Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
مثال العرفي: قولنا في بيع الغائب: "إنه مشتمل على جهالة مجتنبة في العرف".
مثال الاسم: قولنا في النبيذ: "إنه مسمى بالخمر؛ فيحرم؛ كالمعتصر من العنب".
واعلم أن التعليل بجزء مسمى المحل؛ إن كان بعلة قاصرة، وجب أن يكون بالجزء الذي يمتاز ذلك المحل به عن غيره، وألا يحصل الحكم في ذلك المشارك، فتصير القاصرة متعدية، وإن كان بعلة متعدية، وجب التعليل بالجزء الذي يشارك غيره، وإلا لم توجب تلك العلة في غيره، فتصير العلة المتعدية قاصرة.
التقسيم الثاني: العلة والحكم: إما أن يكونا ثبوتيين، أو عدميين، وهذان القسمان لا نزاع في صحتهما، وإما أن يكون الحكم ثبوتية، والعلة عدمية، وفيه نزاع، وإما أن يكون الحكم عدميا، والعلة ثبوتية، وهذا يسميه الفقهاء تعليلا بالمانع، واختلفوا في أنه، هل من شرطه وجود المقتضى؟.
التقسيم الثالث: العلة: إما أن تكون فعلا للمكلف؛ كالقتل الموجب للقصاص، أو لا تكون؛ كالبكارة في ولاية الإجبار عندنا.
التقسيم الرابع: الوصف المجعول علة: إما أن يكون لازما للموصوف؛ ككون البر مطعوما، أو لا يكون، فحينئذ: يكون متجددا، وذلك المتجدد: إما أن يكون ضروريا بحسب العادة؛ وهو مثل انقلاب العصير خمرا، والخمر خلا، أو لا يكون وهو: إما أن يكون متعلقا باختيار أهل العرف؛ ككون البر مكيلا، أو باختيار الشخص الواحد؛ كالردة والقتل.
стр. 3397
التقسيم الخامس: العلة: إما أن تكون ذات أوصاف؛ كقولنا: "قتل عمد عدوان" أو لا تكون؛ كقولنا: "التفاح مطعوم؛ فيكون ربويا".
التقسيم السادس: العلة قد تكون وجه المصلحة؛ ككون الصلاة ناهية عن الفحشاء، وكون الخمر موقعة للبغضاء، وقد تكون أمارة المصلحة؛ كما إذا جعلنا جهالة أحد البدلين علة في فساد البيع، مع أنا نعلم أن فساد البيع في الحقيقة معلل بما يتبع الجهالة مع تعذر التسليم.
ألا ترى أن جواز البيع ثابت؛ حيث لا تمنع الجهالة من صحة التسليم؛ كبيع صبرة من الطعام مشار إليها لصحة تسليمها، وإن كان مجهول القدر.
التقسيم السابع: الوصف قد يعلم وجوده بالضرورة؛ ككون الخمر مسكرا، أو مطربا، وذلك إما أن يعلم بالضرورة كونه من الدين؛ ككون الجماع في نهار رمضان مفسدا للصوم، وقد لا يكون كذلك، وأمثلته ظاهرة.
المسألة الأولى: اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم: والحق أن العلة إما أن تكون قاصرة، أو متعدية:
فإن كان الأول: صح التعليل بمحل الحكم، سواء كانت العلة منصوصة، أو مستنبطة؛ لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع: "حرمت الربا في البر؛ لكونه برا، أو يعرف كون البر مناسبا لحرمة الربا.
فإن قلت: "لو كان محل الحكم، علة للحكم لكان الشيء الواحد فاعلا وقابلا معا، وهو محال؛ لوجهين:
الأول: أن المفهوم من كونه قابلا غير المفهوم من كونه فاعلا؛ ولذلك صح تعقل كل واحد منهما مع الذهول عن الآخر، فهذان المفهومان: إما أن يكونا داخلين في ذلك الشيء، أو خارجين عنه، أو أحدهما داخلا، والآخر خارجا:
стр. 3398
فإن كان الأول: كان ذلك الشيء مركبا في نفسه، والجزء الذي هو ملحوق الفاعلية غير الجزء الذي ملحوق القابلية؛ فلا يكون الشيء الواحد قابلا وفاعلا.
وإن كان الثاني: كان هذان الأمران الخارجان عن تلك الماهية لاحقين لها، وكل لاحق معلول، فيعود الأمر في أن المفهوم من كون تلك الماهية علة لأحد اللاحقين غير المفهوم من كونه علة للاحق الآخر، ويكون الكلام في هذين المفهومين كما في الأول؛ فيلزم التسلسل؛ وهو محال.
وإن كان أحدهما داخلا في الماهية، والآخر خارجا عنها، لزم كون الماهية مركبة؛ لأن كل ماله جزء، فهو مركب، ولزم أن يكون: إما الفاعلية، أو القابلية- جزءا منن الماهية؛ وذلك محال؛ لأن الفاعلية والقابلية نسبة بين الماهية وبين غيرها، والنسبة بين الشيء وبين غيره خارجة عن الماهية، والخارج عن الشيء لا يكون داخلا فيه؛ فلا يمكن أن تكون القابلية أو الفاعلية داخلة في الماهية.
الثاني: وهو أن نسبة القابل إلى المقبول نسبة الإمكان، ونسبة المؤثر إلى الأثر نسبة الوجوب، فلو كان الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد مؤثرا وقابلا، لزم كون النسبة الواحدة موصوفة بالوجوب وبالإمكان معا؛ وهو محال":
قلت: قد بينا في كتبنا العقلية ما في هذين الوجهين من المغالطة.
وأما إن كانت العلة متعدية، لم يصح أن يكون محل الحكم علة للحكم؛ لأن العلة المتعدية هي التي توجد في غير مورد النص، وخصوصية مورد النص يستحيل حصولها في غيره؛ لان الشيء لا يكون نفس غيره.
стр. 3399
الباب الثالث
فيما ظن أنه من مفسدات العلة
قوله: "الإضافية كقولنا: مكيل؛ فيكون ربويا":
تقريره: أن الكيل أمر لا يعقل إلا بين شيئين: كيل ومكيل، وكائل، فكان إضافيا.
قوله: "مثال المركب من الحقيقي والإضافي، قولنا: بيع صدر من أهله في محله":
تقريره: أن البيع حقيقي، والأهل لا يعقل إلا بالقياس إلى شيء هو متأهل بالنسبة إليه، وكذلك لا يعقل المحل إلا بالقياس إلى حال.
قوله: "والإضافي والسلبي قولنا: عمد عدوان":
تقريره: أن العمد هو القصد، ولا بد فيه من مقصود يضاف إليه، والعدوان معناه غير مستحق، فهو سلبي.
قوله: "لا تمنع الجهالة إلا إذا منعت التسليم؛ لجواز البيع معها في الصبرة المشار إليها؛ لصحة التسليم مع الجهالة بالقدر":
قلنا: لا نسلم أن الصبرة مجهولة القدر، بل معلومة بطريق الحرز والتقدير، فالخطأ فيها نادر وقليل، ولو كان جاهلا بالحرز والتقدير امتنع البيع، بل الجهالة في نفسها مانعة لإخلالها بالرضا بانتقال المالية؛ لأن الرضا بغير المعلوم متعذر، [و] لأنها وإن رضي بها العاقد قد تخل بالمالية؛ لجواز انكشاف العيب عن نقص مخل بالمال.
стр. 3400
"المسألة الأولى"
اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم، والحق أن العلة إما أن تكون قاصرة أو متعدية.
يريد: أنا إما أن نفرع على جواز التعليل بالقاصرة أم لا، فإن فرعنا جاز.
قوله: "لا يستبعد أن يقول صاحب الشرع: حرمت الربا في البر لكونه برا، ويعرف كون البر مناسبا لحرمة الربا":
تقريره: أن طريق معرفة ذلك أن يقال: إن فيه من الحرارة والرطوبة الملائمة لبدن الإنسان في الغذاء ما ليس غير غيره، فيعظم قدره لذلك، فيمنع الشرع من بذل كثيره في قليله؛ لأن بذل الكثير في القليل هوان بالكثير، والشرف يمنع الهوان.
