← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

والدليل قد يكون مجملا، وقد يكون منفصلا، نفيا أو إثباتا، فهي أربعة أقسام: ونعني بالمجمل المطلق، كقولنا: يجب القصاص بالمثقل، ويصح بيع الغائب، ويقتل المسلم الذمي. والإثبات المجمل لا يناقضه النفي المفصل، [والمفصل من النفي أو الإثبات لا يناقضه المفصل] من الطرف الآخر. قلت: تفسيره المجمل بالمطلق غير مطابق أيضا؛ لأن المجمل ما فيه لبس، وما ذكره لا لبس فيه، بل هذه كلها مفصلات، فغير عبارته، وما سلم من سؤال. وقال سراج الدين: إثبات الحكم إن كان في صورة معينة، فهو المفصل، وإلا فالمجمل. ونفى الحكم عن كل صورة نفي مجمل، أو عن بعضها مفصل. وأنت تعرف أي الأربعة تناقض أيها. قلت: وقوله هذا قصد به موافقة المصنف في عبارته غير موفية؛ لأن قوله: (إثبات الحكم في صورة معينة) هو المفصل، وإلا فالمجمل: فيه تلفيف وإجمال؛ لأنه يريد بالمجمل صورة ما كيف كانت كما قاله (المحصول)، وعبارته يندرج تحتها الثبوت في كل صورة، والثبوت في صورة غير معينة، فأطلق في موضع التفصيل. وقوله: (وأنت تعلم أي هذه الأربعة تناقض أيها) - يريد ما تقرر غير مرة أن القضايا أربعة: موجبة كلية. وسالبة كلية.

стр. 3327

وموجبة جزئية. وسالبة جزئية، وأن الإيجاب الكلي العام لا يناقضه إلا السلب الجزئي. والسلب العام لا يناقضه إلا الإيجاب الجزئي. ولا تناقض بين كليتين، وإن حصل التضاد. ولا بين جزئيتين؛ لإمكان الاجتماع، كقولنا: بعض العدد فرد، وبعضه ليس بفرد؛ لأن النقيضين هما اللذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فكل شيئين [اجتمعا، أو ارتفعا]، فليسا نقيضين. وتاج الدين عبارته منطبقة على عبارة (المحصول). وسكت (المنتخب) عنه بالكلية، أعني هذه الأقسام الأربعة. (فائدة) قال سيف الدين: اختلفوا في النقض المكسور ، وهو النقض على بعض أوصاف العلة، كقولنا في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلا يصح بعده كما لو قال: (بعتك عبدا) فينتقض بما لو تزوج امرأة ولم يرها؛ فإنها مجهولة، وإبطال التعليل ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا لجملة العلة، إلا أن يبين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقض، لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، [فإن] بقى المستدل على التعليل بمجموع الوصفين، فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض. وإن ترك كلامه على التعليل بالوصف المنقوض، فقد بطل التعليل بالنقض؛ لكونه واردا على كل العلة.

стр. 3328

(فائدة) قال أبو يعلى الحنبلي في (العمدة): إذا وقع النقض بتفسير علته بما يدفع النقض بتفسير مطابق للفظ العلة قبل منه ، أو مخالفا للفظ علته لم يقبل. فالمطابق: كقوله: متولد بين أصلين؛ فلا تجب فيه الزكاة، كما إذا كانت الأمهات من الظباء، فينتقض بالمتولد بين المعلوفة والسائمة. فيقول: أردت لا زكاة فيها بحال، (والمعلوفة) الزكاة فيها بحال. وغير المطابق كقوله: مكيل، فيحرم التفاضل كالبر، فينتقض بالجنسين. ويقول: أردت إذا [كانت] جنسا واحدا. وإذا كانت العلة للجواز فلا تنتقض بأعيان المسائل، كقوله: حر مسلم؛ فيجوز وجوب الزكاة في ماله كالبالغ، فينتقض [بالعبيد]، وما دون النصاب فلا يرد؛ فإن الجواز لا يستلزم الوقوع في جميع الصور. وإذا نقضت علته فقال: قصدت التسوية بين الأصل والفرع، جاز. وقال الحنفية- خلافا للشافعية- كقولنا في المسح على العمامة: عضو سقط في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، فينتقض بالرأس في الغسل في الجنابة، فيقول: قصدت التسوية بين الرأس والقدمين؛ فإنهما كذلك في الغسل. ولا يجوز النقض بأصل نفسه، وجوزه القاضي أبو بكر بن الباقلاني، قال: لنا أن أصل الإنسان لا يكون حجة على غيره. * * *

стр. 3329

المسألة الثالثة قال الرازي: وهي مشتملة على فرعين من فروع تخصيص العلة: الفرع الأول: إذا تخلف الحكم عن العلة، لا لمانع، فهل يقدح ذلك في صحة العلة أم لا؟. قال قوم: لا يقدح؛ لأنا لم ندع في مثل هذه العلة كونها مستلزمة للحكم قطعا، بل ادعينا كونها مستلزمة للحكم ظاهرا، فتخلف الحكم عنها في بعض الصور لا يقدح في كونها مستلزمة له غالبا؛ فوجب ألا يكون مفسدا للعلة، والحق أنه مفسد للعلة؛ لأن ذات العلة: إما أن تكون مستلزمة للحكم، أو لا تكون: فإن كانت مستلزمة له، وجب كونها كذلك أبدا، ولو كانت كذلك أبدا، لما زال هذا الحكم إلا لمزيل؛ وذلك المزيل هو المانع؛ فحيث زالت تلك المستلزمية، لا لمزيل، علمنا أن تلك الذات غير موصوفة بتلك المستلزمية؛ فوجب ألا تكون علة. الفرع الثاني: المتمسك بالعلة المخصوصة، هل يجب عليه في ابتداء الدليل ذكر نفي المانع، أم لا؟ أما الذين قالوا: لا يجب ذكره في الابتداء قالوا: لأن المستدل مطالب بذكر ما يكون موجبا للحكم، ومؤثرا فيه، والموجب لذلك الحكم هو ذلك الوصف، وأما نفي المانع، فليس له دخل في التأثير، وإذا كان كذلك، لم يجب ذكره في الابتداء.

стр. 3330

والذين قالوا: (يجب): احتجوا بأن المستدل مطالب بذكر ما يكون معرفا للحكم، والمعرف للحكم ليس تلك الأمارة فقط، بل تلك الأمارة، مع عدم المخصص؛ وإذا كان كذلك، وجب ذكرهما معا، فمقتضى هذا الدليل بيان نفي كل الموانع ابتداء، إلا أن إيجاب ذلك يفضي إلى العسر والمشقة، أما إيجاب نفي الموانع المتفق عليها، فلا يفضي إلى ذلك؛ فوجب أن يجب ذكره. المسألة الثالثة (فيها فرعان) قال القرافي: قوله: (تخلف الحكم في بعض الصور لا يقدح في كونها مستلزمة له غالبا): قلنا: بل يقدح، وما يعتمد عليه من أن القطر يتأخر عن السحاب في بعض الصور، ولا يقد ذلك فيه، وكذلك الإرواء عن الماء، والشبع عن الطعام، فلا مستند فيه؛ لأن التخلف في تلك الصور كلها لابد فيه من مرجح مناسب للتخلف، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، ونحن نتكلم في هذه المسألة على تقدير عدم المعاني الكلية، فلا يتجه إلا ما قاله الإمام- بعد هذا- أنه يدل على عدم الاستلزام بالكلية، غير أن المصنف ذكر دليلا مستقلا، ولم يبد وجه الطعن في حجة الخصم، وهذا وجه الطعن فيها. * * *

