جرد النظر إليه اقتضى العدم، والجهل كذلك؛ فإنه مناسب لعدم الإلزام.
قوله: (إذا ثبت أن حقيقة في هذه الصورة، وجب كونه حقيقة في جميع الصور؛ لئلا يلزم الاشتراك في هذا التركيب):
قلنا: هذا الكلام لا يتم حتى تسلموا أن العرب كما وضعت المفردات وضعت المركبات؛ فإن المجاز والاشتراك في اللفظ فرع الوضع، وأنتم قلتم: إن المجاز المركب عقلي ولا لغوي، ومقتضاه عدم الوضع، وليس لهذا جواب إلا أحد أمرين:
إما أن تقولوا: هذا إلزام للخصم؛ لأنه مذهبه.
أو تقولوا: إنا لم نفرع على مذهبنا، بل على مذهب الجماعة في وضع المركبات.
قوله: (ثبوت الحكم بدون علّته عبث؛ وهو على الله- تعالى- محال):
قلنا: هذا مذهب المعتزلة، ونحن لا نقول به.
قوله: (يتطرّق إلى كلام الرّاوى ما لا يتطرّق لكلام الشّارع):
يريد من السّهو والغلط.
قوله: (يشبه أن يكون الذي تقدم العلة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من العكس؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها):
قلت: هذا الوضع من المشكلات في تقريره؛ لأن العلة إذا تقدمت نحو ﴿والسّارق والسّارقة فاقطعوا﴾، دلت هذه الصيغة على التعليل.
стр. 3159
وكذلك: (لا تقربوه طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (هما سواء، والترجيح مشكل، بل المترجح إنما يحسن ويسهل في أن ذات العلة أدل على المعلول من ذات المعلول، من جهة أن العلة تقتضى عين المعلول، وكقولنا: (لامس) فإنا نقول: وجب عليه الوضوء، بخلاف لو قلنا: (وجب عليه الوضوء) لا يتعين أنه لامس؛ لأن علل الحكم يختلف بعضها بعضًا، فمن هذا الوجه يحسن الترجيح.
والكلام- هاهنا- ليس في هذا، إنما الكلام في جملتين من الكلام مركبتين على متقدم تمثيله، وذلك المجموع دلالته على العلية كدلالة المجموع الآخر؛ لأن في كليهما العلة، والمعلول، والفاء، والربط، فيعسر التفاوت بين المجموعين.
غير أن- هاهنا- وجهًا: وهو أنه إذا نطق بالعلة أولًا، تعين أن يترتب عليها معلولها؛ لأنه يقتضيه عينًا.
أما إذا تقدم المعلول في تركيب الكلام لا يقتضى عين علته، لكنّ الفاء ببعد ذلك تعيّنه.
وفي المثال الأول لفظ (الجزاء) المتقدم مع الفاء، فتظافرت الأدلة.
فإن قلت: في كلا الصورتين تظافرت الأدلة، غير أن المتقدم متأخر، والمتأخر متقدم، وأما التظافر فحاصل فيهما.
قلت: نسلم أن العلة مشعرةٌ بعليتها تقدمت أو تأخرت؛ لضرورة طرد العلل، وهو وجوب ترتب معلولاتها عليها في جميع الصور، غير أن المقصود هو أنه إذا لم ينطق بالعلة أولًا كانت معدومة في أوّل الكلام، فيشعر السامع أن هذا المعلول الذي نطق به أولًا قبل النّطق بعلّته، أنه مرتب على
стр. 3160
علة أخرى، ولا يزال هذا التوهم في النفس حتى ينطق بآخر الكلام، فإذا سمع العلة في آخر الكلام زال الوهم عنه.
أما إذا نطق بالعلة أولًا لا يكون هذا الوهم حاصلًا ألبتة، فسلم الكلام من أوله إلى آخره عن وهم يخل بالعلّية.
ولأجل ضعف الفرق قال المصنّف: (يشبه أن يكون أقوى)، وما جزم وإنما التعب في إبداء فرق ييوجب أصل الرّجحان وإن قلّ، وهذا القدر كاف فيه، وهو غير مشترك بين الجملتين المذكورتين، ويناسبه قوله: (الطرد واجبٌ، والعكس غير واجب)؛ لأن الطرد ترتب الحكم على العلّة في جميع صورها، والعكس ترتب عدم المعلول في جميع صور عدمها.
(تنبيه)
زاد التبريزي فغيّر، وقال: (قد قال قوم بمجرد الترتيب على الوصف كافٍ دون المناسبة، وهو باطل ؛ فإن ذكر الوصف قد يكون تعريفًا لمحل الحكم، وقد يكون تعليلًا، فلا بدّ من ترجيح، وعدم ظهور المناسبة دليل عدم العلية؛ إذ لو كان علّة لكان مناسبًا، ولو كان مناسبًا لظهر على ما هو الغالب).
قلت: وهذا رد على المصنّف.
(سؤال)
قال النقشواني: اختار المصنف فيما تقدم أن العلّة الشرعية معرفة، وغير التعريف لا يتأتى فيها ، و-هاهنا- جميع ما بينه علل غائبة، والعلل الغائية مؤثرة داعية في النفس لوقوع الفعل في الخارج، فيتناقض قوله.
стр. 3161
(سؤال)
قال: قوله: (تقدم العلة على الحكم أقوى إشعارًا بالعلية) الأمر بالعكس ؛ فإن الكلام إنما وقع في وصف لم يعرف كونه علّة، فكيف يقال: هو أشدّ إشعارًا بمعلوله؟ وإنما إذا تقدم الحكم بقيت النفس متشوّقة لعلّة ذلك الحكم غاية الشوق، فإذا ذكرت العلة بعد ذلك، سكنت النّفس، ولم تطلب غير هذا الوصف المتقدم؛ لأن هنا معنى آخر أشبه منه.
قلت: وسر هذا السؤال: أن النفس أشد بحثًا عن علّة الحكم من حكم العلّة؛ لأن العقول طالبة للحكم، وهي في ضمن العلل، فلذلك أمكن العدول عن العلّة السابقة، وهذا الذي قال مشترك فيما إذا تأخّرت العلّة أمكن أن يقال: المذكور الآن ليس بعلّة أيضًا.
