← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

القسم الثاني في الدلالة على المناسبة قوله: (لابد للحكم المعين من مرجح): قلنا: يكفى في الترجيح الإرداة؛ لتخصيص العالم بالواجب المعين، وهذا أمر عائد إلى الله- تعالى- دون العبد. سلمنا أنه غير الإرادة، لكن قولكم: (إن كونه عائد إلى الله- تعالى- خلاف إجماع الأمة) ممنوع؛ فإن المعتزلة يقولون: من كمال حكمته- تعالى- رعاية المصالح، ورعايتها كمال، وعدم رعايتها نقص، والكمال راجع إلى الله- تعالى- فدعواكم الإجماع لا يصح. قوله: (الله- تعالى- حكيم، والحكيم لا يفعل إلا المصلحة): قلنا: مسلم أنه حكيم، لكن الاتفاق في الإطلاق، والاختلاف في المعنى. فعندنا: أن حكيم، بمعنى أنه- تعالى- موصوف بصفات الكمال: العلم الشامل، وغيره من الصفات السبعة المعنوية. وعند المعتزلة: أنه حكيم، بمعنى أنه يراعي المصالح على حسب إطلاق الحكيم في العادة، فقولكم إنما يتم على رأيهم. وأما على رأي أهل السنة، فلا يلزم ذلك لأنه لا يلزم من وصفه بالصفات السبعة رعاية المصالح، بل يرجح- تعالى- أحد الجائزين على الآخر بمجرد إرادته التي شأنها أن ترجح لذاتها، من غير احتياجها لمرجح. قوله: (العبث عليه- تعالى- محال؛ لقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]): قلنا: معنى الآية: أفحسبتم أنما خلقناكم لغير التكليف، ونحن نقول:

стр. 3222

إن الله- تعالى- ما خلق الجن والإنس إلا لتكليفهم بالعبادة، ولا يلزم من ذلك رعاية المصالح. وكذلك قوله تعالى: ﴿ما خلقت هذا باطلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: لم تخلقه إلا للتكليف. وقوله تعالى: ﴿ما خلقناهما إلا بالحق﴾ [الدخان: ٣٩] أي: لسبب التكليف. قوله: (أجمع المسلمون على أنه- تعالى- ليس بعابث): قلنا: أجمعوا على امتناع إطلاق هذا اللفظ، لما فيه من إيهام النقص العادي؛ لأن العابث في العرف ناقص بين العقلاء، أما الخلق لغير معنى، فجائز عليه- تعالى- ولا إجماع فيه. قوله: (العبث سفه): قلنا: لا نسلم إذا فسر بالخلق، والشرع لغير مصلحة إنما يكون سفهًا من المخلوق إذا أفسد في ملك الله- تعالى- وملك خلقه بغير إذن شرعي، وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى. قوله: (كون الآدمي مكرمًا يفي ظن أنه تعالى- إنما يشرع ما يكون مصلحة له): قلنا: لا نسلم أن كل ظن معتبر، وقد تقدم أن شهادة الفسقة، والكفرة، والنسوان، والصبيان، وغير ذلك مما يفيد الظنون القوية، ولم يعتبرها الشرع. قوله: (إن الله- تعالى- خلق الآدمي للعبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. قلنا: قال ابن عباس: الآية ليست على ظاهرها، بل لأمرهم بعبادتي.

стр. 3223

قوله: (والحكيم إذا أمره عبده بشيء، فلابد وأن يزيح عذره): قلنا: قد تقدم أن الحكمة في حق الله- تعالى- مفسرة بخلاف تفسيرها في العرف، وأنها لا يلزم منها هذه المناسبات، بل إنما تلزم هذه من الحكمة العادية. وقولكم: (إن ذلك يفيد الظن أنه- تعالى- إنما يشرع ما يكون مصلحة): قد تقدم أن مطلق الظن غير معتبر. قوله: (قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]: قلنا: هذه الآية عند أهل السنة معناها: يأمركم الله- تعالى- باليسر، ولا يأمركم بالعسر، وعبر بلفظ (الإرادة) عن المراد من الشرائع. قوله: (قال الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ٥٦]: قلنا: المراد- هاهنا- بالرحمة الإرادة؛ لاستحالة حقيقة الرحمة عليه- تعالى- التي هي رقة الطبع، ولذلك وصفها- تعالى- بالوسع إشارة إلى التعلق؛ لأن الصفة المتعلقة محيطة بمتعلقها، كإحاطة الظرف الذي وسع مظروفه بما فيه، وإلا فأكثر الخلق خلقوا للنار والبوار، ومعلوم أن كل أحد لا يؤثر ذلك لنفسه. قوله: (إن كان المعنى مقتضيًا للحكم في الأزل، يلزم أن يكون الحكم ثابتًا في الأزل، لكن التكليف بدون المكلف محال): قلنا: تقدم أن الأحكام أزلية، وأن التكليف ثابت بالأزل، على تقدير وجود المكلف، خلافًا للمعتزلة- وغيرهم- القائلين بعدم الكلام النفساني.

стр. 3224

وهذا السؤال إنما ورد من جهة إطلاقكم العبارة من غير تجويز المقصود، وهو في التحقيق غير وارد؛ لأن معنى قولنا: (الحكم أزلي) أن الإنسان مكلف على تقدير وجوده بجميع الشرائط، لا أنه في الأزل إن لم يفعل حينئذ استحق العقاب، هذا لم يقل به أحد، والمراد- هاهنا- في هذه الملازمة أن المعنى لو كان في الأزل، لوقع التكليف في الأزل، بحيث لو لم يفعل لعوقب، والتكليف بهذا التفسير لم يقل أحد بعدمه، غير أن- هاهنا- سؤال آخر، وهو أنه لم لا يجوز أن يقال: اقتضاؤه في الأزل مشروط بشرط حادث، والموجب بالذات قد يقتضي شيئًا اقتضاء متقدمًا بشرط متأخر كما نقول في مجارى العادات: إن وضع البذر في الأرض المحروثة المسقية يقتضي أن يخرج منها ثمرة ذلك الحب في غاية الكمال، بشرط أن تتوالى عليه الأغذية، والأسباب المواتية، وتنصرف الموانع المؤذية المتأخرة إلى آخر كمال تلك الثمرات والحبوب، بل يقتضي أن تؤكل منه العصائد، والكعك، وأنواع ما يعمل من الحبوب، بشروط مستقبلة، إن حصلت حصل ذلك وإلا فلا، فكذلك هاهنا؟ فلابد لكم في هذا المقام من دليل يدل على بطلان هذا الاحتمال، ولا يفيدكم دليل حدوث العالم؛ لأنكم فرضتم قدم المعنى وأزليته، ووقع البحث منكم على هذا التقدير، فلا يمكن جحده وإن كان باطلًا؛ لأنه قاعدة البحث والنظر. قوله: (ونحن ما ادعينا إلا الظن): قلنا: قد تقدم أن أصل الظن غير معتبر، وأنه لابد من نوع مخصوص دل الدليل الشرعي على اعتباره، وهاهنا نحن ننازع في الأدلة على هذا الظن.

стр. 3225

قوله: (العلم بكون الحاكم حكيمًا، مع العلم بأن هذا الحكم فيه هذه الجهة من المصلحة، يفيد [في الشاهد] ظن أن هذا الحكيم إنما شرعه لتلك الحكمة، فيكون في الغائب كذلك): قلنا: تقدم أن معنى الحكيم في الشاهد والغائب مختلف التفسير. وحينئذ: يبطل هذا البحث من أصله، والظن- أيضًا- تقدم منع اعتبار أصله. قوله: (إذا خلق في العبد ما يوجب المعصية، يمنع أن يقال: إنه- تعالى- يراعي مصلحة العبد): قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن يجبره على مصلحته، ولا تنافي بين أن تكون المعاصي وأفعال العباد لا مصلحة لهم فيها، وبين أن الأحكام معللة، ولم ندع إلا تعليل الشرائع وأنها مصالح للخلق، ولم ندع أن جميع ما يقع [في] العالم مصلحة للخلق؛ فإن الواقع من الفساد أكثر، والعالم أكثره كفار وضلال ومفسدون، والشرائع كلها مصالح للخلق بالاستقراء، ولم نجد منها حكمًا مفسدته راجحة ولا خالصة، فالبابان مفترقان، مع أن هذه الثلاثة عليها أسئلة تقدمت في الحسن والقبح أول الكتاب. قوله: (ذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم): قلنا: يكون من فعل الله- تعالى- وفعل العبد، فلا يكون التقسيم منحصرًا. سلمنا انحصاره، لكن يعود السؤال المتقدم في أنه [هل] لا تنافي بين الجبر بهذا التفسير، وأن الحكم على وفق المصلحة، ولذلك يكون الفعل واقعًا اتفاقًا، وتكون الأحكام على وفق المصالح.

