← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

قوله: (الاطراد وحده ليس طريقا لعلية الوصف، والانعكاس لا يشترط في العلل الشرعية): تقريره: أن الدوران مركب من اقتران الحكم بالوصف وجودا. والاطراد: هو اقتران الحكم بالوصف في جميع صوره. فالدوران حصل فيه صورة الاقتران، وإن لم يحصل فيه الاطراد المدعي هنالك. وإذا كان الاطراد في جميع الصور غير معتبر على الخلاف فيه، ففي صورة واحدة لا يكون دليلا. والدوران مركب- أيضا- من اقتران العدم بالعدم، وهذا هو العكس في العلة، وهو عدم حكمها عند عدمها، وهو غير لازم؛ لأنه لا يلزم من عدم علة وجوب الغسل- التي هي الإنزال- ألا يجب الغسل بانقطاع الحيض وغيره، ولا يلزم من [عدم] الردة الوصية لإباحة الدم ألا يباح الدم بالزنا والقتل. قوله: (في النقوض الحركة مع الزمان): تقريره: أن من الناس من يقول: الزمان: هو الحركة نفسها، قاله بعض الفلاسفة، فعلى هذا لا يصح التمثيل به. ومن الفلاسفة من يقول: الزمان قطع المسافة بالحركة، فيصح التمثيل.

стр. 3257

وقال المتكلمون: هو اقتران حادث، وقال المازري في (شرح التلقين): الزمان اقتران حادث جلي بحادث خفي، كقول القائل: متى تأتيني؟ فتقول: طلوع الشمس، فطلوع الشمس زمان، الإتيان مظروفه، فلو كان في مطموره لا يعلم بطلوع الشمس، فسأل عنه، فقلت له: طلوعها عند إتياني إليك كان الإتيان الزمان، وطلوع الشمس مظروفا، فالجلي أبدا هو الزمان، وعلى هذا التقدير ينفك الزمان عن الحركة؛ فإنه ليس من لوازم اقتران حادثين في الوجود وجود الحركة؛ لجواز حصول الاقتران مع السكون. تنبيه: قال النقشواني: الدوران عين التجربة ، وقد تكثر التجربة فتفيد القطع، وقد لا تصل إلى ذلك، كما نقطع بأن قطع الرأس مستلزم للموت، ونظنه مع السم، فهذا منشأ الخلاف في أن الدوران يفيد اليقين عند قوم، أو الظن عند قوم، أو لا يفيد ألبتة؛ نظرا للنقوض، وأنه لابد من ضميمة إليه، ويكون التكرر مرة أو مرتين، فيكون الحق التفصيل بين كثرة التكرر وقلتها، وألا يطلق القول في ذلك. سؤال: قال النقشواني: قوله: (غير هذا الوصف لم يكن موجودا قبل، وإلا لتخلف الحكم عن علته): طريقه لا يتوقف على الدوران ، ويستغني بها عن الدوران، بل يدعى أن هذا الوصف علة، ولا يذكر الدوران ألبتة. سؤال: قال النقشواني: ما ذكره في هذا الوجه يقتضي أن الحكم حادث ، مع أن الحكم قديم على ما تقدم. قلت: جوابه أنه يعني بالعلة المعرف، والحادث يعرف القديم.

стр. 3258

سؤال: قال: ولأنه في هذا الموضع احتج بالاستصحاب ، فالدوران متوقف على الاستصحاب، فالاستصحاب إن توقف عليه لزم الدور، وإلا [لكان] الاستصحاب أقوى من الدوران؛ لتوقفه عليه من غير عكس، وحينئذ يمنع دفع الاستصحاب القياس. قلت: جوابه أنه أقوى منه من هذا الوجه، والقياس أقوى من الاستصحاب من جهة أنه ناسخ له، والناسخ مقدم على المنسوخ. سؤال: قال النقشواني: قوله: (بعض الدورانات تفيد الظن؛ فيكون الكل كذلك [للآية]) غير متجه ؛ لأن الله- تعالى- إنما يأمر بمقدور، وكون الشيء مفيدا للظن غير مقدور، بل العمل بالظن هو المقدور، فلا يتجه استدلاله. تنبيه: قال سراج الدين: علل الشرع معرفات، فجاز أن يكون العدم علة وجزء علة . وقال التبريزي: الدوران هو الطرد والعكس، الذي هو الوجود عند الوجود أينما كان، والعدم عند العدم أينما كان. وقد يطلق على مجرد الحدوث عند الحدوث، والزوال عند الزوال، [ولو] في صورة واحدة، كالشدة مع التحريم. وهو يفيد الظن على التقديرين، وقد يفيد اليقين كما في التجريبيات.

стр. 3259

وإنما يوجبه على التدريج، [ومن] ضرورته [تقدم] ظن غالب قبل بلوغه الكمال. وتفصيل القول فيه: أن الذهن يطالب بسبب الاقتران، فإذا استبعد الاتفاق لأجل الكثرة، حمل على أمر يوجب التلازم ظنا أو يقينا، بحسب إمكان الاتفاق وعدمه؛ [ولأن] الحدوث عند الحدوث نوع ملاءمة للعلية؛ فإنه مقتضاها، فيسبق الذهن إلى فهم العلية؛ لأن الذهن سباق إلى فهم الملزوم من [اللازم]، فإذا انضم إليه الزوال عند الزوال، صار السبق ظنا لاستبعاد الاتفاق. ويرد على مدرك المصنف الأول: أن طريقة الحصر طريقة مستقلة تستغني عن الدوران، والمقصود إنما هو إفادة الدوران. ويرد عليه- أيضا- فيه منع الحصر. وقوله: (إن كان موجودا قبل الحكم تخلف الحكم): إنما يلزم إذا اعتقدناه كل العلة، أما إذا اعتقدناه ضميمة إلى الحادث، فلا يلزم. ويرد على قوله: (التعين العدمي): أنا نعني به خصوص الوصف الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو أمر وجودي، وكذلك الإضافة للمحل كيف يكون عدميا، وظهور أثر العلة في المحل يتوقف عليه، فهو [إما] جزء العلة، أو علة علية العلة، ثم الدليل على أنهما وجوديان أن نقيضهما- وهو لا عينية ولا حصوله عدميان؛ لأنه يصح حملهما على العدم، ونقيض العدم وجود، وإلزام التسلسل تشكيك وسفسطة، ونظيره من الضروريات أن تقول: كونه موجودا عدمي؛ لأنه لو كان موجودا لكان وصفا للمحل، وكان كونه وصفا للمحل وصفا له، وهكذا إلى ما لا نهاية له.

стр. 3260

سلمنا أنهما عدميان، لكن لا يضاف الحكم إليهما. قوله: (الوجودي لا يتصف بالعدم): ينتقض بالمعلومية والمذكورية، والموجودية، وكونه محكوما به أو عليه؛ فإنها أمور وجودية لما ذكر من الدليل، ويوصف به العدم. ثم نفصل القول، فنقول: الدوران دليل العلية بمعنى التأثير أو التعريف. الأول باطل بالعلم والرم. والثاني علم لا يجوز أن يتوقف التعريف على أمر عدمي، على أنا نقول: إذا دار الحكم مع وصف عدمي، فإن لم يكن علة، فقد [انتقض الدوران] أو علة، فقد بطل دليل نفي العلة عنه، وبطل- أيضا- الدوران. وقوله: (لا يكون العدم جزء العلة وإلا لكان علة للعلية): الكلام عليه من أوجه: الأول: أنه استدلال بالدوران بالتفسير الثاني، وسنبطله. الثاني: أنه اعترف أنه إنما يدل بشرط عدم دليل يدل على أنه ليس بعلة، فقد يساعدنا في هذا المقام على قيام الدليل على امتناع كون العدم علة. الثالث: أنه منقوض بجزء الماهية وبجزء الجملة؛ فإنه ليس علة للماهية، والجملة مع التوقف عليه. الرابع: أن العلم حاصل بأن العلية حكم مجموع أجزاء الماهية، لا حكم ذلك الجزء العدمي. الخامس: أن ما ذكره من الدوران وإن دل على لزوم كون ذلك العدم علة العلية،