(فائدة)
قال الغزالي في (شفاء الغليل (: قد يجرى الاسم على اللّسان ولا يكون مقصودًا ، ويعرف ذلك بالعادة في النظم، كقوله- ﵇: (من أعتق شرْكًا له في عبدٍ)، (وأيما رجل مات أو أفلَسَ، فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه)، فالرجل والعبد لا أثر له في الحكم، بل عادة يسبق اللسان إليه؛ لأن العادة تغليب الذكور في التلفظ على الإناث.
ومنه: قوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ لأن المستعمل دون الشحم والجلد ونحوهما، فهو كقوله تعالى: ﴿والخنزير﴾، وتخصيص اللحم للعادة.
стр. 3162
ومنه: قوله ﵇: (لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد) وألحق الفقهاء به الصّب؛ لأن الإنسان بطبعه يمتنع من صب النجاسات في المياه، بل الذي يغلب في العادة البول.
النوع الثاني: الجواب عقيب السؤال، كقوله- ﵇ للأعرابي: (أعتق رقبة) بعد أن قال للأعرابي ما قال.
(تنبيه)
قال التبريزي: لا يدلّ على أن كل المدلول علّة، بل على أن فيه علّة ؛ إذ لا يقدر في الجواب إلا إعادة ما هو العلّة، فلا جرم احتاج إلى نوع نظرٍ وتنقيح.
قلت: يريد أن جميع كلام الأعرابي ليس العلة هو جميعه، بل بعض تلك الأوصاف، وهو قوله: (واقعت أهلي في شهر رمضان) فلا يقدر غير ذلك الوصف المناسب في الجواب، ويترك غيره لا يقدّر.
(النوع الثالث)
قوله: (لو لم يكن كونها من الطوّافين والطّوّافات مؤثرًا في طهارتها لم يكن في ذكره فائدة):
قلنا: أمكن أن يكون مقصود هذا الكلام الإشارة إلى نفْى المانع، لا ثبوت العلّة، وتقديره: أنها لو كانت نجسة لامتنع- ﵇ من الدخول، فلا يكون هذا النمط من الدّال على العلّة.
(تنبيه)
قال التريزي: الصحيح- هاهنا- أن التعليل مفهومٌ من المناسبة ، أو
стр. 3163
قرينة قصد التعليل؛ إذ لولاهما لما فهم الكلام؛ لأنه لا استقباح في ذكر جمل من أحكام الهرّة، وإن لم يكن بعضها علّة للبعض كما لو قال: (إنها من السّباع، إنها تأكل الخشاش)، ويدل على ذلك أنه لو تخللها (واو) لم يفهم التعليل، وإنْ لم يختلف حسن الذكر وقبحه بذكر الواو وعدمها.
(سؤال)
لا يجمع بـ (الواو والنون) أو (الياء والنون) إلا صيغة من يعقل ، فلا نقول: جذوع مائلين، وكذلك لابدّ من مذكر، فلا نقول: نساءٌ خارجين، بل خارجات.
وهاهنا جعل- ﵇ الهرّة من الطّوّافين، وإنما هي من الطّوّافات، فيصير مثاله: زيد من بني آدم والخيل، وإنما هو من بني آدم فقط.
جوابه: أن المقصود الإشارة إلى جنس من يطوف، مع قطع النظر عن خصوص من يطوف، هل هو ذكر أو أنثى، وذكر- ﵇ النوعين من الجنس لبيانه، لا لقصْد الأنواع، ومعنى الكلام: إنها من جنس من يطوف.
قوله: (كما روى عنه- ﵇ أنه قال: (ثمرة طيبة وماء طهور):
стр. 3164
قلنا: أمكن- أيضًا- أن يقال: مقصود هذا الكلام الإشارة إلى نفي المانع، وأن الثّمرة لو كانت نجسةً، والماء لو كان نجسًا لامتنع الحكم؛ لقيام المانع، ومقصودكم إنما هو العلّة لا المانع.
ولكم أن تقولوا: المانع علّة العدم، كما أن العلّة علّة الثبوت، فما خرجنا عن العلّة، غير أنكم قلتم: هذا هؤثر في الحكم، وهو ظاهر في الموجود، دون المعدوم.
(تنبيه)
زاد التبريزي إيضاحًا فقال: قال- ﵇ لابن مسعود: (ثمرة طيبة وماءٌ طهور) ، فدلّ على أن المقصود من ذكره يفهم تعليل جواز الوضوء به، وهو بدلّ- إن صح الحديث- أنه كان ماء نبذ فيه تميرات لتجتذب ملوحته، ولو كان نبيذ التمر لم يكن واضحًا.
قوله- في الخامس-: عنه ﵇: (للرّاجل سهمٌ وللفارس سهمان)، ليس هو من القسم الذي يبحث فيه؛ لأن هذا الحديث ليس فيه ذكر الغنيمة، وهو إنما بحث فيما إذا كان الحكم مذكورًا في الخطاب.
فإن أراد بالخطاب الذي ورد فيه التعليل ورد السؤال؛ لأن الغنيمة في القرآن في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شئ فإن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]
стр. 3165
وإن أراد أنه مذكور من حيث الحكم، فيشكل عليه بقوله في قسيم هذا القسم: (إذا لم يكن الحكم مذكورًا)، وجعله قسيمًا لما إذا كان الحكم مذكورًا، ومثله بقوله ﵇: (القاتل لا يرث) مع أن حكم الميراث في القرآن.
(تنبيه)
قال التبريزي في هذا القسم الذي لم يكن الحكم مذكورًا فيه: في هذا المثال (القاتل لا يرث): يتجه أن يقال: إن فهم العموم من اللفظ الفارق ، فالحكم في الأحاديث مستفاد من اللفظ، وإن لم يفهم منه العموم، فالتعليل موقوف على فهم المناسبة، أو قريبة أخرى.
قال: وليس من هذا القبيل ﵇: (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)؛ فإنه لا يلزم أن يكون تعليله للجواز بالاختلاف، بل
стр. 3166
الفصل الثالث
قال الرازي في بيان (علية الوصف بالمناسبة) وهو مرتب على فنين:
الأول: في المقدمات، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعريف المناسبة: الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين:
الأول: أنه: الذي يفضى إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاًء، وقد يعبر عن
стр. 3167
(التحصيل) بجلب المنفعة، وعن (الإبقاء) بدفع المضرة؛ لأن ما قصد إبقاؤه، فإزالته مضرة، وإبقاؤه دفع المضرّة.