стр. 3226

وإذا قال القائل: (اتفق العبد أو أكره على مصلحته)، لم يكن متناقضًا، كما نجد إنسانًا يحصل له مرض يكون سببًا لعافيته من مرض آخر أعظم منه، ويتفق أن يحصل في البلد هواء يحصل به مصالح الخلق. قوله: (بطء الحركة إما أن يكون لتخلل السكنات أو كيفية قائمة بالحركة): تقريره: أن مذهبنا القول بالجوهر الفرد. فالجسم مؤلف من الجواهر المفردة، والزمان مركب من الإناث المفردة، والحركة مركبة من الحركات المفردة، وأن البطء فيها لتخلل السكنات. ومذهب الفلاسفة: الجميع لا فرد فيه، بل الحركة البطيئة كيفيتها السرعة من غير تخلل سكنات، وكذلك الجسم العظيم عندنا لكثرة الجواهر، وعندهم لا لذلك، بل هو عظيم في نفسه يقبل التقسيم إلى غير النهاية، فقسم كلامه ترديدًا بين المذهبين. قوله: (والإمكان مصحح للمقدورية): تقريره: أن الواجب يستحيل التأثير فيه؛ لأن وجوده من ذاته لا يفتقر فيه إلى غيره. والمستحيل يمتنع التأثير فيه؛ لعدم قبوله للوجود، فلم يبق إلا الممكن. فالإمكان إذا علة للصحة، والاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في المعلول. والممكنات مشتركة في الإمكان، مشتركة في صحة تأثير الله- تعالى- فيها. وإذا صح إضافة الجميع لقدرة الله- تعالى-، فلو أضيف البعض لقدرته

стр. 3227

دون البعض لكان لمرجح، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، ذلك المرجح نسبته إلى الكتاب نسبة واحدة لتساويهما؛ لأن الكلام قبل التأثير والاتحاد، وقبل الاتحاد لا اختلاف، وإلا لكانت المعدومات موجودة. هذا خلف، فتستوي نسبة المرجح معها، فإما أن يمنع الجميع، فلا يكون الله- تعالى- مؤثرًا، وهو مؤثر. أو يكون مؤثرًا في الجميع، بألا يمنع هذا المرجح شيئًا منها، وهو محال، فلا يكون مؤثرًا البتة. قوله: (إذا فرضنا كل واحد منهما أراد إيجاد ذلك الفعل، يلزم اجتماع مؤثرين مستقلين): قلنا: فرضكم الإرادة أمر ممكن الوجود والعدم، فجاز أن يكون الواقع نقيض ما فرضتموه أبدًا؛ لأن المرتب على تقدير منتف عند انتفاء ذلك التقدير، فلا يحصل مطلوبكم، وهذا أصل كبير، وهو أنه لا يلزم من ثبوت الاستحالة على تقدير ثبوتها في نفس الأمر، إلا أن يكون ذلك التقدير واجب الوقوع، أو يكون اللزوم للوقوع، لقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، أي من لوازم الوقوع الوقوع، فدل عدم وقوع اللازم على عدم وقوع الملزوم، وكذلك لا ينبغي أن يثبت برهان الوحدانية من فرض إرادة أحدهما تحريك زيد، والآخر تسكينه؛ لأن هذا الفرض قد لا يكون واقعًا في نفس الأمر، فيلزمنا تجويز الشريك؛ لأن التقدير جائز، بل نقول: ما تقدم إذا كان المؤثر يجب أن يكون واحدًا استحال الشريك؛ لأنا لا نعني بالوحدانية إلا أن الإله الموصوف بصفات التأثير ليس له نظير في ذلك. قوله: (ذلك المقدور الواحد لا يقبل التفاوت، فلا تكون إحدى القدرتين أقوى بالنسبة إليه):

стр. 3228

قلنا: جاز أن يكون المقدور لا يقبل التفاوت، ويكون الترجيح لا من قبله بل من قبل المؤثر فيه، فتكون القدرة القديمة لكونها واجبة الوجود أزلية أبدية، ليست من قبيل الأعراض تقتضي لذاتها أنها إذا عارضها غيرها اندفع بها، ويكون ذلك من قبلها لا من قبل الأثر. قوله: (لابد من الانتهاء إلى مرجح من قبل الله- تعالى- فيلزم الجبر): قلنا: بل يكون الجبر مركبًا منهما، كما تقوله المعتزلة؛ فإن الله- تعالى- هو الخالق لمزاج الشباب، وآلة الجماع، والشهوة، والجمال في النساء، وإذا حصل هذا من قبل الله- تعالى- يكمل المرجح بعد العبد ودواعيه، فيحصل الفعل حينئذ. سلمنا صحة التقسيم، لكن لا يلزم من ذلك ألا يكون الفعل غير متضمن للمصلحة كما تقدم تقريره. قوله: (كلف من علم أنه لا يؤمن، فلو أمره لزم انقلاب العلم): قلنا: العلم بعدم وقوع الإيمان الواجب فرع عدم الوقوع، الذي هو فرع للتكليف، فالتكليف سابق على تعلق العلم بمراتب، فلا يمنعه العلم. ولأن التكليف أصل العلم وشرطه، فلا ينافيه. قوله: (إن كلفه حالة الاستواء لزم إجماع الضدين): قلنا: تقدم- بسطة- في (باب الأوامر) أنها لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل، وذلك الزمان لم يقع فيه- بعد- استواء ولا رجحان؛ لأن وجودهما فرع وجود الزمان، والمستقبل لم يوجد بعد. فحينئذ: التكليف واقع في زمان غير الزمان الذي يقع فيه الفعل، فجاز أن يكون الواقع في زمان التكليف التساوي، وزمان الفعل ليس فيه شيء، فهو أمر- الآن- بتحصيل الرجحان في الزمان المستقبل، أو المرجوحية في

стр. 3229

زمان التكليف، وأمر بتحصيل الراجحية في الزمان المستقبل، أو الراجحية في زمان التكليف، وأمر بتحصيل راجحية أخرى في زمان الفعل، فلا يجتمع المثلان، ولا الضدان، ولا يلزم محال البتة. هو الجواب عن القدرة؛ فإن القدرة تكون حاصلة زمان التكليف، ويؤمر بتحصيل مثلها في زمان الفعل، فلا يلزم تحصيل الحاصل، ولا اجتماع المثلين. أو تكون القدرة معدومة حال التكليف، وأمر بتحصيلها زمان الفعل، فلا يلزم تكليف ما لا يطاق؛ ولا محال البتة. والسر في الجميع: أن زمان التكليف غير زمان الفعل المكلف به، وزمان الفعل معدوم، لم يتعين فيه لا ترجيح، ولا قدرة، والمكلف متمكن من اشتغاله بأي شيء شاء بدلًا عن نقيضه وضده، ويكون الحاصل في الزمان تكليفًا لا إعلامًا، ولا يلزم شيء من المحالات، ولا يكون مأمورًا بالشيء حال حصوله. قوله: (الذين أخبر الله- تعالى- عنهم أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ... الآية﴾ [البقرة: ٦]): قلنا: قد تقدم الكلام عليها في تكليف ما لا يطاق، وأن هذا الخبر مانع لا ينافي، كما تقدم في بسطه هنالك. قوله: (الداعية تلجئ العبد للفعل، فيكون تكليفه تكليفًا بما لا يطاق): قلنا: تلك الداعية لا يحصل الفعل بها، حتى يحصل العدم والتأثير، وجميع ما يتوقف عليه الفعل، فيكون الفعل- حينئذ- واقعًا باختيار العبد، فيحسن تكليفه، ولا يكون تكليفًا بما لا يطاق، بل بما يطاق. قوله: (إن توجه الأمر بالمعرفة على العارف بالله- تعالى- يلزم تحصيل الحاصل):