قوله: "لو كان المحل علة لكان الشيء الواحد قابلا وفاعلا معا، وذلك محال؛ لأن المفهومين إذا كانا داخلين لزم أن يكون الواحد مركبا":
قلنا: ولم قلتم: إن مفهوم المحل "كالبر" مثلا واحدا، بل يجب أن يكون كثيرا؛ لأن البر لا يتصور من مطلق الجوهر، ولا من مطلق العرض، بل لابد فيه من جواهر وأعراض من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وحصول العناصر الأربعة وعلية بعضها على بعض، فنسب إلى ما غلب عليها.
وقولنا: "جاز" لا يقتضي أنه ليس فيه حر بارد، بل فيه ضرورة، غير أن تأثيره في بدن الإنسان التسخين والترطيب، وكذلك جميع ما يحكم عليه من النبات والحيوان والجماد، ولا بد من امتزاج بين تلك العناصر، والوحدة بعيدة من البر، وغيره من أجزاء العالم.
سلمنا الوحدة، لكن لا نسلم أن الواحد لا يكون قابلا وفاعلا؛ لأن هاتين نسبتان، والنسب والإضافات لا توجب التركيب في الخارج؛ لعدمها في الخارج، بل وجودها في الذهن فقط.
стр. 3401
ثم ينتقض ذلك بمركز الدائرة، فإنها تسامت كل نقطة من نقط المحيط، فكل مسامتة غير المسامتة الأخرى، فالمسامتان إما داخلتان، أو خارجتان إلى آخر التقسيم.
وكذلك الواحد نصف الاثنين، وثلث الثلاثة، وربع الأربعة إلى غير ذلك من اللوازم.
فملازمة الواحد لأحد اللوازم، غير ملازمته للازم الآخر، فهاتان الملازمتان إما داخلتان أو خارجتان، فيلزم التركيب في الواحد، وجميع ما ذكرتموه، وهذه هي الأمور التي أشار المصنف أنه ذكرها في كتبه على هذا الوضع.
قوله: "نسبة [المؤثر إلى الأثر] نسبة الوجوب":
تقريره: أن المؤثر لا يؤثر حتى يستجمع لكل ما لا بد منه في أثره من الشروط، وانتفاء الموانع، ومتى استجمع لذلك، وجب أثره بالضرورة؛ إذ لو نفى يمكن عدم الوقوع بعد ذلك؛ لفرضنا وقوعه، وعدم وقوعه مع الاستجماع، وحينئذ يلزم الترجيح من غير مرجح في زم الوقوع.
فإن كان لابد من مرجح، فلذلك المرجح هو من جملة ما يتوقف عليه التأثير، فحينئذ ما استجمع، وقد فرضناه استجمع، هذا خلف، فتعين [ألا] يقع الأثر إلا واجبا.
قوله: "يلزم أن تكون النسبة الواحدة موصوفة الإمكان، والوجوب معا، وهو محال":
قلنا: لا نسلم أنه محال؛ فإن النقيضين؛ والضدين، يجوز اجتماعهما معا باعتبار إضافتين متعددتين، لما تقرر في علم المنطق أن من شروط التناقض اتحاد الإضافة، وأن الشروط ثمانية:
стр. 3402
أحدها: الإضافة.
والوجوب- هاهنا- بالإضافة إلى البابين، والإمكان بالنسبة إلى القبول.
فهما جهتان، والإضافة إليهما متعددة، فلا تناقض حينئذ.
"تنبيه"
زاد التبريزي: فقال: يشهد لأن المحل قد يتضمن حكمة تقتضي الورود به- أن العلم شريف لكونه علما، وكذلك كل حالة شرعية، أو حقيقية ثابتة للشيء من حيث هو هو، كالتحير للجوهر، ووجوب الفناء للعرض، وافتقاره للمحل؛ فإنا نعنى بالتعليل حسن قولنا: إنه يثبت له.
وأجاب عن قولهم: "المفهومان إما داخلان أو خارجان عن الماهية":
بأن المفهومين يثبتان لشيء واحد بالإضافة إلى حكم؛ لأنهما لا يدخلان في ماهية شيء؛ لأنهما نسبتان بين الماهية وغيرها.
ونسلم هذا، ونقول: لم لا يكونا حالتين وحكمين لماهية واحدة؟
وقولهم: "يكونان لاحقين، واللاحق يحتاج إلى علة":
قلنا: مسلم، وعليته نفس الذات؛ لأنه لو افتقر [كل] إلى لاحق لعلة لاحقة تسلسل، فالصفات التابعة للحدوث كلها لواحق مستحقة للذات بنفس الماهية الموجودة.
ثم ليس هذا إشكالا على اجتماع العلية والقابلية لشيء واحد، بل على نفس ثبوت العلية لشيء، وهو باطل بالإجماع.
ثم نقول: إن كان الكم وضعيا، فقد عرضت له العلية بعد القابلية، ويبدل الإمكان بالوجوب.
стр. 3403
وإن كان عقليا، فالإمكان مع تحقق الذات؛ فإن شرط الإمكان عدم فرض العلة، فإذا كانت العلية [حالية للذات] لم يكن فرض عدمها، فينقلب الإمكان للشيء لذاته وما بالذات الشيء لا يكون مشروطا لصحبة غيره؛ لأنه واجب، وشرطيته بالعارض تصيره ممكنا، والإمكان واجب الممكن، بل الحق أن الإمكان ثابت مع وجود العلة، ويجتمع الإمكان بالذات، والوجوب بالغير، وكذلك كل أثر مع مؤثره، بل أجزاء العالم كلها ممكنة لذاتها، وواجبة؛ لتعلق العلم والإرادة، والخبر النفساني بوجودها، فلا تناقض بين الإمكان بالذات، والوجوب بالغير، وظهر أن الإمكان غير مشترط ألبتة.
"فائدة"
قال سيف الدين: قال الأكثرون: لا يجوز التعليل بمحل الحكم، ولا بجزئه.
وقيل: يجوز.
والمختار التفصيل: فيجوز بالجزء، دون المحل.
***
стр. 3404
المسألة الثانية
قال الرازي: الوصف الحقيقي إذا كان ظاهرا مضبوطا، جاز التعليل به، أما الذي لا يكون كذلك؛ مثل الحاجة إلى تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة، وهي التي يسميها الفقهاء بالحكمة، فقد اختلفوا في جواز التعليل به، والأقرب جوازه.
لنا: أنا إذا ظننا استناد الحكم المخصوص في مورد النص إلى الحكمة المخصوصة، ثم ظننا حصول تلك الحكمة في صورة أخرى تولد؛ لا محالة، من ذينك الظنين- ظن حصول الحكم في تلك الصورة، والعمل بالظن واجب؛ على ما تقدم.
فإن قيل: لا نزاع في أنه لو حصل ظن تعليل الحكم في الأصل بتلك الحكمة، ثم حصل ظن حصول تلك الحكمة في صورة أخرى- أنه يلزم حصول مثل حكم الأصل في تلك الصورة الأخرى، لكن النزاع في أن ذينك الظنين، هل هما ممكنا الحصول، أم لا؟ وأنتم ما دللتم على جوازه، ونحن نبين امتناعه من وجوه:
الأول: أن الحكم: إما أن يعلل بالحاجة المطلقة، أو يعلل بالحاجة المخصوصة:
والأول: باطل؛ وإلا لكان كل حاجة معتبرة.
والثاني أيضا: باطل؛ لأن الحاجة أمر باطن؛ فلا يمكن الوقوف على مقاديرها، وامتياز كل واحدة من مراتبها التي لا نهاية لها عن المرتبة الأخرى، وإذا تعذر، تعيينه تعذر التعليل بذلك المتعين.
стр. 3405
الثاني: لو صح تعليل الحكم بالحكمة، لما صح تعليله بالوصف، وتعليله بالوصف جائز، فتعليله بالحكمة غير جائز.