стр. 3331

المسألة الرابعة قال الرازي: في أن النقض: إذا كان واردا على سبيل الاستثناء، هل يقدح في العلة أم لا ؟. قال قوم: إنه لا يقدح، سواء كانت العلة معلومة، أو مظنونة: أما المعلومة: فلأنا نعلم أن من لم يقدم على جناية لا يؤاخذ بضمانها، ثم هذا لا ينتقض بضرب الدية على العاقلة، وأما المظنونة: فكالتعليل بالطعم؛ فإنه لا ينتقض بمسألة العرايا؛ فإنها وردت على سبيل الاستثناء رخصة. واعلم أنا إنما نعلم ورود النقض على سبيل الاستثناء، إذا كان لازما على جميع المذاهب؛ مثل مسألة العرايا؛ فإنها لازمة على جميع العلل؛ كالقوت، والكيل، والمال، والطعم. وإنما قلنا: (إن الوارد مورد الاستثناء لا يقدح في العلة) لأن الإجماع لما انعقد على أن حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد هذه الأمور الأربعة، ومسألة العرايا واردة عليها أربعتها، فكانت هذه المسألة واردة على علة قطعنا بصحتها؛ والنقض لا يقدح في مثل هذه العلة، وأما أنه، هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ، فقد اختلفوا فيه، والأولى الاحتراز منه. المسألة الرابعة النقض الوارد على سبيل الاستثناء قال القرافي: قوله: (نعلم أن من لم يقدم على الجناية لا يؤاخذ بضمانها، فلا ينتقض بضرب الدية على العاقلة):

стр. 3332

قلنا: هذا على التحقيق ليس نقضا بل عكس، والعكس غير وارد؛ لأن علل الشرع يخلف بعضها بعضا، فإبداء الحكم مع عدم العلة لا يرد، وهذا كذلك؛ لأن الجناية سبب الضمان توجب الضمان بدون الجناية، والعلة- هاهنا- الرفق بالجاني، وضبطا للدية؛ لأنها بكثرتها تجحف بالجاني، وهو لم يعص الله- تعالى- لأنه مخطئ، والمخطئ غير عاص، فإن أخذت منه أجحفت به، وإن عجز عنها ضاعت الدية بالإعسار، فهذه علة أخرى غير الجناية، وليست من باب النص، بل من باب العكس. * * *

стр. 3333

المسألة الخامسة الكسر نقض يرد على المعنى، دون اللفظ؛ كما إذا قال في وجوب صلاة الخوف: (صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن) فيظن المعترض أنه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم، وأن المؤثر هو وجوب القضاء، فينقضه بصوم الحائض؛ فإنه يجب قضاؤه، ولا يجب أداؤه. واعلم أن المعترض ما لم يبين إلغاء القيد الذي به وقع الاحتراز عن النقض- لا يمكنه إيراد النقض على الباقي، فيكون ذلك في الحقيقة قدحا في تمام العلة؛ لعدم التأثير في جزئها بالنقض. المسألة الخامسة في الكسر قال القرافي: قال التبريزي: مثاله: تعليل الرخص في السفر من حيث إنه مشقة، فننقضه بمشقة المريض، والحمال. والصحيح [أنه] غير لازم؛ فإن العلة هي الوصف لا ذلك المعنى، ولو علل بذلك المعنى أو جعل علة لعلية الوصف، فهو بخصوص ذلك المعنى المضبوط بالوصف قدرا وجنسا، فكيف ينقض بغيره؟ وإنما يطلق عند ذكر رابطة التعليل؛ لاستقلال الجنس بإفادة أصل المناسبة. قال سيف الدين: الكسر تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة، وهي الحكمة المقصودة من الحكم، واختلفوا هل تبطل العلة أم لا؟.

стр. 3334

مثال: العاصي بسفره مسافر، فيترخص كغير العاصي في سفره؛ لأن السفر مشقة مناسبة للترخص، فينقضه السائل بالحمال، وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر. والأكثرون على أنه غير مبطل للعلة؛ لأن هذه حكمة غير منضبطة أقام الشرع مظنتها مقامها، فيمتنع التعليل بها دون ضابطها، فلا يرد النقض عليها؛ لأنها في نفسها ليست علة. قال: فإن قيل: المقصود من شرع الأحكام إنما هو الحكمة دون ضابطها، فيحتمل أن تكون في صورة النقض مساويا لصورة التعليل أو زائدة، فيثبت الحكم في صورة النقض، أو أنقض، فلا يلزم الثبوت، غير أن وقوع تقديرين أغلب على الظن من وقوع تقدير واحد. قلنا: الحكمة وإن كانت هي المقصودة من الأحكام، لكن على وجه تكون منضبطة، وغير المنضبط لا يعتبره الشارع؛ نفيا [للحرج] عن الخلق. قال: فإن قيل: إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا، فما المختار فيه؟ قال: قلنا: ذلك مما يمتنع وقوعه، وبتقدير وقوعه، قال بعض أصحابنا: لا يلتفت إليه؛ لأن معرفتها في آحاد الصور حرج، فأسقط الشرع اعتبارها نظرا لجنسها، ويعتمد على الضوابط الكلية. قال: ولقائل أن يقول: ذلك وإن كان حرجا، غير أن المقصود الأصلي هو الحكمة، فإذا لم يثبت حكمها، فحيث قطعنا بوجودها، ولم نقل بالتعليل بها لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع كما امتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها مع تيقنها، يلزم إثبات الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا.

стр. 3335

ومعلوم أن محذور إثبات حكم الحكمة الملغاة، أو نفي الحكم مع وجود حكمته يقينا، أعظم من محذور البحث عن الحكمة في آحاد الصور. (فائدة) سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: اتفقوا على أنه إذا قطع بانتفاء الحكمة لا يثبت الحكم . وأشكل بهذا قول علي: (إذا سكر هذي وإذا هذي افترى)، فيقيم الحد على من يقطع بأنه لم يقذف، فهو إثبات الحكم حيث قطعنا بانتفاء الحكمة، وكان يستشكل هذا الأثر لهذه القاعدة. وكلام سيف الدين- هاهنا- يشعر بالاتفاق على نفي الحكم عند القطع بعدم الحكمة. ورأيت الغزالي في (شفاء الغليل) قال- بعد ذكره لهذا المثال-: إن قلت: ليس كل من سكر يقذف، فإيجاب حد جريمة على من لم يجرم غريب، لا يشهد له نظير. قال: قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم امتنعوا أولا أن يعاقبوه عقوبة لم تعهد، ولو كان الأمر كما قلتم لما افتقروا إلى الشبه بحد مشروع، ثم لم يوجبوا حد جريمة على من لم يجرمها، وطلبوا مناسبة بين جريمتين، وقد عهدوا في الشرع إقامة المظان مقام المظنون المقصود في إفادة الحكم، كما أقيم النوم مقام خروج الحدث، وإن لم يخرج الحدث، ومغيب الحشفة مقام الإنزال وإن لم يوجد، والبلوغ مقام العقل، وإن لم يتزيد عنده عقلي، ونظير الأثر الوارد في الشرب قولنا: من غيب الحشفة أنزل، ومن أنزل اغتسل. * * *

