← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

المسألة الثالثة قال الرازي: إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه قد يكون ظاهرًا جليًا، وقد لا يكون كذلك: فالأول: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، ومن الناس: من قال: المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى. لنا وجهان: الأول: أن المنع من التأفيف، لو دل عليه، لد لعليه: إما بحسب الموضوع اللغوي، أو بحسب الموضوع العرفي: والأول: باطل بالضرورة، لأن التأفيف غير الضرب؛ فالمنع من التأفيف لا يكون منعًا من الضرب. والثاني أيضًا: باطل؛ لأن النقل العرفي خلاف الأصل. وأيضًا: فلو ثبت هذا النقل في العرف، لما حسن من الملك، إذا استولى على عدوه: أن ينهى الجلاد عن صفعه، والاستخفاف به، وإن كان يأمره بقتله، وإذا بطلت دلالة اللفظ عليه، علمنا أن تحريم الضرب مستفاد من القياس. واحتج المخالف بأمور: أحدها: لو كان ذلك مستفادًا من القياس، لوجب فيمن لا يقول بصحة القياس ألا يعلم ذلك.

стр. 3117

وثانيها: أنه يلزم ألا يعلم العاقل حرمة ضربهما، لو متعه الله عن القياس الشرعي. وثالثها: أجمعنا على ان قوله: (فلان لا يملك حبة) يفيد في العرف أنه لا شيء له البتة، وكذا قولهم: (لا يملك نقيرًا، ولا قطميرًا) يفيد أنه ليس له شيء البتة، وإن كان النقير في أصل اللغة عبارة عن النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير عبارة عما في شق النواة. وكذلك قولهم: (فلان مؤتمن على قنطار) فإنه يفيد في العرف كونه أمينًا على الإطلاق، وإنما حكمنا في هذه الألفاظ بالنقل العرفي؛ لتسارع الفهم إلى هذه المعاني العرفية؛ فوجب أن تكون حرمة التأفيف موضوعة في العرف؛ للمنع من الإيذاء؛ لتسارع الفهم إليه. والجواب عن الأول: أن القياس قد يكون يقينًا، وقد يكون ظنيًا. أما الأول: تكمن علم علة الحكم في الأصل، ثم علم حصول مثل تلك العلة في الفرع، فإنه لابد وأن يعلم ثبوت الحكم في الفرع. أما الثاني: فكما إذا كانت إحدى المقدمتين، أو كلاهما- مظنونة، والقياس في هذه المسألة من النوع الأول؛ فلا جرم لا يمكن أن يكون القادح في صحة القياس الظني قادحًا في صحة هذا القياس. وهذا هو الجواب بعينه عن الثاني. أما الثالث: فقوله: (ليس لفلان حبة) يفيد نفي الأكثر من الحبة، لأن الأكثر من الحبة يوجد فيه الحبة، أما ما نقص من الحبة فلا يتعرض له كلامه.

стр. 3118

وأما النقير والقطمير، فقد حكمنا فيه بالنقل العرفي للضرورة، ولا ضرورة في مسألتنا. وأما قوله: (فلان مؤتمن على قنطار) فإنما يفيد كونه مؤتمنًا على ما دون القنطار؛ لأن ما دون القنطار داخل في القنطار، فأما ما فوقه، فلا يدخل فيه. المسالة الثالثة قال النقشواني: إلحاق المسكوت عنه، بالمنصوص عليه قد يكون ظاهرًا [جليًا، وقد لا يكون كذلك. فالأول: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. ومن الناس من قال: المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى. لنا وجهان: الأول]: فائدة فيما ذكره المصنف: النقير: ما في ظهر النواة. والقطمير: ما في شقها. وبقي الفتيل: وهو القشرة الرقيقة المحتفة بها. قوله: (أما النقير، والقطمير، فقد حكمنا فيه بالنقل العرفي)، ولو يقل ذلك في الحبة، بل قال: (الحبة في الأكثر)، فلذلك يلزم من نفيها نفي الأكثر. والفرق عنده: أن (النقير) ونحوه موضوع ليس فيها نقير، بخلاف الحبة. ويرد عليه: أن الحبة- أيضًا- اسم لأحد الحبوب من النبات، فلا يلزم من نفيها نفي الذهب الكثير.

стр. 3119

فإن قال: التقدير ليس عنده زنة حبة، على تقدير المضاف. قلنا: الأصل عدم الحذف، إلا أن يدعى انه قد اشتهر في العرف؛ فيلزم النقل، ويستوى البابان. قوله: (فلان يؤتمن على قنطار، إنما يفيد الأمانة على ما دون القنطار؛ لأنه داخل فيه). قلنا: من الناس من يخون في المحتقرات؛ لاستهزائه بها، دون الأمور العظيمة، ويكذب في سعة الكلام دون الشهادة، وأخلاق الناس تختلف. فما يلزم من قولنا: (لا يخون في القنطار) ألا يخون في اليسر. (فائدة) قال إمام الحرمين في (الرهان): قال معظم الأصوليين: ليس هذا الفحوى معدودا من الأقيسة، بل متلقى من اللفظ ، والمستفاد من فحوى اللفظ وتنبيهه كالمستفاد من صيغته. وهذا المذهب الذي هو المشهور لم ينقله المصنف ألبتة. فتحصل من نقله مع نقل (البرهان) ثلاثة مذاهب: الحكم ثابت بالقياس. باللفظ اللغوي. بالنقل العرفي. وغير (البرهان) وافق (البرهان) أيضا. * * *

стр. 3120

المسألة الرابعة قال الرازى: ثبوت الحكم في الأصل: إما أن يكون يقينيا، أو لا يكون: فإن كان يقينيا؛ استحال أن يكون ثبوت الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة، أما إذا لم يكن يقينيا، فثبوت الحكم في الفرع: إما أن يكون أقوى من ثبوته في الأصل، أو مساويا له، أو دونه: مثال الأول: قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف؛ فإن تحريم الضرب، وهو الفرع، أقوى ثبوتا من تحريم التأفيف، الذي هو الأصل. ومثال الثاني: قوله ﵊: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد) فإنا نقيس عليه ما إذا بال في الكوز، ثم صبه في الماء الراكد، ولا تفاوت بين الحكم في الأصل والفرع، وهذا هو الذي يسمى بالقياس في معنى الأصل. ومثال الثالث: جميع الأقيسة التي يتمسك الفقهاء بها في مباحثهم، وأما مراتب التفاوت، فهي بحسب مراتب الظنون، ولما كانت مراتب الظنون محصورة، فكذا القول في مراتب هذا التفاوت. المسألة الرابعة قال: (إن كان الحكم في الأصل يقينا استحال أن يكون الفرع أقوى): قلنا: لا نسلم؛ لأنا قد بينا أن اليقينيات قد تختلف في الجلاء، بدليل أن (الواحد نصف الاثنين أجلى) من غيره من الحسابيات المعلومة بالضرورة، والحسيات أجلى من (الواحد نصف الاثنين)، والمرئيات أجلى من الملموسات.