стр. 3230

قلنا: بل تحصيل مثل الحاصل- الآن- في الزمان المستقبل، وحصول المثلين في زمانين ليس تحصيل الحاصل، ولا جمعًا بين المثلين، وكل مؤمن هو مأمور بأن يعم الأزمنة المستقبلة كلها بالإيمان، ولا محال، ولذلك يؤمر غير العارف بالمعرفة، ويكون قد عرف من بيان الله- تعالى- وصفاته كونه كلفه فقط، فيحصل من المعرفة العلم بالذات والصفات التي لم يكن عارفًا بها. وكذلك لو جاءنا شخص فقال: (إن خلف هذا الجبل ملكًا يأمركم أن تقدموا عليه)، أمكننا امتثال هذا الأمر، مع أنا لم نعلم أكثر من هذا القول الوارد علينا. قوله: (يؤمر الواحد منا بترك الشيء الذي لا يعرف له ضدًا): قلنا: ممنوع، بل الفعل إن كان له ضد واحد، فهو يعلمه؛ لانحصار الضد فيه. وإن كانت له أضداد كالحلاوة، فإن أضدادها المرارة، والملوحة، وغير ذلك من الطعوم التسعة، فالواجب عليه أن يفعل واحدًا منها لا بعينه. ومن شرط التكليف العلم، فحيث لا علم، يمنع ورود التكليف حينئذ؛ بناء على منعنا تكليف ما لا يطاق. قوله: (وقت إيجاد العالم لا مرجح له): قلنا: تقدم أن التعليل واقع في الشرائع دون الأفعال، وهو المدعى، فلا تضرنا الأفعال، لعدم توقف القياس عليها. وهو الجواب عن بقية الأدلة، والوجوه المذكورة بعد هذا. قوله: (نقطع بقبح الشرائع الواردة في زمن موسى- ﵇ وعيسى- ﵇ وحسن شرعنا): قلنا: هذه عبارة رديئة، بل نقطع بحسن الشرائع كلها، وأن شرعنا أحسن وأتم في رعاية المصالح، أما القبح فلا.

стр. 3231

قوله: (لو كانت أفعال الله- تعالى- وأحكامه لدفع حاجة العبد، اندفعت جميع الحاجات): قلنا: نحن لا ندعي أن الله- تعالى- يدفع كل حاجة، بل إنه- تعالى- ما شرع شرعًا إلا لدفع حاجة، ولا يلزم من ذلك استيعاب دفع الحوائج. كما أن قولنا: (ما أعطى الملك أحدًا اليوم شيئًا إلا بسبب فقره)، أن يكون استوعب الفقراء، ولا نصفهم. (سؤال) قال النقشواني: لم لا يجوز أن يقال: إن أفعال الله- تعالى- وأحكامه كلها خيرات ، والمفاسد إنما جاءت من قبل العبد، كما أن النار تذيب الحديد والشمع، وتعقد البيض، والشمس تسود الوجه، وتبيض الثوب. فخلق الله- تعالى- القدرة- في العبد- على الفعل وأنواعه مصلحة، وهو يستعملها في الفساد، فهو من قبله، لا من قبل الله تعالى؟. (تنبيه) قال سراج الدين على قوله: (لو كان الحكم عين هذا الوصف- وهو في الأزل كان الحكم أزليًا): لقائل أن يقول: هو معارض بمثله ، ودفعه يعرف بالتأمل. قلت: تقريره: أن هذا الوصف- أيضًا- لو كان مقتضيًا للحكم، فإما في الأزل، فيلزم القدم، أو لا في الأزل، فيلزم استصحاب العدم، وقد تقدم دفع هذا السؤال. وقال على قوله: (اختيار المكلف إن كان من فعل الله- تعالى- لزم الجبر، ويعود المحذور):

стр. 3232

لقائل أن يقول: إنه يشعر بذلك عند الإيجاد، لكنه لا يبقى، ولا نسلم أن الإمكان علة المقدورية، بل شرطها، ثم تعلق إرادة أحد القادرين بالمقدور مشروطة بالشعور، فإذا عدم الشرط عدم المشروط، فلا يكون عزمه واختياره منشأ المفسدة، وأما الإمكان فلا شك أن التأثير متوقف عليه، والمتوقف على وجوده: إما سبب أو شرط؛ لأن المانع متوقف على عدمه، فكذلك منع سببية الإمكان بأن يكون شرطًا. وجوابه: أنه لو كان شرطًا لكان غير السبب، وغير الإمكان قبل الإيجاد. أما الوجوب والاستحالة- وكلاهما مانع من التأثير- فلا يكون أحدهما سبب التأثير. وجوابه عما أورده في المؤثرين: أن كليهما صالح للتأثير، فيس عدم إرادة أحدهما، وثبوت إرادة الآخر أولى من العكس، فيلزم تعلقهما، ومنه ينشأ المحال. وقال التريزي أول المسألة: المناسب الغريب حجة، خلافًا لبعضهم. قال: ولا خلاف بين القياسين في المؤثر والملائم؛ فإن أبا زيد وإن حصر المعتبر في المؤثر، لكنه ذكر في أمثلته ما يدل على أنه سمى الملائم مؤثرًا. ثم قال: لو كان الحكم معللًا بغير الوصف المقارن لظهر. ومنهم من قال: غيره لم يكن علة في الأزل وإلا لزم قدم الحكم، والأصل استمراره على العدم، وهو باطل؛ لأنه ينقلب علينا في الوصف الظاهر. قال: وقد أكثر المصنف في القدح في الغريب؛ استنادًا إلى امتناع تعليل أفعال الله- تعالى- شغفًا بالقدح في القياس، ويرجع حاصل الكل إلى سلب الفعل الاختياري بالكلية أو من العبد؛ لوقوع أفعاله بقدرة الله- تعالى-

стр. 3233

ومعلوم أن النزاع في هذه المسألة مسبوق بتسليم قاعدة القياس وكونه حجة، ومن ضرورتها صحة تعليل أحكام الشرع برعاية مصالح العباد، فكيف يصح إنكاره من القائلين بالقياس؟ ثم يلزم منه امتناع التعليل بالملائم وبالمؤثر، بل يمتنع دعوى التأثير والملاءمة. على أنا قد أثبتنا الأفعال الاختيارية، وامتناع التكليف بالمحال، نفتدلك الآن على تعليل أفعال الله- تعالى- وأحكامه وقوعًا لا وجوبًا بقوله تعالى: ﴿المص﴾ إلى قوله: ﴿لتنذر به وذكرى﴾ [الأعراف: ٢]، ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ [النساء: ٦٤]، وفي آية أخرى: ﴿إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ [البينة: ٦]، ﴿يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم﴾ إلى قوله: ﴿لنبين لكم﴾ [الحج: ٥] إلى ما يكثر عدده من هذا. ويخصص مصالح العبد قوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره﴾ [إبراهيم: ٣٢]. ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا لنحيي به بلدة﴾ [الفرقان: ٤٨]، ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل﴾ إلى قوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ [الأنفال: ١١]، و ﴿فجرنا فيها من العيون﴾ [يس: ٣٤]، ﴿ليأكلوا من ثمره﴾ [يس: ٣٥]، ﴿أنا صببنا الماء صبًا﴾ إلى قوله: ﴿متاعًا لكم ولأنعامكم﴾ [عبس: ٣٢].