بيان الملازمة: أن شرع الحكم لابد وأن يكون لفائدة عائدة إلى العبد، لانعقاد الإجماع على أن الشرائع مصالح، إما وجوبا؛ كما هو قول المعتزلة، أو تفضلا؛ كما هو قولنا.
وإذا كان كذلك، فالمؤثر الحقيقي في الحكم هو الحكمة: أما الوصف، فليس بمؤثر ألبتة، وإنما جعل مؤثرا؛ لاشتماله على الحكمة التي هي المؤثرة، إذا ثبت هذا، فنقول: لو أمكن استناد الحكم إلى الحكمة، لما جاز استناده إلى الوصف؛ لان كل ما يقدح في استناده إلى الحكمة يقدح في استناده إلى الوصف؛ لأن القادح في الأصل قادح في الفرع، وقد يوجد ما يقدح في الوصف، ولا يكون قادحا في الحكمة؛ لأن القادح في الفرع قد لا يكون قادحا في الأصل، فاستناد الحكم إلى الوصف، مع إمكان استناده إلى الحكمة- تكثير لإمكان الغلط من غير حاجة إليه؛ وإنه لا يجوز، ولما رأينا أنه جاز التعليل بالوصف علمنا أنه إنما جاز؛ لتعذر التعليل بالحكمة.
الثالث: لو جاز التعليل بالحكمة، لوجب طلب الحكمة، والطلب لها غير واجب، فالتعليل بها غير جائز.
بيان الملازمة: أن المجتهد مأمور بالقياس عند فقدان النص، ولا يمكنه القياس إلا عند وجدان العلة، ولا يمكنه وجدانها إلا بعد الطلب، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب؛ فإذن: طلب العلة واجب، وإذا كانت الحكمة علة، كان طلبها واجبا.
стр. 3406
بيان أن طلب الحكمة غير واجب: أن الحكمة لا تعرف إلا بواسطة معرفة الحاجات، والحاجات أمور باطنه لا يمكن معرفة مقاديرها إلا بمشقة شديدة؛ فوجب ألا تكون هذه المعرفة واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج:٧٨].
الرابع: أن استقراء الشريعة يدل على أن الأحكام معللة بالأوصاف، لا بالحكم؛ لأنا لو فرضنا حصول الأوصاف الجلية؛ كالبيع، والنكاح، والهبة- عارية عن المصالح- لاستندت الأحكام إليها، ولو فرضنا حصول المصالح، دون هذه الأوصاف، لم تثبت بها الأحكام الملائمة لها؛ وذلك يدل ظاهرا على امتناع التعليل بالحكم.
الخامس: الدليل ينفي التمسك بالعلة المظنونة؛ لقوله تعالى: ﴿ن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات:١٢] وقوله: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] خالفناه في الأوصاف الجلية؛ لظهورها، والحاجات ليست كذلك؛ فتبقى على الأصل.
السادس: أن الحكمة تابعة للحكم؛ لأن الزجر تابع لحصول القصاص، وعلة الشيء يستحيل تأخيرها عن الشيء؛ فالحكمة لا تكون على للحكم.
والجواب: قوله: "ما الدليل على جواز أن يحصل لنا ظن أن الحكم في الأصل معلل بالحكمة؟ ":
قلنا: لا نزاع في أن المناسبة طريق كون الوصف علة، والمعنى بذلك: أنا نستدل بكون الوصف مشتملا على المصلحة؛ على كونه علة؛ فلا يخلو: إما أن يكون الدال على عليته اشتماله على مطلق المصلحة، أو اشتماله على مصلحة معينة:
стр. 3407
والأول: باطل؛ وإلا لكان كل وصف مشتمل على مصلحة، فكيف كانت- علة لذلك الحكم.
ولا بطل القسم الأول، تعين الثاني: فنقول: إما أن يمكن الإطلاع على المصلحة المخصوصة، أو لا يمكن: فإن امتنع الإطلاع على المصلحة المخصوصة، امتنع الاستدلال بكون الوصف مشتملا عليها؛ على كونه علة؛ لأن العلم باشتمال الوصف عليها موقوف على العلم بها، وحيث لم يمتنع هذا الاستدلال، علمنا أن الاطلاع على خصوصيتها ممكن، وبهذا الحرف ظهر الجواب عن قوله: "المصالح أمور باطنه؛ فلا يمكن الاطلاع عليها".
قلنا: التعليل بالحكمة، وإن كان راجحا على التعليل بالوصف؛ من الوجه الذي ذكرت، فالتعليل بالوصف راجح على التعليل بالحكمة من وجه آخر؛ وهو الاطلاع على الوصف، وعسر الاطلاع على الحكمة، فلما كان كل واحد منهما راجحا على الآخر من وجه، مرجوحا من وجه آخر- حصل الاستواء.
قوله: "لو صح التعليل بالحكمة لوجب طلبها":
قلنا: نحن، وإن اختلفنا في جواز تعليل الحكم، لكنا اتفقنا على أن كون الوصف علة للحكم- معلل بالحكمة، فإن لم يقتض ذلك وجوب طلب الحكمة، فقد بطل قولك؛ وإن اقتضى وجوب طلبها، فقد بطل قولك أيضا.
قوله: "الاستقراء دل على تعليل الأحكام بالأوصاف، لا بالحكمة":
قلنا: لا نسلم؛ بل التعليل بالحكم حاصل في صور كثيرة؛ مثل التوسط في إقامة الحد بين المهلك والزاجر، وكذا الفرق بين العمل اليسير والكثير.
стр. 3408
قوله: "النافي للقياس قائم، ترك العمل به في الوصف؛ لظهوره":
قلنا: الحكمة علة لعلية الوصف؛ فأولى أن تكون علة للحكم.
قوله: "الحكمة ثمرة الحكم": قلنا: في الوجود الخارجي، لا في الذهن، ولهذا قيل: أول الفكر آخر العمل.
نكتة أخرى في المسألة: الحكمة علة لعلية العلة، فأولى أن تكون علة للحكم.
بيانه: أن الوصف لا يكون مؤثرا في الحكم، إلا لاشتماله على جلب نقع، أو دفع مضرة، فكونه علة معلل بهذه الحكمة؛ فإن لم يمكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة، استحال التوصل به إلى جعل الوصف علة، وإن أمكن ذلك، وهو مؤثر في الحكم، والوصف ليس بمؤثر، كان إسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة التي هي المؤثرة أولى من إسناده إلى الوصف الذي هو في الحقيقة ليس بمؤثر.
المسألة الثانية
الوصف الحقيقي إذا كان ظاهرا منضبطا جاز التعليل به
قال القرافي: قوله: "إذا ظننا [استناد] الحكم في مورد النص إلى الحكمة، وظننا حصولها في الفرع، ظننا حصول الحكم في الفرع، والعمل بالظن واحد":
قلنا: قد تقدم أن الشرع لم يعتبر مطلق الظن، بل مراتب مخصوصة؛ بدليل شهادة الكفار، والفساق، والصبيان، وغير ذلك من الأمارات التي ألغاها الشارع، فلم قلتم: إن هذا الظن من الرتب التي اعتبرها الشرع؟
هذا أول المسألة.
قوله: "الشرائع مصالح بالإجماع":
стр. 3409
قلنا: المنكرون للقياس يمنعون أن المصالح مرعية ألبتة.
وجماعة من المتكلمين- ويعزى إلى الأشعري- أن حكم الله- تعالى- يستحيل تعليله بالمصالح، بل أفعاله يستحيل أن تكون معللة، فأين الإجماع؟.
قوله: "لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وطلبها غير واجب؛ لأنها غير منضبطة، فيكون طلبها مشقة، فلا يجب طلبها؛ لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
قلنا: إحدى المقدمتين باطلة، إما عدم لزوم وجوب الطلب، وإما أن اللازم غير منفى؛ لأن طلب الحكمة إما أن يكون مقدورا يحسن التكليف به، أو لا.
فإن كان الأول: بطل نفي اللازم؛ لأنه لا مشقة حينئذ.
وإن كان الثاني: بطلت الملازمة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به إنما يجب إذا لم يكن كذلك، فظهر أن إحدى المقدمتين باطلة، إما بطلان الملازمة، أو نفي اللازم.