стр. 3121

قوله: (قد يكون ثبوت الحكم في الفرع أقوى، كتحريم الضرب من تحريم التأفيف): قلنا: لا نسلم أن الثبوت أقوى، بل أضعف بالضرورة، وإذا أنصفنا أنفسنا وجدنا أن المستلزم لثبوت الشيء يكون ثبوته أقوى من ثبوت ذلك الشيء؛ لأنه يلزم من عدمه عدمه من غير عكس. والمتعرف ثبوته على ثبوت الشيء لا يكون أقوى من ثبوت الشيء ضرورة. إنما جاء الخلاف في هذا الفرع من جهة أن مفسدة الضرب أقوى، لا أن ثبوت التحريم أقوى، فإن عنيتم أن مفسدة الفرع أجلى عند الفعل فمسلم. لكن قوة المفسدة وجلاءها، غير ثبوت التحريم المرتب عليها، فلا يلزم أن تكون قوة أحدهما هي عين قوة الأخرى. قوله: (مثال المساوى: قياس صب البول في الماء على البول فيه): تقريره: أن الحديث ورد: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم). قال العلماء: علته أن ذلك ربما توالى على الماء إلى أن يؤدى إلى تنجيسه، والتشكك فيه على مستعمليه، فقاسوا عليه صب البول من الإناء. وقال أهل الظاهر: لا يكون الصب منهيا عنه؛ لأنه غير مورد النص.

стр. 3122

ويرد ها هنا - أيضا - أن ثبوت الحكم - ها هنا - ليس مساويا لثبوت الحكم في الأصل، بل أضعف، لأنه فرع على ثبوت الحكم في الأصل، ومختلف فيه، والأول متفق عيه، لكن للمساواة في المفسدة، فمفسدة الصب كمفسدة البول سواء، وقد تقدم في القسم الأول أن أحوال المفاسد غير أحوال الأحكام. قوله: (والثبوت للأضعف كأقيسة الفقهاء): قلنا: إن أردتم الضعف في المصالح والمفاسد، فهذا إشارة إلى قيام الفروق، ولا قياس مع الفرق، فهذا قدح في جميع أقيسة الفقهاء. وإن أردتم الضعف في نفس الثبوت، فهذا مشترك في القسمين الأولين، فيلزم أن يكون قسيم الشيء قسيما له، وهو محال. (تنبيه) قال التبريزي: الحكم للأقوى: كقياس الأعمى على الأعرج في الأضحية في عدم الإجزاء ، والخنزير على الكلب في منع البيع بعلة النجاسة، ووطء البالغ على وطء الصبي في إفساد الحج. والمساوى: كقياس المرأة على الرجل في جواز رجوع البائع عند الموت والفلس، والأمة على العبد في سراية العتق. والأضعف: كقياس العمد على الخطأ في وجوب الكفارة، والمرأة على الرجل في صحة النكاح. ويرد ما تقدم على المصنف أن الفقهاء أكثروا من التمثيل في المساوى بالأمة والعبد في السراية، وفي تشطير العقوبة في الحدود وغيرها، مع أن لقائل أن

стр. 3123

يقول: السراية في الأمة فيها مانع، وهو أن الأنثى ربما أفضى عتقها لحاجتها، واكتسابها بفرجها وفرط ضعفها عن تحصيل مؤنتها، ودفع العار عنها، فيكون هذا مانعا من الإلحاق. وكذلك التشطير في العقوبات، فيه رفق ورحمة، وهي بالإناث أنسب، فإلحاق العبد بالأمة يكون مع قيام الفارق حينئذ، فلا يصح، ولا تكون المساواة حاصلة. * * *

стр. 3124

القسم الثاني قال الرازي: في الطرق الدالة على كون الوصف المعين علة للحكم في الأصل . قد عرفت أن حاصل القياس يرجع إلى أصلين: أحدهما: أن الحكم في محل النص معلل بالوصف الفلاني. وثانيهما: أن ذلك الوصف حاصل في الفرع. والأصل الأول أعظمهما وأولاهما بالبحث والتدقيق، والكلام في هذا القسم مرتب على مقدمة وأربعة أبواب: أما المقدمة: ففي تفسير العلة في هذا الموضع، قال نفاة القياس: إما أن يكون المراد من العلة ما يكون مؤثرا في الحكم، أو ما يكون داعيا للشرع إلى إثباته، أو ما يكون معرفا له، أو معنى رابعا، والثلاثة الأول باطلة، والرابع لا بد من إفادة تصوره، لننظر فيه، هل يصح أم لا؟. أما الأول؛ وهو الموجب: فهو باطل من وجوه: أحدها: أن حكم الله تعالى - على قول أهل السنة - مجرد خطابه الذي هو كلامه القديم، والقديم يمتنع تعليله؛ فضلا عن أن يعلل بعلة محدثة، وأما على قول من يقول: الأحكام أمور عارضة للأفعال معللة بوقوع تلك الأفعال؛ على جهات مخصوصة، فهو قول المعتزلة في الحسن والقبح العقليين، وقد أبطلتموه.

стр. 3125

وثانيها: أن الواجد هو الذي يستحق العقاب على تركه، واستحقاق العقاب وصف ثبوتي؛ لأنه مناقض لعدم الاستحقاق، وتركه هو ألا يفعله، وهو عدمي، ولو كان ذلك الاستحقاق معللا بهذا الترك، لكان الوجود معللا بالعدم؛ وهو محال. فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: (القادر لا ينفك عن فعل الشيء، أو فعل ضده، فإذا ترك الواجب، فقد فعل ضده، واستحقاق العقاب معلل بفعل ضده؟): قلت: هذا لا يستقيم؛ على رأي أبي هاشم، وأبي الحسين وأتباعهما؛ لأنه يجوز عندهما خلو القادر من الأخذ والترك. وأيضا: ففعل الضد، لو لم يستلزم الإخلال بواجب، لم يستلزم استحقاق الذم والعقال، ولو فرضنا وقوع الإخلال بالواجب من غير فعل الضد، لاستلزم استحقاق الذم والعقاب؛ فعلمنا أن المستلزم بالذات لهذا الاستحقاق: هو ألا يفعل الواجب، لا فعل ضده. وثالثها: أن العلة الشرعية، لو كانت مؤثرة في الحكم، لما اجتمع على الحكم الواحد علل مستقلة؛ لكن قد يحصل هذا الاجتماع، فالعلة غير مؤثر. بيان الملازمة: أن الحكم مع علته المستقلة واجب الحصول، وما كان واجب الحصول لذاته، استحال وقوعه؛ لأن الواجب لذاته لا يكون واجبا لغيره، فإذا اجتمعت عليه علل مستقلة، كان لكونه مع هذا منقطعا عن الآخر، وبالعكس؛ فيلزم استغناؤه عن الكل حال احتياجه إلى الكل؛ وهو محال. بيان استثناء نقيض التالي: ما إذا زنا وارتد، أو لمس ومس معا؛ فإن الحكم ها هنا واحد؛ لامتناع اجتماع المثلين.