стр. 3336

الفصل الثاني (في عدم التأثير) وهو عبارة عما إذا كان الحكم يبقى بدون ما فرض علة له، وأما العكس، فهو أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى؛ لعلة تخالف العلة الأولى، إذا عرفت هذا، فنقول: الدليل على أن عدم التأثير يقدح في كون الوصف علة: هو أن الحكم، لما بقي بعد عدمه، وكان موجودا قبل وجوده، علمنا استغناءه عنه، والمستغني عن الشيء لا يكون معللا به. واعلم أن هذا حق، إذا فسرنا العلة بالمؤثر، أما إذا فسرناها بالمعرف فلا؛ لجواز أن كون الحادث معرفا لوجود ما كان موجودا قبله، ويبقى موجودا بعده؛ كالعالم مع الباري تعالى. وأما أن العكس غير واجب في العلل، فهو قولنا وقول المعتزلة، وأما أصحابنا، فإنهم أوجبوا العكس في العلل العقلية، وما أوجبوا في العلل الشرعية، والدليل على عدم وجوبه في العلل العقلية: أن المختلفين يشتركان في كون كل واحد منهما مخالفا للآخر، وتلك المخالفة من لوازم ماهيتهما، واشتراك اللوازم مع اختلاف الملزومات يدل على قولنا. والذي يدل على جواز ذلك في العلل الشرعية: أنا سنقيم الدلالة على جواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة في الشرعيات، وذلك يوجب القطع بأن العكس غير معتبر.

стр. 3337

الفصل الثاني في عدم التأثير قال القرافي: قوله: (هو بقاء الحكم بدون ما فرض علة له):

стр. 3338

تقريره: أنه يريد في الصورة الواحدة، ولهذا أشار في العكس أنه يكون باعتبار صورتين. مثاله: عدم التأثير: إذا عللنا تحريم الخمر بغليانه في إنائه، ثم طال الزمان، وسكن الغليان، وبقى الإسكار، فإن التحريم ثابت مع انتفاء الغليان، فدل ذلك على أنه ليس بعلة له. قوله: (لما بقى الحكم بعده، وكان موجودا قبله، علمنا استغناءه عنه): قلنا: هذه زيادة في عدم التأثير مالها ضرورة، وهو موجود الحكم قبل الوصف وبعده، بل يكفي [تقريره] في تلك الصورة بدون ذلك الوصف سابقا أو لاحقا، فيدل ذلك على عدم اعتباره، أما مجموع الأمرين، فلا حاجة إليه. (فائدة) قال الإمام في (البرهان): قال الجدليون: عدم التأثير في الوصف، وعدم التأثير في الأصل .

стр. 3339

فالأول: قول في العكس. والثاني: ذكر صفة في الأصل لا تستقل علة، وعلة الأصل تستقل دونها. قال: وأرى أن القسمين ينشآن من الأصل، فإن فرض حكم الأصل معللا بعلل، فالعلة الواحدة لا يتضمن انتفاؤها انتفاء الحكم، وهذا منشؤه من تعدد [العلة] في الأصل، فإذا اتحدت العلة لزم العكس. قوله: (الاشتراك في اللوازم مع اختلاف الملزومات يدل على أن العكس في العلل العقلية غير لازم): فلنا: أما اختلاف المختلفات، وتضاد المتضادات، وغير ذلك، فلا حجة فيه؛ لأنا نمنع التعليل في هذه الصورة، بل هذه اللوازم عندنا لازمة لذاتها غير معللة، كما نقول: الزوجية لازمة لوصف العشرة، والأربعة لذاتها غير معللة، وإذا انتفى التعليل بطل مقصودكم، وقد اشتهر في كلام القدماء: أن اللوازم معلولات. وشبهتهم في ذلك أن الملزوم يقتضي وجوده وجود اللازم، كما أن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، وإذا كان الوجود يقتضي الموجود، كان الوجود المقتضى علة؛ لأنا لا نعني بالعلة إلا ذلك. ووافقهم الإمام على ذلك. والجواب: أن العلم بوجود الملزوم، يلزم منه العلم بوجود اللازم، كما أن العلم بالمشروط يلزم منه العلم بوجود الشرط من غير تعليل ألبتة، بل هي ملازمات بين علوم في العقول، إما لذواتها، وإما لأسباب خارجية، من غير تعليل بينها، كما أن متى علمنا وجود العرض، علمنا أن هناك جوهرا متحيزا، وليس العرض علة للجوهر بالاتفاق، وكذلك العلم [بالعالم] يوجب العلم بالصانع، مع أن الصانع واجب الوجود، شديد البعد من التعليل، والصفة لا تكون علة لصانعها، وكذلك العلم بالمعلول، يلزم منه العلم بعلته؛ والمعلول لا يكون علة، وإلا لزم الدور.

стр. 3340

سلمنا: أن ما استلزم وجوده وجود غيره يكون علة له، لكن لا نسلم أن المخالفة، والمماثلة ونحوها، يصلح أن يكون معلولة؛ لأنها من باب النسب والإضافات، والنسب والإضافات موجودة في الأذهان دون الأعيان، وما لا يكون موجودا في الخارج، امتنع كونه معلولا في الخارج، لاسيما والمعلول يكون لازما لذات العلة، فما ليس مع ذاتها، لا يكون معلولا لها. (سؤال) قال النقشواني: ما ذكره في العلل الشرعية لا يرد على من يعلل بنفس الحكمة ؛ لأنه يمنع ثبوت الحكم بدونها، واختلاف الأوصاف لا يضر؛ لأنها مقاربة للحكمة، والمقارب قد يفارق مع بقاء أصل الحكمة، والحكمة الواحدة بالنوع جاز أن يكون لها ضوابط مختلفة، ومن يعلل بالوصف يرد عليه ذلك. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: العكس إنما يلزم عند اتحاد العلة، وقد أجمعوا على جواز تعددها في الشرع ، وأما في العقل، فقد أنكره معظمهم، وجوزه الأقل، واختاره المصنف. واستدل بالمختلفات ونحوها، وليس هو من قبيل العلل والمعلولات؛ فإن الاختلاف اشتمال أحدهما على ما لم يشتمل عليه الآخر من أحد الجانبين، أو من كلا الجانبين، وهو جزء الجملة، فلو جعلنا الماهية علة للاختلاف، لزم أن يكون الشيء علة لجزء ماهية نفسه، ويدل عليه أن الاختلاف لو كان معنى زائدا على ماهيتها، لكان قائما بنفسه، أو بهما، أو بأحدهما، أو بثالث، [و] الأول باطل؛ فإن المعنى لا يقوم بنفسه، وكذلك الرابع؛ فإن

стр. 3341

اختلافهما باختلاف قائم بغيرهما ليس [بأولى] من اختلاف غيرهما به، ومحال [أن يقوم] بأحدهما؛ فإن الاختلاف يعمهما، ومحال أن يخالف الشيء غيره باختلاف قائم بغيره؛ ولأنه ليس تقدير قيام الاختلاف بأحدهما بأولى من تقدير قيامه بالآخر، ومحال أن يقوم بهما، لكنه إما أن يقوم بهما لاختلاف واحد، وفيه قيام معنى واحد بمحلين، ثم إن تعليل كل اختلاف بالماهية التي قام لها، أو كلاهما بكل واحدة من الماهيتين، أو بمجموعهما. والأول: تعليل بحكمين مختلفين. والثاني: اجتماع مؤثرين على كل واحد من الأثرين. والثالث: قيام بجزء العلة، لا بمحل قيام الحكم. وإن كانا متماثلين كان التماثل- أيضا- أمرا زائدا، وتسلسل. ثم إن علل كل واحد [بماهيته] لزم تحققه مع تقدير عدم الخلاف الآخر، وهو محال؛ فإن الاختلاف أمر إضافي لا يعقل مع فرض انتفاء المضاف إليه، وإن علل بهما فقد علل بما لم يقم بمحل قيامه، وهو أيضا محال. ثم ما ذكره يبطل بالعام والخاص؛ فإنهما مختلفان، وماهية أحدهما جزء ماهية الآخر، ولو كانت الماهية علة الاختلاف، لكان الخاص مخالفا لنفسه، لاشتماله على ماهية العام. (فائدة) قال سيف الدين: العكس لغة: رد أول الأمر إلى آخره، وآخره إلى أوله ، من تعاكس البعير بخطامه إلى ذراعه. وفي اصطلاح الحكماء: جعل اللازم ملزوما، والملزوم لازما، مع بقاء

