← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

الفصل العاشر (في الطرق الفاسدة) وهو طريقان قال الرازي: الأول: قال بعضهم: الدليل على أن هذا الوصف علة- عجز الخصم عن إفساده، وهو ضعيف؛ لأنه ليس جعل العجز عن الإفساد دليلا على الصحة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلا على الفساد، بل هذا أولى؛ لأنا لو أثبتنا كل ما لا نعرف دليلا على فساده، لزمنا إثبات ما لا نهاية له؛ وهو باطل. أما لو لم نثبت كل ما لا نعرف دليلا على صحته، لزمنا ألا نثبت ما لا نهاية له، وهو حق. الثاني: قال بعضهم: هذا الذي ذكرته عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع؛ فوجب دخوله تحت قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] وربما قيل: هذا تسوية بين الأصل والفرع؛ فيكون مأمورا به؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠] وهذا ضعيف أيضا؛ لأن أقصى ما في الباب عموم اللفظ في هاتين الآيتين، وتخصيص العموم بالإجماع جائز. وأجمع السلف على أنه لابد من دلالة ما على تعين الوصف للعلية، وللمخالف أن ينكر هذا الإجماع. الفصل العاشر في باقي الطرق الفاسدة قال القرافي: قلت: هذه الفهرسة تقتضي أن يكون قد تقدم له طرق

стр. 3292

فاسدة، وهذه بقيتها، وليس كذلك؛ فإن باقي الشيء يدل على تقدم بعضه، ولا يمكن جعل الفاسدة نعتا للذي في هذا الباب خاصة؛ لأن على هذا التقدير تكون الفاسدة نعتا للمضاف الذي هو (باقي) للمضاف إليه الذي هو (الطرق)، وعلى هذا التقدير يتعين حذف تاء التأنيث، ونقول: (الفاسد) نعتا (لباقي) لأنه مذكر، وجميع النسخ التي رأيتها بتاء التأنيث. وقال تاج الدين في (الحاصل): العبارة الحسنة: (العاشر في الطرق الفاسدة)، ولم يذكر الباقي. وقال سراج الدين: (خاتمة): أبعد من قال كذا. وسكت (المنتخب)، والتبريزي عن الفصل بالكلية. * * *

стр. 3293

الباب الثاني قال الرازي: في الطرق الدالة على أن الوصف لا يكون علة، وهي خمسة: النقض، وعدم التأثير، والقلب، والقول بالموجب، والفرق. الفصل الأول (في النقض) وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجود الوصف مع عدم الحكم يقدح في كونه علة وزعم الأكثرون أن علية الوصف، إذا ثبتت بالنص لم يقدح التخصيص في عليته. وزعم آخرون أن علية الوصف، وإن ثبتت بالمناسبة، أو الدوران؛ لكن إذا كان تخلف الحكم عنه لمانع، لم يقدح في عليته، أما إذا كان التخلف لا لمانع فالأكثرون على أنه يقدح في العلية، ومنهم من قال: لا يقدح أيضا. لنا وجوه: الأول: أن اقتضاء العلة للحكم: إما أن يعتبر فيه انتفاء المعارض، أو لا يعتبر، فإن اعتبر، لم يكن علة إلا عند انتفاء المعارض؛ وهذا يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس تمام العلة، بل بعضها، وإن لم يعتبر، فسواء حصل المعارض، أو لم يحصل، كان الحكم حاصلا، وذلك يقدح في كون المعارض معارضا، فإن قيل: لم لا يجوز أن يتوقف الاقتضاء على انتفاء المعارض؟ قوله: (هذا يدل على أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ما كان تمام العلة؛ بل جزءا منها):

стр. 3294

قلنا: لا نسلم؛ ولم لا يجوز أن يكون هذا العدم شرطا لتأثير العلة في الحكم؟!. تقريره: العلة: إما أن تفسر بالداعي، أو المؤثر، أو المعرف: أما المؤثر: فإما أن يكون قادرا، أو موجبا: أما القادر: فيجوز أن يتوقف صحة تأثيره على انتفاء المعارض؛ لأمور: الأول: أن الفعل في الأزل محال؛ لأن الفعل ما له أول؛ والأزل ما لا أول له، والجمع بينهما محال. فإذن: تتوقف صحة تأثير قدرة الله تعالى في الفعل على نفي الأزل، فالقيد العدمي لا يجوز أن يكون جزءا من المؤثرات الحقيقية، فهو إذن شرط صحة التأثير. وثانيهما: أن إشالة القادر الثقيل إلى فوق يقتضي الصعود إلى فوق؛ بشرط ألا يجره قادر آخر إلى أسفل، فالقيد العدمي لا يكون جزءا من المؤثر الحقيقي. وثالثهما: أن القادر لا يصح منه خلق السواد في المحل إلا بشرط عدم البياض فيه، والعدم لا يكون جزءا من المؤثر الحقيقي. أما الواجب: فهو أن الثقل يوجب الهوى؛ بشرط عدم المانع، وسلامة الحاسة توجب الإدراك؛ بشرط عدم الحجاب. وأما الداعي: فمن أعطى إنسانا لفقره، فجاء آخر، فقال: لا أعطيه؛ لأنه يهودي؛ فعدم كون الأول يهوديا لم يكن جزءا من المقتضى في إعطاء الأول؛ لأنه حين أعطى الفقير الأول، لم تكن اليهودية خاطرة بباله؛ فضلا عن عدمها،

стр. 3295

وما لا يكون خاطرا بالبال، لم يكن جزءا من الداعي؛ فعلمنا أن عدم كون الأول يهوديا، لم يكن جزءا من المقتضى. أما المعرف: فالعام المخصوص دليل على الحكم، وعدم المخصص ليس جزءا من المعرف، وإلا كان يجب ذكره عند الاستدلال؛ فثبت بما ذكرنا أن عدم المعارض، وإن كان معتبرا، لكنه ليس جزءا من العلة. سلمنا كونه جزءا، ولكن يرجع الخلاف في المسألة إلي بحث لفظي لا فائدة فيه؛ لأن من جوز تخصيص العلة، ومن لم يجوزه، اتفقوا على أن اقتضاء العلة للحكم لابد فيه من ذلك العدم، وأنتم أيضا سلمتم أن المعلل، لو ذكر ذلك القيد في ابتداء التعليل، لاستقامت العلة؛ فلم يبق الخلاف إلا في أن ذلك القيد العلمي، هل يسمى جزء العلة أم لا؟. ومعلوم أن ذلك مما لا فائدة فيه. والجواب: قد بينا أنه لو توقف اقتضاء العلة للحكم على انتفاء المعارض، لم يكن الحاصل عند وجود المعارض تمام العلة، بل جزءها. قوله: (لو كان كذلك، لزم جعل القيد العلمي جزءا من علة الوجود): قلنا: إن فسرنا العلة بالموجب أو الداعي، امتنع جعل القيد العدمي جزءا من علة الوجود؛ فحينئذ: لا نقول: إن عدم المعارض جزء العلة، بل نقول: إنه يدل على أنه حدث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجودا قبل؛ وحينئذ: صار ذلك المجموع علة تامة، فلم يلزم من قولنا: (العلة التامة؛ إنما وجدت حال عدم المعارض) أن يجعل عدم المعارض جزءا من العلة.