стр. 3126

وبتقدير جوازه: فإنه لا يكون استناد أحد الحكمين إلى أحد العلتين أولى من استناده إلى العلة الأخرى، ومن استناد الحكم الآخر إليها، فيعود إلى كون كل واحد من الحكمين معللا بكل واحدة من العلتين؛ وهو محال. ورابعها: أن كون القتل العمد العدوان قبيحا، وموجبا لاستحقاق الذم والقصاص، لو كان معللا بكونه قتلا عمدا، عدوانا والعدوانية صفة عدمية؛ لأن معناها: أنها غير مستحقة - لزم أن يكون العدم جزءا من علة الأمر الوجودي؛ وهو محال. فإن قلت: (لم لا يجوز أن يكون هذا العدم شرطا لصدور الأثر عن المؤثر؟): قلت: لأن عليه العلة ما كانت حاصلة قبل حصول هذا الشرط، ثم حدثت عند حصوله، فتلك العلية أمر حادث لا بد له من مؤثر، وهو الشرط، فلو جعلنا الشرط عدما، لزم جعل العدم علة لتلك العلية؛ وهو محال. ومن الفقهاء: من قال: هذه الإشكالات إنما تتوجه على من يجعل هذه الأوصاف عللا مؤثرة لذواتها في هذه الأحكام، ونحن لا نقول بذلك؛ بل كونها عللا لهذه الأحكام أمر ثبت بالشرع؛ فهي لا توجب الأحكام لذواتها؛ بل لأن الشرع جعلها موجبة لهذه الأحكام. وهذا هو الذي عول عليه الغزالي في (شفاء الغليل)، فيقال له: إن أردت بجعل الزنا علة موجبة للرجم، أن الشرع قال: (مهما رأيتم إنسانا يزني، فاعلموا أني أوجبت رجمه) فهذا صحيح؛ ولكن يرجع حاصله إلى كون الزنا معرفا لذلك الحكم، وهو غير ما نحن الآن فيه، وإن أردت به: أن الشرع جعل الزنا مؤثرا في هذا الحكم؛ فهو باطل من وجهين:

стр. 3127

الأول: أنه معترف بأن الحكم ليس إلا خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وذلك هو كلامه القديم؛ فكيف يعقل كون الصفة المحدثة موجبة للشيء القديم، سواء كانت الموجبة بالذات، أو بالجعل؟. الثاني: أن الشارع، إذا جعل الزنا علة، فخال ذلك الجعل: إن لم يصدر عنه أمر البتة، لم يكن جاعلا البتة، وإن صدر عنه أمر، فلذلك الأمر: إما الحكم، أو ما يؤثر في الحكم، أولا الحكم، ولا ما يؤثر في الحكم: فإن كان الصادر هو الحكم: كان المؤثر في الحكم هو الشارع، لا الوصف، وقد فرض أن المؤثر هو الوصف هذا خلف. وإن كان الصادر ما يؤثر في الحكم: كان تأثير الشارع في إخراج ذلك المؤثر من العدم إلى الوجود، ثم إنه بعد وجوده يؤثر في الحكم لذاته، فتكون موجبيته لذاته، لا بالشرع. وإذا كان الصادر لا الحكم، ولا ما يؤثر فيه البتة: لم يحصل الحكم حينئذ، وإذا لم يحصل الحكم، لم يجعل الشرع ذلك الوصف موجبا لذلك الحكم، وقد فرض كذلك؛ هذا خلف. التفسير الثاني: الداعي، وهو بالحقيقة أيضا: موجب؛ لأن القادر، لما صح منه فعل الشيء، وفعل ضده، لم تترجح فاعليته للشيء على فاعليته لضده، إلا إذا علم أن له فيه مصلحة، فذلك العلم هو الذي لأجله؛ صار القادر فاعلا لهذا الضد؛ بدلا من كونه فاعلا لذلك الضد؛ لكن العلم موجب لتلك الفاعلية، ومؤثر فيها، فمن قال: (أكلت؛ للشبع) كان معناه ذلك. إذا عرفت هذا، فنقول: هذا في حق الله تعالى محال؛ لوجهين:

стр. 3128

الأول: أن كل من فعل فعلا؛ لغرض، فإنه مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته؛ وذلك على الله تعالى محال. وإنما قلنا: (إن فعل فعلا؛ لغرض، فإنه مستكمل بذلك الغرض) لأنه إما أن يكون حصول ذلك الغرض، ولا حصوله بالنسبة إليه في اعتقاده على السواء، وإما أن يكون أحدهما أولى به في اعتقاده: فإن كان الأول: استحال أن يكون غرضا، والعلم به ضروري بعد الاستقراء والاختبار. وإن كان الثاني: كان حصول تلك الأولوية معلقا بفعل ذلك الغرض، وكل ما كان معلقا على غيره، لم يكن واجبا لذاته، فحصول ذلك الكمال غير واجب لذاته؛ فهو ممكن العدم لذاته؛ فلا يكون كمال الله تعالى صفة واجبة؛ له؛ بل ممكنة الزوال عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن قلت: (حصول ذلك الغرض، ولا حصوله بالنسبة إليه تعالى على السواء؛ ولكن بالنسبة إلى غيره، لا على السواء؛ فلا جرم أن الله تعالى يفعل، لا لغرض يعود إليه؛ بل الغرض يعود إلى عبده): قلت: كونه تعالى فاعلا للفعل الذي هو أولى بالعبد، وكونه غير فاعل له: إما أن يتساويا بالنسبة إليه تعالى من جميع الوجوه، أو لا يتساويا: فإن كان الأول: استحال أن يكون ذلك داعيا لله تعالى إلى الفعل. وأيضا: فكيف يعقل هذا، مع أن المعتزلي يقول: لو لم يفعل، لاستحق الذم، ولما كان مستحقا للمدح، ولصار سفيها غير مستحق للإلهية، وإن كان أحدهما أولى، عاد الإشكال.

стр. 3129

الثاني: أن البديهة شاهدة بأن الغرض والحكمة ليس إلا جلب المنفعة، أو دفع المضرة؛ والمنفعة: عبارة عن اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والمضرة: عبارة عن الألم، أو ما يكون وسيلة إليه، والوسيلة إلى اللذة: مطلوبة بالعرض، والمطلوب بالذات: هو اللذة. وكذا الوسيلة إلى الألم: مهروب عنها بالعرض والمهروب عنه بالذات: ليس إلا الألم؛ فيرجع حاصل الغرض والحكمة إلى تحصيل اللذة، ورفع الألم؛ ولا لذة إلا والله تعالى قادر على تحصيلها؛ ابتداء من غير شيء من الوسائط، ولا ألم إلا والله تعالى قادر على دفعه؛ ابتداء من غير شيء من الوسائط وإذا كان الأمر كذلك، استحال أن تكون فاعليته لشيء؛ لأجل تحصيل اللذة، أو دفع الألم؛ لأن الشيء إنما يكون معللا بشيء آخر، إذا كان يلزم، من عدم ما فرض علة، وعدم كل ما يقوم مقامها ألا تكون العلية حاصلة البتة؛ وبهذا الطريق: علمنا أن نعيق الغراب، وصرير الباب ليس علة لوجود السماء والأرض، ولا بالعكس. وإذا ثبت هذا، فنقول: لما لم تكن فاعلية الله تعالى لتحصيل اللذات، ودفع الآلام - متوقفة البتة على وجود هذه الوسائط، لم تكن أبضا فاعليته للوسائط - متوقفة على فاعليته لتلك اللذات، والآلام - استحال تعليل أحدهما بالآخر، وإذا بطل التعليل، بطل كونها داعية؛ لما بينا أن الداعي علة لعلية الفاعلية. التفسير الثالث للعلة: المعرف: فنقول: إنه أيضا باطل؛ لأنا إذا قلنا: الحكم في الأصل معلل بالعلة الفلانية، استحال أن يكون مرادنا من العلة المعرف؛ وإلا لكان معنى الكلام: (أن الحكم في الأصل، إنما عرف ثبوته بواسطة