стр. 3342

كيفية القضية بحالها من السلب والإيجاب، كقولنا: "لا شيء من الإنسان بحجر"، فعكسه "لا شيء من الحجر بإنسان". وعند الفقهاء والأصوليين، له اعتباران: أحدهما: مثل قول الحنفي: لما لم يجب القصاص بصغير المثقل لم يجب [بكبيره]، بدليل عكسه في المحدد: لما وجب [بكبيره]، وجب بصغيره. وثانيهما: انتفاء الحكم عند انتفاء العلة، وهو المقصود بالخلاف هاهنا. والمختار التفصيل: إن لم يكن للحكم سوى علة واحدة، كتعليل جنس القصاص بالقتل العمد العدوان، فالعكس لازم. أوله علل، كإباحة الدم بالقتل، والردة، والزنا، فلا يلزم العكس، ولا يبقى الحكم إلا عند انتفاء جميعها. قال: قلنا: العلة وإن كانت دليل الحكم، فإنا لا نعني بانتفاء الحكم إلا انتفاء العلم به أو الظن، وكذلك في الصنعة مع الصانع. قال الإمام في "البرهان": إذا اعتقد المعلل اتحاد العلة، ولم يقم عنده دليل توقيف في انتفاء الحكم عند انتفاء العلة، فإنه يعتقد انتفاء الحكم عند انتفاء العلة، ويلتزم ذلك، غير أنه لا [يلزم] في أوضاع الجدل أن يبدى توقيفا مقتضاه منع الانعكاس. ***

стр. 3343

الفصل الثالث "في القلب" وفيه مسائل: قال الرازي: المسألة الأولى: في حقيقته ، وحقيقته أن يعلق على العلة المذكورة في قياس- نقيض الحكم المذكور فيه، ويرد إلى ذلك الأصل بعينه، وإنما شرطنا اتحاد الأصل؛ لأنه لو رد إلى أصل آخر، لكان ذلك الأصل الآخر: إما أن يكون حاصلا في الأصل الأول، أو لا يكون: فإن كان الأول، كان رده إليه أولى؛ لأن المستدل لا يمكنه منع وجود تلك الصلة فيه، ويمكنه منع وجودها في أصل آخر. وإن كان الثاني: كان أصل القياس الآخر نقضا على تلك العلة؛ لأن ذاك الوصف حاصل فيه، مع عدم ذلك الحكم. المسألة الثانية: منهم من أنكر إمكانه؛ لوجهين: الأول: أن الحكم الذي علقه القالب على العلة، لابد وأن يكون مخالفا للحكم الذي علقه القائس عليها؛ وإلا لما كان إلا تكريرا في اللفظ، ثم إن ذينك الحكمين: إما أن يمكن اجتماعهما، أو لا يمكن: فإن كان الأول، لم يقدح ذلك في العلة؛ لأنه لا امتناع في أن يكون للعلة الواحدة حكمان غير متنافيين. والثاني محال؛ لأنا بينا أن الأصل الذي يرد إليه القالب والقائس لابد وأن يكون واحدا، والصورة الواحدة يستحيل أن يحصل فيها حكمان متنافيان. الثاني: أن العلة المستنبطة لابد وأن تكون مناسبة للحكم، والوصف الواجد يستحيل أن يكون مناسبا لحكمين متنافيين.

стр. 3344

والجواب عن الأول: أن ها هنا احتمالا آخر، وهو ألا يكون الحكمان متنافيين؛ فلا جرم يصح حصولهما في الأصل، لكن دل دليل منفصل على امتناع اجتماعهما في الفرع، فإذا بين القالب: أن الوصف الحاصل في الفرع ليس بأن يقتضي أحد الحكمين أولى من الآخر، كان الأصل شاهدا لهما الاعتبار؛ لما بينا أنه لا منافاة بينهما في الأصل- ويقتضي امتناع حصول الحكم في الفرع لما أنه ليس حصول أحدهما أولى من الآخر، وقد قامت الدلالة على امتناع حصولهما في الفرع، وهذا الكلام كما أنه جواب عن شبهة المنكر، فهو دليل ابتداء على إمكان القلب. وعن الثاني: أن المناسبة قد لا تكون حقيقة، بل إقناعية، فبالقلب ينكشف أنها ما كانت حقيقة. المسالة الثالثة: القلب معارضة، إلا في أمرين: أحدهما: أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، وفي سائر المعارضات يمكن. الثاني: أنه لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل؛ لأن أصله وفرعه هو أصل المعلل وفرعه، ويمكن ذلك في سائر المعارضات. وأما فيما وراء هذين الوجهين، فلا فرق بينه وبين المعارضة؛ فعلى هذا: للمستدل أن يمنع حكم القالب في الأصل، وأن يقدح في تأثير العلة فيه بالنقض، وعدم التأثير، وأن يقول بموجبه، إذا أمكنه بيان أن اللازم من ذلك القلب لن ينافي حكمه، وأن يقلب قلبه، أذا لم يكن قلب القالب مناقضا للحكم؛ لأن قلب القالب، إذا فسد بالقلب الثاني، سلم أصل القياس من القلب.

стр. 3345

المسألة الرابعة: القالب: إما أن يذكر القلب؛ لإثبات مذهبه أو لإبطال مذهب خصمه: والأول: مثل أن يقول الحنفي في أن الصوم شرط في صحة الاعتكاف: "لبث مخصوص، فلا يكون بدون الصوم قربة؛ كالوقوف بعرفة" فيقول القالب: "لبث مخصوص، فلا يعتبر القوم في كونه قربة؛ كالوقوف بعرفة" فالحكمان المذكوران في الأصل والقلب لا يتنافيان في الأصل، ويتنافيان في الفرع. وأما الثاني: فإما أن يدل القالب على فساد مذهبه صريحا، أو ضمنا، وهو أن يدل على فساد لازم من لوازم مذهب الخصم. مثال الأول: قول الحنفي في المسح: "ركن من أركان الوضوء؛ فلا يكتفي فيه بأقل ما يقع عليه الاسم؛ كالوجه، فيقول القالب: "فوجب ألا يتقدر الفرض فيه بالربع؛ كالوجه" وهذان الحكمان لا يتناقضان في ذاتيهما؛ لأنهما حصلا في الوجه، ولكن يتنافيان في الفرع بواسطة اتفاق الإمامين. مثال الثاني: قولهم في بيع الغائب: "عقد معاوضة، فينعقد مع الجهل بالعوض؛ كالنكاح" فيقول القالب: "فلا يثبت فيه خيار الرؤية؛ كالنكاح، ويلزم من فساد خيار الرؤية فساد البيع" وهذا الحكمان غير متنافيين في الأصل؛ لأنه اجتمع في النكاح الصحة وعدم الخيار؛ لكن لا يمكن اجتماعهما في الفرع. وقال بعضهم: هذا النوع منن القلب غير مقبول؛ لأن دلالة الوصف على ثبوت الحكم، لا بواسطة- أظهر من دلالته على انتفاء الحكم بواسطة.