ثم هذا التحصيل والإبقاء: قد يكون معلومًا، وقد يكون مظنونًا، وعلى التقديريْن: فإما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا.
والمنفعة عبارة: عن اللذة، أو ما يكون طرفًا إليها، والمضرة عبارة: عن الألم، أو ما يكون طريقًا إليه، واللذة قيل في حدّها: إنها إدراك الملائم، والألم: إدراك المنافي.
والصواب عندي: أنه لا يجوز تحديدهما؛ لأنهما من أظهر ما يجده الحي من نفسه، ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما، وبينهما وبين غيرهما، وما كان كذلك يتعذّر تعريفه بما هو أظهر منه.
الثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات؛ فإنه يقال: (هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة) أي: الجمع بينهما في سلك واحد متلائم، و (هذه الجبة تناسب هذه العمامة) أي: الجمع بينهما متلائم.
стр. 3168
والتعريف الأول: قول من يعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح، والتعريف الثاني: قول من يأباه.
الفصل الثالث
في المناسبة
قال القرافي: قوله: (اللذة إدراك الملائم، والألم إدراك المنافي):
قلنا: اللذة والألم عرضان من أعراض النفس غير المعلوم، بل هي كأنواع الطعوم والروائح، وإدراكها غيرها، فتفسيرها بالإدراك الخاص تفسير الشيء بما يلازمه، فيكون رسمه ناقصًا، وهو جائز في التعريف، لكنه لا ينبغي لك أن تعتقد أن اللذة نفس إدراكها؛ فهو خطأ، وهو كما لو قيل: السواد إدراك المفرق للبصر.
وقال قطب الدين المصري- في (شرح المحصل) - وغيره من العلماء: إن من الناس من يقول: اللذة عدمية، وهي عدم المنافي، فلذة الجماع هي عدم المزاحمة المني في أوعيته، ولذة الأكل زوال الجوع، وكذلك جميع صور اللذة.
قال قطب الدين: فإن قلت: نحن نجد أنفسنا نلتذ بالنظر إلى وجه جميل لم يكن قط في بالنا، ولا نحن مشتاقون إليه، حتى يقال: ذهب عنا برؤيته ألم الشوق، فعلمنا أن اللذة غير دفع الألم.
وأجاب عنه: بأن كل نفس فاضلة مائلة إلى رؤية الجمال من حيث الجملة، فإذا رأت هذه الصورة اندفع عنها ذلك الشوق.
* * *
стр. 3169
المسألة الثانية
قال الرازي: في تقسيم المناسب، وذلك من أوجه:
القسم الأول: المناسب: إما أن يكون حقيقيًا، أو إقناعيًا:
أما الحقيقي: فنقول: كون المناسب مناسبًا: إما أن يكون لمصلحة تتعلق بالدنيا، أو لمصلحة تتعلق بالآخرة:
أما التقسيم الأول: فهو على ثلاثة أقسام؛ لأن رعاية تلك المصلحة: إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة، أو لا في محل الضرورة، ولا في محل الحاجة:
أما التي في محل الضرورة: فهي التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة، وهي حفظ النفس، والمال، والنسب والدين، والعقل:
أما النفس: فهي محفوظة بشرع القصاص؛ وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩].
وأما المال: فهو محفوظ بشرع الضمانات والجدود.
وأما النسب: فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الزنا؛ لأن المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب، المفضي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد، وفيه التوثب على الفروج بالتعدي والتغلب؛ وهو مجلبة الفساد والتقاتل.
وأما الدين: فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الردة، والمقاتلة مع أهل
стр. 3170
الحرب؛ وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩].
وأما العقل: فهو محفوظ بتحريم المسكر؛ وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿... أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ...﴾ [المائدة: ٩١].
فهذه الخمسة هي المصالح الضرورية.
وأما التي في محل الحاجة: فتمكين الولي من تزويج الصغيرة؛ فإن مصالح النكاح غير ضرورية لها في الحال إلا أن الحاجة إليه بوجه ما حاصلة، وهي تقييد الكفء الذي لو فات، فربما فات لا إلى بدل.
وأما التي لا تكون في محل الضرورة، ولا الحاجة: فهي التي تجري مجرى التحسينات؛ وهي تقرير الناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهذا على قسمين: منه ما يقع، لا على معارضة قاعدة معتبرة؛ وذلك كتحريم تناول القاذورات، وسلب أهلية الشهادة عن الرقيق؛ لأجل أنها منصب شريف، والرقيق نازل القدر، والجمع بينهما غير متلائم، ومنه: ما يقع على معارضة قاعدة معتبرة؛ وهو مثل الكتابة؛ فإنها وإن كانت مستحسنة في العادات، إلا أنها في الحقيقة بيع الرجل ماله بماله؛ وذلك غير معقول.
وأما الذي يكون مناسبًا لمصلحة، تتعلق بالآخرة: فهي الحكم المذكورة في رياضة النفس، وتهذيب الأخلاق، فإن منفعتها في سعادة الآخرة.
فرع: إن كل واحدة من هذه المراتب قد يقع فيه ما يظهر كونه من ذلك القسم، وقد يقع فيه ما لا يظهر كونه منه، بل يختلف ذلك؛ بحسب اختلاف الظنون، وقد استقصى إمام الحرمين- ﵀ في أمثلة هذه الأقسام،
стр. 3171
ونحن نكتفي بواحد منها: قال- ﵀: قد ذكرنا أن حفظ النفوس بشرع القصاص من باب المناسب الضروري، ومما نعلم قطعًا: أنه من هذا الباب شرع القصاص في المثقل؛ فإنا كما نعلم أنه لولا شرع القصاص في الجملة، لوقع الهرج والمرج، فكذلك نعلم أنه لو ترك في المثقل، لوقع الهرج، ولأدى الأمر إلى أن كل من أراد قتل إنسان، فإنه يعدل عن المحدد إلى المثقل؛ دفعًا للقصاص عن نفسه؛ إذ ليس في المثقل زيادة مؤنة ليست في المحدد، بل كان المثقل أسهل من المحدد ... وعند هذا: قال- ﵀: لا يجوز في كل شرع تراعى فيه مصالح الخلق- عدم وجوب القصاص بالمثقل.