стр. 3234

﴿أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها﴾ [النازعات: ٣١، ٣٢]، ولو جمع مثل هذا من القرآن لبلغ جزء. [وأما المعقول فأوجه: أحدها: أن الله- تعالى- رءوف، وليس من صفة الرءوف الإعراض عن مهام المحاويج، وأرباب الضرورات في حالة اضطرارهم، مع العلم بحالهم والقدرة على قضائها، لاسيما إذا لم ينقص به من خزائنه شيء] * * *

стр. 3235

الفصل الرابع (في المؤثر) قال الرازي: وهو أن يكون الوصف مؤثرًا في جنس الحكم في الأصول دون وصف آخر، فيكون أولى بأن يكون علة من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم، ولا في عينه؛ وذلك كالبلوغ الذي يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيابة؛ لأنها لا تؤثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحجر، وكقولهم: (إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في الميراث، فينبغي أن يقدم عليه في ولاية النكاح). فإن قلت: (لم قلت: لما أثرت الأخوة من الأب والأم في التقديم في الإرث، أثرت في التقديم في النكاح؟): قلت: ذكروا أن يتبين ذلك بـ (المناسبة)، وبأن يقال: لا فارق بين الأصل والفرع إلا كذا، وهو ملغي. وعند هذا يظهر أن هذه الطريقة لا تنشأ إلا بعد الرجوع إلى طريق (المناسب)، وطريق (السبر). الفصل الرابع في المؤثر قال القرافي: قوله: (هو أن يكون الوصف مؤثرًا في جنس الحكم- في الأصول- دون وصف آخر، فيكون بالعلية أولى من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم، ولا في عينه): قلت: قد تقدم تحرير المؤثر، وأنه المؤثر في العين والجنس، فإنه قسيم الملائم على الخلاف الذي تقدم نقله عند الكلام على هذه الحقائق والعبارة هاهنا غير محررة.

стр. 3236

الفصل الخامس (في الشبه) والنظر في ماهيته ثم في إثباته قال الرازي: أما الماهية: فقد ذكروا في تعريفها وجهين: الأول: ما قاله القاضي أبو بكر- ﵀ وهو أنه قال: إن الوصف إما أن يكون مناسبًا للحكم بذاته، وإما ألا يناسب بذاته، لكنه يكون مستلزمًا لما يناسبه بذاته، وإما ألا يناسبه بذاته، ولا يستلزم ما يناسبه بذاته: فالأول هو: الوصف المناسب، والثاني هو: الشبه، والثالث هو: الطرد. الثاني: الوصف الذي لا يناسب الحكم: إما أن يكون قد عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم، وإما ألا يكون كذلك: فالأول هو: الشبه؛ لأنه من حيث هو غير مناسب يظن أنه غير معتبر في حق ذلك الحكم، ومن حيث علم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم- مع أن سائر الأوصاف ليس كذلك- يكون ظن إسناد الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى غيره. واعلم: أن الشافعي- ﵁ سمى هذا القياس (قياس غلبة الأشباه). وهو: أن يكون الفرع واقعًا بين أصلين، فإذا كانت مشابهته لإحدى الصورتين أقوى من مشابهته للأخرى، ألحق لا محالة بالأقوى. فأما الذي يقع فيه الاشتباه، فالمحكي عن الشافعي- ﵁: أنه كان يعتبر الشبه في الحكم؛ كمشابهة العبد المقتول للحر، ولسائر المملوكات، وعن

стр. 3237

ابن علية: أنه كان يعتبر الشبه في الصورة؛ كرد الجلسة الثانية في الصلاة إلى الجلسة الأولى؛ في عدم الوجوب. والحق: أنه متى حصلت المشابهة فيما يظن أنه علة الحكم، أو مستلزم لما هو علة له، صح القياس، سواء كان ذلك في الصورة، أو في الأحكام. النظر الثاني: في أنه حجة، قال القاضي أبو بكر: ليس بحجة. لنا: أنه يفيد ظن العلية؛ فوجب العمل به. بيان الأول: أنه لما ظن كونه مستلزمًا للعلية، كان الاشتراك فيه يفيد ظن الاشتراك في العلة. وعلى التفسير الثاني: أنه لما ثبت أن لحكم لابد له من علة، وأن العلة: إما هذا الوصف، وإما غيره؛ ثم رأينا أن جنس هذا الوصف أثر في جنس ذلك الحكم، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الأوصاف- فلا شك أن ميل القلب إلى إسناد الحكم إلى هذا الوصف أقوى من ميله إلى إسناده إلى غير ذلك الوصف؛ وإذا ثبت أنه يفيد الظن، وجب أن يكون حجة؛ لما بينا أن العمل بالظن واجب. واحتج القاضي بوجهين: الأول: الوصف الذي سميتموه شبهًا: إن كان مناسبًا، فهو معتبر بالاتفاق، وإن كان غير مناسب، فهو الطرد المردود بالاتفاق. الثاني: أن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة، ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا بـ (الشبه).

стр. 3238

والجواب عن الأول: لا نسلم أن الوصف، إذا لم يكن مناسبًا، كان مردودًا بالاتفاق، بل ما لا يكون مناسبًا: إن كان مستلزمًا للمناسب، أو عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم، فهو عندنا غير مردود، وهذا أول المسألة. وعن الثاني: أنا نعول في إثبات هذا النوع من القياس على عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ أو على ما ذكرنا أنه يجب العمل بالظن، والله أعلم. الفصل الخامس في الشبه قال القرافي: قوله: (الذي لا يناسب بذاته، ولا يستلزم ما يناسب بذاته الطرد): قلت: اشتهر على ألسنة الجماعة من النظار من الأصوليين والجدليين أن هذا اسمه الطردي بياء مشددة. والطرد: هو اقتران الحكم بسائر صور الوصف، وهو أحد الطرق الدالة على علية الوصف على الخلاف فيه. فالطرد غير الطردي، والمصنف سوى بينهما في العبارة. قوله: (الشبه في الحكم كمشابهة العبد المقبول الحر، وكسائر المملوكات): تقريره: أن الملكية حكم شرعي؛ لأن الملك إذن من الشرع في استيفاء المنافع على وجه مخصوص، إلا أن يقوم مانع الحجر.

стр. 3239

فمشابهة العبد المملوكات، في كونه مملوكًا، شبه في حكم شرعي. وأما شبه بالحر، فليس إلا في كونه آدميًا، وهو أمر حقيقي لا حكم ضدها، فلم يبق الشبه إلا في الآدمية فقط. فمراد المصنف القسم الثاني دون الأول. قوله: (العمل بالظن واجب): قلنا: تقدم أن مطلق الظن ملغي إجماعًا، إنما اعتبر الشرع مواطن وأنواعًا مخصوصة، فما الدليل على أن هذا منها؟ وقد تقدم بسطه مرارًا. مثال هذا: الفصل المناسب نحو: إسكار الخمر. والطردي ما يعينه. والمستلزم للمناسب نحو قولنا: (مائع لا تبنى القنطرة على جنسه)، يشعر بعلته وعلة مشروعية الماء بشاربه، وعدم مشروعية غيره؛ لأجل العلة رفقًا بالعباد، فظهر أن عدم بناء القنطرة على جنسه مستلزم للعلة. قوله مستندًا في قياس الشبة: (قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]): قلنا: قد تقدم أن هذا النص ليس عامًا حتى يتناول هذا النوع من القياس. (تنبيه) قال التبريزي بعد ذكره الحدين الذين في (المحصور): وقيل: هو الأخذ بأقوى المشبهين، فجعل قول الشافعي تفسيرًا تاليًا، وهو الظاهر من قول الشافعي .