стр. 3346

واعلم أنه يقع في هذا النوع شيء يسمى قلب التسوية؛ مثاله: أن يقول الحنفي في طلاق المكره: "مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه؛ كالمختار" فيقول القالب: "فوجب أن يستوي حكم إيقاعه وإقراره كالمختار": وبعضهم قدح فيه بأن قال: "الحاصل: اعتبارهما معا في الثبوت في الأصل وفي الفرع عند القالب- عدم وقوعهما معا؛ فكيف تتحقق التسوية؟ ": جوابه: أن عدم الاختلاف بين الحكمين حاضر في الفرع والأصل؛ لكن في الفرع في جانب العدم، وفي الأصل في جانب الثبوت، وذلك لا يقدح في الاستواء في الأصل. الفصل الثالث في القلب قوله: "الوصف الواحد لا يناسب المتنافيين":

стр. 3347

قلنا: لا نسلم، فقد ذكر الأصوليون والفقهاء جمع: الفرق، وهو ترتيب النقيضين على مناسبة وصف، ومثلوه بأن صون مال المحجور عليه على مصالحة يقتضي رد تصرفاته، وتنفيذ وصاياه نقيضها- أيضا- صون ماله على مصالحه. فصار صون المال على المصالح يناسب التنفيذ وعدمه، وهما نقيضان، لكن باعتبار حالتي المحجور، ونظائره كثيرة. قوله: "لبث مخصوص، فلا يكون بدون الصوم قربة كالوقوف بـ "عرفة": تقريره: أن هذا الكلام لا يتقل بنفسه؛ لأن الوقوف بـ "عرفة" لا يفتقر الصوم، بل أصل التقدير أن يقال: "لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه قربة، كالوقوف بـ "عرفة"، وإذا لم يستقل بنفسه تعين صوم غيره إليه، وكل من قال: يضم عبادة أخرى إليه، قال: هي الصوم، فيجب الصوم".

стр. 3348

قوله في المكره: "يستوي إقراره وإيقاعه كالمختار": تقريره: أن الحنفية قالت: يلزم المكره الإنشاء دون الإقرار؛ لأن الإنشاء متضمن السبب الموجب؛ [لأنه] آلة العصمة، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، والإقرار إنما هو دال على تقدم السبب، لا أنه سبب في نفسه، فضعف اعتباره؛ لرجحان الكذب بالإكراه، وعدم تعين السبب، بخلاف إذا تعين السبب تعين اعتباره. قوله: "ويعضهم قدح فيه بأن قال: "الحاصل اعتبارهما معا [في الثبوت في الأصل]، وفي الفرع عند الغالب: عدم وقوعهما معا، فكيف تتحقق التسوية؟ ": قلت: هكذا رأيته في عدة نسخ، ويحتاج إلى زيادة بعد قوله: "الحاصل وهي قولنا: في الأصل"، فيكون الكلام هكذا: "الحاصل في الأصل اعتبارهما معا، وفي الفرع عدم وقوعهما، فلا تتحقق التسوية". ولم أجد في "الحاصل"، و"المنتخب"، و"التحصيل" إلا كما ذكرته- مكملا- من غير خلل، وهو بدل على أن الخلل خاص بالنسخ التي حضرتني. " سؤال" قال النقشوانى: ما ذكره في القلب معارضة في حكم المسألة ، لا في إبطال عليه الوصف، وقد صرح المؤلف بذلك، مع أن عده من الطرق الدالة على كون الوصف ليس بعلة. قال: جوابه: أن القلب وإن كان معارضة- كما قال- لكنه قدح في العلة، من جهة أن الوصف إذا أمكن أن يصحب النقيضين: الحكم المدعى، وعدمه، ضعف التزامه للمدعى [عندنا]، وإذا ضعف استلزامه، كان ذلك قدحا فيه، فاتجه به أن القلب من القوادح في الوصف.

стр. 3349

" تنبيه" زاد التبريزي فقال: يشترط في القلب الرد إلى أقل المعلل . وقيل: لا يشترط؛ فإن وجه القدح به بيان عدم الاختصاص بالحكم المنوط [به]، وهو لا يتوقف على اتحاد الأصل. وزاد في مثل قلب التسوية، فقال: إذا قال: ينتفض الوضوء بالخارج من غير السبيلين، كالخارج منهما. يقول القالب: يل يستوي قليله وكثيره كالأصل. قال: ويرجع قلب التسوية إلى إلزام الوفاء بتمام الحكم؛ لأنه المناط كما زعم؛ لأن حكم علة الأصل في البيع الانعقاد بوصف اللزوم، وإيجاب الخارج للوضوء وإن قل. " فائدة" قال الباجي في "الفصول": "لا يصح قلب القلب ". وقال بعض المالكية، وبعض الشافعية: يصح؛ لأن القلب نقض، والقض لا ينقض؛ ولأن القلب مفسد للعلة. احتجوا: بأنه معارضة، والمعارضة تعارض، وهذا الخلاف لم يحكه المصنف. " فائدة" قال سيف الدين: القلب قلبان: قلب الدعوى، وقلب الدليل.

стр. 3350

وقلب الدعوى ضربان؛ لأن الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها، أو لا يكون. فالأول: كقول الأشعري: "أعلم- بالضرورة- أن موجودا مرئي. فهذه دعوى فيها الدليل مضمر، تقديره: لأنه موجود؛ لأن الوجود هو المصحح للرؤية عنده. فيقول المعتزلى: أعلم- بالضرورة- أن كل ما ليس في جهة، لا يكون مرئيا. فهذه الدعوى تقابل الأولى، من حيث إن الموجود ينقسم إلى: ما هو في جهة، وإلى ما ليس في جهة. فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، يقابل قول القائل: "كل موجود مرئي"، ودليلها مضمر فيها، تقديره: أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية. وأما إن لم يكن الدليل مضمرا، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء النظر إلى العلم، أو مسألة التحسين والتقبيح: أعلم- ضرورة- أن النظر [لا] يفضى إلى العلم أو الكفر قبيح لعينه، والشكر حسن لعينه. فيقول المعترض: أعلم- بالضرورة- أن النظر يفضى إلى العلم، وأن الكفر ليس قبيحا لعينه، [ولا الشكر حسنا لعينه]. فهذا عين مقابلة الفاسد بالفاسد، والمقصود منه استنطاق المدعى باستحالة دعوى الضرورة من جهة خصمه في محل الخلاف، فيقال: وهذا لازم لك أيضا. وقد أورد الجدليون- أيضا- قلب الاستبعاد في الدعوى. وذلك كما لو قال الشافعي- في إلحاق الولد بأحد الأبوين باختيار الولد له إذا تداعياه: ذاك تحكم بلا دليل.