قوله: "الحكمة تابعة للحكم؛ لأن الزجر تابع لحصول القصاص":
قلنا: مسلم، لكنه تقدم في المجاز أن الأسباب، والعلل أربعة أقسام: فاعلية، وصورية، ومادية، وغائية.
والمراد- هاهنا- الغائية التي تسبق في النفس، وتتأخر في الوقوع.
стр. 3410
"فائدة"
قال النقشواني: العلة في الحقيقة الحكمة؛ لكنها إنما تنضبط بمقاديرها، وإنما يضبط ذلك الوصف، فكون الوصف علة في الشرع معناه: أنه علامة للحكمة، ودليل عليها، فالحكمة هي العلة الغائية الباعثة للفاعل، والوصف هو المعرف، فإذا قلنا: في الشرع علل معرفة، نريد بذلك الوصف المعرفة للعلة الحقيقية المؤثرة، فزالت الشبه، واجتمعت الأقوال.
"سؤال"
يلزم على التعليل بالحكمة أن من أكل من لحم امرأة قطعت حرمت عليه وصارت أمه؛ لأن حكمة التعليل بالرضاع، هو لحكمة كون جزء الرضيعة صار جزء المرضعة؛ لأن لبنها جزؤها، وقد صار لحما للرضيع، فصار جزؤها جزءا، ولذلك قال ﵇: "الرضاع لحمة كلحمة النسب"
стр. 3411
أي لما كان أصل النسب أن منيها- الذي هو جزؤها- مع منى الرجل، نشأ منهما الجنين، وصار منهما [جزءا]، فكذلك اللبن.
وكذلك يلزم أن من سرق صبيانا صغارا، وغيبهم عن آبائهم، حتى كبروا، والتبسوا على آبائهم، واختلطت أنسابهم، كذلك يجب عليه الرجم حد الزنا؛ لأنه أتى بحكمة الزنا التي هي اختلاط الأنساب.
واعلم أن مثل هذا كما هو وارد على التعليل بالحكم، فهو- أيضا- وارد على المدرك المانع من التعليل الذي هو عدم الانضباط؛ فإن هذه حكم منضبطة؛ لأن كون جزئها صار جزءه أمر منضبط، وكذلك اختلاط الأنساب في المثال الآخر.
"فائدة"
قال سيف الدين: قال الأكثرون: يمتنع التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط.
وجوزه الأقلون.
ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها، والخفية المضطربة، فيجوز بالأولى دون الثانية؛ لاتفاقنا على أن الوصف المنضبط المشتمل على الحكمة يصح التعليل به؛ لانضباطه، وإن لما يكن هو المقصود، فالحكمة أولى إذا كانت منضبطة، والخفية [التي] لا تنضبط لا يعلل بها، بل بضابطها كمشقة السفر، ولذلك لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن زادت مشقته على مشقة السفر في كل يوم ربع فرسخ، وهو في غاية الرفاهية؛ لأجل الاضطراب.
***
стр. 3412
المسألة الثالثة
قال الرازي: المعللون بالحكمة، لما قيل لهم: إن الحكمة مجهولة القدر؛ فإن حاجة الإنسان في مبدأ زمان الجوع، دون حاجته في مقطع زمان الجوع، وما كان الغالب فيها التفاوت، لم يكن القدر الموجود في الأصل ظاهر الوجود قي الفرع؛ فلم يصح القياس.
فمن الناس: من أجاب عنه: بأنا نعلل بالقدر المشترك بين الصورتين؛ لأنه حصل في الأصل قدر معين من المصلحة، وفي الفرع قدر معين، وكل مقدارين؛ فلابد وأن يكون بينهما اشتراك في قدر معين، وذلك القدر المشترك يناسب التعليل به؛ لكونها مصلحة مطلوبة الوجود.
فإن قيل لهم: إنه ينتقض بالحاجة الفلانية؛ فإنها غير معتبرة، قالوا: نحن إنما عللنا بالقدر المشترك بين الأصل والفرع، ونحن لا نسلم أن ذلك القدر المشترك حاصل في صورة النقض.
واعلم أن هذا الكلام ضعيف؛ وذلك لأنه يحتمل ألا يكون بين القدر المشترك الحاصل في الأصل، والحاصل في الفرع- اشتراك، إلا في مسمى كونه مصلحة، والتعليل بهذا المسمى غير ممكن؛ وإلا حصل النقض بجميع المصالح المنفكة عن هذا الحكم، وأما الاشتراك بين القدرين في أمر آخر وراء عموم كونه مصلحة، فغير معلوم، ولا مظنون؛ وإذا كان وجوده غير ظاهر، لم يكن التعليل به ظاهرا.
стр. 3413
المسألة الثالثة
المعللون بالحكمة إذا قيل لهم: هي مجهولة القدر
قال القرافي ك قوله: "يحتمل ألا يكون بين القدر المشترك الحاصل في الأصل، والحاصل في الفرع اشتراك إلا في مسمى كونه مصلحة"، والتعليل بهذا غير ممكن؛ لما عليه من النقوض بجميع المصالح المنفكة عن هذا الحكم، والاشتراك في غير المشترك غير مظنون":
قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل معلوم بالضرورة؛ فإن اللواط والزنا، قد اشتركا في قدر مشترك من المفسدة أما في الزنا، فللاختلاط، وأما في اللواط؛ فلأنه قد يعتاد، فيترك النساء بالكلية.
وهذه مفاسد لم توجد في القذف، ولا في السرقة، ولا في الشرب، وهو كثير، وأن بينهما مشتركا أخص من مطلق المشترك بالضرورة.
" تنبيه"
زاد سراج الدين فقال: الاقتصار على المشترك، وإن كان جائزا، لكنه غير لازم .
يريد: أنه غير متعين، فلا يتعين إيراد السؤال.
وقال التبريزي: إذا أمكن تصور الحكمة، وتعرفها في صورة بواسطة وصف، أمكن معرفتها في صورة أخرى بواسطة وصف آخر قطعا أو ظنا.
стр. 3414
والقول بالتعليل بالوصف مع إمكان التعليل بالحكمة مستنده إما خصوص منوط بعينه، أو تسهيل أمر اكتفاء باحتمال الحكمة، وسعيا في تحصيلها ما أمكن، وهذا المعنى يناقضه إهمالها عند اليقين.
وأما لزوم الحرج في طلبها، فيقتضي جواز الاكتفاء بالوصف الضابط لإهمال نفس الحكمة بعد الظفر بها.
قال: وجواب المصنف عن النقض بمنع حصول المشترك في صورة النقض باطل؛ فإن من المعلوم اشتراك الأصل والفرع في مسمى تلك الحكمة، وهو معلوم للوجود في صورة النقص، وكما لا دليل على اختصاص الأصل بزائد بالإضافة إلى الفرع، لا دليل على اختصاصه بزائد بالإضافة إلى صورة النقض، فإن كان هو العلة يلزمهم حكمها في صورة النقض.
***
стр. 3415
المسألة الرابعة
قال الرازي: يجوز التعليل بالعدم؛ خلافا لبعض الفقهاء .
لنا: أنه قد يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات، والدوران يفيد ظن العلية، والعمل بالظن واجب.
احتجوا على أن العدم لا يصلح للعلية بوجوه:
أحدها: أن العلية مناقضة للاعلية المحمولة على العدم، فاللاعلية عدمية، والعلية ثبوتية، فلو حملناها على العدم المحض، كان النفي المحض موصوفا بالصفة الوجودية، ولو جوزنا ذلك، لما أمكننا أن نستدل بكون الجدار وكثافته، وحصوله في الجيز على كون الموصوف بهذه الصفات موجودا، وهو سفسطة.