стр. 3261

لكنه معارض [بلزوم] استحالة اجتماع علل على حكم واحد؛ فإن الدوران قائم بالنسبة إلى كل جزء كان عدما أو وجودا. ثم إنه اعتراف بقصور الدوران عن إفادة ظن العلية؛ لأنه قدر مشترك بين المدار الوجودي والعدمي، ولم يفد في العدمي مع وصف الصلاحية، فلا يكون هو المفيد في الوجودي، والفائت في العدمي هو صلاحية العلية، فإذا الدوران مع وصف صلاحية المدار دليل العلية؛ فإن [عدم] الصلاحية لا يمكن أن يكون مانعا من الإفادة؛ فإن المانع علة المنع، والعدم لا [يصح] أن يكون علة، فعلى هذا الدوران مع صلاحية الوصف دليل [العلية]، ولا يلزم من مجرد الوجود الصلاحية؛ لانقسام الوجودي للمصالح وغير المصالح، فإذا لابد من التعرض لمزيد، وفيه ترك طريقة الدوران بالكلية. وأما مسلكه الثاني، فنقول- امتحانا للبيان لا اعتقادا-: لا نسلم أن دورانا [ما] يفيد ظن العلية، وفي الصورة المفروضة نعارضه بمعنى في الاسم صورة [أو] معنى، أو بمعنى في ضمير الداعي، أو اختلال في المدعو، فإن لم يفرض شيء من ذلك منعنا حصول الغضب، فضلا عن ظن الإسناد إليه. وقد يدل على صحة المعارضة أمران: أحدهما: أن عاقلا ما لو دعي بذلك الاسم لم يغلب على الظن غضبه، ولو غضب لوبخ، ولو ثبتت [عليته] للغضب، لوجب أن يفيد وجوده حصول الغضب، وأن يستحسن ذلك من العقلاء. الثاني: هو أنه إذا دعى به غيره لم يغضب، [وإذا] دعي هو غضب، فدار الغضب عند الدعاء بذلك الاسم عند خصوص ذلك الشخص وجودا عدما، والدوران دليل العلية على زعمهم، فيكون خصوص ذلك الشخص علة علية الدعاء بذلك الاسم المغضب للغضب.

стр. 3262

وقوله: (إن أخبر العاقل عن إسناد حصول ظنه إليه لم يستقبح): قلنا: إن صح ذلك دل على ترشيح إفادة الدوران ظن العلية، وهو أمر كلي، فأي حاجة إلى المقدمة الثانية؟ وثانيا: لم قال: إن كل دوران يجب أن يكون كذلك؟ وأما التمسك بالآية، ففي غاية الضعف، ولولا صدوره عن مثله، وولوع أبناء الزمان بأمثاله، لكان الإعراض عنه أولى من الاعتراض عليه؛ إذ يعز على أهل النظر الشديد صرف الزمان إلى ما بيده العاقل فساده. لكني أقول مكرها لا بطلا: تفسير العدل بالتسوية المطلقة ظلم؛ لأنه يلزم منه جهل كل إنسان، وحمارية كل حيوان، وإمكان كل معلوم، ووقع كل ممكن، ونبوة كل متحد، وكذب كل مدع، وحل كل مأكول، وإباحة كل قتل، وجسمية كل صانع، وبطلان كل دين، وقدم كل موجود، إلى غير ذلك مما لا يعد كثرة لأن بعضها كذلك عملا بالآية، ثم يؤدي إلى التناقض؛ لأن جزئيات مطلق الأجناس متناقضة الأحكام والخصائص، فيلزم أن يحكم على كل واحد من الدائرين أنه علة للآخر عملا بالتسوية بينهما، وتوهم أن هذا من قبيل تخصيص العموم من أفسد الخيالات، ثم هو معارض بحد آخر، وهو إقامة الحق، والعمل بالواجب، وهو أولى؛ فإن من سوى بين الحق والباطل في جواز الفعل لا يسمى عادلا، بل حائرا، وإن وجدت منه التسوية. ومن وجد منه التفرقة بين المحسن والمسيء في المجازاة، والعالم والجاهل في الإكرام، والحق والباطل في التمكن، سمي عادلا، وإن لم يسو بين هذه الأمور. وثالثا: إن التسوية بين الدورانات حقيقة [في نفس الأمر ليس من فعل

стр. 3263

البشر، فلا يرد به الأمر، واعتقاد التسوية لازم الحقيقة]، يستحيل التكليف به بتقدير الوجود والعدم. ورابعا: إن بعض الدورانات لا يفيد ظن العلية؛ عملا بالنقوض التي ذكرها، فوجب أن يكون الكل كذلك عملا بالآية. وقوله: (الدوران من حيث هو هو لا يفيد ظن العلية): ممنوع بل يفيد، ولكن في بعض المواطن قام مانع من حصول الظن كسائر العلل الشرعية، والطبيعية، والعرفية. وما التزمه هو لا يصح؛ لأنه التزام لأحد قسمي الإشكال؛ لأن معنى قولنا: الدوران وحده لا يفيد ظن العلية، هو معنى قولنا: إن العلية موقوفة على أمر وراء القدر المشترك، وما أجاب عنه بشيء. ثم على هذا عدم ما يقدح يكون علة لعلية الدوران، أو جزء العلة في إفادة الظن، وقد بني تقرير الدوران على أن العدم لا يجوز أن يكون علة ولا جزءها، ومقتضى كلامه يلزم أن يكون معلوم دليل وعلة لكل معلوم، بشرط عدم المانع في كونه دليلا، ولا يخفى فساده. وأما البحث على وجه النظر فوجهان: أحدهما: أنه [إذا ثبت] بهذه الصورة تعدد جهات الملازمة والدوران، فتعيين جهة العلة يحتاج إلى دليل؛ لأن الدليل لابد وأن يكون له اختصاص بالمدلول؛ إذ ليس كون الدوران دليلا على بعض هذه الجهات بأولى من كونه دليلا على غيره. الثاني: أن جهة العلية أخص من مسمى الدوران، والاستدلال بالأعم على الأخص ينافي كونه أعم، ولا يرد شيء من ذلك على طريقتنا؛ لوجهين:

стр. 3264

أحدهما: أنا ندعي الدوران على لغلبة الظن بوجود أحدهما عند وجود الآخر، وهذا لا نقض عليه. الثاني: أنا نعني بكونه علة المعرف لثبوته، سواء كان بجهة العلة أو بجهة ملازمة العلة، وهو أيضا مطرد. قلت: وفي كلامه مواضع فأتكلم عليها. الأول: قوله: (الذهن سباق لفهم الملزوم من اللزوم): يريد بالملزوم العلية، ولا شك أن الملازمة إذا حصل في الفعل العلم بها، لزم منها العلم باللازم، والملزوم تصورهما لا وقوع واحد منهما في الوجود، والعلم بحصول اللازم لا يوجب العلم بحصول الملزوم. وأما العلم بحصول الملزوم، فلا سبيل إليه من الملازمة، بل بدليل منفصل، ومراده- هاهنا- حصول الملزوم، ووجوده في الصورة المعينة، فلا يتم كلامه حتى يغير العبارة، ويجعل العلية لازمة للدوران، والدوران ملزوم لها، فإذا حصل العلم بالملزوم، الذي هو الدوران، حصل العلم باللازم، الذي هو العلية، فيتم حينئذ الكلام. وأما جعلها ملزوما فلا فإنه لا يلزم من وجود الملازمة ولا اللازم، حصول الملزوم باتفاق العقلاء. الثاني: قوله: (إذا اعتقدنا الوصف الآخر ضميمة للعلة فلا يلزم): [و] تقريره: أن الوصف المدعى عدمه لا يلزم من وجوده قبل الحكم تخلف الحكم عن علته إذا كان جزء العلة؛ لأن التخلف عن الجزء ليس تخلفا عن العلة. الثالث: قوله: (كيف تكون الإضافة [إلى] المحل عدمية، وظهور أثر العلة في المحل يتوقف عليه، فهو من أجزاء العلة، أو علة علية العلة.