стр. 3351

فيقول الحنفي: تحكيمهم القائف فيه- أيضا- تحكم بلا دليل. والمقصود- أيضا- استنطاق المدعى بأن ما ذكره ليس تحكما بل له مأخذ صحيح. فيقول المعترض: فذلك ما ذكرته. وهو في غاية البعد؛ فإنه إما أن يعترف المستدل بأن ما ذهب إليه تحكم، أو يبين مأخذه فيه. فإن كان تحكما، فلا يعني معارضة المعترض بتحكمه [في] مذهبه في إبطال دعواه التحكم في مذهب خصمه. وإن بين له مأخذا، فهو الجواب، ولا حاجة إلى القلب. ثم قال: قول المستدل في اشتراط الصوم في الاعتكاف: "لبث محض؛ فلا يكون قربة بنفسه" ليس تعليلا بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب؛ لأن الليث المحض لا يناسب القربة. وتعليل المعترض بقوله: "لبث محض، فلا يشترط الصوم [في صحته] كالوقوف بـ "عرفة"". تعليل بأمر طردي؛ فإنه لا مناسبة في أللبث المحض لنفي القوم، هذا هو التحقيق، ثم قال: أعلى أنواع القلب ما بين فيه انه يدل على المستدل، [و] لا [يدل] له. ثم يليه: أن يبين أن يدل له وعليه. وأعلى مراتب هذا النوع ما صرح في بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الأول منه. ثم ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل؛ لأنه لا يلزم منه تصحيح مذهبه، فيكون دون الأول.

стр. 3352

ثم ما بين فيه عدم الدلالة بطريق الالتزام؛ لأنه لم يقدح في دلالة المستدل، بل بين دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان [شبيها] بالمعارضة، وإن فارقها من جهة أنه من نفس الدليل المستدل. واختلفوا في قبول القلب مطلقا. فقبله قوم من جهة أنه يشير إلى ضعف الدليل؛ لدلالته على نقيض مذهبه. ومنعه آخرون، من جهة أن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم المستدل، أو إلى غيره. فإن كان الأول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل؛ لاستحالة اجتماع حكمين مجمع عليهما في صورة واحدة. وإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل. قال: والحق في ذلك أنه إن تعرض في الدليل لحكم يقابل بحكم المستدل صريحا، فقد لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما تقدم في المثل. قال إمام الحرمين في "البرهان": اختلفوا في القلب، [ومجوزوه] له عندهم مزية على المعارضة؛ لأن العلتين المتعارضتين تضاف كل علة منهما إلى أصل لا يشهد للعلة الأخرى، وفي القلب يتحد الأصل، فكان أبين في التناقض. ثم قال: قول المستدل والمعترض في مسح الرأس: "عضو من أعضاء الوضوء" وصف طردي من الجانبين، وليس من باب تعارض الشبهين؛ لأن أعضاء الوضوء غير متشابهة في المقادير المفروضة، ولا في الكيفية. قال: والذي اختاره وأقول به- في قبول القلب-: قول ثالث، وهو أنه إذا كان القلب في طرف لا يناسب العلة، بل اتفق مذهب الخصمين في

стр. 3353

النفي والإثبات، ولا يمتنع إثبات ثالث دونهما، بل وقع الحصر اتفاقا، فهو قلب غير قادح، كما تقدم مثاله في قلب مسح الرأس، فإن كونه عضوا من أعضاء الوضوء لا يناسب الربع، ولا الاقتصار على ما أمكن، وإن كان له إحالة من وجه سمع، كقولهم: "مكث؛ فلا يشترط فيه الصوم" قدح؛ لأن المعلل ذكرا أمرا لا يستقل بإثبات مذهبه؛ لأنه لا يكتفي في أي عبادة إلى الاعتكاف، ولم يتأت له التصريح، فافهم مقصوده، بل أثبت طرفا من مذهبه تلويحا، فقدح القادح فيه تصريحا، فكان مقبولا. ويؤكده أن الصوم عبادة مستقلة، فضمه لغيره خلاف الأصل، هذا هو القلب المصرح به. والقلب المبهم ينقسم إلى: إبهام من غير تسوية، وإلى إبهام التسوية. فالإبهام من غير تسوية، قول الحنفي: صلاة يشرع فيها الجماعة؛ فلا يثنى فيها الركوع في ركعة واحدة، كصلاة العيد، [فيقول] القالب: "فتختص بالزيادة، كصلاة العيد؛ لأن فيها تكبيرات زائدة" فهذا قلب مبهم، وقد أفتى القاضي ببطلانه، وقال: قلب القالب ينقلب عليه، فيقول الحنفي: فلا تختص بزيادة، هي ركوع كصلاة العيد. قال الإمام: وقول القاضي لا يتجه؛ لأن [القلب]- ها هنا- إعادة للعبة لا زائد عليها، ولا قلب إلا وهو بهذه الصفة، وغرض القالب أن يورد ما يقتضي تعارضا، فإذا ذكر المعلل علته في معرض القلب، فهو مقدر لوجه التعارض، وهو القادح، وهو كما لو عورضت علة بعلة أخرى، وأعاد المجيب علته على [صيغة] المعارضة لما عورض به، فتم به اعترافه بتعارض العتلين. وقال القاضي أيضا: الصريح مقدم على المبهم، فلو كان القلب معارضة لسقط؛ لترجح الصريح عليه.

стр. 3354

قال الإمام: وهذا الترجيح معارض بأن رب مبهم أفقه من صريح، فلا يفتى بتقديم كل صريح على كل مبهم. قلت: يؤخذ من هذا البحث مثار قلب القلب الذي أشار إليه- في "المحصول"- ولم يمثله، وأن فيه الخلاف، وهذا مدرك الخلاف. قال الإمام: وقلب التسوية ما يذكره الحنفية في المكره. قال: وهو مختلف فيه، وفيه البحث المتقدم لما فيه من الإبهام، بل بعض من قبل المبهم رد قلب التسوية؛ لمخالفة الأصل الفرع؛ لأن المختار ثبوت صرف، والمكره نفى صرف عند القادر. وجوز الأستاذ قلب التسوية، وهو المختار عندنا. قال: ولينظر الناظر في منازل القلب نظرا أوليا في الطرد والمناسبة، ثم ينظر ثانيا في التلاقي على التناقض، وعدم التلاقي، وهل هو من الشبه أم لا، أو مبهما، أو مصرحا؟ ***

стр. 3355

الفصل الرابع "في القول بالموجب " قال الرازي: وحده تسليم ما جعله المستدل موجب العلة، مع استبقاء الخلاف، وهو يقع في جانب النفي على وجه، وفي جانب الإثبات على وجه آخر. أمال في جانب النفى: فإذا كان المطلوب نفى الحكم، واللازم من دليل المعلل كون شيء معين غير موجب لذلك الحكم؛ كما لو قال الشافعي في المثقل: "التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص؛ كالتفاوت في المتوسل إليه" فيقول السائل: "إن التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص؛ فلم لا يمتنع وجوب القصاص بسبب آخر؟ ". ثم إن المستدل لو بين بعد ذلك: أنه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع، كان مقطعا أيضا؛ لأنه ظهر أنه ما ذكر الدليل به، بل ذكر أحدا أجزاء الدليل. وأما في جانب الثبوت: فكما لو كان المطلوب إثبات الحكم في الفرع، واللازم من دليل المعلل ثبوته في صورة ما من الجنس؛ كما لو قال في وجوب الزكاة في الخيل: "حيوان تجوز المسابقة عليه، فيجب فيه الزكاة؛ قياسا على الإبل" فقال: "أقول بموجبه: أنه تجب فيه زكاة التجارة، والخلاف واقع في زكاة العين، ومقتضى دليلك: وجوب أصل الزكاة".