стр. 3130

الوصف الفلاني) وذلك باطل؛ لأن علية الوصف لذلك الحكم لا تعرف إلا بعد معرفة ذلك الحكم؛ فكيف يكون الوصف معرفًا؟ والجواب: أما المعتزلة: فإنهم يفسّرون العلّة الشرعيّة: تارة بالموجب، وتارة بالدّاعي، فيحتاجون إلى الجواب عن هذه الكلمات التي سبقت، والكلام في ذلك طويل. وأما أصحابنا: فإنهم يفسرونه بالمعرف وأما قوله: (الحكم معرّف بالنص، فلا يمكن كون الوصف معرفًا له): قلنا: ذلك الحكم الثابت في محل الوفاق فردٌ من أفراد ذلك النوع من الحكم، ثم بعد ذلك يجوز قيام الدلالة على كوْن ذلك الوصف معرفًا لفرد آخر من أفراد ذلك النوع من الحكم؛ وعلى ذلك التقدير: لا يكون تعريفًا للمعرف، ثم إذا وحدنا ذلك الوصف في الفرع، حكمنا بحصول ذلك الحكم؛ لما أنا الدليل لا ينفك عن المدلول. القسم الثاني في الدّال على العلّة قال القرافي: قال الغزالي في (شفاء الغليل): قال قوم: إقامة الدليل على عدم الأصل غير واجب؛ لأنه قد تحقق صورة القياس لمجرد الجمع، والأصل أن كل وصف يذكر في الأصل علة، إلا أنه يمنع [منه] مانع. قال: وهو باطٌل؛ لأن الأصول تنقسم إلى: تعبّد ومعلل، والمعلل احتمل أن يكون بغير هذا الوصف.

стр. 3131

قوله: (والمراد بالعلة إما المؤثر، أو الداعي، أو المعرف): تقريره: أن المؤثر هو المحصل للوجود، والناقل للمكن من حيّز العدم إلى حيز الوجود، كما تقول الفلاسفة في الطبائع وغيرها. والداعي هو: العلم باشتمال الفعل على جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، فيدعو ذلك العلم من قام به لفعل ذلك الفعل. والمعرّف هو: العلامة على الشيء والمرشد له، كتعريف كلّ جزء من أجزاء العالم بوجود الله- تعالى- وصفاته العلى، كما تقرر في أصول الدين. (فائدة) قال القاضي عبد الوهّاب في (الملخص)، والشيخ أبو إسحاق في (اللمع): العلة لها معنيان: لغوى واصطلاحي . فهو اعتبار اللغة مأخوذ من ثلاثة أشياء: علّة المرض: وهو الذي يؤثر فيه عادة. والداعي: من قولهم: علّة إكرام زيد لعمرو، علمه وإحسانه. وقيل: من الدّوام والتكرر، ومنه العلل لشرب بعد الري، يقال: شرب عللاً بعد نَهَل. وفي اصطلاح المتكلمين: العلة: ما اقتضى حكمًا لمن قام به، كالعلم علّة للعالمية. وعند الفقهاء: ما ثبت الحكم لأجله. قوله: (حكم الله- تعالى- عند أهل السنة مجرد خطابه الذي هو كلامه القديم، فيمتنع تعليله): قُلنا: لابُدّ مع الكلام القديم من التعلق بالاقتضاء أو التخيير، وبدون هذا

стр. 3132

التعلق لا يتصور من الكلام حكم، والحكم هو مجموع المركب من الكلام القديم، والتعلق عدمي؛ لأنه نسبة بين الكلام وأفعال المكلفين، والنسب والإضافات كلها عدمية عند أهل الحق، فيكون الحكم عدميًا؛ لأن المركب من الوجود والعدم عدم، وإذا كان الحكم بهذا الاعتبار عدميًا، أمكن أن يترتب تحقيقه على غيره، ولا تمتنع إضافة محققة للغير، وإنما يمتنع ذلك في الواجب الموجود بجميع أجزائه. قوله: (وأما على قول من يقول: الأحكام أمور عارضة للأفعال معلّلة بوقوع تلك الأفعال على جهاتٍ مخصوصة، فهو قول المعتزلة، وقد أبطلناه): تقريره: أن المعتزلة لا تقول بالكلام النفساني، والأحكام عندهم أوامر الشرع ونواهيه الدالة على إرادة عدم ذلك المحرم، ووجود ذلك الواجب؛ لأجل اشتمال المحرم على المفسدة، والواجب على المصلحة، فتلق هذه الألفاظ الخاصة بالأفعال أمور عارضة للأفعال؛ لأجل المصالح والمفاسد، هذا بعد ورود الشرائع بصيغ النصوص. وأما قبلها، فالأحكام عندهم ثابتة مع أنه لا لفظ من قبل الشرع حينئذ؛ بل المتعلق الإرادة فقط، وتلك الإرادة متعلقة بالفعل في الواجب، والترك في المحرم، والتخيير في المباح، وتعلقت- أيضًا- بالعقاب والثواب على حسب مراتب الأفعال، فهذه هي الأمور العارضة للأفعال. قوله: (الاستحقاق أمر ثبوتي؛ لأنه مناقضٌ لعدم الاستحقاق): قلنا: هذا لا يتم؛ لأن الاستحقاق نسبة وإضافة بين المستحق الذي هو العذاب، والمستحق به الذي هو المعصية، والنسب كلها عدمية، وإن كان لفظها لفظ ثبوت، كما تقول: البنوة نقيضها عدم البنوة، وكذلك الأبوة، والفوقية، والتحتية، والتقدم، والتأخر، وغير ذلك من النسب العدمية،

стр. 3133

ويمكن أن يقال فيها كلها: هي نقيض عدمها، ولا يقتضي ذلك أنها وجودية في الخارج، وإذا كان الاستحقاق عدميًا، أمكن تعليله بالعدم الذي هو ترك الواجب، ثم هذا لا يتم في المحرم؛ فإن الاستحقاق فيه بالفعل، وهو وجودي، فدليلكم لا يعم جميع صور النزاع. قوله: (الحكم مع علته المستقلة واجب الحصول لذاته): تقريره: أن كل مؤثر إذا استجمع لكل ما لا بد منه في التأثير، وجب أثره ضرورة؛ لأنه لو لم يجب لجاز ألا يقع في تلك الحالة، فليفرض وقوعه تارة، وعدم وقوعه تارة أخرى، فاختصاص زمان الوقوع بالوقوع لا بد له من مرجّح، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. فإذا حصل ذلك المرجح، وإن وجود الفعل لحصل المطلوب، وإلا عاد البحث، ولزم التسلسل، وهو محال، فحينئذ لا بد من حصول الأثر عند الاستجماع من الأسباب، والشروط، وانتفاء جميع الموانع، وهو المراد بالعلة المستقلة. ومثاله: أن الكاتب (للألف) لا بد له من دواة، وقرطاسٍ، وقلم، وحركة بالإصبع على القرطاس، ومتى حصلت الأسباب كلها والشروط، وانتفت الموانع، وجب حصول (الألف) ضرورة، ولا تتأخر إلا لفقدان بعض ما فرضت وقوعه الآن، وهذا يوضح لك هذا المطلب العقلي. غير أن قول المصنف: (واجب الحصول لذاته) إن كان الضمير في ذاته عائدًا على الأثر، فليس كذلك، بل هو واجب الحصول لغيره لا لذاته. وإن كان عائدًا على العلة المستجمعة صح، والأول: هو ظاهر لفظه. ويمكن تصحيح عبارته بطريق: وهو أن المعلول الذي استجمعت علته لوقوعه يجب وجوده لذاته، من حيث أنه مستجمع له، لا بالنظر إلى ذاته