стр. 3265

قلت: الحصر غير ثابت، فقد يكون المتوقف عليه شرطا. الرابع: قوله: (العلية حكم مجموع أجزاء الماهية لا حكم ذلك الجزء العدمي) لا يتم؛ لأن المركب من الوجودي والعدمي عدمي، فصارت العلية وصفا للعدمي، وإن لم تكن من أحكام ذلك الجزء العدمي. الخامس: قوله: (أقول مكرها لا بطل): هذا مثل أصله أن معاوية بن أبي سفيان- ﵁ ألزم خروج شخص لقتال علي- ﵁ فلما برز لقتاله خشى أن عليا يقتله، فألقى بنفسه، وقال لعلي- ﵁: (مكره أخوك لا بطل) فترك علي- ﵁ قصده بالقتل والقتال، فصار مثلا. السادس: قوله: (ما ذكره ينتقض بجهل كل إنسان) وما ذكره من الصور لا يلزم؛ لأن العام المخصوص حجة بعض التخصيص، ولو عظمت صور التخصيص كثيرة. وقوله: (يوهم أنه من تخصيص العموم) فاسد ممنوع، بل (العدل) مفرد معرف بلام التعريف، فيكون عامل دخله التخصيص بما ذكره من الصور. السابع: قوله: (قام المانع كما في العلل الشرعية والطبيعية). قلنا: يلزم منه التعارض بين المانع والمقتضي، والتعارض خلاف الأصل، وما ذكره المصنف لا يلزم منه التعارض، فكان أرجح؛ ولأن القاعدة أن إحالة عدم الحكم على عدم المقتضى أولى من إحالته على قيام المانع؛ لئلا يلزم التعارض. الثامن: قوله: (المدعي كون الدوران علة لغلبة الظن بوجود أحدهما عند وجود الآخر، وهذا لا نقض عليه):

стр. 3266

قلنا: ممنوع، بل النقوض التي ذكرها المصنف كلها ترد على هذا المدعي؛ لوجوده فيها. وكذلك قوله: (إنه معرف لثبوته [سواء] كان بجهة العلة أو ملازمتها وأنه مطرد) ليس كذلك، بل قد عرت النقوض المذكورة عن العلة وملازمتها، فتكون نقضا على الدوران؛ لوجوده بدون المدعى، ولا نعني بالنص وعدم الاطراد إلا ذلك. * * *

стр. 3267

الفصل السابع (في السبر والتقسيم) قال الرازي: التقسيم: إما أن يكون منحصرا بين النفي والإثبات، أو لا يكون: فالأول: هو أن يقال: الحكم إما أن يكون معللا، أو لا يكون معللا، فإن كان معللا: فإما أن يكون معللا بالوصف الفلاني، أو بغيره، وبطل ألا يكون معللا، أو يكون معللا بغير ذلك الوصف؛ فتعين أن يكون معللا بذلك الوصف، وهذا الطريق عليه التعويل في معرفة العلل العقلية. وقد يوجد ذلك في الشرعيات؛ كما يقال: (أجمعت الأمة على أن حرمة الربا في البر معللة، وأجمعوا على أن العلة: إما المال، أو القوت، أو الكيل، أو الطعم، وبطل التعليل بالثلاثة الأول؛ فتعين الرابع. وكما يقال: أجمعت الأمة على أن ولاية الإجبار معللة: إما بالصغر، وإما بالبكارة: والأول باطل، وإلا لثبتت الولاية في الثيب الصغيرة؛ لكنها لا تثبت؛ لقوله- ﵊: (الثيب أحق بنفسها من وليها) فتعين التعليل بالبكارة.

стр. 3268

وأما التقسيم المنتشر: فكما إذا لم ندع الإجماع؛ بل نقتصر على أن نقول: حرمة الربا في البر: إما أن تكون معللة بالطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال، والكل باطل إلا الطعم، فيتعين التعليل به. فإن قيل: لا نسلم أن حرمة الربا معللة؛ فإن الأحكام، منها ما لا يعلل؛ بدليل أن علية العلة غير معللة، وإلا لزم التسلسل، وإذا ثبت هذا، فلم لا يجوز أن يقال: هذا من جملة ما لا يعلل؟. سلمنا كونه معللا؛ فما الدليل على الحصر؟. فإن قلت: لو وجد وصف آخر لعرفه الفقيه البحاث. قلت: لعله عرفه، لكنه ستره، وأيضا: فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، سلمنا الحصر؛ لكن لا نسلم فساد الأقسام. سلمنا فساد المفردات؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: مجموع وصفين أو ثلاثة منها علة واحدة. سلمنا فساد سائر الأقسام مفردا ومركبا؛ لكن لم لا يجوز أن ينقسم هذه القسم الثاني إلى قسمين؛ فتكون العلة أحد قسميه فقط؟. والجواب: لا نزاع في أن التقسيم المنتشر لا يفيد اليقين؛ لكنا ندعي أنه يفيد الظن. أما قوله: (لم لا يجوز ألا يكون هذا الحكم معللا؟): قلت: لما سبق في باب (المناسبة): أن الدلائل العقلية، والسمعية دلت على تعليل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح؛ فكان هذا الاحتمال مرجوحا.

стр. 3269

قوله: (ما الدليل على الحصر؟): قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المناظر تلو الناظر، فلو اجتهد الناظر، وبحث عن الأوصاف، ولم يطلع إلا على القدر المذكور، ووقف على فساد كلها، إلا على الواحد- فلا شك أن حكم قلبه بربط ذلك الحكم بذلك الوصف أقوى من ربطه بغير ذلك الوصف، وإذا حصل الظن، وجب العمل به، وإذا ثبت ذلك في حق المجتهد، وجب أن يكون الأمر كذلك في حق الناظر؛ لأنه لا معنى للمناظرة إلا إظهار مأخذ الحكم. الثاني: لو سلمنا أنه لابد من الدليل على الحصر، فنقول: لا شك أن جميع الأوصاف كانت معدومة، وكانت بحيث يصدق عليها: أنها لا توجب هذا الحكم، والأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان، فهذا القدر يفيد ظن عدم سائر الأوصاف، فيحصل ظن الحصر، ومطلوبنا هاهنا هذا القدر. قوله: (لا نسلم فساد سائر الأقسام): قلنا: يمكن إفسادها بجميع المفسدات من النقض، وعدم التأثير، وأنواع الإيماءات؛ بلي لا يمكن إفسادها هاهنا بعدم المناسبة؛ لأنه حينئذ يحتاج إلى أن يبين خلو ما تدعيه علة عن هذا المفسد، وذلك لا يتم إلا ببيان مناسبته، ولو بين ذلك، لاستغني عن طريقة (السبر). قوله: (لم لا يجوز أن يكون المجموع هو العلة): قلنا: لانعقاد الإجماع على ثبوت الحكم حيث لم يوجد المجموع.

стр. 3270

قوله: (لم لا يجوز أن تكون العلة طعما مخصوصا؟): قلنا: لأن كل من اعتبر الطعم لم يعتبر طعما مخصوصا، فكان القول به خرقا للإجماع. الفصل السابع في السبر والتقسيم قلت: السبر أصله الاختبار، ومنه السبار الذي يختبر به غور الجرح؛ ليقتص بمثله، وقولهم: بهذا الكلام يسبر العقل: أي يختبر.