стр. 3356

الفصل الرابع القول بالموجب قال: "وحده: تسليم ما جعله المستدل موجب علته، مع استبقاء الخلاف":

стр. 3357

تقريره: أن القول بالموجب معناه: التزام صحة مقتضى ما ذكره المستدل، كان علة، أو نصا، كما لو قال: الزكاة واجبة في الحلي؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فيقول المعترض: أقول بموجبه؛ لأن موجب هذا اللفظ "التوحيد"، ولا يلزم من تسليمه وجوب الزكاة في الحلى. هذا في النص. ومثاله في العلل: قول المستدل: عبادة؛ فتكون معتبرة في الاعتكاف، كالأذكار. فيقول الشافعي: أسلم موجب هذه العلة، والصوم عندي معتبر على وجه الندب، وهو يوفى معنى الاعتبار، وإنما النزاع في الشرطية على وجه اللزوم. قوله: "التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه": تقريره: أن الحنفي لا يوجب القصاص في المثقل، ويوجبه بالمحدد، والمحدد والمثقل وسيلتان لزهوق الروح. وواثق الحنفي الشافعي أن قتل الصغير، والكبير، والشريف، والوضيع، سواء في وجوب القصاص، فقاس الشافعي الاختلاف في الوسيلتين على الخلاف بين المقتولين، في عدم اقتضاء أحدهما نفى القصاص. قوله: "التفاوت في الوسيلة لا يمنع [وجوب القصاص]، فلم قلتم إنه لا يمنع [وجوب القصاص] بسبب آخر؟ ": تقريره: أن قول الشافعي: "هذا التفاوت لا يوجب عدم القصاص"، كقولنا: شرب الماء لا يوجب عدم القصاص، وكذلك التنفس في الهواء، ونظائره كثيرة.

стр. 3358

وعدم إيجاب هذه الأمور لعدم القصاص لا يوجب عدم إيجاب غيرها، مثل كون المثقل لم يجعل في الغالب لزهوق الأرواح، أو لأنه شبهة؛ فسقط بها الحد. " سؤال" "القلب" و"القول بالموجب" معارضة في الحكم، لا قدح في العلة ، والمصنف جعلهما من جملة الطرق الدالة على عدم العلة. جوابه: أما "القلب" فقد تقدم جوابه عنه. وأما "القول بالموجب" فلأنه بيان عدم استلزام العلة للمطلوب، وبيان عدم استلزامها قدح فيها. "تنبيه" زاد التبريزي فقال: "القول بالموجب" في المنقول خلافه في المعقول؛ فإنه في المنقول تحقيق وجه دلالته والاعتراف به، كما يقال في حديث خيار المجلس، المراد به خيار القبول؛ بدليل كذا وكذا، وأنا أقول به. وفي المعقول تسليم عين وجه دلالته والاعتراف به، كما يقال في حديث خيار المجلس، المراد به خيار القبول؛ بدليل كذا وكذا، وأنا أقول به. وفي المعقول تسليم عين ما رتبه المعلل على علته، حقا كان أو باطلا، مع استيفاء الخلاف في المسألة، كما لو قال الشافعي: "مسلم؛ فلا يلزمه القصاص بقتل الذمى". فيقول الحنفي: "أقول: إنه لا يتقل بقلته، فلم لا يتقل إذا قتله بنقض العهد"؟ فلو قال بدل مسلم: مكلف، أو قاتل، أو حائط كان الواجب تسليم عين الحكم المرتب، لا ما يقتضيه الوصف. ومنشأ وروده الحيد في نصب الدليل عن محل الخلاف، أو بان يقيد الحكم

стр. 3359

كما ذكرناه، أو يعدل إلى المأخذ، فيقول: القتل بالمثقل لا يمنع وجوب القصاص، أو الدين لا يمنع وجوب الزكاة، أو يطلق في مقام التقييد، وكان مذهب الخصم مفيدا بقيم آخر، كما لو قال الحنفي، "الخيل حيوان يتسابق عليه؛ فتجب عليه الزكاة"، فيقول الشافعي: "زكاة التجارة وقد يغنى عن القول بالموجب بأن الدليل غير منصوب في محل الخلاف؛ فإن الخلاف في كذا؛ لأنه هو جهة المؤاخذة لا يمكن خلل في الدليل، لكنه إذا ورد كان انقطاعا، ولا ينفعه بيان لزوم المتنازع فيه من تسليم ما رتبه؛ فإن مؤاخذة الجيد لا تندفع به، ويلتزم به عدم ذكر تمام الدليل في مقام مطالبته به؛ ليبين أن ما ذكره أولا إحدى مقدمتي دليل الحكم المطلوب، يل ينبغي أن يسفر كلامه بما يتضمن دعوى محل النزاع، فقول: أعنى به أن الزكاة لا تمتنع عند ركوب الدين، والقصاص لا يمتنع عند كون القتل بالمثقل، وبالزكاة المذكورة- بالألف واللام- ذلك المعهود. واعلم أنه متى كان السؤال ابتداء عن هذه الأمور، امتنع إيراد القول بالموجب، وكان تسليما للحكم المطلوب. قلت: تفريقه أولا بين المعقول والمنقول غير متجه، بل المنقول تارة نقول بموجبه، بعد تأويل نعضده بدليل، وتارة ابتداء. وكذلك العلة: تارة نقول بموجبها، بعد بيان تحقيقه، وتارة ابتداء. وقوله: "لو قال بدل قوله: مسلم: مكلف، أو قاتل": مراده: يأتي بوصف طردي فنسلم الحكم، وهو أن هذا الوصف لا يلزم به قصاص؛ لأن الوصف يقتضيه؛ لأنه طردي. وقوله: " [ولا] ينفعه بيان لزون المتنازع فيه مما رتبه": يريد: أن المستدل إذا قال: هو وإن كان حيدا وعدولا إلا أن محل النزاع يثبت مما رتبته.

стр. 3360

"فائدة" قال سيف الدين: القول بالموجب تسليم ما جعله المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه، فينقطع المستدل؛ لأن ما نصبه دليلا ليس بدليل، وهو على قسمين؛ لأن المستدل إما أن ينصب دليله على تحقيق مذهبه المنقول عن إمامه، أو إبطال ما يظنه مدرك مذهب خصمه. فالأول: كقول الشافعي في الملتجئ إلى الحرم: وجد سبب استيفاء القصاص؛ فجاز استيفاؤه. فيقول الحنفي بموجبه؛ فإن القصاص عنده جائز، إنما النزاع في هتك حرمة الحرم. والثاني: كقول الشافعي في استيلاد الأب جارية ابنه: وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو في القتل بالمثقل: اختلاف الوسيلة لا يمنع إلى آخره، ولا يلزم من إبطال مدرك معين إبطال جميع المدارك. وهو أغلب ورودا من الأول في المناظرات وأكثر؛ لأن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام؛ لكثرة المدارك وتشعبها وما هو معتمد الخصم منها، ولهذا يشترك في نقل الأحكام الخواص والعوام دون المدارك. [وقد] اختلف الجدليون في [وجوب] تكليف المعترض بأن مستند القول بالموجب في [هذا النوع]، فقال بعضهم: لا بد من ذلك؛ لاحتمال أن يكون هذا [هو] المدرك عنده، فإذا علم أنه هو لا