стр. 3240

قال: وقيل: هو الذي يوهم اشتماله على الحكمة، وهو قريب من قولهم: يناسب العلية دون الحكم. قال: وأبعد التعريفات هو الأول؛ إذ ليس من شرط المناسب أن يكون منشأ، فأكثر المناسبات مستلزمات. (فائدة) قال سيف الدين: اسم الشبه يتناول كل قياس لأجل مشابهة الفرع لأصله في جامعه ، غير أنه- في عرف الأصوليين- لأخص من ذلك. فمنهم من فسره: بالمتردد بين أصلين شبه أحدهما أكثر من الآخر، فيلحق بالأكثر مشابهة له، كالعبد يشبه الحر في كونه آدميًا مكلفًا مثابًا معاقبًا، ويشبه الفرس في أنه يباع ويملك. فلحوقه بالحر [أولى]؛ لكثرة الشبه؛ وليس هذا من الشبه في شيء؛ بل مناسب وقع فيه الترجيح. ومنهم من فسره: بما عرف المناط فيه قطعًا، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى الحقيقة، كطلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب، وليس هذا- أيضًا- من الشبه؛ لأنه بحث في تحقيق المحكوم به وهو المثل، والشبه يكون الطلب للمناط وهو- هاهنا- معلوم بالنص، وهو مقطوع به، والشبه مختلف فيه. ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان بحكمين ليسا متمحضين، إلا أن أحدهما غلب على الآخر كاللعان، يشبه الشهادة واليمين، وليسا متمحضين؛ لأن الملاعن مدع، والمدعي لا تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من الأولين، غير أنه إذا غلب أحد الشبهين كانت

стр. 3241

المصلحة ملازمة له في نظرنا، فنحكم بها، وليس خارجًا عن التعليل بالمناسبة. وقال القاضي أبو بكر: هو قياس الدلالة، وهو الجمع بين الفرع والأصل بما لا يناسب الحكم، [و] لكن يستلزم ما يناسب الحكم. ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها؛ لأن الشرع التفت إليه في بعض الأحكام ولم نعلم ذلك هاهنا، فشابه الطردي من وجه، والمناسب من وجه، فسمى شبهًا؛ كقول الشافعي: طهارة لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فالجامع الطهارة، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وقد اعتبرها الشرع في بعض الأحكام، كمس المصحف، والصلاة، والطواف يوهم اشتمالها على المناسبة. والاصطلاح الأخير أقرب لقواعد الأصول، ويليه مذهب القاضي. (فرع) قال بعض أصحابنا: الشبه إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه في عين الحكم لا يكون حجة، بخلاف المناسب ؛ لأن الشبه إذا اعتبر عينه في عين الحكم كان الظن المستفاد منه في أدنى مراتب الظن، فإذا انحط إلى اعتبار الجنس في الجنس، فقد ذهب الظن بالكلية؛ لأن ما دون أدنى درجات الظن ليس بظن، بخلاف المناسب؛ لأن الظن المستفاد منه في اعتبار العين في العين قوي جدًا، فإذا نزل عن هذه المرتبة بقى أصل الظن، وهو حجة. قال: والمقدمة الأولى ممنوعة.

стр. 3242

(فائدة) قال الغزالي في (المستصفى): الشبه من شرطه احتياجه إلى ضرورة في استنباط مناط الحكم ، فإن لم تكن ضرورة، قال قوم: لا يجوز اعتماده. قال: وليس بعيدًا عندي في أكثر المواضع؛ فإنه إذا أمكن قصر الحكم على المحل، وكان المحل معرفًا بوصف مضبوط، فلا حاجة إلى طلب ضابط آخر ليس بمناسب، فتمام النظر أن يقال: لابد من علامة كالربا في الدقيق، والعجين، فلابد من ضابط، وهو الطعم، والضرب على العاقلة في النفس، والطرف، فلابد من ضابط، وهو الجناية على الآدمي، ففارق المال، هذا بخلاف المناسب؛ فإنه يحرك الظن بنفسه، فلا يحتاج إلى ضابط، فلا ضرورة فيه، وهاهنا ثلاثة تظن من الشبه وليست منه: الأول: ما عرف منه مناط الحكم قطعًا، وافتقر إلى تحقيق، كطلب المثل في جزاء الصيد، وبه فسر بعضهم الشبه، وهو خطأ؛ لأن صحته مقطوع به. الثاني: ما عرف فيه مناط الحكم، واجتمع فيه مناطان متعارضان، فيرجح أحدهما. مثاله: بدل المال غير مقدر، وبدل النفس مقدر، والعبد نفس ومال، فيرجح أيهما يغلب. الثالث: إذا لم يتمحض المناطان وقد وجدا، فيحكم بالأغلب كتركب اللعان من الشهادة واليمين، ولم يتمحضا؛ لأن يمين المدعي لا تقبل، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، فإن غلبت اليمين لاعن العبد؛ لأنه من أهل اليمين دون الشهادة.

стр. 3243

(فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان): قال أحمد بالشبه في الصورة، وأبو حنيفة قال به- أيضًا - في قوله: تشهد؛ فلا يجب كالتشهد الأول، كما قال أحمد في الجوسين. وفي الشرع تعبد بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية كجزاء الصيد والقيافة، وقياس الشبه إن كان إلحاقًا بالمنصوص [عليه بكونه] في معناه، فهو مقبول مقطوع به، كان المنصوص عليه معللًا، أم لم يطلع على علته، أو كان يبعد عن الأصل غير أنه مائل إليه. ودرجات الظنون تتفاوت، فهو دون الأول أو كان بحيث يستوي فيه الحكم ونقيضه، فهذا الطرد المردود. [فإذا تناهى العبد، وصار بحيث لا يلوح مقتضى ظن، ولا موجب علم، فهو أيضًا الطرد المردود. والشبه ذو طريفين: أدناه قياس في معنى الأصل مقطوع به، وأبعده لا يستند إلى علم ولا ظن]. مثال ذلك كله: [لو ثبت مثلًا كون] النية شرطًا في [التيمم لكان الوضوء] في معناه قطعًا، فهذا هو الأول. وقول القائل: (طهارة حكمية دون الأول)، وقول الحنفي: (طهارة بالماء) فأشبهت إزالة النجاسة) طرد محض. ولو قال: (طهارة بالماء، فافتقرت إلى النية)، لم يكن بعيدًا عن نفس النية، حتى يقال: نفي النية أليق باللفظ.

стр. 3244

وجعل القاضي من الشبه كون العبد يملك أم لا؟ لشبهه بالآدمي، فيملك، أو الأعيان المملوكة، فلا يملك. قال: وهو عندي ليس من قياس الشبه، بل من قياس المعنى؛ لأن كون الحر عاقلًا متصرفًا مناسب، والمملوك لا يستقل بنفسه، وغيره مستول عليه، مناسب لعدم الملك. (فرع) قال إمام الحرمين في (البرهان): قال جماعة من المتأخرين: القياس ثلاثة: قياس معنى: وهو الذي يرتبط الحكم فيه بمعنى مخيل. وقياس دلالة: وهو الذي يشتمل على ما لا يناسب بنفسه، ويدل على معنى جامع. وقياس الشبه: وهو الذي لا يشعر بمعنى مناسب، ولا هو في نفسه مناسب. والأقيسة خمسة: إلحاق حكم الفحوى كالضرب بالتأفيف، وهل هو قياس أم لا؟ وهو قول الجمهور، بل ثابت باللفظ عندهم التزامًا وتنبيهًا. وما نص الشرع عليه نصًا لا يحتمل التأويل. ومنع الأستاذ أنه قياس، وأثبته غيره، وإلحاقه به لعدم الفارق، لا لثبوت الجامع، كإلحاق الأمة بالعبد في العتق، وهل هو قياس؟ قولان. وقياس المعنى المناسب، وهو الباب الأعظم من القياس. وقياس الشبه، وقياس الدلالة، ولا معنى لعده قسمًا؛ لأنه تارة يكون بمعنى مناسب، وتارة شبهًا.