стр. 3296

وإن فسرنا العلة بالمعرف، لم يمتنع جعل القيد العدمي جزءا من العلة، بهذا التفسير، كما أنا نجعل انتفاء المعارض جزءا من دلالة المعجز على الصدق. قوله: (لو كان عدم المخصص جزءا من المعرف، لوجب على المتمسك بالعام المخصوص ذكر عدم المخصصات): قلنا: لا شك أنه لا يجوز التمسك بالعام إلا بعد ظن عدم المخصصات، فأما أنه لم يجب الذكر في الابتداء، فذلك يتعلق بأوضاع أهل الجدل، والتمسك بها في إثبات الحقائق غير جائز. قوله: (إنه يصير الخلاف لفظيا): قلنا: لا نسلم؛ فإنا إذا فسرنا العلة بالداعي أو الموجب، لم نجعل العدم جزءا من العلة، بل كاشفا عن حدوث جزء العلة، ومن يجوز التخصيص لا يقول بذلك، وإن فسرناها بالأمارة، ظهر الخلاف في المعنى أيضا؛ لأن من أثبت العلة بالمناسبة، بحث عن ذلك القيد العدمي، فإن وجد فيه مناسبة، صحح العلة، وإلا أبطلها. ومن يجوز التخصيص لا يطلب المناسبة ألبتة من هذا القيد العدمي. الحجة الثانية في المسألة: أنه لابد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل، وبين كون المانع مانعا منعا حقيقيا بالفعل- منافاة بالذات، وشرط طريان أحد الضدين انتفاء الضد الأول؛ فلا يجوز أن يكون انتفاء الضد الأول لطريان اللاحق، وإلا وقع الدور، فلما كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن أن يكون مقتضيا بالفعل- لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل، لأجل تحقيق المانع بالفعل، وإلا وقع الدور، فإذا المقتضي إنما

стр. 3297

خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع؛ بل بذاته، وقد انعقد الإجماع على أن ما يكون كذلك، فإنه لا يصلح للعلية. الحجة الثالثة: الوصف وجد في الأصل مع وجود الحكم، وفي صورة التخصيص مع عدم الحكم، ووجوده مع الحكم في صورة التخصيص يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، ثم إن الوصف الحاصل في الفرع، كما أنه مثل الوصف الحاصل في الأصل، فهو أيضا مثل الوصف الحاصل في صورة التخصيص؛ فليس إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر؛ ولما تعارضا، لم يجز إلحاقه بواحد منهما؛ فلم يجز الحكم عليه بالعلية. قال المجوزون: الأصل في الوصف المناسب مع الاقتران أن يكون علة، فعند ذلك: إذا رأينا الحكم متخلفا عنه في صورة، وعثرنا في تلك الصورة على أمر يصلح أن يكون مانعا- وجب إحالة ذلك التخلف على ذلك المانع؛ عملا بذلك الأصل. أجاب المانعون: بأن الأصل ترتب الحكم على المقتضى؛ فحيث لم يترتب الحكم عليه، وجب الحكم بأنه ليس بعلة؛ عملا بهذا الأصل، فصار هذا الأصل معارضا للأصل الذي ذكرتموه، وإذا تعارضا، وجب الرجوع إلى ما كان عليه أولا، وهو عدم العلية. قال المجوزون: الترجيح معنا من وجهين: الأول: أنا لو اعتقدنا أن هذا الوصف غير مؤثر، يلزمنا ترك العمل بالمناسبة مع الاقتران من كل وجه، ولو اعتقدنا أنه مؤثر، عملنا بما ذكرتم من الدليل، من بعض الوجوه؛ لأن ذلك الوصف يفيد الأثر في بعض الصور، ولا شك أن ترك العمل بالدليل من وجه أولى من ترك العمل بالدليل من كل الوجوه.

стр. 3298

الثاني: هو: أن الوصف الذي ندعي كونه مانعا في صورة التخصيص يناسب انتفاء الحكم، والانتفاء حاصل معه، فيغلب على الظن: أن المؤثر في ذلك الانتفاء هو ذلك المانع، وإذا ثبت استناد ذلك الانتفاء إلى المانع، امتنع استناده إلى عدم المقتضي. إذا ثبت هذا، فنقول: معكم أصل واحد، وهو أن الأصل ترتب الحكم على العلة، ومعنا أصلان: أحدهما: أن المناسبة مع الاقتران دليل على كون الوصف في الأصل علة لثبوت الحكم فيه. الثاني: أن المناسبة مع الاقتران في صورة التخصيص دليل على كون المانع علة؛ لانتفاء الحكم فيها، ومعلوم أن العمل بالأصلين أولى من العمل بالأصل الواحد. أجاب المانعون عن الأول: بأنا لا نسلم أن المناسبة مع الاقتران دليل العلية؛ بل عندنا: المناسبة مع الاقتران والاطراد دليل العلية، فإن حذفتم الاطراد عن درجة الاعتبار، فهو أول المسألة. وعن الثاني: أنا لا نسلم أن انتفاء الحكم في محل التخصيص يمكن تعليله بالمانع؛ لأن ذلك الانتفاء كان حاصلا قبل حصول ذلك المانع، والحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا. أجاب المثبتون عن هذا من وجهين: الأول: أن العلل الشرعية معرفات؛ فلا يمتنع كون المتأخر علة للمتقدم بهذا التفسير.

стр. 3299

الثاني: أن المانع علة لنفي الحكم، لا لانتفائه، والنفي عبارة عن منعه من الدخول في الوجود، بعد كونه بعرضية الدخول. أجاب المانعون عن الأول: بأنه إذا كان المراد من العلة المعرف، لم يلزم من تعليل ذلك الانتفاء بعدم المقتضي تعذر تعليله أيضا بالمانع؛ لجواز أن يدل على المدلول الواحد دليلان: أحدهما وجودي، والآخر عدمي. وعن الثاني: أن تأثير المانع ليس في إعدام شيء؛ لأن ذلك يستدعي سابقة الوجود؛ وهاهنا: الحكم لم يوجد ألبتة، فيمتنع إعدامه، فعلم أن المستند إلى المانع ليس إلا ذلك العدم السابق. احتج من جوز تخصيص العلة بوجوه: أحدها: أن دلالة العلة على ثبوت الحكم في محالها؛ كدلالة العام على جميع الأفراد، وكما أن تخصيص العام لا يوجب خروج العام عن كونه حجة، فكذا تخصيص العلة لا يقدح في كونها علة. وثانيها: أن اقتضاء الوصف لذلك الحكم في هذا المحل، إما أن يتوقف على اقتضاء الحكم في ذلك المحل الآخر، أو لا يتوقف، والأول محال؛ لأنه ليس توقف أحدهما على الآخر أولى من العكس؛ فيلزم افتقار كل واحد منهما إلى الآخر؛ فيلزم الدور، وإن لم يفتقر واحد منهما إلى الآخر؛ فحينئذ: لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، فلا يلزم من انتفاء كون الوصف مقتضيا لذلك الحكم في هذا المحل- انتفاء كونه مقتضيا لذلك الحكم في المحل الآخر. وثالثها: العقلاء أجمعوا على جواز ترك العمل بمقتضى الدليل في بعض

стр. 3300

الصور؛ لقيام دليل أقوى من الأول فيه، مع أنه يجوز التمسك بالأول عند عدم المعارض؛ فإن الإنسان يلبس الثوب لدفع الحر والبرد، وإذا اتفق لبعض الناس أن قال له ظالم: (إن لبست هذا الثوب، قتلتك) فإنه يترك العمل بمقتضي الدليل الأول في هذه الصورة، وإن كان يعمل بمقتضاه في غيرها من الصور. وإذا ثبت حسن ذلك في العادة، وجب حسنه في اضرع؛ لقوله- ﵊: (ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن). ورابعها: أن العلة الشرعية أمارة، فوجودها في بعض الصور دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة؛ لأنه ليس من شرط كون الشيء أمارة على الحكم: أن يستلزمه دائما، فإن الغيم الرطب في الشتاء أمارة المطر، ثم عدم المطر في بعض الأوقات لا يقدح في كونه أمارة. وخامسها: أن الوصف المناسب بعد التخصيص يقتضي ظن ثبوت الحكم؛ فوجب العمل به. بيان الأول: أنا إذا عرفنا من الإنسان كونه مشرفا مكرما مطلوب البقاء، غلب على ظننا حرمة قتله، وإن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت ماهية الجناية؛ فضلا عن عدمها، فعلمنا أن مجرد النظر إلى الإنسانية مع مالها من الشرف- يفيد ظن حرمة القتل، وأن عدم كونه جانيا ليس جزءا من المقتضي لهذا الظن، وإذا كان كذلك، فأينما حصلت الإنسانية، حصل ظن حرمة القتل، وإذا ثبت أنه يفيد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب. وسادسها: أن بعض الصحابة قال بتخصيص العلة: روي عن ابن مسعود:

стр. 3301

أنه كان يقول: (هذا حكم معدول به عن القياس) وعن ابن عباس مثله؛ ولم ينقل عن أحد: أنه أنكر ذلك عليهما؛ وذلك يفيد انعقاد الإجماع. وسابعها: أنه وجد في الأصل المناسبة مع الاقتران في ثبوت الحكم. وفي صورة التخصيص: المناسبة مع الاقتران في انتفاء الحكم، فلو أضفنا في صورة التخصيص انتفاء الحكم إلى انتفاء المقتضي، كنا قد تركنا العمل بذينك الأصلين، لكنا عملنا بأصل واحد، وهو: أن الأصل: أن يكون عدم الحكم لعدم المقتضي. أما لو أضفنا في صورة التخصيص انتفاء الحكم إلى حصول المانع، كنا عملنا بذينك الأصلين، وخالفنا أصلا واحدا، وهو أن يكون عدم الحكم لعدم المقتضي؛ ومعلوم أن مخالفة الأصل الواحد لإبقاء أصلين أولى من العكس، فإحالة انتفاء الحكم على المانع أولى من إحالته على عدم المقتضي. والجواب عن الأول: أن نقول: ما الجامع؟! ثم الفرق أن دلالة العام المخصوص على الحكم، وإن كانت موقوفة على عدم المخصص، إلا أن عدم المخصص، إذا ضم إلى العام، صار دليلا على الحكم. أما العلة: فإن دلالتها موقوفة على عدم التخصص، وذلك الهدم لا يجوز ضمه إلى العلة؛ على جميع التقديرات. أما أولا: فلأن منهم من منع كون القيد العدمي جزءا من علة الحكم الوجودي، والذين جوزوه قالوا: إنما يجوز ذلك بشرط أن يكون مناسبا؛ فلا جرم وجب ذكره في أول الأمر؛ ليعرف أنه، هل يصلح لأن يكون جزءا لعلة الحكم، أم لا؟.

стр. 3302

وعن الثاني: أنا إن فسرنا العلة بالموجب، أو الداعي، كان بشرط كونه علة للحكم في محل أن يكون علة لذلك الحكم في جميع المحال؛ لأن العلة إنما توجب الحكم لماهيتها، ومقتضى الماهية أمر واحد، فإن كانت تلك الماهية موجبة لذلك الحكم في موضع، وجب كونها كذلك في كل المواضع، وإلا فلا. وعن الثالث: أنه لا نزاع فيما قالوه، لكنا ندعي أنه ينعطف من الفرق بين الأصل، وبين صورة التخصيص قيد على العلة، وهم ما أقاموا الدلالة على فساد ذلك. وعن الرابع: أن النظر في الأمارة إنما يفيد ظن الحكم، إذا غلب على الظن انتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم؛ فإن من رأي الغيم الرطب في الشتاء بدون المطر في بعض الأوقات، ثم رآه مرة أخرى، فإنه لا يغلب على ظنه نزول المطر؛ إلا إذا غلب على ظنه انتفاء الأمر الذي لازمه عدم نزول المطر في المرة الأولى، وذلك لا يقدح في قولنا. وعن الخامس: أنه مسلم؛ لكنا ندعي أنه ينعطف من الفرق بين الأصل وصورة التخصيص قيد على العلة. وعن السادس: هب أنهم قالوا ذلك؛ لكنهم لم يقولوا ذلك: التمسك بذلك القياس جائز أم لا؟. وعن السابع: ما ذكرناه في الحجة الثالثة من جانبنا. الباب الثاني في الطرق الدالة على أن الوصف لا يكون علة قال القرافي: قوله: (إن لم يعتبر انتفاء المعارض، فسواء حصل المعارض

стр. 3303

أو لم يحصل، كان ذلك الحكم حاصلا، [و] ذلك يقدح في كون المعارض معارضا): تقريره: أن دعواه عدم علية الوصف المنقوض، وقد استفاد دعواه على التقديرين: أما التقدير الأول: فلأنه لزم على تقدير كون الوصف علة تامة، أنه ليس علة تامة، وهو جمع بين النقيضين، فيكون هذا التقدير مستلزما لاجتماع النقيضين، فيكون محالا، فلا يكون الوصف علة؛ لأنه التقدير. وأما التقدير الثاني: فلأنه لزم أن يكون المعارض معارضا، والمقدر أنه معارض؛ لأن الترديد إنما وقع فيما هو معارض، فيكون تقدير علية الوصف- أيضا- مستلزما للجمع بين النقيضين، فبطل كونه علة مطلقا؛ لانحصاره في هذين التقديرين، وهو المطلوب. قوله: (الثقل يوجب الهوى بشرط عدم المانع): قلنا: - على رأي أهل الحق- هذه الأمور ليست موجبة بالذات، بل الله- تعالى- هو محرك الثقيل إلى أسفل وغيره. وإن أردتم أنه موجب في العادة، لا في العقل صح. وكذلك تمثيلكم المؤثر بشيل القادر الحجر إلى فوق، وإنما الله- تعالى- هو الخالق لحركات السائلين، بل ذلك في العادة صحيح، دون الحقيقة العقلية. قوله: (ما لم يكن خاطرا بالبال، لا يكون جزءا من الداعي): تقريره: أن الداعي هو الحامل على تحصيل الفعل، وهو السبب الغائي. فتصور الإنسان لمصلحة في الفعل تبعثه وتدعوه إلى الإقدام، أو مفسدة تحجبه على الإحجام، فهذا هو الداعي.

стр. 3304

قوله: (عدم المانع يدل على أنه حدث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجودا قب): قلنا: لا نسلم أنه يلزم من عدم المعارض أمر وجودي، فقد يكون عدم وعدم ضده دائمين من الأول إلى الأبد. ولو كان يلزم من عدم المعارض وجود أمر آخر، مع أن المعارض كان معدوما في الأزل، أن يكون ذلك الوجودي في الأزل، وذلك يقتضي قدم العالم، وهو محال. ثم إن هذا البحث يلزم منه خلاف المقدر؛ لأنا تكلمنا في وصف أنه تمام العلة أو المؤثر أو الداعي، فجعله مع ذلك الوجودي- الذي حدث- تمام العلة؛ خلاف الفرض المقدر. قوله: (كونه لا يجب نفي المعارض من أوضاع الجدل): تقريره: أن المجتهد لابد أن يفحص عن عدم المخصص في التمسك بالعموم، غير أن المناظرة بين أهل العصر منعوا من ذكر ذلك في المناظرات، سدا لباب الشغب، وحسم مادة النزاع؛ إسراعا لظهور الحق، ونفيا للجاج، فهو وضع جدلي لا وضع شرعي للمجتهد. ويرد عليه- هاهنا- ما تقدم في باب العموم والخصوص، أنه رجح التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص، وهاهنا ادعي أنه لابد من الفحص عنه، وتقدم- هنالك- أن تلك الدعوى خلاف الإجماع، وإيضاح ذلك. قوله: (بين المقتضي والمانع منافاة بالذات): قلنا: لا منافاة بين العلة والمانع، بل المنافاة بين أثريهما.