وثانيها: أن العلة لابد وأن تتميز عما ليس بعلة، سواء أريد بها المؤثر، أو المعرف، أو الداعي، والتمييز عبارة عن كون كل واحد من المتميزين مخصوصا في نفسه؛ بحيث لا يكون تعين هذا حاصلا لذلك، ولا تعين ذلك حاصلا لهذا، وهذا غير معقول في العدم الصرف؛ لأنه نفى محض، ولأنه لو جاز وقوع التمييز فيه، لجاز أن يقال: "المؤثر في العالم عدم صرف" لست أقول: "ذات معدومة" على ما ذهب إليه القائلون بأن المعدوم شيء؛ لأن ذلك عندهم ثابت، بل الإلزام أن نجعل النبي المحض الذي لا يكون ذاتا، ولا عينا، ولا أمرا من الأمور- مؤثرا في العالم، وذلك مما يسد باب إثبات الصانع، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
стр. 3416
وثالثها: أن العدم: إما أن يكون عاريا عن النسبة من كل الوجوه أو لا يكون:
فإن كان الأول: لم يكن له اختصاص بذات، دون ذات، وبوقت، دون وقت؛ فلا يجوز جعله علة لحكم معين، في وقت معين، وفي شخص معين، وإن كان له انتساب بوجه ما، كان ذلك الانتساب أمرا ثبوتيا ضرورة كونه نقيضا للانتساب؛ فيلزم وصف العدم بالوجود؛ وهو محال.
ورابعها: أن المجتهد، إذا بحث عن على الحكم، لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية، فإنها غير متناهية، مع أنه يجب عليه سبر كل وصف يمكن كونه علة، وذلك يدل على أن الوصف ألعدمي لا يصلح للعلية.
وخامسا: قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] والعدم نفي محض؛ فلا يكون من سعيه؛ فوجب ألا يترتب عليه حكم؛ فإن كل حكم يثبت، فإنه يحصل للإنسان بسببه: إما جلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فثبت أن الوصف ألعدمي لا يمكن أن يكون علة.
فإن قلت: "الامتناع عن الفعل عدم، مع أنه قد يكون مأمورا به، ويكون منشأ للمصالح، ودفع المفاسد":
قلت: الامتناع عن الفعل عبارة عن أمر يفعله الإنسان، فيترتب عليه عدم ذلك الشيء؛ فثبت أن الامتناع ليس عدما محضا.
والجواب عن الأول: ما ذكرتموه من الدالة على أن العلية صفة ثبوتية- معارض دليل آخر، وهو: أنها لو كانت ثبوتية، لكانت من عوارض ذات العلة؛ فكانت مفتقرة إلى تلك الذات؛ وكانت ممكنة؛ وكانت مفتقرة إلى العلة؛ فكانت علية العلة لتلك العلة زائدة عليها؛ ولزم التسلسل.
стр. 3417
وعن الثاني: نسلم أنه لا بد وأن تكون العلة متميزة عما ليس لعلة، لكن لا نسلم أن التميز يستدعى كون المتميز ثبوتيا؛ فإن عدم أحد الضدين عن المحل يصحح حلول الضد الآخر فيه، وعدم ما ليس بضد ليس كذلك، وأيضا عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، وعدم ما ليس بلازم لا يقتضي ذلك؛ فقد حصل الامتياز في العدمات.
وعن الثالث: أن العلة عدم مخصوص.
قوله: "فالخصوصية صفة قائمة بالنفي المحض":
قلنا: لا نسلم أن الخصوصية أمر ثبوتي؛ فإنها لو كانت أمرا ثبوتيا، لكانت في نفسها أمرا مخصوصا؛ فلزم التسلسل.
وعن الرابع: لا نسلم أن المجتهد لا يبحث في السير والتقسيم عن الأوصاف العدمية.
سلمنا ذلك؛ لكن إسقاط ذلك التكليف؛ لتعذره؛ فإن العدمات غير متناهية.
وعن الخامس: أنا نعلم بالضرورة كوننا مكلفين بالامتناع؛ فدل على أن العدم قد يكون متعينا.
قوله: "الامتناع عبارة عن فعل يترتب عليه العدم":
قلنا: لو كان الامتناع عبارة عن فعل يترتب عليه العدم، لكان الممتنع عن الفعل فاعلا؛ وذلك محال.
стр. 3418
المسألة الرابعة
يجوز التعليل بالعدم
قال القرافي: قوله: "إنه يفيد ظن العلية، والعمل بالظن واجب":
قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن غير معتبر؛ بديل شهادة الفساق والكفار، وإلغاء كثير من المصالح والمفاسد في الأفعال المباحة، بل لا بد من رتبة معينة، فلم قلتم: إن هذا الظن من الرتب التي اعتبرها الشارع؟.
قوله: "اللاعلية محمولة على العدم":
تقريره: أن بعض المقدمات يصدق أن يقال فيها: ليس بعلة إجماعا، كعدم إصبع رائدة ليس علة للربا إجماعا.
[أو] الصفة الوجودية لا تكون صفة للعدم، يدل على أن العلية وجودية.
ويرد عليه جميع النسب والإضافات، كالقبلية، والبعدية، والتقدم، والتأخر، ونحو ذلك؛ فإنها يصدق أن القبلية وجودية؛ لأنها تقتضى اللاقبلية المحمولة على العدم؛ فإنه يصدق على جميع الأعلام المتأخرة أنها ليست قبلا، فيلزم أن تكون هذه الإضافات وجودية مع أنها لا وجود لها في الأعيان، بل عدمية في الخارج، كذلك العلية هي من باب النسب الكائنة بينهما وبين المعلول، كالتأثير بين المؤثر والأثر.
قوله: "العدم لا يكون من سعي الإنسان":
قلنا: لا نسلم، بل نحن مأمورون بدرء المفاسد، وعدمها إنما هو بتحصيل أضدادها، فإذا حصلنا أضدادها، خرجنا عن العهدة في درء المفاسد، فيكون العدم مكتسبا التزاما.
стр. 3419
قوله: "يلزم التسلسل من علية العلة":
قلنا: جاز أن تكون العلية أمرا ثبوتيا، وعلة عليتها أمرا عدميا؛ لأنها مخالفة لها، والأمور المختلفة بالذات يجب اختلافها في اللوازم والصفات الذاتية، فجاز أن يكون علية أحدهما زائدة عليه، وعلية الأخرى ليست زائدة عليه، فلا يلزم التسلسل.
سلمنا: أن كليهما زائد، لكن قولكم: "إن علية العلة أمر ممكن، فيفتقر إلى علة أخرى":
قلنا: ممنوع، بل الممكنات مضافة إلى قدرة الله تعالى- والله تعالى- في ذاته ليس علة، ولا محتاجا إلى على فلا تسلسل أيضا.
قوله: "لو كان الامتناع عن فعل يترتب عليه العدم، لكان الممتنع من الفعل فاعلا، وهو محال".
قلنا: لا نسلم أنه محال، بل هو فاعل من حيث ملابسته للضد المستلزم لذلك العدم، وممتنع من جهة تلك المفسدة التي لزم عدمها لهذا الفعل.
والنقيضان باعتبار إضافتين لا يمتنع اجتماعهما، إنما المحال بالشروط الثمانية المذكورة في علم المنطق، ومن جملتها اتحاد الإضافة.
" سؤال"
قال النقشواني: قوله- هاهنا-: "يجوز التعليل بالعدم_ يناقضه ما تقدم له:
"أن العدم لا يجوز [له] أن يكون علة ولا جزء علة".
стр. 3420
قال: بل التحقيق أن التعليل في الحقيقة إنما هو بالحكمة والمصلحة، والأوصاف علامات لها، وضوابط لها، وهذه الأوصاف والضوابط تارة تكون صفة حقيقية، وتارة تكون إضافية، وتارة تكون سببية، فلا يرد شيء من الأسئلة أصلا، بل ذلك إنما يرد [عليه] على القول بان الأوصاف مؤثرة.
" تنبيه"
زاد التبريزي قال: "لا يجوز التعليل بالعدم" خلافا للمصنف .
وأورد عليه أن العلية عند مثبتي الحال حالة إضافية، لا توصف بالوجود، ولا بالعدم، ولا تعقل فارقا بين الموجود والثابت، وعنده الأمور الإضافية كلها عدم، فيوصف بها العدم.