стр. 3271

فالسبر- هاهنا- اختبار الوصف بالقوانين الشرعية عل يصلح للعلية أم لا؟. والتقسيم: هو قولنا: العلة إما كذا وكذا، ثم نقول: وكذا لا يصلح، فتعين الوصف الفلاني، فهذا الأخير هو السبر.

стр. 3272

ومقتضى هذا أن تكون العبارة عند الأصوليين: التقسيم والسبر، لأن التقسيم يقع أولا، والاختبار بعده، فتكون العبارة عن المتقدم متقدمة، وعن المتأخر متأخرة، لكن قدموا السبر في العبارة؛ لأنه أهم، وهو عادة العرب تقدم الأهم في [التعبير] على غيره، والتقسيم إنما هو وسيلة للاختبار، فأخر لذلك في عباراتهم. قوله: (لعله عرفه لكن ستره): قلنا: الظاهر من الديانة ومرتبة العلم اتباع الحق حيث كان، وإظهاره وتبليغه المكلف. قوله: (عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود): قلنا: إن ادعيتم نفي الدلالة القطعية فمسلم، أو الظنية فممنوع، لاسيما مع سعة العلم، وجودة الفطنة. قوله: (إذا حصل الظن وجب العمل به): قلنا: قد تقدم أن الشارع لم يعتبر من الظن إلا مراتب مخصوصة، فلم قلتم: إن هذه المرتبة منها؟ قوله: (وهذا الظن يفيد ظن عدم سائر الأوصاف): قلنا: هذا غير متجه؛ لأنا نتكلم في أوصاف موجودة في المحل قسمنا احتمال العلة إليها، ثم اخترت منها أنت وصفا معينا، فكيف يقال بنفي الأوصاف على العدم؟ بل اللائق أن يقول: الأصل بقاء عدم عليتها لا عدمها؛ فإن عليتها لم يتفق عليها، بخلاف ذواتها. سؤال: قال النقشواني: قوله: (الأصل بقاء غير هذا الوصف على العدم) يقتضي أن هذه الطريقة مفتقرة إلى للاستصحاب ، فيكون الاستصحاب أقوى من القياس، وهو خلاف الإجماع؛ لأن القياس يقدم على كل استصحاب.

стр. 3273

(جوابه) ما تقدم أن القياس وإن افتقر إلى الاستصحاب من هذا الوجه، لكن القياس أقوى منه من وجه آخر ، وهو أنه ناسخ للاستصحاب، والناسخ مقدم على المنسوخ. (سؤال) قال التبريزي: قوله: (لا يبين بالمناسبة؛ لئلا يحتاج إليها فيما يدعيه علة) لا يلزم ، بل يلزم أن يكون مناسبا من غير بيان المناسبة؛ لئلا يخلو الحكم عن الحكمة ضرورة [للحصر]، وعدم مناسبة الغير، نعم إذا اعتمد في نفي المناسبة عن الغير على عدم الاطلاع لزم الإشكال. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: إذا لم يكن التركيب مجمعا عليه، ينفى التركيب في العلة بأنه على خلاف الأصل ؛ لما فيه من إبطال استقلال كل واحد منهما، والتعليل بعلة قاصر، فإن لم يقدر على تقريره، فليعترض له ابتداء ثم يبطله. قلت: يريد أن يقول: ابتداء العلة إما هذا المفرد وحده، أو ذلك وحده، أو المركب من ذا [وذلك]، إلى أن يستوعب الاستدلال. (سؤال) قال إمام الحرمين في (البرهان): قال القاضي: السبر أقوى الطرق في إثبات العلة ، وهو مشكل جدا؛ فإن من أبطل معاني لا يلزم من إبطالها إثبات ما لم يتعرض له لإبطال؛ لاحتمال بطلانه أيضا؛ لأنه لا يمكن

стр. 3274

تعليل كل حكم، فيمكن أن يكون لذلك الحكم علة أخرى؛ لجواز تعليل الحكم بعلل، ولو قام الدليل على اعتبار معنى لا يتوقف اعتباره على إبطال غيره، فلا حاجة إلى السبر والتقسيم في إثبات العلل ألبتة. * * *

стр. 3275

الفصل الثامن (في الطرد) قال الرازي: والمراد منه: الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا، ولا مستلزما للمناسب، إذا كان الحكم حاصلا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، فهذا هو المراد من الاطراد والجريان، وهذا قول كثير من قدماء فقهائنا. ومنهم: من بالغ فقال: مهما رأينا الحكم حاصلا مع الوصف في صورة واحدة، حصل ظن العلية. احتجوا على التفسير الأول بوجهين: الأول: أن استقراء الشرع يدل على أن النادر في كل باب ملحق بالغالب، فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة بمحل النزاع مقارنا للحكم، ثم رأينا الوصف حاصلا في الفرع، وجب أن يستدل به على ثبوت الحكم؛ إلحاقا لتلك الصورة الواحدة بسائر الصور. الثاني: أنا إذا رأينا فرس القاضي واقفا على باب الأمير، غلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير؛ وما ذاك إلا لأن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في هذه الصورة المعينة. واحتج المخالف بأمرين: أحدهما: أن الاطراد عبارة عن كون الوصف بحيث لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم، وهذا لا يثبت إلا إذا ثبت أن الحكم حاصل معه في الفرع، فإذا أثبتم

стр. 3276

حصول الحكم في الفرع؛ يكون ذلك الوصف علة، وبينتم عليته؛ بكونه مطردا- لزم الدور؛ وهو باطل. وثانيهما: أن الحد مع المحدود، والجوهر مع العرض، وذات الله تعالى مع صفاته، حصلت المقارنة فيها، مع عدم العلية. والجواب عن الأول: أنا لا نستدل بالمصاحبة في كل الصور على العلية؛ حتى يلزم الدور، بل نستدل بالمصاحبة في كل صورة غير الفرع على العلية؛ وحينئذ: لا يلزم الجور. وعن الثاني: أن غاية كلامكم حصول الطرد في بعض الصور منفكا عن العلية، وهذا لا يقدح في دلالته على العلية ظاهرا، كما أن الغيم الرطب دليل المطر، ثم عدم نزول المطر في بعض الصور لا يقدح في كونه دليلا. وأيضا: المناسبة، والدوران، والتأثير، والإيماء قد ينفك كل واحد منها عن العلية، ولم يكن ذلك قدحا في كونها دليلا على العلية ظاهرا، فكذا هاهنا. وأما التفسير الثاني: وهو أضعف التفسيرين: فقد احتجوا عليه: بأنا إذا علمنا أن الحكم لابد له من علة، وعلمنا حصول هذا الوصف، وقدرنا خلو ذهننا عن سائر الأوصاف، فإن علمنا بأنه لابد للحكم من علة، مع علمنا بوجود هذا الوصف- يقتضيان اعتقاد كون هذا الحكم معللا بذلك الوصف؛ إذ لو لم يقتض ذلك، لكان ذلك: إما لأجل أنه لا يسند ذلك الحكم إلى شيء، أو لأجل أنه يسنده إلى شيء آخر، والأول محال؛ لأن اعتقاد أنه لابد من علة مناقض لعدم الإسناد. والثاني محال؛ لأن إسناد الذهن ذلك الحكم إلى غير ذلك الوصف مشروط

стр. 3277

بشعور الذهن بغير ذلك الوصف، وتحقق ذلك حال خلو الذهن عن الشعور بغير ذلك الوصف- محال. فثبت بهذا: أن مجرد ذينك العلمين يقتضيان ظن العلية؛ بلى عند الشعور بوصف آخر يزول ذلك الظن، ولكن الشعور بالغير كالمعارض لما يقتضي ذلك الظن، ونفي المعارض ليس على المستدل. حجة المنكرين من وجهين: الأول: أن تجويزه يفتح باب الهذيان، كقولهم في إزالة النجاسة: (مائع لا تبنى القنطرة على جنسه؛ فلا تجوز إزالة النجاسة به؛ كالدهن): وقال بعضهم في (مسألة اللمس): طويل مشقوق، فلا تنتقض الطهارة بلمسه؛ كالبوق. الثاني: أن تعين الوصف المعين للعلة، مع كونه مساويا لسائر الأوصاف قول في الدين لمجرد التشهي، فيكون باطلا؛ لقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ [مريم: ٥٩]. والجواب عن الأول: أن ذلك الكلام يدل على جهل قائله بصورة المسألة؛ لأنا نقول: مجرد المقارنة يفيد ظن العلية؛ ولكن بشرط ألا يخطر بالبال وصف آخر هو أولى بالرعاية منه، ولكن هذا الشرط ساقط عن المعلل؛ لأن نفي المعارض ليس من وظيفته؛ وفي هذين المثالين: إنما يبطل ذلك؛ لأن العلم الضروري حاصل بوجود وصف آخر هو أولى بالاعتبار من الوصف المذكور؛ لأنا متى علمنا كون الدهن لزجا غير مزيل للنجاسة، علمنا أن هذا الوصف أولى بالاعتبار من كونه بحيث لا تبنى القنطرة على جنسه.