стр. 3305

ألا ترى أن البنوة مع الرق لا منافاة بينهما، بل بين التوريث وعدمه، والزوال والحيض لا منافاة بينهما، بل بين وجوب الصلاة وعدمها، فكذلك جميع الموانع الشرعية. وإذا تقرر هذا لا يلزم من طريان الرق والقتل المانعين من الإرث- انتفاء البنوة التي هي سبب الإرث إجماعا. قوله: (لما كان شرط كون المانع مانعا- خروج المقتضي عن أن يكون مقتضيا بالفعل، لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل؛ لأجل تحقق المانع): قلنا: إن أردتم بالاقتضاء الفعل، والمنع بالفعل الوصف بقيد استلزامه لحكمه- الذي هو الثبوت في العلة، والعدم في المانع- فلا شك أن أحد الوصفين بهذين القيدين يوجب التضاد بينهما. لكن المقتضى بقيد أثره أخص منه، من جهة أنه مقتضى، كما يصدق على البنوة أنها مقتضية للإرث من حيث إنها بنوة. والقتل العمد العدوان موجب لوجوب القصاص، مع قطع النظر عما يعرض من الموانع، واللازم من قولكم- حينئذ- إنما هو انتفاء الأخص، ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم، ولم يدع الخصم إلا ثبوت الأعم الذي هو المقتضى من حيث هو مقتضى، لا المقتضي بقيد ثبوت أثره. ونقول: امتنع ترتب الأثر لأجل المانع، لا للاقتضاء الذاتي فبطل لأجل المانع. هذا هو مذهب الخصم. وعلى هذا خرج المقتضي عن أن يكون مقتضيا بالفعل لأجل المانع، ولم يخرج عن كونه مقتضيا بذاته كما قلتم. وإن أردتم بالاقتضاء بالفعل ما في ذات المقتضي من حيث هو مقتضي، من

стр. 3306

اقتضاء الأثر إذا جرد النظر إليه، فلا تضاد ولا بطلان حينئذ؛ لطريان المانع ألبتة، بل الاقتضاء بالذات حاصل مع وجود المانع كما نقول: وصف البنوة مع قيام الفعل هو بحيث إذا جرد النظر إليه اقتضى الأثر شرعا ومناسبة. قوله: (وجد الوصف في الأصل مع وجود الحكم، وفي صورة التخصيص مع عدم الحكم): تقريره: أن صورة النقض تسمى صورة التخصيص، وتسمى العلة مخصوصة كذلك، كما يسمى النص مخصوصا؛ لأن التخصيص في النصوص إخراج بعض الصور التي تناولها النص عن أن يثبت فيها الحكم، وكذلك- هاهنا- خرج بعض صور وجود العلة عن أن يثبت فيها الحكم، وهو صورة النقض نصا، والكل تخصيصا. قوله: (وجود الوصف مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة): تقريره: أنه يجوز أن يكون وصف آخر ما اطلعنا عليه، وهو علة الحكم. غايته أن الأصل عدمه، والأصل مقدمة ظنية لا يحصل معها القطع. قوله: (وجوده مع عدم الحكم في صورة التخصيص يقتضي القطع بأنه ليس بعلة): قلنا: لا نسلم حصول القطع، بل القطع في عدم ترتب الحكم عليه في صورة النقض إن كان مجمعا على عدم الحكم فيها، وإلا فلا قطع. وهذا مصادرة على مذهب الخصم؛ فإن الخصم جازم بأنه علة في صورة النقض وغيرها بالنظر إلى ذاته، ولا يلزم عنده من عدم ترتب الأثر عليه خروجه عن كونه علة في ذاته، فدعواكم القطع مصادرة محضة لا تسمع بغير دليل.

стр. 3307

قوله: (ليس إلحاق الوصف بصورة التخصيص أولى من إلحاقه بصورة الأصل): قلنا: لا نسلم، بل إلحاقه بالأصل أولى؛ لأجل أن الأصل عدم التخصيص كما قلناه في النصوص؛ فإنا نلحق في العام المخصوص من صورة النزاع بصورة عدم التخصيص عملا بالعموم، ولا نلحقها بصورة التخصيص؛ لأن المخصص لم يتناولها، كذلك هاهنا لم يتناولها المانع القائم في الفرع، ويتناولها اقتضاء العلة وشمولها، فظهرت الأولوية. قوله: (تأثير المانع ليس في إعدام شيء؛ لأن ذلك يستدعي سابقة الوجود): قلنا: لا نسلم استدعاء سابقة الوجود، بل يعرض للوجود كما تقدم كلام الخصم، كما أن الماء تحت السفينة يمنعها من الوصول إلى الأرض؛ لأنها تعرضه [للصوق] بالأرض لولا الماء الحامل، كذلك هاهنا. قوله: (إن توقف الاقتضاء هاهنا على الاقتضاء هنالك لزم الدور (: قلنا: لا نسلم، وقد تقدم في العام المخصوص من هذا الدور. والجواب عنه بأن التوقف توقفان: توقف سبقي، توقف معي، فالدور لازم في الأول دون الثاني، فإن القائل لغيره: (لا أخرج حتى تخرج قبل)، ويقول الآخر كذلك، فيلزم الدور جزما. والقائل: (لا أخرج حتى تخرج معي)، ويقول الآخر كذلك يخرجان معا، ولا يلزم الدور مع حصول التوقف بين الطرفين، وكذلك هاهنا. والتوقف من الطرفين معي لا سبقي، فلا يحصل المقصود، ولا يلزم الدور.

стр. 3308

قوله: (وجب حسنه في الشرع؛ لقوله ﵇: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن). قلنا: قد تقدم السؤال على التمسك به مرارا، وهو أن الشيء إذا كان حسنا في العادة، فما استحسنه المسلمون إلا فيها، فيكون عند الله- تعالى- حسنا فيها لا في الشرع، والمقصود إنما هو حسنه في الشرع. ومن شرط هذه المادة استواء الأحوال، فإذا كان زيد يرى لبس الجباب في الشتاء حسنا، وقلنا: ما رآه زيد حسنا، فهو عند عمرو حسن، يقتضي أن يكون عمرو- أيضا- إنما يستحسن الجباب في الشتاء؛ إذ لو استحسنها في الصيف لكان غير ما استحسنه زيد لا عينه. فيفيد الحديث أن هذه حسنة عند الله- تعالى- في العادة كما رآه المسلمون حسنا في العادة، وجوابه بقاعدة، وهي: أن كلام الشارع إذا دار بين إنشاء حكم شرعي أو عقلي، فالأول أولى؛ لأنه- ﵇ إنما بعث لبيان الشرعيات، فإذا حملناه على ما قاله السائل، يرجع حاصله إلى أمر الله- تعالى- أنه حسن في العادة؛ إذ ليس يتعلق بالعادة شرعي، بل العلم والإرادة والقدرة وهي كلها أمور عقلية.

стр. 3309

أما إذا جعلنا معناه: (فهو عند الله- تعالى- حسن) أي مشروع، كان ذلك حكما شرعيا، فكان أولى. قوله: (المناسب يفيد ظن العلية): قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن ليس معتبرا شرعا، بل لابد من دليل شرعي يفيد اعتباره، ولم يذكروا دليلا على اعتبار هذه المرتبة المخصوصة من الظن، فلم يحصل المطلوب. قوله: (لو أضفنا الانتفاء في صورة التخصيص لحصول المانع كما علمنا بذينك الأصلين، وخالفنا أصلا واحدا، وهو أن يكون عدم الحكم لعدم المقتضى): قلنا: بل خالفتم أصلين: ما ذكرتم، وأصلا آخر. وهو أن الأصل عدم المعارض، وقد ألزمتموه في صورة التخصيص بين المقتضى والمانع، فقد اعتبرتم أصلين، وخالفتم أصلين، فلم يحصل الترجيح. قوله: (عدم المخصص إذا ضم إلى العام صار المجموع دليلا): قلنا: لا نسلم، بل الدليل العام فقط، كما أن الموجب للإرث هو البنوة، لا البنوة مع عدم الرق. ثم إنا نسلم ما ذكرتم، ونقول به في العلم: المجموع هو المعرف لثبوت العلم. وقولكم: (إن ذلك لا يتم على رأي بعضهم): قلنا: وكذلك العام المخصوص ليس حجة على رأي بعضهم، والضم عنده لا يتم.