стр. 3245

ثم قياس المعنى ينقسم إلى: الجلي، والخفي، وكل رتبة متوسطة فهي جلية بالنسبة إلى ما تحتها، خفية بالنسبة إلى ما فوقها، وكل ما قرب من الأصول القطعية فهو الجلي، وهو الأجلى والأرجح من الأشباه للشبه المقصود، فإن كان مدرك المسألة لشبه الحكم كان الترجيح لشبه الحكم، أو الصورة الحسية كان الترجيح بها. وقياس الدلالة مقدم على الشبه المحض؛ لأجل إشعاره بالمعنى، والثابت بالطرد والعكس مقدم على الشبه، والمخيل مقدم على الطرد والعكس لأنه معتمد الصحابة- رضوان الله عليهم- وقد تناهى قياسي المعنى حتى يقدم عليه الطرد وقد يتقدم الشبه الجلي على المعنى الخفي. وقال القاضي أبو بكر: لا يقدم قياس على قياس، بل الظنون على حسب الاتفاقات، وبناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو مقصود الطالبين، وهذا صعب جدًا لو قاله غير القاضي لعتب عليه؛ لأنه يؤول إلى أنه لا أصل للاجتهاد، وهو باطل قطعًا. قال الغزالي في (المستصفى) أدنى الأقيسة الطردي الذي لا ينبغي أن يقول به قايس. وأعلاها القياس في معنى الأصل؛ لأن القياس أربعة: المؤثر، ثم المناسب، ثم الشبه، ثم الطرد. والذي هو في معنى الأصل هو الذي اعتبر عينه في عين الحكم، وهو مستغن عن السبر؛ لثبوته بنص أو إجماع، فهو مقطوع به، وربما أقر به منكر القياس. * * *

стр. 3246

الفصل السادس (في الدوران) وقال الرازي: ومعناه: أن يثبت الحكم عند ثبوت وصف، وينتفي عند انتفائه، وذلك يقع على وجهين: الأول: أن يقع ذلك في صورة واحدة: فإن العصير، لما لم يكن مسكرا في أول الأمر، لم يكن حراما، فلما حدث وصف الإسكار، فيه حدثت الحرمة، فلما صار خلا، وزالت المسكرية، زالت الحرمة أيضا. والثاني: أن يوجد ذلك في صورتين، وعندنا أنه يفيد ظن العلية. وقال قوم من المعتزلة: إنه يفيد يقين العلية، وقال آخرون: إنه لا يفيد يقين العلية، ولا ظنها. لنا وجهان: الأول: أن هذا الحكم لا بد له من علة، والعلة: إما هذا الوصف، أو غيره: والأول هو المطلوب. والثاني: لا يخلو إما أن يكون ذلك الغير كان موجودا قبل حدوث هذا الحكم، أو ما كان موجودا قبله: فإن كان موجودا قبله، وما كان هذا الحكم موجودا، لزم تخلف الحكم عن العلة؛ وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجودا، ـ فالأصل في الشيء بقاؤه على ما كان؛ فيحصل ظن أنه بقى كما كان غير علة؛ وإذا حصل ظن أن غيره ليس بعلة، حصل ظن كون هذا الوصف علة؛ لا محالة.

стр. 3247

فإن قلت: (ذلك الحكم كما دار مع حدوث ذلك الوصف وجودا وعدما، فكذلك دار مع تعين ذلك الوصف، ومع حدوث حصول ذلك الوصف في ذلك المحل؛ فيجب أن يكون تعينه وحدوثه في ذلك المحل معتبرا في العلية، وذلك يمنع من التعدية). قلت: تعين الشيء: معناه: أنه ليس غيره، وهذا أمر عدمي؛ إذ لو كان وجوديا لكان ذلك الوجود مساويا لسائر التعينات القائمة بسائر الذوات في كونه تعينا، ويمتاز عنها بخصوصيته، فيلزم أن يكون للتعين تعين آخر إلى غير نهاية؛ وهو محال. وأما حصول الوصف في ذلك المحل: فيستحيل أن يكون أمرا وجوديا؛ وإلا لكان ذلك وصفا لذلك الوصف، فكونه وصفا للوصف زائد عليه؛ فيلزم التسلسل، وإذا ثبت أن التعين أمر عدمي، والحصول في المحل المعين أمر عدمي، استحال كونه علة، ولا جزء علة. أما أنه لا يكون علة: فلأن قولنا في الشيء المعين: (إنه علة) نقيض لقولنا: (إنه ليس بعلة) وقولنا: (إنه ليس بعلة) يصح وصف المعدوم به في الجملة، ووصف المعدوم لا يكون موجودا، فقولنا: (ليس بعلة) أمر عدمي، وقولنا: (علة) مناقض له، ومناقض العدم ثبوت، فمفهوم قولنا: (علة) أمر ثبوتي، فلو وصفنا العدم به لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الذي هو نفي محض؛ وذلك محال. وأما أنه لا يجوز أن يكون جزء علة: فلأنا لو فرضنا حصول سائر الأجزاء بدون هذا الجزء الواحد: فإما أن تحصل العلية، أو لا تحصل: فإن حصلت العلية، كان سائر الأجزاء بدون هذا الجزء تمام العلة؛ فلا يكون هذا الجزء

стр. 3248

جزء العلة، وإن لم تحصل العلية عند عدم هذا الجزء، وحصلت عند حصوله، كانت العلية: إنما حدثت لأجل هذا الجزء، فجزء العلة علة تامة لعلية العلة، وقد عرفت أن العدم لا يكون علة؛ فوجب ألا يكون العدم جزءا من العلة؛ وهو المطلوب .. الوجه الثاني: في أن الدوران يفيد ظن العلية، وهو: أن بعض الدورانات يفيد ظن العلية؛ فوجب أن يكون كل دوران كذلك مفيدا لهذا الظن. بيان الأول: أن من دعي باسم، فغضب، ثم تكرر الغضب، مع تكرر الدعاء بذلك الاسم، حصل هناك أنه إنما غضب لأنه دعي بذلك الاسم، وذلك الظن: إنما حصل من ذلك الدوران؛ لأن الناس، إذا قيل لهم: لم اعتقدتم ذلك؟ قالوا: لأجل أنا رأينا الغضب مع الدعاء بذلك الاسم مرة بعد أخرى، فيعللون الظن بالدوران. بيان الثاني: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. والعدل هو: التسوية، ولن تحصل التسوية بين الدورانات إلا بعد اشتراكها في إفادة الظن. واحتج المنكرون بأمرين: الأول: أن بعض الدورانات لا يفيد ظن العلية؛ فوجب ألا يفيد شيء منها ظن العلية. بيان الأول من وجوه: أحدها: أن العلة والمعلول قد يكونان متلازمين نفيا وإثباتا، والدوران مشترك بين الجانبين، والعلة غير مشتركة بين الجانبين؛ لأن المعلول لا يكون علة لعلته.

стр. 3249

وثانيها: أن الفصل لابد أن يكون مساويا للنوع، والنوع إذا أوجب حكما، فالدوران كما حصل مع العلة التي هي النوع، حصل مع الفصل الذي هو جزء العلة، مع أن العلة ليس بعلة. وثالثهما: أن العلة قد يكون اقتضاؤها للمعلول موقوفا على شرط، فالدوران حاصل مع شرط العلة، مع أنه ليس بعلة. ورابعها: أن العلة قد يكون لها معلولان: إما معا عند من يجوز ذلك، أو على الترتيب؛ فالدوران حاصل في علة العلة، ومعلول العلة، مع أنه لا علية هناك ألبتة. وخامسها: أن الجوهر والعرض متلازمان نفيا وإثباتا، وذات الله تعالى وصفاته كذلك، وكل واحدة من صفاته مع سائر الصفات كذلك، ولا علية هناك. وسادسها: أن المضافين متلازمان معا نفيا وإثباتا؛ كالأبوة والبنوة، والمولى والعبد، ويمتنع كون أحدهما علة للآخر؛ لأن العلة متقدمة على المعلول، والمضافان معا، ولا شيء من المع متقدم. وسابعها: أن المكان والمتمكن والحركة والزمان لا ينفك واحد منها عن الآخر، مع عدم العلية. وثامنها: أن الجهات الست لا ينفك بعضها عن بعض، مع عدم العلية. وتاسعها: أن علم الله تعالى دائر مع كل معلوم وجودا وعدما؛ فإنه لو كان المعلوم جوهرا، لعلمه جوهرا، ولو لم يكن المعلوم جوهرا، فإن الله تعالى لا