قال- ﵀: فأما إيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة، فإنه يحتمل أن يكون من هذا الباب؛ لكنه لا يظهر كونه منه.
أما وجه الاحتمال: فلأنا لو لم نوجب قطع الأيدي باليد الواحدة، لتأدى الأمر إلى أن كل من أراد قطع يد إنسان، استعان بشريك؛ ليدفع القصاص عنه، فتبطل الحكمة المرعية بشرع القصاص.
وأما أنه لا يظهر كونه من هذا الباب: فلأنه يحتاج فيه إلى الاستعانة بالغير، وقد لا يساعده الغير عليه، فليس وجه الحاجة إلى شرع القصاص من هاهنا مثل وجه الحاجة إلى شرعه في المنفرد.
وأما المناسب الإقناعي: فهو: الذي يظن به في أول الأمر كونه مناسبًا؛ لكنه إذا بحث عنه حق البحث، يظهر أنه غير مناسب؛ مثاله: تعليل الشافعية تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها، وقياس الكلب والسرجين عليه.
ووجه المناسبة: أن كونه نجسًا يناسب إذلاله، ومقابلته بالمال في البيع يناسب
стр. 3172
إعزازه، والجمع بينهما متناقض، وهذا وإن كان يظن به في الظاهر أنه مناسب؛ لكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن كونه نجسًا معناه: أنه لا يجوز الصلاة معه، ولا مناسبة ألبتة بين المنع مع استصحابه في الصلاة، وبين المنع من بيعه.
التقسيم الثاني: الوصف المناسب: إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما:
أما القسم الأول: فهو على أقسام أربعة؛ لأنه: إما أن يكون نوعه معتبرًا في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه، أو يكون جنسه معتبرًا في نوع ذلك الحكم أو في جنسه:
مثال تأثير النوع في النوع: أنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم، كان النبيذ ملحقًا بالخمر؛ لأنه لا تفاوت بين العلتين، وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهرًا اختلاف الحالين.
مثال تأثير النوع في الجنس: أن الأخوة من الأب والأم نوع واحد يقتضي التقدم في الميراث، فيقاس عليه التقدم في النكاح؛ والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين، إلا أن ولاية النكاح ليست كولاية الإرث؛ لكن بينهما مجانسة في الحقيقة.
ولا شك أن هذا القسم دون القسم الأول في الظهور؛ لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقل من المفارقة بين نوعين مختلفين.
مثال تأثير الجنس في النوع: إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض؛ تعليلًا بالمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس المشقة في إسقاط قضاء الصلاة، وذلك مثل تأثير المشقة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.
стр. 3173
مثال تأثير الجنس في الجنس: تعليل الأحكام بالحكم التي لا تشهد لها أصول معينة: مثل أن عليًا- ﵁: (أقام الشرب مقام القذف) إقامة لمظنة الشيء مقامه؛ قياسًا على إقامة الخلوة بالمرأة مقام وطئها؛ في الحرمة.
ثم أعلم أن للجنسية مراتب، فأعم أوصاف الأحكام كونها حكمًا، ثم ينقسم الحكم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة.
والواجب ينقسم إلى عبادة وغيرها، والعبادة تنقسم إلى صلاة وغيرها، والصلاة تنقسم إلى فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر وتأثيره في العبادة.
وكذا في جانب الوصف: أعم أوصافه كونه وصفًا تناط به الأحكام؛ حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة، وغير المناسبة.
وأخص منه: المناسب، وأخص منه: المناسب الضروري، وأخص منه: ما هو كذلك في حفظ النفوس.
وبالجملة: فالأوصاف إنما يلتفت إليها، إذا ظن التفات الشرع إليها، وكل ما كان التفات الشرع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبرًا أقوى، وكلما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبرًا في حق ذلك الحكم آكد؛ فيكون لا محالة مقدمًا على ما يكون أعم منه.
وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه، فهو غير معتبر أصلًا، وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشرع ألغاه، أو اعتبره، فذلك يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفًا مصلحيًا، وإلا فعموم كونه وصفًا مصلحيًا مشهود له بالاعتبار. وهذا القسم هو المسمى بـ (المصالح المرسلة).
стр. 3174
واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الأربعة، مع كثرة مراتب العموم والخصوص، قد يقع فيه كل واحد من الأقسام الخمسة، المذكورة في التقسيم الأول، ويحصل هناك أقسام كثيرة جدًا، وتقع فيما بينها المعارضات والترجيحات، ولا يمكن ضبط القول فيها؛ لكثرتها والله تعالى هو العالم بحقائقها.
التقسيم الثالث: الوصف باعتبار الملاءمة، ووقوع الحكم على وفق أحكام أخر، وشهادة الأصل- على أربعة أقسام:
الأول: ملائم شهد له أصل معين، وهو الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم، وأثر جنسه في جنسه، وهذا متفق على قبوله بين القايسين؛ وهو كقياس المثقل على الجارح في وجوب القصاص؛ فخصوص كونه قتلًا معتبر في خصوص كونه قصاصًا، وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة.
وثانيها: مناسب لا يلائم، ولا يشهد له أصل معين، فهذا مردود بالإجماع؛ مثاله: حرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده، لو قدرنا أنه لم يرد فيه نص.
وثالثها: مناسب ملائم، لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، يعني: أنه اعتبر جنسه في جنسه، لكن لم يوجد له أصل يدل على اعتبار نوعه في نوعه، وهذا هو (المصالح المرسلة).
ورابعها: مناسب شهد له أصل معين، ولكنه غير ملائم، أي: شهد نوعه لنوعه، لكن لم يشهد جنسه لجنسه؛ كمعنى الإسكار؛ فإنه يناسب تحريم
стр. 3175
تناول المسكر؛ صيانة للعقل، وقد يشهد لهذا لمعنى الخمر باعتباره، لكن لم تشهد له سائر الأصول، وهذا هو المسمى بـ (المناسب الغريب).
المسألة الثانية
في تقسم المناسب
قال القرافي: قوله: (المناسب الضروري ما تضمن حفظ المقاصد الخمسة: النفس، والمال، والنسب، والدين، والعقل):
قلت: غيره عد عوض (الدين) (العرض) فيحصل من ذلك أنه ستة.