стр. 3134

من حيث هو هو، مع قطع النظر عن الاستجماع، ومن هذا الوجه لا يحتاج إلى مؤثر يوقعه؛ لأنه أخذ بقيد مؤثره، فلو احتاج إلى غيره لزم تحصيل الحاصل. قوله: (بيان نقيض التالي): تقريره: أن التالي: هو اللازم، وكأن اللازم معناه: عدم اجتماع العلل على الحكم الواحد في قوله: (إن العلة الشرعية لو كانت مؤثرة لما اجتمع على الحكم الواحد علل)، ونفي اللازم يقتضى نفي الملزوم، فاستثناء نقيض اللازم معناه بيان عدم اللازم، حتى يلزم منه عدم الملزوم. قوله: (عليه العلة ما كانت حاصلة قبل هذا الشرط، ثم حدثت عند حصوله، فتلك العلية أمر حادث لابد له من مؤثر، وهو الشرط): قلنا: العليّة: هي كون العلة بالنظر إلى ذاتها، وهذا الوصف لا يتوقف ثبوته لها على الشرط، إنما الذي يتوقف على الشرط ترتب معلولها عليها، ولذلك نقول: السم سبب وجود القتل في نفسه، وإن كان في بعض المحال قد يتأخر لمانع، وعدم شرط، ولو سلمنا ذلك: فالعلية نسبة وإضافة؛ لأنها ترجع إلى التأثير، وهو نسبة بين الأثر والمؤثر. والحق في هذه المواضع أن المتوقف هو ترتب الأثر على العلة، وهو نسبة عدمية أمكن تعليله بالشرط العدمي. أو نقول: الترتب- أيضًا- مضاف لذات العلة، لكن بشرط حصول ذلك العدم، فلا يكون الشرط مؤثرًا مطلقًا، كان شرطًا في الترتيب أو في العلّية. قوله: (الصادر عن الشارع إما الحكم أو ما يؤثر فيه): قلنا: الحق في القسم الثالث؛ لأنه قد تقدم منع سراج الدين أول الكتاب

стр. 3135

أن الصادر عن الشرع هو المؤثر به، وهي غير المؤثر؛ لأنها صفة المؤثر، وهذه الصفة وحدها نسبة وإضافة لا تستقل بالتأثير، فإذا جعل الشرع الوصف مؤثرًا، فقد حصل له مؤثر به، وهي غير المؤثر، وحينئذ يمنع كلامه في الأخير، أنه إن كان الواقع هذا القسم لم يحصل الحكم، بل يحصل لاستلزام المؤثر به بواسطة المؤثر في ذلك الحكم. قوله: (الداعي موجب لكون الفاعل فاعلًا): تقريره: أن الموجب هو الذي يلزم عنه الأثر، كان ذلك الأثر وجوديًا كالنور بالنسبة إلى الشمس في مجرى العادة، أو عدميًا كأحكام المعلل، فإنها أحوال ونسب وإضافات ليست وجودية، والمعاني موجبة لها كالعالمية مع العلم، والقادرية مع القدرة، ونحو ذلك. وكون الفاعل فاعلًا من باب النسب والإضافات، فلا يشكل عليك جعل الداعي موجبًاً بالنسبة إليه؛ لتخيلك أن الموجب وهو الوجود، ولا وجود هاهنا. قوله: (الفاعل للغرض مستكمل بذلك الغرض، ناقص بدونه): قلنا: لا نسلم؛ لأن الغرض قد يكون مما له أن يفعله، وله ألا يفعله، والأمران على السواء، ويكون المرجح لأحد الأمرين على الآخر الإرادة؛ لأنها صفة شأنها الترجيح لأحد المتساويين على الآخر لذاتها، من غير احتياج لمرجٍح آخر. فالله- تعالى- له أن يفعل لمرجح، ولا لمرجح، وإرادته الأزلية مرجح أحدهما على الآخر لا لمرجح. وإنما يلزم النقض إذا كان ذلك يرجع إلى صفة ذاتية أو معنوية قائمة به- تعالى- وأما ما هو من قبيل الأفعال وعللها، وما يبنى عليه، فذلك كله من قبيل الجائزات عندنا وجودًا وعدمًا.

стр. 3136

قوله: (إنّ ذلك في حصوله وعدمه على السواء في اعتقاده إن كان الأول استحال أن يكون غرضًا، والعلم به ضروري). قلنا: كونه سواء في اعتقاده له ثلاثة معان: أحدهما: أن يكون سواء بالنسبة إلى الفاعل، راجحًا بالنسبة إلى المفعول له، وهذا ليس محالًا، بل هو الواقع غالبًا في الشرائع، والأفعال الربانية. وثانيها: أن يكون سواء- مطلقاً- بالنسبة إلى الفاعل والمفعول له، ووقوع مثل هذا مرتبًا عليه الفعل ليس محالًا، والمرجح الإرادة، فله أن يوجد ما فيه مصلحة وما لا مصلحة فيه، وأن يرتب الفعل على ما هو مصلحة في نفسه، ويكون ترتيب الفعل على هذا وترتيبه على غير سواء في لمه، ويكون المرجح الإرادة، ويكون ترتبه عليه كاقتران اتحاد العالم بزمان وجوده المعيّن مع إمكان اقتران وجوده بغيره، والأمران على السواء، ضرورة استواء الأزمنة، ومع ذلك رجحت الإرادة أحدهما على الآخر في الترتيب. وثالثها: أن يكون ذلك المرتب عليه لم يترجح الترتيب عليه بالإرادة ولا عدم الترتيب، بل هما في العلم على السواء، فهذا هو الذي نسلم أنه يستحيل أن يكون مرتبًا عليه؛ لأنه لو كان مرتبًا عليه، لعلمه مرتبًا عليه، ورجّح ذلك في علمه، فحيث لم يرجح في علمه لا يكون مرتبًا عليه ضرورة، فهذه المقدمة مهملة بين هذه الأقسام، والحق منها هو الثالث، ولم يدعيه بل الأول اعتقادًا، والثاني يدعيه بحثًا ومناظرة، ولا مدخل لهذا الغرض في الكمال الشرحي، فلزم منه عدم النقض. ثم قوله بعد ذلك: (كونه غرضًا متعلقًا بالغير إما أن يكون سواء النسبة إليه أم لا):

стр. 3137

قلنا: يعود فيه التقسيم التقدم، وما المراد بالتسوية على تلك الأقسام الثلاثة، ويختار القسم الأول كما تقدم، والثاني جدلًا. وقوله: (إن المعتزلي يقول): ما حكاه عنه، فذلك مذهب باطل عندنا، لا يلزمنا ما يلزم عليه. قوله: (الحكمة لذة أو سببها، أو دفع مضرة أو سببها): تقريره: أنا إذا قلنا: الزنا حرم لحكمة حفظ الأنساب عن الاختلاط، فمعناه أن النسب إذا اختلط تألم صاحبه، وكذلك تحريم المسكرات لمفسدة زوال العقل، معناه: أن زوال العقل مفسدة شأنه أن يؤلم الطبع السليم، هذا في المحرمات، والواجبات، كوجوب الزكاة؛ لحكمة شكر النعمة، وسد الخلة معناه أن الفقير يلتذّ به بسبب سد خلته، والمحسن شأنه أن يلتذ بشكر نعمته، غير أن اللذة على الله- تعالى- محال، فتعود اللذة إلى أن الشاكر يلتذ بكونه حصل الشكر، وقام بما يليق به، وقس على ذلك جميع موارد الشرع. قوله: (الله- تعالى- قادر على تحصيل اللذة بغير واسطة، فيستحيل أن يكون ذلك معللًا بشيء): قلنا: إذا كان قادرًا يلزم من ذلك جوازه، لا وجوبه ولا امتناعه، وإرادته- تعالى- ترجّح أحد الجائزين على الآخر، فلا استحالة. وقوله: (إنما يكون الشيء معللاً بشيء آخر إذا كان يلزم من عدم فرض علة عدمه): قلنا: ذلك إنما يلزم فيما هو علة باعتبار ذاته، أما ما هو علة بجعله علّة على سبيل الجواز، فلا يلزم فيه ذلك.