стр. 3310

قوله: (إذا كانت العلة موجبة للحكم لذاتها، وجب أن توجب الحكم في جميع المحال): قلنا: وإنه كذلك، لكن إن أردتم بإيجابها: أنها بالنظر إلى ذاتها توجب في جميع المحال فمسلم، وهو عندنا كذلك في صورة النقض، غير أن المعارض وجد فيها. وإن أردتم الاقتضاء بالفعل المفسر بوجود الأثر منها، منعنا تفسير الاقتضاء بذلك. قوله: (ينعطف من الفرق بين [الفرع والأصل] فيدل على العلة): قلنا: الأصل عدم الانعطاف، وقد تقدم أنه لا ينعطف من المانع أمر وجودي، وإلا لزم قدم العالم، والمراد- هاهنا- بالفرع صورة النقض، وقد تقدم الكلام عليه. قوله: (الأمارة لا تفيد الظن إلا إذا غلب على الظن انتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم): قلنا: لا نسلم، بل العلة التي هي الأمارة، إذا جرد النظر لذاتها حصل الظن، ولا يحتاج الظن لانتفاء المانع، بل لو جهل مطلقا حصل الظن. قوله: (لم يقولوا: التمسك بهذا القياس جائز أم لا): قلنا: إذا قال الصحابي ﵁: (هذا على خلاف القياس) فلا يفهم إلا القياس الشرعي، ومتى كان [شرعيا] كان معمولا به ضرورة، والقياس المنطقي والفاسد، لا يشير الصحابي إليه، ولا يتأسف على فواته بقوله: (هذا على خلاف القياس). (فائدة) الفرق بين النقض، والعكس، والكسر؛ فإن الفقيه محتاج لذلك .

стр. 3311

فالنقض: وجود العلة بدون المعلول، أو الحد بدون المحدود، أو الدليل بدون المدلول، بحسب ما يكون النقض علة من علة أو غيرها. والعكس: وجود المعلول بدون العلة، أو المحدود بدون الحد، أو المدلول بدون الدليل، وهو غير وارد في العلل والأدلة؛ لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضا، وكذلك الأدلة ووارد في الحدود؛ لأن الحد لابد أن يكون جامعا مانعا، فكونه جامعا يمنع من وجود المحدود بدونه. قال سيف الدين: فإن اتفق المتناظران على اتحاد العلة ورد العكس أيضا على العلة. والكسر: نقض على المعنى دون الوصف، كنقض تعليل الرخص في السفر، من حيث إنه مشقة بمشقة المريض والحمال. والصحيح [أنه] غير لازم؛ لأن العلة هي الوصف لا ذلك المعنى. ولو عللنا بذلك المعنى أو جعلناه علة لعلية الوصف، فهو لخصوص ذلك المعنى المضبوط قدرا أو جنسا، فكيف ينقض بغيره؟ وإنما يطلق عند ذكر رابطة التعليل؛ لاستقلال الجنس بإفادة أصل المناسبة، قال التبريزي. وقال غيره: صورته كمن يقول: صلاة يجب قضاؤها؛ فيجب أداؤها، كصلاة الأمن، فيحذف المعترض قيد كونها صلاة، ويقول: ينتقض بصوم الحائض؛ فإنه يجب قضاؤه دون أدائه. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: ما الدليل على أن الحاصل

стр. 3312

قبل المعارض لا يكون تمام العلة؟ وأورده على الجواب الأول من أجوبة الأسئلة. وأورد على الجواب عن الثاني فقال: لقائل أن يقول: إن عنيت بالشرط معنى يقتضي تقدمه على المشروط، فليس شرط أحد المتنافيين انتفاء الآخر، وإلا كان كل واحد من النقيضين مشروطا بنفسه، ضرورة أن انتفاء كل واحد منهما عين ثبوت الآخر. وإن عنيت بالشرط ما ينعدم المشروط عند عدمه، لم يلزم الدور. وقال التبريزي: وجود وصف التعليل بدون الحكم يوجب الفساد مطلقا عند قوم. وشرط عدم الإيماء إليه عند قوم، وشرط ألا يظهر في محل التخلف ما يصلح مستندا له عند قوم، وشرط أن ينعطف عليه قيد من محل التخلف عند قوم، وشرط ألا يكون مستثنى من قاعدة الأصل عند قوم، ولا يدل على الفساد أصلا عند قوم، وإليه صار أبو زيد، والمختار هو الثالث. ثم احتج فقال على الانتفاء: الانتفاء إما أن يضاف إلى انتفاء العلة، أو وجود معارض، والأول راجح؛ فإن الثاني على خلاف الدليل من وجوه: أحدها: اعتبار معنى فيه منافاة حكم العلة، وفيه التزام التعارض بتقدير ما الأصل عدمه. الثاني: فرض وجوده في محل النقض، والأصل عدمه. الثالث: تقدير اعتبار وصف العلة؛ ليمكن إضافة وصف الانتفاء إلى المعارض، وهو مسبوق [بالعدم].

стр. 3313

الرابع: ترك العمل بالعلة. الخامس: تغيير النفي الأصلي يقتضي العلة، والأصل استمراره. السادس: رفع ذلك المقدر، الأصل بقاؤه. السابع: مخالفة وضع العلل في المعقولات بوضع الموانع، وليس في نفي العلة عنه إلا مخالفة أصلين: أحدهما: تقدير أمر آخر هو العلة في الأصل. والآخر: عدم اعتبار مناسبة الوصف، والأصل اعتبارها. الوجه الثالث: إما أن يجوز المعلل نفي حكم العلة في الأصل من غير معارض، فليجوزه في الفرع، وإلا فليس بمعارض. ثم احتج للاعتبار فقال: يجب اعتبار العلة تقديرا [على وفق] المعهود؛ ليكون أقرب إلى القبول؛ لكونه أظهر في [المعقول]، وبه يندفع قولهم: (إنه تأثير [وضعي])؛ لأنه وإن كان وضعيا، لكنه يجب تطبيقه على الحقيقة، ويشهد له قوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)؛ فإنه لولا وجود ما يستند إليه الحكم بتقدير عدم المشقة لم انتظم هذا الكلام، كيف وإضافة عدم المعارض إلى تمام العلة مناقضة لوجه اقتضاء الملاءمة؛ فإنها [ترتبط] بطرق وجود المفسدة لانتفاء الحكم، لا بطرق عدمها لثبوت الحكم، فالإعراض عن اعتبار الوجود في الانتفاء إلى اعتبار العدم في الثبوت يكون مراغمة لها. وقولهم: (إنه ينعطف عليه قيد وجودي من محل التعليل) يرد عليه أنه إن انقدح ذلك فهو أولى، ولا نزاع فيه؛ فإنه إذا تعارض وجها الاعتبار، وكان العطف متأيدا بنفي المخالفة كان أولى.