(تنبيه)
قال التبريزي: المناسبة ملاءمة بين الوصف والحكم في نظر رعاية المصالح، وإنما يكون ذلك إذا تضمن ترتيب الحكم عليه للإفضاء إلى ما يوافق الإنسان في معاده أو معاشه، والموافق له في الدارين، هو جلب المنفعة، أو دفع مضره، والمنفعة هي اللذة والطريق إليها، والمضرة الألم أو الطريق إليه، وهما المسميان بالمصلحة والمفسدة، ولا حاجة إلى ذكر الطريق؛ فإن طريق اللذة ملذ، وطريق الألم مؤلم، وكل واحد من الجلب والدفع قد يكون تحصيلًا، وقد يكون تكميلًا، وقد يكون إدامة، وقد تفسر المناسب بالملائم لأفعال العقلاء، وعلى هذا تكون المناسبة وصفًا للحكم لا حكمًا للوصف، ثم هو على التحقيق إجمال لما فصلناه.
ثم قال في تقسيم المناسب إلى: الضرورة، والحاجة: والتتمة من القسم الثالث منع إنشاء النكاح عن المرأة، وحفظ العرض بحد القذف، وجاز أن يعد من التكميل في حفظ النفس من نظر ذوي المروءات في دينه عزة النفس.
стр. 3176
ثم قال: يتعلق بأذيال كل مرتبة ما يجرى منها مجرى التتمة والتكملة، كتحتيم قتل المرتد، وشرع القصاص بالشركة، وتحريم القليل من الخمر، والخلوة بالأجنبية، وجواز الذب عن المال بالقتل، وقطع يد السارق من قسم الضرورات.
واعتبار الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، وشرع الخيار العيب، وخيار الخلف، وخيار الشرط في البيع قسم الحاجات.
وكراهة كسب الحجام، وعدم انعقاد الجمعة بالعبد من (التتمات) هذا ما يتعلق بالدنيا.
وأما ما يتعلق بالآخرة: فدخول الجنة، والزحزحة عن النار.
قال: ثم المناسب ينقسم إلى: مقطوع، ومظنون، وموهم.
فالأول: كشرعية القصاص في المثقل؛ فإنا نعلم بالضرورة أن الضرر عن النفس لا يندفع بدون شرعية القصاص في المثقل؛ لأنه لا يعجز أحد عنه في الانتقام من العدو.
والثاني: كالقصاص على الجماعة بقتل الواحد؛ فإنه موقوف على داعية الغير.
والثالث: تعليل الربا في المنصوصات بالطعم؛ توسيعًا للمطعوم على الخلق؛ فإن حاصل الوسع يرجع إلى امتناع القدر الذي كان يتوقع من بيع الجنس متفاضلًا، مع ندرته في بيع الجنس بخلاف الجنس أو بالنقد، ولا يخفى تصوير هذا القدر في التوسع، ثم يقدر ما يتسع على مالك الجنس، فيضع على مالك الجنس.
قلت: معنى قوله: (الطريق يكون مؤديًا، ومكملًا، ومديمًا):
مثلها: إزالة الرأس محصل لمفسدة الموت، ومصلحة القصاص.
وتكمل اللذة- الذي يوجد أصلها اشتراط الكفاءة في النكاح- تكمل
стр. 3177
لمصلحة النساء، وتحريم الوثنيات مكمل لمصلحة الرجال؛ لخساسة الوثنية بمعصيتها.
والمديم للذة إيجاب النفقات، ودرء الحاجات عن النساء بتوظيف ذلك على الرجال.
وقوله: (الملائم لأفعال العقلاء وصف الحكم لا حكم الوصف):
مثاله: تحريم القتل، ملائم للأفعال المرضية للعقلاء، وإيجاب إنقاذ الغرقى ملائم وجوده لفعل العقلاء، بخلاف غير العقلاء الذين هم مفسدون، فالملاءمة حينئذ صفة للتحريم والإيجاب، لا وصف للقتل والإنقاذ.
(فائدة)
قال سيف الدين: قال أبو زيد: المناسبة ما لو عرض على العقلاء تلقته بالقبول ، وهو لا يفيد في المناظرة؛ لأن الخصم منع فيما تعين مناسبًا، بل المناسب وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع ذلك الحكم، كان الحكم نفيًا أو إثباتًا، كان المقصود مصلحة، أو دفع مفسدة.
وشرع الحكم قد يكون محصلًا للمقصود ابتداء، أو دوامًا، أو تكميلًا.
فالأول: كالحكم بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل؛ تحصيلًا لأصل المقصود المتعلق به من الملك، أو المنفعة كما في البيع والإجارة.
والدوام: كالحكم بتحريم القتل، وإيجاب القصاص، فتدوم الحياة.
والتكميل: كوجوب اشتراط الشهادة، ومهر المثل في النكاح.
ومصلحة الآخرة كالثواب والعقاب اللذين يفضى إليهما إيجاب العبادات، ووجوب الحدود والزواجر.
стр. 3178
ثم المقصود: قد يحصل من الحكم يقينًا أو ظنًا أو شكًا، أو يرجح عدم الحصول.
فالأول: كالحكم بصحة البيع، يقتضي الملك قطعًا.
والثاني: كالقصاص؛ فإن الغالب حصول الزجر به.
والثالث: يندر في الشرع، ومثاله على التقريب: إيجاب الحد في الشرب؛ فإن الممتنعين منه يقاربون المقدمين عليه.
والرابع: الحكم بصحة النكاح لمصلحة الولد والتناسل، والإفضاء إليه مرجوح.
والقسمان الأولان متفق على التعليل بهما.
والمرجوح والمساوي للاتفاق واقع على التعليل بهما في آحاد الصور، إذا كان المقصود ظاهرًا من الوصف في غالب صور الجنس، وإلا فلا؛ لصحة نكاح الآيسة؛ فإن التولد منها بعيد، إلا أنه ظاهر فيما عداها، فإذا خلا الوصف الذي ترتب عليه الحكم عن المقصود قطعًا، وإن كان ظاهرًا في غالب صور الجنس- كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع- فلا يكون مناسبًا، ولا يصح التعليل به، خلافًا للحنفية.
(فائدة)
قال سيف الدين: لم تخل ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع عن رعاية الكليات الخمس ، الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
стр. 3179
قال: فالدين كقتل الكافر المضل، وعقوبة الداعي إلى البدع.