стр. 3250

يعلمه جوهرا، فالعلم دائر مع المعلوم وجودا وعدما، مع أنه يستحيل أن يكون أحدهما علة للآخر. أما أنه لا يكون العلم علة للمعلوم: فلأن شرط كونه علما: أن يتعلق بالشيء على ما هو به، فما لم يكن المعلوم في نفسه واقعا على ذلك الوجه، استحال تعلق العلم به على ذلك الوجه؛ فإذن: تعلق العلم به على ذلك الوجه مشروط بوقوعه على ذلك الوجه، فلو كان وقوعه على ذلك الوجه متوقفا على تعلق العلم به، لزم الدور. وأما أنه يستحيل أن يكون المعلوم علة للعلم: فلأن علم الله تعالى صفة أزلية؛ واجبة الوجود، وما كان كذلك، يستحيل أن يكون معلول علة؛ فثبت أنه وجد الدوران ها هنا بدون العلة، ثم إن علم الله تعالى متعلق بما لا نهاية له من المعلومات، فها هنا دورانات لا نهاية لها بدون العلية. وعاشرها: أن الأعراض عند أهل السنة لا تبقى، فهذه الألوان والأشكال تحدث حالا بعد حال، فحين فني ذلك اللون، وذلك الشكل عن ذلك الجسم، فنيت الألوان، والأشكال، وسائر الأعراض عن جميع الأجسام، وحين حدث فيه لون، وشكل، حدث فيه سائر الأعراض في جميع الأجسام، فقد حصلت هذه الدورانات الكثيرة بدون العلية. وحادي عشرها: أن الفلك، إذا تحرك تحرك بجميع أجزائه، فحركة كل واحد من أجزائه، إنما حدثت عند حركة جميع أجزائه، وحين كانت تلك الحركة معدومة عن ذلك الجزء، كانت حركات سائر الأجزاء معدومة؛ فقد حصلت هذه الدورانات الكثيرة بدون العلية.

стр. 3251

وثاني عشرها: أن جميع الحيوانات تتنفس، ولا شك أن كل واحد منها: إما أن يتنفس مع كون الآخر متنفسا، أو عقيبه بلحظة قليلة؛ فقد وجدت هذه الدورانات بدون العلية. وثالث عشرها: أن الحكم، كما دار مع الوصف وجودا وعدما، فقد دار أيضا مع تعين الوصف، وخصوص المحل وخصوص وقوعه في الزمان المعين، والمكان المعين، وشيء من ذلك لا يصلح للعلية؛ لما ذكرتم أنها أمور عدمية؛ والعدم غير صالح للعلية. ورابع عشرها: أن الحد دائر مع المحدود وجودا وعدما، والرائحة الفائحة في الخمر دائرة مع الحرمة وجودا وعدما، مع أنه لا علية هناك. واعلم: أنا لو أردنا استقصاء القول في الدورانات المنفكة عن العلية، لطال الكلام، ولكن فيما ذكرنا كفاية. وإنما قلنا: إن بعض الدورانات، لما انفكت عن العلية، وجب ألا يحصل ظن العلية في شيء منها، لأنه إذا حصل دوران ما منفكا عن العلية، فلو قدرنا أن دورانا آخر يستلزم العلية، لكان كونه مستلزما للعلية: إما أن يتوقف على انضمام شيء آخر إليه، أو لا يتوقف: فإن توقف، كان المستلزم للعلية هو المجموع الحاصل من الدوران، ومن ذلك الشيء، لا الدوران وحده، وكلامنا الآن في الدوران وحده. وإن لم يتوقف، مع أن مسمى الدوران حاصل في الموضعين جميعا: لزم ترجح أحد طرفي الجائز على الآخر، لا لمرجح: وهو محال، هذا تمام تقرير هذا الدليل.

стр. 3252

الوجه الثاني: وهو الذي عول عليه المتقدمون في القدح، قالوا: الاطراد وحده ليس طريقا إلى علية الوصف بالاتفاق، وأما الانعكاس: فإنه غير معتبر في العلل الشرعية، وإذا كان كل واحد منهما لا يدل على العلية، كان مجموعهما أيضا كذلك. والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يقدح في قول من يقول: الدوران وحده يوجب ظن العلية، ونحن لا نقول به، بل ندعي: أن الدوران يفيد ظن العلية بشرط ألا يقوم عليه دليل يقدح في كونه علة، وإذا لخصنا الدعوى على هذا الوجه، سقط ما ذكرتموه من الاستدلال. وعن الثاني: لم قلت: إن كل واحد منهما، لما لم يفد ظن العلية، وجب في المجموع أن يكون كذلك؟ فإنا نعلم أن حال المجموع قد يكون مخالفا حال كل واحد من أجزائه. الفصل السادس في الدوران قال القرافي: قوله: (غير هذا الوصف إما أن يكون موجودا قبل الحكم، فيلزم تخلف الحكم عن علته، وهو خلاف الأصل، أو غير موجود، فالأصل بقاؤه على العدم):

стр. 3253

قلنا: هنا تعيينه ينقلب في الوصف المدعى علة، فيلزم الخلو عن التعليل. فإن قلت: إن الوصف المدعي علته أجمعنا على مخالفة الأصل فيه، وارتفاع عدمه، بخلاف غير المدعى. قلت: مخالفة الأصل المقتضي لبقاء الشيء على عدمه إما أن يكون محذورا أم لا. فإن كان الأول لزم المحذور فيما ادعيتموه علة، فيكون طعنا عليه. وإن كان الثاني، بطل جعلكم استصحاب العدم دليلا على العدم؛ لأن ذلك الأصل لا عبرة به. قوله: (التعين معناه ليس غيره، فهو عدمي): قلنا: العين قد تكون بالثبوت: كالطول، والقصر، والألوان، وغيرها. وقد تكون بالعدم كتعين الجزء على الكل، وامتيازه عليه بأنه ليس معه ذلك الجزء الآخر.

стр. 3254

وقد تكون بهما، كالحيوان الأبيض، يمتاز على الأسود بأنه ليس أسود، وبالبياض. قوله: (يلزم أن يكون للتعين تعين، فيلزم التسلسل): قلنا: لا نسلم؛ لأن الحقائق المختلفة يجب اختلافها في اللوازم، ولا يزم اتفاقها، وتعين التعين مخالف لتعين الجسم، وإذا كانا مختلفين فجاز أن يكون لتعين الجسم مثلا تعين، وتعين التعين ليس له تعين، فلا يلزم التسلسل. وكذلك القول في حصول الوصف في المحل، وكونه وصفا للوصف يمكن أن يقال: وصف الوصف عدمي، وحصول الوصف في المحل ثبوتي، ولا يلزم التسلسل. قوله: (العلية إنما حصلت لأجل الجزء العدمي، فجزء العلة العدمي علة تامة للعلية، وقد عرفت أن العدم لا يكون علة): قلنا: العلية غير العلة؛ لأن العلية هي نسبة خاصة ترجع إلى التأثير، والتأثير من باب النسب والإضافات العدمية. والعلة في نفسها وجودية تعرض لها هذه النسبة، وكل مؤثر وجودي هكذا موثريته عدمية، وهو وجودي، فلا يلزم من الامتناع في العلة الامتناع في العلية. سلمنا أن العدم لا يكون جزءا، فلم لا يجوز أن يكون شرطا، ولم يتعرضوا لإبطاله مع أن عدم الضد من المحل شرط للتأثير في وجود الضد الآخر؟. قوله: (بعض الدورانات تفيد ظن العلية، فيكون الكل كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]، والعدل: التسوية):

стр. 3255

قلنا: هذه النكتة تنقلب، فنقول: بعض الدورانات لا تفيد العلية قطعا، كالنصوص المذكورة بعدها، فيكون الكل كذلك للآية. قوله: (الدوران مشترك بين العلة والمعلول، مع أن المعلول ليس بعلة): تقريره: العلم مع العالمية متلازمان وجودا وعدما، مع أن العالمية ليست علة للعلم، والعلم علة للعالمية. قوله: (النوع إذا وجب لا يوجبه فصله): تقريره: أن الإسكار نوع بالنسبة إلى الوصف، فمجموعه علة التحريم، وكل جزء من أجزائه ليس علة التحريم. قوله: (العلة قد يكون لها معلولان): تقريره: أن الإحراق، والإسراف، معلولان للنار.