стр. 3314

مثاله: تعليل اعتبار تعيين النية في صوم القضاء بكونه عبادة مع تخلف الحكم عنه في النقل؛ إذ يمكن أن تكون مشقة [النقل] لتكرره، وعدم تأكيد الداعية إليه مانعة بحكم العلة، مع كونه مقتضيا بالفعل عدم المانع، وإنما انعدم هذا الشرط بوجود المانع. وقولهم: (لابد للمؤثر من أثر، والمعرف من تعريف): قلنا: إذا كان المراد بالمعرف والمؤثر ما من شأنه أن يؤثر أو يعرف بشرط عدم المانع، تصور أن يتخلف عنهما التأثير والتعريف. ثم قال: وأما التقييد بعدم كونه مستثنى عن قاعدة، [فيرجع] حاصله إلى الاستظهار بالاستثناء على اختصاص محل التخلف بمعارض منع حكم العلة، فيستغنى عن إبدائه تفصيلا. مثال: إيراد الحج نقضا على تعليل تعيين النية بكونه عبادة مفروضة، وإيراد لبن المصراة على تعليل ضمان المثل بتماثل الأجزاء في الخلقة والمنفعة، وإيراد بيع العرايا على تعليل الربا بالطعم، وحالة الاضطرار على تعليل تحريم الميتة بالخبث، وتعليل تحريم الخمر بالشدة. ويعلم كونه مستثنى تارة بالإجماع، وتارة بلفظ الراوي، كقوله: (وأرخص في السلم)، وتارة بجريان علة الخصم فيه كما في هذه

стр. 3315

الصورة؛ فإن الحج وإن كان قضاء يستغنى عن التعيين، والكيل- أيضا- موجود في العرايا، وأمثال ذلك. ثم احتج للاعتبار مطلقا: [أنه] لو فسد المنقوض لفسد الغريب، فالللام منتف لما سبق من اعتبار الغريب، فالملزوم منتف. بيان الملازمة: أن العلية حكم المناسبة، وقران الحكم في الغريب كما أن الحكم [الأصلي] المعين حكم العلة المعينة، فلو كان تخلف الحكم عن العلة يوجب فسادها، لاشتركا في الفساد كما اشتركا في علة الفساد، وذكر [ملاحظات] ومباحث ليس فيها كثير فائدة، وهي في ضمن ما تقدم، وتركتها خشية السآمة والملال، وقد نقلت ما فيه فائدة جليلة. (فائدة) قال سيف الدين: جوز أكثر الحنفية، ومالك وابن حنبل، تخصيص العلة المستنبطة، ومنعه أكثر الشافعية، وروي المنع عن الشافعي . ثم اتفق المجوزون في المستنبطة على الجواز في المنصوصة، واختلفوا في المستنبطة إذا لم يوجد في صورة النقض مانع، ولا عدم شرط، فمنعه الأكثرون. والمانعون للتخصيص في المستنبطة اختلفوا في المنصوصة.

стр. 3316

قال: والمختار التفصيل: وهو أن العلة الشرعية إما أن يكون قطعية، أو ظنية. فالقطعية لا يمكن تخلف الحكم عنها بغير دليل؛ لأن الحكم بغير دليل محال، أو بدليل ظني وهو لا يعارض القطعي، وتعارض قاطعين محال. والعلة الظنية إن تخلف حكمها على سبيل الاستثناء فلا يقتضي بطلانها، منصوصة كانت أو مستنبطة، أو لا على سبيل الاستثناء وهي منصوصة، فإن أمكن حمل النص على أن الوصف بعض العلة كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين من قوله ﵇: (الوضوء مما خرج)، فإذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة، أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى الخارج من المخرج المعتاد، أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح به؛ لقوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المسلمين﴾ [الحشر: ٢] [معللا بقوله تعالى]: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ [الحشر: ٤] فإن الحكم المعلل المصرح بتعليله هو خراب البيت، وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الجواب على استحقاق الخراب، ومهما أمكن تأويل النص فهو أولى، جمعا بين دليل التعليل، ودليل إبطال العلة.

стр. 3317

وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور، والحكم المرتب عليه فغايته امتناع إثبات حكم العلة لمعارضة النص، والعلة المنصوصة في معنى النص، فكما أن تخلف حكم النص عنه لا يبطله، كذلك العلة المنصوصة والمستنبطة لا يفسدها التخلف لمانع، أو عدم شرط، كتخلف القصاص للأبوة والسيادة، جمعا بين المانع، والدال على علية الوصف. * * *

стр. 3318

المسألة الثانية (في كيفية دفع النقض) قال الرازي: هذا لا يمكن إلا بأحد أمرين: أحدهما: المنع من حصول تمام تلك الأوصاف في صورة النقض. والثاني: المنع من عدم الحكم. أما القسم الأول: ففيه أبحاث: أحدها: المستدل: إذا منع من وجود الوصف في صورة النقض، لم يمكن المعترض من إقامة الدليل على وجوده فيها؛ لأنه انتقال إلى مسألة أخرى، بل لو قال المعترض: (ما دللت به على وجود المعنى في الفرع، يقتضي وجوده في صورة النقض) فهذا لو صح، لكان نقضا على دليل وجود العلة في الفرع، لا على كون ذلك الوصف علة للحكم؛ فيكون انتقالا من السؤال الذي بدأ به إلى غيره. وثانيها: أن المنع من وجود الوصف في صورة النقض: إنما يمكن لو وجد قيد في العلة يدفع النقض، وذلك القيد إما أن يكون له معنى واحد، أو معنيان؛ فإن كان معناه واحدا، فإما أن يكون وقوع الاحتراز به ظاهرا، أو لا يكون: مثال الظاهر: قولنا: (طهارة عن حدث، فتفتقر إلى النية؛ كالتيمم، فنقضه بإزالة النجاسة غير وارد؛ لأنا نقول: (عن حدث)، وإزالة النجاسة لا تكون عن حدث). مثال الخفي: قولنا في السلم الحال: (عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه؛ كالبيع، ولا ينتقض بالكتابة؛ لأنها ليست معاوضة؛ لكنها عقد إرفاق.

стр. 3319

أما إذا كان اللفظ له معنيان: فإما أن يكون مقولا عليهما بالتواطؤ، أو بالاشتراك: مثال التواطؤ: (قولنا: عبادة متكررة، فتفتقر إلى تعيين النية؛ كالصلاة): فإن قيل: (ينتقض بالحج؛ فإنه يتكرر على زيد وعمرو): قلنا: التكرار مقول على التكرار في الزمان، وعلى التكرار في الأشخاص، والأظهر هو الأول، وهو مردانا هاهنا. مثال الاشتراك: قولنا: (جمع الطلاق في القراء الواحد لا يكون مبتدعا؛ كما لو طلقها ثلاثا في قرء واحد، مع الرجعة بين الطلقتين). فإن قيل: (ينتقض بما لو طلقها في الحيض): قلنا: أردنا بالقرء الطهر. وثالثها: أنه، هل يجوز دفع النقض بقيد طردي؟. أما الطاردون: فقد جوزوه، وأما منكرو الطرد: فمنهم من جوزه، والحق: أنه لا يجوز؛ لأن أحد أجزاء العلة، إذا لم يكن مؤثرا، لم يكن مجموع العلة مؤثرا، ولأنه لو جاز تقييده بالقيد الطردي، لجاز تقييده بنعيق الغراب، وصرير الباب، وبالشخص والوقت؛ ولا نزاع في فساده. القسم الثاني: في منع عدم الحكم، وفيه أبحاث: أحدها: أن انتفاء الحكم: إن كان مذهبا للمعلل، والمعترض معا، كان متوجها، وإن كان مذهبا للمعلل فقط، كان متوجها أيضا؛ لأن المعلل، إذا لم يف بمقتضى علته في الاطراد، فلأن لا يجب على غيره كان أولى، وإن كان

стр. 3320

مذهبا للمعترض فقط، لم يتوجه؛ لأن خلاف المعترض في تلك المسألة كخلافه في المسألة الأولى وهو محجوج بذلك الدليل في المسألتين معا. وثانيها: أن المنع من عدم الحكم قد يكون ظاهرا، وهو معلوم، وقد يكون خفيا، وهو على وجهين: الأول: كقولنا في السلم الحال: (عقد معارضة، فلا يكون الأجل من شرطه). فإن قيل: (ينتقض بالإجارة): قلنا: الأجل ليس شرطا في الإجارة؛ بل تقدير المعقود عليه. الثاني: كقولنا: (عقد معاوضة، فلا ينفسخ بالموت؛ كالبيع). فإن قيل: (ينتقض بالنكاح): قلنا: هناك لا ينتقض بالموت؛ لكن انتهى العقد. وثالثها: أن الحكم: إما أن يكون مجملا، أو مفصلا، وكل واحد منهما: إما في طرف الثبوت، أو في طرف الانتفاء، فهذه الأقسام أربعة: الأول: الإثبات المجمل: والمراد: أنا ندعي ثبوته، ولو في صورة ما، فهذا لا ينتقض بالنفي المفصل؛ وهو النفي عن صورة معينة؛ لأن الثبوت المجمل يكفي فيه ثبوته في صورة واحدة، والثبوت في صورة واحدة لا يناقضه النفي في صورة معينة. الثاني: النفي المجمل: ومعناه: أنه لا يثبت ألبتة، ولا في صورة واحدة، فهذا ينتقض بالثبوت المفصل؛ لأن ادعاء النفي عن كل الصور بناقضه في صورة معينة. الثالث: الإثبات المفصل: لا يناقضه النفي المفصل؛ لأن الثبوت في صورة