(فائدة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): قد يكون ما هو معلل من وجه دون وجه كنصب الزكوات والسرقات ، فكونه مالاً يحصل الإرفاق يناسب، ومن حيث خصوص المصدر لا يعلل.
والفرق بين الخسيس والنفيس مناسب، غير أن التمييز بينهما عسير؛ لاختلاف النفوس في علو المهمة وخستها، فقد يكون [النفيس خسيسًا] والخسيس نفيسًا عند آخر.
ثم المناسب خمسة أقسام: في محل الضرورة، كالقصاص، وكذلك البيع؛ فإن انتقال الأملاك ضروري للناس، وإذا تقرر في الشريعة أصل ضروري أو غيره، فلا يطلب تحقيقه في آحاد النوع.
القسم الثاني: في محل الحاجة العامة كالأجازة؛ لحاجة الناس إلى المساكن، لضنة ملاكها بعاريتها، وقصور كثير من الناس عن تملكها، فهي حاجة بالغة قاصرة عن الضرورة، وحاجة الجنس قد تبلغ الضرورة في شخص معين.
القسم الثالث: غير ضروري ولا حاجي، بل مكرمة، كطهارة الأحداث والأخباث.
القسم الرابع: دون الثالث، تتمة مندوبة، كالكتابة.
القسم الخامس: ما لا يلوح فيه تكرمة، فهو دون الرابع، كالعبادات البدنية المحضة.
стр. 3180
ويمكن أن يقال: تواصل الوظائف يوجب انقياد العباد، وتجديد العهد بالله- تعالى- والنهي عن الفحشاء والمنكر، وهو يقع على الجملة.
ويجوز القياس الضروري على الضروري، والحد الواجب بالقصاص، وعقد تمس الحاجة إليه بالبيع.
والقسم الثاني وهو الحاجة كالإجارة، فيقاس بعضه على بعض، وقياس غير ذلك الأصل من هذا القسم بأصل آخر بجامع الحاجة منعه الجمهور؛ لأن الإجارة على خلاف الأصول؛ لأنه بيع معدوم يمتنع تسليمه، فمقابلته بالموجود خلاف الأصل، وقياس النكاح [وغيره عليه] قد يمنع.
والقسم الثالث: الذي ينسب إلى مكارم الأخلاق، فلا يقاس غيره عليه؛ لأنه وضع للاستصلاح، وتعميمه على الخلق في جميع الأوقات يعسر الوفاء به. والذي يحصل به الاستصلاح لا ينضبط في النظر، ولذلك أثبت الشارع فيه وظائف تحصل المقصود كما علمه الله تعالى، وهذا كالوضوء، فيه نظافة، ومكرمة، فأوجبه الشرع في أوقات، وعلم أن أرباب العقول لا ينقلون إلى أعضائهم الأوساخ في خلال تلك الأوقات، فكانت تلك الأوقات كافية في المكرمة مع نفي التضييق، والنجاسة أولى في المكارم من الطهارة؛ لما فيها من الاستقذار ومنافاة المروءة.
ولذلك قال طوائف من الفقهاء: يحرم ملابسة النجاسة من غير حاجة ماسة.
وتردد الشافعي في لبس جلود الميتة، والكلاب والخنازير، ولما كان هذا الباب مكرمة معقول المعنى من وجه، وموكولًا في أوقات شرعية إلى علم الله من وجه اشترطت النية في الطهارة لما فيها من التعبد، وانفراد الشارع بالغيب فيه، فهو منضبط في علم الله- تعالى- دون علمنا، بل ظننا،
стр. 3181
فيتعذر علينا القياس عليه، بخلاف القسمين الأولين، أمرهما بين منضبط، فيتيسر القياس، مع أن الضرورة والحاجة قد لا يكتفي الشارع بحصولها في الجنس؛ لفحش ذلك الفعل، بل لابد من وقوعه للشخص كأكل الميتة، وقد يشتد القبح فلا يباح مع الضرورة في [مورد الشرع]، بل يوجب الانقياد للهلكة؛ لفرط القبح، كالمكره على الزنا والقتل، لا يباحان له.
فتحصل أن الضرورة ثلاثة أقسام: منها ما يكتفي فيه بالجنس كالبيع، أو الشخص كالميتة، أو لا يباح مطلقًا كالإكراه على القتل.
ويتخلص- أيضًا- أن القياس في الأحداث متعذر؛ لما تقدم أن فيها شائبة التعبد بالغيب، واختصاصها ببعض الأوقات، وبقية الأقسام قد يتأتى القياس عليها، إن تحقق الجامع سالمًا عن المعارض، وقد يمتنع إذا تعذر ذلك.
التقسيم الثاني: الوصف إما أن يعتبره الشارع أو يلغيه.
قوله: (إما أن يعتبر نوعه في نوع الحكم):
تقريره: أن النوع ما كانت أفراده لا تختلف إلا بالشخص والمحال، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده، والجنس ما اختلف في محاله بأمور زائدة على الشخص، كاختلاف الحيوان في الإنسان والفرس بالناطق والجاهل، وكذلك- هاهنا- جعل التحريم في الخمر والنبيذ نوعًا، والتقديم في الإرث والنكاح جنسًا؛ لتباين البابين.
وضابط (النوع) في المنطق هو: (المقول على كثيرين مختلفين في العدد فقط، في جواب ما هو قولًا غير ذاتي).
стр. 3182
فقولنا: (بالعدد فقط) احترازًا من الجنس: وقولنا: (في جواب ما هو) احترازًا من الخاصة، كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان.
وقولنا: (قولًا غير ذاتي) احترازًا من الفصل، كالناطق في الإنسان.
والجنس: هو المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو.
فقولنا: (مختلفين بالحقيقة) احترازًا من النوع.
وقولنا: (في جواب ما هو) احترازًا من العرض العام، كالماشي بالنسبة إلى الإنسان.
(قاعدة)
الكليات خمسة: النوع، والجنس، والفصل، والخاصة، والعرض العام .
فالنوع: كالإنسان.
والجنس: كالحيوان.
والفصل: كالناطق.
والعرض العام: كالماشي.
والخاصة: كالضاحك.
ومن خواض الخاصة والعرض العام: أنهما خارجان عن الحقيقة، والجنس والفصل داخلان في الحقيقة، والنوع مجموع الجنس والفصل.