стр. 3138

وأما ما ذكره من نعيق الغراب، وصرير الباب، فإنا نجزم بعدم علته لذلك، وإنما ذلك لعدم الجعل، ولو جعله صاحب الشرع لاعتقدناه العلة، غايته أنا لا نجد فيه مصلحة، فيكون ذلك تعبدًا كما يقوله في الأحكام التعبدية، ومقادير النصب، والصلوات. * * *

стр. 3139

الباب الأول قال الرازي: في الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل، وهي عشرة: النص، والإيماء، والإجماع، والمناسبة، والتأثير، والشبه، والدوران، والسبر والتقسيم، والطرد، وتنقيح المناط، وأمور أخرى اعتبرها قوم، وهي عندنا ضعيفة. الفصل الأول (في النص) ونعنى بالنص: (ما تكون دلالته على العلية ظاهرة، سواء كانت قاطعة، أو محتملة: أما القاطع: فما يكون صريحًا في المؤثرية، وهو قولنا: لعلة كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا؛ كقوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل﴾. وأما الذي لا يكون قاطعاً: فألفاظ ثلاثة: (اللام) و (إن) و (الباء): أما اللام: فكقولنا: ثبت لكذا؛ كقوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فإن قلت: (اللام ليست صريحة في العلية؛ ويدل عليه وجوه: الأول: أنها تدخل على العلة، فيقال: ثبت هذا الحكم لعلة كذا، ولو كانت اللام صريحة في التعليل، لكان ذلك تكرارًا.

стр. 3140

الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ وبالاتفاق: لا يجوز أن يكون ذلك غرضًا. الثالث: قول الشاعر [الوافر]: لدوا للموت وابنوا للخراب ................................. وليست اللام هاهنا للغرض. والرابع: يقال: (أصلى لله تعالى) ولا يجوز أن تكون ذات الله تعالى غرضًا): قلت: أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل، وقولهم حجة؛ وإذا تبت ذلك، وجب القوم بأنها مجاز في هذه الصور. وثانيها: (إن) كقوله- ﵊: (إنها من الطوافين عليكم) (إنه دم عرق). وثالثها: (الباء): كقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ واعلم: أن أصل (الباء) الإلصاق، وذات العلة، لما اقتضت وجود المعلول، حصل معنى الإلصاق هناك، فحسن استعمال الباء فيه مجازًا. الباب الأول في الطرق الدالة على علية الوصف قال القرافي: قوله: ([الأصل] القاطع في الدلالة على المؤثرية كقولنا: العلة كذا، أو لسبب كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل أنه كذا): قلنا: لا نسلم أن هذه دلالة قاطعة؛ لاحتمال المجاز، والإضمار، والاشتراك، وغير ذلك من الأمور القادحة في إفادة الألفاظ القطع، إنما هذه

стр. 3141

ظواهر، غير أنها أظهر من غيرها، لا سيما والإمام قد سلم أنها غير قاطعة، وهي موجودة في قولنا: لأجل كذا. قوله: (اللام) كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾): قلت: قالت المعتزلة: هذه الآية من أعظم الأدلة على أن الله- تعالى- ما أراد من خلقه كلهم؛ لأن اللام للغرض، وهو الإرادة، فيكون مريدًا للعبادة من الجميع. وأجاب العلماء عنه بوجوه: قال ابن عباس: عبر بالمأمور عن الأمر، من باب التعبير بالمتعلق- بفتح اللام- عن المتعلق- بكسر اللام- وتقدير الكلام: لآمرهم بعبادتي، فعبر بالعبادة عن الأمر بها. وقال غيره: هو عام مخصوص، وقد عبده البعض من الفريقين. أو تكون (اللام (لام العاقبة والصيرورة، كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾، وإن لم يريدوا ذلك في جعلهم العداوة والحزن. قوله: (لو كانت (اللام) للعلة لزم التكرار في قولنا: لعلة كذا): تقريره: أن هذه اللام ليست للتعليل، بل للاختصاص، أي هذا المعلول مختص بهذه العلة دون غيرها، وكذلك في بقية المثل التي ذكرها. (فائدة) قال النحاة: اللام هذه لها سبعة معانٍ: الملك: نحو: المال لزيد. والاستحقاق: نحو: سرج للدابة.

стр. 3142

والاختصاص: نحو: ابن لزيد. والتشريف: كقوله- ﵇ حكاية عن الله تعالى: ﴿إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به﴾ والذم: نحو: هذا الشيطان والتعليل: نحو اتجرت للربح، وشربت للري. ولبيان السرف: نحو قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾. فإن كان إطلاقها بطريق الاشتراك على هذه المعاني، فلا دلالة، فضلًا عن الصراحة؛ لأن المشترك مجمل. وإن كانت حقيقة في التعليل مجازًاً في غيره بالقرائن، استقامت الصراحة. (فائدة) قال ابن جني في (المسائل الدمشقيات): (إن) لها سبعة معانٍ: التأكيد: نحو: إنه قائم، والتعليل نحو: (إنها من الطوافات).

стр. 3143

وبمعنى نعم، كقول بعض العرب [مجزوء الكامل]: ويقلن شيب قد علا .... ك وقد كبرت فقلت إنه وقال محمد بن السرى: الهاء اسمها، الخبر محذوف، أي إنه كذلك. قال: وهو ضعيف؛ لأن خبر (إن) لا يحذف تشبيهاً بالفاعل، وحيث وقع فهو ضعيف. وفعل الأمر من الأنين نحو: إن في مرضك. وفعل ماض مبني لما لم يسم فاعله من الأنين- أيضًا- وتكسر فاء الفعل على لغة ما قال: شد الحبل- بالكسر- نظراً لالتقاء الساكنين، وهي لغة مشهورة، وقرئ بها في قوله: ﴿ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه﴾، وفعل لجماعة المؤنث من الأنن، وهو التعب، نحو: النساء قد إن مثل بعن ونحو: يا نساء إن، أي: اتعبن مثل سرن ويعن. والسابع تقول العرب: إن قائم أي أن أنا قائم، حذفت همزة (أنا) تخفيفًا، وألقيت حركتها على نون (إن) الخفيفة، التي بمعنى (ما) النافية، فانفتحت فصارت: إننا ثم أدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿لكنا هو الله ربي﴾: أي لكن إنما هو الله ربي. (فائدة) الباء: قال النحاه: لها خمسة معانٍ: للإلصاق: نحو: مررت بزيد. والتعليل: نحو: سعدت بطاعة الله تعالى. والمصاحبة: نحو: خرج زيد بقماشه. والاستعانة: نحو: كتبت بالقلم.