стр. 3321

معينة لا يناقضه النفي في صورة أخرى، لكن يناقضه النفي المجمل؛ لأن الثبوت في صورة واحدة يناقضه النفي المجمل. الرابع: النفي المفصل: لا يناقضه الإثبات المفصل؛ لما تقدم، ولا الإثبات المجمل؛ لأنه في قوة الإثبات المفصل، بل يناقضه الإثبات العام. ورابعها: أن الحكم الذي لا يكون ثابتا تحقيقا، لكنه يكون ثابتا تقديرا، هل يكون ذلك دافعا للنقض؟. مثاله إذا قال: (ملك الأم علة لرق الولد) قيل: ينتقض ذلك بولد المغرور بحرية الجارية، فإنه ينعقد ولده حرا فهاهنا انتفى ملك الولد تحقيقا، ولكنه موجود تقديرا؛ بدليل أن الغرم يجب على المغرور، ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع، وإلا لما وجبت قيمة الولد. المسألة الثانية في دفع النقض قال القرافي: قوله: (لا يمكن ألا تمنع العلة في صورة النقض أو عدم الحكم): تقريره: أن النقض وجود العلة دون الحكم، فماهيته مركبة من وجود وعدم. والقاعدة أن الماهية المركبة تنتفي بانتفاء أي جزء كان من أجزائها، فمتى منع عدم الحكم، أو مجموع الأوصاف، اندفع النقض. ومن الخلافيين من أجاب بوجه ثالث: وهو التزام خطئه، في صورة النقض، وقال: أنا قلت بعدم الحكم في صورة النقض، ولكني أخطأت في ذلك، ولا يلزم من خطئي هنالك التزام الخطأ هاهنا.

стр. 3322

قوله: (إذا قال: دليل العلة موجود في صورة النقض يكون ذلك انتقالا): تقريره: أن السائل إذا قال: الدليل على وجود العلة في صورة النقض أن الدليل الذي دللت به على العلة في الأصل موجود في صورة النقض، وهو المناسبة- مثلا- أو غيرها، فيصير معناه: أن المناسبة قد وجدت في صورة النقض. فأنت تقول: العلة ليست معها، فهو نقض عليها. وهو يقول: بل العلة معها، فلا نقض عليها. فهذا بحث في نقض على المناسبة لا على علة الحكم، فهو انتقال من نقض إلى نقض، والمناظرة مبنية على حسم مادة النزاع وتفرق الخصام. نعم هذا إذا عرض للمجتهد تعين عليه اعتباره؛ لأن مقصوده استيفاء النظر في موارده، حيث صح. قوله: (إذا كان للفظ معنيان؛ فإما أن يكون مقولا عليهما بالتواطؤ، أو بالاشتراك): قلنا: معنى اللفظ هو مسماه؛ لأنه تقدم أول الكتاب أن أصله معنى على وزن (مفعل) اسم مكان للعناية- أي موضع قصد الواضع بالوضع له. ومتى كان اللفظ متواطئا كان لمعنى مشترك بينهما؛ فمسماه حينئذ واحد، فجعله من باب ماله معنيان غير مستقيم. وكذلك في المثال الذي ذكرتموه من التكرر؛ فإنه معنى واحد، وإنما التعدد في محاله. قوله: (الأجل ليس شرطا في الإجارة، بل تقديرا للمعقود عليه):

стр. 3323

تقريره: أن المنافع لا يمكن استيفاؤها إلا موزعة على الزمان، فلا يمكن تسليم سكنى شهر في ساعة، فجاء الأصل من ضرورة المنفعة لا أنه شرط، بل الشرط ما يمكن حذفه وثبوته. أما ما لابد منه فهو كزمن الوزن في الصرف، لا يمكن أن يقال: هو يجوز اشتراط الأجل فيه؛ لأنه ضروري، بل إنما يقال ذلك فيما يمكن حذفه عن العقد. قوله في النكاح: (لم ينفسخ بالموت، بل انتهى): تقريره: أن عقد النكاح اقتضى دوامه إلى أقصر الزوجين عمرا، فإذا مات أحدهما فقد فرغ مقتضاه، كالإجارة شهرا، إذا فرغ الشهر، لا يقال: انفسخت، بل انتهت. قوله: (النفي المجمل ينتقض بالثبوت المفصل؛ لأن النفي عن كل الصور يناقضه الثبوت في صورة): قلنا: النهي عن كل الصور عام لا إجمال فيه، وإنما يسمى مجملا إذا قيل: حصل النفي في صورة لم يعينها اللفظ؛ ليحصل الإجمال حينئذ، أما مع العموم فلا. وكذلك قوله بعد هذا: (إن النفي المجمل يناقض الثبوت المفصل). ثم قوله: (النفي المفصل، والإثبات المفصل) يصدق بطريقتين: أحدهما: الاقتصار على صورة واحدة على وجه التعيين والتفصيل. والثاني: أن يعم الثبوت، أو النفي في جميع الصور على وجه التفصيل بتعيين كل واحد منهما بالذكر، فيكون مفصلا، ولا يحصل التناقض الذي ذكره، بل يناقضه المطلق من النقيض الآخر، فلا يستقيم إطلاق ما في

стр. 3324

الكتاب على إطلاقه، بل كان يقول: (الإثبات في صورة معينة، والنفي في صورة معينة)، فهو أولى من ذكر الإجمال. (سؤال) قال النقشواني: لا ينحصر دفع النقض بما ذكره ، بل يندفع بالمانع في صورة النقض. قال: ثم قوله: (لا يتمكن المعترض من إقامة الدليل على وجود

стр. 3325

الوصف؛ لأنه انتقال) لا يتجه، ولو فتح هذا الباب تعذر إيراد النقد؛ لأن المستدل لا يعجز عن مثل هذا، ولو بالمكاثرة. ولأنه معارض بأن للمعترض أن يمنع الوصف في صورة الفرع، ويطالب بالدليل، فإذا قام الدليل كان انتقالا. قال: ولئن قال المستدل: ألتزم تمام القياس، ومن جملته بيان الوصف في الفرع. قلنا: والمعترض التزم إيراد النقض، ومن جملته إبداء العلة في النقض، بل لو أخذ المستدل قيدا في العلة موجودا في الفرع دون النقض، فأراد المعترض إبداء وصف آخر في النقض يقوم مقام ذلك القيد، لا يقبل عند من لا يعلل بنفس الحكمة، وهو الحق؛ لأن الحكمة إنما انضبطت بهذا الوصف مع هذا القيد لا بقيد لآخر، ويقبل عند من يعلل بالحكمة؛ لأن المقتضى هو نوع تلك الحكمة، ولا مدخل لخصوص الوصف في ذلك. وأما إذا تمسك المعترض بغير ما تمسك به المستدل في وجود الوصف في الفرع، فلا نزاع في قبوله، وهو نقض على العلة بأقوى الطرق، وليس بانتقال. (تنبيه) قال التبريزي: ما يقع الاحتراز به عن النقض هل يجب ذكره في الدليل ؟ كقولنا: مقتضى الدليل كذا، غير أنا خالفناه لكذا. قيل: يجب؛ لأن التعريف يتوقف على المجموع. وقيل: لا يجب؛ لأن الحكم لا يستند إليه، والأمر فيه اصطلاحي.