(تنبيه)
قال التبريزي: المناسب إما أن يعلم اعتبار عينة في عين الحكم أو جنسه ، أو اعتبار جنسه في عين الحكم أو جنسه، أو لا يعلم شيء من ذلك.
стр. 3183
الأول: هو المؤثر، والثلاثة الأخر هي الملائم.
والخامس: إن اقترن به ذلك الحكم فهو الغريب، وإن لم يقترن، فإن اقترن نقيضه فهو الملغي، وإلا فهو المرسل.
مثال المؤثر: قياس الصغير على الصغيرة في ولاية النكاح بجامع الصغر، فإنه المؤثر في الأصل بالإجماع.
ومثال الملائم في الرتبة الأولى: قياس ولاية النكاح على ولاية المال بجامع الصغر؛ لاختلاف الولايتين.
وفي المرتبة الثانية إسقاط قضاء ركعتين عن المسافر بالقياس على الحائض بجامع المشقة؛ لاختلاف المشقتين.
ومثاله في الرتبة الثالثة: قياس المريض على المسافر في تخفيف الصلاة بجامع المشقة؛ لاختلاف المشقتين والتخفيفين.
مثال الغريب: تعليل حد الشرب بالإسكار لمناسبة زوال العقل، وتعليل حرمان القاتل بالقتل؛ لأجل استعجال حكم السبب على وجه محظور؛ معارضة له بنقيض قصده. هذا إذا لم نقدر إضافة الحكم إليها بنص أو إجماع.
ومثال الملغي: مناسبة لذة السكر، ومنافع الخمر لحل الشرب، بل مناسبة السكر لإيجاب الحد يجمع الأمثلة بالتصوير؛ فإنا إذا قدرنا تحريم الحد في ابتداء الإسلام، فهي ملغاة، وإن قدرنا تحريمه ووجوبه جميعًا، فهي مرسلة، وإن قدرنا الورود به من غير إضافة إليها، فهي غريب، إن علل بزوال العقل، وإن علل بكونه ردعًا عن جناية الشرب، فهي ملاءمة، لورود الشرع باعتبار جنس الجنايات في جنس العقوبات، وإن قدرنا الإضافة إليها- أيضًا- مع الورود به، فهي المؤثر.
стр. 3184
واعلم أنه لا يكفي في استحقاق وصف الملاءمة ظهور تأثير أعم أوصافه في أعم أوصاف الحكم؛ إذ يؤدي إلى تعذر المرسل للعلم باعتبار جنس المناسبات في جنس الأحكام، بل لابد من ظهور تأثيره في رتبة هي أخص.
وقال الغزالي في (المستصفى): المؤثر مقبول باتفاق القياسيين، وهو ما اعتبر في الحكم بالإجماع أو النص، وإذا ظهر فلا يحتاج للمناسبة، كقوله ﵇: (من مس ذكره فليتوضأ).
والملائم: ما اعتبر جنسه في جنس الحكم.
والغريب: الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع، كتحريم الخمر؛ لكونها خمرًا.
стр. 3185
والمناسب ينقسم إلى: مؤثر، وملائم، وغريب.
وقال في (شفاء الغليل): المؤثر هو الذي دل النص أو الإجماع على كونه علة الحكم في محل النص، وفي غير محل النص.
وقال- أيضًا- في (شفاء الغليل): المعنى بشهادة أصل معين للوصف أنه مستنبط منه من حيث إن الحكم ثبت شرعًا على وفقه.
(فائدة)
قال سيف الدين: إن كان اعتبار الوصف بنص أو إجماع فهو المؤثر ، أو بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فإما [أن يكون معتبرًا بخصوص] وصفه، أو بعموم وصفه، أو بهما.
فإن اعتبر خصوصه فقط، فإما في عين الحكم، أو جنسه، أو عينه وجنسه.
وإن اعتبر عمومه، فإما في عين الحكم، أو جنسه، أو عينه وجنسه.
وإن اعتبر عمومه [وخصوصه] فإما في عين الحكم أو جنسه، أو عينه وجنسه، فهذه تسعة أقسام.
وإن لم يكن الوصف معتبرًا، فإما أن يلغى أولًا، فهذه جملة الأقسام الممكنة، غير أن الواقع خمسة فقط.
الأول: اعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم، وعموم الوصف في عموم الحكم في أصل آخر، كإلحاق المثقل بالمحدد، بجامع القتل العمد العدوان؛ لظهور تأثير عين القتل العمد العدوان في عين الحكم في المحدد،
стр. 3186
وظهر تأثير جنس القتل من حيث هو جناية في القصاص في القتل والأيدي، وهذا هو المعبر عنه بالملائم، وهو متفق عليه بين القياسيين، واختلفوا فيما عداه.
قلت: خالف سيف الدين التبريزي؛ لأن التبريزي جعل الملائم قسيم المؤثر، وهو جعله صادقًا على المؤثر في هذا القسم، وكذلك كلام التبريزي بعد هذا، والظاهر صوابهما دونه والغزالي كما تقدم بيان كلامه، فانظر في كلام الجماعة، وكلام المصنف.
الثاني: اعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم، من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه، ولا جنسه في عين ذلك الحكم، ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كون علته نص ولا إجماع ولا إيماء، كالإسكار يناسب تحريم تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، ولا جنسه في عينه، ولا جنسه في جنسه، ولا إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الإسكار علة، فهذا هو المناسب الغريب، وأنكر بعضهم التعليل به.
قال: والصحيح اعتباره؛ لأنه يفيد ظن العلية.
الثالث: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، ولم يعتبر عينه في عينه، ولا عينه في جنسه، ولا جنسه في عينه، ولا نص ولا إجماع، فهو- أيضًا- من جنس المناسب الغريب مختلف فيه، وهو دون القسم الثاني؛ لأن اعتبار الخصوص أقوى من النفس، كاعتبار المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف؛ فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر، وتخفيف أصل الصلاة عن الحائض [ليس] عين التخفيف بإسقاط ركعتين.
стр. 3187
(فائدة)
قال الغزالي في (شفاء الغليل): المناسب: الذي لا يلائم نقل وجوده ؛ فإن المناسب لا ينفك عن التفات الشرع إلى جنسه في غالب الأمر.