стр. 3278

فإن قلت: فهل يكفي في القدح في مثل هذا التعليل خطور وصف آخر بالبال؟ قلنا: لا؛ لأن ذلك الوصف الآخر: إما أن يكون متعديا إلى الفرع، أو لا يكون: فإن كان متعديا إلى الفرع، فلم يضرنا؛ لأن غرضنا من العلة المعرف، وقيام معرف آخر لهذا الحكم لا يمنع من كون ما ذكرته معرفا له، وإن لم يكن متعديا إلى الفرع كان التعليل بالوصف الذي ذكرته أولى؛ لأنا أمرنا بالقياس في قوله تعالى: ﴿فاعبتروا﴾ [الحشر: ٢] والأمر بالقياس أمر بما هو من ضروراته، ومن ضرورات القياس تعليل حكم الأصل بعلة متعدية؛ فكان التعليل بما ذكرناه أولى من التعليل بما ذكره الخصم، اللهم إلا أن يذكر الخصم وصفا آخر، ويعديه إلى فرع غير الفرع الذي وقع الخلاف فيه؛ فهناك يجب على المعلل الاشتغال بالترجيح. وعن الثاني: أنا بينا أن مجرد المقارنة دليل العلية ظاهرا؛ فلم يكن القول به مجرد التشهي. الفصل الثامن في الطرد قال القرافي: قلت: تقدم الفرق بين الطرد والطردي: أن الطرد ثبوت الحكم في جميع صور العلة. والطردي عدم المناسبة. والطرد والاطراد بمعنى واحد. قال الغزالي: الطرد سلامة العلة عن النقض، وهو أعم أوصاف العلة

стр. 3279

وأضعفها في الدلالة على الصحة، فإن انضاف إليه مناسبة الوصف لعلة الحكم، وإن لم ينسبه إلى مناسبة الحكم سمي شبها. فالشبه: وصف يوهم حصول المصلحة، و [إن] لم يطلع على ذلك، كالتعليل بكونه لا يبنى على جنسه القنطرة؛ فإنه يوهم المناسب. قوله: (النادر في كل باب ملحق بالغالب): قلنا: على هذا الموطن سؤال قوي، وهو: أن غالب الكلام المجاز، حتى قال ابن جني: كلام العرب كله مجاز، ومع ذلك إذا جاءت لفظة دائرة بين الحقيقة والمجاز، فإنا نحملها على الحقيقة النادرة أو المعدومة. وكذلك الغالب على العمومات التخصيص، حتى قال ابن عباس: ما من عام إلا وقد خص، إلا قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [التغابن: ١١]. ومع ذلك إذا وردت صيغة العموم، حملناها على العموم، حتى يرد التخصيص، مع أن الغالب التخصيص. جوابه: أنه سؤال قوي، ولقد أوردته على أعيان الفضلاء فلم يجيبوا عنه، ووجهوا له سبب إهمال تحقيق قولنا: (الدائر بين النادر والغالب يحمل على الغالب) فإن لذلك شرطا، وهو أن يكون الدائر بينهما مساويا لحقيقتهما، من حيث وقعت الغلبة والندور. وتقريره بالمثال: أن الثياب الآتية من عند القصار، الغالب عليها الطهارة؛ كونها جاءت من عند القصار، لا لوصف آخر ألبتة، فلا جرم إذا ورد ثوب منها دار بين أن يكون طاهرا من جنس الغالب الطاهر، أو من النادر الذي طرأ عليه بول حيوان، ولم نعلم به، فنحمله على الغالب، ولو كنا إنما نقضي بطهارتها لا لكونها أتت من عند القصار، بل لأنا نغسلها بعد ذلك

стр. 3280

بالماء، لم نقض على الثواب المتردد بين الطهارة وعدمها بالطهارة لكونه جاء من عند القصار؛ لأن السبب الموجب للطهارة الذي هو الغسل لم يوجد، بل هذا الثوب الذي لم يغسل لم يوجد له جنس فيه طهارة على هذا التقدير، فلا غالب، ولا غيره يلحق به. كذلك- هاهنا- إنما قضينا بالمجاز في جميع الصور؛ لاقتران القرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز، ولم نقض في صورة بالمجاز ولا بتخصيص العموم بغير صارف، وهذه الصورة المترددة ليس فيها صارف؛ فلم تكن من جنس الغالب، فلا جرم لم نلحقها به. وإنما يتجه اللحوق أن لو كنا قضينا في تلك الصور بالمجاز والتخصيص؛ لمجرد اللفظ الموجود- هاهنا- من غير صارف، حتى تكون هذه الصور مساوية لذلك الغالب، بل هذه الصورة لم يوجد لها نظير ألبتة في كونها تحمل على المجاز من غير صارف، فضلا عن كون لها غالب، فهذا هو السر في الباب، وقد تقدم في تقريره أيضا. قوله: (المقارنة تفيد ظن العلية، بشرط ألا يخطر بالبال وصف آخر، ولكن هذا الشرط لا يلزم المعلل؛ لأن نفي المعارض ليس من وظيفته): قلنا: هذا الكلام حق، غير أن تسمية عدم المانع شرطا ولع به كثير من الفقهاء والفضلاء، وهو يفضي إلى الجمع بين النقيضين؛ لأن القاعدة أن الشك يمنع من ترتيب الحكم، والشك في المانع لا يمنع، فمتى حصل الشك في مانع على هذا التقدير، فقد حصل في عدمه- أيضا- وعدمه شرط، فيلزم ثبوت الحكم من جهة أنه شك في المانع، وعدم ثبوته؛ لأنه شك في الشرط الذي هو عدم المانع، وذلك محال، فيتعين ألا يكون عدم المانع شرطا، بل الشرط أمور أخر غير الموانع، فتأمل ذلك. (سؤال) على قوله: (إذا رأينا الوصف حاصلا في جميع الصور المغايرة للفرع