стр. 3361

يكلف إبداء مدرك عند إيراد القول بالموجب، [فقد] يقول بذلك عنادا؛ ليوقف كلام خصمه، فيكلفه أن يصون الكلام عن الخبط. [وقيل: لا يكلف كلام خصمه، فيكلفه أن يصون الكلام عن الخبط]. وقيل: لا يكلف بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو استبقاء الخلاف بعد التسليم. قال: وهو الأظهر؛ لأنه عاقل متدبر، فهو أعرف بمذهبه ومدركه، فظاهره الصدق؛ ولأن تكليفه ذلك يصير المستدل معترضا، والمعترض مسدلا، وفيه خبط. ولدفع القول بالموجب بالمعنى الأول طرق: الأول: أن يقول: المسالة مشهورة بالخلاف فيما فرضت فيه الكلام. الثاني: تبين أن محل النزاع ثابت فيما فرض الكلام فيه، كما لو كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمى، فقال المعترض: هو عندي غير جائز، بل واجب. فيقول المستدل: أعني بعدم الجواز: لزوم التبعية بفعل الواجب. الثالث: أن يقول المستدل: القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا يرد، كما يقول في زكاة الخيل: كلامي ظاهر في زكاة العين؛ لقرينة الحال؛ ولأن لفظ "الزكاة" يعم القسمين؛ لأنه معرف باللام، فالقول بالموجب في صورة واحدة غير متجه؛ لأن القول ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، وكذلك في قوله: مانع لا يزيل الحدث؛ فلا يزيل الخبث كالمرق. فيقول: أقول بموجبه؛ فإن الخل النجس لا يزيل الخبث.

стр. 3362

فيقول: كلامي ظاهر في الخل الظاهر، وما غير طاهر كلام المستدل لا يكون قولا بالموجب، بل بغير الموجب. ولدفع القول بالموجب في القسم الثاني طرق: الأول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله، وفرض الكلام معه فيه. الثاني: أن يبين أن لقب [المسألة] مشهور بذلك. الثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله، بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضى لوجوب القصاص، وكانت الموانع التي وافق المستدل عليها منتفية، والشرائط متحققة، فإذا بطل ذلك المانع، يلزم منه الحكم المتنازع فيه. وقال إمام الحرمين في "البرهان": الأصوليون يقولون تارة: القول بالموجب ليس اعتراضا. قال: وهو كما قالوا؛ فإنه لا يبطل العلة؛ لأنها سلمت وسلم حكمها، إنما المستدل منقطع؛ لأنه قصد أن يثبت فيها المتنازع فيه، وقد تبين خلافه. قلت: ومن هذا الوجه ضعفت، وكان القول بالموجب اعتراضا؛ لأن تلك العلة وإن كانت علة صحيحة باعتبار حكم، فهي غير صحيحة باعتبار صورة النزاع، فالقدح فيها من هذا الوجه. ***

стр. 3363

الفصل الخامس "في الفرق " قال الرازي: والكلام فيه مبني على أن تعليل الحكم الواحد بعلتين، هل يجوز أم لا؟ وفي مسألتان: المسألة الأول: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين؛ خلافا لبعضهم. لنا: أن الردة، والقتل، والزنا: كل واحد منها، لو انفرد، كان مستقلا باقتضاء حل القتل، ثم إنه اجتماعها، فعند اجتماعها: يكون حل الدم حاصلا بها جميعا. فإن قيل: لا تسلم أن هناك حكما واحدا، بل أحكاما كثيرة؛ فإن حل القتل بسبب الردة غير حله بسبب القتل؛ والدليل عليه وجهان: الأول: أن الرجل، إذا عاد إلى الإسلام، زالت الإباحة الحاصلة بسبب الردة، وبقيت الإباحة الحاصلة بسبب القتل والزنا، ثم إذا عفا ولي الدم، زالت الإباحة الحاصلة بسبب القتل، وبقيت الإباحة الحاصلة بسبب الزنا. الثاني: أن القتل المستحق بسبب القتل يجوز العفو عنه لولى الدم، والقتل المستحق بسبب الردة لا يتمكن الولي من إسقاطه، وذلك يدل على تعاير الحكمين. سلمنا أن الحكم واحد؛ ولكن لا نسلم أنه يمكن حصول هذه الأسباب الثلاثة دفعة واحدة؛ ولم لا يجوز أن يقال: لا بد وأن يحصل منها واحد قبل حصول البواقي؟.

стр. 3364

وحينئذ: يكون الحكم محالا على السابق. سلمنا إمكان حصولها دفعة واحدة؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: إنها بأسرها مشتركة في وصف واحد، والعلة هو ذلك المشترك، فتكون علة الحكم شيئا واحدا. سلمنا أنه ليس هناك قدر مشترك؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: شرط كون كل واحد منها علة مستقلة انتفاء الغير، فإذا وجد الغير، زال شرط الاستقلال بالعلية، فحينئذ لا يكون كل واحد منها علة تامة عند الاجتماع، بل بصير كل واحد منها الاجتماع جزء العلة، والمجموع هو العلة التامة. سلمنا أن ما ذكرته يدل على تعليل الحكم الواحد بعلتين؛ لكن معنا ما يمنع منه، وهو وجوه ثلاثة: الأول: أن جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين يفضى إلى نقض العلة، وذلك باطل؛ على ما مر، فما أفضي إليه مثله. بيان الملازمة: أنه إذا كان للحكم الواحد علل كثيرة، فإذا وجد منها واحدة؛ حتى حصل الحكم، ثم وجدت العلة الثانية بعد ذلك، فهذه الثانية: إما أن توجب حكما يماثل الحكم الأول، أو يخالفه، أو لا توجب حكما أصلا: والأول يقتضي اجتماع المثلين، وهو محال والثاني والثالث يوجب النقض؛ أنه وجدت تلك العلة من غير ذلك الحكم. الثاني: أن العلة الشرعية مؤثرة بجعل الشرع إياها مؤثرة في ذلك الحكم، فإذا اجتمع على المعلول الواحد علتان، فإما أن تكون كل واحدة من العلتين مؤثرة في بعض ذلك الحكم، أو في كله:

стр. 3365

والأول محال، أما أولاً: فلأن الحكم الواحد لا يتبعض. وأما ثانياً: فلأن ذلك إخراج لكل واحدة من العلتين عن أن تكون موجبة للحكم. وأما ثالثاً: فلأن على هذا التقدير: معلول كل واحدة منهما غير معلول الأخرى. وأما الثاني: فباطل أيضاً؛ لأن الحكم لما وقع بإحدى العلتين، استحال وقوعه بالأخرى، لاستحالة إيقاع الواقع. الثالث: أن العلة لابد وأن تكون مناسبة للحكم، فلو كانت علة لحكمين، لكانت مناسبة لشيئين مختلفين؛ فيلزم كون الشيء الواحد مساوياً لمختلفين، والمساوي لمختلفين مختلف، فالشيء الواحد يكون مخالفاً لنفسه؛ وهو محال. والجواب: قوله: «لا نسلم وحدة الحكم»: قلنا: الدليل عليه أن إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد؛ وهذا الأمر الواحد إما أن يكون ممنوعاً عنه من قبل الشرع بوجه ما، أو لا يكون ممنوعاً عنه بوجه ما: والأول هو الحرمة، والثاني هو الحل، فإذا كانت الحياة واحدة، كانت إزالتها أيضاً واحدة، فكان الإذن في تلك الإزالة واحداً، فإن قلت: الفعل الواحد يجوز أن يكون حراماً من وجه، حلالاً من وجه، وإذا كان كذلك، جاز أن يتعدد الحل، لتعدد جهاته، فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنه مرتد، ومن حيث إنه زان، ومن حيث إنه قاتل
следующие страницы →