قال: ويظهر لي مثل أربعة: الأول: سقوط إجبار الثيب بالممارسة؛ فإنه وإن عد من الملائم، فهو من المناسب الغريب.
الثاني: تعليل الربا بالطعم غريب، لا يلائم معاني الشرع.
الثالث: تعليل منع القاتل من الميراث؛ معاقبة له بنقيض قصده عند من يراه؛ لأنه لا نظر له في الشرع.
الرابع: تعليل الترتيب في الوضوء، بكونه أدخل ممسوحًا بين مغسولين؛ فإنه غريب لم يعهد.
(فائدة)
قال الغزالي في (شفاء الغليل): المناسب ينقسم إلى حقيقي، وإقناعي، وخيالي .
فالحقيقي: هو الذي لا يزداد بالبحث إلا ظهورًا.
والإقناعي: يضمحل بالنظر، كتعليل منع البيع بالنجاسة في العذرة والميتة ونحوها؛ فإن معنى النجاسة منع ملابستها في الصلاة، وليس لذلك تعلق بالبيع نفيًا ولا إثباتًا، وقد يقال: منع البيع يبعد الملابسة، وكذلك تعليل الربا في المطعومات بالطعم؛ لعدتها في نفسها تضييقًا لطريق التحصيل منها بكثرة الشروط فيها، وهو إقناعي؛ لأن العزيز المحترم يصان عن السرف
стр. 3188
والإتلاف، أما تحصيله بطريق تمليك التمليك فلا، بل ينبغي تسهيل مسلكه؛ لمسيس الحاجة إليه.
الرابع: المسكوت عنه من المناسب، وهو المرسل.
الخامس: الذي ظهر من الشرع على العادة [إلغاؤه] في صوره، واتفق العلماء على إبطاله، كقوله بعضهم لملك جامع في رمضان وهو صائم: يجب عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه- حيث لم يأمره بعتق رقبة مع اتساع ماله- قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك، واحتقر الإعتاق فلا ينزجر، فهذا مناسب لم يشهد له شاهد باعتباره، مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب.
قال السهروردي في (التنقيحات): المناسب: إما مؤثر، أو مناسب، أو غريب.
فالمؤثر: ما اعتبر عينه في عين الحاكم، وجنسه في جنسه.
والملائم: ما اعتبر جنسه في جنس الحاكم دون العين في العين.
والغريب: ما لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات شرعية، بل اقترن بمناسبة حكم شرعي، فغلب على الظن أن العلة، وإن لم يعهد في جنسه أو نوعه.
قال: فإن قيل: التعليل به حكم من غير دليل يشهد بإضافة الحكم إليه، ويجوز أن يكون خصوص الأصل معتبرًا معه.
قيل: القرائن مع المناسبة تفيد ظن العلية، والأصل عدم اعتبار الخصوص.
стр. 3189
ومثال هذه الأقسام: رئيس عادته إكرام الفضلاء، فأكرم فاضلًا، فهذا مقبول اتفاقًا.
وآخر ما عرف من عادته ذلك، فأكر فاضلًا، فيغلب على الظن أنه أعطاه لفضيلته.
فإن قيل: غالب عادة الرؤساء ذلك.
قيل: وأغلب عادات الشرع اعتبار المصالح.
ومثال ما ألغى: رئيس عادته الإحسان للمحسن والمسيء، فإذا أحسن لا يدل ذلك على تقدم إحسان.
قال: وإذا اعتبرت لا تجد الغريب في الشرعيات.
وتمثيلهم بالمطلقة ثلاثًا في مرض الموت أنها ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار، فيعاقب بنقيض قصده كالقاتل، وأنه غريب، فليس كذلك؛ لأنا نجد فيه مناسبة أعم بإزاء أعم، وإن لم يكن إلا العدوان والدفع، ولابد أن يقع من قسم من الأقسام الخمسة الشرعية، وتقييدهم تمثيل الملائم بقضاء الصلوات، فيقال: قضاء مشتمل على حرج، فإذا شهدت أصول بالجنس وأصل واحد بالعين، فما وراء ذلك تكثير للنظائر لا يخل بالتأثير عدمه، وإذا تعرض للخصوص، فيحصل تأثر بجنس المشقة في جنس التخفيف، حتى في رخص الصيام في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، فيناسب جنس المشقة حسن التخفيف في العبادات، بل في جميع أحكام الشرع، ويناسب مشقة قضاء الصلاة خصوص إسقاط القضاء؛ لحصول مشقة في خصوص التكرار، وكذلك إذا اعتبرت جميع ما يمثلون به، فليس إلا المؤثر، وكل ما وجدت في عمومه مصلحة عامة، إذا اعتبرت خصوصه وجدت في خصوصه مصلحة خاصة، وليس ضابط الجنس والعين
стр. 3190
عندهم إلا خصوص وعموم، ولا ينبغي أن يكتفي بالمناسبة الخاصة في الحكم الخاص المتساوية النسبة إلى أشباهه، بل مناسبة خاصة- أيضًا- فلا يقتصر على أن العمد العدوان جناية، فيناسب العقوبة؛ إذ ليس فيه مناسبة تعيين القصاص، بل مناسبة تعيينه أنه إثم العقوبات البدنية، فيقابل بإثم جناياتها.
قال: ولقد أحسن رئيس القوم ومحصلهم القاضي أبو زيد، حيث لم يعتبر غير المؤثر، وإذا ضبطت هذه الطريقة منعتهم صحة التقسيم، وتمسكهم بقول علي: (إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري)؛ لأنه لا يصح إثباتًا للقياس بنفسه؛ إذ ليس فيه رد فرع إلى أصل وجامع، فضلًا عن الملائم، وهو أجود ما يحتج به للمصلحة المرسلة؛ لأنه إقامة مظنة الشيء مقامه، ولكن وضع المظان ضعيف.
التقسيم الثالث
الوصف باعتبار الملاءمة .
قلت: عبارته في هذا مخالفة لعبارات الجماعة، وقد نقلت لك في التقسيم الثاني عبارتهم في الملائم والمؤثر، وكلامه يخالفهم.
فكلامه في التقسيم الأول: (إذا شهد العين للعين، والجنس للجنس) يشعر بأنه ملائم، وليس كذلك، بل هو المؤثر الذي هو قسيم الملائم، وهو قد جعل أصل التقسيم في الملائم.
следующие страницы →