قال: قوله: "إنه نقيض اللاعلية" مسلم، ولكنه لا يدل على أنها أمر ثبوتي؛ فإن كل مفهوم وضع له لفظ يقبل دخول حرف النفي [عليه، سواء] كان ثبوتيا أو عدميا، كالخلاء، والفناء، والانفراد، والقدم، والاستحالة، والعدم، ولا يلزم أن يكون مفهومه ثبوتيا، ثم العدم لا يقبل الاتصاف بأمر ثبوتي؛ وأما الوصف بأمر ثبوتي فيقبله؛ فإنه معلوم ومذكور، ومخبر به وعنه، ومتميز في الذهن عن الوجود، والممكن منه من المحال، والمضاف منه عن المحض، ومضاف آخر.
فإذا ثبت هذا، فنقول: لا نعني بكونه عدم إلا كونه محال يمتنع في العقل تقدير حصوله دون ترتيب حصول ما أضيفت إليه بالمعلومية.
ثم هذه الحالة إن كانت ثابتة له لمعنى في ذاته، امتنع إثباته للعدم؛ لأن العدم يمتنع أن يكون محل قيام المعاني.
стр. 3421
وإن كانت مستفادة من الوضع أمكن إثباته للعدم؛ لأنه تبع للقول، والعدم يقبل الأوصاف القولية، ثم هو قد سلم ذلك في العدم المنسوب، ولا نزاع إلا فيه.
وجعله النسبة أمرا ثبوتيا لا يدفع الإشكال، بل يؤيده؛ لأن التعليل بالعدم المنسوب لا بالنسبة، وقد قبل العدم النسبة التي هي أمر ثبوتي.
وقوله في دليل الجواز: "إن الدوران يفيد ظن العلية" باطل لوجوه:
الأول: أن أصحاب الدوران قيدوا دلالته بشرط عدم ما يدل على عدم العلية؛ تخلصا من تلك الإشكالات، وكونه عدما مما ينفي كونه علة، فإن منعوا فهو أول المسألة.
الثاني: أن الدوران إنما يدل على الملازمة، وهي أعم من العلية؛ فإنه القدر المشترك بين الدورانات.
الثالث: أنه لا يمكن حصول الأطراف في عدم معين؛ فإنه ما من شيء إلا ويقترن به عدم أشياء، فإن لم ينظر إلى ملائمة، فلا فرق بين عدم وعدم.
قلت: قوله: "العدم لا يقبل الاتصاف بأمر ثبوتي، وأما الوصف بأمر ثبوتي فيقبله":
معناه: أن اتصاف العدم بألثبوتي عنده قيام ألثبوتي به، وهو محال.
ووصفه به معناه أعم من ذلك، فيكفي فيه أن يكوم متعلق ألثبوتي؛ لأن الخبر والعلم ونحوهما أمور ثبوتية، وتتعلق بالعدم، وقد تقدم في حد الحكم هذه القاعدة مبسوطة، وهي أن الشيء قد يوصف بما هو قائم به، ويوصف بما ليس قائما به.
стр. 3422
فالأول: كالألوان، والطعوم، ونحوها.
والثاني: قولنا: معلوم ونحوه؛ فإنا نصف المعلوم بالعلم، وهو قائم بالعالم، فبهذه [الطريقة] أمكن الوصف بألثبوتي العدم، وهو معنى قوله: "العدم يقبل الأوصاف القولية؛ لأن القول يقوم بالعدم، بل يقال في العدم: إنه معلوم ونحوه.
وقوله: "أهل الدوران اشترطوا عدم ما يدل على عدم العلية؛ تخلصا من تلك الإشكالات":
يريد بالإشكالات النقوض التي مر ذكرها على الدوران مع انتفاء العلية فيها؛ لقيام الدليل على عدم العلية فيها.
***
стр. 3423
المسألة الخامسة
قال الرازي: للمانعين من التعليل بالعدم: أن يمنعوا من التعليل بالأوصاف الإضافية ؛ محتجين بأنها عدم، والعدم لا يكون علة.
وإنما قلنا: إنها عدم؛ لأن مسمى الإضافة ليس أمرا وجوديا؛ وإذا لم يكن المسمى وجوديا امتنع أن يكون شيء من الإضافات المخصوصة أمرا وجوديا.
وإنما قلنا: إن مسمى الإضافة ليس أمرا وجوديا؛ لأنه لو كان هذا المسمى وجوديا لكان أينما حصل هذا المسمى كان وجوديا، فإذا فرضنا في إضافة ما كونها أمرا وجوديا، كانت لا محالة، صفة لمحل؛ فكان حلولها في ذلك المحل إضافة بينها وبين ذلك المحل؛ فكان مسمى الإضافة حاصلا في حلول تلك الإضافة في ذلك المحل.
وإذا كان ذلك المسمى أمرا وجوديا، كانت إضافة الإضافة أمرا وجوديا زائدا على الإضافة إلى غير نهاية؛ فثبت أن مسمى الإضافة يمتنع أن يكون وجوديا.
وإذا ثبت ذلك، وجب ألا يكون شيء من الإضافات المخصوصة وجوديا؛ لأن الإضافة المخصوصة ماهية مركبة من الإضافة، ومن الخصوصية، فلو كان أمرا وجوديا لكان الوجود: إما قيد الإضافة، أو قيد الخصوصية:
والأول: باطل؛ لما تقدم، والثاني أيضا: باطل؛ لأن خصوصية الإضافة صفة للإضافة، لو كانت الخصوصية أمرا ثبوتيا، لزوم حلول الوجود في النفي المحض؛ وهو محال؛ فثبت أن سائر الإضافات يمتنع أن يكون موجودا؛ فهو معدوم، والتعليل بالعدم غير جائز؛ على ما تقدم.
стр. 3424
والجواب: لا نسلم أن الإضافات أمور عدمية، والتسلسل مدفوع؛ لاحتمال أن تكون الإضافة إلى محلها لذاتها، وإن سلمنا أنها عدمية في الحقيقة، لكنها ثبوتية في المعتقدات؛ فيحسن جعلها علة للأحكام الشرعية.
وإن سلمنا كونها عدمية مطلقا، ولكن لا تسلم أن الأمور الذهنية لا تصلح للعلية، والله أعلم.
المسألة الخامسة
للمانع من التعليل بالعدم أن يمنع من التعليل بالإضافة؛ لأنها عدم
قال القرافي: قوله: "لو كان مسمى الإضافة وجوديا، كانت إضافة الإضافة وجودية، ولزم ما لا نهاية له":
قلنا: جاز أن تكون الإضافة منقسمة إلى: إضافة الحقائق غير [الإضافية]، فيكون ثبوتيا، وإلى إضافة، فتكون عدمية.
ويكون المشترك بينهما عدميا.
والنزاع يكون واقعا في أحد النوعين الذي هو إضافة الحقائق، دون إضافة الإضافة، ولا يلزم ذلك في إضافة الإضافة؛ لأنها مخالفة لإضافة الحقائق، ومع الاختلاف في الحقائق لا يلزم الاتفاق في اللوازم، فيبطل هذا البحث.
وقوله: "الإضافة المخصوصة مركبة من الإضافة ومن الخصوصية".
قلنا: قد يكون المشترك بين الإضافة وإضافة الإضافة، [و] ليس جزءا داخلا، بل لازما خارجا، وتكون الإضافة في نفسها وجودية صرفة بسيطة أو مركبة،
стр. 3425
وإضافة الإضافة عدمية صرفة، ومسمى الإضافة الذي هو قدر مشترك بينهما لازم خارج عنها، ولا تركيب حينئذ من العدم والوجود.