стр. 3256

قوله: (الاطراد وحده ليس طريقا لعلية الوصف، والانعكاس لا يشترط في العلل الشرعية): تقريره: أن الدوران مركب من اقتران الحكم بالوصف وجودا. والاطراد: هو اقتران الحكم بالوصف في جميع صوره. فالدوران حصل فيه صورة الاقتران، وإن لم يحصل فيه الاطراد المدعي هنالك. وإذا كان الاطراد في جميع الصور غير معتبر على الخلاف فيه، ففي صورة واحدة لا يكون دليلا. والدوران مركب- أيضا- من اقتران العدم بالعدم، وهذا هو العكس في العلة، وهو عدم حكمها عند عدمها، وهو غير لازم؛ لأنه لا يلزم من عدم علة وجوب الغسل- التي هي الإنزال- ألا يجب الغسل بانقطاع الحيض وغيره، ولا يلزم من [عدم] الردة الوصية لإباحة الدم ألا يباح الدم بالزنا والقتل. قوله: (في النقوض الحركة مع الزمان): تقريره: أن من الناس من يقول: الزمان: هو الحركة نفسها، قاله بعض الفلاسفة، فعلى هذا لا يصح التمثيل به. ومن الفلاسفة من يقول: الزمان قطع المسافة بالحركة، فيصح التمثيل.

стр. 3257

وقال المتكلمون: هو اقتران حادث، وقال المازري في (شرح التلقين): الزمان اقتران حادث جلي بحادث خفي، كقول القائل: متى تأتيني؟ فتقول: طلوع الشمس، فطلوع الشمس زمان، الإتيان مظروفه، فلو كان في مطموره لا يعلم بطلوع الشمس، فسأل عنه، فقلت له: طلوعها عند إتياني إليك كان الإتيان الزمان، وطلوع الشمس مظروفا، فالجلي أبدا هو الزمان، وعلى هذا التقدير ينفك الزمان عن الحركة؛ فإنه ليس من لوازم اقتران حادثين في الوجود وجود الحركة؛ لجواز حصول الاقتران مع السكون. تنبيه: قال النقشواني: الدوران عين التجربة ، وقد تكثر التجربة فتفيد القطع، وقد لا تصل إلى ذلك، كما نقطع بأن قطع الرأس مستلزم للموت، ونظنه مع السم، فهذا منشأ الخلاف في أن الدوران يفيد اليقين عند قوم، أو الظن عند قوم، أو لا يفيد ألبتة؛ نظرا للنقوض، وأنه لابد من ضميمة إليه، ويكون التكرر مرة أو مرتين، فيكون الحق التفصيل بين كثرة التكرر وقلتها، وألا يطلق القول في ذلك. سؤال: قال النقشواني: قوله: (غير هذا الوصف لم يكن موجودا قبل، وإلا لتخلف الحكم عن علته): طريقه لا يتوقف على الدوران ، ويستغني بها عن الدوران، بل يدعى أن هذا الوصف علة، ولا يذكر الدوران ألبتة. سؤال: قال النقشواني: ما ذكره في هذا الوجه يقتضي أن الحكم حادث ، مع أن الحكم قديم على ما تقدم. قلت: جوابه أنه يعني بالعلة المعرف، والحادث يعرف القديم.

стр. 3258

سؤال: قال: ولأنه في هذا الموضع احتج بالاستصحاب ، فالدوران متوقف على الاستصحاب، فالاستصحاب إن توقف عليه لزم الدور، وإلا [لكان] الاستصحاب أقوى من الدوران؛ لتوقفه عليه من غير عكس، وحينئذ يمنع دفع الاستصحاب القياس. قلت: جوابه أنه أقوى منه من هذا الوجه، والقياس أقوى من الاستصحاب من جهة أنه ناسخ له، والناسخ مقدم على المنسوخ. سؤال: قال النقشواني: قوله: (بعض الدورانات تفيد الظن؛ فيكون الكل كذلك [للآية]) غير متجه ؛ لأن الله- تعالى- إنما يأمر بمقدور، وكون الشيء مفيدا للظن غير مقدور، بل العمل بالظن هو المقدور، فلا يتجه استدلاله. تنبيه: قال سراج الدين: علل الشرع معرفات، فجاز أن يكون العدم علة وجزء علة . وقال التبريزي: الدوران هو الطرد والعكس، الذي هو الوجود عند الوجود أينما كان، والعدم عند العدم أينما كان. وقد يطلق على مجرد الحدوث عند الحدوث، والزوال عند الزوال، [ولو] في صورة واحدة، كالشدة مع التحريم. وهو يفيد الظن على التقديرين، وقد يفيد اليقين كما في التجريبيات.

стр. 3259

وإنما يوجبه على التدريج، [ومن] ضرورته [تقدم] ظن غالب قبل بلوغه الكمال. وتفصيل القول فيه: أن الذهن يطالب بسبب الاقتران، فإذا استبعد الاتفاق لأجل الكثرة، حمل على أمر يوجب التلازم ظنا أو يقينا، بحسب إمكان الاتفاق وعدمه؛ [ولأن] الحدوث عند الحدوث نوع ملاءمة للعلية؛ فإنه مقتضاها، فيسبق الذهن إلى فهم العلية؛ لأن الذهن سباق إلى فهم الملزوم من [اللازم]، فإذا انضم إليه الزوال عند الزوال، صار السبق ظنا لاستبعاد الاتفاق. ويرد على مدرك المصنف الأول: أن طريقة الحصر طريقة مستقلة تستغني عن الدوران، والمقصود إنما هو إفادة الدوران. ويرد عليه- أيضا- فيه منع الحصر. وقوله: (إن كان موجودا قبل الحكم تخلف الحكم): إنما يلزم إذا اعتقدناه كل العلة، أما إذا اعتقدناه ضميمة إلى الحادث، فلا يلزم. ويرد على قوله: (التعين العدمي): أنا نعني به خصوص الوصف الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو أمر وجودي، وكذلك الإضافة للمحل كيف يكون عدميا، وظهور أثر العلة في المحل يتوقف عليه، فهو [إما] جزء العلة، أو علة علية العلة، ثم الدليل على أنهما وجوديان أن نقيضهما- وهو لا عينية ولا حصوله عدميان؛ لأنه يصح حملهما على العدم، ونقيض العدم وجود، وإلزام التسلسل تشكيك وسفسطة، ونظيره من الضروريات أن تقول: كونه موجودا عدمي؛ لأنه لو كان موجودا لكان وصفا للمحل، وكان كونه وصفا للمحل وصفا له، وهكذا إلى ما لا نهاية له.

стр. 3260

سلمنا أنهما عدميان، لكن لا يضاف الحكم إليهما. قوله: (الوجودي لا يتصف بالعدم): ينتقض بالمعلومية والمذكورية، والموجودية، وكونه محكوما به أو عليه؛ فإنها أمور وجودية لما ذكر من الدليل، ويوصف به العدم. ثم نفصل القول، فنقول: الدوران دليل العلية بمعنى التأثير أو التعريف. الأول باطل بالعلم والرم. والثاني علم لا يجوز أن يتوقف التعريف على أمر عدمي، على أنا نقول: إذا دار الحكم مع وصف عدمي، فإن لم يكن علة، فقد [انتقض الدوران] أو علة، فقد بطل دليل نفي العلة عنه، وبطل- أيضا- الدوران. وقوله: (لا يكون العدم جزء العلة وإلا لكان علة للعلية): الكلام عليه من أوجه: الأول: أنه استدلال بالدوران بالتفسير الثاني، وسنبطله. الثاني: أنه اعترف أنه إنما يدل بشرط عدم دليل يدل على أنه ليس بعلة، فقد يساعدنا في هذا المقام على قيام الدليل على امتناع كون العدم علة. الثالث: أنه منقوض بجزء الماهية وبجزء الجملة؛ فإنه ليس علة للماهية، والجملة مع التوقف عليه. الرابع: أن العلم حاصل بأن العلية حكم مجموع أجزاء الماهية، لا حكم ذلك الجزء العدمي. الخامس: أن ما ذكره من الدوران وإن دل على لزوم كون ذلك العدم علة العلية،
следующие страницы →