стр. 3281

غلب على الظن كونه علة)؛ فإنه قد تقدم أن مطلق الظن لا يفيد، وأن الشرع إنما اعتبر- من الظنون- مراتب مخصوصة؛ بدليل إلغاء الظن في شهادة الفسقة، والصبيان، والكفار، وغير ذلك من الظنون، فلم قلتم: إن هذا الظن المخصوص مما اعتبره الشرع؟ (سؤال) قال النقشواني: إن أراد أنه يلزم من المقارنة التأثير فممنوع ، حتى في المثال الذي ذكره، وإن أراد المعرف اندفعت النقوض التي ذكرها: من الجوهر مع العرض وغير ذلك؛ لحصول التعريف هنالك؛ إنه مهما حصل الشعور بأحد تلك الأمور، علم حصول الآخر. (تنبيه) قال سراج الدين على قوله: (لو لم يحصل ظن العلية لما أسند إلى علة، وهو باطل، أو أسند إلى غيره، وهو يقتضي الشعور بالغير). قال: لقائل أن يقول: الإسناد إلى الغير يقتضي الشعور به جملة ، والمقدر عدم الشعور به تفصيلا، بل دليله ما سبق مرارا. قلت: أما قوله: (الإسناد إلى الغير يقتضي الشعور به جملة) فممنوع، بل لابد في الإسناد إلى الوصف من الشعور بخصوصه، ولا يكفي الإجمال، وهو أن ثم وصفا ما. وأما قوله: (بل الدليل ما سبق مرارا) فيريد أن غير هذا الوصف كان معدوما، والأصل بقاؤه على العدم. وقال التبريزي: الذي يجب القطع به أن الطرد المحض ليس بحجة في نفسه- لا في نظرنا فحسب، كما صار إليه القاضي- لأمور:

стр. 3282

أحدها: أن الحكم إنما يثبت لحكمة، والعلة ما تضمنت تلك الحكمة، فإذا جزمنا بخلو الطردي عن الحكمة، لزم الجزم بأنه ليس بعلة ولا يرد عليه [الدورانات] والتجريبيات لأوجه: أحدها: أن المستفاد منها الملازمة بواسطة الكثرة البالغة، ولو وجد مثله في الطرد لم ينكر قبول الظن بالملازمة. الثاني: أن الجزم بانتفاء التأثير غير ممكن في التجريبيات. الثالث: أن لابد في الدوران والتجربة من التعين، والتعين في الطردي محال؛ لما سيأتي. الثاني: أن المناسب إذا اقترن به مثله امتنع التعليل به عينا إلا بأمر زائد، والطردي لا ينفك عن معارضة مثله، فإذا لم تعتبر إلا الملازمة فتكثر اللوازم؛ إذ ما من شيء إلا وتحف به آثاره ومؤثراته، وأجناسه ومميزاته، وعوارضه وأجزاء فصله، والذهن لا ينفك عن العلم، فأولى أن يمتنع التعليل بواحد منها عينا. الثالث: أنه لو صح الطرد لفسد سؤال الإلغاء؛ لأن أقصى مراتب الإلغاء أنه من جنس ما لم يلتفت إليه الشارع في جنس الأحكام. فإن صح هذا في الطردي، لم يزل عنه باطراده. وإن لم يصح بطل هذا القسم من الأوصاف. وهذا النوع من الإلغاء، وهو مقبول بالاتفاق. وأما قولهم: (المعهود إلحاق النادر بالغالب)، فالكلام عليه من وجوه: الأول: أن دعواه مطلقا باطلة؛ فإن بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، وسرقة حبة من حرز منيع، ونكاح المجوسية، والمرتدة، والخنثى المشكل- من النوادر، ولم يلحق بالغالب من أجناسها، وإن ادعى في البعض فلابد من تعينه بقصد فارق، وبيان أن محل النظر في معناه.

стр. 3283

الثاني: أنهم إن ادعوا ثبوت الحكم في تلك النوادر بلا علة، كان محالا مع أنه لا يفيد المطلوب؛ فإن المطلوب إثبات وصف العلية للطردي الجامع، وإسناد الحكم، وإن اعترفوا بثبوته بناء على علة، فليبحث عن عينها، فإن كانت هي وصف الجنس المشترك، كان ذلك طردا للحكم لاطراد علته، فلا يكون إلحاق النادر بالغالب. وإن كانت العلة هي كونه نادرا من الجنس، فلا ينتظم تعليل غير ذلك الحكم به؛ لثبوته في الجنس مع انتفاء وصف الندرة. وإن علل بها عموم كونه حكما للجنس لا خصوص ذلك الحكم، فلابد له من دليل. ولا يمكن إثباته بالاطراد؛ فإنه إثبات للشيء بنفسه. ثم هو غير مطرد على ما ذكرناه، بل الصور التي ألحق الشارع النادر فيها بالغالب من جنسها كالنادر بالإضافة إلى ما لم يلحق، وهو معارض بعسر تتبع الآحاد بالنظر لطلب الحكمة، مع اشتماله على وصف المظنة، والتعليل بالطرد خال عن ذلك. الثالث: أن فيما ذكروه اعترافا ببطلان التعليل بالوصف الطردي لوجهين: أحدهما: أن الطارد يعلل الحكم في جميع صور الجنس بالوصف الطردي، وليس ذلك من قبيل إلحاق نادر بغالب، بل ربما كانت صور الإلحاق أكثر من الملحق به، كإلحاق سائر الموزونات بالنقدين، وسائر المكيلات بالمنصوصات، وكل ما لا تبنى على جنسه القنطرة بالزيت. الثاني: هو أن إلحاق النادر بالغالب اعتراف بتعذر التعليل بالقدر المشترك؛ إذ لو صح لكان الإلحاق طردا للحكم وتوفيرا له لا سحبا لحكم غيره عليه. وأما الاستدلال بفرس القاضي، فليس من قبيل قياس الطرد، بل بقرائن

стр. 3284

الأحوال، وترجيح احتمال على احتمال، حتى لو لم نجده إلا مرة- أعني على الهيئة المخصوصة- لحصل الظن به، ولو رأى بعد ذلك ملازمة الفرس باقتران نعيق الغراب، أو نهيق الحمار، لم يتحرك بع الظن. هذا على التفسير الأول. وأما الثاني، ففي غاية الفساد، وما مثلهم فيما يفسقوه من الشبهة إلا كمن [أغلق] إحدى عينيه، ونظر بالأخرى في أنبوبة تحصر ضوء عينه على شخص واحد، ثم يقول: ما ثقب هذه اللؤلؤة إلا هذا الشخص؛ لاستحالة حصول الأثر من غير مؤثر، واستحالة إسناد الأثر إلى من لم يخطر بالبال، هذا مع عدم الإحاطة [بتمكن] المشاهد، والقطع بأن بحضرته خلقا لو فتح عينيه ونظر بهما لأدرك، ولا يخفى فساد هذا [التمثيل]. ثم الاعتراض عليه أن نقول: تعذر إسناد الذهن حكما إلى ما لا شعور له به، لا يوجب تعذر الإسناد إليه في نفسه، بل يوجب تعذر علمه بالإسناد، وهو مسلم، وعدم العلم إنما يكون حجة بعد البحث عن جميع المدارك بقدر الوسع ممن هو أهل، والأهل لو بحث عن غير ما عينه من الوصف الطردي لوجد غيره أعدادا، فلا يكون جهله عذرا. (فائدة) قال سيف الدين: إثبات العلة بالطرد والعكس اختلف القائلون بدلالته على علية الوصف . فقال بعض المعتزلة: يدل قطعا. وقال القاضي أبو بكر، وبعض الأصوليين، وأكثر أصحابنا: يدل ظنا.

стр. 3285

وأكثر أهل زماننا، والمحققون من أصحابنا، وغيرهم: أنه لا يدل مطلقا، وهو المختار. قال: ومثاله تعليل الخمر بالإسكار؛ بناء على وجوده مع التحريم، وعدمه عند عدمه. قال الغزالي: حاصل الاطراد سلامة العلية عن النقض، وسلامتها عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى تقدير السلامة عن كل مفسد لا تلزم العلية؛ لأن عدم المفسد لا يوجب الصحة، والعكس ليس شرطا في العلل الشرطية. قال: وحجة الغزالي ضعيفة؛ لاحتمال أن يكون مجموع الأمرين موجبا، وأن كل واحد منفردا غير موجب. قال إمام الحرمين في (البرهان): ذهب القاضي في أحد أقواله، وكل من يعزى إليه الجدل [إلى] أن الطرد والعكس أقوى ما تثبه به العلل. (تنبيه) مثار الخلاف في هذه المواطن ملاحظة أن ما [رده] الصحابة- ﵃[رددناه]، وما أعملوه أعملناه ، وما لم يتعرضوا له أعرضنا عنه، وقياس الشبة، والطرد، ونحو ذلك مما لم ينقل عنهم فيه عمل، فتتركه. أو نقول: الصحابة علم من سيرتهم اتباع المخاييل، فحيث وجدت مخيلة أو مظنة لارتباط الحكم، اعتبرناه، وهو رأي الإمام في (البرهان)، والأول رأي القاضي أبي بكر.