" تنبيه"
زاد التبريزي فقال: ليس من فروع المنع من التعليل بالعدم امتناع التعليل بالأوصاف الإضافية ؛ لأنها أمور محصلة، وهي منشأ الملاءمة التي
стр. 3426
هي جهة التأثير في الأكثر، فلو قطعنا النظر عن التخصصات وخصوص وصف الإضافات، لطاحت معظم المناسبات، فلم يتميز بعض الأفعال عن بعض إلا بصفات الأجناس كالقتل، والضرب، والغصب، أما قتل عن قتل، وضرب عن ضرب فلا، ونحن نعلم أن الفعل من حيث هو فعل وحركة لا مناسبة فيه للحكم، إن لم يكن يتضمن مصلحة ولا مفسدة، ولا حسنا ولا قبحا، وكما نعلم اختصاص القتل بمزيد ملائمة عن الضرب في اقتضاء الزجر؛ لتميزه عنه بصفة تعيينه، نعلم اختصاص قتل المسلم عن مسمى القتل بمزيد ملائمة لتمييزه بهذه الصفة، وكذا إذا [فرضناه] في محرم أو حرم، أو شهر حرام، وإن رجع ذلك إلى محض الإضافة إلى زمان، ومكان، ومحل، فلا يغرنك تشكيك القائل: إن الإضافة لو كانت وجودية، لكانت صفة للمضاف، وكانت مضافة، ولزم عدم التناهي.
ووجه بطلانه: أن العقل الصحيح يشهد أن زيادة علم بمعلوم يحصل عند الإحاطة بكون الحركة قبلا، وكون الجوهر مؤلفا، وعالما، وذا كون، فكذلك يحصل علم معلوم عند الإحاطة بكون الفعل واقعا في شخص معين أو موصوف.
وقوله: "يلزم إضافة الإضافة" كقول القائل: لو كان الفعل قتلا، أو كون الجوهر مؤلفا أمرا وجوديا، لكان صفة له، وكان كونه موصوفا به صفة أخرى، ولزم التسلسل في جميع الحقائق، والأمور الوجودية، حتى في الوجود، وهو باطل قطعا.
***
стр. 3427
المسألة السادسة
قال الرازي: تعليل الحكم الشرعي جائز؛ خلافا لبعضهم .
لنا: أن الدوران يفيد ظن العلية، فإذا حصل في الحكم الشرعي، حصل ظن العلية.
واحتج المانعون: بأن قالوا: الدوران لا يفيد ظن العلية فيما لا صلاحية العلة، ولا نسلم أن الحكم الشرعي يصلح أن يكون علة للحكم الشرعي؛ وبيانه بأمور:
أحدها: أن الحكم الشرعي الذي فرض علة: يحتمل كونه متقدما على الحكم الذي جعل معلولا، ويحتمل كونه متأخرا، ويحتمل كونه مقارنا، وعلى تقدير التقدم: لم يصلح للعلية؛ وإلا يزم تخلف الحكم عن علته، وعلى تقدير التأخر: لم يصلح للعلية؛ لأن المتأخر لا يكون علة للمتقدم، وعلى تقدير المقارنة: يحتمل أن تكون العلة هو، وأن تكون غيره.
فإذن: هو على التقديرات الثلاثة؛ لا يكون علة، وعلى تقدير واحد؛ يكون علة، ولا شك أن العبرة في الشرع بالغالب، لا بالنادر؛ فوجب الحكم بأنه ليس علة.
وثانيها: أن تفسير العلة: إما بالمعرف، أو الداعي، أو المؤثر: فإن فسرناها بالمعرف، امتنع تعليل حكم الأصل بحكم آخر؛ لأن المعرف لحكم الأصل هو النص، لا غيره.
стр. 3428
وأما الثاني والثالث: فباطلان؛ لأن من يقول بالمؤثر، والداعي يقول: "المؤثر والداعي جهات المفاسد والمصالح، فالقول بأن الحكم الشرعي مؤثر، أو داع- خرق للإجماع؛ وهو باطل".
وثالثها: أن شرط العلة التقدم على المعلول، وتقدم أحد الحكمين على الآخر غير معلوم، فإذن: شرط العلية مجهول؛ فلا يجوز الحكم بالعلية.
ورابعها: أن الشرع إذا أثبت حكمين في صورة واحدة، فليس لأحدهما مزية على الآخر في الوجود، والافتقار، والمعلومية، فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس، فإما أن نحكم بكون كل واحدة منهما علة للآخر؛ وهو محال، أو لا يكون واحد منهما علة للآخر؛ وهو المطلوب.
والجواب عن الأول: لا نسلم أن بتقدير التأخر لا يصلح للعلية؛ لأن المراد من العلة المعرف، والمتأخر يجوز كونه معرفا للمتقدم.
وعن الثاني: أنا نفسر العلة بالمعرف.
قوله: "الحكم في محل النص معرف بالنص، لا بغيره":
قلنا: سبق الجواب عنه في مقدمة الباب الثاني.
وعن الثالث: لا نسلم أن التقدم شرط العلية؛ على ما بيناه.
وعن الرابع: نقول: قوله: "ليس جعله علة للآخر بأولى من العكس":
قلنا: لا نسلم؛ فإنه ربما لا تتأتى المناسبة من الجانب الآخر.
وإن سلمنا ذلك، فنقول: إنه يجوز كون كل واحد منهما علة لصاحبة؛ بمعنى كون كل واحد منهما معرفا لصاحبه.
فرع: إذا جوزنا تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، فهل يجوز تعليل
стр. 3429
الحكم الحقيقي بالحكم الشرعي؟ ومثاله: أن نعلل إثبات الحياة في الشعر؛ بأنه يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح؛ فيكون حيا؛ كاليد
والحق أنه جائز؛ لأن المراد من هذه العلة المعرف؛ ولا يمتنع أن يجعل الحكم الشرعي معرفا للأمر الحقيقي
المسألة السادسة
يجوز تعليل الحكم بالحكم
قال القرافي: قوله: "الدوران يفيد الظن":
قلنا: قد تكرر منع مثل هذا، وأن الشرع لم يعتبر من الظن إلا مرتبة معينة، فلم قلتم: إن هذا الظن من المراتب التي اعتبرها الشرع؟
قوله: "العبرة في الشرع بالغالب":
يريد بالغالب- هاهنا- الكثرة؛ لأن الاحتمالات الثلاث أكثر من احتمال، وهذا لا يتم؛ لأن الغالب الذي اعتبره الشرع هو الكثرة في الوقوع باعتبار الزمن، فالذي تكون أزمنة وقوعه أكثر هو الغالب، والذي تكون أمنة وقوعه أقل هو النادر القليل، وهاهنا الزمان واحد، والكثرة في الاحتمالات، فليس هذا الموضع الذي اعتبره الشرع، فلا حجة فيه.
بل إذا اجتمع احتمالات يعارضها احتمال واحد، يجوز الواحد أرجح من الكثير، فإذا رأينا زيدا قد قتله السلطان، ولم يكن للسلطان عدة متفق عليها، فإنه لا يمكن ترجيح بعض هذه الاحتمالات على بعض الكثرة ولا بالقلة، بل بعلة خارجية، أو عادة متقدمه، أو نحو ذلك، وهاهنا لم يساعد على علية عدم التعليل ولا التعليل، فلم يحصل مستند باعتبار الوقوع.
стр. 3430
قوله: "لا يمكن [تعليل] حكم الأصل [بحكم آخر]؛ لأنه معلوم بالنص".
قلنا: المراد بأن العلة معرفة: أنا عرفناها بالنص في الأصل، وهي تعرفنا ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنها معرفة لحكم الأصل.
قوله: "كل واحد منهما معرف لصاحبه":
قلنا: يلزم الدور؛ فإن العلم بالمعرف يجرب تقدمه على العلم بالمعرف، فيتقدم كل واحد منهما على الآخر، ويلزم الدور.
وإنا الجواب أن نقول: أحد الحكمين معرف بالنص، أو بحكم آخر ينتهي إلى النصوص، والمعرف بالنص يعرف هذا الحكم المقيس حينئذ، والمقيس معرف على الإطلاق، ولم يعرف غيره ألبتة، فلا دور.
ثم إن الحكم الذي هو العلية لابد وأن يكون مناسبا الحكم المعلل، كقولنا: نجس فيحرم بيعه، وطاهر فتجوز الصلاة فيه، فالطهارة والنجاسة حكمان شرعيان، وحينئذ تتعين العلة والمعلوم، ويظهر ما هو أولى من الآخر بالعلية.