стр. 3144

وبمعنى (في) نحو: زيد بمصر، أي فيها. (تنبيه) غير التبريزي العبارة فقال: النص ينقسم إلى صريح، وإيماء . وعنى بالصريح ما يدل عليه لفظًا كان موضوعًا له، أو لمعنى يتضمنه فالأول كقوله: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجله. وكي لا يكون: كقوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة﴾، و ﴿كي نسبحك كثيراً﴾. وأن المخففة المفتوحة [فإنها] تفيد معنى لأجل، كقوله تعالى: ﴿إن كان ذا مال وبنين﴾. ومنه قول القائل: (أنت طالق إن دخلت الدار (، يقع في الحال، (ولا جرم) إذا جاء بعد الوصف، كقوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النار﴾. واللام للتعليل، وقد تستعمل للملك، فيما يقبله، وإذا أضيفت إلى الوصف تعينت للتعليل، وأما التأقيت، فهو بعيد، وقوله تعالى: ﴿ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾. وقولهم [الوافر]: لدوا للموت وابنوا للخراب .......................

стр. 3145

فسببه أن مآل الشيء لما كان مشبهاً بالمفعول له- وهو العلة الغائبة- أقيم مقام العلة، فاستعمل فيه حرف العلة. وقولهم: فعليته لعلة كذا، زيادة ومجاز؛ إذ لا فرق في المعنى بين أن يقول: لكذا، أو لعلة كذا. وأما الثاني: فكـ (باء الإلصاق (؛ فإنها لإلصاق السبب بالمسبب أظهر، وجميع أدوات الشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿فإن كنتم جنباً فاطهروا﴾، ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾، (ومن أحيا أرضًا ميتة فهي له).

стр. 3146

وكذلك حرف (إذا)؛ فإن فيها معنى الشرطية، قال الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾. و (إن) المكسورة المشددة عدوها من هذا القسم، كما في قوله: (إنها من الطوافين) عليكم والطوافات). والحق أنها لتحقيق الفعل، وليس لها في التعليل حظ، ولهذا يحسن استعمالها ابتداء من غير سابقة حكم، والتعليل في الحديث مفهوم من قرينة سياق الكلام، وتعينه فائدة الذكر. قلت: لم يتعرض للقطع، فلا يرد عليه ذلك السؤال.

стр. 3147

وقوله: (كان موضوعًا للتعليل، أو لمعنى يتضمنه): فالموضوع للتعليل لفظ العلة، والمتضمن نحو: (لا جرم) - بمعنى حقًا- أن لهم النار)، وفي ضمنه التعليل. وقوله: (وقد تستعمل اللام للملك) يدل على أن الأصل عنده التعليل؛ لأن (قد) حرف تقليل. وقوله: (فيما يقبله) لأن عرف الشرف فرق بين قولنا: (المال للقراض). فالأول: لما كان قابلًا للملك ثبت له الملك، وهي حجة المالكية في أن العبد يملك، ولقوله ﵊: (من باع عبدًا وله مال). وقوله: (إذا أضيفت للوصف تعينت للتعليل) ليس كذلك، فإن (صليت لله تعالى) مضاف للوصف، وكذلك (الصلاة لله)، ولا تعليل. قوله: (التأقيت يفيد) مثاله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وقدمت لعشر بقين أي في هذا الوقت، وإذا حققت وجدت الاختصاص، فلا جرم كان بعيدًا. وقوله: ﴿ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ ونحوه من مجاز التشبيه): قال غيره: [و] وهو من باب التعبير باسم الكل عن الجزء؛ لأن العلة فيها أمران:

стр. 3148

كونها غرضًا للفعل، وتترتب بعد الفعل، نحو: اتجرت للربح؛ لأنها العلة الغائية التي تترتب على الفعل، ولا يترتب عليها، فهي معلولة في الأعيان، علة في الأذهان، كما تقدم بسطه في أقسام المجاز، وإذا كان التعليل مركبًا من هذين الأمرين فإذا استعمل اللفظ الدال عليه في مجرد الترتيب والتعقيب، وهو جزء من ذلك المجموع، كان من باب التعبير باسم الكل عن الجزء. وقوله: (لا فرق أن يأتي بالعلة بغير لام) فنقول: لا فرق بين العلة كذا، وبين العلة كذا، بـ (لام) التعريف في الثاني، وعدمه في الأول. وقوله: (جميع أدوات الشرط .....) ترجع إلى قاعدة تقدمت في الاستثناء والشرط، وهي أن التعاليق اللغوية أسباب، بخلاف الشروط العقلية والشرعية والعادية، والسبب علة، فلذلك صارت الشروط دالة على العلة. وقوله: (إن ليس لها في التعليل حظ) بعيد؛ فإن السابق إلى الفهم من قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم﴾ التعليل، وبذلك مثل المحصول وغيره، والغالب عليها التأكيد كما قاله. (فائدة) قال سيف الدين: ومن الصريح (من) كقوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ . ثم قال: وهذه الألفاظ: (اللام) و (الباء) و (إن) و (من) و (كي) وأخواتها حقيقة في التعليل، مجاز في غيره.

стр. 3149

وقال إمام الحرمين في (البرهان): ما يتضمن التعليل كقوله- ﵇ بعد السؤال: (أينقص الرطب إذا جف)؟ [فقال السائل: نعم، فقال ﵇:] فلا إذًا) فإنه نفي متضمن للتعليل. (فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان (: نص الشارع على تعليل الحكم على وجه لا يتطرق التفصيل والتأويل إليه ، وقد ثبت لفظ الشارع قطعًا، فإذا ثبت الحكم، واستند إلى النص القاطع في تعليله، قال القياسون: هذا قياس. وقال الأستاذ أبو بكر: ليس بقياس، بل تمسك بالنص، وهو عموم في موارد التعليل، وكذلك اختلف إذا ألحق به الفرع من غير علة، بل لأنه لا فارق بينهما، هل هو قياس أم لا؟. * * *

стр. 3150

الفصل الثاني (في الإيماء) قال الرازي: وهو على خمسة أنواع: الأول: تعليق الحكم على العلة بحرف (الفاء) وهو على وجهين: الأول: أن تدخل (الفاء) على حرف العلة، ويكون الحكم متقدمًا؛ كقوله- ﵊ في المحرم الذي وقصت به ناقته: (لا تقربوه طيبًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا). الثاني: أن تدخل (لفاء) على الحكم، وتكون العلة متقدمة، وذلك أيضًا على وجهين: أحدهما: أن تكون (الفاء) دخلت على كلام الشارع؛ مثل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ وثانيهما: أن تدخل على رواية الراوي؛ كقول الراوي: (سها رسول الله ﷺ فسجد) (زنا ماعزٌ، فرُجم).