стр. 3326

والدليل قد يكون مجملا، وقد يكون منفصلا، نفيا أو إثباتا، فهي أربعة أقسام: ونعني بالمجمل المطلق، كقولنا: يجب القصاص بالمثقل، ويصح بيع الغائب، ويقتل المسلم الذمي. والإثبات المجمل لا يناقضه النفي المفصل، [والمفصل من النفي أو الإثبات لا يناقضه المفصل] من الطرف الآخر. قلت: تفسيره المجمل بالمطلق غير مطابق أيضا؛ لأن المجمل ما فيه لبس، وما ذكره لا لبس فيه، بل هذه كلها مفصلات، فغير عبارته، وما سلم من سؤال. وقال سراج الدين: إثبات الحكم إن كان في صورة معينة، فهو المفصل، وإلا فالمجمل. ونفى الحكم عن كل صورة نفي مجمل، أو عن بعضها مفصل. وأنت تعرف أي الأربعة تناقض أيها. قلت: وقوله هذا قصد به موافقة المصنف في عبارته غير موفية؛ لأن قوله: (إثبات الحكم في صورة معينة) هو المفصل، وإلا فالمجمل: فيه تلفيف وإجمال؛ لأنه يريد بالمجمل صورة ما كيف كانت كما قاله (المحصول)، وعبارته يندرج تحتها الثبوت في كل صورة، والثبوت في صورة غير معينة، فأطلق في موضع التفصيل. وقوله: (وأنت تعلم أي هذه الأربعة تناقض أيها) - يريد ما تقرر غير مرة أن القضايا أربعة: موجبة كلية. وسالبة كلية.

стр. 3327

وموجبة جزئية. وسالبة جزئية، وأن الإيجاب الكلي العام لا يناقضه إلا السلب الجزئي. والسلب العام لا يناقضه إلا الإيجاب الجزئي. ولا تناقض بين كليتين، وإن حصل التضاد. ولا بين جزئيتين؛ لإمكان الاجتماع، كقولنا: بعض العدد فرد، وبعضه ليس بفرد؛ لأن النقيضين هما اللذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فكل شيئين [اجتمعا، أو ارتفعا]، فليسا نقيضين. وتاج الدين عبارته منطبقة على عبارة (المحصول). وسكت (المنتخب) عنه بالكلية، أعني هذه الأقسام الأربعة. (فائدة) قال سيف الدين: اختلفوا في النقض المكسور ، وهو النقض على بعض أوصاف العلة، كقولنا في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلا يصح بعده كما لو قال: (بعتك عبدا) فينتقض بما لو تزوج امرأة ولم يرها؛ فإنها مجهولة، وإبطال التعليل ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا لجملة العلة، إلا أن يبين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقض، لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، [فإن] بقى المستدل على التعليل بمجموع الوصفين، فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض. وإن ترك كلامه على التعليل بالوصف المنقوض، فقد بطل التعليل بالنقض؛ لكونه واردا على كل العلة.

стр. 3328

(فائدة) قال أبو يعلى الحنبلي في (العمدة): إذا وقع النقض بتفسير علته بما يدفع النقض بتفسير مطابق للفظ العلة قبل منه ، أو مخالفا للفظ علته لم يقبل. فالمطابق: كقوله: متولد بين أصلين؛ فلا تجب فيه الزكاة، كما إذا كانت الأمهات من الظباء، فينتقض بالمتولد بين المعلوفة والسائمة. فيقول: أردت لا زكاة فيها بحال، (والمعلوفة) الزكاة فيها بحال. وغير المطابق كقوله: مكيل، فيحرم التفاضل كالبر، فينتقض بالجنسين. ويقول: أردت إذا [كانت] جنسا واحدا. وإذا كانت العلة للجواز فلا تنتقض بأعيان المسائل، كقوله: حر مسلم؛ فيجوز وجوب الزكاة في ماله كالبالغ، فينتقض [بالعبيد]، وما دون النصاب فلا يرد؛ فإن الجواز لا يستلزم الوقوع في جميع الصور. وإذا نقضت علته فقال: قصدت التسوية بين الأصل والفرع، جاز. وقال الحنفية- خلافا للشافعية- كقولنا في المسح على العمامة: عضو سقط في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، فينتقض بالرأس في الغسل في الجنابة، فيقول: قصدت التسوية بين الرأس والقدمين؛ فإنهما كذلك في الغسل. ولا يجوز النقض بأصل نفسه، وجوزه القاضي أبو بكر بن الباقلاني، قال: لنا أن أصل الإنسان لا يكون حجة على غيره. * * *

стр. 3329

المسألة الثالثة قال الرازي: وهي مشتملة على فرعين من فروع تخصيص العلة: الفرع الأول: إذا تخلف الحكم عن العلة، لا لمانع، فهل يقدح ذلك في صحة العلة أم لا؟. قال قوم: لا يقدح؛ لأنا لم ندع في مثل هذه العلة كونها مستلزمة للحكم قطعا، بل ادعينا كونها مستلزمة للحكم ظاهرا، فتخلف الحكم عنها في بعض الصور لا يقدح في كونها مستلزمة له غالبا؛ فوجب ألا يكون مفسدا للعلة، والحق أنه مفسد للعلة؛ لأن ذات العلة: إما أن تكون مستلزمة للحكم، أو لا تكون: فإن كانت مستلزمة له، وجب كونها كذلك أبدا، ولو كانت كذلك أبدا، لما زال هذا الحكم إلا لمزيل؛ وذلك المزيل هو المانع؛ فحيث زالت تلك المستلزمية، لا لمزيل، علمنا أن تلك الذات غير موصوفة بتلك المستلزمية؛ فوجب ألا تكون علة. الفرع الثاني: المتمسك بالعلة المخصوصة، هل يجب عليه في ابتداء الدليل ذكر نفي المانع، أم لا؟ أما الذين قالوا: لا يجب ذكره في الابتداء قالوا: لأن المستدل مطالب بذكر ما يكون موجبا للحكم، ومؤثرا فيه، والموجب لذلك الحكم هو ذلك الوصف، وأما نفي المانع، فليس له دخل في التأثير، وإذا كان كذلك، لم يجب ذكره في الابتداء.

стр. 3330

والذين قالوا: (يجب): احتجوا بأن المستدل مطالب بذكر ما يكون معرفا للحكم، والمعرف للحكم ليس تلك الأمارة فقط، بل تلك الأمارة، مع عدم المخصص؛ وإذا كان كذلك، وجب ذكرهما معا، فمقتضى هذا الدليل بيان نفي كل الموانع ابتداء، إلا أن إيجاب ذلك يفضي إلى العسر والمشقة، أما إيجاب نفي الموانع المتفق عليها، فلا يفضي إلى ذلك؛ فوجب أن يجب ذكره. المسألة الثالثة (فيها فرعان) قال القرافي: قوله: (تخلف الحكم في بعض الصور لا يقدح في كونها مستلزمة له غالبا): قلنا: بل يقدح، وما يعتمد عليه من أن القطر يتأخر عن السحاب في بعض الصور، ولا يقد ذلك فيه، وكذلك الإرواء عن الماء، والشبع عن الطعام، فلا مستند فيه؛ لأن التخلف في تلك الصور كلها لابد فيه من مرجح مناسب للتخلف، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، ونحن نتكلم في هذه المسألة على تقدير عدم المعاني الكلية، فلا يتجه إلا ما قاله الإمام- بعد هذا- أنه يدل على عدم الاستلزام بالكلية، غير أن المصنف ذكر دليلا مستقلا، ولم يبد وجه الطعن في حجة الخصم، وهذا وجه الطعن فيها. * * *
следующие страницы →