" سؤال"
كيف يتصور في الأحكام الشرعية التقدم والتأخر مع أنها كلها قديمة ، والقديم لا يتأخر عن القديم.
" جوابه"
أن المراد تكامل شروط التعلق ؛ فإن الحكم غي الأزل إنما يتعلق بشرط وجود المكلف، وسبب الحكم، وإرسال الرسل، وتنزل الوحى، فجاز أن يكون تنزل الوحى في أحدهما قبل الآخر، فتكمل شروطه في الآخر، فهذا هو [التقديم].
стр. 3431
" تنبيه"
زاد التبريزي فقال: نحن نعلل جواز الانتفاع، وصحة البيع، ووجوب الزكاة، ونفقة المملوك بالملك، وهو حكم شرعي .
ونعلل التوارث، ووجوب النفقة، والتمكن من الوطء، وصحة الطلاق، والظهار، وأمثالها، بالزوجية.
ونعلل بطلان البيع، والصلاة، ووجوب الغسل، بالنجاسة.
ونعلل [بالرق] والحرية أحكاما، وهي أحكام شرعية.
وليس من شرط العلة أن تكون معنى يقتضي حكما لأجله، بل يجوز أن يكون عارضا، والحكم في هذا المعنى كالوصف بل أبلغ؛ فإن خلو الوصف عن الحكمة جائز، وخلو الحكم عن الحكمة غير جائز، فالحكم كالوصف في تضمنه المصالح والحكم، والتعريف إنما يطلق على العلة باعتبار الفرع لا باعتبار الأصل. ولا فرق في ذلك بين الحكم والوصف.
"فائدة"
قال سيف الدين: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة بمعنى المعرف للحكم، لا في أصل القياس، بل في غيره؛ فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بهما حرمت كذا فقد حرمت كذا.
***
стр. 3432
المسألة السابعة
قال الرازي: يجوز التعليل بالأوصاف العرفية ، وهي الشرف والخسة، والكمال والنقصان؛ ولكن بشرطين:
أحدهما: أن يكون مضبوطا متميزا عن غيره.
والثاني: أن يكون مطردا؛ لا يختلف باختلاف الأوقات؛ فإنه لو لم يكن كذلك لجاز ألا يكون ذلك العرف حاصلا في زمان الرسول ﷺ ؛ وحينئذ: لا يجوز التعليل به.
المسألة السابعة
يجوز التعليل بالأوصاف العرفية
قال القرافي: قوله: "شرطه الاطراد في جميع الأوقات، وإلا احتمل ألا يكون في زمانه ﵇":
قلنا: قد يعلم وجوده في زمانه- ﵇ ثم يعلم انقطاعه، ثم يعلم وجوده في زماننا، فيتجه القياس مع عدم عمومه في الأوقات.
***
стр. 3433
المسألة الثامنة
قال الرازي: يجوز بالتعليل بالوصف المركب عند الأكثرين، وقال قوم: لا يجوز .
لنا: أن المناسبة مع الاقتران والدوران تفدي ظن العلية؛ فيجب العمل به.
احتج المنكرون بأمور ثلاثة:
أحدها: أن جواز التركيب في العلة يوجب تطرق النقض إلى العلة العقلية، واللازم محال؛ فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أن كل ماهية مركبة؛ فإن عدم كل واحد من أجزائها علة لعدم عليه تلك الماهية؛ لأن كون الماهية علة صفة من صفات الماهية، وتحقق الصفة يتوقف على تحقق الموصوف.
وإذا كان كذلك، كان عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة تامة؛ لعدم علية تلك الماهية، فإذا عدم جزء من أجزائها، فقد عدمت العلية، فإذا عدم بعد ذلك جزء آخر، لم يكن عدم هذا الجزء الثاني علة لعدم علية تلك الماهية؛ لأن ذلك قد حصل عند عدم الجزء الأول؛ فلا يحصل مرة أخرى بعدم الجزء الثاني، فقد حصل عدم جزء الماهية، مع انه لم يترتب عليه عدم علية تلك الماهية، فقد وجد النقض في العلة العقلية؛ لأن كون عدم جزء الماهية علة لعدم علية الماهية- أمر حقيقي، سواء كانت علية الشيء عقلية، أو وضعية؟
فإن قلت: "فهذا يقتضى ألا يكون في الوجود ماهية مركبة؛ لأن عدم كل واحد من أجزائها علة مستقلة لعدم تلك الماهية، ويعود المحال":
стр. 3434
قلت: ليست الماهية أمرا وراء مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم أحد تلك الأجزاء علة عدم شيء آخر.
وأما علية الماهية، فهي حكم زائد على ذات الماهية، وعدمها معلل بعدم كل واحد من أجزاء الماهية؛ فظهر الفرق.
وثانيها: أن كون الشيء علة لغيره صفة لذلك الشيء، سواء حصلت له تلك الصفة بذاته، أو بالجعل، فإذا كان الموصوف بالعلية أمرا مركبا فإما أن يقال: حصلت تلك الصفة بتمامها لكل واحد من تلك الأجزاء، وهو محال، أما أولا فلأنه يلزم كون الصفة الواحدة في المحال الكثيرة، وهو محال.
وأما ثانيا: فلأنه يلزم كون كل واحد من تلك الأجزاء علة تامة؛ لأنه لا معنى لكون الشيء علة إلا حصول العلية فيه، وإما أن يقال: "حصل في كل واحد من أجزاء العلة جزء من تلك العلية" وهذا أيضا محال؛ لأنه يقتضى انقسام الصفة العقلية؛ حتى يكون للعلية نصف، وثلث وربع؛ وهو محال.
وثالثها: أن كل واحد من تلك الأجزاء لم يكن علة، فعند انضمامها: إما أن يكون قد حدث أمر لم يكن، أو ما كان كذلك: فإن حدث أمر، فالمقتضى لحدوث ذلك الأمر: إما كل واحد من تلك الأجزاء، أو مجموعها:
فإن كان الأول: كان كل واحد من الأجزاء مستقلا باقتضاء العلية؛ فوجب كون كل واحد منها علة تامة؛ وذلك محال.
وإن كان الثاني: كان الكلام في اقتضاء ذلك المجموع لذلك الأمر الحادث، كالكلام في اقتضاء ذلك المجموع للعلية؛ فيلزم أن يكون بواسطة حدوث شيء آخر؛ ولزم التسلسل؛ وهو محال.
стр. 3435
وإن قلنا: إنه لم يحدث أمر، لم يكن حاصلا، فتلك الأجزاء حالة الاجتماع- كهي حالة الانفراد، ولكنها- حالة الانفراد- ما كانت علة، فكذا عند الاجتماع.
والجواب عن الأول: أن النقض إنما يلزم لو جعلنا عدم جزء الماهية علة؛ لعدم علية الماهية؛ وهو بناء على كون العدم علة؛ وهو ممنوع.
وعن الثاني: أن العلية ليست صفة ثبوتية؛ وإلا لزم التسلسل؛ على ما قررناه، وإذا لم تكن صفة ثبوتية، امتنع القول بأنها: إما أن تحل كل واحد من الأجزاء بتمامها، أو تنقسم بحسب انقسام أجزاء الماهية.
وعن الثالث: أنه منقوض بكل واحد من العشرة؛ فإنه ليس بعشرة، وعند اجتماعها: يكون المجموع عشرة، فكذا هاهنا.
فرعان:
الأول: نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي- ﵀ عن بعضهم، أنه قال: "لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة" وهذا الحصر لا أعرف له حجة.
والثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها، وشرط ذات العلة وشرط عليتها: وقبل الخوض فيه لابد من حد الشرط، وذكروا فيه وجهين:
الأول: انه الذي يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا من العلة، والثاني: أنه الذي يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم.
إذا عرفت ذلك، فمن الناس من أنكر هذا الفرق، ومنهم المثبتون للطرد، والمنكرون لتخصيص العلة.
واحتجوا عليه: بأن العلة الشرعية ما يكون معرفا للحكم، وهو إنما يكون
следующие страницы →