стр. 3151

فرعان: الأول: الحكم المرتب على الوصف مشعر بكون الوصف علة، سواء كان ذلك الوصف مناسبًا لذلك الحكم، أو لم يكن مناسبًا لذلك الحكم، وقال قوم: لا يدل على العلية إلا إذا كان مناسبًا. لنا وجهان: الأول: أن الرجل، إذا قال: (أكرموا الجهّال، واستخفوا بالعلماء) يستقبح هذا الكلام في العرف، فلا يخلو: إما أن يكون الاستقباح جاء؛ لأنه فُهم منه، أنه حكم يكون الجاهل مستحق للإكرام بجهله، ويكون العالم مستحقًا للاستخفاف بعلمه، أو لأنه فُهم منه: أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام، والعالم مستحقاً للاستخفاف. والثاني: باطلٌ؛ لأن الجاهل قد يستحق الإكرام بجهة أخرى؛ نحو نسبه، أو شجاعته، أو سوابق حقوقه، والعالم قد يستحق الاستخفاف؛ لفسقه، أو لسبب آخر. وإذا بطل هذا القسم ثبت الأول، وذلك يدل على أن ترتيب الحكم على الوصف يفيد كون الوصف علة للحكم، سواء تحققت المناسبة، أو لم تتحقق

стр. 3152

فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: إن الاستقباح، إنما جاء؛ لأن الجهل مانع من الإكرام، والعلم مانع من الاستخفاف، فلمّا مر بإكرام الجاهل، فقد أثبت الحكم مع قيام المانع. وأيضًا: فهب أن الحكم في هذا المثال كذلك؛ فلم قلت: إنه في سائر الصور يجب أن يكون كذلك؟): قلت: الجواب عن الأول: أنا قد بيّنا: أنه قد يثبت استحقاق الإكرام، مع الجهل؛ فوجب أن يكون الجهل مانعًا منه؛ لئلا يلزم مخالفة الأصل. وعن الثاني: أنه لما ثبت ما ذكرناه في بعض الصور، وجب ثبوته في كل الصور؛ وإلا وقع الاشتراك في هذا النوع من التركيب، والاشتراك على خلاف الأصل. الوجه الثاني في المسألة: أنه لابد لهذا الحكم من علة، ولا علة إلا لهذا الوصف، أما الأول: فلأنه لو ثبت الحكم بدون العلة والدّاعي، كان عبثًا؛ وهو على الله تعالى محال. وأما الثاني: فلأن غير هذا الوصف كان معدومًا، والعلم بأنه كان معدومًا، يوجب ظن بقائه على ذلك؛ على ما سيأتي تقرير هذا الأصل، وإذا بقى على العدم، امتنع أن يكون علة؛ فثبت أن غيره يمتنع أن يكون علة؛ فوجب أن تكون العلة ذلك الوصف. الفرع الثاني: قد ذكرنا أن دخول (الفاء) يقع على ثلاثة أوجه؛ ولا شك أن قول الشارع أبلغ في الإفادة العلية من قول الراوي؛ لأنه يجوز أن يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يجوز تطرقه إلى كلام الشارع.

стр. 3153

وأما القسمان الباقيان: فيشبه أن يكون الذي تقوم العلة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من القسم الثاني؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها. النوع الثاني: أن يشرّع الشارع الحكم عند علمه بصفة المحكوم عليه، فيعلم أنها علة الحكم، فإذا قال القائل: (يا رسول الله أفطرت) فيقول: (عليك الكفارة) فيعلم أن الكفارة وجبت؛ لأجل الإفطار. وإنما قلنا: (إن ذلك مشعرٌ بالعلية) لأن قوله: (عليك بالكفارة) كلام يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، والكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال، إذا ذكر عقب السؤال، فيفيد الظن بأنه إنما ذكره جوابًا عن السؤال، وإذا ذكره جوابًا عن السؤال، كان السؤال كالمعاد في الجواب، فيصير التقدير: (أفطرت؛ فاعتق، وحينئذ يلتحق هذا بالنوع الأول. فإن قلتم لا نزاع في أن هذا الكلام صالحٌ لأن يكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ لكن لا نسلم أن مثل هذا الكلام: إذا ذُكر عقيب السؤال، حصل ظن أنه ذُكر؛ ليكون جوابًا عن ذلك السؤال؛ فإنه ربما ذكره جوابًا عن سؤال آخر، أو لغرض آخر، أو زجرًا له عن هذا السؤال؛ كما أن العبد إذا قال لسيده: (دخل فلان دارك)، فيقول له السيد: (اشتغل بشأنك، فمالك، وهذا الفضول؟! (ولا يمكن إبطال هذا الاحتمال بما قاله بعضهم: من أنه لو لم يكن هذا الكلام جوابًا عن ذلك السؤال، لكان تأخرًا للبيان عن وقت الحاجة؛ وإنه لا يجوز؛ لاحتمال أنه- ﵊ عرف أنه لا حاجة بذلك المكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يكون إعراض الرسول ﷺ عن ذكر الجواب تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة.

стр. 3154

سلمنا أن ما يقوله الرسول ﷺ ، جوابا عن السؤال- مشعر بالتعليل؛ فلم قلتم: إن الذي يزعم الراوي أنه جواب عن السؤال مشعر به؟ لاحتمال أنه اشتبه الأمر على الراوي، فظنّ ما لم يكن جوابًا جوابًا. قلت: الجواب عن الأول: أن الأكثر على أن الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال، إذا ذكر عقيب السؤال، فإنما يذكر جوابًا عنه، والصورة التي ذكرتموها نادرة، والنادر مرجوح. وعن الثاني: أن العلم بكون الكلام المذكور بعد السؤال جوابًا عنه، أو ليس جوابًا عنه- أمرٌ ظاهر يعرف بالضرورة عند مشاهدة المتكلم، ولا يفتقر فيه إلى نظر دقيق. النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفًا، لو لم يكن موجبًا لذلك الحكم، لم يكن في ذكره فائدة، وهذا يقع على أقسام أربعة: أحدها: أن يدفع السؤال المذكور في صورة الإشكال بذكر الوصف؛ كما روي أنه- ﵊ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على فلان، وعنده هرة، فقال: (إنها ليست بنجسة؛ إنما من الطوافين عليكم والطوّافات) فلو لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لكونها من الطوافين أثر في طهارتها، لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة. وثانيها: أن يذكر وصفاً في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره ابتداًء، فيُعلم أنه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم؛ كما روى أنه- ﵊ قال: (ثمرة طبية وماءٌ طهور). وثالثها: أن يقرر النبي ﷺ على وصف الشيء المسئول عنه؛ كقوله ﷺ :

стр. 3155

(أينقُصُ الرطب، إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا؛ إذن (فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع، لم يكن للتقرير عليه فائدة؛ وهذا أيضًا يدل على العلية؛ من حيث الجواب بـ (الفاء). ورابعها: أن يقرر الرسول ﷺ على حكم ما يشبه المسئول عنه، وينبه على وجه الشبه؛ فيعلم أن وجه الشبه هو العلة في ذلك الحكم؛ كقوله- ﵊ لعمر- ﵁ وقد سأله عن قبلة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته) فنبه بهذا على أنه لا يفسد الصوم بالمضمضة والقبلة؛ لأنه لم يحصل ما هو الأثر المطلوب منهما. النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم؛ بذكر صفة؛ فيعلم أنه لو لم تكن تلك الصفة علة، لم يكن لذكرها فائدة، وهو ضربان: أحدهما: ألا يكون حكم أحدهما مذكورًا في الخطاب؛ كقوله- ﵊: (القاتل لا يرث) فإنه قد تقدم بيان إرث الورثة، فلما قال: (القاتل لا يرثُ) وفرق بينه وبين جميع الورثة؛ بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثرًا في نفي الإرث- علمنا أنه العلة في نفي الإرث. وثانيهما: أن يكون حكمهما مذكورًا في الخطاب، وهو على خمسة أوجه: أحدهما: أن تقع التفرقة بلفظ يجرى مجرى الشرط؛ كقوله- ﵊: (فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد) بعد نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلًا؛ فدلّ على أن اختلاف الجنسين علّة في جواز البيع. وثانيها: أن تقع التفرقة في الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهنّ حتّى يطهرْن﴾.
следующие страницы →