стр. 3286

الفصل التاسع (في تنقيح المناط) قال الرازي: قال الغزالي- ﵀: إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه قد يكون باستخراج الجامع، وقد يكون بإلغاء الفارق، وهو أن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وكذا، وذلك لا تأثير له في الحكم ألبتة، فيلزم اشتراك الفرع والأصل في ذلك الحكم، وهذا هو الذي يسميه أصحاب أبي حنيفة- ﵀ بالاستدلال، ويفرقون بينه وبين الناس. واعلم: أن هذا يمكن إيراده على وجهين: الأول: أن يقال: هذا الحكم لابد له من مؤثر، وذلك المؤثر: إما القدر المشترك بين الأصل والفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع: والثاني: باطل؛ لأن الفارق ملغى فثبت أن المشترك هو العلة فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحكم، فهذا طريق جيد، إلا أنه استخراج العلة بطريق السبر؛ لأنا قلنا: حكم الأصل لابد له من علة، وهي: إما جهة الاشتراك، أو جهة الامتياز، والثاني باطل؛ فتعين الأول. وجهة الاشتراك حاصلة في الفرع، فعلة الحكم حاصلة في الفرع؛ فيلزم تحقق الحكم في الفرع، فهذا هو طريقة السبر والتقسيم من غير تفاوت أصلا. وثانيهما: أن يقال: هذا الحكم لابد له من محل، ولا يمكن أن يكون ما به الامتياز جزءا من محل هذا الحكم، فالمحل هو القدر المشترك، فإذا كان ذلك المحل حاصلا في الفرع، وجب ثبوت الحكم فيه؛ مثل أن يقال: ما به امتاز

стр. 3287

الإفطار بالأكل عن الإفطار بالوقاع ملغى، فمحل الحكم هو المفطر، فأينما حصل المفطر، وجب حصول الحكم. وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كل مفطر؛ فإنه إذا صدق أن هذا الرجل طويل، صدق أن الرجل طويل؛ لأن الرجل جزء من هذا الرجل، ومتى حصل المركب، حصل المفرد، ثم لم يلزم من صدق قولنا: (الرجل طويل) قولنا: (كل رجل طويل)، فكذا هاهنا. الفصل التاسع في تنقيح المناط قال القرافي: قلت: قد تقدم الفرق بين تنقيح المناط، وتحقيق المناط، وتخريج المناط، والخلاف في الاصطلاح عليها. قوله: (هذه الطريقة ترجع للسبر والتقسيم): قلنا: بينهما فرق. إنكم- هاهنا- أشرتم إلى المشترك بما هو مشترك، ولم تعينوه باسم يخصه. وفي باب السبر نعين الأوصاف بأسماء تخصها، فنقول: العلة في الربا إما: الطعم، أو الكيل، أو الجنس، أو المال، والكل باطل إلا الطعم. غير أن هذه الطريقة وإن فارقت طريق السبر فهي مغايرة- أيضا- لتنقيح المناط؛ لأن طريق تنقيح المناط ليس فيها إلا إلغاء الفارق من غير تعرض لمشترك ألبتة، ولا لعلة، وهاهنا وقع التعرض لتلك العلة إجمالا. قوله: (هذا الحكم لابد له من محل): تقريره: أن المحل أعم من المؤثر؛ لأنا نريد به ما يناط له الحكم على الوجه

стр. 3288

الأعم، كان مؤثرا، أو معرفا، أو داعيا، أو غير ذلك، [وإضافة] الحكم له تصيره محلا له، فلذلك جعلهما طريقين: قوله: (لا يلزم من ثبوت الحكم في الفطر ثبوته في كل مفطر): تقريره: أن الأمور الكلية إذا ثبتت في محل، لا يلزم أن تثبت في كل محل، فلا يلزم من ثبوت الإنسان في بعض البقاع ثبوته في كل بقعة، ولا من ثبوت مفهوم وجوب الوجود في بعض أفراد الموجودات ثبوته في كل موجود، ونظائره لا تعد ولا تحصى. ويرد عليه أن الحكم إذا ثبت لمعنى كلي، ودل الدليل على أن ذلك المعنى الكلي علة، وجب ثبوت ذلك في جملة صور الكلي. أما إذا لم يدل الدليل على عليته اقتصرنا على فرد من ذلك الكلي. ومحل النزاع من القسم الأول، دون الثاني. (تنبيه) أما الحصر فقد يتوصل إليه بعدم الوجدان، ويجري في التعبدات بعد البحث التام ، ويجب أن يصدق فيه في المناظرات، أو ينبه على ما لم يطلع عليه؛ فإن القسم الثالث بين تكذيب، وكذب، وكتمان حرام، وشغب مذموم، وقد يحتج عليه باستصحاب العدم، ونفرض المسألة فيه، كما يقول المناظر: لا أفرض الكلام إلا فيما لم يفقد إلا الرؤية مثلا، فإذا هي الفارق

стр. 3289

ولا يتجه في مثله أن يقال: إذا فقدت الرؤية فقد طريق العلم بمالية المبيع، ومعرفة اشتماله على الصفات المطلوبة، فإذا ما انحصر الفارق في الرؤية- لأن هذه أمور منشؤها الرؤية- فهي وجود اعتبارها لا معارضاتها وقسيماتها، فقسيم الشيء ما يجاوره لا ما يتضمنه، ومعاني الشيء وصفاته لا تقاسم الشيء. نعم في مقام الأثر لو اعتمد على نفي المناسبة بالنظر إلى ذاتها، من حيث إنها عبارة عن إحاطة، أشعر الناظر بظاهر سطح الجسم، فهو من باب إيصال جسم بجسم، أو تعلق معنى بعرض، فيقال: إنه ليس من شرط المناسبة أن تنبعث من ذات الشيء، [وتنشأ منه، بل يكفي أن تكون بحيث تلزم منه]، والرؤية كذلك، ومورد تلك المعاني في معرض التنبيه على وجه اعتبار الرؤية، وقد يدل على الحصر بلزوم ثبوت الحكم على تقدير انتفائه، إما بالإجماع، أو القياس، كما نقول في وطء الثيب، ومسألة تفريق الصفقة، والدليل على حصر الفارق في الوطء، وضرر التشقيص: إنه لولاهما للزم جواز الرد؛ لتضمنه دفع ضرر العيب القديم على المشتري من غير إلحاق ضرر أجنبي بالبائع، كما في غيرهما من الصور. وأما نفي أثره، فله طرق أربعة: أحدها: بيان أنه من جنس ما عهد عدم الالتفات إليه من الشارع في جنس الأحكام؛ كطول الشخص وقصره، وسواده وبياضه، وخصوص الأزمنة والأمكنة. الثاني: بيان عدم اعتباره في جنس ذلك الحكم كالذكورة والأنوثة في سراية العتق وصحة البيع، وجواز الرجوع إلى عين المبيع بفلس المشتري.

стр. 3290

الثالث: بيان عدم اعتباره في غير ذلك الحكم بإظهار ثبوته بدونه في بعض الصور، فيدل على استقلال ما عداه، أو ثبوته مع وجوده، إن كان من قبيل المانع، وهو الإلغاء. الرابع: بيان عدم المناسبة. ويتوجه على طريقة الإلغاء سؤال، وهو أن يقال: تسليم حصر المانع فيه يوجب نفي المانعية عما عدله، ولا يوجب ثبوت وصف المانعية بما هو هو، فيجوز أن يكون مانعا بوصفه الأخص، فلا يلزم إلغاؤه من إلغاء وصفه الأعم، مثاله: إذا صح للشافعي حصر الفارق في مسألة المديون، فليس له إلغاؤه بدين الصداق، وديون الكفارات؛ فإن للحنفي أن يقول: أنا وإن سلمت أن المانع ليس أمرا وراء الدين، لكن لم أسلم أن الدين بمطلقه هو المانع، بل دين الآدميين بوصف خاص، وهذا لا وجود له في صورة الإلغاء. * * *

стр. 3291

الفصل العاشر (في الطرق الفاسدة) وهو طريقان قال الرازي: الأول: قال بعضهم: الدليل على أن هذا الوصف علة- عجز الخصم عن إفساده، وهو ضعيف؛ لأنه ليس جعل العجز عن الإفساد دليلا على الصحة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلا على الفساد، بل هذا أولى؛ لأنا لو أثبتنا كل ما لا نعرف دليلا على فساده، لزمنا إثبات ما لا نهاية له؛ وهو باطل. أما لو لم نثبت كل ما لا نعرف دليلا على صحته، لزمنا ألا نثبت ما لا نهاية له، وهو حق. الثاني: قال بعضهم: هذا الذي ذكرته عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع؛ فوجب دخوله تحت قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] وربما قيل: هذا تسوية بين الأصل والفرع؛ فيكون مأمورا به؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠] وهذا ضعيف أيضا؛ لأن أقصى ما في الباب عموم اللفظ في هاتين الآيتين، وتخصيص العموم بالإجماع جائز. وأجمع السلف على أنه لابد من دلالة ما على تعين الوصف للعلية، وللمخالف أن ينكر هذا الإجماع. الفصل العاشر في باقي الطرق الفاسدة قال القرافي: قلت: هذه الفهرسة تقتضي أن يكون قد تقدم له طرق

стр. 3292

فاسدة، وهذه بقيتها، وليس كذلك؛ فإن باقي الشيء يدل على تقدم بعضه، ولا يمكن جعل الفاسدة نعتا للذي في هذا الباب خاصة؛ لأن على هذا التقدير تكون الفاسدة نعتا للمضاف الذي هو (باقي) للمضاف إليه الذي هو (الطرق)، وعلى هذا التقدير يتعين حذف تاء التأنيث، ونقول: (الفاسد) نعتا (لباقي) لأنه مذكر، وجميع النسخ التي رأيتها بتاء التأنيث. وقال تاج الدين في (الحاصل): العبارة الحسنة: (العاشر في الطرق الفاسدة)، ولم يذكر الباقي. وقال سراج الدين: (خاتمة): أبعد من قال كذا. وسكت (المنتخب)، والتبريزي عن الفصل بالكلية. * * *

стр. 3293

الباب الثاني قال الرازي: في الطرق الدالة على أن الوصف لا يكون علة، وهي خمسة: النقض، وعدم التأثير، والقلب، والقول بالموجب، والفرق. الفصل الأول (في النقض) وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجود الوصف مع عدم الحكم يقدح في كونه علة وزعم الأكثرون أن علية الوصف، إذا ثبتت بالنص لم يقدح التخصيص في عليته. وزعم آخرون أن علية الوصف، وإن ثبتت بالمناسبة، أو الدوران؛ لكن إذا كان تخلف الحكم عنه لمانع، لم يقدح في عليته، أما إذا كان التخلف لا لمانع فالأكثرون على أنه يقدح في العلية، ومنهم من قال: لا يقدح أيضا. لنا وجوه: الأول: أن اقتضاء العلة للحكم: إما أن يعتبر فيه انتفاء المعارض، أو لا يعتبر، فإن اعتبر، لم يكن علة إلا عند انتفاء المعارض؛ وهذا يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس تمام العلة، بل بعضها، وإن لم يعتبر، فسواء حصل المعارض، أو لم يحصل، كان الحكم حاصلا، وذلك يقدح في كون المعارض معارضا، فإن قيل: لم لا يجوز أن يتوقف الاقتضاء على انتفاء المعارض؟ قوله: (هذا يدل على أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ما كان تمام العلة؛ بل جزءا منها):

стр. 3294

قلنا: لا نسلم؛ ولم لا يجوز أن يكون هذا العدم شرطا لتأثير العلة في الحكم؟!. تقريره: العلة: إما أن تفسر بالداعي، أو المؤثر، أو المعرف: أما المؤثر: فإما أن يكون قادرا، أو موجبا: أما القادر: فيجوز أن يتوقف صحة تأثيره على انتفاء المعارض؛ لأمور: الأول: أن الفعل في الأزل محال؛ لأن الفعل ما له أول؛ والأزل ما لا أول له، والجمع بينهما محال. فإذن: تتوقف صحة تأثير قدرة الله تعالى في الفعل على نفي الأزل، فالقيد العدمي لا يجوز أن يكون جزءا من المؤثرات الحقيقية، فهو إذن شرط صحة التأثير. وثانيهما: أن إشالة القادر الثقيل إلى فوق يقتضي الصعود إلى فوق؛ بشرط ألا يجره قادر آخر إلى أسفل، فالقيد العدمي لا يكون جزءا من المؤثر الحقيقي. وثالثهما: أن القادر لا يصح منه خلق السواد في المحل إلا بشرط عدم البياض فيه، والعدم لا يكون جزءا من المؤثر الحقيقي. أما الواجب: فهو أن الثقل يوجب الهوى؛ بشرط عدم المانع، وسلامة الحاسة توجب الإدراك؛ بشرط عدم الحجاب. وأما الداعي: فمن أعطى إنسانا لفقره، فجاء آخر، فقال: لا أعطيه؛ لأنه يهودي؛ فعدم كون الأول يهوديا لم يكن جزءا من المقتضى في إعطاء الأول؛ لأنه حين أعطى الفقير الأول، لم تكن اليهودية خاطرة بباله؛ فضلا عن عدمها،

стр. 3295

وما لا يكون خاطرا بالبال، لم يكن جزءا من الداعي؛ فعلمنا أن عدم كون الأول يهوديا، لم يكن جزءا من المقتضى. أما المعرف: فالعام المخصوص دليل على الحكم، وعدم المخصص ليس جزءا من المعرف، وإلا كان يجب ذكره عند الاستدلال؛ فثبت بما ذكرنا أن عدم المعارض، وإن كان معتبرا، لكنه ليس جزءا من العلة. سلمنا كونه جزءا، ولكن يرجع الخلاف في المسألة إلي بحث لفظي لا فائدة فيه؛ لأن من جوز تخصيص العلة، ومن لم يجوزه، اتفقوا على أن اقتضاء العلة للحكم لابد فيه من ذلك العدم، وأنتم أيضا سلمتم أن المعلل، لو ذكر ذلك القيد في ابتداء التعليل، لاستقامت العلة؛ فلم يبق الخلاف إلا في أن ذلك القيد العلمي، هل يسمى جزء العلة أم لا؟. ومعلوم أن ذلك مما لا فائدة فيه. والجواب: قد بينا أنه لو توقف اقتضاء العلة للحكم على انتفاء المعارض، لم يكن الحاصل عند وجود المعارض تمام العلة، بل جزءها. قوله: (لو كان كذلك، لزم جعل القيد العلمي جزءا من علة الوجود): قلنا: إن فسرنا العلة بالموجب أو الداعي، امتنع جعل القيد العدمي جزءا من علة الوجود؛ فحينئذ: لا نقول: إن عدم المعارض جزء العلة، بل نقول: إنه يدل على أنه حدث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجودا قبل؛ وحينئذ: صار ذلك المجموع علة تامة، فلم يلزم من قولنا: (العلة التامة؛ إنما وجدت حال عدم المعارض) أن يجعل عدم المعارض جزءا من العلة.
следующие страницы →